Полный текст (6 753 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.
стр. 4271
رجاله خمسة:
مرّ منهم هشام بن عبد الملك أبو الوليد في العاشر من الإيمان، ومرّ شعبة في الثالث منه، ومرَّ سعد بن أبي وقاص في العشرين منه والباقي من السند إثنان، الأول أبو يعفوَر واسمه قدان بفتح الواو العبدي الكوفي والد يونس بن أبي يعفور، وبقال اسمه واقد والأول أصح وهو يعفور الأكبر وهو الصحيح جزم به المزي وغيره. وزعم النووي أنه يعفور الأصغر عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس وليس بشيء لأن الصغير ليس مذكررًا في الآخذين عن مصعب ولا في أشياخ شعبة، والأول وهو الكبير روى عن ابن عمرو بن أبي أوفى، وأنس، ومصعب بن سعيد وغيرهم وروى عنه ابنه يونس، وإسرائيل، وشعبة، والثوري، وابن عُيينة وغيرهم.
قال أحمد: أبو يعفور الكبير اسمه وقدان ويقال: واقد، ثقة. وقال ابن معين وعدي بن المديني: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حِبّان في "الثقات"، مات سنة عشرين ومئة. قال ابن حجر: بل بعدها بسنين لأن ابن عُيينة سمع منه وكان ابتداء طلبه بعد العشرين وذكر مسلم في "الطبقات" أن اسمه واقد ولقبه وقدان وها أنا أذكر تعريف الصغير أيضًا تتميمًا للفائدة فهو عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس بن أبي صفية العامري البكائي، ويقال: البكالي، ويقال: السلمي أبو يعفور الصغير الكوفي. قال أحمد، وابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: ليس به بأس. وذكره ابن حِبّان في "الثقات" وقال يعقوب بن سفيان: ثقة، روى عن أبيه عبيد والسائب بن يزيد وأبي الضحى والوليد بن العيزار وأفاد ابن حِبّان أنه روى عن أنس وابن أبي أوفى وروى عنه الحسن بن صالح والسفيانان وابن المبارك وغيرهم. والبكائي في نسبه نسبة إلى بكاء ككتان لقب ربيعة بن عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة أبي قبيلة منهم زياد بن عبد الله البكائي راوي المغازي عن ابن إسحاق وهو أيضًا لقب لجماعة لقب الهيثم بن جماز الحنفي الكوفي لقب به لكثرة بكائه وعبادته روى عنه هيثم وخليد. ولقب أبي سليم يحيى بن سلمان مولى القاسم بن الفضل الأزدي البصري ضعيف روى عن ابن عمر ولقب أبي بكر محمد بن إبراهيم بن علي بن حسنويه الزاهد الوراق الحسنوي من شيوخ الحكم أبي عبد الله وقال: كان من البكائين من خشية الله ولقب على نزيل الخليل كان كثير البكاء وله زاوية وأتباع وكان المنصور قلاون يعظمه كثيرًا، توفي سنة سبعين وست ومئة.
الثاني من السند مصعب بن سعد بن أبي وقاص الزهري أبو زرارة المدني ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة وقال: كان ثقة كثير الحديث وذكره ابن حِبّان في "الثقات" وقال العجلي: تابعي ثقة، روى عن أبيه وعلي وطلحة وعكرمة بن أبي جهل وابن عمر وعدي بن حاتم وغيرهم. مات سنة ثلاث ومئة.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والسِماع والقول ورواته ما بين بصريَّ وكوفيَّ ومدنيَّ وفيه رواية
стр. 4272
تابعي عن تابعي عن صحابي ورواية الابن عن الأب أخرجه مسلم في الصلاة وكذا أبو داود والترمذيِّ والنسائيِّ وابن ماجه. ثم قال المصنف:
باب إذا لم يتم الركوع
أفرد الركوع بالذكر مع أن السجود مثله لكونه أفرده بترجمة تأتي وغرضه سياق صفة الصلاة على ترتيب أركانها واكتفى عن جواب إذا بما ترجم به بعد من أمر النبي ﷺ الذي لم يتم ركوعه بالإعادة.
стр. 4273
الحديث الثاني والستون
حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ قَالَ: رَأَى حُذَيْفَةُ رَجُلاً لاَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ فَقَالَ: مَا صَلَّيْتَ، وَلَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ الَّتِى فَطَرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ .
قوله: "رأى حذيفة رجلًا" قال في "الفتح": لم أقف على اسمه لكن عند ابن خزيمة وابن حِبّان عن الأعمش أنه كان عند أبواب كندة ومثله لعبد الرزاق عن الثوري قوله: لا يتم الركوع والسجود في رواية عبد الرزاق فجعل ينقر ولا يتم ركوعه زاد أحمد عن شعبة فقال: منذ كم صليت؟ فقال: منذ أربعين سنة. ومثله في رواية الثوري وللنسائي عن زيد بن وهب مثله، وفي حمله على ظاهره نظر وأظن ذلك هو السبب في كون البخاري لم يذكر ذلك، وذلك لأن حذيفة مات سنة ست وثلاثين فعلى هذا يكون ابتداء صلاة المذكور قبل الهجرة بأربع سنين أو أكثر ولعل الصلاة لم تكن فرضت بعد فلعله إطلق وأراد المبالغة أو لعله ممن كان يصلي قبل إسلامه ثم أسلم فحصلت المدة المذكورة من الأمرين.
وقوله: "ما صليت" هو نظير قوله ﷺ للمسيء صلاته: فإنك لم تصلِّ. وقد مضى في باب القراءة للإمام والمأموم وسيأتي بعد باب.
وقوله: "التي فطر الله محمدًا" زاد الكشميهنيَّ عليها واستدل به على وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود وعلى أن الإخلال بهما مبطل للصلاة وقد استوفى الكلام على حكم الطمأنينة في باب القراءة للإمام والمأموم عند حديث المسيء صلاته وعلى تكفير تارك الصلاة؛ لأن ظاهره أن حذيفة نفى الإِسلام عمّن أخلّ ببعض أركانها فيكون نفيه عمّن أخل بها كلها أولى وهذا بناء منه على أن المراد بالفطرة الدين وقد أطلق الكفر على مَنْ لم يصل كما رواه مسلم وهو إما على حقيقته عند قوم وإما على المبالغة في الزجر عند آخرين قال: الخطابي الفطرة الملة أو الدين قال: ويحتمل أن يكون المراد بها هنا السنة كما جاء خمس من الفطرة الحديث، ويكون حذيفة قد أراد توبيخ الرجل ليرتدع في المستقبل ويرجحه وروده من طريق آخر بلفظ سنة محمد كما يأتي بعد عشرة أبواب وهو مصير من البخاري إلى أن الصحابي إذا قال سنة محمد أو فطرته كان حديثًا مرفوعًا وخالف في ذلك قوم والراجح الأول.
стр. 4274
رجاله خمسة:
وفيه لفظ رجل مبهم وقد مرّ الجميع، مرّ حفص بن عمر في الثالث والثلاثين في الوضوء ومرّ شعبة في الثالث من الإيمان، ومرَّ سليمان بن مهران في الخامس والعشرين منه، ومرَّ زيد بن وهب في الثالث عشر من مواقيت الصلاة، ومرَّ حذيفة في تعليق بعد الثاني من العلم والرجل المبهم قال في "الفتح" كما مرّ لم يعرف اسمه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والسماع والقول أخرجه النسائي في الصلاة أيضًا. ثم قال المصنف:
باب استواء الظهر في الركوع
أي من غير ميل في الرأس عن البدن ولا عكسه. وقوله: وقال أبو حميد في أصحابه: ركع النبي ﷺ ثم هصر ظهره. قوله: "هَصر ظهَر" بفتح الهاء والصاد المهملة أي: أماله وفي رواية الكشميهني جنى بالمهملة والنون الخفيفة وهو بمعناه، ومرّ هذا الحديث معلقًا في باب إلى أين يرفع يديه وسيأتي حديث أبي حميد هذا موصولًا مطولًا في باب سنة الجلوس في التشهد بلفظ: ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه ثم هصر ظهره زاد أبو داود من وجه آخر عن أبي حميد ووتر يديه فتجافى عن جنبيه وله من وجه آخر أمكن كفيه من ركبتيه وفرج بين أصابعه ثم هصر ظهره غير مقنع رأسه ولا صافح بخده.
وقوله: "وحد إتمام الركوع والاعتدال فيه" وقع في بعض الروايات عند الكشميهني وهي للأصيلي هنا باب إتمام الركوع ففصله عن الباب الذي قبله بباب وعند الباقين الجميع في ترجمة واحدة إلا أنهم جعلوا التعليق عن أبي حميد في أثنائها لاختصاصه بالجملة الأولى ودلالة حديث البراء على ما بعدها وبهذا يجاب عن اعتراض ناصر الدين بن المنير حيث قال: حديث البراء لا يطابق الترجمة للاستواء في الركوع السالم من الزيادة في حنو الرأس دون بقية البدن أو العكس والحديث في تساوي الركوع مع السجود وغيره في الإطالة والتخفيف وكان لم يتأمل ما بعد حديث أبي حميد من بقية الترجمة ومطابقة حديث البراء لقوله: حد إتمام الركوع من جهة أنه دال على تسوية الركوع والسجود والاعتدال والجلوس بين السجدتين وقد ثبت في بعض طرقه عند مسلم تطويل الاعتدال فيؤخذ منه إطالة الجميع.
وقوله: "والإطْمأنينة" هذا للأكثر بكسر الهمزة ويجوز الضم وسكون الطاء، وللكشميهني والطُمأنينة بضم الطاء وهي أكثر في الاستعمال والمراد بها السكون وحدها ذهاب الحركة التي قبلها كما سيأتي مفسرًا في حديث أبي حميد وفسرها الفقهاء بأنها استقرار الأعضاء زمنًا ما زيادة على ما يحصل به الواجب من اعتدال وانحناء.
стр. 4275
الحديث الثالث والستون
حَدَّثَنَا بَدَلُ بْنُ الْمُحَبَّرِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَكَمُ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: كَانَ رُكُوعُ النَّبِيِّ ﷺ وَسُجُودُهُ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ، مَا خَلاَ الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ، قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ.
قوله: "أخبرنا الحكم عن أبي ليلى" وقع التصريح بتحديثه له عند مسلم. وقوله: "وبين السجدتين" أي: وجلوسه بين السجدتين. وقوله: "وإذا رفع رأسه ورفعه إذا رفع" والمراد أن زمان ركوعه وسجوده واعتداله وجلوسه متقارب. وفي رواية لمسلم: فوجدت قيامه فركعته فاعتداله الحديث، ومدار الحديث على ابن أبي ليلى عن البراء وهذه الرواية التي فيها زيادة ذكر القيام عن هلال بن أبي حميد عنه ولم يذكره الحكم عنه وليس بينهما اختلاف إلا ما زاده بدل بن المحبر هنا عن شعبة عن الحكم من قوله: ما خلا القيام والقعود ولم يذكرها أبو الوليد عن شعبة في الرواية الآتية في باب الإطْمأنينة حين يرفع رأسه واختلف في المراد بالقيام والقعود والمستثنين فقيل: المراد بالقيام الاعتدال وبالقعود الجلوس بين الجسدتين وجزم به بعضهم وتمسك به في أن الاعتدال والجلوس بين السجدتين لا يطولان ورده ابن القيم في حاشيته على السنن فقال هذا سوء فهم من قائله؛ لأنه قد ذكرهما بعينهما يستثنيهما وهل يحسن قول القائل جاء زيد وبكر وعمرو إلا زيدًا وعمرًا فإنه متى أراد نفي المجيء عنهما كان تناقضًا وتعقب بأن المراد بذكرها إدخالها في الطمأنينة وباستثناء بعضها إخراج المستثنى من المساواة.
وقيل: المراد بالقيام والقعود القيام للقراءة والجلوس للتشهد؛ لأن القيام للقراءة أطول من جميع الأركان في الغالب واستدل بالحديث على أن الاعتدال ركن طويل وحديث أنس الآتي في باب الطمأنينة حين يرفع رأسه فإذا رفع رأسه من الركوع قام حتى نقول قد نسى صريح الدلالة على ذلك نص صريح فيه فلا ينبغي العدول عنه لدليل ضعيف وهو قولهم لم يسن فيه تكرير التسبيحات كالركوع والسجود ووجه ضعفه أنه قياس في مقابلة النص وهو فاسد، وأيضًا فالذكر المشروع في الاعتدال أطول من المشروع في الركوع فتكرير سبحان ربي العظيم ثلالًا يجيىء قدر قوله: اللهم ربنا لك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وقد شرع في الاعتدال ذكر أطول كما أخرجه مسلم عن عبد الله بن أبي أوفى وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عبّاس بعد قوله: حمدًا كثيرًا طيبًا ملء
стр. 4276
السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد زاد في حديث ابن أبي أوفى اللهم طهرني بالثلج إلخ. وزاد في حديث الآخرين أهل الثناء والمجد إلخ.
