← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

فلما قدم عليه قال عمر ممن الرجل فقال: أنا ابن الذي سالت على الخد عينه ... فردت بكف المصطفى أحسن الرد فعادت كما كانت لأول أمرها ... فيا حسن ما عين ويا حسن ما رد فقال عمر ﵀: تلك المكارم لا قعبانِ من لبن ... شيبا بماء فعادا بعدُ أبوالا وقيل: إنها أُصيبت يوم أُحد قال عبد الله بن محمد بن عمارة أن قتادة رميت عينه يوم أُحد فسالت حدقته على وجهه فأتى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله إن عندي امرأة أحبها وإن هي رأت عيني خشيت أن تقذرني فردها رسول الله ﷺ فاستوت فكانت أقوى عينيه وأصحهما. وقيل يوم الخندق قال ابن عبد البر: والأول أصح وكانت معه يوم الفتح راية بني ظَفَر وكان من فضلاء الأنصار. وأخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري في قصة ساعة الجمعة قال: هاجت السماء فخرج النبي ﷺ لصلاة العشاء فبرقت برقة فرأى قتادة بن النعمان فقال: ما السرى يا قتادة؟ قال: يا رسول الله إن شاهد العشاء قليل فأردت أن أشهدها قال: فإذا صليت فائتني فلما انصرف أعطاه عرجونًا فقال: خذ هذا فسيضيء أمامك عشرًا فإذا دخلت البيت ورأيت سوادًا في زاوية البيت فاضربه قبل أن يتكلم فإنه شيطان، وأخرج هذه القصة الطبراني من وجه آخر وقال: إنه كان في صورة قنفذ. له سبعة أحاديث انفرد له البخاري بحديث روى عنه أخوه لأُمه أبو سعيد الخدري وابنه عمر ومحمود بن لبيد وآخرون، مات في خلافة عمر فصلّى عليه ونزل في قبره وعاش خمسًا وستين سنة.

стр. 4237

الحديث الخامس والأربعون حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ اللَّيْلَةَ فِي رَكْعَةٍ. فَقَالَ: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرِنُ بَيْنَهُنَّ فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنَ الْمُفَصَّلِ سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. قوله: "قرأت المفصل، قد مرّ في باب إذا طول الإِمام الخ حقيقة المفصل وما قيل فيه، ولقول هذا الرجل قرأت المفصل سبب بينه مسلم في أول حديثه عن أبي وائل قال: جاء رجل يقال له نهيك بن سنان إلى عبد الله فقال: يا أبا عبد الرحمن كيف تقرأ هذا الحرف من ماء غير آسن، أو غير ياسين؟ فقال عبد الله: كل القرآن أحصيت غير هذا؟ قال: إني لأقرأ المفصل في ركعة. وقوله: هَذّا كهذ الشعر بفتح الهاء وتشديد الذال المعجمة أي: سردًا وإفراطًا في السرعة وهو منصوب على المصدر وهو استفهام إنكار بحذف أداة الاستفهام وير ثابتة عند مسلم وقال ذلك لأن تلك الصفة كانت عادتهم في إنشاد الشعر وزاد فيه مسلم أن أقوامًا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وزاد أحمد وإسحاق عن الأعمش فيه ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع وهو في رواية مسلم دون قوله: نفع. قال المهلب: إنما أنكر عليه عدم التدبر وترك الترسل لا جواز الفعل. وقوله: "لقد عرفت النظائر" جمع نظيرة وهي السور التي يشبه بعضها بعضًا في الطول والقصر. وقيل المراد المماثلة في المعاني كالموعظة أو الحكم، أو القصص لا المماثلة في عدد الآي كما سيظهر عند تعيينها. قال المحب الطبري: كنت أظن أن المراد تساويها في العد حتى اعتبرتها فلم أجد فيها شيئًا متساويًا قلت: ما رجح به العيني المعنى الأول غير ظاهر؛ لأنه تقارب لا تساو والحديث إنما فيه النظائر، وهي المتساويات لا المتقاربات فتأمله. وقوله: "يقرُن" أي: بضم الراء وكسرها وقوله: "عشرين سورة من المفصل سورتين من آل حم في كل ركعة" وفي فضائل القرآن عن أبي وائل ثماني عثرة سورة من المفصل وسورتين من آل حم وإنما سمعه أبو وائل عن علقمة عن عبد الله، وقال علقمة على تأليف ابن مسعود آخرهن حم الدخان

стр. 4238

وعم يتساءلون، ولابن خزيمة عن الأعمش مثله، وزاد فيه فقال الأعمش: أولهن الرحمن وآخرهن الدخان، ثم سردها كما سردها أبو داود فقال بعد قوله: كان يقرأ النظائر السورتين في كل ركعة الرحمن والنجم في ركعة واقتربت والحاقة في ركعة والذاريات والطور في ركعة والواقعة ونون في ركعة وسأل والنازعات في ركعة وويل للمطففين وعبس في ركعة والمدثر والمزمل في ركعة وهل أتى ولا أقسم في ركعة، وعم يتساءلون والمرسلات في ركعة، وإذا الشمس كورت والدخان في ركعة هذا لفظ أبي داود. ولابن خزيمة مثله إلا أنه لم يقل في ركعة في شيء منها وذكر السورة الرابعة قبل الثالثة والعاشرة قبل التاسعة ولم يخالفه في الاقتران. وعرف بهذا أن قوله في رواية واصل وسورتين من آل حم مشكل؛ لأن الروايات لم تختلف أنه ليس في العشرين من الحواميم غير الدخان فيحمل على التغليب، أو فيه حذف كأنه قال: وسورتين إحداهما من آل حم وكذا قوله: آخرهن حم الدخان وعم يتساءلون مشكل؛ لأن حم الدخان آخرهن في جميع الروايات، وأما عمّ فهي في رواية أبي خالد الأحمر عند ابن خزيمة الثامنة عشرة وفي رواية أبي إسحاق عند أبي داود السابعة عشرة فكان فيه تجوز لأن عمّ وقعت في الركعتين في الجملة ويتبين بهذا أن في قوله: في حديث الباب عشرين سورة من المفصل تجوزًا لأن الدخان ليست منه ولذلك فصلها من المفصل في رواية واصل نعم يصح ذلك على أحد الآراء في حد المفصل كما مرَّ في المحل المذكور آنفًا، وفيه من الفوائد كراهة الإفراط في سرعة التلاوة لأنه ينافي المطلوب من التدبر والتفكر في معاني القراءة ولا خلاف في جواز السرد بدون تدبر، لكن القراءة بالتدبر أعظم أجرًا، وفيه جواز تطويل الركعة الأخيرة على ما قبلها وقد مرّ الكلام على هذا في باب القراءة في الظهر. وهذا الحديث أوّل حديث موصول أورده في هذا الباب، فلهذا صدر الترجمة بما دل عليه، وفيه ما ترجم له، وهو الجمع بين السور؛ لأنه إذا جمع بين السورتين ساغ الجمع بين ثلاث فصاعدًا لعدم الفرق. وقد روى أبو داود وصححه ابن خزيمة عن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة أكان رسول الله ﷺ يجمع بين السور؟ قالت: نعم من المفصل. ولا يخالف هذا ما يأتي في التهجد أنه جمع بين البقرة وغيرها من الطوال لأنه يحمل على النادر، وقال عياض: حديث ابن مسعود هذا يدل على أن هذا القدر كان قدر قراءته غالبًا، وأما تطويله فإنما كان في التدبر، والترتيل، وما ورد غير ذلك من قراءة البقرة، وغيرها في ركعة فكان نادرًا. قال في "الفتح": لكن ليس في حديث ابن مسعود ما يدل على المواظبة، بل فيه أنه كان يقرن بين هذه السور المعنيات إذا قرأ من المفصل قلت: لفظة كان المذكورة في الحديث مما يدل على الدوام والاستمرار فتغير ما قاله عياض. فلعل صاحب "الفتح" غفل عن ذلك، وفيه موافقة لقول عائشة، وابن عباس أن صلاته بالليل كانت عشر ركعات غير الوتر، وفيه ما يقوي قول القاضي أبي بكر الباقلاني المار: إن تأليف السور كان عن اجتهاد من الصحابة لأن تأليف عبد الله المذكور مغاير لتأليف مصحف عثمان وسيأتي ذلك في باب

стр. 4239

مفرد في فضائل القرآن إن شاء الله تعالى. رجاله خمسة: قد مرّوا، وفيه ذكر رجل مبهم، مرَّ آدم وشعبة في الثالث من الإيمان، ومرّ أبو وائل في الحادي والأربعين منه، ومرَّ ابن مسعود في أوله قبل ذكر حديث منه، ومرّ عمرو بن مرة في السبعين من أبواب الجماعة، والرجل المبهم هو نَهِيك بفتح النون وكسر الهاء بن سِنان بكسر السين، ولم أر لنَهِيك هذا رواية ولا تعريفًا. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والسماع، والقول، ورواته ما بين عسقلانيّ، وواسطيّ وكوفيّ. أخرجه مسلم والنَّسائيّ في الصلاة. ثم قال المصنف: باب يقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب يعني بغير زيادة وسكت عن ثالثة المغرب رعاية للفظ الحديث مع أن حكمها حكم الأخريين من الرباعية ويحتمل أن يكون لم يذكرها لما رواه مالك عن الصنابحي أنه سمع أبا بكر الصديق يقرأ فيها: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ الآية.

стр. 4240

الحديث السادس والأربعون حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ فِي الأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ، وَيُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى مَا لاَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَهَكَذَا فِي الْعَصْرِ وَهَكَذَا فِي الصُّبْحِ. قوله: "بأُمِّ الكتاب" فيه ما ترجم له، وفيه التنصيص على قراءة الفاتحة في كل ركعة، وقد تقدم البحث فيه قال ابن خزيمة: قد كنت زمانًا أحسب أن هذا اللفظ لم يروه عن يحيى غير همام، وتابعه أبان إلى أن رأيت الأوزاعيّ قد رواه أيضًا عن يحيى يعني: أن أصحاب يحيى اقتصروا على قوله: كان يقرأ في الأوليين بأُمِّ الكتاب وسورة كما تقدم من طرق، وإن هَمّامًا زاد هذه الزيادة وهي الاقتصار على الفاتحة في الأخريين، فكان يخشى شذوذها إلى أن قويت عنده بمتابعة من ذكر لكنَّ أصحاب الأوزاعي لم يتفقوا على ذكرها كما يذكر ذلك بعد باب. وقوله: "ما لا يطيل" كذا للأكثر ولكريمة ما لا يطول، وما نكرة مرصوفة، أو مصدرية، وللمستملي، والحموي بما لا يطيل، وقد يستدل به على تطويل الركعة الأولى على الثانية، وقد مرّ البحث في ذلك في باب القراءة في الظهر عند ذكر هذا الحديث مرّت مباحث الحديث هناك. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ موسى بن إسماعيل في الخامس من بدء الوحي ومرَّ همام بن يحيى في الرابع والثمانين من الوضوء، ومرّ يحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من العلم، ومرَّ عبد الله بن أبي قتادة وأبوه في التاسع عشر من الوضوء. ثم قال المصنف: باب مَنْ خافت القراءة في الظهر والعصر أي: أسرّ وفي رواية الكشميهني خافت بالقراءة وهي أوجه.

стр. 4241

الحديث السابع والأربعون حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ قَالَ: قُلْتُ لِخَبَّابٍ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْنَا: مِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ؟ قَالَ: بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ. وهذا الحديث قد مرّ ما فيه في باب رفع البصر إلى السماء في الصلاة. رجاله ستة: قد مرّوا، مرّ قتيبة بن سعيد في الحادي والعشرين من الإيمان، ومرّ الأعمش في الخامس والعشرين منه، ومرّ جرير بن عبد الحميد في الثاني عشر من العلم، ومرّ عمارة وأبو معمر وخباب في الخامس عشر من أبواب صفة الصلاة هذه. ثم قال المصنف: باب إذا سمع الإِمام الآية بالهمز في أوله وللكشميهنيّ إذا سمْع بتشديد الميم أي: في السر.

