← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

المائدة والأعراف، وللجوزقي عن عبد الرزاق مثله لكن قال: الأنعام بدل المائدة فحصل الاتفاق على تفسير الطولى بالأعراف. وفي تفسير الأخرى ثلاثة أقوال المحفوظ منها الأنعام قال ابن بطال: البقرة أطول السبع الطوال فلو أرادها لقال طولى الطوال فلما لم يردها دل على أنه أراد الأعراف لأنها أطول السور بعد البقرة، وتعقب بأن النساء أطول من الأعراف، وليس هذا التعقب بمرض لأنه اعتبر عدد الآيات وعدد آيات الأعراف أكثر من عدد آيات النساء، وغيرها من السبع بعد البقرة والمتعقب اعتبر عدد الكلمات لأن كلمات النساء تزيد على كلمات الأعراف بمئتين. وقال ابن المنير: تسميته الأعراف والأنعام بالطوليين إنما لعرف فيهما لا أنهما أطول من غيرهما، واستدل بهذين الحديثين على امتداد وقت المغرب وعلى استحباب القراءة فيها بغير قصار المفصل. أما امتداد وقت المغرب فقد مرَّ الكلام عليه في باب وقت المغرب، وباب تأخير الظهر إلى العصر، واستدل الخطابي على امتداد وقتها إلى غروب الشفق بهذا الحديث والذي بعده فيه نظر؛ لأن مَنْ قال: إن لها وقتًا واحدًا لم يحده بقراءة معينة بل قالوا: لا يجوز تأخيرها عن أول غروب الشمس بل له أن يمد القراءة فيها ولو غاب الشفق. قلت: هذا خلاف مذهب مالك فمالك لا يقرأ عنده فيها إلا بقصار المفصل كما يأتي قريبًا واستشكل المحب الطبري إطلاق هذا، وحمله الخطابي قبله على أن يوقع ركعة في أول الوقت ويديم الباقي ولو غاب الشفق ولا يخفى ما فيه لأن تعمد إخراج الصلاة عن الوقت ممنوع ولو أجزات فلا يحمل ما ثبت عن النبي ﷺ على ذلك، وقد مرَّ في الباب المذكور من الأحاديث ما يدل على انصرافه ﵊ منها بسرعة، فقد مرَّ في حديث أنس قال: كنا نصلي المغرب مع النبي ﷺ ثم يرمي أحدنا ليرى موضع نبله. وروى عن جابر بن عبد الله أنهم كانوا يصلون المغرب ثم ينتضلون. وروي عن علي بن بلال قال: صليت مع نفر من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار فحدثوني أنهم كانوا يصلون مع النبي ﷺ المغرب ثم ينطلقون فيرتمون لا يخفى عليهم موقع سمهامهم حتى يأتوا ديارهم وهو أقصى المدينة في بني سَلِمة. رواه أحمد كما مرّ، ورواه الطحاوي وإذا كان هذا وقت انصرافه ﵊ من صلاة المغرب استحال أن يكون قد قرأ منها الأعراف ولا نصفها وقد أنكر على معاذ حين صلّى العشاء بالبقرة مع إتساع وقتها فالمغرب أولى بذلك فينبغي على هذا أن يقرأ بقصار المفصل في المغرب وهذا هو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وإسحاق والثوري والنخعي وعبد الله بن المبارك. وذهب حميد وعروة بن الزبير وابن هشام والظاهرية إلى استحباب القراءة في المغرب بطولى الطوليين فقالوا: الأحسن أن يقول بالسورة التي قرأ بها النبي ﷺ نحو الأعراف، والطور، والمرسلات

стр. 4202

فعند المالكية والشافعية يقرأ في الصبح والظهر من طوال المفصل، وفي العصر والعشاء من أوساطه، وفي المغرب من قصاره؛ لأن الصبح وقت النوم، والظهر وقت القيلولة فطولا ليدرك المتأخر، والعصر وقت إتمام الأعمال فخفف، والعشاء وقت الاستراحة فخفف أيضًا. وأما المغرب فإنها تأتي عند إعياء الناس من العمل وحاجتهم إلى العشاء ولاسيما الصوام، وقال الحنابلة: يقرأ في الصبح من طوال المفصل وفي المغرب من قصاره وفي الباقي من أوساطه، ومحل سنية الطوال والأوساط إذا كان المصلى منفردًا إلى آخر ما مرَّ مستوفى في باب إذا صلّى لنفسه فليطول ما شاء من أبواب الجماعة، وفي باب الغضب في الموعظة من كتاب العلم ومرّت حقيقة المفصل وتفصيله من بيان الطوال والأوساط والقصار عند الأئمة في باب إذا طول الإِمام وكان للرجل حاجة من الجماعة. وأجاب القائلون بالاقتصار على المفصل عمّا ثبت من قراءته ﵊ بطولى الطوليين في المغرب بأن قراءته ﷺ ليست كقراءة غيره. ألا تسمع قول الصحابي: ما صليت خلف أحدٍ أخف صلاة من رسول الله ﷺ ، وكان يقرأ بالستين إلى المئة، وقد قال ﷺ : "إن داود ﵊ كان يأمر بدوابه أن تسرج فيقرأ الزبور قبل إسراجها"، فإذا كان داود بهذه المثابة فسيدنا ﷺ أحرى بذلك وأولى. وإما إنكاره على معاذ فظاهر؛ لأنه غيره، واستدلوا بما أخرجه النَّسائيّ وصححه ابن خزيمة وغيره عن أبي هريرة أنه قال: ما رأيت أحدًا أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان، قال سليمان بن يسار: فكان يقرأ في الصبح بطوال المفصل وفي المغرب بقصار المفصل الحديث. وهذا يشعر بالمواظبة على ذلك. وفي حديث رافع المتقدم في المواقيت وما معه من الأحاديث أنهم كانوا ينتضلون بعد صلاة المغرب دلالة على تخفيف القراءة فيها وعند ابن ماجه بسند صحيح عن ابن عمر كان رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد، وكان الحسن يقرأ فيها إذا زلزلت والعاديات، ولا يدعهما، وروى ابن حِبّان عن جابر بن سمع أنه ﷺ كان يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة قل يا أيها الكافرون، وقيل هو الله أحد. وروى البزار في مسنده بسند صحيح عن بريدة: كان رسولُ اللهِ ﷺ يقرأ في المغرب والعشاء والضحى، وكان يقرأ في الظهر، والعصر بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك. وروى الطحاوي عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قرأ في المغرب بالتين والزيتون. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" وفي سنده. فقال وقال التِّرمِذِيّ: ذكر عن مالك أنه كره أن يقرأ في المغرب بالسور الطوال نحو الطور والمرسلات. وقال الشافعي: لا أكره ذلك بل استحب وكذا نقله البغوي في شرح السنة عن الشافعي. والمعروف عند الشافعية أنه لا كراهة في ذلك ولا استحباب، وأما مالك فاعتمد عمل أهل المدينة بل وغيرها. قال ابن دقيق العيد: استمر العمل على تطويل القراءة في الصبح وتقصيرها في المغرب والحق عندنا أن ما صحّ عن النبي ﷺ في ذلك وثبتت مواظبته عليه فهو وما لا تثبت مواظبته عليه فلا كراهة فيه، وقد مرّ تحقيق مذهب الشافعي، وقد وردت آثار

стр. 4203

كثيرة عن الصحابة فيها ما كانوا يقرؤون به من قِصار المفصل منها ما أخرجه الطحاوي عن زرارة بن أوفى قال: أقرأني أبو موسى في كتاب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما إليه أقرأ في المغرب آخر المفصل وآخر المفصل من لم يكن إلى آخر القرآن، ومنها ما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه عن أبي عثمان النهدي قال: صلّى بنا ابن مسعود المغرب فقرأ: قل هو الله أحد فوددت أنه قرأ سورة البقرة من حسن صوته. وأخرجه أبو داود والبَيْهقيّ أيضًا ومنها ما أخرجه ابن أبي شيبة أيضًا عن أبي نوفل بن أبي عقرب عن ابن عباس قال: سمعته يقرأ في المغرب: إذا جاء نصر الله والفتح، ومنها ما أخرجه ابن أبي شيبة أيضًا عن الحسن قال: كان عمران بن حصين يقرأ في المغرب إذا زلزلت والعاديات، ومنها ما أخرجه عبد الرزاق عن أبي عبد الله الصنابحي أنه صلّى وراء أبي بكر الصديق في المغرب قرأ في الركعتين الأوليين بأُم القرآن وسورتين من قِصار المفصل، ثم قرأ في الثالثة قال: فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد أن تمس ثيابه فسمعته يقرأ بأم القرآن وهذه الآية ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا إلى الوهاب. وعن مكحول أن قراءة هذه الآية كانت على سبيل الدعاء، ومرّت أحاديث صحاح من هذا المعنى في باب إذا طول الإِمام وكان للرجل حاجة. وروى أيضًا نحو هذا عن التابعين روى ابن أبي شيبة في مصنفه أن سعيد بن جبير كان يقرأ في المغرب مرّة بتنبىء أخبارها ومرّة تحدّث أخبارها. وروي عن الضحاك بن عثمان قال: رأيت عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه يقرأ في المغرب بقصار المفصل، وروي أيضًا عن محل قال: سمعت إبراهيم يقرأ في الركعة الأولى من المغرب لإيلاف قريش. وأخرج البيْهَقيّ في سننه عن هشام بن عروة أن أباه كان يقرأ في المغرب بنحو مما يقرؤون والعاديات ونحوها من السور. فهذه أحاديث وآثار كثيرة تدل على قراءة المفصل دون الطوال، والذي ذكره البخاري هنا في القراءة ثلاثة مختلفة المقادير؛ لأن الأعراف من السبع الطوال، والطور من طوال المفصل، والمرسلات من أوساطه. وفي ابن حِبّان عن ابن عمر أنه قرأ بهم في المغرب بالذين كفروا وصدوا عن سبيل الله. وطريق الجمع بين هذه الأحاديث أنه ﷺ كان أحيانًا يطيل القراءة في المغرب. إما لبيان الجواز وإما لعلمه رضا المأمومين وليس في حديث جُبير بن مطعم الآتي قريبًا دليلٌ على أن ذلك تكرر منه. وأما حديث زيد بن ثابت ففيه اشعار بذلك لكونه أنكر على مروان المواظبة على القراءة بقصار المفصل ولو كان مروان يعلم أن النبي ﷺ واظب على ذلك لاحتج على زيد، لكن لم يرد زيد منه فيما يظهر المواظبة على القراءة بالطوال، وإنما أراد منه أن يتعاهد ذلك كما رآه من النبي ﷺ . وفي حديث أُم الفضل إشعار بأنه ﷺ كان يقرأ في الصحة بأطول من المرسلات لكونه كان في شدة مرضه، وهو مظنة التخفيف، وهو يرد على أبي داود إدعاء نسخ التطويل؛ لأنه روى عقيب حديث زيد بن ثابت عن عروة أنه كان يقرأ في المغرب بالقصار قال: وهذا يدل على نسخ حديث زيد، ولم

стр. 4204

يبين وجه الدلالة، وكأنه لما رأى عروة راوي الخبر بخلافه حمله على أنه اطلع على ناسخه وكيف تصح دعوى النسخ وأُم الفضل تقول: إن آخر صلاة صلاّها بهم قرأ بالمرسلات؟ قال ابن خزيمة في صحيحه: هذا من الاختلاف المباح فجائز للمصلي أن يقرأ في المغرب وفي الصلوات كلها بما أحب إلا أنه إذا كان إمامًا استحب له أن يخفف في القراءة كما مرَّ، وهذا أولى من قول القرطبي ما ورد في مسلم وغيره من تطويل القراءة فيما استقر عليه التقصير أو عكسه، فهو متروك. واستدل ابن العربي باختلافها على عدم مشروعية سورة معينة في صلاة معينة. قال في "الفتح": وهو واضح فيما اختلف لا فيما لم يختلف كتنزيل وهل أتى في صلاة صبح الجمعة. قلت: هذا التقييد موافق لمذهبه ومن لم يقل بهذا كالمالكية الذين ابن العربي واحدٌ منهم لم يسلم هذا التقييد وادعى الطحاوي أنه لا دلالة في شيء من الأحاديث الثلاثة على تطويل القراءة لاحتمال أن يكون المراد أنه قرأ بعض السورة، ثم استدل لذلك بما رواه عن هشيم عن الزهري في حديث جبير بلفظ: سمعته يقول: إن عذاب ربك لواقع قال: فأخبر أن الذي سمعه من هذه السورة هي هذه الآية خاصة وليس في السياق ما يقتضي قوله خاصة مع كون رواية هشيم عن الزهري بخصوصها مضعفة بل جاء في روايات أُخرى ما يدل على أنه قرأ السورة كلها، فعند البخاري في التفسير سمعته يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ الآيات، إلى قوله: ﴿الْمُصَيْطِرُونَ﴾ كاد قلبي يطير. ونحوه لقاسم بن أصبغ وفي رواية أُسامة بن زيد ومحمد بن عمرو الآتيتين "في الباب" الذي بعده سمعته يقرأ: والطور وكتاب مسطور، ومثله لابن سعد في أخرى ثم استمعت قراءته حتى خرجت من المسجد ثم ادعى الطحاوي أن الاحتمال المذكور يأتي في حديث زيد بن ثابت وكذا أبداه الخطابي احتمالًا، وفيه نظر لأنه لو كان قرأ بشيء منها يكون قدر سورة من قصار المفصل لما كان لإنكار زيد معنى. وقد روى حديث زيد هشام بن عروة عن أبيه عنه أنه قال لمروان: إنك لتخف القراءة في الركعتين من المغرب فوالله لقد كان رسول الله ﷺ يقرأ فيها بسورة الأعراف في الركعتين جميعًا أخرجه ابن خزيمة، واختلف على هشام في صحابيه والمعروف عن عروة أنه زيد بن ثابت وقال أكثر الرواة عن هشام عن زيد بن ثابت أو أبي أيوب وقيل: عن عائشة. أخرجه النَّسائيّ مقتصرًا على المتن دون القصة. رجاله ستة: قد مرّوا، مرّ أبو عاصم في أثر بعد باب القراءة والعرض على المحدث، ومرّ ابن جريج في الثالث من الحيض، ومرّ ابن أي مليكة في باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله بعد الأربعين من الإيمان، ومرّ عروة في الثاني من بدء الوحي، ومرّ مروان بن الحكم في الرابع والخمسين من الوضوء ومرّ زيد بن ثابت في تعليق بعد الثاني والعشرين من كتاب الصلاة.