وجاء في حديث رفاعة الآتي بعد أبواب عدم إنكار النبي ﷺ على مَنْ زاد في الاعتدال ذكرًا غير ما ندر، ثم اختار النووي تطويل الركن القصير بالذكر خلافًا للمرجح في المذهب واستدل لذلك أيضًا بحديث حذيفة في مسلم أنه ﷺ قرأ في ركعة بالبقرة أو غيرها ثم ركع ركوعًا نحوًا مما قرأ ثم قام بعد أن قال: ربنا لك الحمد قيامًا طويلًا قريبًا مما ركع. قال النووي الجواب عن هذا الحديث صعب وإلا قوى جواز الإطالة بالذكر وقد أشار الشافعي في "الأم" إلى عدم البطلان فقال في ترجمة: كيف القيام من الركوع؟ ولو أطال القيام بذكر الله أو يدعو ساهيًا وهو لا ينوي به القنوت كرهت له ذلك ولا إعادة قال في "الفتح": فالعجب ممن يصح مع هذا بطلان الصلاة بتطويل الاعتدال وتوجيههم ذلك بأنه إذا أُطيل انتفت الموالاة معترض بأن معنى الموالاة أن لا يتخلل فصل طويل بين الأركان بما ليس منها وما ورد به الشرع لا يصح نفي كونه منها وأجاب بعضهم عن حديث البراء بأن المراد بقوله قريبًا من السواء ليس أنه كان يركع بقدر قيامه وكذا السجود والاعتدال بل المراد أن صلاته كانت قريبًا معتدلة فكان إذا أطال القراءة أطال بقية الأركان وإذا أخفها أخف بقية الأركان فقد ثبت أنه قرأ في الصبح بالصافات وثبت في السنن عن أنس أنهم حزروا في السجود قدر عشر تسبيحات فيحمل على أنه إذا قرأ بدون الصافات اقتصر على دون العشر وأقله كما ورد في السنن أيضًا ثلاث تسبيحات.
وقوله في الحديث قريبًا من السواء فيه إشعار بأن فيها تفاوتًا لكنه لم يعينه وهو دال على الطمأنينة في الاعتدال وبين السجدتين لما علم من عادته من تطويل السجود والركوع فإذا قلنا إنهما المستثنيان فاستثناؤهما لا يأتي على ترك الطمأنينة فيهما وعند المالكية تطويل القيام بعد الرفع من الركوع غير مشروع ولكنه يندب فيه الدعاء فغير المشروع فيه من الطول هو ما زاد على الدعاء وقد مرّ في باب إذا صلّى لنفسه فليطول ما شاء الكلام على ما يلزم من طول بمحل لا يشرع فيه الطول وبيان الذي لا يشرع فيه الطول.
رجاله خمسة:
مرث منهم ثلاثة، مرّ شعبة في الثالث من الإيمان، ومرّ البراء في الثاني والثلاثين منه، ومرّ الحكم بن عتيبة في الثامن والخمسين من العلم والإثنان الباقيان الأول منهما بدل بن المحبَّر باسم المفعول من التحبير أي: التحسين ابن منبه التميمي اليربوعي أبو المنير البصري واسطي الأصل قال في المقدمة وثقه أبو زرعة وغيرهما وضعفه الدارقطني في روايته عن زائدة قاله الحاكم وذلك بسبب حديث واحد خالف فيه حسين بن علي الجعفي صاحب زائدة وهو في مسند ابن عمر من مسند البزار قال: وهذا تعنت ولم يخرج له البخاري سوى موضعين عن شعبة أحدهما في الصلاة
стр. 4277
والآخر في الفتن وروى له أصحاب السنن وكلامه قلت: وذكره ابن حِبّان في "الثقات" وقال ابن عبد البر هو عندهم ثقة حافظ والحديث المذكور هو حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ أمره أن ينادي أن من شهد أن لا إله إلاّ الله دخل الجنة الحديث روى عن شعبة وحرب بن ميمون والخليل بن أحمد صاحب العروض وزائدة وغيرهم وروى عنه البخاري وروى له الأربعة بواسطة وروى عنه أبو قلابة وأبو الأزهر ويعقوب بن شبة وغيرهم. مات في حدود سنة خمسة عشر ومئتين.
الثاني: عبد الرحمن بن أبي ليلى واسم أبي ليلى يسار، ويقال بلال، ويقال داود بن بلال بن بليل بن احيحة بن الجلاح بن الحريش بن جحجبان بن كلفة بن عوف بن عمرو بن مالك بن أوس الأنصاري الأوسي أبو عيسى الكوفي والد محمد. وُلِدَ لست بقين من خلافة عمر.
قال عطاء بن السائب عن عبد الرحمن: أدركت مئة وعشرين من الأنصار صحابة وقال عبد الملك بن عمير: لقد رأيت عبد الرحمن في حلقة فيها نفر من أصحاب النبي ﵊ فيهم البراء يسمعون لحديثه وينصتون له. وقال عبد الله بن الحارث بن نوفل: ما ظننت أن النساء ولدن مثله. وقال ابن معين: ثقة، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة كان أصحابه يعظمونه كالأمير، قال الأعمش: سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى يقول: أقامني الحجاج فقال: العن الكذابين. فقلت: لعن الكذابين علي بن أبي طالب وعبد الله بن الزبير والمختار بن أبي عبيد قال حفص بن غياث: وأهل الشام يظنون أنه يوقعها عليهم وهو قد أخرجهم منها ورفعهم.
روى عن أبيه وعثمان وعلي وسعد وحذيفة والبراء بن عازب وغيرهم والصحيح أنه لم يرو عن عمر رضي الله تعالى عنه وقيل: روى عنه وروى عنه ابنه عيسى وابن ابنه عبد الله بن عيسى وعمرو بن ميمون الأودي وهو أكبر منه والشعبي وثابت البناني والحكم بن عتيبة وغيرهم، ذكر أبو عبيد أنه مات سنة واحد وسبعين وروى عن سفيان أنه هو وابن شداد فقدا بالجماجم وقد اتفقوا على أن الجماجم كانت سنة اثنين وثمانين ويقال إنه غرق بدجيل مع محمد بن الأشعث.
لطائف إسناده:
فيه التحديث والإخبار بالجمع والعنعنة والقول ورواته كوفيون ما عدى شيخ البخاري بدل فهو بصري وهو من إفراده وفيه رواية تابعي عن تابعي ورواية ابن صحابي عن صحابي أخرجه البخاري في الصلاة أيضًا عن سليمان بن حرب وغيره وأخرجه مسلم في الصلاة أيضًا وكذا الباقون ما عدى ابن ماجه. ثم قال المصنف:
باب أمر النبي ﷺ الذي لا يتم ركوعه بالإعادة
قال الزين بن المنير: هذه من التراجم الخفية وذلك أن الخبر لم يقع فيه بيان ما قصده المصنف المذكور لكنه ﷺ لما قال له ثم اركع حتى تطمئن راكعًا إلي آخر ما ذكره له من الأركان اقتضى ذلك تساويها في الحكم لتناول الأمر كل فرد منها فكل من لم يتم ركوعه أو سجوده أو غير
стр. 4278
ذلك مما ذكر مأمور بالإعادة وفي حديث رفاعة بن رافع عند ابن أبي شيبة في هذه القصة دخل رجل فصلى صلاة خفيفة لم يتم ركوعها ولا سجودها فالظاهر أن المصنف أشار بالترجمة إلى ذلك.
стр. 4279
الحديث الرابع والستون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرَدَّ النَّبِيُّ ﷺ ﵇ فَقَالَ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ. ثَلاَثًا. فَقَالَ وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ فَمَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ فَعَلِّمْنِي. قَالَ: إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاَتِكَ كُلِّهَا.
وهذا الحديث قد استوفيت مباحثه بما لا مزيد عليه في باب وجوب القراءة للإمام والمأموم.
رجاله ستة:
وفيه لفظ رجل مبهم وقد مرّوا، مرّ مسدد ويحيى بن سعيد في السادس من الإيمان، ومرّ سعيد المقبري في الثاني والثلاثين منه، ومرَّ أبو هريرة في الثاني منه، ومرّ عبيد الله العمري في الرابع عشر من الوضوء ومرّ أبو سعيد المقبري في السادس والعشرين من أبواب صفة الصلاة والرجل المبهم قد مرّ أنه خلاد بن رافع وقد مرّ تعريفه في الحادي عشر من التيمم. ثم قال المصنف:
باب الدعاء في الركوع
ترجم بعد هذا بباب التسبيح والدعاء في السجود وساق حديث الباب فقيل الحكمة في تخصيص الركوع بالدعاء دون التسبيح مع أن الحديث واحد أنه قصد الإشارة إلى الرد على مَنْ كره الدعاء في الركوع كمالك وأما التسبيح فلا خلاف فيه فاهتم هنا بذكر الدعاء في الركوع لذلك ثم بعد هذا في ما يأتي في الباب المذكور الدعاء في السجود وحجة المخالف الحديث الذي أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من رواية ابن عباس مرفوعًا وفيه فأما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقَمَن أن يستجاب لكم وقمن بفتح القاف والميم وقد تكسر معناه حقيق وأجاب المخالفون عن هذا الحديث بأنه لا مفهوم له فلا يمتنع الدعاء في الركوع كما لا يمتنع التعظيم في
стр. 4280
السجود وظاهر حديث عائشة أنه كان يقول هذا الذكر كله في الركوع وكذا في السجود.
قلت: على أن الحديث لا مفهوم له لا تبقى فائدة في القسمة المذكورة في الحديث فتأمل وأجيب أيضًا بأنه يمكن أن يحمل حديث الباب على الجواز وذلك على الأولوية ويحتمل أن يكون أمر في السجود بتكثير الدعاء لإشارة قوله فاجتهدوا والذي وقع في الركوع من قوله اللهم اغفر لي ليس كثيرًا فلا يعارض ما أمر به في السجود إلى آخر ما يأتي قريبًا قاله ابن دقيق العيد.
стр. 4281
الحديث الخامس والستون
حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ رضى الله عنها قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي.
في الرواية هنا كان يقول في ركوعه وفي الرواية الآتية في باب التسبيح والدعاء في السجود كان يكثر أن يقول في ركوعه إلخ. وبقول عائشة في هذه الرواية كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده واعترض الفاكهاني على الاحتمال السابق عن ابن دقيق العيد من أن المأمور به في السجود تكثير الدعاء والذي في الركوع قليل قائلًا إن قولها صريح في أن ذلك وقع منه كثيرًا فلا يعارض ما أمر به في السجود وهو عجيب فإن ابن دقيق العيد أراد بنفي الكثرة عدم الزيادة على قوله: اللهم اغفر لي في الركوع الواحد فإنه قليل بالنسبة إلى السجود المأمور فيه بالاجتهاد في الدعاء المشعر بتكثير الدعاء ولم يرد أنه كان يقول ذلك في بعض الصلوات دون بعض حتى يعترض عليه بقول عائشة كان يكثر وقد جاء الأمر بالإكثار من الدعاء في السجود فيما أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة بلفظ أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا فيه من الدعاء والأمر بإكثار الدعاء في السجود يشمل الحث على تكثير الطلب لكل حاجة كما جاء في حديث أنس أخرجه الترمذي ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله ويشمل التكرار للسؤال الواحد والاستجابة تشمل استجابة الداعي بإعطاء سؤله واستجابة المثنى بتعظيم ثوابه.
وقوله: "سبحانك" منصوب على المصدر بفعل محذوف تقديره اسبح وهو علم على التسبيح ومعناه التنزيه عن النقائص والعلم لا يضاف إلا إذا نُكِّر ثم أضيف.
وقوله: "وبحمدك" أي وسبحتك بحمدك أي: بتوفيقك وهدايتك لا بحولي وقوتي والواو فيه إما للحال وإما لعطف الجملة على الجملة سواء قلنا إضافة الحمد إلى الفاعل والمراد من الحمد حينئذ لازمه وهو ما يوجب الحمد من التوفيق والهداية أو إلى المفعول ويكون معناه متلبسًا بحمدي لك.