стр. 4242

الحديث الثامن والأربعون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ مَعَهَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنْ صَلاَةِ الظُّهْرِ وَصَلاَةِ الْعَصْرِ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَانًا، وَكَانَ يُطِيلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى. والحديث واضح في الترجمة، وقد مرّ الكلام عليه عند ذكره في باب القراءة في الظهر. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرَّ محمد بن يوسف الفريابي في العاشر من العلم، والأوزاعي في العشرين منه، ويحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين منه، وعبد الله بن أبي قتادة وأبوه في التاسع عشر من الوضوء. ثم قال المصنف: باب يطول في الركعة الأولى أي: في جميع الصلوات وهو ظاهر الحديث.

стр. 4243

الحديث التاسع والأربعون حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى مِنْ صَلاَةِ الظُّهْرِ، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ. الحديث مرّ ذكر محل الكلام عليه في الذي قبله. رجاله خمسة: مرّ ذكر الثلاثة الأخيرة في الذي قبله، ومرّ أبو نعيم في الخامس والأربعين من الإيمان، ومرّ هشام الدستوائي في السابع والثلاثين منه. ثم قال المصنف: باب جهر الإِمام بالتأمين أي: بعد الفاتحة في الجهر والتأمين مصدر أمّن بالتشديد أي: قال: آمين. وهي بالمد والتخفيف في جميع الروايات، وعن جميع القراء، وحكى الواحدي عن حمزة والكسائي الإمالة، وفيها ثلاث لغات أخرى شاذة القصر حكاه ثعلب وأنشد له شاهدًا وأنكره ابن درستويه، وطعن في الشاهد بأنه لضرورة الشعر، وحكى عياض، ومَنْ تبعه عن ثعلب أنه أجازه في الشعر خاصة والتشديد مع المد، والقصر وخطأهما جماعة من أهل اللغة، وهو خطأ في المذاهب الأربعة واختلفت الشافعية في بطلان الصلاة بذلك، واختلفت الحنفية أيضًا فعند أبي حنيفة تفسد الصلاة بذلك وعندهما لا تفسد؛ لأنه يوجد في القرآن مثله وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ وعلى قولهما الفتوى. وآمين من أسماء الأفعال مثل صه للسكوت، وتفتح في الوصل لأنها مبنية اتفاقًا مثل كيف، وإنما لم تكسر لثقل الكسرة بعد الياء، ومعناها: اللهم استجيب عند الجمهور وقيل غير ذلك مما يرجع جميعه إلى هذا المعنى كقول مَنْ قال: اللهم آمنا بخير وقيل كذلك يكون، وقيل درجة في الجنة تجب لقائلها، وقيل لمن استجيب له كما استجيب للملائكة، وقيل هو اسم من أسماء الله تعالى. رواه عبد الرزاق عن أبي هريرة بإسناد ضعيف. وعن هلال بن يساف التابعي مثله وأنكره جماعة ومن مد وشدد معناها قاصدين إليك، ونقل ذلك عن جعفر الصادق، وقال من قصر وشدد هي كلمة عبرانية، أو سريانية، وقيل هو كنز من كنوز

стр. 4244

العرش لا يعلم تأويله إلا الله، وقيل طابع الله على عباده يدفع به عنهم الآفات. وروى أيوب داود عن أبي زهير النميري الصحابي أن آمين مثل الطابع على الصحيفة، ثم ذكر قوله ﷺ أن ختم بآمين فقد أوجب، ولا خلاف أن آمين ليس من القرآن، حتى قالوا: بارتداد مَنْ قال: إنه منه. ثم قال: وقال عطاء: آمين دعاء أمن ابن الزبير ومَنْ وراءه حتى إن للمسجد للجة. وكان أبو هريرة ينادي الإِمام لا تفتني بآمين. هذا التعليق إلى قوله: بآمين. وصله عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال: قلت له: أكان ابن الزبير يؤمن على إثر أُم الكتاب؟ قال: نعم، ويؤمن مَنْ وراءه حتى إن للمسجد للجة. ثم قال: إنما آمين دعاء قال وكان أبو هريرة يدخل المسجد وقد قام الإِمام فيناديه فيقول: لا تسبقني بآمين وقوله: حتى ان للمسجد بكسر همزة إن أي: لأهل المسجد وقوله: بلام التأكيد واللجة بالفتح الصوت المرتفع وروي للجبة بالموحدة وسكون الجيم، وهي الأصوات المختلطة وروى البيهقيّ لرجة بالراء بدل اللام وقوله: لا تفُتني بضم الفاء وسكون المثناة من الفوات، وهي بمعنى ما مرَّ عن عبد الرزاق، ومراد أبي هريرة أن يؤمن مع الإِمام داخل الصلاة، وقد تمسك به بعض المالكية في أن الإِمام لا يؤمن، وقال معناه: لا تنازعني بالتأمين الذي هو من وظيفة المأموم وهذا تأويل بعيد قلت: مذهب المالكية أن الإِمام يؤمن في السر كما يأتي تحريره، وقد أخرج البيهقي عن أبي رافع قال: كان أبو هريرة يؤذن لمروان، فاشترط أن لا يسبقه بالضالين حتى يعلم أنه دخل في الصف وكأنه كان يشتغل بالإقامة، وتعديل الصفوف، وكان مروان يبادر إلى الدخول في الصلاة قبل فراغ أبي هريرة، وكان أبو هريرة ينهاه عن ذلك، وقد وقع له ذلك مع غير مروان فروى سعيد بن منصور عن ابن سيرين أن أبا هريرة كان مؤذنًا بالبحرين وأنه اشترط على الإِمام أن لا يسبقه بآمين، والإمام بالبحرين كان العلاء بن الحضرمي كما بينه عبد الرزاق عن أبي سلمة عنه. وأخرج أبو داود عن بلال نحو قول أبي هريرة فروى عن أبي عثمان عن بلال أنه قال: يا رسول الله لا تستبقني بآمين. ورجاله ثقات لكن قيل: إن أبا عثمان لم يلق بلالًا. وقد روى عنه بلفظ أن بلالًا قال وهو ظاهر في الإرسال، ورجحه الدارقطني، وغيره على الموصول. وهذا الحديث يضعف التأويل؛ لأن بلالًا لا يقع منه ما حمل هذا القائل كلام أبي هريرة عليه وتمسك به بعض الحنفية بأن الإمام يدخل في الصلاة قبل فراغ المؤذن من الإقامة، وفيه نظر؛ لأنهما واقعة عين وصببها محتمل فلا يصح التمسك بها قال ابن المنير: مناسبة قول عطاء للترجمة أنه حكم بأن التأمين دعاء فاقتضى ذلك أن يقوله الإِمام. لأنه في مقام الداعي بخلاف قول المانع أنها جواب للدعاء فيختص بالمأموم، وجوابه أن التأمين قائم مقام التلخيص بعد البسط، فالداعي فصل المفاسد بقوله: اهدنا الصراط المستقيم والمؤمن أتى بكلمة تشمل الجميع، فإن قالها الإِمام فكأنه دعا مرتين مفصلًا ومجملًا. وعطاء هو ابن أبي رباح، وقد مرّ في التاسع والثلاثين من العلم، ومرَّ عبد الله بن الزبير في الثامن والأربعين منه، ومرّ أبو هريرة في الثاني من الإيمان، وقال نافع: كان ابن عمر لا يدعه

стр. 4245

ويحضهم وسمعت منه في ذلك خيرًا قوله: ويحضهم بالضاد المعجمة وقوله: خيرًا بسكون التحتانية أي: فضلًا وثوابًا وهي رواية الكشميهنيّ ولغيره خبرًا بفتح الموحدة أي: حديثًا مرفوعًا ويشعر به ما أخرجه البيهقي كان ابن عمر إذا أمن الناس أمن معهم ويرى ذلك من السنة ومناسبة أثر ابن عمر من جهة أنه كان يؤمن إذا ختم الفاتحة، وذلك أعم من أن يكون إمامًا أو مأمومًا. وهذا التعليق وصله عبد الرزاق عن ابن جريج بلفظ: كان إذا ختم أُم القرآن قال: آمين لا يدع أن يؤمن إذا ختمها الخ. ونافع مرّ في الثالث والسبعين من العلم، ومرّ ابن عمر في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه.

стр. 4246

الحديث الخمسون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلاَئِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: آمِينَ. قوله: "عن ابن شهاب" في التِّرمِذِيّ عن مالك. أخبرنا ابن شهاب. وقوله: "أنهما أخبراه" ظاهره أن لفظهما واحد لكن سيأتي في رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة مغايرة يسيغ للفظ الزهري تأتي قريبًا في متابعة بعد باب وقوله: "إذا أمَّن الإِمام فأمنوا" ظاهر في أن الإمام يؤمن. وقيل معناه إذا دعا والمراد دعاء الفاتحة من قوله: "إهدنا الصراط" إلى آخره بناء على أن التأمين دعاء. وقيل معناه: إذا بلغ إلى موضع استدعى التأمين وهو قوله: "ولا الضالين" ويرد هذا التصريح الآتي بالمراد في حديث الباب واستدل به على مشروعية التأمين للإمام، وفيه نظر لكونها قضية شرطية. وأجيب بأن التعبير بإذا يشعر بتحقيق الوقوع، وخالف مالك في إحدى الروايتين عنه وهي رواية ابن القاسم فقال: لا يؤمن الإِمام في الجهرية، وفي رواية عنه لا يؤمن مطلقًا وحاصل مشهور مذهبه هو أن الفذَّ يؤمن مطلقًا في الجهرية والسرية، ويؤمن الإمام في السرية دون الجهرية، والمأموم في السرية وفي الجهرية أن سمع قراءة الإِمام لأنه مؤمن حينئذ على دعائه فإن لم يسمعه فلا على الأظهر عند ابن رشد لأنه ليس معه دعاء يؤمن عليه لا لنفسه لأنه لا يقرأ ولا لإمامه لعدم سماعه، والتأمين إجابة، وهي فرع السماع. وقال ابن عبدوس: يتحرى وعلى قوله إذا تحرى ربما أوقعه في غير موضعه، وربما صادف آية عذاب، وكل مَن طلب منه التأمين إمامًا كان أو غيره يستحب له الإسرار به لأنه دعاء. والأصل فيه الإخفاء لقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ وأجاب المالكية عن حديث ابن شهاب هذا بأنه لم يروه في حديث غيره، وهي علة غير قادحة، فإن ابن شهاب إمام لا يضره التفرد مع ما سيذكر أن ذلك جاء في حديث غيره، ورجح بعض المالكية كون الإِمام لا يؤمن من جهة المعنى بأنه داع فناسب أن يختص المأموم بالتأمين وهذا يجيىء على قولهم: إنه لا قراءة على المأموم وأما من أوجبها فله أن يقول كما اشتركا في القراءة فينبغي أن يشتركا في التأمين. ومنهم من أول قوله: إذا

