Полный текст (6 753 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
بِمَنْ نَزَلَها واختَطَّها من أهل البصرة عند فتوح تلك البلاد، وقد خربت بعد الأربع مئة من الهجرة ولا تكاد تُعرف.
وليس في الكتب الستة من اسمه شُعبة بن الحَجّاج سواه. وفي "النّسائي" شعبة بن دينار الكُوفي صدوق، روى عن عكرمة، وروى عنه السفيانان. وفي "أبي داوود" شعبة بن دينار الهاشِمِيّ روى عن مولاه ابن العَبّاس، ليس بالقوي وفي الضعفاء شعبة بن عمرو يروي عن أنس، قال البخاري: أحاديثه مناكير، وفي الصحابة شُعبة العَنْبَريّ.
الثالث: عبد الله بن أبي السَّفَر بتحريك الفاء، واسم أبي السَّفَر سعيد ابن يَحْمد، ويقال: أحمد الهَمْداني الثَّوْرِيّ الكوفي.
روى عن: أبيه، وأبي بُردة بن أبي موسى، وعامر الشَّعْبِيّ، ومصعب ابن شَيْبة.
وروى عنه: شُعبة، وعمر بن أبي زَائِدة، ويونُس بن أبي إسحاق، وعيسى بن يونُس، والثَّوْريّ، وشرَيْك، وغيرهم.
قال أحمد وابن مَعين والنَّسائي: ثقة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات" وقال ابن سَعْد: كان ثقة، وليس بكثير الحديث. وقال العِجْلِيّ: كوفي ثقة، مات في خلافة مروان بن محمَّد.
والسَّفْر كله بإسكان الفاء في الاسم، وتحريكه في الكنية، ومنهم من سكن الفاء في عبد الله المذكور.
والهَمْداني في نسبه تقدم في موسى بن أبي عائشة.
والثَّوْرِيّ نسبة إلى ثور أبي قبيلة من مُضر، وهو ثَوْر بن عبد مناة بن أُدّ بن طابِخة بن إلياس بن مُضر، منهم الإِمام سُفيان الثَّوريّ.
والكوفي في نسبه نسبةً إلى الكوفة، وهي مدينة العراق الكُبرى، وقُبّة الإِسلام، ودار هِجرة المسلمين، قيل: قدرها ستة عشر ميلًا وثُلْثَا ميل،
стр. 457
وفيها خمسون ألف دار للعرب من رَبيعة ومُضَر، وأربعة وعشرون ألف دار لسائر العرب، وستة وثلاثون ألف دار لليمن، قيل: مَصَّرَها سعد بن أبي وَقَّاص، وكانت قبل ذلك منزل نُوح ﵇، وبنى مسجدها الأعْظم، واختلف في سبب تسميتها، قيل: سميت بذلك لاستدارتها، وقيل: بسبب اجتماع الناس فيها، وقيل: لكونها كانت رملة حمراء أو لاختلاط ترابها بالحصى، ويقال لها: كُوفان -بالضم ويفتح- ويقال لها أيضًا: كوفة الجند لأنها اختطت فيها خطط العرب أيام عُثمان أو أيام عمر، خططها السَّائب بن الأقرع الثَّقَفِيّ، قال الشاعر:
ذَهَبَتْ بِنَا كُوفَانُ مَذْهَبَها ... وعَدِمْتُ عَنْ طُرَفائِها خَيْري
وقال الأخر:
إنَّ الّتي ضَرَبتْ بَيْتًا مُهاجِرةً ... بِكُوفَةِ الجُنْدِ غَالَتْ وُدَّها غولُ
وقيل: سميت بكُوفان، وهو جبيل صغير فسهلوه، واختطوا عليه، أو مشتقة من الكيف وهو القطع لأن أبرويز أقطعه لبَهْرام، أو لأنها قطعة من البلاد، والأصل كُيْفَة فلما سكنت الياء وانضم ما قبلها جعلت واوًا، أو من قولهم: هم في كوفان بالضم ويفتح، وكَوَّفان محركة مشددة الواو في عِزٍّ ومَنَعَة، أو لأن جبل ساتِيذما محيطٌ بها كالكاف، أو لأن سعدًا لما ارتاد هذه المنزلة للمسلمين قال لهم: تَكَوَّفُوا في هذا المكان، أي: اجتمعوا، أو لأنه قال: كَوِّفوا هذه الرملة أي: نَحُّوها، وانزلوا، ولما بَنَى عبيد الله بن زياد مسجد الكوفة صعد المنبر، وقال: يا أهل الكوفة، إني قد بنيت لكم مسجدًا لم يبق على وجه الأرض مثله، وقد أنفقت على كل أسطوانة منه سبع عشرة مئة، ولا يهدِمه إلا باغٍ أو حاسد، والمسافة بينها وبين المدينة نحو عشرين مرحلة، ولا تخلو الحسناء من ذَامٍّ، وقد قال فيها النَّجَاشِي يهجو أهلها:
إذَا سَقى الله قَوْمًا صَوْبَ غاديَةٍ ... فَلَا سَقَى الله أهْلَ الكُوفَةِ المَطَرَا
التَّارِكِين على طُهْرٍ نِسَاءَهُمُ ... والنَّاكِحِينَ بِجَنْبَي دِجلةَ البَقَرا
стр. 458
والسَّارِقِين إذا ما جُنَّ لَيْلُهُمُ ... والدَّارسينَ إذَا ما أصْبَحُوا السُّوَرا
الرابع: إسماعيل بن أبي خالد الأحمس مولاهم.