وقوله: "اللهم اغفر لي" أي: بالله اغفر لي وإنما قال النبي ﷺ ذلك وإن كان قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر لبيان الافتقار إلى الله تعالى والإذعان وإظهار العبودية والشكر وطلب الدوام
стр. 4282
والاستغفار عن ترك الأولى أو التقصير في بلوغ حق عبادته مع أن نفس الدعاء عبادة وهذا منه ﵊ عمل بما أمر به في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ على أحسن الوجوه وحكمه الإتيان بالذكر في هذين المحلين من الصلاة أما كونه في حال الصلاة فلأنها أفضل من غيرها وإما في تلك الحالين فلما فيهما من زيادة خشوع وتواضع ليست في غيرهما واستفيد من الحديث إباحة الدعاء في الركوع وإباحة التسبيح في السجود خلافًا لما مرَّ عن مالك وقد اختلفوا في الأذكار في الركوع والسجود فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي سنة فلو تركها لم يأثم وصلاته صحيحة سواء تركها سهوًا أو عمدًا لكن يكره عمدًا. وقال أحمد وإسحاق: هو واجب فإن تركه عمدًا بطلت صلاته وإن نسيه لم تبطل زاد أحمد ويسجد للسهو وفي رواية عنه أنه سُنّة، وقال ابن جزم: هو فرض فإن نسيه يسجد للسهو وقد مرَّ في باب وجوب القراءة للإِمام والمأموم عند حديث المسيء صلاته بعض الكلام على أقل ما يجزىء عند الحنفية من التسبيح.
وقال البيهقي: قال الشافعي: يسبح كما أمر النبي ﷺ في حديث عقبة بن عامر قال: لما نزلت باسم ربك العظيم قال ﷺ : اجعلوها في ركوعكم أخرجه أبو داود وابن حِبّان في صحيحه والطحاوي والمالكية والشافعية لا يشترط عندهم عدد معين كما مرّ في الباب المذكور والواجب عند الحنابلة سبحان ربي العظيم مرة في الركوع وسبحان ربي الأعلى مرة في السجود والثلاثة مستحبة والألفاظ الصادرة منه ﷺ كثيرة منها ما أخرجه مسلم عن حذيفة صليت مع النبي ﷺ فذكره وفيه ركع فجعل يقول سبحان ربي العظيم وفي سجوده سبحان ربي الأعلى وزاد ابن ماجه بسند ضعيف ثلاثًا وروى مسلم أيضًا عن علي ﵁ فذكر صلاته قال: وإذا ركع قال: اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي وإذا سجد قال: لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوّره وشق سمعه وبصره تبارك الله أحسن الخالقين وروى أحمد في مسنده عن ابن عباس بت عند ميمونة فرأيت النبي ﷺ يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم وفي سجوده.
وأخرج الأربعة والطحاوي والدارقطني عن حذيفة أنه صلّى مع النبي ﷺ ذات ليلة فكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم وفي سجوده سبحان ربي الأعلى وأخرج أبو داود عن مالك بن عوف قال: قمت مع رسول الله ﷺ فقام فقرأ سورة البقرة الحديث. وفيه يقول في ركوعه سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة الحديث.
وأخرج البزار في سننه عن عائشة أن النبي ﷺ كان يقول في سجوده تعني في صلاة الليل سجد وجهي للذي خلقه فشق سمعه وبصره بحوله وقوته وروى الطحاوي عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم وبحمدك استغفرك وأتوب إليك فاغفر لي فإنك أنت التواب وروى عنها أيضًا أن النبي ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده: سبّوح قدّوس رب الملائكة والروح وأخرجه مسلم والنسائي أيضًا، وأخرج مسلم أيضًا: رأيت النبي ﷺ يقول وهو راكع أو ساجد: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلاَّ أنت.
стр. 4283
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ حفص بن عمر في الثالث والثلاثين من الوضوء ومرّ شعبة في الثالث من الإيمان, ومرّ مسروق في السابع والعشرين منه، ومرّ أبو الضحى في الخامس عشر من كتاب الصلاة، ومرّت أُم المؤمنين في الثاني من بدء الوحي وفي نسخة "الفتح" بين شعبة وأبي الضحى منصور وقد مرّ في الثاني عشر من العلم.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول ورواته ما بين بصري وواسطي وكوفي وشيخ البخاري من أفراده. أخرجه البخاري أيضًا في "المغازي" عن ابن بشار وفي الصلاة أيضًا عن مسدد وفي التفسير عن عثمان بن أبي شيبة وغيره، وأخرجه مسلم في الصلاة أيضًا وأبو داود وابن ماجه فيها والنسائي فيها وفي التفسير. ثم قال المصنف:
باب ما يقول الإِمام ومَنْ خلفه إذا رفع رأسه من الركوع
وقع في شرح ابن بطال هنا باب القراءة في الركوع وما يقول الإِمام ومن خلفه إلخ، وتعقبه بأن قال: لم يدخل فيه حديثًا لجواز القراءة ولا منعها وقال ابن رشيد: هذه الزيادة لم تقع فيما رويناه من نسخ البخاري قال في "الفتح": وكذلك أقول وقد تبع ابن المنير ابن بطال ثم اعتذر عن البخاري بأن قال: يحتمل أن يكون وضعها للأمرين فذكر أحدهما وأخلى للآخر بياضًا ليذكر فيه ما يناسبه ثم عرض له مانع فبقيت الترجمة بلا حديث.
وقال ابن رشيد: يحتمل أن يكون ترجم بالحديث مشيرًا إليه ولم يخرجه؛ لأنه ليس على شرطه لأن في إسناده اضطرابًا وقد أخرجه مسلم عن ابن عباس في أثناء حديث وفي آخره إلا إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا ثم تعقبه على نفسه بأن ظاهر الترجمة الجواز وظاهر الحديث المنع قال: فيحتمل أن يكون معنى الترجمة باب حكم القراءة وهو أعم من الجواز والمنع وقد اختلف السلف في ذلك جوازًا ومنعًا فلعله كان يرى الجواز لأن حديث النهي لم يصح عنده.
ومال الزين بن المنير إلى هذا الأخير لكن حمله على وجه أخص منه فقال: لعله أراد أن الحمد في الصلاة لا حجر فيه وإذا ثبت أنه من مطالبها ظهر تسويغ ذلك في الركوع وغيره بأي لفظ كان فيدخل في ذلك آيات الحمد كمفتتح الأنعام وغيرها فإن قيل ليس في حديث الباب ذكر ما يقوله المأموم أجاب ابن رشيد بأنه أشار إلى التذكير بالمقدمات لتكون الأحاديث عند الاستنباط نصب عين المستنبط فقد تقدم إنما جعل الإِمام ليؤتم به وحديث صلوا كما رأيتموني أُصلي قال: ويمكن أن يكون قاس المأموم على الإِمام لكن فيه ضعف وقد ورد في ذلك حديث عن أبي هريرة أيضًا أخرجه الدارقطني بلفظ كنا إذا صلينا خلف النبي ﷺ فقال سمع الله لمن حمده قال مَنْ وراءه: سمع الله لمن حمده، ولكن قال الدارقطني المحفوظ في هذا فليقل مَنْ وراءه ربنا ولك الحمد.
стр. 4284
الحديث السادس والستون
حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا رَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ يُكَبِّرُ، وَإِذَا قَامَ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ.
قوله: "إذا قال سمع الله لمن حمده" في رواية أبي داود الطيالسي عن ابن أبي ذيب كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: اللهم ربنا لك الحمد ولا منافاة بينهما؛ لأن أحدهما ذكر ما لم يذكره الآخر.
وقوله: "اللهم ربنا ثبت" في أكثر الطرق هكذا. وفي بعضها بحذف اللهم وثبوتها أرجح وكلاهما جائز وفي ثبوتها تكرير النداء كأنه قال ياالله يا ربنا.
وقوله: "ولك الحمد" كذا ثبت زيادة الواو في طرق وفي بعضها كما في الباب الذي يليه بحذفها وقد مرّ الكلام على هاتين الجملتين عند حديث عائشة في باب إنما جعل الإِمام ليؤتم به.
وقوله: "إذا ركع وإذا رفع رأسه" أي: من السجود وقد ساق البخاري هذا المتن مختصرًا.
قلت: أخرجه البخاري مطولًا في باب يهوي بالتكبير قريبًا ورواه أبو يعلى عن شبابة وأوله عنده عن أبي هريرة قال: أنا أشبهكم صلاة برسول الله ﷺ كان يكبر إذا ركع وإذا قال سمع الله لمن حمده قال: اللهم ربنا لك الحمد وكان يكبَّر إذا سجد وإذا رفع رأسه وإذا قام من السجدتين ورواه الإِسماعيلي عن ابن أبي ذيب بلفظ: وإذا قام من الثنتين كبّر ورواه الطيالسي بلفظ: كان يكبِّر بين السجدتين والظاهر أن المراد بالثنتين الركعتان والمعنى أنه كان يكبِّر إذا قام إلى الثالثة ويؤيده الرواية الماضية في باب التكبير إذا قام من السجود بلفظ ويكبِّر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس وأما رواية الطيالسي فالمراد بها التكبير للسجدة الثانية وكان بعض الرواة ذكر ما لم يذكر الآخر.
وقوله: "قال الله أكبر" كذا وقع مغيرًا للأسلوب إذ عبّر أولًا بلفظ يكبِّر، قال الكرماني: هو للتفنن ولإِرادة التعميم؛ لأن التكبير يتناول التعريف ونحوه والذي يظهر أنه من تصرف الرواة فإن الروايات التي أشرنا لها جاءت كلها على أسلوب واحد ويحتمل أن يكون المراد به تعيين هذا اللفظ دون غيره من ألفاظ التعظيم وقد مرّ الكلام على بقية مباحثه في باب التكبير إذا قام من السجود وتكلم هناك على محل التكبير عند القيام من التشهد الأول.
стр. 4285
رجاله أربعة:
قد مرّوا، ومرّ آدم في الثالث من الإِيمان, ومرَّ سعيد المقبريِّ في الثاني والثلاثين منه، ومرَّ أبو هريرة في الثاني منه، ومرَّ ابن أبي ذيب في الستين من العلم. ثم قال المصنف:
باب فضل اللهم ربنا لك الحمد
في رواية الكشميهني اللهم ربنا ولك الحمد بإثبات الواو وفيه رد على ابن القيم حيث جزم بأنه لم يرد الجمع بين اللهم والواو في ذلك وثبت لفظ باب عند مَنْ عدا أبا ذر والأصيلي والراجح حذفه كما يأتي في ترجمة الباب الذي بعده.
стр. 4286
الحديث السابع والستون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا قَالَ الإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ. فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلاَئِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ.
قوله: "إذا قال الإِمام إلخ" استدل به على أن الإِمام لا يقول ربنا لك الحمد وعلى أن المأموم لا يقول سمع الله لمن حمده لكون ذلك لم يذكر في هذه الرواية وهو قول مالك وأبي حنيفة قال في "الفتح": وفيه نظر؛ لأنه ليس فيه ما يدل على النفي بل فيه أن قول المأموم ربنا لك الحمد يقع عقب قول الإِمام سمع الله لمن حمده والواقع في التصوير ذلك؛ لأن الإِمام يقول التسميع في حال انتقاله والمأموم يقول التحميد في حال اعتداله فقوله: "يقع عقب قول الإِمام" كما في الخبر وهذا الموضع يقرب من مسألة التأمين كما تقدم من أنه لا يلزم من قوله: إذا قال ولا الضالين فقولوا آمين إن الإِمام لا يؤمن بعد قوله ولا الضالين وليس فيه أن الإمام يؤمن كما أنه ليس في هذا أنه يقول ربنا لك الحمد لكنهما مستفادان من أدلة أخرى صحيحة صريحة كما مرّ في التأمين وكما مضى في الباب الذي قبله وفي غيره يأتي أنه ﷺ كان يجمع بين التسميع والتحميد منه.
قلت: قوله: ليس فيه ما يدل على النفي إلخ غير مسلم؛ لأنه ﷺ قسم التسميع والتحميد فجعل التسميع للإمام والتحميد للمأموم والقسمة تنافي الشركة وما قيل في هذا يجاب به عمّا قال في التأمين.
وقوله: إن قول المأموم يقع عقب قول الإمام مخالف لما مرّ عنه في باب جهر الإِمام بالتأمين من أنهما متقارنان على الراجح والحديث الذي ذكر أنه يأتي وأن فيه جمع الإِمام لهما هو حديث أبي هريرة الآتي في باب يهوي بالتكبير حين يسجد ففيه أنه ﵊ يقول: سمع الله لمن حمده ثم يقول: ربنا لك الحمد وهذا يجاب عنه بأنه كان قنوتًا وقد فعله ثم تركه؛ لأن فيه اللهم انج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن ربيعة والمستضعفين من المؤمنين ويجاب عن حديثه الآخر الذي ليس فيه قنوت الواقع فيه الجمع بينهما بأنه ليس فيه تصريح بأنه ﷺ كان إمامًا فيحتمل أن يكون كان منفردًا وعلى ذلك حمله أبو حنيفة وغيره وقد مرّ كثير من مباحث هذا المنزع في باب إنما جعل الإِمام ليؤتم به.