стр. 4247

أمَّن الإِمام فقال معناه: دعا. قال: وتسمية الداعي مؤمنًا سائغًا لأن المؤمن يسمى داعيًا جاء في قوله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ وكان موسى داعيًا وهارون مؤمنًا كما رواه ابن مردويه عن أنس وتعقب بعدم الملازمة، فلا يلزم من تسمية المؤمن داعيًا عكسه. قاله ابن عبد البر قلت: كيف يعقل هذا مع ما مرَّ عن عطاء من أن آمين دعاء وأجيب عن هذا بأن الحديث على تقدير صحته فإطلاق كون هارون داعيًا إنما هو للتغليب، وقال بعضهم: معنى قوله: إذا أمَّن بلغ موضع التأمين كما يقال أنجد إذا بلغ نجدًا وإن لم يدخلها. قال ابن العربي هذا بعيد لغة وشرعًا قلت: لم أدر ما قال فإن كونه سائغ لغة هو قول العرب: أنجد وكونه سائغ شرعًا هو العمل على المجاز ليوافق الحديث الآتي قريبًا. وقد قال ابن دقيق العيد: هذا مجاز، فإن وجد دليل يرجحه عمل به، وإلا فالأصل عدمه، والدليل هو رواية أبي صالح عن أبي هريرة الآتية بعد باب بلفظ إذا قال الإِمام: ولا الضالين فقولوا: آمين، فالجمع بين الروايتين يقتضي حمل قوله: إذا أمَّن على المجاز وأجاب الجمهور على تسليم المجاز المذكور بأن المراد بقوله: إذا أمَّن أي: أراد التأمين ليتوافق تأمين الإِمام والمأموم معًا. ولا يلزم من ذلك أن لا يقولها الإِمام، وقد ورد التصريح بأن الإِمام يقولها في رواية معمر عن ابن شهاب في هذا الحديث بلفظ: إذا قال الإِمام: "ولا الضالين" فقولوا آمين، فإن الملائكة تقول: آمين، وإن الإِمام يقول: آمين. الحديث أخرجه أبو داود والنَّسائيّ، والسراج، وهو صريح في كون الإِمام يؤمن وهذا غير وارد علينا. معاشر المالكية لأنّا قائلون بأن الإِمام يؤمّن في السرية وليس في هذا تصريح بالجهرية، وقيل في الجمع بينهما أن المراد بقوله: "إذا قال: "ولا الضالين" فقولوا: آمين، أي: ولو لم يقل الإِمام آمين. وقيل يؤخذ من الخبرين تخيير المأموم في قولها مع الإِمام، أو بعده. وقيل الأول لمن قرب من الإِمام، والثاني لمن تباعد عنه لأن جهر الإِمام بالتأمين أخفض من جهره بالقراءة، فقد يسمع قراءته من لا يسمع تأمينه فمن سمع تامينه أمَّن معه وإلا يؤمن إذا سمعه يقول: "ولا الضالين" لأنه وقت تأمينه وهذه الوجوه كلها محتملة، وليست بدون الوجه الذي ذكرناه، وقد قال ابن شهاب: وكان رسول الله ﷺ يقول: آمين كأنه استشعر التأويل المذكور، فبين أن المراد بقوله: إذا أمَّن حقيقة التأمين قال في "الفتح": وهو وإن كان مرسلًا فقد اعتضد بصنيع أبي هريرة راويه كما يأتي بعد باب. قلت: ليس في الحديث المذكور دلالة على ما قال. قال: وإذا ترجح أن الإِمام يؤمن فيجهر به في الجهرية كما ترجم به المؤلف فيما يأتي عنه قريبًا، وهو قول الجمهور خلافًا للكوفيين أبي حنيفة وغيره، ورواية عن مالك، وهي المشهورة في أنه يسر به مطلقًا. وذهب الشافعي في القديم إلى أن الجهر للمأموم، وعليه الفتوى، وقال الرافعي: قال الأكثر: في المسألة قولان أصحهما أنه يجهر، ووجه الدلالة عند القائلين بالجهر من الحديث أنه لو لم يكن التأمين مسموعًا للمأموم لم يعلم به، وقد علق تأمينه بتأمينه. وأجابوا بأن موضعه معلوم فلا يستلزم الجهر به، وفيه نظر لاحتمال أن يخل به فلا يستلزم علم المأموم به، وقد روى روح بن عبادة عن

стр. 4248

مالك في هذا الحديث عن ابن شهاب قال: كان رسول الله ﷺ إذا قال:"ولا الضالين" جهر بآمين. أخرجه السراج ولابن حِبّان عن الزبيدي عن ابن شهاب في حديث الباب كان إذا فرغ من قراءة أُم القرآن رفع صوته وقال: آمين. وللحميدي عن أبي هريرة نحوه بلفظ إذا قال: "ولا الضالين" ولأبي داود عن أبي هريرة مثله، وزاد حتى يسمع من يليه من الصف الأول، ولأبي داود وصححه ابن حِبّان عن وائل بن حجر صليت خلف النبي ﷺ ، فجهر بآمين، وفيه رد على مَنْ أومأ إلى النسخ فقال: إنما كان ﷺ يجهر بالتأمين في ابتداء الإِسلام ليعلمهم، فإن وائل بن حُجْر إنما أسلم في أواخر الأمر واستدل القائلون بالإسرار بقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ مع ما مرّ عن عطاء وابن مردويه من أن التأمين دعاء فتتركب قضيته من الشكل الأول التأمين دعاء، والدعاء يسر به ينتج التأمين يسر به، دليل الصغرى ما روي عن عطاء وغيره، ودليل الكبرى الآية، والآية قطعية الدلالة فتقدم على غيرها. واستدلوا بما رواه أحمد وأبو داود الطيالسي وأبو يعلى والطبراني والدارقطني في سننه، والحاكم في مستدركه عن وائل بن حجر مما يخالف ما مرّ عنه من رواية شعبة ففي هذه الرواية أنه صلّى مع النبي ﷺ ، فلما بلغ "ولا الضالين" قال: آمين وأخفى بها صوته. قال بعض العلماء: الصواب أن الخبرين بالجهر بها وبالمخافتة صحيحان، وعمل بكل منهما جماعة من العلماء، واحتجوا أيضًا بما رواه محمد بن الحسن في كتاب الآثار عن إبراهيم النخعي قال: أربع يخفيهن الإِمام التعوذ وبسم الله الرحمن الرحيم وسبحانك اللهم وآمين. ورواه عبد الرزاق في مصنفه إلا أنه قال: عوض قوله سبحانك اللهم. اللهم ربنا لك الحمد، وبما رواه الطبراني في تهذيب الآثار عن أبي وائل قال: لم يكن عمر وعلي رضي الله تعالى عنهما يجهران ببسم الله الرحمن الرحيم ولا بآمين وقوله: "فأمنوا" استدل به بعض على تأخير تأمين المأموم عن تأمين الإِمام؛ لأنه رتب عليه بالفاء لكن مرّ في الجمع بين الروايتين عند معارضة المالكية أن المراد المقارنة وبذلك قال الجمهور. وقال أبو محمد الجويني: لا تستحب مقارنة الإِمام في شيء من الصلاة غيره قال إمام الحرمين: يمكن تعليله بأن التأمين لقراءة الإِمام لا لتأمينه فلذلك لا يتأخر عنه وهو واضح. وظاهر قوله: إذا أمَّن الإِمام فأمنوا إن المأموم إنما يؤمن إذا أمن الإِمام لا إذا ترك. وبه قال بعض الشافعية، وهو مقتضى إطلاق الرافعي الخلاف، وادعى النووي الاتفاق على خلافه، ونص الشافعي في "الأم" على أن المأموم يؤمن ولو ترك الإِمام عمدًا أو سهوًا، والمستحب الاقتصار على التأمين عقب الفاتحة من غير زيادة عليه اتباعًا للحديث. وأما ما رواه البيهقي عن وائل بن حجر أنه سمع رسول الله ﷺ حين قال: "ولا الضالين" قال رب اغفر لي آمين فإن في إسناده أبا بكر النهشلي، وهو ضعيف، وقال الإِمام الشافعي في "الأم" فإن قال: آمين رب العالمين كان حسنًا ونقله النووي في "زوائد الروضة".

стр. 4249

ثم إن هذا الأمر عند الجمهور للندب، وحكى ابن بزيزه عن بعض أهل العلم: وجوبه على المأموم عملًا بظاهر الأمر قال: وأوجبه الظاهرية على كل فصل ثم في مطلق أمر المأموم بالتأمين أنه يؤمن ولو كان مشتغلًا بقراءة الفاتحة ويه قال أكثر الشافعية، ثم اختلفوا هل تنقطع بذلك الموالاة؟ على وجهين أصحهما لا تنقطع؛ لأنه مأمور بذلك لمصلحة الصلاة بخلاف الأمر الذي لا يتعلق بها كالحمد للعاطس. وقوله: فإنه من وافق زاد مسلم عن ابن شهاب فإن الملائكة تؤمن قبل قوله، فمن وافق، وكذا لابن عُيينة عن ابن شهاب كما يأتي في الدعوات وهو دال على أن المراد الموافقة في القول والزمان خلافًا لمن قال: المراد الموافقة في الإخلاص والخشوع كابن حِبّان، فإنه لما ذكر الحديث قال: يريد موافقة الملائكة في الإخلاص بغير إعجاب، وكذا جنح إليه غيره فقال: نحو ذلك من الصفات المحمودة، أو في إجابة الدعاء، أو في الدعاء بالطاعة خاصة، أو المراد بتأمين الملائكة استغفارهم للمؤمنين. وقال ابن المنير: الحكمة في إيثار الموافقة في القول والزمان أن يكون المأموم على يقظة للإتيان بالوظيفة في محلها لأن الملائكة لا غفلة عندهم، فمن وافقهم كان متيقظًا، ثم إن ظاهره أن المراد بالملائكة جميعهم. واختاره ابن بزيزة، وقيل الحفظة منهم، وقيل الذين يتعاقبون منهم إذا قلنا: إنهم غير الحفظة. والذي يظهر أن المراد بهم من يشهد تلك الصلاة من الملائكة ممن في الأرض، أو في السماء وسيأتي في رواية الأعرج بعد باب: وقالت الملائكة في السماء: آمين، وفي رواية محمد بن عمرو الآتية أيضًا فوافق ذلك قول أهل السماء، ونحوها لسهيل عن أبيه عند مسلم وروى عبد الرزاق عن عكرمة قال: صفوف أهل الأرض على صفوف أهل السماء، فإذا وافق آمين في الأرض آمين في السماء غفر للعبد. ومثله لا يقال من جهة الرأي فالأولى المصير إليه وقوله: غفر له ما تقدم من ذنبه وقع في أمالي الجرجاني عن ابن وهب عن يونس في آخر هذا الحديث، وما تأخر وهي زيادة شاذة لرواية مسلم وابن الجارود للحديث عن ابن وهب بدونها، وفي بعض النسخ عن ابن ماجه عن ابن عُيينة إثباتها ولا يصح؛ لأن حفاظ أصحاب ابن عُيينة الحميدي وابن المديني وغيرهما قد رووه عنه بدونها، وظاهر قوله: غفر له غفران جميع الذنوب الماضية، وهو محمول عند العلماء على الصغائر، وقد مرّت مباحثه مستوفاة، ومباحث تلك الزيادة في باب قيام ليلة القدر من كتاب الإيمان، وفي باب الوضوء ثلاثًا عند حديث عثمان رضي الله تعالى عنه. وقوله: "قال ابن شهاب" هو متصل إليه برواية مالك عنه وأخطأ مَنْ زعم أنه معلق ثم هو من مراسيل ابن شهاب وأخرجه الدارقطني في "الغرائب" موصولًا، وفي الحديث الرد على الإمامية في قولهم: إن التأمين يبطل الصلاة؛ لأنه ليس بلفظ قرآن ولا ذكر ويمكن أن يكون مستندهم ما نقل عن جعفر الصادق أن معى آمين أي: قاصدين إليك وبه تمسك من قال: إنه بالمد والتشديد، وقد مرّ هذا، وصرّح المتولي من الشافعية بأن مَنْ قاله هكذا بطلت صلاته، وقد مرّ ما قيل في ذلك في أول الباب. وفيه فضيلة الإِمام لأن تامين الإِمام يوافق تامين الملائكة ولهذا شرعت للمأموم موافقته

стр. 4250

واستدل به القرطبي على تعيين قراءة الفاتحة للإمام، وعلى أن المأموم ليس عليه أن يقرأ فيما جهر به أمامه أما الأول فأخذه من أن التأمين مختص بالفاتحة فظاهر السياق يقتضي أن قراءة الفاتحة كانت أمرًا معلومًا، وأما الثاني فقد يدل على أن المأموم لا يقرأ الفاتحة حال قراءة الإِمام لها لا أنه لا يقرؤها مطلقًا قاله في "الفتح" دفعًا عن مذهبه. رجاله ستة: قد ذكروا، مرّ عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ ابن شهاب في الثالث منه، وأبو سَلَمة في الرابع منه، ومرّ سعيد بن المسيب في التاسع عشر من الإيمان، ومرّ أبو هريرة في الثاني منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع، والإخبار بالجمع وبالتثنية في موضع والعنعنة. أخرجه مسلم والتِّرمِذِيّ والنَّسائيّ في الصلاة. ثم قال المصنف: باب فضل التأمين أورد فيه رواية الأعرج لأنها مطلقة غير مقيدة بحالة الصلاة قال ابن المنير: وأي فضل أعظم من كونه يسيرًا لا كلفة فيه، ثم قد ترتبت عليه المغفرة.