قال الثَّوريّ: حفاظ الناس ثلاثة إسماعيل وعبد الملك بن أبي سُفيان ويحيى بن سعيد الأنصاري يعني إسماعيل أعلم الناس في الشَّعْبي وأثبتهم فيه. وقال مروان بن مُعاوية: كان إسماعيل يسمى الميدان. وقال علي: قلت ليحيى بن سعيد: ما حملت عن إسماعيل عن الشَّعْبي صحاح؟ قال: نعم. وقال البُخاري، عن علي: له نحو ثلاث مئة حديث. وقال أحمد: أصح الناس حديثًا عن الشَّعْبي ابن أبي خالد. وقال ابن مَهْدي، وابن مَعين، والنَّسائي: ثقة. وقال ابن عمَّار المَوْصِلي: حجة. وقال العِجْلِيّ: كوفي ثقة تابعي، وكان طَحّانًا. وقال يعقوب بن أبي شَيْبة: كان ثقة ثَبْتًا.
وقال أبو حاتم: لا أُقَدِّمُ عليه أحدًا من أصحاب الشَّعبي، وهو ثقة. وقال ابن حِبّان في "الثقات" كان شيخًا صالحًا. وقال ابن عُيينة: كان أقدم طلبًا وأحفظ للحديث من الأعمش. وقال العِجْلِيّ: كان ثَبْتًا في الحديث، وربما أرسل الشيء عن الشَّعْبي، وإذا وقف أخبر، وكان صاحب سنة، وكان حديثه نحو خمس مئة حديث، وكان لا يروي إلا عن الثقة. وحكى ابن أبي خَيْثَمة عن يحيى بن سعيد أنه قال: مرسلات ابن أبي خالد ليست بشيء. وقال يعقوب بن سُفيان: كان أمِّيًّا حافظًا ثقةً. وقال هُشَيم: كان إسماعيل فحش اللحن، كان يقول: حدثني فلان عن أبوه. قال أبو نُعيم: أدرك إسماعيل اثني عشر نفسًا من الصحابة، منهم من سمع منه، ومنهم من رآه رؤية.
روى عن: أبيه، وأبي جُحَيْفَة، وعبد الله بن أبي أوْفى، وعمرو بن حُرَيث، وأبي كاهِل من الصحابة، وعن زَيْد بن وَهْب، ومحمد بن سَعْد، وأبي بكر بن عِمارة بن رُوَيْبة، وقيس بن أبي حازم، والشَّعبي وغيرهم من كبار التابعين.
وروى عنه: شُعبة والسُّفيانان، ويحيى القطان، ويزيد بن هارون، وعُبيد الله بن موسى، وهو آخر ثقة حدث عنه.
стр. 459
مات سنة خمس أو ست وأربعين ومئة.
وليس في الستة إسماعيل بن أبي خالد سواه، وأما إسماعيل فهو كثير.
والأحْمَس في نسبه نسبة إلى أحْمَس بطن من بَجيلة وهو الغَوْث بن أنْمار.
الخامس: عامر بن شَراحيل بن عبد، وقيل: عامر بن عبد الله بن شَراحيل الشَّعْبي الحِمْيَري -بفتح الشين- أبو عمرو الكُوفي من شِعْب هَمْدان، وشراحيل -بفتح الشين والراء الممدودة ثم حاء مكسورة ممدودة أيضًا- قال منصور الفداني عن الشعبي: أدركت خمس مئة من الصحابة.
وقال أشعث بن سوار: لقى الحسن الشعبي، فقال: كان والله كثير العلم، عظيم الحلم، قديم السلم، من الإِسلام بمكان. وقال عبد الملك بن عُمَير: مرَّ ابن عُمر على الشَّعْبيّ وهو يحدث بالمَغَازي، فقال: لقد شَهِدتُ القومَ، لهو أحفظ لها وأعلم مني. وقال الزُّهري: العلماء أربعة: ابن المُسَيِّب بالمدينة، والشَّعْبيّ بالكوفة، والحسن البصري بالبصرة، ومَكْحول بالشام. وقال مَكْحُول: ما رأيت أفقه منه. وقال أبو مجلز: ما رأيت فيهم أفقه منه. وقال ابن عُيينة: كانت الناس تقول بعد الصحابة: ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، والثوري في زمانه. وقال ابن شُبْرُمَة: سمعت الشعبي يقول: ما كتبت سوداء في بيضاء، ولا حدثني رجل بحديث إلا حفظته، ولا حدثني رجل بحديث فأحببت أن يُعيدَه عليَّ. وقال ابن مَعين: إذا حدث عن رجل فسماه فهو ثقة، يُحتج بحديثه. وقال ابن مَعين وأبو زُرعة: الشَّعبي ثقة. وقال ابن حِبّان في ثقات التابعين: كان فقيهًا شاعرًا على دُعابة فيه. وقال أبو جعفَر الطَّبَرِيّ: كان ذا أدب وفقه، وكان يقول: ما حللت صَبْوتي إلى شيء مما ينظر الناس إليه، ولا ضربت مملوكًا لي قَطّ، وما مات ذو قرابة لي وعليه دين إلا قضيته عنه. وقال أبو حْصَين: ما رأيت أعلم من الشَّعبي، فقال له أبو بكر
стр. 460
عَيّاش: ولا شُرَيح؟ قال له: تريدني أكذب؟ ما رأيت أعلم من الشَّعبي.