стр. 4287
وقوله: "فإن أمن وافق قوله قول الملائكة" قد مرّ استيفاء الكلام عليه في باب جهر الإِمام بالتأمين.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ سميّ في الثاني عشر من كتاب الأذان، ومرَّ أبو صالح وأبو هريرة في الثاني من الإِيمان. ثم قال المصنف:
باب
كذا للجميع بغير ترجمة إلا للأصيلي فحذفه وعليه سرح ابن بطال ومن تبعه والراجح إثباته كما أن الراجح حذف باب من الذي قبله وذلك أن الأحاديث المذكورة فيه لا دلالة فيها على فضل اللهم ربنا لك الحمد إلا بتكلف فالأولى أن يكون بمنزلة الفصل من الباب الذي قبله كما مرّ في عدة مواضع وذلك أنه لما قال أولًا باب ما يقول الإِمام ومَنْ خلفه إذا رفع رأسه من الركوع وذكر فيه قوله ﵊: اللهم ربنا ولك الحمد استطرد إلى ذكر فضل هذا القول بخصوصه ثم فصل بلفظ باب لتكميل الترجمة الأولى فأورد بقية ما ثبت على شرطه مما يقال في الاعتدال كالقنوت وغيره وقد وجه الزين بن المنير دخول الأحاديث الثلاثة تحت ترجمة فضل اللهم ربنا لك الحمد فقال: وجه دخول حديث أبي هريرة أن القنوت لما كان مشروعًا في الصلاة كانت هي مفتاحه ومقدمته ولعل ذلك سبب تخصيص القنوت بما بعد ذكرها. ولا يخفى ما فيه من التكلف وقد تعقب من وجه آخر وهو أن الخبر المذكور في الباب لم يقع فيه قول ربنا لك الحمد لكن له أن يقول وقع في هذه الطريق اختصار وهي مذكورة في الأصل ولم يتعرض لحديث أنس لكن له أن يقول إنما أورده استطرادًا لأجل ذكر المغرب قال: وأما حديث رفاعة فظاهر في أن الابتداء الذي تنشأ عنه الفضيلة إنما كانت لزيادة قول الرجل لكن لما كانت الزيادة المذكورة صفة في التحميد جارية مجرى التأكيد له تعين جعل الأصل سببًا أو سببًا للسبب فثبتت بذلك الفضيلة وقد ترجم بعضهم له بباب القنوت قال في "الفتح" ولم أره في شيء من رواياتنا.
стр. 4288
الحديث الثامن والستون
حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لأُقَرِّبَنَّ صَلاَةَ النَّبِيِّ ﷺ . فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- يَقْنُتُ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِنْ صَلاَةِ الظُّهْرِ وَصَلاَةِ الْعِشَاءِ، وَصَلاَةِ الصُّبْحِ، بَعْدَمَا يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَلْعَنُ الْكُفَّارَ.
قوله: "عن أبي سلمة" في رواية مسلم عن معاذ بن هشام عن أبيه عن يحيى حدّثني أبو سلمة. وقوله: "لاقربن صلاة النبي ﷺ " في رواية مسلم المذكورة لأقربن لكم وللإسماعيلي إني لأقربكم صلاة برسول الله ﷺ .
وقوله: "فكان أبو هريرة إلخ" قيل المرفوع من هذا الحديث وجود القنوت لا وقوعه في الصلوات المذكورة فإنه موقوف على أبي هريرة ويوضحه ما يأتي في تفسير النساء من رواية شيبان عن يحيى من تخصيص المرفوع بصلاة العشاء ولأبي داود عن الأوزاعي عن يحيى قنت رسول الله ﷺ في صلاة العتمة شهرًا ونحوه لمسلم لكن لا ينافي في هذا كونه ﷺ قنت في غير العشاء وظاهر سياق حديث الباب أن جميعه مرفوع لقوله فيه لأقربن صلاة النبي إلخ ولعل هذا هو السر في تعقب المصنف له بحديث أنس إشارة إلى أن القنوت في النازلة لا يختص بصلاة معينة واستشكل التقييد في رواية الأوزاعي بشهر؛ لأن المحفوظ أنه كان في قصة الذين قتلوا أصحاب بير معونة كما يأتي في آخر أبواب الوتر وسيأتي في تفسير آل عمران من رواية الزهري عن أبي سلمة في هذا الحديث أن المراد بالمؤمنين من كان مأسورًا بمكة وبالكافرين كفار قريش وأن مدته كانت طويلة فيحتمل أن يكون التقييد بشهر في حديث أبي هريرة يتعلق بصفة من الدعاء مخصوصة وهو قوله أشدد وطأتك على مضر قاله في "الفتح".
قلت: التحديد بشهر ليس خاصًا برواية الأوزاعي بل جاء عند المصنف عن أنس في آخر أبواب الوتر من طريقين عن مسدد وأحمد بن يونس وما ذكره من أنه يأتي له في تفسير آل عمران أن مدته كانت طويلة لم أره فيه هناك بل الموجود فيه أنه دعا بذلك خمسة عشر آخر رمضان حتى إذا كان صبيحة يوم الفطر ترك الدعاء.
وقوله: "في الركعة الأخرى" في رواية الكشميهني في الآخرة وسيأتي بعد باب عن الزهري عن أبي سلمة أن ذلك كان بعد الركوع.
стр. 4289
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ معاذ بن فضالة في التاسع عشر من الوضوء، ومرَّ هشام الدستوائي في السابع والثلاثين من الإيمان وأبو هريرة في الثاني منه، ويحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من العلم، ومرَّ أبو سلمة في الرابع من بدء الوحي.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول ورواته ما بين بصريَّ ودستوائيَّ ومدنيَّ ويمانيَّ وشيخ البخاري من أفراده أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي في الصلاة أيضًا.
стр. 4290
الحديث التاسع والستون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ الْقُنُوتُ فِي الْمَغْرِبِ وَالْفَجْرِ.
قوله: "كان القنون" أي: في أول الأمر واحتج بهذا على أن قول الصحابي كنا نفعل كذا في حكم المرفوع وإن لم يقيده بزمن النبي ﷺ كما هو قول الحاكم وقد اتفق الشيخان على إخراج هذا الحديث في المسند الصحيح وليس فيه تقييد وقد اختلف في محله من الصلاة وفي أي الصلوات شرع وهل استمر مطلقًا أو مدة معينة أو في حالة دون حالة فاستدل بهذين الحديثين من القنوت في الصلوات المذكورة وعند الظاهرية القنوت فعل حسن في جميع الصلوات وعند مالك والشافعي وأحمد وإسحاق القنوت في الفجر خاصة وكذلك روى عن ابن سيرين وابن أبي ليلى وروي عن أبي بكر الصديق وباقي الخلفاء الأربعة ﵃ في قول لكن عند مالك أن يكون قبل الركوع والذي في كتب الحنابلة أن القنوت مكروه في غير الوتر ويكون بعد الركوع ندبًا فلو كبر ورفع يديه بعد القراءة ثم قنت قبل الركوع جاز والذي مرَّ عنهم حكاه العيني وكذا قالت الحنفية أنه في الوتر خاصة قبل الركوع والراجح عند الشافعية أنه بعد الركوع فلو قنت شافعي قبل الركوع لم يجزه لوقوعه في غير محله فيعيده بعده ويسجد للسهو قال الشافعي في "الأم": لأن القنوت عمل من أعمال الصلاة فإذا عمله في غير محله أوجب سجود السهو واستدلت المالكية والشافعية على اختصاص الصبح بالقنوت وعلى استمراره فيه بما رواه البخاري عن أنس أنه سئل أقنت النبي ﷺ في الصبح؟ قال: نعم، فقيل: أوقنت قبل الركوع؟ قال: قنت بعد الركوع يسيرًا، ومفهوم قوله بعد الركوع يسيرًا تحمل أن يكون وقبل الركوع كثيرًا ويحتمل أن يكون لا قنوت قبله أصلًا وبما أخرجه عنه أيضًا من أنه سئل عن القنوت فقال: قد كان القنوت فقلت: والقائل هو عاصم قبل الركوع أو بعده قال قبله قال: فإن فلانًا أخبرني عنك أنك قلت بعد الركوع فقال: كذب إلخ.
ومعنى قوله كذب أي: أخطأ وهو لغة أهل الحجاز يطلقون الكذب على ما هو أعم من العمد والخطأ ويحتمل أن يكون أراد بقوله كذب أي: كان حكى أن القنوت دائمًا بعد الركوع وهذا يرجح الاحتمال الأول من احتمال مفهوم قوله بعد الركوع يسيرًا ويبينه ما أخرجه ابن ماجه عن حميد عن أنس أنه سئل عن القنوت فقال: قبل الركوع وبعده وإسناده قوي وروى ابن المنذر من وجه آخر عن أنس أن بعض أصحاب النبي ﷺ قنتوا في صلاة الفجر قبل الركوع وبعضهم بعد الركوع وروى
стр. 4291
محمد بن نصر عن أنس أن أوّل مَنْ جعل القنوت قبل الركوع دائمًا عثمان لكي يدرك الناس الركعة وبما رواه البخاري أيضًا عن أبي هريرة كان إذا رفع رأسه من الركعة الأخرة بقول أنج عياش بن أبي ربيعة إلخ قال ابن أبي الزناد عن أبيه هذا كله في الصبح وبما رواه عبد الرزاق والدارقطني وصححه الحاكم عن أنس بن مالك قال: ما زال رسول الله ﷺ يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا وثبت عن أبي هريرة أنه كان يقنت في الصبح في حياة النبي ﷺ وبعد وفاته فإن قيل روى الخلفاء عن الأربعة أيضًا وغيرهم ما كانوا يقنتون أجيب بأنه إذا تعارض إثبات ونفي قدم الإثبات على النفي وتمسك الشافعية في كونه بعد الركوع بالرواية المتقدمة عن أبي هريرة من كونه كان يقنت بعد رفع رأسه من الركعة الأخرة وقالوا إن رواة القنوت بعده أكثر وأحفظ فهو أولى وعليه درج الخلفاء الراشدون في أشهر الروايات عنهم وأكثرها وتمسك المالكية في كونه بعد القراءة قبل الركوع برواية عاصم عن أنس المتقدمة ففيها التصريح بكونه قبل الركوع وقد وافق عاصمًا على روايته هذه عبد العزيز بن صهيب عن أنس كما سيأتي في "المغازي" بلفظ سأل رجل أنسًا عن القنوت بعد الركوع أو عند الفراغ من القراءة قال: لا، بل عند الفراغ من القراءة.
قال في "الفتح": مجموع ما جاء عن أنس من ذلك أن القنوت للحاجة بعد الركوع لا خلاف عنه في ذلك وأما لغير الحاجة فالصحيح عنه أنه قبل الركوع وقد اختلف عمل الصحابة في ذلك والظاهر أنه من الاختلاف المباح.
قلت: يكفي المالكية من تشهير ما قالوه ما قاله صاحب الفتح هنا وتمسك الحنابلة والحنفية لقولهم لا قنوت إلا عند نازلة تنزل على المسلمين أو في الوتر بأن القنوت منسوخ فقالوا: إنه قنت شهرًا يدعو على عصية وذكوان فلما ظهر عليهم ترك القنوت وكان ابن مسعود لا يقنت في صلاته وكذلك ابن عمر قد كان روى القنوت ثم أخبر أن الله نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلخ، وروى أبو داود عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قنت شهرًا ثم تركه قالوا: قوله: ثم تركه يدل على أن القنوت كان في الفرائض ثم نسخ وأجيب عن هذا بأن الذي تركه هو الدعاء على هؤلاء القبائل المذكورة وتمسك الطحاوي بحديث أنس في الباب كان القنوت في الفجر والمغرب في ترك القنوت في الصبح قال: لأنهم أجمعوا على نسخه في المغرب فيكون في الصبح كذلك وقد عارضه بعضهم فقال: أجمعوا على أنه ﷺ قنت في الصبح ثم اختلفوا هل ترك فيتمسك بما أجمعوا عليه حتى يثبت ما اختلفوا فيه وفي صحيح ابن خزيمة عن أنس أن النبي ﷺ كان لا يقنت إلاَّ إذا دعا لقوم أو دعا على قوم.
وأُجيب عن هذا بأنه محمول على ما بعد الركوع بناء على أن المراد بالحصر في قول أنس إنما قنت شهرًا أي متواليًا جمعًا بينه وبين الأحاديث الماضية وقال بعضهم في قول أنس في الحديث السابق كان القنوت في المغرب والفجر إنما خصهما لكونهما طرفي النهار لزيادة شرف وقتيهما رجاء إجابة الدعاء وكان تارة يقنت فيهما وتارة في جميع الصلوات حرصًا على إجابة الدعاء حتى نزلت
стр. 4292
ليس لك من الأمر شيء فترك إِلاّ في الصبح كما روى أنس أنه ﷺ لم يزل يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا كما مرَّ وتعقب هذا بأن قوله إلا في الصبح يحتاج لدليل وإلا فهو نسخ فيهما وقد ترجم البخاري في أبواب الوتر بقوله باب القنوت قبل الركوع وبعده والقنوت يطلق على معان يأتي ذكرها قريبًا والمراد به هنا الدعاء في الصلاة في محل مخصوص من القيام قال الزين بن المنير: أثبت بهذه الترجمة مشروعية القنوت ردًا على مَنْ روى عنه أنه بدعة كابن عمر.