стр. 4251

الحديث الحادي والخمسون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ آمِينَ. وَقَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ فِي السَّمَاءِ آمِينَ. فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. قد تؤخذ منه مشروعية التأمين لكل مَنْ قرأ الفاتحة سواء كان داخل الصلاة أو خارجها لقوله: إذا قال أحدكم لكن في رواية مسلم من هذا الوجه إذا قال أحدكم في صلاته فيحمل المطلق على المقيد لكن في رواية همام عن أبي هريرة عند أحمد وساق مسلم إسنادها إذا أمن القارىء فأمنوا فهذا يمكن حمله على الإطلاق فيستحب التأمين إذا أمن القارىء مطلقًا لكل مَنْ سمعه من فصل، أو غيره ويمكن أن يقال: المراد بالقارىء الإِمام إذا قرأ الفاتحة فإن الحديث واحد اختلفت ألفاظه واستدل به بعض المعتزلة على أن الملائكة أفضل من الآدميين وقد استوفينا الكلام على ذلك في كتابنا استحالة المعية بالذات. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ ذكر محل عبد الله ومالك في الذي قبله، ومرَّ أبو الزناد والأعرج في السابع من الإيمان، ومرَّ أبو هريرة في الثاني منه، ثم قال المصنف: باب جهر المأموم بالتأمين كذا للأكثر وفي رواية المستملي والحموي جهر الإِمام بالتأمين والأول هو الصواب لئلا يتكرر.

стр. 4252

الحديث الثاني والخمسون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا قَالَ الإِمَامُ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ. فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلاَئِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. قوله: إذا قال الإِمام: "غير المغضوب عليهم ولا الضالين" فقولوا: آمين قد مرّ الاستدلال به على أن الإِمام لا يؤمن ومرّ ما أجيب به عنه في الباب الذي قبل هذا بباب وقال ابن المنير: وجه مناسبة الحديث للترجمة من جهة أن في الحديث الأمر بقول آمين والقول إذا وقع به الخطاب مطلقًا حمل على الجهر ومتى ما أُريد به الإسرار، أو حديث النفس قيد بذلك. وما قاله غير ظاهر بل المطلق يتناول الجهر والإخفاء، وتخصيصه بالجهر، والحمل عليه تحكم من غير دليل، فلا يجوز، وقال ابن رشيد: تؤخذ المناسبة من جهة أنه قال: إذا قال الإِمام فقولوا فقابل القول بالقول والإمام إنما قال: ذلك جهرًا فكان الظاهر الاتفاق في الصفة وهذا أبعد من الأول وأشد تعسفًا؛ لأن ظاهر الكلام أن الإِمام لا يقولها كما مرَّ عن مالك لأنه قسم والقسمة تنافي الشركة. وقوله: "والإمام" إنما قال ذلك جهرًا لا يدل عليه معنى الحديث أصلًا فكيف يقول فكان الظاهر الاتفاق في الصفة، والحديث لا يدل على ذات التأمين من الإِمام فكيف يطلب الاتفاق في الصفة وهي مبنية على الذات والذات لم يدل عليها دليل. وقال ابن بطال في وجه المناسبة إن المأموم مأمور بالاقتداء بالإمام وقد تقدم أن الإِمام يجهر فلزم جهره بجهره وتعقب بأنه يستلزم أن يجهر المأموم بالقراءة؛ لأن الإِمام جهر بها ولم يقل به أحد لكن يمكن أن ينفصل عنه بأن الجهر بالقراءة خلف الإِمام قد نهى عنه فبقي التأمين داخلًا تحت عموم الأمر باتباع الإِمام، ويتقوى ذلك بما تقدم عن عطاء أن من خلف ابن الزبير كانوا يؤمنون جهرًا. وروى البيهقي من وجه آخر عن عطاء قال: أدركت مائتين من الصحابة في هذا المسجد إذا قال الإِمام ولا الضالين سمعت لهم رجة بآمين. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرَّ عبد الله بن مسلمة في الثاني عشر من الإيمان، ومرَّ أبو صالح وأبو هريرة في الثاني

стр. 4253

منه، ومرّ مالك في الأول من بدء الوحي، ومرّ سميٍّ في الثاني عبر من أبواب الأذان. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة ورواته كلهم مدنيون قد مرّ أن مسلمًا وأبا داود والتِّرمِذِيّ والنَّسائيّ أخرجوه. ثم قال تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَنُعَيْمٌ الْمُجْمِرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عن النبي ﷺ . وقال في روايته فوافق ذلك قول أهل السماء وهذه المتابعة أخرجها البَيهقي والدارميّ في مسنده وأحمد وابن خزيمة. رجاله ثلاثة: مرّ أبو سَلَمة في الرابع من بدء الوحي، ومرّ أبو هريرة في الثاني من الإيمان والثالث محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي أبو عبد الله ويقال أبو الحسن المدني قال النَّسائيّ: ليس به بأس وقال مرّة: ثقة، وقال ابن عدي: له حديث صالح، وقد حدث عنه جماعة من الثقات كل واحد ينفرد عنه بنسخة ويضرب بعضهم على بعض. وروى عنه مالك في الموطأ، وأرجو أنه لا بأس به، وذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال: يخطىء قال في المقدمة: مشهور من شيوخ مالك صدوق، تكلم فيه بعضهم من قبل حفظه. وأخرج له الشيخان أما البخاري فمقرونًا بغيره وتعليقًا، وأما مسلم فمتابعة وروى له الباقون. روى عن أبيه وأبي سَلَمة بن عبد الرحمن وعبيدة بن سفيان ومحمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي وغيرهم. وروى عنه موسى بن عقبة ومات قبله وشعبة والثوري، وحمّاد بن سَلمة، وغيرهم. مات سنة أربع أو خمس وأربعين ومائة. ثم قال: ونُعيم المُجْمر عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. قوله: ونعيم بالرفع عطف على محمد بن عمرو ولفظ نعيم صليت وراء أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأُمِّ القرآن حتى بلغ "ولا الضالين" فقال: آمين، وقال الناس: آمين ويقول كلما سجد: الله أكبر وإذا قام من الجلوس في الاثنتين قال: الله أكبر ويقول إذا سلّم: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ ، بوّب النَّسائيّ عليه باب الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم وهو أصح حديث ورد في ذلك وتعقب استدلاله باحتمال أن يكون أبو هريرة أراد بقوله: أشبهكم أي: في معظم الصلاة لا في جميع أجزائها، وقد رواه جماعة غير نعيم عن أبي هريرة بدون ذكر البسملة كما يأتي قريبًا بعد باب والجواب أن نعيمًا ثقة فتقبل زيادته والخبر ظاهر في جميع الأجزاء فيحمل على عمومه حتى يثبت دليل يخصصه، وعلم مما ذكرناه أن متابعة نعيم في إثبات التأمين فقط دون ما زاد عليه بخلاف متابعة محمد بن عمرو ومتابعة نعيم هذه وصلها النسائي وابن خزيمة والسراج وابن حِبّان وغيرهم عن سعيد بن أبي هلال عن نعيم قال: صليت إلخ ونعيم مرّ في الثاني من الوضوء وأبو هريرة في الثاني من الإيمان، ثم قال المصنف:

стр. 4254

باب إذا ركع دون الصف كان اللائق إيراد هذه الترجمة في أبواب الإمامة وقد سبق هناك ترجمة المرأة وحدها تكون صفًا وقد ذكرت هناك مباحث المصلي منفردًا خلف الصف بما لا مزيد عليه وقال ناصر الدين بن المنير: هذه الترجمة مما نوزع فيها البخاري حيث لم يأت بجواب إذ الإشكال الحديث واختلاف العلماء في المراد بقوله: ولا تَعُدْ.

стр. 4255

الحديث الثالث والخمسون حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنِ الأَعْلَمِ وَهْوَ زِيَادٌ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلاَ تَعُدْ. قوله: "عن الأعلم" في رواية عفان عن همام حدّثنا زياد الأعلم أخرجه ابن أبي شيبة ويأتي قريبًا تعريف الأعلم، وقوله: "عن أبي بكرة" قد أعله بعضهم بان الحسن عنعنه وقد قيل إنه لم يسمع من أبي بكرة وإنما يروي عن الأحنف عنه ورد هذا الإعلال برواية سعيد بن أبي عروبة عن الأعلم قال: حدّثني الحسن أن أبا بكرة حدّثه. أخرجه أبو داود والنسائي، وقوله: "انتهى إلى النبي ﷺ " في رواية سعيد المذكور أنه دخل المسجد زاد الطبراني من رواية عبد العزيز بن أبي بكرة عن أبيه، وقد أقيمت الصلاة فانطلق يسعى. وللطحاوي من رواية حماد بن سَلَمة عن الأعلم، وقد حفزه النفس. وقوله: فذكر ذلك في رواية حماد عند الطبراني فلما انصرف رسول الله ﷺ قال: أيكم دخل الصف وهو راكع، وقوله: "زادك الله حرصًا" أي: على الخير. قال ابن المنير: صوب النبي ﷺ فعل أبي بكرة من الجهة العامة، وهي الحرص على إدراك فضيلة الجماعة وخطأه من الجهة الخاصة حيث ركع منفردًا. وقوله: "ولا تَعُدْ" بفتح التاء وضم العين من العود أي: إلى ما صنعت من السعي الشديد ثم من المشي إلى الصف، وفي بعض شراح المصابيح أنه روي بضم أوله وكسر المعين المهملة من الإعادة، وقد ورد ما تقتضيه الرواية المشهورة في طرق الحديث ففي رواية عبد العزيز المذكورة، فقال من السعي، وفي رواية يونس بن عبيد عن الحسن عن الطبراني، فقال: أيكم صاحب هذا النفس؟ فقال: خشيت أن تفوتني الركعة معك، وله من وجه آخر عنه في آخر الحديث صل ما أدركت واقضِ ما سبقك، وفي رواية أبي داود وغيره عن حمّاد أيكم الراكع دون الصف، وقد تقدم من روايته قريبًا أيكم دخل المسجد وهو راكع؟ وتمسك المهلب بهذه الرواية الأخيرة فقال: إنما قال له لا تعد لأنه مثل بنفسه في مشيه راكعًا لأنها كمشية البهائم، ولم ينحصر النهي في ذلك كما حرر، ولو كان منحصرًا اقتضى ذلك عدم الكراهة في إحرام المنفرد خلف الصف، وقد مرَّ ما قيل فيه في باب المرأة وحدها تكون صفًا، ويرجح الرواية الأولى المشهور ما مرّ عن الطبراني صل ما أدركت. وما أخرج الطحاوي بسند حسن عن أبي هريرة مرفوعًا إذا أتى أحدكم الصلاة فلا يركع دون