وقال أبو إسحاق الحبّال كان واحد زمانه في فنون العلم. قال ابن أبي حاتم: سُئِل أبي عن الفرائِض التي رواها الشَّعْبي عن علي، فقال: هذا عندي ما قاسه الشعبي على قول علي، ولا أرى علِيًّا يتفرغ لهذا. وقال ابن مَعين: قضى الشَّعبي لعُمر بن عبد العزيز.
وحكى الشعبي قال: أنْفَذَني عبد الملك بن مروان إلى ملك الروم، فلما وصلت إليه جعل لا يسألني عن شيء إلا أجبته فيه، وكانت الرسل لا تطيل الإِقامة عنده، فحبسني أيامًا كثيرة حتى استحْثَثْتُ خُروجي، فلما أردت الانصراف، قال لي: من أهل بيت المملكة أنت؟ فقلت: لا ولكني رجل من العرب في الجملة، فَهَمَسَ بشيء، فدفع إليّ ورقة، وقال: إذا أديت الرسائل إلى صاحبك، فأوصل إليه هذه الرُّقْعة، قال: فأدَّيتُ الرسائَل عند وصولي إلى عبد الملك ونسيت الرقعة، فلما صِرْت في بعض الدار أريد الخروج، تذكرتها، فرجعت فأوصلتها إليه، فلما قرَأهَا، قال لي: أقال لك شيئًا قبل أن يدفعَها إليك؟ قلت: نعم، قال لي: من أهل بيت المملكة أنت؟ قلت: لا ولكني رجلٌ من العرب في الجملة، ثم خرجتُ من عنده، فلما بلغتُ الباب رُدِدْت، فلما مَثُلْتُ بين يديه، قال لي: أتدري ما في الرقعة؟ قلت: لا. قال: اقرأها، فقرأتها، فإذا فيها: عَجِبْتُ من قومٍ فيهم مثلُ هذا كيف يُوَلّون غيره؟ فقلت: والله لو علمت ما فيها ما حملتُها، وإنما قال هذا لأنه لم يَرَك. قال: أتدري لم كتبها؟ قلت: لا. قال: حَسَدَني عليك، وأراد أن يُغْرِيَني بقتلك، قال: فَتَأدّى ذلك إلى ملك الروم، فقال: والله ما أردت إلا ما قال.
وكلم الشَّعْبي عَمرو بن هُبَيرة الفَزَاريّ أمير العراق في قوم حَبَسَهم ليُطلقهم، فأبى، فقال له: أيها الأمير، إن حبستهم بالباطل فالحق يخرجهم، وإن حَبَسْتهم بالحق فالعفوُ يَسَعُهم، فأطلقهم، وكان كثيرًا ما يَتَمَثَّلُ بقول سُكَيْن الدّارِميّ:
стр. 461
لَيْسَت الأحلامُ في حالِ الرِّضا ... إنَّما الأحْلامُ في حَالِ الغَضَب
ويُقال: إن الحجاج بن يوسف قال له يومًا: كم عطاءَكَ في السنة؟ فقال له: ألفين، فقال له: وَيْحك كم عطاؤُك؟ فقال له: ألفان، قال له، كيف لَحَنْتَ أوَّلًا؟ قال: لحن الأمير فلحنتُ، فلما أعرب أعربت، وما أمكن أن يَلْحَنَ الأمير وأُعْرِب أنا فاستحسن ذلك منه وأجازه.
وكان مزّاحًا، يحكى أن رجلًا دخل عليه وهو مع امرأته في البيت، فقال: أيُّكُما هو الشَّعبي، فقال له: هذه.
وكان ضئيلًا نحيفًا، قيل له يومًا: ما لنا نراك ضئيلًا، فقال: زوحِمْت في الرَّحِم، وكان قد وُلد هو وأخ آخر في بطن، وأقام في البطن سنتين.