وفي "الموطأ" عنه أنه كان لا يقنت في شيء من الصلوات ووجه الرد عليه ثبوته من فعل النبي ﷺ فهو مرتفع عن درجة المباح قال: ولم يقيده في الترجمة بصبح ولا غيره مع كونه مقيدًا في بعض الأحاديث بالصبح وأوردها في أبواب الوتر أخذًا من إطلاق أنس في بعض الأحاديث كذا قال والظاهر أنه أشار بذلك إلى قول أنس في الطريقة المذكورة في هذا الباب كان القنوت في الفجر والمغرب لأنه ثبت أن المغرب وتر النهار فإذا ثبت القنوت فيها ثبت في وتر الليل بجامع ما بينهما من الوترية مع أنه قد ورد الأمر به صريحًا في الوتر فروى أصحاب السنن وصححه الترمذي وغيره لكنه ليس على شرط البخاري من حديث الحسن بن علي قال: علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في قنوت الوتر: "اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وأنه لا يذل مَنْ واليت تباركت ربنا وتعاليت" وبهذا الحديث تمسكت الحنفية والحنابلة في كون القنوت في الوتر في جميع السنة وروى البيهقي عن ابن عباس وغيره أنه ﷺ كان يعلمهم هذه الكلمات ليقنت بها في الصبح والوتر فإن نزل بالمسلمين نازلة من خوف أو قحط أو وباء أو جرادًا ونحوها استحب القنوت في سائر المكتوبات عند الشافعية والحنابلة والحنفية وإلاَّ ففي الصبح عندنا وعند الشافعية أو في أخيرة الوتر في النصف الأخير من رمضان عندهم أيضًا عملًا بما رواه البيهقي وفي القنوت عندنا خمس مناديب هو في نفسه مندوب على المشهور من أربعة أقوال نظمها شيخنا عبد الله بن محمد سالم بقوله:
يندب ويسن أو لا يشرع ... قنوت أو يفسد تركه فعوا
وكونه سرًا لأنه دعاء والدعاء يسر به وكونه في الصبح خاصة وكونه قبل الركوع لما فيه من الرفق بالمسبوق وعدم الفصل به بين ركني الصلاة المجمع عليهما الركوع والسجود وكونه باللفظ الراوي له مالك تقديمًا لرواية صاحب المذهب ووثوقًا به ولفظه المروي عنه: "اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونتوكل عليك ونخنع لك ونخلع ونترك من يكفرك اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخاف عذابك الجد إِن عذابك للكافرين مُلحِق" وقيل في سبب اختيار هذا عند المالكية أن أصله سورتان في مصحَف ابن مسعود ﵁ فمن قوله: اللهم إِنّا نستعينك إلى قوله: ونترك من يكفرك سورة وباقيه سورة وقد ورد في القنوت عشرون رواية.
وقوله: "اللهم" أصله يا الله حذفت الياء وعوض عنها الميم وهو مبني على ضمة مقدرة على الميم منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الإِدغام وكانت فتحة للتخفيف.
стр. 4293
وقوله: "إنّا نستعينك" أي: نطلب منك العون وحذف متعلقه ليعم. وقوله: "ونستغفرك" أي: نطلب، "مغفرتك" أي: سترك على معاصينا وترك مواخذتك والمتعلق محذوف للتعميم، "ونؤمن بك" أي: نصدق بما ظهر من آياتك، "ونتوكل عليك" أي: نفوض أُمورنا إليك، "ونخنع" أي: نخضع، "ونذل لك ونخلع" أي: الأديان كلها لدينك، "ونترك من يكفرك" أي: نترك موالاة من يجحد نعمتك، "اللهم إياك نعبد" أي: لا نعبد إلا إياك فقدم المعمول للتخصيص وكذا في قوله: "ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفِد" أي: لا نصلي ولا نسجد ولا نسعى أي: نبادر في طاعة وعبادة إلا لك وخص السجود وإن كان داخلًا في عموم الصلاة لشرفه إذ أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، ومعنى نحفِد بكسر الفاء وفتحها أي: نحذم ونبادر إلى طاعتك وعبادتك ومنه سمى الحذم حفدة لمسارعتهم ومثابرتهم على الحذمة نرجو رحمتك لأن أعمالنا لا تفي بشكر نعمتك فما لنا ملجأ إلا رجاء رحمتك، "ونخاف عذابك" أي: نحذر عقابك فنحن بين الرَّجاء والخوف لأن شأن القادر أن يرجى فضله ويخاف عذابه، الجد بكسر الجيم على المشهور الحق ضد الهزل أو الثابت أو الدائم أن عذابك بالكافرين ملحِق أي بَكسر الحاء أي لاحَق بهم الهوان بفتح الحاء اسم مفعول والفاعل هو الله أو الملائكة وزاد عبد الوهاب في التلقين اللهم اهدنا فيمن هديت إلى آخر ما مرَّ في الحديث وهو قنوت الشافعية والحنابلة وقنوت الحنفية قريب من قنوت المالكية وهو اللهم إنا نستعينك ونستهديك ونستغفرك ونتوب إليك ونؤمن بك ونتوكل عليك ونثني عليك الخير كله ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك اللهم إياك نعبد إلى آخر ما مرَّ إلا أنهم يبدلون ونخاف بلفظ ونخشى ويجعلون لفظ الجد بعد أن عذابك أي: الجد بالكافر ملحق.
ومعنى قوله: اهدنا أي: وصلنا للمطلوب مع مَنْ هديت ففي بمعنى مع وكذا ما بعد وآثر التعبير بفي إشارة إلى قوة ارتباط هدايته بهدايتهم التي تفيده الظرفية أو المراد اهدنا حال كوننا داخلين في جملة مَنْ هديت وهو أبلغ وكذا يقال في قوله وعافنا وأصل الهدى الرشاد والبيان قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ والهداية من الله التوفيق والإرشاد وطلب الهداية من المؤمنين مع كونهم مهتدين بمعنى طلب التثبيت عليها أو بمعنى المزيد منها.
وعافنا فيمن عافيت المراد بها العافية من الأَسقام والبلايا والعافية أن يعافيك الله من الناس ويعافيهم منك وحاصل هذا طلب العافية في الآخرة وفي الدنيا وقدم الأول لأنه أهم.
وقولنا فيمن توليت الولي ضد العدو وهو مأخوذ من تليت الشيء إذا اعتنيت به ونظرت فيه نظر الولي في حال اليتم؛ لأنه ينظر في أمر موليه بالعناية ويجوز أن يكون من وليت الشيء إذا لم يكن بينك وبينه واسطة بمعنى أن الولي يقطع الوسائط بينه وبين الله تعالى حتى يصير في مقام المراقبة والمشاهدة وهو الإِحسان وبارك لنا فيما أعطيت البركة الزيادة وقيل هي حلول الخير الإلهي في الشيء والعطية الهبة والمراد بها هنا ما أنعم الله به وقنا شر ما قضيت معناه أن الله يقدر المكروه بعدم دعاء العبيد المستجاب فإذا استجاب دعاءهم لم يقطع القضاء لفوات شرطه وليس هو
стр. 4294
رد القضاء المبرم أو يراد به ما يشمل القضاء المبرم والمقصود من الدعاء التخفيف فيه ومنه صلة الرحم تزيد في العمر والرزق إنك تقضي الظاهر أن التعليل ليس مقصودًا بل القصد وصف المولى ﵎ بذلك على طريق التأكيد والتحقيق لأجل أن ينقطع العبد عمّا سواه ويلتجىء إليه التجاء غير مشوب بغيره تقضي أي تحكم على مَنْ تريد من عبادك بما تريد ولا يقضى عليك أي غيرك لا يمكن أن يقضي عليك بأمر؛ لأنه عاجز والعجز لازم له لا يذل مَنْ واليت أي: لا يهان مَنْ قمت بأمره وتدبيره ولا يعز مَنْ عاديت أي: لا يحصل له العز أي: القوة والغلبة مَنْ عاديت أي: لم تقم بأمره وتدبيره بل خذلته، تباركت أي: تعاظمت بالصفات الثبوتية والسلبية, وتعاليت أي: تنزهت عن كل ما لا يليق بك فهو من عطف الخاص على العام وزادت الحنابلة على هذا اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك وبك منك لا نحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ثم يصلي على النبي ﷺ .
وفي قوله: "نعوذ برضاك من سخطك إلخ" معنى لطيف وذلك أنه سأل الله تعالى أن يجيره برضاه من سخطه وهما ضدان متقابلان وكذلك المعافاة والمواخذة ثم لجأ إلى ما لا ضد له وهو الله تعالى وأظهر العجز والانقطاع وفزع منه إليه فاستعاذ به منه لا نحصي ثناء عليك أي: لا نطيقه ولا نبلغه ولا تنتهي غايته لقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ أي: تطيقوه.
وقوله: "أنت كما أثنيت على نفسك" اعتراف بالعجز عن الثناء ورده إلى المحيط علمه بكل شيء جملة وتفصيلا فكما أنه تعالى لا نهاية لسلطانه وعظمته لا نهاية للثناء عليه؛ لأن الثناء تابع للمثنى عليه.
قد مرّ لك أن لا خلاف أن القنوت للحاجة بعد الركوع قال في "الفتح": ظهر لي أن الحكمة في جعل قنوت النازلة في الاعتدال دون السجود مع أن السجود مظنة الإِجابة كما ثبت أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد وثبوت الأمر بالدعاء فيه هي أن المطلوب من قنوت النازلة أن يشارك المأموم في الدعاء ولو بالتأمين ومن ثم اتفقوا على أنه يجهر به بخلاف القنوت في الصبح فاختلفوا في محله وفي الجهر به وقد مرَّ أن القنوت يأتي لمعان وذكر ابن العربي أنه جاء لعشرة ونظمها الحافظ زين الدين العراقي فقال:
ولفظ القنوت أعدد معانيه تجد ... مزيدًا على عشر معاني مرضية
دعاء خشوع والعبادة طاعة ... إقامتها إقراره بالعبودية
سكوت صلاة والقيام وطوله ... كذاك دوام الطاعة الرابح ألقينه
رجاله خمسة:
قد مرّوا إلاّ عبد الله بن محمد، مرَّ إسماعيل في الثامن من الإيمان, ومرّ أبو قلابة في التاسع منه، ومرَّ أنس في السادس منه، ومرّ خالد الحذاء في السابع عشر من العلم، وأما عبد الله فهو ابن
стр. 4295
محمد بن أبي الأسود حميد بن الأسود البصري الحافظ وقد ينسب إلى جده فيقال أبو بكر بن أبي الأسود. ذكره ابن حِبّان في "الثقات" وقال الخطيب: كان حافظًا متقنًا، وقال ابن معين: ما أرى به بأسًا ولكنه سمع من أبي عوانة وهو صغير وقال ابن أبي خيثمة كان ابن معين سيء الرأي فيه وفي الزهرة روى عنه البخاري عشرين حديثًا فقال في المقدمة روى عنه البخاري وأبو داود وروى الترمذي عن البخاري عنه لكن ما أخرج له عن أبي عوانة أحد منهم وهو ابن أخت عبد الرحمن بن مهدي روى عن جده أبي الأسود وخاله عبد الرحمن بن مهدي ومالك وحمّاد بن زيد وغيرهم وروى عنه البخاري وأبو داود كما مرّ ويعقوب بن شيبة وأبو الأحوص العكبري وغيرهم. مات سنة ثلاث وعشرين ومئتين.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول ورواته كلهم بصريون وشيخ البخاري من أفراده أخرجه البخاري أيضًا في الوتر عن مسدد.
стр. 4296
الحديث السبعون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلاَّدٍ الزُّرَقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ قَالَ: كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: مَنِ الْمُتَكَلِّمُ. قَالَ: أَنَا. قَالَ: رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلاَثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا، أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ.