стр. 4256

الصف حتى يأخذ مكانه من الصف واستنبط بعضهم من قوله: لا تعد أن ذلك الفعل كان جائزًا فمم ورد النهي عنه بقوله: لا تعد فلا يجوز العود إلى ما نهى عنه النبي ﷺ ، وهذه طريقة البخاري في جزء القراءة خلف الإِمام وقد قيل: لِمَ لا دعا له بعدم العود إلى ذلك كما دعا له بزيادة الحرص. وأُجيب بأنه جوز أنه ربما تأخر في أمر يكون أفضل من إدراك الصلاة، وهذا مبني على أن النهي إنما وقع عن التأخير، وليس كذلك، واستدل بهذا الحديث على استحباب موافقة الداخل للإمام على أي حال وجده عليها، وقد ورد الأمر بذلك صريحًا في سنن سعيد بن منصور من رواية عبد العزيز بن رفيع عن أناس من أهل المدينة أن النبي ﷺ قال: "مَنْ وجدني قائمًا أو ساجدًا أو راكعًا فليكن معي على الحال التي أنا عليها" وفي التِّرمِذِيّ نحوه عن علي ومعاذ مرفوعًا، وفي إسناده ضعف لكنه ينجبر بطريق سعيد بن منصور المذكورة. قلت: الركوع دون الصف والمشي إليه في حال الركوع مكروه كراهة تنزيه عند الشافعية والحنفية حملًا منهم للنهي على التنزيه لكونه ﵊ لم يأمر أبا بكرة بالإعادة إلى أن أبا حنيفة كما في العيني قال: يكره ذلك للواحد وللجماعة وقال بالتحريم أحمد وإسحاق وابن خزيمة حملًا للنهي على التحريم وعند المالكية يندب له الركوع دون الصف إن خاف فوات الركعة وظن أنه إن ركع ودبَّ يدرك الإِمام قبل الرفع من الركوع فيدبُّ راكعًا في الركعة الأولى فإن تخلف ظنه دبَّ قائما في الركعة الثانية ولا يدبُّ في الجلوس، ولا في السجود لقبح الهيئة، وإذا ظن عدم إدراكه قبل الرفع من الركوع لم يركع وتمادى حتى يدخل الصف ويكون دبيبه قدر صفين، أو ثلاثة، ويكون للفرجة التي تلي الإِمام ان تعددت الفرج وحملوا الحديث على أن المراد بقوله: لا تعد أي: لا تعد أن تسعى إلى الصف سعيًا يحفزك به النفس كما في حديث أبي هريرة، فلا تأتوها وأنتم تسعون. وأيد هذا المعنى عندهم ما روي عن ابن مسعود وزيد بن ثابت أنهما فعلا ذلك ركعًا دون الصف، ومشيا إلى الصف ركوعًا، وفعله عروة بن الزبير وسعيد بن جبير، وأبو سلمة، وعطاء وفي الأوسط عن عطاء أن ابن الزبير قال على المنبر: إذا دخل أحدكم المسجد، والناس ركوع فليركع حين يدخل ثم يدبُّ راكعًا حتى يدخلَ في الصف فإن ذلك السنة. قال عطاء: ورأيته يصنع ذلك، وفي "المصنف" بسند صحيح عن زيد بن وهب قال: خرجت مع عبد الله من داره، فلما توسطنا المسجد ركع الإِمام فكبر عبد الله، ثم ركع وركعت معه، ثم مشينا إلى الصف راكعين حتى رفع القوم رؤوسهم فلما قضى الإِمام الصلاة قمت لأُصلي فأخذ بيدي عبد الله فأجلسني وقال: إنك قد أدركت. وروى في "المصنف" أيضًا أن أبا أُمامة فعل ذلك، وزيد بن ثابت، ومجاهد، والحسن، وسعيد بن جبير، وعروة بن الزبير فحديث أبي بكرة محتمل، وهذه الآثار ترجح المحمل الذي حملته عليه المالكية.

стр. 4257

رجاله خمسة: قد مرّوا إلاَّ الأعلم، مرّ موسى بن إسماعيل في الخامس من بدء الوحي، ومرّ همام بن يحيى في الرابع والثمانين من الوضوء، ومرّ الحسن البصري وأبو بكرة في الرابع والعشرين من الإيمان، والأعلم هو زياد بن حسان بن قرة الباهلي البصري المعروف بالأعلم قال أحمد: ثقة، وقال ابن معين وأبو داود والنَّسائيّ: ثقة. وقال أبو زرعة: شيخ، وقال أبو حاتم: هو من قدماء أصحاب الحسن، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى، وقال الدارقطني: هو قليل الحديث، في ذكره ابن حِبّان في الثقات روى عن أنس والحسن البصري وابن سيرين وروى عنه ابن عون والحمادان وهمام بن يحيى وغيرهم والأعلم من العَلَم بفتحتين وهو من كان مشقوق الشفة العليا. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواته كلهم بصريون، وفيه رواية تابعي عن تابعي عن صحابي أخرجه أبو داو والنَّسائيّ في الصلاة. ثم قال المصنف: باب إتمام التكبير في الركوع أي: مده بحيث ينتهي بتمامه، أو المراد إتمام عدد تكبيرات الصلاة بالتكبير في الركوع، ولعله أراد بلفظ الإشارة إلى تضعيف ما رواه أبو داود عن عبد الرحمن بن أبزى قال: صليت خلف النبي ﷺ فلم يتم التكبير ونقل البخاري في التاريخ عن أبي داود الطيالسي أنه قال: هذا عندنا باطل، وقال الطبري والبزار: تفرد به الحسين بن عمران، وهو مجهول وأجيب على تقدير صحته بأنه فعل ذلك لبيان الجواز، أو المراد لم يتم الجهر به، أو لم يمده. ثم قال: قاله ابن عباس عن النبي ﷺ أي: الإتمام ومراده أنه قال ذلك بالمعنى لأنه أشار بذلك إلى حديثه الموصول في آخر الباب الذي بعده. وفيه قوله لعكرمة لما أخبره عن الرجل الذي كبّر في الظهر ثنتين وعشرين تكبيرة: أنها صلاة النبي ﷺ فيستلزم ذلك أنه نقل عن النبي ﷺ إتمام التكبير؛ لأن الرباعية لا يقع فيها لذاتها أكثر من ذلك ومن لازم ذلك التكبير في الركوع وهذا يبعد الاحتمال الأول وابن عباس مرّ في الخامس من بدء الوحي. ثم قال: وفيه مالك بن الحويرث أي: يدخل في الباب حديث مالك وحديثه يأتي للبخاري في باب المكث بين السجدتين.

стр. 4258

الحديث الرابع والخمسون حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنِ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي الْعَلاَءِ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: صَلَّى مَعَ عَلِيٍّ رضى الله عنه بِالْبَصْرَةِ فَقَالَ: ذَكَّرَنَا هَذَا الرَّجُلُ صَلاَةً كُنَّا نُصَلِّيهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَفَعَ وَكُلَّمَا وَضَعَ. قوله: "صلّى" أي: عمران. وقوله: "مع علي" أي: ابن أبي طالب. وقوله: "بالبصرة" يعني: بعد وقعة الجمل. وقوله: "ذكَّرَنا" بتشديد الكاف وفتح الراء، وفيه إشارة إلى أن التكبير الذي قد ذكره كان قد ترك، وقد روى أحمد والطحاوي بإسناد صحيح عن أبي موسى الأشعري قال: ذكَّرنا علي صلاة كنا نصليها مع رسول الله ﷺ إما نسيناها، وإما تركناها عمدًا. ولأحمد من وجه آخر عن مطرف قال: قلنا لعمران بن حصين: يا أبا نجيد هو بالنون والجيم مصغر من أول مَنْ ترك التكبير قال عثمان بن عفان حين كبّر وضعف صوته، وهذا يحتمل إرادة ترك الجهر وروى الطبراني عن أبي هريرة أن أول مَنْ ترك التكبير معاوية، وروى أبو عبيد أن أوّل مَنْ تركه زياد، وهذا لا ينافي الذي قبله؛ لأن زيادًا تركه بترك معاوية، وكأن معاوية تركه بترك عثمان. وقد حمل ذلك جماعة من أهل العلم على الإخفاء ويرشحه حديث أبي سعيد الآتي في باب يكثر وهو ينهض من السجدتين لكن حكى الطحاوي أن قومًا كانوا يتركون التكبير في الخفض دون الرفع. قال: وكذلك كانت بنو أُمية تفعل. وروى ابن المنذر نحوه عن ابن عمر وعن بعض السلف أنه كان لا يكِّبر سوى تكبيرة الإحرام وفرق بعضهم بين المنفرد، غيره، ووجهه بأن التكبير شرع للإيذان بحركة الإِمام، فلا يحتاج إليه المنفرد، لكن استقر الأمر على مشروعية التكبير في الخفض والرفع لكل مصلِّ، فالجمهور على ندبيته، أو سنيته ما عدا تكبيرة الإحرام، وعن أحمد في رواية والظاهر أنه يجب كله قال ناصر الدين بن المنير: الحكمة في مشروعية التكبير في الخفض والرفع أن المكلف أُمر بالنية أول الصلاة مقرونة بالتكبير، وكان من حقه أن يستصحب النية إلى آخر الصلاة، فأمر أن يجدد العهد في أثنائها بالتكبير الذي هو شعار النية. وقوله: "كلما رفع وكلما وضع" هو عام في جميع الانتقالات في الصلاة لكن خص منه الرفع من الركوع بالإجماع، فإنه شرع فيه التحميد، وقد جاء بهذا اللفظ العام أيضًا من حديث أبي هريرة في الباب ومن حديث أبي موسى الذي ذكرناه عند أحمد والنَّسائيّ ومن حديث ابن مسعود عند الدارمي والطحاوي ومن حديث ابن عباس في الباب الذي بعده، ومن

стр. 4259

حديث ابن عمر عند أحمد والنَّسائيّ، ومن حديث عبد الله بن زيد عند سعيد بن منصور، ومن حديث وائل بن حجر عند ابن حِبّان، ومن حديث جابر عند البزار، وسيأتي مفسرًا من حديث أبي هريرة فيه، وقد قالت الشافعية والحنفية: لو ترك التكبير عمدًا، أو سهوًا حتى ركع، أو سجد لم يأت به لفوات محله، ولا سجود، وقالت المالكية: يسن السجود لترك تكبيرتين، أو ثلاث تكبيرات، وإذا لم يسجد، وطال الفصل بطلت الصلاة إن كان السجود لثلاث سنن وإلا لم تبطل، وفات السجود، والطول يحصل بالخروج من المسجد، أو بالطول عرفًا. رجاله ستة: وفيه ذكر علي، مرّ إسحاق بن شاهين في الرابع عشر من الحيض، ومرّ خالد الطحان في السادس والخمسين من الوضوء، ومرَّ سعيد بن إياس الجريري في العشرين من كتاب أبواب الأذان، ومرَّ عمران بن حصين في الحادي عشر من التيمم، ومرَّ علي في السابع والأربعين من العلم، والباقي من السند اثنان الأول: أبو العلاء يزيد بن عبد الله بن الشّخيّر كسكيت العامري البصري ذكره ابن حِبّان في الثقات وقال النَّسائيّ وقال العجلي: بصري متابعة ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث صالحة، وقال ثابت البُناني: نجاء أبو العلا إلى الحسن فقال له رجل: تكلم يا أبا العلا فقال: لا لست هناك. قال ثابت: فأعجبني إقراره على نفسه. وقال أبو صالح العقيلي: كان أبو العلا يقرأ في المصحف فخر مغشيًا عليه قال ابن منده: وأظنه رأى النبي ﷺ . روى عن أبيه وأخيه مُطَرّف وسمرة بن جندب وعمران بن حصين وعائشة، وأبي هريرة، وروى عنه سليمان التيمي، وسعيد الجريري، وقتادة، وخالد الحذاء وغيرهم، مات سنة ثمان ومائة، وقيل سنة إحدى عشرة. الثاني: أخوه مطرف بن عبد الله الحَرَشي في العامري البصري أبو عبد الله ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من أهل البصرة، وقال: روى عن أبي بن كعب وكان ثقة ذا فضل، وورع، وأدب، وقال ابن حِبّان في "الثقات": ولد في حياة النبي ﷺ ، وكان من عباد أهل البصرة، وزهادهم، وقال العجلي: بصريّ، ثقة من كبار التابعين رجل صالح ولم ينج بالبصرة من حسد ابن الأشعب إلا مُطَرّف وابن سيرين، وقال غيلان: ابن جرير كان بينه وبين رجل كلام فكذب عليه فقال مطرت: اللهم إن كان كاذبًا فأمته فخرَّ مكانه ميتًا. وقال قتادة: كان مطرف وصاحب له سائرين في ليلة مظلمة، فإذا طرف عصا أحدهما منيرة، فقال صاحبه: لو حدثت الناس بهذا لكذبونا، فقال مطرف: المكذِّب أكذب. وقال غيلان: إن مطرفًا كان يلبس المطارف ويركب الخيل، ويغشى السلطان، ولكن إذا أفضيت إليه أفضيت إلى قرة عين. وقال يزيد أخوه أنا أكبر من الحسن بعشر سنين، ومطرف أكبر مني بعشر سنين روى عن أبيه وعثمان، وعلي، وأبي ذرٍّ، وعمّار بن ياسر، وعمران بن حصين، وغيرهم. وروى عنه أخوه أبو العلا وابن أخيه عبد الله بن هانىء وغيلان بن جرير، وثابت البناني، وسعيد الجريري وغيرهم. مات في ولاية الحجاج سنة خمس وتسعين. والحرشي في نسبه بفتح المهملتين نسبة إلى حَرِيش كأمير أبي قبيلة من بني عامر وهو

стр. 4260

حريش بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة منهم ربيعة بن شكل بن كعب بن الحريش الذي عقد الحلف بين بني عامر وبني عبس، وذو الفضة عامر بن مالك، ومنهم مطرف هذا وسعيد بن عمرو وغيرهم. لطائف إسناده: فيه التحديث والإخبار بالجمع والعنعنة والقول ورواته كلهم بصريون وفيه رواية الأقران والإخوة.