قال الحاكم في "علومه": لم يسمع من عائشة، ولا من ابن مَسْعود، ولا من أسامة بن زَيْد، ولا من علي، إنما رآه رؤية، ولا من معاذ بن جَبَل، ولا من زَيد بن ثابت. وقال ابن المَدينيّ: لم يسمع من زَيد بن ثابت، ولم يَلْقَ أبا سعيد الخدْري، ولا أم سلمة. وقال التِّرْمذي في "العلل": قال محمَّد: لا أعرف للشعبي سماعًا من أم هانىء. وقال الدَّارَقطْنيّ في "العلل" لم يسمع من علي إلا حرفًا واحدًا ما سمع غيره، كأنه عنى ما أخرجه البخاري في الرجم، عنه، عن علي حين رَجَم المرأة، فقال: رجمتُها بسنة النبي ﷺ .
روى عن: سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زَيْد، وقيس بن سعد بن عُبادة، وعليّ، وزيد بن ثابت، خلاف ما مرّ، وعُبادة بن الصَّامِت، وأبي موسى الأشْعري، وأبي هُريرة، والمغيرة بن شعبة، والعبادلة الأربعة، وخلق كثير، وأرسل عن عَمر وابن مسعود.
وروى عنه: أبو إسحاق السَّبِيعيّ، وأشعث بن سِوار، وإسماعيل بن أبي خالد، والأعْمَش، ومنصور، ومُغيرة، وسِماك بن حَرْب، وعاصم الأحْوَل، وأبو الزِّناد، وعبد الله بن أبي السَّفَر، وابن عَوْن.
стр. 462
قال قتادة: ولد الشَّعبي لأربع سنين بقين من خلافة عمر ﵁. وقال خَليفة بن خيّاط: ولد الشَّعبيّ والحسن البَصْري في سنة إحدى وعشرين. وقال الأصْمعِي: في سنة سبع عشرة بالكوفة. وقيل: لست سنين خَلَوْن من خلافة عثمان ﵁. وقيل: سنة عِشرين للهِجرة. وقيل: إحدى وثلاثين. ورُوِي عنه أنه قال: ولدت سنة جَلولاء، وهي سنة تسع عشرة، وتوفي بالكوفة سنة أربع، وقيل: ثلاث، وقيل: ست، وقيل: سبع، وقيل: خمس ومئة، وكانت وفاته فجأة، وكانت أمه من سَبْي جَلُولاء.
والشَّعْبي في نسبه نسبة إلى شعْب بوزن فَلْس، وهو بطن من هَمْدان، وقال الجَوْهَريّ: هذه النسبة إلى جبل باليمن، نزله حسّان بن عَمرو الحِميريّ هو وولده، ودفن فيه، وهو ذو شُعبتين، فمن كان بالكوفة منهم قيل لهم: شَعْبيّون، ومن كان منهم بمصر والمغرب قيل لهم: الأشعوب، ومن كان منهم بالشام قيل لهم: شَعْبانيون، ومن كان منهم باليمن قيل لهم: آل ذي شُعْبَتَين وقال ابن دُرُسْتَوَيْه: نسبة إلى شعبا حي من اليمن، لأنهم انقطعوا عن حيهم.
السادس: عبد الله بن عَمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعد بن سَهْم بن عمرو بن هُصَيْص بن كَعْب بن لُؤَي القُرَشيّ السَّهْميّ يكنى أبا محمَّد عند الأكثر، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو نصر وهو غريب، وأمه رَيْطة بنت مُنَبِّه بن الحَجّاج السَّهْميّة، ولد لعمرو وهو ابن اثنتي عشرة سنة، فلم يفته أبوه في السنن إلا باثنتي عَشْرة سنة، وجزم ابن يُونس بأن بينهما عشرين سنة، ويقال: كان اسمه العاص فغيره النبيُّ ﷺ ، ففي "تاريخ" أبي زُرعة الدِّمشقي عن عبد الله بن الحارث بن جزء، قال: توفي صاحب لنا غريب بالمدينة، وكنا على قبره، فقال لي النبي ﷺ : "ما اسمك؟ " فقلت: العاص، وقال لابن عمر: "ما اسمك؟ " فقال: العاص، وقال لابن عمرو: "ما اسمك؟ " قال: العاص، فقال: انزلوا فاقبروه فأنتم عبيد الله. قال: فَقَبَرْنا أخانا، فخرجنا وقد غُيِّرت أسماؤنا. وهو
стр. 463
أحد العبادلة الأربعة كما مر في ترجمة ابن عباس.
قال ابن عبد البرّ: أسلم قبل أبيه، وكان فاضلًا حافظًا عالمًا، قرأ الكتاب، واستأذن النبي ﷺ في أن يكتُبَ حديثه، فأذِن له، قال له: يا رسول الله أأكتب كل ما أسمع منك في الرِّضا والغَضَب؟ قال: نعم، فإني لا أقول إلَّا حَقًّا.
قال أبو هُريرة: ما كان أحد أحفظ لحديث رسول الله ﷺ مني إلا عبد الله بن عَمْرو، فإنه كان يعي بقلبه وأعي بقلبي، وكان يكتُب وأنا لا أكتُب، استأذن رسول الله ﷺ في ذلك فأذن له.