стр. 4205

لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواته ما بين بصريّ ومكيّ ومدنيّ. أخرجه أبو داود والنَّسائيّ في الصلاة. ثم قال المصنف: باب الجهر في المغرب اعترض الزين بن المنير على هذه الترجمة والذي بعدها بأن الجهر فيهما لا خلاف فيه وهو عجيب لأن الكتاب موضوع لبيان الأحكام من حيث هي وليس مقصورًا على الخلافيات.

стр. 4206

الحديث الرابع والثلاثون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ. قوله: "عن محمد بن جبير" في رواية ابن خزيمة عن الزهري حدّثني محمد بن جبير. وقوله: "قرأ في المغرب بالطُّور" في رواية ابن عساكر يقرأ وكذا في الموطأ ومسلم، وزاد المصنف في "الجهاد" عن محمد بن عمرو عن الزهري وكان جاء في أسارى بدر، ولابن حِبّان عن محمد بن عمرو عن الزهريّ أيضًا في فداء أهل بدر وزاد الإسماعيليّ عن معمر وهو يومئذ مشرك، وللمصنف في "المغازي" عن معمر أيضًا وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي. وللطبراني عن أُسامة بن زيد عن الزهريّ نحوه، وزاد فأخذني من قراءته الكرب. ولسعيد بن منصور عن الزهريّ فكأنما صدع قلبي حين سمعت القرآن. واستدل به على صحة أداء ما تحمله الراوي في حال الكفر وكذا الفاسق إذا أداه في حال العدالة. وقوله: "بالطّور" أي: بسورة الطور، وقال ابن الجوزي: يحتمل أن يكون الباء بمعنى من كقوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾، وقد تأول الطحاوي فيما مرّ عنه في الذي قبله الحديث على ذلك ومرّ ما تعقب عليه به. رجاله خمسة: قد مرّوا إلاَّ محمد بن جبير، مرَّ عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، وابن شهاب في الثالث منه، وجبير بن مطعم في السابع من الغُسل. وأما محمد فهو ابن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي النوفلي. أبو سعيد المدني ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وذكره في الطبقة الثانية من تابعي أهل المدينة، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وقال ابن خراش: كان ثقة، وقال ابن إسحاق: كان أعلم قريش بأحاديثها وقد كان أبوه من أنسب قريش لقريش وللعرب قاطبة. روى عن أبيه وعمر وابن عباس ومعاوية، وروى عنه أولاده عمر وجبير وسعيد، وإبراهيم والزهري وعمرو بن دينار، وسعد بن إبراهيم وغيرهم. قال ابن سعد: توفي في خلافة سليمان بن عبد الملك، وقال خليفة بن خياط: مات في خلافة

стр. 4207

عمر بن عبد العزيز، وذكر ابن سعد أن أبا مالك الحميري قال: رأيت نافع بن جبير يوم مات أخوه قد ألقى رداءه وهو يمشي وهذا يدل على أنه لم يبق إلى خلافة عمر بن عبد العزيز، فإن نافعًا بقي بعده ولم يدركها. لطائف إسناده: فيه التحديث والإخبار بالجمع والعنعنة والسماع والقول، ورواته ما بين مصريّ ومدنيّ. أخرجه البخاري أيضًا في الجهاد عن محمود، وفي التفسير عن إسحاق بن منصور ومسلم في الصلاة وأبو داود فيها، وفي التفسير وابن ماجه فيه. ثم قال المصنف: باب الجهر في العشاء قد مرّ في الترجمة التي قبلها اعتراض ابن المنير والجواب عنه وقدم هنا ترجمة الجهر على ترجمة القراءة عكس ما صنع في المغرب والذي في المغرب أولى ولعل هذا هنا من النساخ.

стр. 4208

الحديث الخامس والثلاثون حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ بَكْرٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْعَتَمَةَ فَقَرَأَ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ فَسَجَدَ فَقُلْتُ لَهُ: قَالَ: سَجَدْتُ خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ فَلاَ أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ. قوله: "فقلت له" أي: في شأن السجدة يعني سألته عن حكمها وفي الرواية التي بعدها فقلت: ما هذه السجدة؟ وقوله: "سجدت" زاد غير أبي ذرٍّ بها أي: بالسجدة أو الباء للظرف يعني فيها أي: السورة، وفي الرواية الآتية لغير الكشميهنيّ سجدت فيها. وقوله: "خلف أبي القاسم ﷺ " أي: في الصلاة وبه يتم استدلال المصنف لهذه الترجمة والتي بعدها وييان ذلك كونه علم محل السجود إذ لو لم يكن جهرًا لما علمه ونوزع المصنف في ذلك بأن سجوده في السورة أعم من أن يكون داخل الصلاة أو خارجها، فلا ينهض الدليل، ومشهور مذهب مالك أن تعمد قراءة سورة فيها سجدة مكروه في الفرض خاصة دون النفل، وإذا قرأها فيه ولو عمدًا سجد، ولو في وقت حرمة، لكن يقيد هذا بما إذا لم يتعمد قراءة السجدة في وقت النهي، وتجوز قراءتها في النفل. قال ابن المنير: لا حجة في الحديث على مالك حيث كره السجدة في الفريضة في المشهور عنه؛ لأنه ليس مرفوعًا وغفل عن رواية أبي الأشعث عن معتمر بهذا الإسناد بلفظ: صليت مع أبي القاسم فسجد فيها. ودليل المالكية الحق على كراهة قراءتها في الفرض هو أنها ليس عليها عمل أهل المدينة. وفي حديث الباب دلالةٌ على ذلك إذ لو كانت فاشيةً شائعةً لم ينكرْ أبو رافع التابعي الكبير فعلها، وما ذلك إلا لأنه لم ير أحدًا من الصحابة فعله، ويأتي في أبواب سجود القرآن إنكارُ أبي سَلَمة على أبي هريرة سجودها بقوله له في الحديث: فقلت: يا أبا هريرة ألم أرك تسجد فإنه استفهام إنكار من أبي سَلَمة مشعر بأن العمل استمر على خلاف ذلك وما نقل عن ابن عبد البر من أنه قال: أي: عمل يدعى مع مخالفة النبي ﷺ والخلفاء الراشدين بعده يجاب منه بأن هذا جرأة منه على إمام الأئمة وإمام المدينة الإِمام مالك فإن مالكًا لا يقبل من عمل أهل المدينة ويعتمد عليه إلا عمل الخلفاء الراشدين لأنهم يعلمون الأحدث فالأحدث من أفعاله ﷺ ، ويعملون بها. وقوله: "حتى ألقاه" كناية عن الموت لأن يحصل اللقاء معه ﵊.

стр. 4209

رجاله ستة: قد مرّوا، مرّ أبو النعمان في الحادي والخمسين من الإيمان، ومرّ أبو هريرة في الثاني منه، ومرّ المعتمر وأبوه سليمان في التاسع والستين من العلم، ومرّ بكر بن عبد الله وأبو رافع في الثالث والثلاثين من الغُسل. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة، والقول وفيه أربعة بصريون واثنان مدنيان أبو رافع وأبو هريرة، وفيه ثلاثة من التابعين سليمان ومَنْ بعده. أخرجه البخاري أيضًا في سجود القرآن عن مسدد ومسلم في الصلاة وكذا أبو داود والنَّسائيّ.

стр. 4210

الحديث السادس والثلاثون حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي سَفَرٍ فَقَرَأَ فِي الْعِشَاءِ فِي إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ. قوله: "في سفر" زاد الإسماعيليّ: فصلّى العشاء ركعتين، وقوله: "في أحدى الركعتين" في رواية النَّسائيّ في الركعة الأولى. وقوله: "بالتين" أي: بسورة التين، وفي الرواية الآتية والتين على الحكاية وإنما قرأ في العشاء بقصار المفصل لكونه كان مسافرًا والمسافر يطلب منه التخفيف. وحديث أبي هريرة محمول على الحضر فلذلك قرأ فيها بأوساط المفصل. رجاله أربعة: قد مرّوا، مرَّ أبو الوليد في العاشر من الإيمان، ومرَّ شعبة في الثالث منه، ومرّ عدي بن ثابت في الثامن والأربعين منه، ومرَّ البراء في الثالث والثلاثين منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة، والقول، والسماع. أخرجه البخاري أيضًا في التفسير عن حجاج بن منهال وعن أبي نعيم، وأخرجه مسلم في الصلاة وأبو داود والتِّرمِذِيّ وابن ماجه فيها والنَّسائيّ فيها وفي التفسير. ثم قال المصنف: باب القراءة في العشاء بالسجدة

стр. 4211

الحديث السابع والثلاثون حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ: حَدَّثَنِي التَّيْمِىُّ عَنْ بَكْرٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْعَتَمَةَ فَقَرَأَ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ فَسَجَدَ فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ؟ قَالَ: سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ فَلاَ أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ. مرّ ما فيه في الباب الذي قبله. رجاله ستة: قد مرّ ذكر محلهم في الذي قبله بحديث إلا مسدد ويزيد بن زريع، ومسدد مرّ في السادس من الإيمان، ومرّ يزيد بن زريع في السادس والتسعين من الوضوء، والتيمي المراد به سليمان بن طرخان. ثم قال المصنف: باب القراءة في العشاء

стр. 4212

الحديث الثامن والثلاثون حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ سَمِعَ الْبَرَاءَ رضى الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ فِي الْعِشَاءِ، وَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا مِنْهُ أَوْ قِرَاءَةً. الحديث مرّ قبل باب. وقوله فيه: "وما سمعت أحدًا أحسن صوتًا منه" هو من كلام البراء والضمير في منه للنبي ﷺ . وقوله: "أو قراءة" شك من الراوي وإنما كرر هذا الحديث لتضمنه ما ترجم له ولاختلاف بعض الرواة فيه ولما فيه من زيادة قوله وسمعت إلخ، وشيخ البخاري فيه من أفراده. رجاله أربعة: قد مرّ ذكر محل عدي والبراء في الذي قبله بحديث، ومرّ خلاد بن يحيى في التاسع والعشرين من الغُسل، ومرّ مسعَر بن كدام في السادس والستين من الوضوء. ورجاله كلهم كوفيون ثم قال المصنف: باب يطول في الأوليين ويحذف في الأخريين

стр. 4213

الحديث التاسع والثلاثون حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي عَوْنٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ لِسَعْدٍ لَقَدْ شَكَوْكَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى الصَّلاَةِ. قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَمُدُّ فِي الأُولَيَيْنِ، وَأَحْذِفُ فِي الأُخْرَيَيْنِ، وَلاَ آلُو مَا اقْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ صَلاَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: صَدَقْتَ، ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ، أَوْ ظَنِّي بِكَ. قوله: "لقد" باللام ولأبي الوقت والأصيلي قد. وقوله: "حتى الصلاة" بالجر على أن حتى جارة وتعقبه الدماميني بأن الجارة تكون بمعنى إلى وليست هنا كذلك، وإنما هي عاطفة فالجر بالعطف. وللأصيلي حتى في الصلاة بإعادة حرف الجر، وضبطها العيني بالرفع على أن حتى هنا غاية لما قبلها بزيادة كما في قولهم: مات الناس حتى الأنبياء. والمعنى حتى الصلاة شكوك فيها فيكون ارتفاعه على الابتداء وخبره محذوف. وقوله: "ولا آلو" بمد الهمزة وضم اللام أي: لا أقصر. وقوله: "ذلك الظن بك أو ظني بك" شك من الراوي، وهذا الحديث قد مرّ في باب وجوب القراءة للإمام والمأموم مطولاً ومرّت مباحثه هناك، ومرّ البعض منها عند ذكره في باب القراءة في الظهر مختصرًا، وأعاده هنا اما للإشارة إلى الروايتين في قوله: صلاتي العشاء أو العشي كما مرّ، وإما لإلحاق العشاء بالظهر والعصر لكون كل منهن رباعية ولغرض الترجمة مع ما بينهما من النقص والزيادة واختلاف رواة الإسناد. رجاله ستة: قد مرّوا إلا أبا عون. مرّ سليمان بن حرب في الرابع عشر من الإيمان، ومرّ شعبة في الثالث منه، ومرّ سعد بن أبي وقاص في العشرين منه، ومرّ عمر في الأول من بدء الوحي، ومرّ جابر بن سمرة في الرابع والعشرين من أبواب صفة الصلاة هذه، والباقي من الرجال أبو عون محمد بن عبيد الله بن سعيد الثقفي الكوفي الأعور، ذكره ابن حبّان في الثقات، وقال ابن معين وأبو زرعة والنسائيّ: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة وله أحاديث، وقال ابن شاهين في "الثقات": هو أوثق من عبد الملك بن عمير روى عن أبيه وأبي الزبير وجابر بن سمرة وسعيد بن جبير وشريح القاضي وغيرهم، وروى عنه الأعمش وأبو حنيفة ومِسعَر وشعبة والثوري وغيرهم. مات سنة من عشرة ومائة قال ابن سعد: في ولاية خالد على العراق. ثم قال المصنف:

стр. 4214

باب القراءة في الفجر يعني صلاة الصبح ثم قال: وقالت أُم سلمة: قرأ النبي ﷺ بالطور وهذا التعليق ذكره أيضًا تعليقًا في الباب الآتي بعد هذا بلفظ: طفت وراء الناس والنبي ﷺ يصلي ويقرأ بالطور. وأخرجه المصنف مسندًا في باب إدخال البعير المسجد للعلة آخر أبواب المساجد قبيل أبواب سترة المصلى، وتكلمنا عليه هناك. وأخرجه في مواضع من الحج وأورده هنا مستدلًا به للقراءة في الصبح. وفي الباب الآتي للجهر بقراءة صلاة الصبح وليس فيه بيان أن الصلاة حينئذ كانت الصبح ولكن تبين ذلك من رواية أخرى أوردها بعد أبواب عن هشام بن عروة عن أبيه بلفظ: إذا أُقيمت الصلاة للصبح فطوفي. وكذلك أخرجه الإسماعيليّ، وأما ما أخرجه ابن التين بلفظ: فقالت وهو يقرأ في العشاء الأخرة فشاذ، ولعله من سياق ابن لهيعة لأن ابن وهب رواه في "الموطأ" عن مالك فلم يعين الصلاة. كما رواه أصحاب مالك كلهم. أخرجه الدارقطني في "الموطات" له من طرق كثيرة وإذا تقرر ذلك فابن لهيعة لا يحتج به إذا انفرد فكيف إذا خولف وعرف بذلك اندفاع الاعتراض الذي حكاه ابن التين عن بعض المالكية حيث أنكر أن تكون الصلاة المذكورة صلاة الصبح فقال: ليس في الحديث بيانها والأولى أن تحمل على النافلة؛ لأن الطواف يمتنع إذا كان الإِمام في صلاة الفريضة وهو رد للحديث الصحيح بغير حجة بل يستفاد من الحديث جوازه بل يستفاد منه التفصيل فنقول: إن كان الطائف يمر بين يدي المصلين فيمتنع، كما قال، وإلا فيجوز. وحال أُم سَلَمة الثاني لأنها طافت من وراء الصفوف، وقد مرّ الكلام على المرور بين يدي المصلى في المسجد الحرام مفصلًا في باب السترة بمكة وغيرها، ويستنبط منه أن الجماعة في الفريضة ليست فرضًا على الأعيان إلا أن يقال: إن أُم سَلَمة حينئذ كانت شاكية فهي معذورة أو الوجوب في حق الرجال، وقال ابن رشيد ليس في حديث أُم سَلَمة نص على ما ترجم له من الجهر بالقراءة إلا أن يؤخذ بالاستنباط من حيث إن قولها: طفت وراء الناس يستلزم الجهر بالقراءة؛ لأنه لا يمكن سماعها للقراءة من ورائهم إلا إنْ كانت جهرية ويستفاد منه إطلاق قرأ وإرادة جهر. ومرّت أُم سَلَمة في السادس والخمسين من العلم.

стр. 4215

الحديث الأربعون حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سَيَّارُ بْنُ سَلاَمَةَ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَوَاتِ فَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، وَالْعَصْرَ وَيَرْجِعُ الرَّجُلُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ، وَلاَ يُبَالِي بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ وَلاَ يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَلاَ الْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَيُصَلِّى الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ فَيَعْرِفُ جَلِيسَهُ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ أَوْ إِحْدَاهُمَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ. قوله: "عن الصلاة" في رواية غير أبي ذَرٍّ الصلوات، والمراد المكتوبات. وقوله: "وكان يقرأ في الركعتين أو إحداهما ما بين الستين إلى المئة" أي: من الآيات، وهذه الزيادة تفرد بها شعبة عن أبي المنهال والشك فيه منه، وقد مرَّ عند ذكر هذا الحديث في باب وقت الظهر عند الزوال، وفي باب وقت العصر في رواية الطبراني تقديرها بالحاقة ونحوها فعلى تقدير أن يكون ذلك في كل الركعتين فهو منطبق على حديث ابن عباس في قراءته في صبح الجمعة تنزيل السجدة وهل أتى هكذا قال في "الفتح". والأولى عندي أن يقول: حديث أبي هريرة؛ لأنه هو الذي روى هذا عنه المؤلف في الجمعة وعلى تقدير أن يكون في كل ركعة فهومنطبق على حديث جابر بن سمرة في قراءته في الصبح. أخرجه مسلم وفي رواية له بالصافات، وفي أخرى عند الحاكم بالواقعة، وكأن المصنف قصد بإيراد حديثي أُم سَلَمة وأبي برزة في هذا الباب بيان حالتي السفر والحضر ثم ثلّث بحديث أبي هريرة الدال على عدم اشتراط قدر معين، وحديث أبي برزة هذا قد مرّ الكلام عليه مستوفى في المواقيت في المحل المذكور آنفًا. رجاله أربعة: وقد مرّوا، مرَّ آدم وشعبة في الثالث من الإيمان، ومرّ سيار بن سلامة وأبو برزة في الثامن عشر من كتاب المواقيت وفيه ذكر أبي سيار الذي هو سلامة ولم أر له تعريفًا.

стр. 4216

الحديث الحادي والأربعون حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضى الله عنه يَقُولُ: فِي كُلِّ صَلاَةٍ يُقْرَأُ، فَمَا أَسْمَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَسْمَعْنَاكُمْ، وَمَا أَخْفَى عَنَّا أَخْفَيْنَا عَنْكُمْ، وَإِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ أَجْزَأَتْ، وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ. قوله: "عن إسماعيل بن إبراهيم" هو المعروف بابن علية وقد تكلم يحيى بن معين في حديثه عن ابن جريج خاصة وقد تابعه عليه عبد الرزاق ومحمد بن بكر ويحيى بن أبي الحجاج عند أبي عوانة وغندر عند أحمد وخالد بن الحارث عند النَّسائيّ وابن وهب عند ابن خزيمة ستتهم عن ابن جريج منهم من ذكر الكلام الأخير ومنهم مَنْ لم يذكره، وتابع ابن جريج حبيب المعلم عند مسلم وأبي داود وحبيب بن الشهيد عند أحمد ومسلم ورقية بن مصقلة عند النّسائيّ وقيس بن سعد وعمارة بن ميمون عند أبي داود وحسين المعلم عند أبي نعيم في "المستخرج" ستتهم عن عطاء منهم من طوله، ومنهم مَنْ اختصره. وقوله: "في كل صلاة يُقْرأ" بضم أوله على البناء للمجهول، وفي رواية الأصيلي نقرأ بنون مفتوحة في أوله كذا هو موقوف وكذا عند مَنْ ذكرنا روايته إلا حبيب بن الشهيد فرواه مرفوعًا بلفظ: "لا صلاة إلاَّ بقراءة" رواه مسلم من رواية أي أُسامة عنه وقد أنكره الدارقطني على مسلم وقال: إن المحفوظ عن أبي أُسامة وقفه كلما رواه أصحاب ابن جريج وكذا رواه أحمد عن يحيى القطان وأي عبيدة الحداد كلاهما عن حبيب المذكور موقوفًا. وأخرجه أبو عوانة عن يحيى بن أبي الحجاج عن ابن جريج كرواية الجماعة لكن زاد في آخره، وسمعته يقول: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، وظاهر سياقه أن ضمير سمعته للنبي ﷺ ، فيكوة مرفوعًا بخلاف رواية الجماعة نعم قوله: "ما أسمعنا وما أخفى عنا" يشعر بأن جميع ما ذكره متلقى عن النبي ﷺ ، فيكون للجميع حكم الرفع وقوله: "وإن لم تزد" أي: بلفظ الخطاب ويينته رواية مسلم فقال له رجل: إن لم أزد. وكذا أخرجه البَيْهَقيّ عن يحيى بن محمد، وزاد أبو يعلى في أوله إذا كنت إمامًا فخفف وإذا كنت وحدك فطول ما بدا لك وفي كل صلاة قراءة الحديث. وقوله: "أجزأت" أي: كفت وحكى ابن التين رواية أُخرى جزت بغير ألف، وهي رواية

стр. 4217

القابسي واستشكله، ثم حكى عن الخطابي يقال جزى وأجزى مثل وفي وأوفى قال: فزال الإشكال. وقوله: "فهو خير" في رواية حبيب المعلم فهو أفضل، وفي هذا الحديث أن مَنْ لم يقرأ الفاتحة لم تصح صلاته، وهو شاهد لحديث عبادة المتقدم قاله في "الفتح". وفيه استحباب السورة أو الآيات مع الفاتحة، وهو قول الجمهور في الصبح والجمعة والأوليين من غيرهما، وصح إيجاب ذلك عن بعض الصحابة عثمان بن أبي العاص، وقال به بعض الحنفية وابن كنانة من المالكية، وحكاه القاضي الفراء الحنبلي في الشرح الصغير رواية عن أحمد، وقيل يستحب في جميع الركعات، وهو ظاهر حديث أبي هريرة هذا قاله في "الفتح". رجاله خمسة: مرّوا كلهم، مرّ مسدد في السادس من الإيمان، ومرّ إسماعيل بن علية في الثامن منه، وأبو هريرة في الثاني منه، ومرّ عطاء بن أي رباح في التاسع والثلاثين من العلم، ومرّ عبد الملك بن جريج في الثالث من الحيض. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإخبار بالجمع والإفراد والسماع والقول. أخرجه مسلم في الصلاة وأبو داو والنَّسائيّ. ثم قال المضنف: باب الجهر بقراءة صلاة الصبح ولغير أبي ذرٍّ صلاة الفجر وهو موافق للترجمة الماضية وعلى رواية أي ذرٍّ فلعله أشار إلى أنها تسمى بالأمرين، وقالت أُم سَلَمة: طفت وراء الناس والنبي ﷺ يصلي ويقرأ بالطور، وهذا قد مرّ في الباب الذي قبله، ومرّ الكلام عليه هناك ومرّ فيه محل أُم سَلَمة.

стр. 4218

الحديث الثاني والأربعون حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضى الله عنهما قَالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ، فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ. فَقَالُوا: مَا لَكُمْ؟ فَقَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ. قَالُوا: مَا حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلاَّ شَيْءٌ حَدَثَ، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ فَانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ بِنَخْلَةَ، عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ وَهْوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلاَةَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ فَقَالُوا: هَذَا وَاللَّهِ الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ. فَهُنَالِكَ حِينَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا: يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْلُ الْجِنِّ. قوله: "انطلق رسول الله ﷺ " هكذا اختصره البخاري هنا، وفي التفسير. وأخرجه أبو نعيم في "المستخرج" فزاد في أوله ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن ولا رآهم انطلق الخ. وأخرجه مسلم بالسند الذي أخرجه به البخاري فكان البخاري حذف هذه اللفظة عمدًا؛ لأن ابن مسعود أثبت أن النبي ﷺ قرأ على الجن فكان ذلك مقدمًا على نفي ابن عباس وقد أشار الى ذلك مسلم فأخرج عقب حديث ابن عباس هذا عقب حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: "أتاني داعي الجن فانطلقت معه فقرأت عليه القرآن" وسيأتي الكلام في آخر الحديث على قول ابن عباس هنا. وقوله: "في طائفة من أصحابه" قد ذكر ابن إسحاق أنه لم يكن معه من أصحابه إلا زيد بن حارثة. والمصنف قال في طائفة من أصحابه فلعلها كانت وجهة أخرى ويمكن الجمع بأنه لما رجع لاقاه بعضُ أصحابه في أثناء الطريق، فرافقوه، وزيد بن حارثة يأتي تعريفه في التاسع من كتاب الجنائز، وقد ذكر ابن إسحاق وابن سعد أن هذا كان في ذي القعدة سنة عشر من المبعث لما خرج النبي ﷺ إلى الطائف، ثم رجع، ويؤيد قوله في هذا الحديث أن الجن رأوه يصلي باصحابه صلاة الفجر والصلاة المفروضة إنما شرعت ليلة الإسراء، والإسراء كان على الراجح قبل الهجرة بسنتين

стр. 4219

أو ثلاث، فتكون القصة بعد الإسراء. وقوله: "عامدين" أي: قاصدين. وقوله: "إلى سوق عُكاظ" السوق مؤنثة، وربما ذكرت والتأنيث أغلب؛ لأنهم يحقرونها على سويقة واشتقاقها من سوق الناس إليها بضائعهم، وقيل سميت بذلك لقيام الناس فيها على سوقهم. وعُكاظ بضم العين وتخفيف الكاف وفي آخره ظاء معجمة. قال الليث: سميت عُكاظ لأن العرب كانت تجتمع فيها فيعكظ بعضهم بعضًا بالمفاخرة أي: يدعك، وقيل عُكاظ الرجل دابته إذا حبسها وتعكظ القوم تعكظًا إذا تحبسوا ينتظرون في أمرهم ومنه سميت عُكاظ وهي مصروفة لأهل الحجاز وغير مصروفة لتميم وهو موسم معروف للعرب بل كان من أعظم مواسمهم وهو نخل في وادي مكة والطائف وهو إلى الطائف أقرب بينهما عشرة أميال، وهو وراء قرن المنازل بمرحلة من طريق صنعاء اليمن في موضع يقال له الفُتُق بضم الفاء والمثناة بعدها قاف، وقيل: إن المكان الذي يجتمعون فيه منها يُقال له الابتداء، وكانت هناك صخور يطوفون بها، وقال البكري أول ما أحدثت قبل الفيل بخمس عشرة سنة، ولم تزل سوقًا إلي سنة تسع وعشرين ومائة، فخرج الخوارج فنهبوها فتركت إلى الآن، وكانوا يقيمون به جميع شوال يتبايعون ويتفاخرون وتنشد الشعراء ما تجدد لهم، وقد كثر ذلك في أشعارهم كقول حسان: سأنشر إن حييت لكم كلامًا ... ينشَّر في المجامع من عُكاظ وقال ابن التين: سوق عُكاظ من إضافة الشيء إلى نفسه، وعلى ما تقدم من أن السوق كانت تقام بمكان من عُكاظ يقال له الابتداء أو الفُتُق لا يكون كذلك، وأسند ابن الكلبي أن كل شريف كان إنما يحضر سوق بلده إلا سوق عُكاظ فإنهم كانوا يتوافون بها من كل جهة فكانت أعظم تلك الأسواق وفي حديث ابن عباس عند المؤلف في الحج كان ذو المجاز، وعُكاظ متجر الناس في الجاهلية فلما جاء الإِسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج، وذو المَجاز بفتح الميم ذكر الفاكهاني عن ابن إسحاق أنها كانت بناحية عرفة إلى جانبها، وعن ابن الكلبي أنه كان لهذيل على فرسخ من عرفة. وعن الكرماني أنه كان بمنى وليس بشيء لما رواه الطبراني عن مجاهد أنهم كانوا لا يبيعون ولا يتبايعون في الجاهلية بعرفة ولا بمنى، لكن أخرج الحاكم في "المستدرك" عن ابن عباس أن الناس في أول الحج كانوا يتبايعون بمنى، وعرفة، وسوق ذي المجاز ومواسم الحج فخافوا البيع، وهم حرم فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج. قال عطاء: فحدثني عبيد بن عمير أنه كان يقرؤها في المصحف. وأما مجنة فعن ابن إسحاق أنها كانت بمر الظهران إلى جبل يقال له الأصغر وعن ابن الكلبي كانت بأسفل مكة على بريد منها غربي البيضاء وكانت لكنانة، وقد مرَّ أنهم يقيمون بعُكاظ جميع شوال، ثم يأتون مجنة فيقيمون بها عشرين ليلة من ذي القعدة ثم يأتون ذا المجاز فيقيمون به إلى وقت الحج وروى الزبير بن بكار عن حكيم بن حزام أن عُكاظ كانت تقام صبح هلال ذي القعدة