стр. 4261

الحديث الخامس والخمسون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ، فَيُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ، فَإِذَا انْصَرَفَ قَالَ: إِنِّي لأَشْبَهُكُمْ صَلاَةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قوله: "يصلي بهم" في رواية الكشميهنيّ يصلّي لهم، وقد مرَّ الكلام على قوله: إني لأشبهكم صلاة في متابعة محمد بن عمرو قبل هذا بباب، والكلام على باقي الحديث كالكلام على الذي قبله. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ عبد الله، ومالك في الثاني من بدء الوحي، والزهري في الثالث منه وأبو سَلَمة في الرابع منه، وأبو هريرة في الثاني من الإيمان. ثم قال المصنف: باب إتمام التكبير في السجود فيه ما تقدم في الذي قبله.

стр. 4262

الحديث السادس والخمسون حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ غَيْلاَنَ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ صَلَّيْتُ خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضى الله عنه أَنَا وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، فَكَانَ إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ كَبَّرَ، وَإِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلاَةَ أَخَذَ بِيَدِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ فَقَالَ: ذَكَّرَنِي هَذَا صَلاَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ . أَوْ قَالَ: لَقَدْ صَلَّى بِنَا صَلاَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ . قوله: "خلف علي بن أبي طالب أنا وعمران" استدل به كلى أن موقف الاثنين يكون خلف الإِمام خلافًا لمن قال: يجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، وفيه نظر؛ لأنه ليس فيه أنه لم يكن معه غيرهما وقد تقدم أن ذلك كان بالبصرة، وكذا رواه سعيد بن منصور عن عمران، وعند أحمد عن غيلان بالكوفة وكذا عند عبد الرزاق عن مطرف فيحتمل أن يكون ذلك وقع منه بالبلدين، وقد ذكره المصنف في رواية أبي العلاء بصيغة العموم، وهنا بذكر السجود والرفع، والنهوض من الركعتين فقط.، ففيه إشعار بأن هذه المواضع الثلاثة هي التي كان ترك التكبير فيها حتى تذكرها عمران بصلاة علي رضي الله تعالى عنهما. وقوله: "ذكرني" في رواية الكشميهني لقد ذكرني. وقوله: "أو قال" هو شك من أحد رواته ويحتمل أن يكون من حمّاد فقد رواه أحمد عن سعيد بن أبي عروبة بلفظ: "صلّى بنا" هذا مثل صلاة رسول الله ﷺ ، ولم يشك، وفي رواية قتادة عن مطرف قال عمران: ما صليت منذ حين، أو منذ كذا وكذا أشبه بصلاة رسول الله ﷺ من هذه الصلاة. قال ابن بطال: ترك التكبير على مَنْ ترك التكبير يدل على أن السلف لم يتلقوه على أنه ركن من الصلاة وأشار الطحاوي إلى أن الإجماع استقر على أن من تركه صلاته تامة. وفيه نظر لما مرَّ عن أحمد، والخلاف في بطلان الصلاة به ثابت في مذهب الإِمام مالك إلا أن يريد إجماعًا سابقًا. رجاله خمسة: وفيه ذكر علي، وقد مروا. مرّ أبو النعمان في الحادي والخمسين من الإيمان، ومرّ حمّاد بن زيد في الرابع والعشرين منه، ومرّ غيلان بن جرير في التاسع والمئة من الوضوء، ومرّ مطرف في الذي قبل هذا بحديث، ومرّ فيه ذكر محل عمران وعلي.

стр. 4263

الحديث السابع والخمسون حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلاً عِنْدَ الْمَقَامِ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ وَإِذَا قَامَ وَإِذَا وَضَعَ، فَأَخْبَرْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضى الله عنه قَالَ: أَوَلَيْسَ تِلْكَ صَلاَةَ النَّبِيِّ ﷺ لاَ أُمَّ لَكَ. قوله: "عن أبي بشر" صرّح سعيد بن منصور عن هشيم بان أبا بشر حدّثه. وقوله: "رأيت رجلًا عند المقام" أي: مقام إبراهيم، وفي رواية الإسماعيلي صلّيت خلف شيخ بالابطح والأولى أصح إلا أن يكون المراد بالابطح البطحاء التي تفرش في المسجد، وسيأتي في أول الباب الذي بعده بلفظ صلّيت خلف شيخ بمكة وأنه سماه في بعض الطرق أبا هريرة واتفقت هذه الروايات على أنه رآه بمكة، وللسراج عن عكرمة رأيت رجلًا يصلي في مسجد النبي ﷺ . فإن لم تحمل على التجوز فهي شاذة. وقوله: "أوليس تلك صلاة رسول الله ﷺ ؟ " هو استفهام إنكار للإنكار المذكور ومقتضاه الإثبات لأنه نفي النفي. وقوله:"لا أُمَّ لك" هي تقولها العرب عند الزجر ولكنهم قد يطلقون ذلك ولا يريدون حقيقته. رجاله خمسة: وفيه لفظ رجل مبهم وقد مروا، مرّ عمرو بن عون في العاشر من أحاديث أبواب استقبال القبلة، ومرّ هشيم في الثاني من التيمم، ومرَّ أبو بشر جعفر بن أبي وحشية في الثاني من العلم، ومرّ عكرمة في السابع عشر منه، ومرّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي والرجل المبهم أبو هريرة كما صرّح به أحمد والطبراني والطحاوي وأبو هريرة مرّ في الثاني من الإيمان. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول كل واحد في موضعين وفيه ثلاثة واسطيون متوالية. ثم قال المصنف: باب التكبير إذا قام من السجود

стр. 4264

الحديث الثامن والخمسون حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ شَيْخٍ بِمَكَّةَ فَكَبَّرَ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً، فَقُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ إِنَّهُ أَحْمَقُ. فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ . زاد سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عند الإسماعيلي الظهر وبذلك يصح عدد التكبير الذي ذكره لأن في كل ركعة خمس تكبيرات فيقع في الرباعية عشرون تكبيرة مع تكبيرة الافتتاح وتكبيرة القيام من التشهد ولأحمد والطحاوي والطبراني عن عبد الله بن الداناج بالنون والجيم الخفيفتين عن عكرمة قال: صلّى الله بنا أبو هريرة. وقوله: "ثكلتك أُمك" دعاء عليه بأن يفقد أُمه وتفقده أُمه ولكنهم قد يطلقونه ولا يريدون حقيقته كما في الذي قبله وإنما دعا عليه ابن عباس بذلك؛ لأنه استحق ذلك لكونه نسب ذلك الرجل إلى الحمق الذي هو غاية الجهل وقد مرّ قريبًا أنه أبو هريرة. رجاله خمسة: مرّ موسى بن إسماعيل في الخامس من بدء الوحي، ومرَّ همام بن يحيى في الرابع والثمانين من الوضوء، ومرّ قتادة في السادس من الإيمان، ومرّ ذكر محل عكرمة وابن عباس في الذي قبله.

стр. 4265

الحديث التاسع والخمسون وَقَالَ مُوسَى: حَدَّثَنَا أَبَانُ قال: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قال: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ. قوله: "وقال موسى" هو ابن إسماعيل راوي الحديث عن همام وهو عند متصل عن همام وأبان كلاهما عن قتادة وإنما أفردهما لكونه على شرطه في الأُصول بخلاف أبان فإنه على شرطه في المتابعات وأفادت رواية أبان تصريح قتادة بالتحديث عن عكرمة وقد وقع مثله عن سعيد بن أبي عروبة المذكورة عند الإسماعيلي. وقوله:"سنة إبي القاسم" بالرفع خبر مبتدأ محذوف تقديره تلك سنة وثبت ذلك في رواية عبيد الله بن موسى عن همام عند الإسماعيلي. رجاله رجال الذي قبله، إلا أبان بن يزيد وقد مرَّ في تعليق بعد السابع والثلاثين من الإيمان.

стр. 4266

الحديث الستون حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لَمِنْ حَمِدَهُ. حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ. كذا قال عقيل وتابعه ابن جريج عن ابن شهاب عند مسلم وقال مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن كما مرّ قبل بباب مختصرًا وكذا أخرجه مسلم والنَّسائيّ مطولًا من رواية يونس عن ابن شهاب وتابعه معمر عن ابن شهاب عند السراج وليس هذا الاختلاف قادحًا بل الحديث عند ابن شهاب عنهما معًا كما يأتي في باب: (يهوي بالتكبير) من رواية شعيب عنه عنهما جميعًا عن أبي هريرة. وقوله: "يكبَّرُ حين يقوم" فيه التكبير قائمًا وهو بالاتفاق في حق القادر. وقوله: "ثم يكبِّرُ حين يركع" قال النووي: فيه دليل على مقارنة التكبير للحركة وبسطه عليها فيبدأ بالتكبير حين يشرع في الانتقال إلى الركوع ويمده حتى يصل إلى حد الراكع وهذا هو مذهب المالكية والشافعية. وقالت الحنفية: إنه يكبِّر عند الخفض والرفع سواء لا يتقدمه ولا يتأخره متعلقين بقوله في الحديث السابق كلما رفع وكلما خفض لكن دلالة هذا اللفظ على البسط الذي ذكروه غير ظاهرة. وقوله: "حين يرفع" فيه أن التسميع ذكر النهوض وأن التحميد ذكر الاعتدال وفيه دليل على أن الإِمام يجمع بينهما خلافًا لمالك؛ لأن صلاة النبي ﷺ الموصوفة محمولة على حال الإمامة لأن ذلك هو الأكثر الأغلب من أحواله وقد استوفى الكلام على هذه المسألة عند حديث عائشة في ياب إنما جعل الإِمام ليؤتم به من أبواب الجماعة. رجاله ستة: مرّت الأربعة الأولى متتابعة بهذا النسق في الثالث من بدء الوحي، ومرّ بو هريرة في الثاني من الإيمان. وأتى لهذا الحديث بسند آخر فقال: "وقال عبد الله بن صالح عن الليث ولك الحمد ثم يكبِّر حين يهوي ثم يكبِّر حين يرفع رأسه ثم يكبِّر حين يسجد ثم يكبِّر حين يرفع رأسه ثم يفعل ذلك وفي الصلاة لمحلها حتى يقضيها ويكبِّر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس" يعني أن ابن صالح زاد في