وأخرج البَغَوِيّ عن عبد الله بن عَمرو أنه قال: رأيت فيما يرى النائم كأن في إحدى يدي عَسَلًا وفي الأُخرى سمنًا، وأنا ألْعَقُهُمَا، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال: تقرأ الكتابين التوراة والقرآن، وكان يقرؤهما.
كان يسرُدُ الصوم، ولا ينام الليل، فشكاه أبوه إلى النبي ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : "إنَّ لِعَيْنيكَ عليك حقًّا، وإنَّ لأهلك عليك حقًّا، وإن لربك عليك حقًّا، قُم ونَم وصُم وأفطِر، صم ثلاثة أيام من كل شهر، فذلك صيام الدهر" فقال إني أطيق كثر من ذلك، فلم يَزَل يراجِعه في الصيام حتى قال له: "لا صوم أفضل من صيام داوود"، وكان يصوم يومًا ويُفطر يومًا، فوقف عبد الله عند ذلك وتمادى عليه.
وفي "الصحيحين" قصة عبد الله بن عمرو مع النبي ﷺ في مواظبته هذه، وأمره له بقراءة القرآن في كل ثلاث، وهو مشهور، وفي بعض طرقه أنه لما كبِر كان يقول: يا ليتني كنت قَبِلْتُ رخصة النبي ﷺ ، واعتذر ﵀ من شُهوده صِفِّين وأقسم أنه لم يرم فيها برمح ولا سهم، وأنه إنما شهدها لعَزْمة أبيه في ذلك، وأن رسول الله ﷺ قال له: "أطع أباك" وروى ابن أبي مُلَيكة عنه أنه كان يقول: مالي ولِصفِّين، مالي ولقتال المسلمين، والله لودِدت أني مُتُّ قبل هذا بعشر سنين، ثم يقول: أما والله ما ضربت فيها بسيف، ولا طَعَنْتُ فيها برُمح، ولا رَمَيْت بسهم، ولودِدْت
стр. 464
أني لم أحْضُر شيئًا منها، وأستغفر الله من ذلك، وأتوب، إلا أنه ذكر أنه كانت بيده الراية يومئذ، فندمَ ندامةً شديدة على قتاله مع معاوية، وجعل يستغفرُ الله ويتوب إليه، وكان يلوم أباه على القتال في الفتنة بأدب وتُؤدَة، وكان ﵁ طُوالًا أحمر عظيم الساقين أبيض الرأس واللحية، وعَمِي في آخر عمره.
ومع ما مرّ عن أبي هُريرة ما روي له قليل بالنسبة لما روي له، فقد رُوي له سبع مئة حديث، اتفقا على سبعة عشر، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بعشرين.
روى عن عُمر، وأبي الدَّرداء، ومُعاذ، وابن عَوْف، وعن والده عمرو.
وروى عنه من الصحابة ابن عُمر وأبو أُمامة، والمِسْوَر بن مَخْرمة، والسّائب بن يزيد، وأبو الطُّفَيْل، وعدد كثير من التابعين منهم سعيد بن المُسَيِّب، وعُروة، وطاووس، وعطاء بن يَسار، وعِكْرمة، ويوسف بن ماهَك، وعامر الشَّعْبي، ومسْروق بن الأجْدَع، وغيرهم.
مات بالشام سنة خمس وستين، وهو يومئذ ابن اثنتين وسبعين، وقيل: مات بمكة، وقيل: بالطائف، وقيل: بمصر، ودفن في داره، وقيل: مات بأرضه بالسبع من فلسطين.
والسَّهْمِيّ في نسبه نسبة إلى جده سَهْم المذكور في أجداده.
وعبد الله في الصحابة وفي الرواة أكثر من الحصر.
لطائف إسناده: منها أن هذا الإِسناد كله على شرط الستة ما عدا آدم فإنه ليس من شرط مسلم، وأبي داوود، ومنها أن شُعبة فيه يروي عن اثنين: أحدهما عبد الله بن أبي السَّفَر، والثاني إسماعيل بن أبي خالد، وكلاهما يرويانه عن الشَّعبيّ، ولهذا إسماعيل بفتح اللام عطفًا على عبد الله، وهو مجرور ولكن جر ما لا ينصرف بالفتحة، وفيه التحديث
стр. 465
والعَنْعنة، وهذا الحديث انفرد به البُخاري بجملته عن مسلم، أخرجه هُنا، وفي الرقاق عن أبي نُعيم، وأخرج مُسلم بعضه في صحيحه عن جابر مرفوعًا، وأخرجه أبو داوود والنَّسائي بتغيير لفظ عند النسائي.
قال أبو عبد الله وقال أبو معاوية: حدثنا داود عن عامر قال سمعت عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ .
وقال عبد الأعلى عن داود عن عامر عن عبد الله عن النبي ﷺ .
وأراد بالتعليق الأول بيان سماع الشعبي له من الصحابيّ، والنكتة فيه رواية وُهَيْب بن خالد له عن داود، عن الشَّعْبي، عن رجل، عن عبد الله ابن عمرو، حكاه ابن مَنْدة فعلى هذا لعل الشعبي سمعه أولًا من غير عبد الله، ثم لَقِيهُ بعد ذلك، فسمعه منه، ونبه بالتعليق الآخر على أن عبد الله الذي أُهْمل في روايته هو عبد الله بن عَمرو الذي بُيِّن في رواية رفيقه.