стр. 4220

إلى أن يمضي عشرون يوما، ثم يقام سوق مجنة عشرة أيام إلى هلال ذي الحجة، ثم يقام سوق ذي المجاز ثمانية أيام، ثم يتوجهون إلى مني للحج، ومن أسواق العرب في الجاهلية أيضًا حُباشة بضم المهملة وتخفيف الموحدة بعدها ألف، ثم معجمة وكانت في ديار بارق نحو قَنُونى بفتح القاف وضم النون الخفيفة وبعد الألف نون مقصورة من مكة إلى جهة اليمن على ست مراحل، وإنما لم يذكر هذه السوق في الحديث لأنها لم تكن من مواسم الحج، وإنما كانت تقام في شهر رجب. قال الفاكهاني: "ولم تزل هذه الأسواق قائمة في الإِسلام إلى أن كان أول ما ترك منها عُكاظ في زمن الخوارج سنة تسع وعشرين ومئة كما مرَّ وآخر ما ترك منها سوق حباشة في زمن داود بن عيسى بن موسى العباسي في سنة سبع وتسعين ومئة"، وفي حديث أبي الزبير عن جابر أن النبي ﷺ لبث عشر سنين يتبع الناس في منازلهم في الموسم بمجنة، وعُكاظ يبلغ رسالات ربه الحديث أخرجه أحمد وغيره. وقوله في حديث ابن عباس: في مواسم الحج قال الكرماني: هو كلام الراوي ذكره تفسيرًا وفاته ما زاده المصنف في البيوع في حديث ابن عُيينة قرأها ابن عباس. ورواه ابن أبي عمر في مسنده عن ابن عُيينة، وقال في آخرها: وكذلك كان ابن عباس يقرؤها. وروى الطبري بإسناد صحيح عن أيوب عن عكرمة أنه كان يقرأها كذلك فهي على هذا من القراآت الشاذة وحكمها عند الأئمة حكم التفسير واستدل بحديث ابن عباس هذا على جواز البيع والشراء للمعتكف قياسًا على الحج والجامع بينهما العبادة وهو قول الجمهور، وعن مالك كراهة ما زاد على الحاجة كالخبز إذا لم يجد مَنْ يكفيه وكذا كرهه عطاء ومجاهد والزهري ولا ريب أنه خلاف الأولى والآية إنما نفت الجناح ولا يلزم من نفيه نفى أولوية مقابله وقوله: وقد حِيل بكسر الحاء المهملة وسكون التحتانية بعدها لام أي: حجز ومنع على البناء للمجهول. وقوله: "بين الشياطين وبين خبر السماء وأُرسلت عليهم الشُّهب" أي: بضمتين جمع شهاب وظاهر هذا أن الحيلولة وإرسال الشُّهب وقعا في هذا الزمان المتقدم ذكره. والذي تضافرت به الأخبار أن ذلك وقع لهم من أول البعثة النبوية وهذا مما يؤيد تغاير القصتين وأن مجيء الجن لاستماع القرآن كان قبل خروجه ﷺ إلى الطائف بسنتين ولا يعكر على ذلك إلا قوله في هذا الخبر أنهم رأوه يصلي بأصحابه صلاة الفجر؛ لأنه يحتمل أن يكون ذلك قبل فرض الصلوات ليلة الإسراء فإنه ﷺ كان قبل الإسراء يصلّي قطعًا وكذلك أصحابه، ولكن اختلف هل افترض قبل الخمس شيء أم لا؟ كما مرَّ محررًا في حديث الإسراء أول كتاب الصلاة، فيصح على هذا قول مَنْ قال: إن الفرض أولًا كان صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها والحجة فيه قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ ونحوها من الآيات فيكون إطلاق صلاة الفجر في حديث الباب باعتبار الزمان لا لكونها إحدى الخمس المفترضة ليلة الإسراء، فتكون قصة الجن

стр. 4221

متقدمة من أول المبعث. وقد أخرج التِّرمِذِيّ والطبري حديث الباب بسياق سالم من الإشكال المذكور عن أبي إسحاق عن أبن جبير عن ابن عباس قال: كانت الجن تصعد إلى السماء الدنيا يستمعون الوحي فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها أضعافًا الكلمة تكون حقًا وما زادوا يكون باطلًا فلما بعث النبي ﷺ منعوا مقاعدهم ولم تكن النجوم قبل ذلك يرمى بها. وأخرجه الطبري أيضًا وابن مردويه مطولًا عن ابن جبير وأوله كان للجن مقاعد في السماء يستمعون الوحي فبينما هم كذلك إذ بعث النبي ﷺ فدحرت الشياطين من السماء ورموا بالكواكب فجعل لا يصعد أحد منهم إلاَّ احتراق وفزع أهل الأرض لما رأوا من الكواكب، ولم تكن قبل ذلك فقالوا: هلك أهل السماء، وكان أهل الطائف أوّل مَنْ تفطن لذلك فعمدوا إلى أموالهم فسيبوها وإلى عبيدهم فعتقوها فقال لهم رجل: ويلكم لا تهلكوا أموالكم فإن معالمكم من الكواكب التي تهتدون بها لم يسقط منها شيء فأقلعوا. وعند أبي داود في كتاب "المبعث" عن الشعبي أن الذي قال لأهل الطائف ما قال هو عبد يالِيْل بن عمرو وكان قد عمي فقال: لا تعجلوا وانظروا، فإن كانت النجوم التي يرمى بها هي التي تعرف فهي عند فناء الناس وإن كانت لا تعرف فهو من حدث فنظروا فإذا هي نجوم لا تعرف فلم يلبثوا أن سمعوا بمبعث النبي ﷺ . وقد أخرجه الطبري عن السدي مطولًا وذكره ابن إسحاق في مختصر ابن هشام بغير إسناد مطولًا زاد في رواية يونس بن بكير فساق سنده بذلك عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدثه عن عبيد الله بن عبد الله أنه حدثه أن رجلًا من ثقيف يقال له عمرو بن أمية كان من أدهى العرب، وكان أوّل مَنْ فزع لما رمي بالنجوم من الناس فذكر نحوه. وأخرجه ابن سعد من وجه آخر عن يعقوب بن عتبة قال: أوّل العرب فزع من رمي النجوم ثقيف فأتوا عمرو بن أُمية وذكر الزبير بن بكار في النسب نحوه بغير سياقه ونسب القول المنسوب لعبد يا ليل لعتبة بن ربيعة فلعلهما تواردا على ذلك، وعند الطبري قال إبليس: حدث حدث في الأرض فأتى من كل أرض بتربة فشمها فقال لتربة تهامة هاهنا حدث الحدث فصرف نفرًا من الجن إليه فيهم الذين استمعوا القرآن فهذه الأخبار تدل على أن القصة وقعت أول البعثة وهو المعتمد وقد استشكل عياض وتبعه القرطبي، والنووي، وغيرهما من حديث الباب موضعًا آخر ولم يتعرضوا لما ذكرناه قال عياض: ظاهر الحديث أن الرمي بالشهب لم يكن قبل مبعث النبي ﷺ لإنكار الشياطين له وطلبهم سببه، ولهذا كانت الكهانة فاشية في العرب ومرجوعًا إليهم في حكمهم حتى قطع سببها بأن حِيل بين الشياطين وبين استراق السمع كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ وقد جاءت أشعار العرب باستغراب رميها وإنكاره إذ لم يعهدوه قبل المبعث وكان ذلك أحد دلائل نبوته ويؤيده ما ذكر في الحديث من إنكار الشياطين قال: وقال بعضهم: لم تزل النجوم يرمى بها مذ كانت الدنيا واحتجوا

стр. 4222

بما جاء من ذلك في أشعار العرب قال: وهذا مروي عن ابن عباس والزهري، ورفع فيه ابن عباس حديثًا أخرجه مسلم عنه عن رجال من الأنصار قالوا: كنا عند النبي ﷺ إذ رمى بنجم فاستنار فقال: "ما كنتم تقولون لهذا إذا رمي به في الجاهلية ... " الحديث. وأخرجه عبد الرزاق عن معمر قال: سئل الزهري عن النجوم أكان يرمى بها في الجاهلية؟ قال: نعم، ولكنه إذ جاء الإِسلام غلظ وشدد وهذا جمع حسن، وقال الزهري: هذا لمن اعترض عليه بقوله: "فمن يستمع الآن يجد له شهابًا رصدًا" ويحتمل أن يكون المراد بقوله ﵊ إذا رمي بها في الجاهلية أي: جاهلية المخاطبين ولا يلزم أن يكون ذلك قبل المبعث فإن المخاطب بذلك الأنصار، وكانوا قبل إسلامهم في جاهلية فإنهم لم يسلموا إلا بعد المبعث بثلاث عشرة سنة. وقال السهيلي: لم يزل القذف بالنجوم قديمًا وهو موجود في أشعار العرب القدماء من أهل الجاهلية كأوس بن حجر وبشر بن أبي حازم وغيرهما. وقال القرطبي تجمع بأنها لم تكن يرمى بها قبل المبعث رميًا يقطع الشياطين عن استراق السمع، ولكن كانت ترمى تارة ولا ترمى تارة، وترمى من جانب ولا ترمى من جميع الجوانب، ولعل الإشارة إلى ذلك بقوله: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا﴾. وقد جاء عن وهب بن منبه ما يرفع الإشكال ويجمع بين مختلف الأخبار قال: كان إبليس يصعد إلى السماوات كلهن يتقلب فيهن كيف شاء لا يمنع منذ أخرج آدم إلى أن رفع عيسى فحجب حينئذ من أربع سماوات فلما بعث نبينا ﵊ حجب عن الثلاث فصار يسترق السمع هو وجنوده ويُقذفون بالكواكب ويؤيده ما روى الطبري عن العوفي عن ابن عباس قال: لم تكن السماء تحرس في الفترة بين عيسى ومحمد فلما بعث محمد ﵊ حرست حرسًا شديدًا ورجمت الشياطين فأنكروا ذلك. ومن طريق السدي قال: إن السماء لم تكن تحرس إلا أن يكون في الأرض نبي أو دين ظاهر وكانت الشياطين قد اتخذت مقاعد يسمعون فيها ما يحدث فلما بُعث محمد رجموا. وقال الزين بن المنير ظاهر الخبر أن الشهب لم تكن يرمى بها وليس كذلك لما دل عليه حديث مسلم، وأما قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ فمعناه أن الشهب كانت ترمى فتصيب تارة ولا تصيب أُخرى، وبعد البعثة أصابتهم إصابة مستمرة فوضعوها لذلك بالرصد لأن الذي يرصد الشيء لا يخطئه فيكون المتجدد دوام الإصابة لا أصلها. وأما قول السهيلي: لولا أن الشهاب قد يخطىء الشيطان لم يتعرض له مرة أخرى فجوابه أن يجوزأن يقع التعرض مع تحقق الإصابة لرجاء اختطاف الكلمة وإلقائها قبل إصابة الشهاب، ثم لا يبالي المختطف بالإصابة لما طُبع عليه من الشر كما تقدم. وأخرج العقيلي وابن منده وغيرهما وذكره أبو عمر بغير سند عن لَهَب بفتحتين، ويُقال بالتصغير بن مالك الليثي قال: ذكرت عند النبي ﷺ الكهانة فقلت: نحن أوّل من أدرك حراسة