стр. 4267

روايته عن الليث الواو في قوله:"ولك الحمد" وأما باقي الحديث فاتفقا فيه وإنما لم يسقه عنهما معًا وهما شيخاه لأن يحيى من شرطه في الأصول وابن صالح إنما يورد في المتابعات. وقوله: "ثم يكبّر حين يهوى" يعني ساجدًا وكذا هو في رواية شعيب ويَهوي بفتح أوله أي: يسقط. وقوله: "ويكبِّر حين يقوم من الثنتين" أي: الركعتين الأوليين. وقوله: "بعد الجلوس" أي: في التشهد الأول وهذا مفسر للأحاديث المتقدمة حيث قال فيها: كان يكبِّر في كل خفض ورفع وقد مرّ أن المالكية التكبير عندهم في حالة الرفع والخفض واختلف عن مالك في القيام إلى الثالثة من التشهد الأول فروى في الموطأ عن أبي هريرة وابن عمر وغيرهما أنهم كانوا يكبرون في حال قيامهم، وروى ابن وهب عنه أن التكبير بعد الاستواء أولى وفي "المدونة" لا يكبِّر حتى يستوى قائمًا وهذا هو مشهور مذهبه ووجهه بعض أصحابه بأن تكبير الافتتاح يقع بعد القيام فينبغي أن يكون هذا نظيره من حيث أن الصلاة فرضت أولًا ركعتين ثم زيدت الرباعية فيكون افتتاح المزيد كافتتاح المزيد عليه. قال في "الفتح": وكان ينبغي لصاحب هذا الكلام أن يستحب رفع اليدين حينئذ لتكمل المناسبة ولا قائل منهم به قلت: الأولى في المناسبة ما قالوه من عدم الرفع ليمتاز الأصل عن الفرع بزيادة الرفع في الأصل دون الفرع ويأتي مزيد الكلام على هذا المقام في باب: (يكبِّر وهو ينهض من السجدتين) وعبد الله بن صالح والليث قد مرّا، مرَّ عبد الله في متابعة بعد الرابع من الوحي فلم يبق من السند إلاّ أبو بكر وهو عبد الرحمن بن الحارث بن هشام القرشي المخزومي المدني أحد فقهاء المدينة السبعة قيل اسمه محمد وقيل اسمه أبو بكر وكنيته أبو عبد الرحمن والصحيح أن اسمه وكنتيه واحد قال الواقدي: اسمه كنيته وكان استصقر يوم الجمل فرد هو وعروة بن الزبير وكان ثقة فقيهًا عالماً شيخًا كثير الحديث، وكان يقال له: واهب قريش لكثرة صلاته، وكان مكفوفًا. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة. وقال خراش: هو أحد أئمة المسلمين، وقال أيضًا أبو بكر وعكرمة وعبد الله وعمر بنو عبد الرحمن بن الحارث بن هشام كلهم أجلة ثقات يضرب بهم المثل. وقال أبو داود: كان أعمى وكان إذا سجد يضع يده في طست ماء من علة كانت به وذكره ابن حِبّان في "الثقات"، وقال الزبير بن بكار: كان قد كف بصره وكان يسمى الراهب وكان من سادات قريش. وقال أبو الزناد: أدركت من فقهاء المدينة وعلمائها مَنْ يرتضي وينتهي إلى قوله منهم ابن المسيب وعزوة بن قاسم بن محمد وأبو بكر بن عبد الرحمن وخارجة بن زيد وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وسليمان بن يسار في مشيخة من نظرائهم أهل فقه وفضل. وقال الشعبي عن عمر بن عبد الرحمن: أن أخاه أبا بكر كان يصوم ولا يفطر. روى عن أبيه وأبي هريرة وعمّار بن ياسر وعائشة وأُم سلمة وغيرهم، وروى عنه أولاده عبد الملك وعمر وعبد الله ومولاه سمى والزهري وعمر بن عبد العزيز وغيرهم، ولد في خلافة عمر ومات سنة ثلاث وتسعين وقيل أربع وقيل خمس. قال الواقدي: كانت تسمى سنة الفقهاء أي: موتهم.

стр. 4268

لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإخبار بالأفراد والسماع والقول ورواية تابعي عن تابعي عن صحابي أخرجه مسلم في الصلاة وكذا أبو داو والنَّسائيّ ثم قال المصنف: باب وضع الأكف على الركب في الركوع أي: كل كف على ركبة ثم قال: وقال أبو حميد في أصحابه أمكن النبي ﷺ يديه من ركبتيه وهذا التعليق أخرجه البخاري موصولًا مطولًا في باب سنة الجلوص في التشهد، وقد مرَّ معلقًا في باب إلى أين يرفع يديه، ومرَّ عليه قليل كلًا هناك ويأتي استيفاء الكلام عليه في الباب المذكور والفرض منه هنا بيان الصفة المذكورة في الركوع ويقويه ما أشار إليه سعد من نسخ التطبيق وأبو حميد قد مرّ في تعليق أول أبواب استقبال القبلة قبل ذكر حديث منه.

стр. 4269

الحديث الحادي والستون حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُصْعَبَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِي فَطَبَّقْتُ بَيْنَ كَفَّيَّ ثُمَّ وَضَعْتُهُمَا بَيْنَ فَخِذَيَّ، فَنَهَانِي أَبِي وَقَالَ: كُنَّا نَفْعَلُهُ فَنُهِينَا عَنْهُ، وَأُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ أَيْدِيَنَا عَلَى الرُّكَبِ. قولة: "طبقت" أي: الصقت بين باطنيْ كفي في حال الركوع. وقوله: "كنا نفعله فنهينا عنه وأُمرنا" استدل به على نسخ التطبيق المذكور بناء على أن المراد بالآمر والناهي في ذلك هو النبي ﷺ وهذه الصيغة مختلف فيها والراجح أن حكمها الرفع وهو مقتضى تصرف البخاري وكذا مسلم، إذ أخرجه في صحيحه وفي رواية إسرائيل المذكورة عند الدارمي كان بنو عبد الله بن مسعود إذا ركعوا جعلوا أيديهم بين أفخاذهم فصليت إلى جنب أبي فضرب يدي الحديث، فأفادت هذه الزيادة مستند مصعب في فعل ذلك وأولاد ابن مسعود وأخذوه عن أبيهم. قال الترمذي: التطبيق منسوخ عند أهل العلم لا خلاف بينهم في ذلك إلا ما روى عن ابن مسعود وبعض أصحابه أنهم كانوا يطبقون وقد ورد ذلك عن ابن مسعود متصلًا في صحيح مسلم وغيره. عن علقمة والأسود أنهما دخلا على عبد الله فذكر الحديث قالا: فوضعنا أيدينا على ركبنا فضرب أيدينا ثم طبق بين يديه فجعلهما بين فخذيه فلما صلّى قال: هكذا فعل رسول الله ﷺ قال في "الفتح" وحمل هذا على أن ابن مسعود لم يبلغه النسخ. قلت: هذا بعيد جدا لأن ابن مسعود كان صاحب السواد والوساد والسواك والنعل فكيف يخفى عليه النسخ مع شدة ملازمته، وقد روى ابن المنذر عن ابن عمر بإسناد قوي قال: إنما فعله النبي ﷺ مرة يعني التطبيق وروى ابن خزيمة من وجه آخر عن علقمة عن عبد الله قال: علمنا رسول الله ﷺ فلما أراد أن يركع طبق يديه بين ركبتيه فركع فبلغ ذلك سعدًا فقال: أخي كنّا نفعل هذا ثم أُمرنا بهذا يعني الإمساك على الركب فهذا شاهد قوي لطريق مصعب بن سعد. وروى عبد الرزاق عن معمر ما يوافق قول سعد أخرجه من وجه آخر عن علقمة والأسود قالا: صلينا مع عبد الله فطبق ثم لقينا عمر فصلينا معه فطبقنا فلما انصرف قال: ذلك شيءٌ كنّا بفعله ثم ترك.

стр. 4270

وفي الترمذي عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: قال لنا عمر بن الخطاب: إن الركب سنت لكم فخذوا بالركب. ورواه البيهقي بلفظ: كنا إذا ركعنا جعلنا أيدينا بين أفخاذنا فقال عمران: من السنة الأخذ بالركب وهذا أيضًا حكمه حكم الرفع لأن الصحابي إذا قال السنة كذا أو سن كذا كان الظاهر انصراف ذلك إلى سنة النبي ﷺ ولاسيما إذا قاله مثل عمر. وقوله: "فنهينا عنه" استدل به ابن خزيمة على أن التطبيق غير جائز وفيه نظر لاحتمال حمل النهي على الكراهة فقد روى ابن أبي شيبة عن عاصم بن ضمرة عن علي رضي الله تعالى عنه قال: إذا ركعت فإن شئت فعلت هكذا يعني وضعت يديك على ركبتيك وإن شئت طبّقت. وإسناده حسن وهو ظاهر في أنه كان يرى التخيير فإما لم يبلغه النهي وإما حمله على كراهة التنزيه. قلت: كراهة التنزيه ليست من محال التخيير فالتخيير إنما يكون في الإباحة المستوية الطرفين فالأولى حمله على أنه لم يبلغه النهي وإنه رآه ﷺ فعلهما من غير أن يسمع منه نهيًا، ويدل على أنه ليس بحرام كون عمر وغيره ممن أنكره لم يأمر من فعله بالإعادة وقد حكى ابن بطال عن الطحاوي وأقره أن طريق النظر يقتضي أن تفريق اليدين أولى من تطبيقهما لأن السنة جاءت بالتجافي في الركوع والسجود وبالمزاوجة بين القدمين قال: فلما اتفقوا على أولوية تفريقهما في هذا واختلفوا في الأول اقتضى النظر أن يلحق ما اختلفوا فيه بما اتفقوا عليه قال: فثبت انتفاء التطبيق ووجوب وضع اليدين على الركبتين قلت: مشهور مذهب مالك أن وضع على الركبتين مستحب لا واجب، والواجب قربهما من الركبتين وتعقب الزين بن المنير كلامه بأن الذي كره معارض بالمواضع التي سن فيها الضم كوضع اليمنى على اليسرى في حالة القيام قال: وإذا ثبت مشروعية الضم في بعض مقاصد الصلاة بطل ما اعتمده من القياس المذكور، نعم لو قال إن الذي ذكره يقتضي مزية التفريج على التطبيق لكان له وجه. وقد وردت الحكمة في إثبات التفريج على التطبيق عن عائشة ﵂ أورده سيف في الفتوح عن مسروق أنه سألها عن ذلك فأجابت بما محصله أن التطبيق من صنيع اليهود وأنه ﷺ نهى عنه لذلك وكان ﵊ تعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه ثم أمر في آخر الأمر بمخالفتهم. قلت: الضم في الصلاة من سنة النساء والتفريج من سنة الرجال عندنا معاشر المالكية والحكمة في ذلك هو أن شهوة الرجال في الانضمام وشهوة النساء في الانفراج فكان كل واحد منهما يسن له ما هو أبعد من ذلك. وقوله: "أن نضع أيدينا على أكفنا" من إطلاق الكل وإرادة الجزء رواه مسلم عن أبي عوانة بلفظ وأمرنا أن نضرب بالأكف وهو مناسب للترجمة. والمراد بالوضع أن يفعل شبه القابض عليها مع تفريق أصابعهما للقبلة حالة الوضع.