وتعليقٌ أبي مُعاوية وصله إسحاق بن رَاهويه في "مسنده" عنه، وأخرجه ابن حِبّان في "صحيحه" عنه، ولفظه: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: ورب هذه البنية لسمعت رسول الله ﷺ يقول: "المُهاجرُ من هَجَر السيئاتِ والمسلمُ من سَلِم الناسُ من لسانِه ويده" فعُلِم أنه ما أراد إلا أصل الحديث، والمراد بالناس هُنا المسلمون، كما في الحديث الموصول، فهم الناس حقيقةً عند الإِطلاق، لأن الإِطلاق يُحْمَل على الكامل في غير المسلمين، ويمكن حَمْله على عُمومه على إرادة شرط وهو: إلَّا بِحق، مع أن إرادة هذا الشرط متعينة على كُلِّ حال، لما مر من استثناء إقامة الحدود على المسلم، واعتراض العَيْنيّ على التأويل الأول بأن الناس يكون من الإِنس الجن ساقط غاية السقوط، فإن إطلاق الناس على الكامل في الإِنسانية دون غيره وارد في الحديث، ففيه: من محمد ﷺ إلى ورثة الأنبياء، وإلى الناس، وإلى أشباه الناس، لا تَحْلِفوا بالطلاق، ولا بالعِتاق، فإنهما من أيمان الفُسّاق، والناس في الحديث المراد بهم أهل
стр. 466
المدن، وأشباههم المراد بهم أهل البادية، وقال الشاعر:
هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْم يَا أُمَّ مَالِكِ
والكفار لا يطلق عليهم بانفرادهم إلا الدواب والأنعام، ويكفي في سقوطه ما قاله في "الفتح": لأن الإِطلاق يحمل الخ ..
والتعليق الثاني لم أر من وصله إلا أن إتيان المؤلف فيه بصيغة الجزم دالٌّ على صحته كما هي قاعدة "الصحيحين" وأبو عبد الله المراد به البُخاريّ.
ورجال التعليقين خمسة:
الأول: أبو معاوية محمَّد بن خَازِم -بمعجمتين- التَّمِيميّ السَّعْديّ الضَّرير الكُوفي، عَمِيَ وهو ابن ثمان سنين أو أربع.
قال العِجّلِيّ والنَّسائي: ثقة. وقال ابن خِراش: صدوق، وهو في الأعمش ثقة، وفي غيره فيه اضطراب. وقال يعقوب بن شَيْبة: كان من الثقات، ربما دَلَّسَ، وكان يرى الإِرجاء، وذكره ابن حِبّان في "الثقات" وقال: كان حافظًا متقنًا، ولكنه كان مُرجئًا خبيثًا، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث يدلس وكان مرجئًا. وقال وكِيع: ما أدركنا أحدًا كان أعلم بأحاديث الأعمش من أبي مُعاوية. وقال ابن مَعين: قال لنا وَكيع: من تَلْزَمُون؟ قلنا: أبا مُعاوية، قال: أما إنه كان يَعُدُّ علينا في حياة الأعمش ألفًا وسبع مئة. وقال الدُّورِيّ: قلت لابن مَعين: كان أبو مُعاوية أحسنهم حديثًا عن الأعمش؟ قال: كانت الأحاديث الكبار العالية عنده. وقال مُعاوية بن صالح: سألت ابن مَعين: من أثبت أصحاب الأعمش؟ قال: أبو مُعاوية بعد شُعبة وسفيان. وقال الدَّارميُّ: قلتُ لابن معين: أبو معاوية أحبُّ إليك في الأعْمش أو وَكيع؟ فقال: أبو مُعاوية أعلم به. وقال ابن المَدِينيّ: كتبنا عن أبي مُعاوية ألفًا وخمسمائة حديث، وكان عند الأعمش ما لم يكن عند أبي مُعاوية أربع مئة ونيف وخمسون حديثًا. وقال شبابة بن سوار: كنا عند شعبة، فجاء أبو مُعاوية، فقال شُعبة: هذا صاحب الأعمش فاعرفوه.
стр. 467
وقال الحُسين بن إدريس: قلت لابن عمار: علي بن مُسهر أكبر أَم أبو معاوية في الأعمش، قال: أبو معاوية. قال ابن عمار: سمعته يقول: كل حديث قلت فيه: حدثنا، فهو ما حفظته من في المحدث، وكل حديث قلت فيه: وذكر فلان، فهو مما قُرىءَ من كتاب. وقال أبو حاتم: أثبت الناس في الأعمش سُفيان، ثم أبو معاوية، ومُعتمر بن سُليمان أحب إلي من أبي معاوية في غير حديث الأعمش. وقال أحمد: أحاديثه عن هِشام ابن عُروة فيها اضطِراب. وقال ابن حَجَر: لم يَحْتَجَّ به البُخاري إلا في الأعمش، وله عنده عن هشام بن عُروة عدة أحاديث تُوبع عليها, وله عنده عن بُرَيْد بن أبي بُردة حديث واحد، تابعه عليه أبو أسامة عند التِّرْمِذِي، واحتج به الباقون.