стр. 4223

السماء، ورجم الشياطين ومنعهم من استراق السمع عند قذف النجوم وذلك أنا اجتمعنا عند كاهن لنا يُقال له خطر بن مالك وكان شيخًا كبيرًا قد أتت عليه مائتا سنة وثمانون سنة فقلنا: يا خطر هل عندك علم من هذه النجوم التي يرمى بها فإنا فزعنا منها وخفنا سوء عاقبتها؟ الحديث، وفيه فانقضّ نجم عظيم من السماء فصرخ الكاهن رافعًا صوته: أصابه أصابه خامره عذابه أحرقه شهابه الأبيات. وفي الخبر أنه قال أيضًا: قد منع السمع عتاة الجان ... بثاقب يتلف ذي سلطان من أجل مبعوث عظيم الشان وفيه أنه قال: أرى لقومي ما أرى لنفسي ... أن يتبعوا خير بني الإنس الحديث بطوله قال أبو عمر: سنده ضعيف جدًا ولولا فيه حكم لما ذكرته لكونه علمًا من أعلام النبوءة والأصول فإن قيل إذا كان الرمي بها غلظ وشدد بسبب نزول الوحي فهلا انقطع بانقطاع الوحي بموت النبي ﷺ ونحن نشاهدها الآن يرمى بها، فالجواب يؤخذ من حديث الزهري المتقدم ففيه عند مسلم قالوا: كنا نقول: ولد الليلة رجل عظيم ومات رجل عظيم فقال النبي ﷺ : "فإنها لا ترمى لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا إذا قضى أمرًا أخبر أهل السماوات بعضهم بعضًا حتى يبلغ الخبر السماء الدنيا فيخطف الجن السمع فيقذفون به إلى أوليائهم". فيؤخذ من ذلك أن سبب التغليظ والحفظ لم ينقطع لما يتجدد من الحوادث التي تلقى بأمره إلى الملائكة فإن الشياطين مع شدة التغليظ عليهم في ذلك بعد المبعث لم ينقطع طمعهم في استراق السمع في زمن النبي ﷺ فكيف بما بعده. وقد قال عمر لغيلان بن سلمة لما طلق نساءه: إني أحسب أن الشياطين فيما تسترق السمع سمعت بأنك ستموت فألقت إليك ذلك الحديث. أخرجه عبد الرزاق وغيره. فهذا ظاهر في أن استراقهم السمع استمر بعد النبي ﷺ فكانوا يقصدون استماع الشيء مما يحدث فلا يصلون إلى ذلك إلا أن اختطف أحدهم بخفة حركته خطفة فيتبعه شهاب فإن أصابه قبل أن يلقيها لأصحابه فأتت وإلا سمعوها وتداولوها. وقوله: "ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث" القائل هو إبليس لعنه الله تعالى كما مرَّ. وقوله: "فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها" أي: سيروا فيها كلها. ومنه قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾، وعند أحمد عن ابن عباس فشكوا ذلك إلى إبليس

стр. 4224

فبث جنوده فإذا هم بالنبي ﷺ يصلي برحية في نخلة. وقوله: "فانطلق الذين توجهوا" قيل كان هؤلاء المذكورون من الجن على دين موسى، ولهذا قالوا: أُنزل من بعد موسى. وأخرج ابن مردويه عن عمر بن قيس عن ابن عباس أنهم كانوا تسعة وعنه أنهم كانوا سبعة من أهل نصيبين وقيل: إن نصيبين هذه قرية باليمن لا التي بالعراق، والصحيح أنها البلدة المشهورة بالجزيرة، وعند ابن أبي حاتم عن مجاهد نحوه لكن قال: كانوا أربعة من نصيبين وثلاثة من حران وهم: حساونسا، وشاصر، وماضر، والأدرس، ووردان، والأحقب. ونقل السهلي في التعريف أن ابن دُرَيد ذكر منهم خمسة شاحر وماضر ومنشء وناشء والأحقب. قال: وذكر يحيى بن سلام وغيره قصة عمرو بن جابر وقصة سرق وقصة زوبعة قال: فإن كانوا سبعة فالأحقب لقب أحدهم لا اسمه، واستدرك ابن عسكر ما تقدم عن مجاهد قال: فإذا انضم إليهم عمرو وسرق وزوبعة وكان الأحقب لقباً كانوا تسعة وهو مطابق لرواية عمر بن قيس المارة، وقد روى ابن مردويه أيضًا عن عكرمة عن ابن عباس: كانوا اثني عشر ألفًا من جزيرة الموصل فقال النبي ﷺ لابن مسعود: "انظرني حتى آتيك وخط عليه خطًا" الحديث. ويأتي تحرير هذا في آخر الحديث. وقوله: "نحو تِهامة" بكسر المثناة اسم لكل مكان غير عال من بلاد الحجاز سميت بذلك لشدة حرها اشتقاقًا من التَهَم بفتحتين وهو شدة الحر وسكون الريح وقيل: من تهم الشيء إذا تغير قيل لها ذلك لتغير هوائها قال البكري: حدها من جهة الشرق ذات عرق، ومن قبل الحجاز السرج بفتح المهملة وسكون الراء بعدها جيم قرية من عمل الفرع بينها وبين المدينة اثنان وسبعون ميلاً وقولهم: لتغير هوائها يخالفه ما في الصحيح من حديث النسوة حيث قالت الرابعة: زوجي كليل تهامة لا حر ولا قرّ فضربت المثل بطيب ليل تهامة وكانوا يضربون المثل بطيب ليله اللهم إلا أن يكون المراد تغير هواء ليلها عن هواء نهارها. وقوله: "إلى النبي ﷺ " في رواية أبي إسحاق فانطلقوا فإذا رسول الله ﷺ . وقوله: "بنَخلة" بفتح النون وسكون المعجمة موضع بين مكة والطائف، قال البكري: على ليلة من مكة، وهي التي ينسب إليها بطن نخل وفي رواية مسلم بنخل بلا هاء والصواب إثباتها. وقوله: "عامدين إلى سوق عُكاظ" في رواية التفسير وهو عامد ذكرت هنا بالجمع منصوب على الحال من فعل النبي ﷺ ، ومن كان معه أو ذكر بلفظ الجمع تعظيمًا له وهو أظهر لمناسبة رواية التفسير له. وقوله: "يصلي باصحابه صلاة الفجر" لم يختلف على ابن عباس في ذلك وفي رواية عبد الرزاق عن عمرو بن دينار قال: قال الزبير أو ابن الزبير: كان ذلك بنخلة والنبي ﷺ يقرأ في العشاء. وأخرجه ابن أبي شيبة عن عكرمة قال: قال الزبير فذكره وزاد: فقرأ كادوا يكونون عليه لبدا. وكذا أخرجه ابن أبي حاتم وهو منقطع والأول أصح. وقوله: "استمعوا له" وفي رواية تسمعوا

стр. 4225

له أي: قصدوا سماع القرآن وأصغوا إليه. وقوله: "فهنالك" هو ظرف مكان والعامل فيه قالوا وفي رواية فقالوا والعامل فيه رجعوا. وقوله: "فقالوا إنا سمعنا قرآنًا عجبا" أي: بديعًا مباينًا لسائر الكتب في حسن نظمه وصحة معانيه قائمة فيه دلائل الإعجاز وانتصاب عجبًا على أنه مصدر وضع موضع التعجب وفيه مبالغة، والعجب ما خرج عن حد أشكاله ونظائره. وقوله: "يهدي إلى الرشد" أي: يدعو إلى الصواب وقيل: يدعو إلى التوحيد والإيمان. وقوله: "فآمنا به" أي: بالقرآن. وقوله: "ولن نشرك بربنا أحدا" يعني: لما كان الإيمان بالقرآن إيمانًا بالله وبوحدانيته وبراءة من الشرك قالوا: لن نشرك بربنا أحدًا، قال الماوردي: ظاهر هذا أنهم آمنوا عند سماع القرآن، قال: والإيمان يقع بأحد أمرين إما بأن يعلم حقيقة الإعجاز وشروط المعجزة فيقع له العلم بصدق الرسول، أو يكون عنده علم من الكتب الأولى فيها دلائل على أنه النبي المبشر به وكلا الأمرين في الجن محتمل. وقوله: "وأنزل الله على نبيه ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ " زاد التِّرمِذِيّ قال ابن عباس: وقول الجن لقومهم: "لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا" قال: لما رأوه يصلي وأصحابه يصلون بصلاته يسجدون بسجوده قال: فتعجبوا من طواعية أصحابه له قالوا لقومهم ذلك، قال ابن عباس: لبدا أعوانًا. أخرجه التِّرمِذِيّ عنه في آخر الحديث المار قريبًا ووصله ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس هكذا، وقراءة الجمهور بكسر اللام وفتح الباء وهشام وحده بضم اللام وفتح الباء فالأولى جمع لبدة بكسر فسكون نحو قربة وقرب واللبدة واللبده الشيء الملبد أي: المتراكب بعضه على بعض وبه سمي اللبد المعروف والمعنى: كادت الجن يكونون عليه جماعة متراكبة مزدحمين عليه كاللبدة وأما التي بضم اللام فهي جمع لبدة بضم فسكون مثل غرفة وغُرف والمعنى: أنهم كانوا جمعًا كثيرًا كقوله تعالى: ﴿مَالًا لُبَدًا﴾ أي: كثيرًا، وروي عن أبي عمرو أيضًا بضمتين فقيل: هي جمع لَبُود مثل صُبُر وصَبُور، وهو بناء مبالغة وقرأ ابن محيض بضم فسكون وكأنها مخففة من التي قبلها، وقرأ الجحدري بضمة ففتحة مشددة جمع لابد كسُجَّد وساجد وهذه القراآت كلها راجعة إلى معنى واحد وهو أن الجن تزاحموا على النبي ﷺ لما استمعوا القرآن، وهو المعتمد. وروى عبد الرزاق عن قتادة لما قام النبي ﷺ تلبدت الإنس والجِن وحرصوا على أن يطفئوا هذا النور الذي أنزله الله تعالى، وهو في اللفظ واضح في القراءة المشهورة للغة مخالف في المعنى. وقوله: "وإنما أُوحي" قول الجن هذا كلام ابن عباس كأنه تقرر فيه ما ذهب إليه أولًا أنه ﷺ لم يجتمع بهم، وإنما أوحى الله إليه بانهم استمعوا ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ الآية، ولكن لا يلزم من عدم ذكر اجتماعه بهم أن لا يكون اجتمع بهم بعد ذلك كما تقدم من أن ابن مسعود أثبت أن النبي ﷺ قرأ على الجن.

стр. 4226

وعند المصنف في المبعث عن أبي هريرة: وأنه أتاني وقد جن نُصَيْبين ونعم الجن فسألوني الزاد فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا روثة إلا وجدوا عليها طعامًا. وهذا الحديث ظاهر في اجتماع النبي ﷺ بالجن وحديثه معهم لكنه ليس فيه أنه قرأ عليهم ولا أنهم الجن الذين استمعوا القرآن. لأن في حديث أبي هريرة أنه كان مع النبي ﷺ ليلتئذ. وأبو هريرة إنما قدم على النبي ﷺ في السنة السابعة في المدينة، وقصة استماع الجن للقرآن كان بمكة قبل الهجرة، وحديث ابن عباس صريح في ذلك فيجمع بين ما نفاه وما أثبته غيره بتعدد وفود الجن على النبي ﷺ . فأما ما وقع في مكة فكان لاستماع القرآن والرجوع إلى قومهم منذرين كما وقع في القرآن وأما في المدينة فللسؤال عن الأحكام، وذلك بيِّن في الحديثين المذكورين، ويحتمل أن يكون القدوم الثاني كان أيضًا بمكة وهو الذي يدل عليه حديث ابن مسعود كما سنذكره. وأما حديث أبي هريرة فليس فيه تصريح بأن ذلك وقع بالمدبنة، ويحتمل تعدد القدوم بمكة مرتين وبالمدينة أيضًا قال البيهقيّ: حديث ابن عباس حكى ما وقع في أول الأمر عندما علم الجن بحاله ﷺ ، وفي ذلك الوقت لمن يقرأ عليهم ولم يرهم، ثم أتاه داعي الجن مرة أخرى فذهب معه وقرأ عليه القرآن كما حكاه ابن مسعود وأشار بذلك إلى ما أخرجه أحمد والحاكم عن ابن مسعود قال: هبطوا على النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن ببطن نخل، فلما سمعوه قالوا: أنصتوا وكانوا سبعة أحدهم زوبعة، وهذا يوافق حديث ابن عباس. وأخرج مسلم عن علقمة قال: قلت لعبد الله بن مسعود: هل صحب أحدٌ منكم رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا فقدناه ذات ليلة فقلنا اغتيل استطير فبتنا شر ليلة فلما كان عند السحر إذا نحن به يجيء من نحو حراء فذكرنا له فقال: أتاني داعي الجن فأتيتهم فقرأت عليهم فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم. وقول ابن مسعود في هذا الحديث إنه لم يكن مع النبي ﷺ أصح مما رواه الزهري. أخبرني أبو عثمان بن شيبة الخزاعي أنه سمع ابن مسعود يقول: "إن رسول الله ﷺ قال لأصحابه وهو بمكة: من أحب منكم أن ينظر الليلة أثر الجن فليفعل قال: فلم يحضر منهم أحد غيري فلما كنا بأعلى مكة خط لي برجله خطًا ثم أمرني أن أجلس فيه ثم انطلق ثم قرأ القرآن فغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته، ثم انطلقوا، وفرغ منهم مع الفجر ثم انطلق" الحديث. قال البيهقي: يحتمل أن يكون قوله في الصحيح: ما صحبه منا أحدٌ أراد به في حال إقرائه القرآن لكن قوله في الصحيح إنهم فقدوه يدل على أنهم لم يعلموا بخروجه إلاَّ أن يحمل على أن الذي فقده غير الذي خرج معه ولرواية الزهري متابع من طريق موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن ابن مسعود قال: استتبعني النبي ﷺ فقال: إن نفرًا من الجن خمسة عشر بني إخوة وبني عم يأتونني الليلة فاقرأ عليهم القرآن فانطلقت معه إلى المكان الذي أراد فخط لي خطًا فذكر الحديث نحوه وأخرجه الدارقطني وابن مردويه وغيرهما، وقد مرَّ أن حراسة السماء من استراق الجن السمع كان قبل المبعث النبوي، ثم لما انتشرت الدعوة وأسلم مَنْ أسلم قدموا فسمعوا فأسلموا، وكان ذلك

стр. 4227

بين الهجرتين، ثم تعدد مجيئهم حتى في المدينة، وقد مرَّ في باب الأسير أو الغريم يربط في المسجد من أبواب المساجد كثير من مباحث الجن قل أن يبقى منها شيء بعدما هناك وما هنا. والمقصود عند البخاري من إخراجه لحديث ابن عباس هنا قوله: وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن استمعوا له فإنه ظاهر في الجهر. وفي الحديث إثبات وجود الشياطين والجن وأنهما لمسمى واحد وإنما صارا صنفين باعتبار الإيمان والكفر فلا يقال لمن آمن منهم إنه شيطان. وفيه أن الصلاة في الجماعة شرعت قبل الهجرة، وفيه مشروعيتها في السفر والجهر بالقراءة في صلاة الصبح وأن الاعتبار بما قضى الله تعالى للعبد من حسن الخاتمة لا بما يظهر منه من الشر، ولو بلغ ما بلغ لأن هؤلاء الذين بادروا إلى الإيمان بمجرد استماع القرآن لو لم يكونوا عند إبليس في أعلى مقامات الشر ما اختارهم للتوجه إلى الجهة التي ظهر له أن الحدث الحادث منها وقع ذلك فغلب عليهم ما قضي لهم من السعادة بحسن الخاتمة، ونحو ذلك قصة سحرة فرعون. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرَّ مسدد في السادس من الإيمان، ومرّ أبو عوانة وسعيد بن جبير وابن عباس في الخامس من بدء الوحي، ومرّ جعفر بن أبي وحشية في الثاني من العلم. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول ورواته ما بين بصريّ وواسطيّ وكوفيّ، أخرجه البخاري أيضًا في التفسير عن موسى بن إسماعيل والتِّرمِذِيّ والنّسائيّ فيه أيضًا ومسلم في الصلاة.