قوله: "عن علي بن يحيى" في رواية ابن خزيمة أن علي بن يحيى حدّثه. وقوله: "فلما رفع رأسه من الركعة قال سمع الله لمن حمده" ظاهره أن قول التسميع وقع بعد رفع الرأس من الركوع فيكون من اذكار الاعتدال وقد مضى في حديث أبي هريرة وغيره ما يدل على أنه ذكر الانتقال وهو المعروف ويمكن الجمع بينهما بأن معنى قوله: فلما رفع رأسه أي: فلما شرع في رفع رأسه ابتدأ القول المذكور وأتمه بعد أن اعتدل ومباحث التسميع والتحميد مرَّ جلها في باب إنما جعل الإِمام ليؤتم به وبعضها في باب فضل اللهم ربنا لك الحمد قريبًا.
وقوله: "قال رجل" زاد الكشميهني وراءه والرجل هو رفاعة بن رافع راوي الخبر واستدل على ذلك بما رواه النسائي عن رفاعة بن يحيى الزرقي عن رفاعة بن رافع قال: صليت خلف النبي ﷺ فعطست فقلت الحمد لله الحديث. ونوزع في تفسيره به لاختلاف سياق السبب والقصة والجواب أنه لا تعارض بينهما بل يحمل على أن عطاسه وقع عند رفع رأس رسول الله ﷺ ولا مانع أن يكني عن نفسه لقصد إخفاء عمله أو كنى عنه بعض الرواة لنسيان اسمه وأما ما عدا ذلك من الاختلاف فلا يتضمن إلاَّ زيادة لعل الراوي اختصرها كما سنبينه وأفاد بشر بن عمر الزهراني في روايته عن رفاعة بن يحيى أن تلك الصلاة كانت المغرب.
وقوله: "مباركًا فيه" زاد رفاعة بن يحيى مباركًا عليه كما يحب ربنا ويرضى فأما قوله: "مباركًا عليه" فيحتمل أن يكون تأكيدًا وهو الظاهر وقيل الأول بمعنى الزيادة، والثاني بمعنى البقاء قال الله تعالى: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾ وقدر فيها أقواتها الآية وهذا يناسب الأرض؛ لأن المقصود به النماء والزيادة لا البقاء؛ لأنه بصدد التغير وقال تعالى: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ وهذا يناسب الأنبياء؛ لأن
стр. 4297
البركة باقية لهم ولما كان الحمد يناسبهما جمعهما.
وأما قوله: "كما يحب ربنا ويرضى" ففيه من حسن التفويض إلى الله تعالى ما هو الغاية في القصد.
وقوله: "مَنِ المتكلم" زاد رفاعة بن يحيى في الصلاة فلم يتكلم أحد ثم قالها الثانية فلم يتكلم أحد ثم قالها الثالثة فقال رفاعة بن رافع: أنا فقال: كيف قلت: قال: فقلت: الحمد لله إلخ، فقال: والذي نفسي بيده الحديث.
وقوله: "بضعة وثلاثين" أي: بكسر الباء ورد على مَنْ زعم كالجوهري أن البضع يختص بما دون العشرين.
وقوله: "أيهم يكتبها أول" في رواية رفاعة بن يحيى المذكورة أيهم يصعد بها أول، وللطبراني عن أبي أيوب أيهم يرفعها قال السهيلي: روى أول بالضم على البناء؛ لأنه ظرف قطع عن الإضافة أي أولهم وبالنصب على الحال وأما أيهما فروي بالرفع وهو مبتدأ وخبره يكتبها كما في قوله تعالى: ﴿يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ وقيل هذا في موضع نصب والعامل فيه ما دل عليه يلقون وأي استفهامية والتقدير مقول فيهم أيهم تكتبها ويجوز في أيهم النصب بأن يقدر المحذوف فينظرون أيهم وعند سيبويه أي موصولة والتقدير يبتدرون الذي هو يكتبها أول وأنكر جماعة من البصريين ذلك ولا تعارض بين روايتي يكتبها ويصعد بها؛ لأنه يحمل على أنهم يكتبونها ثم يصعدون بها والظاهر أن هؤلاء غير الحفظة ويؤيده ما في الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعًا أن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر الحديث واستدل به على أن بعض الطاعات قد يكتبها غير الحفظة.
قلت كتب غير الحفظة لها لا يمنع من كتب الحفظة لها فيكتبها الجميع تنويهًا بعظم قدرها عند الله تعالى وقد استشكل فأخبر رفاعة إجابة النبي ﷺ حين كرر سؤاله ثلاثًا مع أن إجابته واجبة عليه وعلى كل مَنْ سمع رفاعة فإنه لم يسأل رفاعة وحده وأجيب بأنه لما لم يعين واحدًا بعينه لم تتعين المبادرة بالجواب من المتكلم ولا من واحد بعينه فكأنهم انتظر بعضهم بعضًا ليجيب وحملهم على ذلك خشية أن يبدو في حقه شيء ظنًا منهم أنه أخطأ فيما فعل ورجوا أن يقع العفو عنه وكأنه ﷺ لما رأى سكوتهم فهم ذلك فعرفهم أنه لم يقل بأسًا ويدل على ذلك أنه في رواية سعيد بن عبد الجبار عن ابن قانع قال رفاعة: فوددت أني خرجت من مالي وأني لم أشهد مع النبي ﷺ تلك الصلاة ولأبي داود عن عامر بن ربيعة قال: مَنْ القائل الكلمة فإنه لم يقل بأسًا فقال: أنا قلتها لم أرد بها إلاَّ خيرًا.
وللطبراني عن أبي أيوب فسكت الرجل ورأى أنه قد هجم من رسول الله ﷺ على شيء كرهه فقال: مَنْ هو فإنه لم يقل إلا صوابًا، فقال الرجل: أنا يا رسول الله قلتها أرجو بها الخير، ويحتمل
стр. 4298
أن يكون المصلون لم يعرفوه بعينه إما لإِقبالهم على صلاتهم وإما لكونه في آخر الصفوف فلا يرد السؤال في حقهم والعذر عنه هو ما قدمناه والحكمة في سؤاله ﷺ له عمن قال أن يتعلم السامعون كلامه فيقولوا مثله.
وقد قيل إن الحكمة في اختصاص العدد المذكور من الملائكة بهذا الذكر أن عدد حروفه مطابق للعدد المذكور فإن البضع من الثلاث إلى التسع وعدد الذكر المذكور ثلاثة وثلاثون حرفًا ويعكر على هذا الزيادة المتقدمة في رواية رفاعة بن يحيى وهي قوله مباركًا عليه كما يحب ربنا ويرضى بناء على أن القصة واحدة ويمكن أن يقال المتبادر إليه هو الثناء الزائد على المعتاد وهو من قوله حمدًا كثيرًا إلى آخره دون قوله مباركًا عليه فإنه كما تقدم للتأكيد وعدد ذلك سبعة وثلاثون حرفًا.
وأما ما وقع عند مسلم عن أنس لقد رأيت اثنى عشر ملكًا يبتدرونها وفي حديث أبي أيوب عند الطبراني ثلاثة عشر فهو مطابق لعدد الكلمات المذكورة في سياق رفاعة بن يحيى ولعددها أيضًا في سياق حديث الباب لكن على اصطلاح النحاة قاله في "الفتح" ولم أفهم المراد بقوله على اصطلاح النحاة وأخد من الحديث جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور وجواز رفع الصوت بالذكر ما لم يشوش على مَنْ معه واستدل به على أن العاطس في الصلاة يحمد الله تعالى بغير كراهة وأن المتلبس بالصلاة لا يتعين عليه تشميت العاطس.
قلت: وعند المالكية يكره حمد العاطس على المشهور لاشتغاله بما هو أهم وقيل: خلاف الأولى وكذا يكره عند الحنابلة ولو شمت المصلى لعاطس بأن قال له: يرحمك الله بطلت صلاته عند الأئمة الأربعة وروي عن أبي حنيفة كما في المحيط أن العاطس يحمد الله تعالى في نفسه ولا يحرك لسانه ولو حرك تفسد صلاته والصحيح أنه يحمد الله بدون كراهة قاله العيني واستدل به على تطويل الاعتدال بالذكر وقد استوفى الكلام عليه في باب استواء الظهر في الركوع واستنبط منه ابن بطال جواز رفع الصوت بالتبليغ خلف الإِمام وتعقبه الزين بن المنير بأن سماعه ﷺ لصوت الرجل لا يستلزم رفعه لصوته كرفع صوت المبلغ وفي هذا التعقب نظر لأن غرض ابن بطال إثبات جواز الرفع في الجملة وقد قال ابن عبد البر واستدل له بإجماعهم على أن الكلام الأجنبي يبطل عمده الصلاة ولو كان سرًا قال وكذلك الكلام المشروع في الصلاة لا يبطلها ولو كان جهرًا وقد مرَّ الكلام على مسألة المبلغ في باب حد المريض أن يشهد الجماعة.
رجاله ستة:
وفيه رجل مبهم، مرّت منهم الثلاثة الأول، مرّ عبد الله بن مسلمة في الثاني عشر من الإِيمان، ومرّ نعيم المجمر في الثاني من الوضوء، ومرّ مالك في الثاني من بدء الوحي.
والثلاثة الأخر الأول منها: علي بن يحيى بن خلاد بن رافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن عامر بن زريق الزرقي الأنصاري. قال ابن معين والنسائي: ثقة، وذكره ابن حِبّان في
стр. 4299
"الثقات" ووثقه ابن البرقي والدارقطني وغيرهما روى عن أبيه وعن عم أبيه رفاعة بن رافع وأبي السائب وروى عنه ابنه يحيى ونعيم المجمر وبكير بن الأشج وشريك بن أبي غر وإسحاق بن أبي طلحة وأبو طوالة وهم من أقرانه مات سنة تسع وعشرين ومئة.
الثاني: أبو الأول يحيى بن خلاد الزرقي المدني قيل إنه ولد على عهد النبي ﷺ ذكره ابن حِبّان في "الثقات" روى عن رفاعة بن رافع وعن عمر بن الخطاب وروى عنه ابنه علي وابن ابنه يحيى قال أبو بكر بن أبي عاصم، مات سنة ثمان وعشرين ومئة وقال الواقدي مات سنة تسع وعشرين واعترض ابن حجر هذا قائلًا: "إنه يلزم عليه أن أحدًا ولد في عهد النبي ﷺ بلغ مئة وعشرين سنة وأكثر وهذا مخالف للنص الصحيح الثابت في الصحيحين وإنما قيل هذا في تاريخ ولد ولده يحيى بن علي.
الثالث: عم الذي قبله رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن عامر بن زريق الأنصاري الخزرجي الزرقي أبو معاذ وأُمه أُم مالك بنت أُبي بن سلول مشهورة شهد هو وأبوه العقبة وبقية المشاهد شهد معه بدرًا أخواه خلاد ومالك ابنا رافع واختلف في شهود أبيهم رافع بن مالك بدرًا وشهد رفاعة مع علي الجمل وصفين ففي ابن عبد البر عن عمر بن شبة أن الشعبي قال لما خرج طلحة والزبير: كتبت أُم الفضل بنت الحارث بخروجهم فقال علي: العجب لطلحة والزبير أن الله لما قبض رسوله ﷺ قلنا: نحن أهله وأولياؤه لا ينازعنا سلطانه أحد فأبى علينا قومنا فولوا غيرنا وأيم الله لولا مخافة الفرقة وأن يعود الكفر ويبور الدين لغيرنا فصبرنا على بعض الألم ثم لم نر بحمد الله إلا خيرًا ثم وثب الناس على عثمان فقتلوه ثم بايعوني ولم أستكره أحدًا وبايعني طلحة والزبير ولم يصبرا شهرًا كاملًا حتى خرجا إلى العراق ناكثين اللهم خذهما بفتنتهما للمسلمين فقال رفاعة بن رافع: إن الله لما قبض رسوله ﵊ ظننا أنا أحق الناس بهذا الأمر لنصرتنا لرسول الله ﷺ ومكاننا من الدين فقلتم نحن المهاجرون الأولون وأولياء رسول الله ﷺ الأقربون وأنا نذكركم الله تعالى أن تنازعونا مقامه في الناس فخليناكم والأمر فأنتم أعلم وما كان بينكم غير أنا لما رأينا الحق معمولًا به والكتاب متبعًا والسنة قائمة رضينا ولم يكن لنا إلا ذلك فلما رأينا الأثرة أنكرنا لنرضي الله ثم بايعناك ولم نألُ وقد خالفك من أنت في أنفسنا خير منه وأرضى فمرنا بأمرك وقدم الحجاج بن غزية فقال: يا أمير المؤمنين:
داركها داركها قبل الفوت ... لا وألت نفسي إن خفت الموت
يا معشر الأنصار انصروا أمير المؤمنين أُخرى كما نصرتم رسول الله ﷺ أُولى والله إن الآخرة لشبيهة بالأُولى إلاَّ إن الأُولى أفضلهما.
له أربعة وعشرون حديثًا انفرد البخاري بثلاثة، روى عن النبي ﷺ وأبي بكر وعبادة بن الصامت وروى عنه ابناه عبيد ومعاذ وابن أخيه يحيى وابنه علي بن يحيى مات في زمن معاوية سنة
стр. 4300
إحدى أو اثنتين وأربعين.