روى عن: عاصم الأحْول، وأبي مالك الأشْجَعِيّ، وسعد، ويحيى ابني سعيد الأنْصَاريّ، والأعْمَش، وهشام بن عُروة، ومالك بن مِغْوَل، وحجاج بن أرْطاة، وسُهيل بن أبي صالح، وخلق كثير.
وروى عنه: إبراهيم، وابن جُرَيج وهو أكبر منه، ويحيى القطّان، وهو من أقرانه، وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهُويه، وأبو الوليد الطَّيالِسِيّ، وأبو بكر، وعثمان بن أبي شَيْبة، ومُسَدَّد، ومحمد بن سلام البِيكَنْديّ، وأبو كُريب، وخلق كثير.
مات سنة خمس وتسعين ومئة، وله اثنتان وثمانون سنة. وفي الرواة أيضًا أبو معاوية عُمر, وأبو معاوية شَيْبان. والكوفي في نسبه مر الكلام عليها في عبد الله بن أبي السَّفَر.
ومرّ الكلام على التَّمِيميّ في عبد الله بن المُبارك.
وأما السَّعْديّ فهو نسبة إلى سعد أبو بطن من تميم، وهو سعد بن زيد مَناة بن تَميم، وفي العرب سعود كثيرة سَعْد تميم هذا، وسَعْد بكر وهو سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبَة بن عكابة وهم الذين عَنَى طَرَفَةُ بقوله:
стр. 468
رأيْتُ سُعُودًا مِنْ شُعُوبٍ كثيرَةٍ ... فَلَمْ تَرَ عَيْني مثلَ سَعْدِ بنِ مَالِكِ
ومنهم سعد بن قَيْس عَيْلان، وسعد بن ذُبْيان بن بغيض، وسعد بن عَدِيّ بن فَزارة، وسعد بن بَكْر بن هَوَازِن، وهم الذين أرضعوا النبي ﷺ .
وفي بني أسَد سَعْد بن ثعلبة بن دودان، وسعد بن الحارث بن سعد بن مالك بن ثعلبة بن دودان، قال ثابت: كان بنو سَعْد بن مالك لا يُرى مثلُهم في برِّهم ووفائهم، وفي قُضَاعة سعد هذيم، ولما تحول الأضْبَط بن قُريع السَّعْديّ عن قومه وهم بنو سعد بن زيد مناة بن تميم المتقدم ذكرهم، وانتقل في القبائل، فلما لم يجدهم رجَعَ إلى قومه، وقال بكل واد بنو سعد.
الثاني: داوود بن أبي هند، واسمه دينار بن عُذَافِر -بضم مهملة وذال مخففة- ويقال: طهمان القُشَيريّ مولاهم أبو بكر، ويقال: أبو محمَّد البَصْريّ.
قال ابن عُيينة عن أبيه: كان يُفتي في زمان الحَسن، وقال ابن المُبارك عن الثَّوْريّ: هو من حفاظ البَصْريين. وقال عبد الله بن أحمد بن حَنبل عن أبيه: ثقة ثقة، قال: وسئل عنه مرة أخرى، فقال: مثلُ داود يُسألُ عنه؟ وقال ابن مَعين: ثقة، وهو أحب إليّ من خالد الحَذّاء. وقال العِجلي: بصري ثقة جيد الإِسناد، رفيع، كان صالحًا، وكان خياطًا. وقال أبو حاتم والنَّسائي: ثقة، وقال يعقوب بن شَيْبة: ثقة ثبت. وقال ابن حِبّان: روى عن أنس أحاديث خمسة لم يسمعها منه، وكان من خِيار أهل البصْرة من المُتقنين في الروايات إلا أنه كان يَهِمُ إذا حدث من حفظه. وقال ابن سَعْد: كان ثقة كثير الحديث. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن داود وعَوْف وقُرّة، فقال: داود أحب إلى، وهو أحب إلي من خالد الحذّاء وعاصم. وقال ابن خِراش: ثقة. وقال الأثْرَم عن أحمد: كان كثير الاضطراب والخلاف.
رأى أنس بن مالك وروى عن: عِكْرِمة، والشَّعْبيّ، وزُرارة بن أبي
стр. 469
أوفى، وأبي العالية، وسعيد بن المُسَيِّب، وسِماك بن حَرْب، وعاصم الأحْول، وغيرهم. قال الحاكم: لم يَصِحَّ سماعُه من أنس.
وروى عنه: شعبةُ والثوري، وابن جُريج، والحمّادان، وعبد الوارث بن سَعيد، وعبد الأعلي بن عبد الأعلى، ويحيى القطان، ويزيد ابن زُرَيع، ويزيد بن هارون، وغيرهم.