стр. 4228

الحديث الثالث والأربعون حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ فِيمَا أُمِرَ، وَسَكَتَ فِيمَا أُمِرَ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. وجه المناسبة منه ما مرّ في حديث أُم سلمة من إطلاق قرأ على جهر لكن يبقى خصوص تناول ذلك لصلاة الصبح فيستفاد ذلك من الذي قبله فكأنه يقول هذا الإجمال مفسر بالبيان الذي قبله لأن المحدث بهما واحد ويمكن أن يكون مراد البخاري بهذا ختم تراجم القراءة في الصلوات إشارة منه إلى أن المعتمد في ذلك هو فعل النبي ﷺ ، وأنه لا ينبغي لأحد أن يغير شيئًا مما صنعه. وقال الإسماعيليّ: إيراد حديث ابن عباس هنا يغاير ما مرّ من إثبات القراءة في الصلوات؛ لأن مذهب ابن عباس كان ترك القراءة في السرية وأجيب بأن الحديث الذي أورده البخاري ليس فيه دلالة على الترك، وأما ابن عباس فكان يشك في ذلك تارة وينفي القراءة أخرى وربما أثبتها. وقد مرّ ما روي عنه في ذلك مستوفى في باب القراءة في الظهر، ومرّ هناك ما يدل على رجوعه. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ بفتح النون وتشديد الياء أي: تاركًا؛ لأن النسيان في اللغة الترك، قال تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ و ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ قال الخطابي: مراده أنه لو شاء الله أن ينزل بيان أحوال الصلاة حتى تكون قرآنًا يتلى لفعل، ولم يتركه عن نسيان ولكنه وكل الأمر في ذلك إلى بيان نبيه ﷺ ، ثم شرع الاقتداء به ولا خلاف في وجوب أفعاله التي هي بيان لمجمل الكتاب كما أنه لا خلاف أيضًا في أن أفعاله التي هي من نوم وطعام وشبهها غير واجبة وإنما اختلفوا في أفعاله التي تتصل بأمر الشريعة مما ليس بيانًا لمجمل الكتاب والمختار أنها واجبة. وقوله "أُسوة" بضم الهمزة وكسرها أي قدوة. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ مسدد في السادس من الإيمان، ومرّ إسماعيل في الثامن منه، ومرّ أيوب في التاسع منه، ومرَّ عكرمة مولى ابن عباس في السابع عشر من العلم، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي.

стр. 4229

لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة، والقول، ورواته ما بين بصريّ وكوفيّ ومدنيّ وهذا الحديث من أفراد البخاري. ثم قال المصنف: باب الجمع بين السورتين في ركعة والقراءة بالخواتيم وبسورة قبل سورة وبأول سورة اشتمل هذا الباب على أربع مسائل: الجمع بين السورتين، وهو ظاهر من حديث ابن مسعود وحديث أنس أيضًا، والقراءة بالخواتيم وفي رواية بالخواتم بغير ياء، وهي مأخوذة من الإلحاق بالقراءة بالأوائل والجامع بينهما أن كلاً منهما بعض سورة ويمكن أن يؤخذ من قوله: قرأ عمر بمئة من البقرة ويتأيد بقول قتادة: كلٌّ كتاب الله قلت: أما الأخذ من قراءة عمر فغير ظاهر إذ ليس فيها تعيين الخواتم والمتبادر من العبارة الأوائل وأخذ ذلك من قول قتادة ظاهر وتقديم السورة على السورة على ما في ترتيب المصحف العثماني وذلك مأخوذ من حديث أنس ومن فعل عمر في رواية الأحنف عنه والقراءة بأول سورة وهي مأخوذ من حديث عبد الله بن السائب وحديث ابن مسعود. ثم قال: ويذكر عن عبد الله بن السائب قرأ النبي ﷺ المؤمنين في الصبح حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون أو ذكر عيسى أخذته سعلة فركع، وحديثه هذا وصله مسلم عن ابن جريج ولفظه قال: صلّى لنا رسول الله ﷺ الصبح بمكة فاستفتح بسورة المؤمنين حتى جاء ذكر موسى وهارون أو ذكر عيسى شك محمد بن عباد وشيخ ابن جريج أخذت النبي ﷺ سعلة فركع، وفي رواية بحذف فركع والسَعْلة بفتح السين وسكون العين من السعال. وعند ابن ماجه فلما بلغ ذكر عيسى وأُمه أخذته سعلة أو قال: شهقة وفي رواية شَرقة بفتح المعجمة وسكون ما بعدها، ورواية مسلم الصبح بمكة وفي رواية الطبراني يوم الفتح وإنما علقه البخاري بصيغة ويذكر مع أن إسناده مما تقوم به الحجة للاختلاف في سنده على ابن جريج فقال ابن عُيينة عنه عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن السائب أخرجه ابن ماجه، وقال أبو عاصم عنه عن محمد بن عباد عن أبي سلمة بن سفيان أو سفيان بن أبي سلمة ورواية لمسلم فحذف أي: ترك القراءة وفسره بعضهم برمي النخامة الناشئة عن السَعْلة والأول أظهر لقوله: فركع. ولو كان أزال ما عاقه عن القراءة لتمادى. وفي الحديث جواز قطع القراءة وجواز القراءة ببعض السورة وكرهه مالك وتعقب بأن الذي كرهه مالك أن يقتصر على بعض السورة مختارًا والمستدل به ظاهر في أنه كان للضرورة فلا يرد عليه وكذا ير على مَنْ استدل به على أنه لا يكره قراءة بعض الآية أخذًا من قوله: حتى جاء ذكر موسى وهارون أو ذكر عيسى لأن كلا من الموضعين يقع في وسط آية وفيه ما مرَّ. وجه الكراهة عند مالك للفاعل اختيارًا هو أن السورة مرتبط بعضها ببعض فإن موضع قطع فيه لم يكن كانتهائه إلى آخر السورة فإنه إن قطع في وقف غير تام كانت الكراهة ظاهرة وإن قطع في وقف تام، فلا يخفى أنه خلاف الأولى، وقد مرّ في الطهارة قصة الأنصاري الذي رماه العدو بسهم، فلم يقطع صلاته وقال:

стр. 4230

كنت في سورة فكرهت أن أقطعها وأقره النبي ﷺ على ذلك. مرّ في باب مَنْ لم ير الوضوء إلا من المخرجين قال في "الفتح" الكراهة لا تثبت إلابدليل، وأدلة الجواز كثيرة، وقد تقدم حديث زيد بن ثابت أنه قرأ الأعراف في الركعتين قلت: لعله تقدم في الشرح مع أني لم أطلع عليه وأما الذي تقدم في المتن عن زيد بن ثابت فإنما فيه أنه قرأ بطولى الطوليين، ثم قال: وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن أبي بكر الصديق أنه أمَّ الصحابة في صلاة الصبح بسورة فقرأها في الركعتين وهذا إجماع منهم، وروى محمد بن عبد السلام الخُشَني بضم الخاء المعجمة وفتح الشين المعجمة أيضًا عن الحسن البصري قال: غزونا خراسان ومعنا ثلاثمائة من الصحابة فكان الرجل منهم يصلي بنا فيقرأ الآيات من السورة ثم يركع. أخرجه ابن حزم محتجًا به. وروى الدارقطني بإسناد قوي عن ابن عباس أنه قرأ الفاتحة وآية من البقرة في كل ركعة، وما قاله مالك من الكراهة ذكرنا لك دليله العقلي والنقلي. فقدله: لا تثبت إلا بدليل جوابه أنها ثبتت بالدليل واستدل به على أن السعال لا يبطل الصلاة وهو واضح فيما إذا غلبه. وإن قطع القراءة لعارض السعال ونحوه أولى من التمادي في القراءة مع السعال أو التنحنح، ولو استلزم تخفيف القراءة فيما استحب فيه تطويلها وقال الرافعي في "شرح المسند" قد يستدل به على أن سورة المؤمنين مكية وهو قول الأكثر قال: ولمن خالف أن يقول يحتمل أن يكون قوله: بمكة أي: في الفتح أو في حجة الوداع، وقد صرّح بالاحتمال المذكور النَّسائي في روايته فقال: في فتح مكة وقد مرّت أول الحديث رواية الطبراني يوم الفتح. وعبد الله بن السائب هو ابن أبي السائب واسم أبي السائب صيفي بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي يكنى أبا عبد الرحمن وقيل أبا السائب يعرت بالقارىء وعليه قرأ مجاهد وغيره منْ قراء مكة قال ابن الكلبي كان شريك رسول الله ﷺ في الجاهلية عبد الله بن السائب. وأخرج البغوي عن مجاهد عن عبد الله بن السائب قال: أتيت النبي ﷺ لأبايعه فقلت له: أتعرفني قال: نعم، ألم تكن شريكًا لي مرة؟ قال ابن حجر: والمحفوظ أن هذا الحديث لأبيه السائب، وقال الواقدي: الذي كان شريكًا للنبي ﷺ في الجاهلية السائب بن أبي السائب، وقال غيرهما الذي كان شريكه ﷺ قيس بن السائب قال ابن عبد البر: وقد جاء بذلك كله الأثر. له سبعة أحاديث انفرد له مسلم بحديث روى عنه عطاء وابن أبي مليكة، توفي بمكة قبل ابن الزبير بيسير، أخرج له أبو داو والنَّسائيّ من رواية عطاء عنه شهدت العيد مع النبي ﷺ . وحديث سمعت رسول الله ﷺ يقول بين الركنين: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ الآية. ثم قال: وقرأ عمر في الركعة الأولى بمئة وعشرين آية من البقرة، وفي الثانية بسورة من المثاني والمثاني قيل ما لم يبلغ مئة آية أو بلغها وقيل ما عدا السبع الطوال إلى المفصل قيل: سميت مثاني لأنها ثنت السبع وسميت الفاتحة السبع المثاني لأنها تثنى في كل صلاة. وأما قوله : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ فالمراد بها سورة الفاتحة وقيل غير ذلك وهذا التعليق وصله ابن أبي

стр. 4231

شيبة في مصنفه عن أبي رافع قال: كان عمر رضي الله تعالى عنه يقرأ في الصبح بمئة من البقرة ويتبعها بسورة من المثاني، أو من صدور المفصل ويقرأ بمئة من آل عمران ويتبعها بسورة من المثاني، أو من صدور المفصل. وما ذكره البخاري فصل فيه بقوله: في الركعة الأولى وفي الثانية، وفي رواية ابن أبي شيبة لم يفصل فيحتمل أن تكون قراءته بمئة من البقرة واتباعها بسورة من المفصل في الركعة الأولى وحدها، وفي الثانية كذلك ويحتمل أن يكون هذا في الركعتين جميعًا فعلى الاحتمال تظهر المطابقة بينه وبين الجزء الأول من الترجمة فإن قيل الجزء الأول من الترجمة الجمع بين السورتين وهذا على ما ذكر جمع بين سورة ويعض سورة فالجواب أن المقصود من الجمع بين السورتين أعمّ من أن يكون بين سورتين كاملتين، أو بين سورة كلاملة، وبين شيء من سورة أخرى. وعمر مرّ في الأول من بدء الوحي. ثم قال: وقرأ الأحنف بالكهف في الأولى، وفي الثانية بيوسف، أو يونس وذكر أنه صلّى مع عمر رضي الله تعالى عنه الصبح بهما. وفي رواية وقال في الثانية: يونس ولم يشك وما روي عن الأحنف هنا من قراءة سورة في الركعة الأخيرة قبل السورة المقروءة في الأولى مكروه في مشهور مذهب مالك وعند أبي حنيفة وأحمد وكأنهم نظروا إلى أن رعاية الترتيب العثماني مستحبة واختلف هل رتبه الصحابة بتوقيف من النبي ﷺ ، أو باجتهاد منهم. قال القاضي أبو بكر الباقلاني: الثاني الصحيح. وأما ترتيب الآي فتوقيفي اتفاقًا. وهذا التعليق وصله جعفر الفريابي في كتاب الصلاة له وأبو نعيم في المستخرج وقد مرّ الأحنف في الرابع والعشرين من الإيمان وفيه ذكر عمر وقد مرّ محله الآن. ثم قال: وقرأ ابن مسعود بأربعين آية من الأنفال وقرأ في الثانية بسورة من المفصل وهذا مطابق للجزء الأخير من الترجمة وهو قوله بأول سورة ويجاب عن كون هذه الرواية لا تدل على أنه قرأ من أول الأنفال بأنه في رواية عبد الرزاق من وجه آخر بلفظ فافتتح الأنفال حتى بلغ ونعم النصير. وهذا الموضع هو رأس أربعين آية، فالروايتان متفقتان وتبين بهذا أنه قرأ بأربعين من أولها فاندفع الاستدلال به على قراءة خاتمة السورة بخلاف الأثر عن عمر فإنه محتمل. قال ابن التين: إن لم تؤخذ القراءة بالخواتم من أثر عمر، أو أبن مسعود لم يأت البخاري بدليل على ذلك وفاته ما قدمناه عند الترجمة من أنه مأخوذ بالإلحاق مؤيد بقول قتادة. وهذا التعليق وصله عبد الرزاق بلفظه عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي عنه وابن مسعود مرّ في أثر في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه. ثم قال: وقال قتادة فيمن يقرأ بسورة واحدة يفرقها في ركعتين أو يردد سورة واحدة في ركعتين كلٌّ كتاب الله وصله عبد الرزاق. وقتادة تابعي صغير يستدل لقوله ولا يستدل به وإنما أراد البخاري منه قوله: كل كتاب الله فإنه يستنبط منه جواز جميع ما ذكر في الترجمة وأما قول قتادة في ترديد السورة فلم يذكره المصنف في الترجمة قال ابن رشيد: لعله لا يقول به لما روي فيه من الكراهة عن بعض العلماء وفيه نظر؛ لأنه لا يراعى هذا القدر إذا