والرجل المبهم هو رفاعة راوي الحديث كما أخرجه النسائي وقد أبهم نفسه لما له من التزكية في الحديث كما مرَّ.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول ورواته كلهم مدنيون وفيه رواية الأكابر عن الأصاغر لأن نعيمًا أكبر سنًا من علي بن يحيى وأقدم منه سماعًا وفيه ثلاثة من التابعين وهم من بين مالك والصحابي وفيه من وجه رواية الصحابي عن الصحابي لأن يحيى بن خلاد مذكور في الصحابة أخرجه أبو داود والنسائي. ثم قال المصنف:
باب الاطمأنينة حين يرفع رأسه من الركوع
قوله: الاطمأنينة كذا للأكثر وللكشميهني الطمأنينة وقد مرّ الكلام عليها في باب استواء الظهر ومرّ طول البحث فيها في باب وجوب القراءة للإمام والمأموم عند حديث المسيء صلاته. ثم قال: وقال أبو حميد: رفع النبي ﷺ رأسه واستوى حتى يعود كل فقار مكانه.
قوله: رفع رأسه أي: من الركوع، وقوله: فاستوى أي: قائمًا كما سيأتي بيانه عند ذكر الحديث موصولًا وهو ظاهر فيما ترجم له وفي رواية كريمة جالسًا بعد قوله فاستوى فإن كان محفوظًا حمل على أنه عبر عن السكون بالجلوس وفيه بعد، أو لعل المصنف أراد إلحاق الاعتدال بالجلوس بين السجدتين بجامع كون كل منهما غير مقصود لذاته فيطابق الترجمة وهذا التعليق قد مرّ معلقًا مرات، مرّ أوّل مرة في باب إلى أين يرفع يديه، ومرّ هناك بعض الكلام عليه ويأتي تمام الكلام عليه عند ذكره موصولًا في باب سنة الجلوس في التشهد إلخ.
стр. 4301
الحديث الحادي والسبعون
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: كَانَ أَنَسٌ يَنْعَتُ لَنَا صَلاَةَ النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ يُصَلِّي وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَامَ حَتَّى نَقُولَ قَدْ نَسِيَ.
قوله: "يَنْعَتُ" بفتح المهملة أي: يصف وهذا الحديث ساقه شعبة عن ثابت مختصرًا ورواه عنه حمّاد بن زيد مطولًا كما يأتي في باب المكث بين السجدتين فقال في أوله عن أنس قال: إني لا آلو أن أُصلي بكم كما رأيت رسول الله ﷺ يصلي بنا.
وقوله: "لا آلو" بهمزة ممدودة بعد حرف النفي ولام مضمومة بعد واو خفيفة أي: لا أقصر وزاد حمّاد بن زيد قال ثابت: فكان أنس يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه وفيه إشعار بأن مَنْ خاطبهم كانوا لا يطيلون الجلوس بين السجدتين لقوله في تلك الرواية وبين السجدتين حتى نقول قد نسي لكن السنة إذا ثبتت لا يبالي من تمسك بها بمخالفة من خالفه وقد تقدم حديث أنس وإنكاره عليهم في أمر الصلاة في أبواب المواقيت في باب تضييع الصلاة عن وقتها.
وقوله: "حتَّى نقولَ" بالنصب. وقوله: "قد نسي" أي: نسي وجوب الهوي إلى السجود ويحتمل أن يكون المراد أنه نسي أنه في صلاة أو ظن أنه وقت القنوت حيث يكون معتدلًا أو وقت التشهد حيث يكون جالسًا وعند الإسماعيلي عن شعبة قلنا: قد نسي من طول القيام أي لأجل طول قيامه.
رجاله أربعة:
قد مرّوا، مرّ الوليد في العاشر من الإِيمان, ومرّ شعبة في الثالث منه، ومرّ أنس في السادس منه، ومرّ ثابت في تعليق بعد الخامس من العلم. وهذا الحديث تفرد به البخاري ويأتي عن حمّاد بن زيد في باب المكث في المسجد مطولًا.
стр. 4302
الحديث الثاني والسبعون
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ كَانَ رُكُوعُ النَّبِيِّ ﷺ وَسُجُودُهُ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ.
وهذا الحديث قد مرَّ استيفاء الكلام عليه في باب استواء الظهر.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ ذكر محل الوليد وشعبة في الذي قبله، ومرّ الحكم في الثامن والخمسين من العلم، ومرّ ابن أبي ليلى في الثالث والستين من أبواب صفة الصلاة هذه، ومرّ البراء في الثاني والثلاثين من الإِيمان.
стр. 4303
الحديث الثالث والسبعون
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ قَالَ: كَانَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ يُرِينَا كَيْفَ كَانَ صَلاَةُ النَّبِيِّ ﷺ وَذَاكَ فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلاَةٍ، فَقَامَ فَأَمْكَنَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَمْكَنَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَنْصَتَ هُنَيَّةً، قَالَ: فَصَلَّى بِنَا صَلاَةَ شَيْخِنَا هَذَا أَبِي يزيد وَكَانَ أَبُو يزيد إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الآخِرَةِ اسْتَوَى قَاعِدًا ثُمَّ نَهَضَ.
قوله: "كان مالك" في رواية الكشميهني قام والأول يشعر بتكرير ذلك منه. وقوله: "فأنصت" في رواية الكشميهني بهمزة مقطوعة وآخره مثناة خفيفة أي: سكت فلم يكبر للهوي في الحال وهذا دال على حصول الطمأنينة في الاعتدال ويحتمل أن يقال هو كناية عن سكون أعضائه عبّر عن عدم حركتها بالإنصات وذلك دال على الطمأنينة والأول أولى وفي رواية الباقين فانصاب بألف موصولة وآخره موحدة مشددة وهي انفعل من الانصاب كأنه كنى عن رجوع أعضائه عن الانحناء إلى القيام وحكى ابن التين أن بعضهم ضبطه بالمثناة المشددة بدل الموحدة ولعل نقل التشديد عنه تصحيف فإن أصله انصوت تحركت الواو وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفًا ومعنى إنصات استوت قامته بعد الإنحناء كأنه أقبل شبابه قال الشاعر:
وعمرو بن دهمان الهنيدة عاشها ... وتسعين أُخرى ثم قوم فانصاتا
وعاد سواد الرأس بعد بياضه ... وراجعه شرخ الشباب الذي فاتا
وراجع أيدًا بعد ضعف وقوة ... ولكنه بعد ذا كله ماتا
وعند الإسماعيلي فانتصب قائمًا وهي أوضح من الجميع. وقوله: "هُنَية" بضم الهاء وفتح النون زمنًا قليلًا وقد تقدم ضبطها في باب ما يقول بعد التكبير.
وقوله: "صلاة شيخنا" هذا أبي يزيد وقع هنا للأكثر بالتحتانية والزاي وعند الحموي وكريمة بالموحدة والراء مصغرًا وكذا ضبطه مسلم في الكنى قال عبد الغني بن سعيد: لم أسمعه من أحد إلا بالزاي لكن مسلم أعلم وقد مرّ استيفاء الكلام على هذا الحديث في باب مَنْ صلى بالناس وهو لا يريد إلا أن يعلمهم ومرّ هناك تعريف أبي يزيد وهو عمرو بن سلمة الجرمي.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ سليمان في الرابع عشر من الإِيمان، ومرّ أيوب وأبو قلابة في التاسع منه، ومرّ
стр. 4304
حمّاد بن زيد في الرابع والعشرين منه، ومرّ مالك بن الحويرث في تعليق بعد الثامن والعشرين من العلم وفيه صلاة شيخنا هنا أبي يزيد وهو عمرو بن سلمة وقد مرّ في الثلاثين من أبواب الجماعة، ومرّ هناك ما يتعلق به. ثم قال المصنف:
باب يهوى بالتكبير حين يسجد
قال ابن التين: رويناه بالفتح وضبطه بعضهم بالضم والفتح أرجح وروى بالوجهين ثم قال: وقال نافع: كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه مطابقة هذا الأثر للترجمة من حيث اشتمالها عليه لأنها في الهوي بالتكبير إلى السجود فالهوي فعل والتكبير قول فكما أن حديث أبي هريرة المذكور في هذا الباب يدل على القول يدل أثر ابن عمر على الفعل؛ لأن للهوي إلى السجود صفتين قولية وصفة فعلية فأثر ابن عمر إشارة إلى الصفة الفعلية وحديث أبي هريرة إلى الصفة القولية والفعلية.
وقال في "الفتح": يحتمل أن أثر ابن عمر من جملة الترجمة فهو مترجم به لا مترجم له وهذا لا يصح؛ لأنه إذا كان من جملة الترجمة يحتاج إلى شيء يذكره يكون مطابقًا لها وليس ذلك بموجود وهذا الأثر أخرجه ابن خزيمة والحاكم والدارقطني والبيهقي والطحاوي عن عبد العزيز الدراوردي عن عبيد الله بن عمر عن نافع بهذا وزاد في آخره ويقول: كان النبي ﷺ يفعل ذلك قال البيهقي: كذا رواه عبد العزيز ولا أراه إلاّ وهمًا يعني رفعه قال والمحفوظ ما اخترنا ثم أخرج من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: إذا سجد أحدكم فليضع يديه وإذا رفع فليرفعهما.
ولقائل أن يقول هذا الموقوف غير المرفوع فإن الأول وضع تقديم وضع اليدين على الركبتين والثاني في إثبات وضع اليدين في الجملة وهذه من المسائل المختلف فيها فقال مالك والأوزاعي والحسن الأفضل وضع اليدين قبل الركبتين؛ لأنه أحسن في خشوع الصلاة ووقارها وهو رواية عن أحمد واستدلوا له أيضًا بحديث أبي هريرة المروي في السنن بلفظ إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه وعورض بحديث عن أبي هريرة أيضًا أخرجه الطحاوي ولكن إسناده ضعيف وأبدى الزين بن المنير لتقديم اليدين مناسبة وهي أن يلقى الأرض عن جبهته ويعتصم بتقديمهما عن إيلام ركبتيه إذا جثى عليهما وعن مالك وأحمد رواية بالتخيير ومذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة وأصحابه وإسحاق وأهل الكوفة أن وضع الركبتين قبل اليدين أفضل وحكاه ابن بطال عن ابن وهب وهو رواية ابن شعبان عن مالك استدلوا من حيث النظر بأنه في الوضع يقدم الأقرب إلى الأرض الركبتين وفي الرفع يقدم الأقرب إلى السماء اليدين والوجه وفي "الاسبيجابي" عن أبي حنيفة إن كان لا بأس خف وضع يديه أولًا واستدل هؤلاء بحديث وائل بن حجر المروي في السنن وقال الترمذي: حديث حسن ولفظه قال: رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه قال الخطابي: وهو أثبت من حديث تقديم اليدين وارفق بالمصلى وأحسن بالشكل ورأى العين وقال الدارقطني: قال ابن أبي داود: وضع الركبتين قبل اليدين تفرد به شريك القاضي عن عاصم بن كليب وشريك ليس بالقوي فيما ينفرد به.
стр. 4305
وقال البيهقي: هذا الحديث يعد في إفراد شريك كما ذكره البخاري وغيره من حفّاظ المتقدمين وفي المعرفة رواه أبو الليث عن عاصم بن كليب عن أبيه عن النبي ﷺ بهذا مرسلًا وهو المحفوظ وعن سعد بن أبي وقاص قال: كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا بالركبتين قبل اليدين رواه ابن خزيمة في صحيحه وادعى أنه ناسخ لتقديم اليدين قال في "المجموع" ولذا اعتمده أصحابنا ولكن لا حجة فيه؛ لأنه ضعيف ظاهر الضعف بين البيهقي وغيره ضعفه وهو من رواية يحيى بن سلمة بن كهيل وهو ضعيف باتفاق الحفاظ ولذا قال النووي لا يظهر ترجيح أحد المذهبين على الآخر من حيث السنة ولكن قال الحافظ بن حجر في "بلوغ المرام": حديث أبي هريرة إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه أقوى من حديث وائل رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه؛ لأن لحديث أبي هريرة شاهدًا من حديث ابن صححه ابن خزيمة ورواه البخاري معلقًا موقوفًا. ومراده بذلك قوله هنا: وقال نافع الخ.
قلت: مع ما ذكر ومع ما مضى من أن وضع الركبتين قبل اليدين تفرد به القاضي شريك كيف يصح قول النووي لا يظهر ترجيح لأحد المذهبين على الآخر بل ترجيح وضع اليدين قبل الركبتين ظاهر. ونافع قد مرَّ في الثالث والسبعين من العلم، ومرّ عبد الله بن عمر في أثر أول كتاب الإِيمان قبل ذكر حديث منه.