стр. 4271

رجاله خمسة: مرّ منهم هشام بن عبد الملك أبو الوليد في العاشر من الإيمان، ومرّ شعبة في الثالث منه، ومرَّ سعد بن أبي وقاص في العشرين منه والباقي من السند إثنان، الأول أبو يعفوَر واسمه قدان بفتح الواو العبدي الكوفي والد يونس بن أبي يعفور، وبقال اسمه واقد والأول أصح وهو يعفور الأكبر وهو الصحيح جزم به المزي وغيره. وزعم النووي أنه يعفور الأصغر عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس وليس بشيء لأن الصغير ليس مذكررًا في الآخذين عن مصعب ولا في أشياخ شعبة، والأول وهو الكبير روى عن ابن عمرو بن أبي أوفى، وأنس، ومصعب بن سعيد وغيرهم وروى عنه ابنه يونس، وإسرائيل، وشعبة، والثوري، وابن عُيينة وغيرهم. قال أحمد: أبو يعفور الكبير اسمه وقدان ويقال: واقد، ثقة. وقال ابن معين وعدي بن المديني: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حِبّان في "الثقات"، مات سنة عشرين ومئة. قال ابن حجر: بل بعدها بسنين لأن ابن عُيينة سمع منه وكان ابتداء طلبه بعد العشرين وذكر مسلم في "الطبقات" أن اسمه واقد ولقبه وقدان وها أنا أذكر تعريف الصغير أيضًا تتميمًا للفائدة فهو عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس بن أبي صفية العامري البكائي، ويقال: البكالي، ويقال: السلمي أبو يعفور الصغير الكوفي. قال أحمد، وابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: ليس به بأس. وذكره ابن حِبّان في "الثقات" وقال يعقوب بن سفيان: ثقة، روى عن أبيه عبيد والسائب بن يزيد وأبي الضحى والوليد بن العيزار وأفاد ابن حِبّان أنه روى عن أنس وابن أبي أوفى وروى عنه الحسن بن صالح والسفيانان وابن المبارك وغيرهم. والبكائي في نسبه نسبة إلى بكاء ككتان لقب ربيعة بن عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة أبي قبيلة منهم زياد بن عبد الله البكائي راوي المغازي عن ابن إسحاق وهو أيضًا لقب لجماعة لقب الهيثم بن جماز الحنفي الكوفي لقب به لكثرة بكائه وعبادته روى عنه هيثم وخليد. ولقب أبي سليم يحيى بن سلمان مولى القاسم بن الفضل الأزدي البصري ضعيف روى عن ابن عمر ولقب أبي بكر محمد بن إبراهيم بن علي بن حسنويه الزاهد الوراق الحسنوي من شيوخ الحكم أبي عبد الله وقال: كان من البكائين من خشية الله ولقب على نزيل الخليل كان كثير البكاء وله زاوية وأتباع وكان المنصور قلاون يعظمه كثيرًا، توفي سنة سبعين وست ومئة. الثاني من السند مصعب بن سعد بن أبي وقاص الزهري أبو زرارة المدني ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة وقال: كان ثقة كثير الحديث وذكره ابن حِبّان في "الثقات" وقال العجلي: تابعي ثقة، روى عن أبيه وعلي وطلحة وعكرمة بن أبي جهل وابن عمر وعدي بن حاتم وغيرهم. مات سنة ثلاث ومئة. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والسِماع والقول ورواته ما بين بصريَّ وكوفيَّ ومدنيَّ وفيه رواية

стр. 4272

تابعي عن تابعي عن صحابي ورواية الابن عن الأب أخرجه مسلم في الصلاة وكذا أبو داود والترمذيِّ والنسائيِّ وابن ماجه. ثم قال المصنف: باب إذا لم يتم الركوع أفرد الركوع بالذكر مع أن السجود مثله لكونه أفرده بترجمة تأتي وغرضه سياق صفة الصلاة على ترتيب أركانها واكتفى عن جواب إذا بما ترجم به بعد من أمر النبي ﷺ الذي لم يتم ركوعه بالإعادة.

стр. 4273

الحديث الثاني والستون حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ قَالَ: رَأَى حُذَيْفَةُ رَجُلاً لاَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ فَقَالَ: مَا صَلَّيْتَ، وَلَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ الَّتِى فَطَرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ . قوله: "رأى حذيفة رجلًا" قال في "الفتح": لم أقف على اسمه لكن عند ابن خزيمة وابن حِبّان عن الأعمش أنه كان عند أبواب كندة ومثله لعبد الرزاق عن الثوري قوله: لا يتم الركوع والسجود في رواية عبد الرزاق فجعل ينقر ولا يتم ركوعه زاد أحمد عن شعبة فقال: منذ كم صليت؟ فقال: منذ أربعين سنة. ومثله في رواية الثوري وللنسائي عن زيد بن وهب مثله، وفي حمله على ظاهره نظر وأظن ذلك هو السبب في كون البخاري لم يذكر ذلك، وذلك لأن حذيفة مات سنة ست وثلاثين فعلى هذا يكون ابتداء صلاة المذكور قبل الهجرة بأربع سنين أو أكثر ولعل الصلاة لم تكن فرضت بعد فلعله إطلق وأراد المبالغة أو لعله ممن كان يصلي قبل إسلامه ثم أسلم فحصلت المدة المذكورة من الأمرين. وقوله: "ما صليت" هو نظير قوله ﷺ للمسيء صلاته: فإنك لم تصلِّ. وقد مضى في باب القراءة للإمام والمأموم وسيأتي بعد باب. وقوله: "التي فطر الله محمدًا" زاد الكشميهنيَّ عليها واستدل به على وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود وعلى أن الإخلال بهما مبطل للصلاة وقد استوفى الكلام على حكم الطمأنينة في باب القراءة للإمام والمأموم عند حديث المسيء صلاته وعلى تكفير تارك الصلاة؛ لأن ظاهره أن حذيفة نفى الإِسلام عمّن أخلّ ببعض أركانها فيكون نفيه عمّن أخل بها كلها أولى وهذا بناء منه على أن المراد بالفطرة الدين وقد أطلق الكفر على مَنْ لم يصل كما رواه مسلم وهو إما على حقيقته عند قوم وإما على المبالغة في الزجر عند آخرين قال: الخطابي الفطرة الملة أو الدين قال: ويحتمل أن يكون المراد بها هنا السنة كما جاء خمس من الفطرة الحديث، ويكون حذيفة قد أراد توبيخ الرجل ليرتدع في المستقبل ويرجحه وروده من طريق آخر بلفظ سنة محمد كما يأتي بعد عشرة أبواب وهو مصير من البخاري إلى أن الصحابي إذا قال سنة محمد أو فطرته كان حديثًا مرفوعًا وخالف في ذلك قوم والراجح الأول.

стр. 4274

رجاله خمسة: وفيه لفظ رجل مبهم وقد مرّ الجميع، مرّ حفص بن عمر في الثالث والثلاثين في الوضوء ومرّ شعبة في الثالث من الإيمان، ومرَّ سليمان بن مهران في الخامس والعشرين منه، ومرَّ زيد بن وهب في الثالث عشر من مواقيت الصلاة، ومرَّ حذيفة في تعليق بعد الثاني من العلم والرجل المبهم قال في "الفتح" كما مرّ لم يعرف اسمه. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والسماع والقول أخرجه النسائي في الصلاة أيضًا. ثم قال المصنف: باب استواء الظهر في الركوع أي من غير ميل في الرأس عن البدن ولا عكسه. وقوله: وقال أبو حميد في أصحابه: ركع النبي ﷺ ثم هصر ظهره. قوله: "هَصر ظهَر" بفتح الهاء والصاد المهملة أي: أماله وفي رواية الكشميهني جنى بالمهملة والنون الخفيفة وهو بمعناه، ومرّ هذا الحديث معلقًا في باب إلى أين يرفع يديه وسيأتي حديث أبي حميد هذا موصولًا مطولًا في باب سنة الجلوس في التشهد بلفظ: ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه ثم هصر ظهره زاد أبو داود من وجه آخر عن أبي حميد ووتر يديه فتجافى عن جنبيه وله من وجه آخر أمكن كفيه من ركبتيه وفرج بين أصابعه ثم هصر ظهره غير مقنع رأسه ولا صافح بخده. وقوله: "وحد إتمام الركوع والاعتدال فيه" وقع في بعض الروايات عند الكشميهني وهي للأصيلي هنا باب إتمام الركوع ففصله عن الباب الذي قبله بباب وعند الباقين الجميع في ترجمة واحدة إلا أنهم جعلوا التعليق عن أبي حميد في أثنائها لاختصاصه بالجملة الأولى ودلالة حديث البراء على ما بعدها وبهذا يجاب عن اعتراض ناصر الدين بن المنير حيث قال: حديث البراء لا يطابق الترجمة للاستواء في الركوع السالم من الزيادة في حنو الرأس دون بقية البدن أو العكس والحديث في تساوي الركوع مع السجود وغيره في الإطالة والتخفيف وكان لم يتأمل ما بعد حديث أبي حميد من بقية الترجمة ومطابقة حديث البراء لقوله: حد إتمام الركوع من جهة أنه دال على تسوية الركوع والسجود والاعتدال والجلوس بين السجدتين وقد ثبت في بعض طرقه عند مسلم تطويل الاعتدال فيؤخذ منه إطالة الجميع. وقوله: "والإطْمأنينة" هذا للأكثر بكسر الهمزة ويجوز الضم وسكون الطاء، وللكشميهني والطُمأنينة بضم الطاء وهي أكثر في الاستعمال والمراد بها السكون وحدها ذهاب الحركة التي قبلها كما سيأتي مفسرًا في حديث أبي حميد وفسرها الفقهاء بأنها استقرار الأعضاء زمنًا ما زيادة على ما يحصل به الواجب من اعتدال وانحناء.

стр. 4275

الحديث الثالث والستون حَدَّثَنَا بَدَلُ بْنُ الْمُحَبَّرِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَكَمُ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: كَانَ رُكُوعُ النَّبِيِّ ﷺ وَسُجُودُهُ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ، مَا خَلاَ الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ، قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ. قوله: "أخبرنا الحكم عن أبي ليلى" وقع التصريح بتحديثه له عند مسلم. وقوله: "وبين السجدتين" أي: وجلوسه بين السجدتين. وقوله: "وإذا رفع رأسه ورفعه إذا رفع" والمراد أن زمان ركوعه وسجوده واعتداله وجلوسه متقارب. وفي رواية لمسلم: فوجدت قيامه فركعته فاعتداله الحديث، ومدار الحديث على ابن أبي ليلى عن البراء وهذه الرواية التي فيها زيادة ذكر القيام عن هلال بن أبي حميد عنه ولم يذكره الحكم عنه وليس بينهما اختلاف إلا ما زاده بدل بن المحبر هنا عن شعبة عن الحكم من قوله: ما خلا القيام والقعود ولم يذكرها أبو الوليد عن شعبة في الرواية الآتية في باب الإطْمأنينة حين يرفع رأسه واختلف في المراد بالقيام والقعود والمستثنين فقيل: المراد بالقيام الاعتدال وبالقعود الجلوس بين الجسدتين وجزم به بعضهم وتمسك به في أن الاعتدال والجلوس بين السجدتين لا يطولان ورده ابن القيم في حاشيته على السنن فقال هذا سوء فهم من قائله؛ لأنه قد ذكرهما بعينهما يستثنيهما وهل يحسن قول القائل جاء زيد وبكر وعمرو إلا زيدًا وعمرًا فإنه متى أراد نفي المجيء عنهما كان تناقضًا وتعقب بأن المراد بذكرها إدخالها في الطمأنينة وباستثناء بعضها إخراج المستثنى من المساواة. وقيل: المراد بالقيام والقعود القيام للقراءة والجلوس للتشهد؛ لأن القيام للقراءة أطول من جميع الأركان في الغالب واستدل بالحديث على أن الاعتدال ركن طويل وحديث أنس الآتي في باب الطمأنينة حين يرفع رأسه فإذا رفع رأسه من الركوع قام حتى نقول قد نسى صريح الدلالة على ذلك نص صريح فيه فلا ينبغي العدول عنه لدليل ضعيف وهو قولهم لم يسن فيه تكرير التسبيحات كالركوع والسجود ووجه ضعفه أنه قياس في مقابلة النص وهو فاسد، وأيضًا فالذكر المشروع في الاعتدال أطول من المشروع في الركوع فتكرير سبحان ربي العظيم ثلالًا يجيىء قدر قوله: اللهم ربنا لك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وقد شرع في الاعتدال ذكر أطول كما أخرجه مسلم عن عبد الله بن أبي أوفى وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عبّاس بعد قوله: حمدًا كثيرًا طيبًا ملء
следующие страницы →