стр. 4232

صح له الدليل. وذكر هنا في هذا التعليق صورتين إحداهما أن يقرأ سورة واحده في ركعتين بأن يفرِّق السورة فيهما والثانية أن يكرر سورة واحده في ركعتين بأن يقرأ في الركعة الثانية السورة التي قرأ في الأولى أما الصورة الأولى فلما روى النسائي عن عائشة رضي اله تعالى عنها أن رسول الله ﷺ قرأ في المغرب بسورة الأعراف فرقها في ركعتين وروى ابن أبى شيبة عن أبي أيوب رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قرأ في المغرب بالأعراف في ركعتين وعن أبى بكر رضي الله تعالى عنه أنه قرأ بالبقرة في الفجر في الركعتين وقرأ عمر رضي الله تعالى عنه في الركعتين الأوليين من العشاء قطعهما فيهما، وأما الصورة الثانية فلما روى أبو داود عن معاذ بن عبد الله الجهني أن رجلًا من جهينة أخبره أنه سمع رسول الله ﷺ يقرأ في الصبح إذا زلزلت في الركعتين كلتيهما فلا أدري أنسي رسول الله ﷺ أم قرأ ذلك عمدًا، قال ابن المنير: ذهب مالك إلى أن يقرأ المصلي في كل ركعة بسورة كما قال ابن عمر لكل سورة حظها من الركوع والسجود قال: ولا تقسم السورة في ركعتين ولا يقتصر على بعضها ويترك البعض ولا يقرأ بسورة قبل سورة يخالف ترتيب المصحف قال: فإن فعل ذلك كله لم تفسد صلاته بل هو خلاف الأولى قال: وجميع ما استدل به البخاري لا يخالف ما قال مالك لأنه محمول على بيان الجواز وقد مرّ عند التعليق الأول من هذا الباب ما استدل به على كراهة تفريق السورة بين ركعتين. قال ابن المنير: والذي يظهر أن التكرير أخف من قسم السورة في ركعتين، وقال في "الفتح": نقل البيهقي في مناقب الشافعي عنه أن ذلك أي: الجمع بين سورتين مستحب وما عدا ذلك مما ذكر أنه خلاف الأولى هو مذهب الشافعي أيضًا وقالت الحنفية: إذا كرر سورة في ركعتين لا يكره، وقيل يكره، وفي "المبسوط" لا ينبغي أن يفعل وإن فعل فلا بأس به والأفضل أن يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة كاملة في المكتوية. وقد قال الشعبي وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وأبو العالية رفيع بن مهران: أنه لا ينبغي للرجل أن يزيد في كل ركعة من صلاته على سورة مع فاتحة الكتاب، واحتج القائلون بالكراهة بما رواه عبد الرزاق في مصنفه عن ابن لبيبة قال: قلت لابن عمر: أو قيل لابن عمر: إني قرأت المفصل في ركعة قال: أفعلتموها إن الله تعالى لو شاء لأنزله جملة واحدة فأعطوا كل سورة حظها من الركوع والسجود. وأخرجه الطحاوي أيضًا عن ابن لبيبة ولفظه: إن الله ﵎ لو شاء لأنزله جملة واحدة ولكن فصّله ليعطى كل سورة حظها من الركوع والسجود وأجيب عن هذا بأن حديث الرجل الأنصاري وحديث ابن مسعود الآتيين قريبًا وحديث عائشة وحذيفة نخالف هذا وإذا ثبتت المخالفة يصار إلى أحاديث هؤلاء لقوتها واستقامة طرقها. أما حديث عائشة فرواه الطحاوي عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة: أكان رسول الله ﷺ يقرن السورة؟ قالت: المفصل أي: نعم يقرن المفصل. وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا في مصنفه. وأما حديث حذيفة أخرجه النسائي عن صلة بن زفر عن حذيفة أن النبي ﷺ قرأ البقرة وآل عمران والنساء في ركعة واحدة الحديث. وأخرجه الطحاوي وقد مرَّ قتادة في السادس من الإيمان.

стр. 4233

الحديث الرابع والأربعون وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ رضى الله عنه كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ، وَكَانَ كُلَّمَا افْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ بِهَا لَهُمْ فِي الصَّلاَةِ مِمَّا يَقْرَأُ بِهِ افْتَتَحَ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى مَعَهَا، وَكَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، فَكَلَّمَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا: إِنَّكَ تَفْتَتِحُ بِهَذِهِ السُّورَةِ، ثُمَّ لاَ تَرَى أَنَّهَا تُجْزِئُكَ حَتَّى تَقْرَأَ بِأُخْرَى، فَإِمَّا أَنْ تَقْرَأَ بِهَا وَإِمَّا أَنْ تَدَعَهَا وَتَقْرَأَ بِأُخْرَى. فَقَالَ: مَا أَنَا بِتَارِكِهَا، إِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ أَؤُمَّكُمْ بِذَلِكَ فَعَلْتُ، وَإِنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُكُمْ. وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ أَفْضَلِهِمْ، وَكَرِهُوا أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ، فَلَمَّا أَتَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ فَقَالَ: يَا فُلاَنُ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَفْعَلَ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ أَصْحَابُكَ وَمَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؟. فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّهَا. فَقَالَ: حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ. وحديثه هذا وصله التِّرمِذِيّ، والبزار عن البخاري عن إسماعيل بن أبي أويس قال التِّرمِذِيّ: حسن صحيح غريب من حديث عبيد الله عن ثابت وأخرجه البَيْهَقيّ عن محرز بن سَلَمة كلاهما عن عبد العزيز الدراوردي عن عبيد الله وقد روى مبارك بن فضالة عن ثابت فذكر طرفًا من آخره وذكر الطبراني في الأوسط أن الدراوردي تفرد به عن عبيد الله وذكر الدارقطني في العلل أن حمّاد بن سَلَمة خالف عبيد الله في إسناده فرواه عن ثابت عن حبيب بن سبيعة مرسلًا قال: وهو أشبه بالصواب وإنما رجحه لأن رواية حمّاد بن سلمة تقدم في حديث ثابت لكن عبيد الله بن عمر حافظ حجة وقد وافقه مبارك في إسناده فيحتمل أن يكون لثابت فيه شيخان. وقوله: "كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء" ويأتي ما في الرجل المبهم من الخلاف في السند وعند المصنف في أول كتاب التوحيد عن عائشة أن النبي ﷺ بعث رجلًا على سرية وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بقل هو الله أحد إلخ. وعلى هذا فالذي كان يؤم بقباء غير أمير السرية ويدل على تغايرهما أن في رواية الباب أنه كان يبدأ بقل هو الله أحد وأمير السرية كان يختم بها وفي هذا أنه كان يصنع ذلك في كل ركعة ولم يصرح بذلك في قصة الآخر وفي هذا أن النبي ﷺ سأله وأمير السرية أمر أصحابه أن يسألوه وفي هذا أنه قال له أنه يحبها فبشره بالجنة وأمير السرية قال: إنها صفة الرحمن فبشره بأن الله يحبه والجمع بين

стр. 4234

هذا التغاير كله ممكن لولا ما ثبت من كون كلثوم بن الهِدْم الذي قيل: إنه هو الإِمام في مسجد قباء مات قبل البعوث والسرايا وأما من فسره بأنه قتالة بن النعمان فأبعد جدًا فإن في قصة قتادة أنه كان يقرؤها في الليل يرددها ليس فيه أنه أمَّ بها لا في سفر ولا حضر ولا أنه سئل عن ذلك ولا بشر وسيأتي ذلك واضحًا في فضائل القرآن. وقوله: "مما يقرأ به" أي: من السورة بعد الفاتحة. وقوله: "افتتح بقل هو الله أحد" تمسك به من لا تشترط قراءة الفاتحة" وأجيب بأن الراوي لم يذكر الفاتحة اكتفاء بالعلم لأنه لابد منها فيكون معناه افتتح بسورة بعد الفاتحة، أو كان ذلك قبل ورود الدليل الدال على اشتراط الفاتحة ويدل لهذا أنها لو كانت مشروعة حينئذ وتركها لأنكروا عليه لأنهم أنكروا عليه في جمع السورتين فلو كانت قراءة الفاتحة مطلوبة وتركها لأنكروا عليه أو كانوا أعادوا صلاتهم فإما أن يكون قرأها، أو تكون لم تشترط حينئذ. وقوله: "فكلمه أصحابه" يظهر منه أن صنيعه ذلك خلاف ما ألفوه من النبي ﷺ فيكون تقرير النبي ﷺ له على ذلك بيانًا للجواز كما مرّ عن ابن المنير. وقوله: "وكرهوا أن يؤمهم غيره" إما لكونه من أفضلهم كما ذكر في الحديث، وإما لكون النبي ﷺ هو الذي قرره. وقوله: "ما يأمرك به أصحابك" أي: يقولون لك. ولم يرد إلأمر بالصيغة المعروفة لكنه لازم من التخيير الذي ذكروه كأنهم قالوا له: افعل كذا أو كذا. وقوله: "ما يمنعك وما يحملك" سأله على أمرين فأجابه بقوله: إني أحبها وهو جواب عن الثاني مستلزم للجواب عن الأول بانضمام شيء آخر وهو إقامة السُنّة المعهودة في الصلاة، فالمانع مركب من المحبة والأمر المعهود من الصلاة بقراءة سورة أخرى. قلت: هكذا قال في "الفتح"، وتابعوه عليه وفيه أن قراءة سورة أخرى في كل ركعة من الصلاة ليس معهودًا من السُنة ولو كان معهودًا فيها لما أنكروا عليه، وقالوا له ما قالوا. والحامل على الفعل المحبة وحدها ودل تبشيره له بالجنة على الرضى بفعله، وقوله: حبك إياها أي: سورة الإخلاص والحب مصدر مضاف لفاعله وارتفاعه بالابتداء وقوله: أدخلك الجنة خبره لأنها صفة الرحمن تعالى فحبها يدل على حسن اعتقاده في الدين وعبّر بالماضي وإن كان دخوله الجنة مستقبلًا لتحقق الوقوع، وفي الحديث جواز الجمع بين السورتين في ركعة واحدة وقد مرَّ الكلام عليه في تعليق قتادة، وفيه أن المقاصد تغير أحكام الفعل لأن الرجل لو قال: إن الحامل له على إعادتها أنه لا يحفظ غيرها لأمكن أن يأمره بحفظ غيرها لكنه اعتل بحبها فظهرت صحة قصده فصوبه. قلت: هذا إنما يتم لو كان يقرؤها وحدها وأما حيث إنه يقرأ معها غيرها فكان يمكنه أن يأمره بترك إعادتها والاقتصار على الغير ولكن حبه إياها سوغ له إعادتها عنده ﵊ وفيه دليل على جواز تخصيص بعض القرآن بميل النفس إليه والاستكثار منه ولا يعد ذلك هجرانًا لغيره وفيه ما يشعر أن