стр. 4306
الحديث الرابع والسبعون
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ صَلاَةٍ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ وَغَيْرِهَا فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ، فَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. ثُمَّ يَقُولُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ. حِينَ يَهْوِى سَاجِدًا، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الْجُلُوسِ فِي الاِثْنَتَيْنِ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ حَتَّى يَفْرُغَ مِنَ الصَّلاَةِ، ثُمَّ يَقُولُ حِينَ يَنْصَرِفُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَقْرَبُكُمْ شَبَهًا بِصَلاَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنْ كَانَتْ هَذِهِ لَصَلاَتَهُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا. قَالاَ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. يَدْعُو لِرِجَالٍ فَيُسَمِّيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَيَقُولُ اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ. وَأَهْلُ الْمَشْرِقِ يَوْمَئِذٍ مِنْ مُضَرَ مُخَالِفُونَ لَهُ.
قوله: "إن أبا هريرة كان يكبر" زاد النسائي عن الزهري حين استخلفه مروان على المدينة. وقوله: "ثم يقول: الله أكبر" إنما قال هنا الله أكبر بالجملة الاسمية وفي سائر المواضع ثم يكبر بالجملة الفعلية المضارعية لأن سياق الكلام يدل على ما يدل عليه عقد الباب على هذا التكبير فأراد أن يصرح بما هو المقصود نصًا على لفظه.
قلت: إنما يصح هذا لو كان العاقد للباب راوي الحديث اللهم إلا أن يكون البخاري نظر إلى ما وقع في الحديث فبوب عليه.
وقوله: "حين يهوي ساجدًا" فيه أن التكبير ذكر الهوي فيبتدىء به من حين يشرع في الهوي بعد الاعتدال إلى حين يتمكن ساجدًا.
وقوله: "حين يقوم من الجلوس في الاثنتين" فيه أنه يشرع في التكبير حين ابتدأ القيام إلى
стр. 4307
الثلاثة بعد التشهد الأول خلافًا لمالك وقد استوفى الكلام على هذا في باب التكبير إذا قام من السجود.
وقوله: "إن كانت هذه لصلاته" كلمة إن هذه مخففة من الثقيلة وأصلها أنه أي الشان، وقوله: هذه اسم كانت إشارة إلى الصلاة التي صلاها أبو هريرة. وقوله: لصلاته خبر كانت واللام فيه للتأكيد وهي مفتوحة قال أبو داود في سننه بعد أن روى هذا الكلام الأخير: هذا يجعله مالك والزبيدي وغيرهما عن الزهري عن الحسين بن علي مرسلًا وكذا أخرجه سعيد بن منصور عن ابن عيينة عن الزهري لكن لا يلزم من ذلك أن لا يكون الزهري أيضًا رواه عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وغيره عن أبي هريرة ويؤيد ذلك ما تقدم في باب التكبير إذا قام من السجود عن عقيل عن الزهري فإنه صريح في الصفة المذكورة مرفوعة إلى النبي ﷺ .
وقوله: "قالا" يعني أبا بكر بن عبد الرحمن وأبا سلمة وهو موصول بالإسناد المذكور إليهما. وقوله: يدعو قيل هو خبر آخر لكان أو عطف على يقول بدون حرف العطف والأوجه أن يكون حالًا من الضمير الذي في يقول من الأحوال المقدرة.
وقوله: "فيسميهم" الفاء فيه للتفسير. وقوله: "أنج" بفتح الهمزة أمر من أنجى إنجاء والأمر في مثل هذا طلب والوليد وصاحباه يأتي تعريفهما قريبًا.
وقوله: "والمستضعفين" أي: وأنج المستضعفين من المؤمنين وهو من عطف العام على الخاص. وقوله: "اشدد" بضم همزة الوصل أمر من شد. وقوله: "وَطأتك" بفتح الواو وسكون الطاء وفتح الهمزة من الوطء وهو الدوس بالقدم في الأصل ومعناه هنا خذهم أخذًا شديدًا ومنه قول الشاعر:
ووطأتنا وطأً على حنق ... وطء المقيد ثابت القدم
ومُضَر بضم الميم وفتح الضاد المعجمة ابن نزار بن معد بن عدنان وهو شعب عظيم فيه قبائل كثيرة كقريش وهذيل وأسد وتميم وهو شعب رسول الله ﷺ واشتقاقه من اللبن المضير أي: الحامض.
وقوله: "اجعلها" أي: الوطأة. وقوله: "كسني يوسف" أي: كالسنين التي كانت في زمن يوسف ﵊ مقحطة ووجه التشبيه امتداد زمان المحنة والبلاء والبلوغ غاية الشدة والضراء وجمع السنة بالواو والنون شاذ من جهة أنه ليس لذوي العقول ومن جهة تغير مفرده بكسر أوله ولهذا جعل بعضهم حكمه كحكم المفردات وجعل نونه متعقب الإعراب قال الشاعر:
دعاني من نجد فإن سنينه ... لعبن بنا شيبًا وشيبننا مروا
واستدل به على أن محل القنوت بعد الرفع من الركوع وعلى أن تسمية الرجال بأسمائهم فيما
стр. 4308
يدعى لهم وعليهم لا تفسد صلاته.
رجاله ستة:
قد مرّوا، مرّ أبو اليمان وشعيب في السابع من بدء الوحي، ومرّ الزهري في الثالث منه، ومرّ أبو سلمة في الرابع منه، ومرّ أبو بكر بن عبد الرحمن في الستين من أبواب صفة الصلاة هذه، ومرّ أبو هريرة في الثاني من الإيمان. وفي الحديث ذكر الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة وها أنا أذكر تعريفهم إن شاء الله تعالى.
الأول: الوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي أخو خالد بن الوليد أُسر يوم بدر كافرًا قيل أسره عبد الله بن جحش وقيل أسره سليط بن قيس المازني الأنصاري قدم في فدائه خالد وهشام وكان هشام شقيقه أُمهما آمنة أو عاتكة بنت حرملة وتمنع عبد الله بن جحش حتى افتكاه بأربعة آلاف درهم وجعل خالد يريد أن لا يبلغ ذلك فقال له هشام: إنه ليس بابن أُمك والله لو أني فيه إلا كذا وكذا لفعلت ويقال إن النبي ﷺ لعبد الله بن جحش لا تقبل في فدائه إلا سكة أبيه الوليد وكانت السكة درعى فضفاضة وسيفًا وبيضة فأبى ذلك خالد وطاع هشام لأنه شقيقه فقومت السكة بمائة دينار فطاعا بها وسلماها إلى عبد الله بن جحش فلما افتدى أسلم وعاتبوه في ذلك وقيل له: هلاّ أسلمت قبل أن تفتدى وأنت مع المسلمين فقال: كرهت أن تظنوا بي أني جزعت من الأسر ولما أسلم حبسه أخواله فكان النبي ﷺ يدعو له في القنوت كما ثبت في الصحيح ثم أفلت من إسارهم ولحق بالنبي ﷺ وشهد عمرة القضية ويقال إن النبي ﷺ لما اعتمر خرج خالد من مكة حتى لا يرى المسلمين دخلوا مكة فقال النبي ﷺ للوليد: لو أتانا خالد لاكرمناه وما مثله سقط عليه الإِسلام في عقله فكتب الوليد بذلك إلى خالد فكان سبب هجرته حكاه الواقدي وأخرج الطبراني أن الوليد بن الوليد كان محبوسًا وأراد أن يهاجر فباع مالًا له بالطائف ثم وجد غفلة من القوم فخرج هو وعياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام مشاة يخافون الطلب فسعوا حتى تعبوا وقصر الوليد فقال:
يا قدمي ألحقاني بالقوم ... ولا تعداني كسلًا بعد اليوم
فلما كان عند الأحراس نكب فقال:
هل أنت إلا اصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت
فدخل على النبي ﷺ فقال: يا رسول الله حسرت وأنا ميت فكفني في فضل ثوبك واجعله مما يلي جلدك ومات فكفنه النبي ﷺ في قميصه ودخل إلى أُم سلمة وبين يديها صبي وهي تقول: ابك الوليد بن الوليد بن المغيرة: فقال: إن كدتم لتتخذن الوليد حنانًا فسماه عبد الله وقيل: إنه لما فر من الأسر مات ببير أبي عتبة قبل أن يدخل المدينة على ميل منها قال ابن عبد البر: والصحيح الأول وذكر الزبير بن بكار أن أُم سلمة لما مات الوليد قالت:
стр. 4309
يا عين فابكي للوليد ... بن الوليد بن المغيرة
قد كان غيثًا في السنين ... ورحمة فينا وميرة
ضخم الدسيعة ماجد ... يسمو إلى طلب الوتيرة
مثل الوليد بن الوليد ... أبي الوليد كفى العشيرة
وقد أخرج أحمد في مسنده له حديثًا أنه قال: يا رسول الله إني أجد وحشة في منامي فقال: "إذا اضطجعت للنوم فقل: بسم الله، أعوذ بكلمات الله من غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأعوذ بك ربِّ أن يحضرون" وقد أخرجه أبو داود من رواية ابن إسحاق.
الثاني: سلمة بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي كان من مهاجرة الحبشة وكان من خيار الصحابة وفضلائهم وكانوا خمسة أُخوة أبو جهل والحارث والعاص وخالد وسلمة، فأما أبو جهل والعاص قتلا ببدر كافرين وأُسر خالد يومئذ ثم فدي ومات كافرًا وأسلم الحارث وسلمة وكانا من خيار الصحابة وكان سلمة قديم الإِسلام وحبس بمكة وعذب في الله وروى عبد الرزاق قال: فر عياش بن ربيعة وسلمة بن هشام والوليد بن الوليد من المشركين فعلم النبي ﷺ بمخرجهم فدعا لهم لما رفع رأسه من الركوع وروى ابن سعد أن سلمة لما فرّ من قريش قالت أُم ضباعة بنت عامر بن قرط:
لا هم رب الكعبة المحرمة ... أظهر على كل عدوٍ سلمة
له يدان في الأُمور المبهمة ... كف بها يروي وكف منعنمة
وروى ابن إسحاق من حديث أُم سلمة أنها قالت لامرأة سلمة بن هشام: مالي لا أرى سلمة يصلي مع النبي ﷺ ؟ قالت: كلما خرج صاح به الناس يا فرار وكان ذلك عقب غزوة مؤتة وزاد الواقدي إن النبي ﷺ قال: "بل هو الكرار" قال: ولما مات النبي ﷺ خرج إلى الشام فاستشهد بمرج الصفر في المحرم سنة أربع عشرة في أول خلافة عمر وذكر موسى بن عقبة أنه استشهد بأجنادين وصوبه أحمد.
الثالث: عياش بن أبي ربيعة واسم أبي ربيعة عمرو ويلقب ذا الرمحين بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم يكنى أبا عبد الرحمن قيل: يكنى أبا عبد الله ابن عم خالد بن الوليد وأخو أبي جهل لأُمه أُمهما الجلاس واسمها أسماء بنت مخربة وهو أخو عبد الله بن أبي ربيعة لأبيه وأُمه.
كان إسلامه قديمًا قبل أن يدخل النبي ﷺ دار الأرقم هاجر إلى الحبشة مع زوجته أسماء بنت سلمة بن مخربة وولدت له بها ابنه عبد الله ثم هاجر إلى المدينة حين هاجر عمر بن الخطاب فجمع بين الهجرتين فقدم عليه أخواه لأُمه أبو جهل والحارث ابنا هشام فذكرا له أن أُمه حلفت أن لا يمس رأسها دهن ولا تستظل حتى تراه فرجع معهما فأوثقاه رباطًا وحبساه بمكة وكان النبي ﷺ يدعو له قال أبو عمر: قنت رسول الله ﷺ شهرًا يدعو للمستضعفين بمكة ويسمي منهم الوليد وسلمة وعياش.
стр. 4310
روى عياش عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تزال هذه الأُمة بخير ما عظموا هذه الحرمة حق تعظيمها فإذا صنعوا ما هلكوا" يعني الكعبة والحرم، روى عنه ابنه عبد الله وروى عنه أنس بن مالك وعبد الرحمن بن سابط وأرسل عنه عمر بن عبد العزيز ونافع مولى ابن عمر. ذكر ابن سعد أن عياش وعكرمة بن أبي جهل والحارث بن هشام قتلوا يوم اليرموك وقيل: استشهد باليمامة وقال الطبري: أنه مات بمكة.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإخبار بالجمع والإفراد والعنعنة وفيه ثلاثة بالكنى وقيل فيهم أن أسماءهم كناهم ورواته ما بين حمصيين ومدنيين أخرجه أبو داود والنسائي.
следующие страницы →