стр. 4235

سورة الإخلاص مكية. قلت: لعل هذا فهم من قوله في الحديث فلما أتاهم النبي ﷺ بأن يكون المراد إتيانه من مكة وإلا فلا إشعار فيه غير هذا وفيه ما يشعر بأن الذي ينبغي أن يكون الإِمام من أفضل القوم وقد مرّ مبوبًا له وفيه أن الصلاة تكره وراء من يكرهه القوم. رجاله ثلاثة: وقد مرّوا، مرّ عبيد الله في الرابع عشر من الوضوء، ومرَّ ثابت البناني في تعليق بعد الخامس من العلم، ومرّ أنس في السادس من الإيمان وفيه ذكر رجل مبهم واختلف فيه فقيل إنه كلثوم بن الهِدْم بكسر الهاء وسكون الدال كما رواه ابن منده. وقيل كلثوم بن زهدم وقيل كرز بن زهدم ذكر الأقوال الثلاثة في "الفتح"، ثم قال: وأبعد مَنْ قال: انه قتادة بن النعمان جدًا وها أنا أذكر تعريف من عثرت على تعريفه من الجميع تتميمًا للفائدة فالأول كلثوم بن الهِدْم بكسر الهاء بن امرىء القيس بن الحارث بن زيد بن عبيد بن زيد بن مالك بن عوف بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي ذكر موسى بن عقبة وغيره من أهل المغازي أن النبي ﷺ نزل عليه بقباء أول ما قدم المدينة، وقال بعضهم: نزل على سعد بن خيثمة، وقال الواقدي: كان نزوله على كلثوم وكان يتحدث في بيت سعد بن خيثمة؛ لأن منزله كان منزل القرآن وذكر الطبري وابن قتيبة أنه أول مَنْ مات من أصحاب رسول الله ﷺ بالمدينة ثم مات بعده أسعد بن زرارة وأما كرز بن زهدم فقد قال في "الإصابة": ذكره الحافظ رشيد الدين بن العطار في حاشية المبهمات للخطيب وقال: هو الذي كان يصلي بقومه فيقرأ قل هو الله أحد الحديث، وفيه قوله: إنها صفة الرحمن فأنا أحب أن أقرأها وقرأت بخط شيخنا سراج الدين البلقيني أن اسم هذا كلثوم بن زهدم قال: ووهم مَنْ قال: كلثوم بن الهدم فإنه مات قديماً قبل هذه القصة فكأنه اعتمد على ما كتبه الرشيد العطار. ولم أرَ تعريفًا لكلثوم بن زهدم هذا ولابد من تعريف قتادة وان استبعد في "الفتح" أن يكون هو صاحب القصة قائلًا: إن في قصة قتادة أنه كان يقرؤها في الليل يرددها ليس فيه أنه أمَّ بها لا في حضر ولا في سفر ولا أنه سئل عن ذلك ولا بشر فأقول: قتادة هو ابن النعمان بن زيد بن عامر بن سواد بن كعب وكعب هو طريف بن الخزرج بن مالك بن أوس الظفري الأنصاري يكنى أبا عمرو وقيل أبا عبد الله أخو أبي سعيد الخدري لأمه أمهما أنيسة بنت قيس البخّارية شهد بدرًا والمشاهد كلها وحكى ابن شاهين عن ابن أبي داود أنه أول من دخل المدينة بسورة من القرآن وهي سورة مريم. وأخرج البغوي وأبو يعلى أن عينه أُصيبت يوم بدر فسألت حدقته على وجنته فأرادوا قطعها فقالوا: لا، حتى نستأمر رسول الله ﷺ فاستأمروه فقال: لا، ثم دعا به فوضع راحته على حدقته ثم غمزها وقال: "اللهم اكسه جمالًا" لا يدرى أي عينيه ذهبت فمات وإنها لأحسن عينيه وما مرضت بعد قال عمر بن عبد العزيز: كنا نتحدث إنها تعلقت بعرق فردها رسول الله ﷺ وقال: "اللهم اكسه الجمال"، وروى الأصمعي أن رجلًا من ولد قتادة وفد على عمر بن عبد العزيز بديوان أهل المدينة

стр. 4236

فلما قدم عليه قال عمر ممن الرجل فقال: أنا ابن الذي سالت على الخد عينه ... فردت بكف المصطفى أحسن الرد فعادت كما كانت لأول أمرها ... فيا حسن ما عين ويا حسن ما رد فقال عمر ﵀: تلك المكارم لا قعبانِ من لبن ... شيبا بماء فعادا بعدُ أبوالا وقيل: إنها أُصيبت يوم أُحد قال عبد الله بن محمد بن عمارة أن قتادة رميت عينه يوم أُحد فسالت حدقته على وجهه فأتى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله إن عندي امرأة أحبها وإن هي رأت عيني خشيت أن تقذرني فردها رسول الله ﷺ فاستوت فكانت أقوى عينيه وأصحهما. وقيل يوم الخندق قال ابن عبد البر: والأول أصح وكانت معه يوم الفتح راية بني ظَفَر وكان من فضلاء الأنصار. وأخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري في قصة ساعة الجمعة قال: هاجت السماء فخرج النبي ﷺ لصلاة العشاء فبرقت برقة فرأى قتادة بن النعمان فقال: ما السرى يا قتادة؟ قال: يا رسول الله إن شاهد العشاء قليل فأردت أن أشهدها قال: فإذا صليت فائتني فلما انصرف أعطاه عرجونًا فقال: خذ هذا فسيضيء أمامك عشرًا فإذا دخلت البيت ورأيت سوادًا في زاوية البيت فاضربه قبل أن يتكلم فإنه شيطان، وأخرج هذه القصة الطبراني من وجه آخر وقال: إنه كان في صورة قنفذ. له سبعة أحاديث انفرد له البخاري بحديث روى عنه أخوه لأُمه أبو سعيد الخدري وابنه عمر ومحمود بن لبيد وآخرون، مات في خلافة عمر فصلّى عليه ونزل في قبره وعاش خمسًا وستين سنة.

стр. 4237

الحديث الخامس والأربعون حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ اللَّيْلَةَ فِي رَكْعَةٍ. فَقَالَ: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرِنُ بَيْنَهُنَّ فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنَ الْمُفَصَّلِ سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. قوله: "قرأت المفصل، قد مرّ في باب إذا طول الإِمام الخ حقيقة المفصل وما قيل فيه، ولقول هذا الرجل قرأت المفصل سبب بينه مسلم في أول حديثه عن أبي وائل قال: جاء رجل يقال له نهيك بن سنان إلى عبد الله فقال: يا أبا عبد الرحمن كيف تقرأ هذا الحرف من ماء غير آسن، أو غير ياسين؟ فقال عبد الله: كل القرآن أحصيت غير هذا؟ قال: إني لأقرأ المفصل في ركعة. وقوله: هَذّا كهذ الشعر بفتح الهاء وتشديد الذال المعجمة أي: سردًا وإفراطًا في السرعة وهو منصوب على المصدر وهو استفهام إنكار بحذف أداة الاستفهام وير ثابتة عند مسلم وقال ذلك لأن تلك الصفة كانت عادتهم في إنشاد الشعر وزاد فيه مسلم أن أقوامًا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وزاد أحمد وإسحاق عن الأعمش فيه ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع وهو في رواية مسلم دون قوله: نفع. قال المهلب: إنما أنكر عليه عدم التدبر وترك الترسل لا جواز الفعل. وقوله: "لقد عرفت النظائر" جمع نظيرة وهي السور التي يشبه بعضها بعضًا في الطول والقصر. وقيل المراد المماثلة في المعاني كالموعظة أو الحكم، أو القصص لا المماثلة في عدد الآي كما سيظهر عند تعيينها. قال المحب الطبري: كنت أظن أن المراد تساويها في العد حتى اعتبرتها فلم أجد فيها شيئًا متساويًا قلت: ما رجح به العيني المعنى الأول غير ظاهر؛ لأنه تقارب لا تساو والحديث إنما فيه النظائر، وهي المتساويات لا المتقاربات فتأمله. وقوله: "يقرُن" أي: بضم الراء وكسرها وقوله: "عشرين سورة من المفصل سورتين من آل حم في كل ركعة" وفي فضائل القرآن عن أبي وائل ثماني عثرة سورة من المفصل وسورتين من آل حم وإنما سمعه أبو وائل عن علقمة عن عبد الله، وقال علقمة على تأليف ابن مسعود آخرهن حم الدخان

стр. 4238

وعم يتساءلون، ولابن خزيمة عن الأعمش مثله، وزاد فيه فقال الأعمش: أولهن الرحمن وآخرهن الدخان، ثم سردها كما سردها أبو داود فقال بعد قوله: كان يقرأ النظائر السورتين في كل ركعة الرحمن والنجم في ركعة واقتربت والحاقة في ركعة والذاريات والطور في ركعة والواقعة ونون في ركعة وسأل والنازعات في ركعة وويل للمطففين وعبس في ركعة والمدثر والمزمل في ركعة وهل أتى ولا أقسم في ركعة، وعم يتساءلون والمرسلات في ركعة، وإذا الشمس كورت والدخان في ركعة هذا لفظ أبي داود. ولابن خزيمة مثله إلا أنه لم يقل في ركعة في شيء منها وذكر السورة الرابعة قبل الثالثة والعاشرة قبل التاسعة ولم يخالفه في الاقتران. وعرف بهذا أن قوله في رواية واصل وسورتين من آل حم مشكل؛ لأن الروايات لم تختلف أنه ليس في العشرين من الحواميم غير الدخان فيحمل على التغليب، أو فيه حذف كأنه قال: وسورتين إحداهما من آل حم وكذا قوله: آخرهن حم الدخان وعم يتساءلون مشكل؛ لأن حم الدخان آخرهن في جميع الروايات، وأما عمّ فهي في رواية أبي خالد الأحمر عند ابن خزيمة الثامنة عشرة وفي رواية أبي إسحاق عند أبي داود السابعة عشرة فكان فيه تجوز لأن عمّ وقعت في الركعتين في الجملة ويتبين بهذا أن في قوله: في حديث الباب عشرين سورة من المفصل تجوزًا لأن الدخان ليست منه ولذلك فصلها من المفصل في رواية واصل نعم يصح ذلك على أحد الآراء في حد المفصل كما مرَّ في المحل المذكور آنفًا، وفيه من الفوائد كراهة الإفراط في سرعة التلاوة لأنه ينافي المطلوب من التدبر والتفكر في معاني القراءة ولا خلاف في جواز السرد بدون تدبر، لكن القراءة بالتدبر أعظم أجرًا، وفيه جواز تطويل الركعة الأخيرة على ما قبلها وقد مرّ الكلام على هذا في باب القراءة في الظهر. وهذا الحديث أوّل حديث موصول أورده في هذا الباب، فلهذا صدر الترجمة بما دل عليه، وفيه ما ترجم له، وهو الجمع بين السور؛ لأنه إذا جمع بين السورتين ساغ الجمع بين ثلاث فصاعدًا لعدم الفرق. وقد روى أبو داود وصححه ابن خزيمة عن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة أكان رسول الله ﷺ يجمع بين السور؟ قالت: نعم من المفصل. ولا يخالف هذا ما يأتي في التهجد أنه جمع بين البقرة وغيرها من الطوال لأنه يحمل على النادر، وقال عياض: حديث ابن مسعود هذا يدل على أن هذا القدر كان قدر قراءته غالبًا، وأما تطويله فإنما كان في التدبر، والترتيل، وما ورد غير ذلك من قراءة البقرة، وغيرها في ركعة فكان نادرًا. قال في "الفتح": لكن ليس في حديث ابن مسعود ما يدل على المواظبة، بل فيه أنه كان يقرن بين هذه السور المعنيات إذا قرأ من المفصل قلت: لفظة كان المذكورة في الحديث مما يدل على الدوام والاستمرار فتغير ما قاله عياض. فلعل صاحب "الفتح" غفل عن ذلك، وفيه موافقة لقول عائشة، وابن عباس أن صلاته بالليل كانت عشر ركعات غير الوتر، وفيه ما يقوي قول القاضي أبي بكر الباقلاني المار: إن تأليف السور كان عن اجتهاد من الصحابة لأن تأليف عبد الله المذكور مغاير لتأليف مصحف عثمان وسيأتي ذلك في باب

стр. 4239

مفرد في فضائل القرآن إن شاء الله تعالى. رجاله خمسة: قد مرّوا، وفيه ذكر رجل مبهم، مرَّ آدم وشعبة في الثالث من الإيمان، ومرّ أبو وائل في الحادي والأربعين منه، ومرَّ ابن مسعود في أوله قبل ذكر حديث منه، ومرّ عمرو بن مرة في السبعين من أبواب الجماعة، والرجل المبهم هو نَهِيك بفتح النون وكسر الهاء بن سِنان بكسر السين، ولم أر لنَهِيك هذا رواية ولا تعريفًا. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والسماع، والقول، ورواته ما بين عسقلانيّ، وواسطيّ وكوفيّ. أخرجه مسلم والنَّسائيّ في الصلاة. ثم قال المصنف: باب يقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب يعني بغير زيادة وسكت عن ثالثة المغرب رعاية للفظ الحديث مع أن حكمها حكم الأخريين من الرباعية ويحتمل أن يكون لم يذكرها لما رواه مالك عن الصنابحي أنه سمع أبا بكر الصديق يقرأ فيها: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ الآية.

стр. 4240

الحديث السادس والأربعون حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ فِي الأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ، وَيُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى مَا لاَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَهَكَذَا فِي الْعَصْرِ وَهَكَذَا فِي الصُّبْحِ. قوله: "بأُمِّ الكتاب" فيه ما ترجم له، وفيه التنصيص على قراءة الفاتحة في كل ركعة، وقد تقدم البحث فيه قال ابن خزيمة: قد كنت زمانًا أحسب أن هذا اللفظ لم يروه عن يحيى غير همام، وتابعه أبان إلى أن رأيت الأوزاعيّ قد رواه أيضًا عن يحيى يعني: أن أصحاب يحيى اقتصروا على قوله: كان يقرأ في الأوليين بأُمِّ الكتاب وسورة كما تقدم من طرق، وإن هَمّامًا زاد هذه الزيادة وهي الاقتصار على الفاتحة في الأخريين، فكان يخشى شذوذها إلى أن قويت عنده بمتابعة من ذكر لكنَّ أصحاب الأوزاعي لم يتفقوا على ذكرها كما يذكر ذلك بعد باب. وقوله: "ما لا يطيل" كذا للأكثر ولكريمة ما لا يطول، وما نكرة مرصوفة، أو مصدرية، وللمستملي، والحموي بما لا يطيل، وقد يستدل به على تطويل الركعة الأولى على الثانية، وقد مرّ البحث في ذلك في باب القراءة في الظهر عند ذكر هذا الحديث مرّت مباحث الحديث هناك. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ موسى بن إسماعيل في الخامس من بدء الوحي ومرَّ همام بن يحيى في الرابع والثمانين من الوضوء، ومرّ يحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من العلم، ومرَّ عبد الله بن أبي قتادة وأبوه في التاسع عشر من الوضوء. ثم قال المصنف: باب مَنْ خافت القراءة في الظهر والعصر أي: أسرّ وفي رواية الكشميهني خافت بالقراءة وهي أوجه.
следующие страницы →