مات سنة تسع وثلاثين ومئة، وقيل: سنة أربعين.
وليس في الستة داود بن أبي هند سواه، وأما داود فكثير جدًّا، وليس في صحيح البخاري ذكر له إلا هذا الاستشهاد هنا.
والقُشَيْريّ في نسبه نسبة إلى قُشير كزُبَير أبو قبيلة من هَوَازِن، وهو قُشَير بن كَعب بن رَبيعة بن عامِر بن صَعْصَعة بن مُعاوية بن بكر بن هوازِن منهم الإِمام أبو القاسم القُشيريّ صاحب "الرسالة" وغيره، وقُشير وأخوه جَعدة أمهما رَيْطة بنت قُنفذ من بني سليم.
والبَصْريّ: تقدم الكلام عليه في شُعبة.
الثالث: عبد الأعلي بن عبد الأعلي بن محمَّد، وقيل: ابن شَراحيل البَصْريّ السّاميّ -بالمهملة- من بني سَامة بن لُؤي أبو محمَّد ويلقب أبا همام، وكان يغضب منه.
قال ابن مَعين وأبو زُرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال النَّسائي: لا بأس به. وذكره ابن حِبّان في "الثقات" وقال: كان متقنًا في الحديث قَدَرِيًّا غير داعية إليه. وقال العِجْليّ: بصري ثقة. وقال ابن خلفون: يقال: إنه سمع من سعيد بن أبي عَروبة قبل الاختلاط، وهو ثقة. وقال أحمد: كان يرى القَدَرَ. وقال ابن سَعْد: لم يكن بالقَويّ. وقال ابن أبي خَيْثَمة: حدثنا عبيد الله بن عمر، حدثنا عبد الأعلى، قال: فَرَغْتُ من حاجتي من سعيد بن أبي عَروبة قبل الطّاعون، يعني أنه سمع منه قبل الاختلاط.
стр. 470
روى عن حُميد الطّويل، ويحيى بن أبي إسحاق الحَضْرَميّ، وعبيد الله بن عُمر، وداود بن أبي هِند، وخالد الحَذّاء، وسعيد بن أبي عَروبة، وابن إسحاق، ومَعمر، وهشام الدَّسْتُوائِيّ، وغيرهم.
وروى عنه: إسحاق بن راهُويه، وأبو بكر بن أبي شَيْبة، وعلي بن المَدِينيّ، وأبو غسّان المَسْمَعيّ، وبُندار، وغيرهم.
مات، في شعبان سنة ثمان وتسعين ومئة.
وليس في الستة عبد الأعلي بن عبد الأعلى سواه، وأما عبد الأعلى فأحد عشر في "الصحيحين" ثلاثة بهذا.
والسّامِيّ في نسبه نسبة إلى سامة بن لؤي بن غالب أخو كعب الجد السادس للنبي ﷺ ، وقد اختلف فيه، فقال أبو الفَرَج الأصبهاني: إن قريشًا تدفع بني سَامة وتنسِبهم إلى أمهم نَاجِية، وروى بسنده إلى عَلِيّ ﵁ أنه قال: ما أعقب عمّى سامة. قال: الهَمْداني: يقول الناس: بنو سامة، ولم يُعقِب ذكرًا، إنما هم أولاد بنته، وكذلك قال عُمر وعلي، ولم يَفْرِضا لهم، وهم ممن حرم. قال ابن الكَلْبيّ والزُّبير بن بَكّار: فولد سامةُ بن لؤي الحارثَ وغالبًا، وإليهم ينسب إبراهيم بن الحَجّاج السَّامِيّ، روى عن الحَمّادين، وأبَان بن يزيد، وروى عنه أبو يَعْلى، وخلق، ومنهم محمَّد بن يونس بن موسى الكريمي، وعمه عُمر ابن موسى، وأبو فِراس محمَّد بن فِراس السّاميّ النّسابة، أخذ عن هشام ابن الكَلْبيّ، وصنف كتاب نسب بني سامة، روى عن ابن أخيه أحمد بن الهَيْثم بن فِراس، ومنهم خلق كثير، وسامة أيضًا محلة بالبصرة، وقريتان باليمن، والنسبة إلى الجمْع سَامِيّ.
الرابع الشَّعْبيّ، والخامس عبد الله بن عَمرو تَقَدَّما قريبًا في الإِسناد المتصل قبل هذا، ومر في الحديث الرابع من بدء الوحي الكلام على التعليق.
стр. 471
٥ - باب أي الإِسلام أفضل ؟
باب بالتنوين وفيه ما في الذي قبله، والترجمة من لفظ الحديث.
الحديث الرابع
١١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقِّرَشِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الإِسْلاَمِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ».
قوله: "قال: قالوا يا رسول الله" وعن مسلم: "قلنا" وعند ابن مَنْدة "قلت" فتعين أن السائل أبو موسى، ولا تَخَالُف بين الروايات، لأنه في الأخيرة صرح، وفي رواية مسلم أراد نفسه ومن معه من الصحابة، إذ الراضي بالسؤال في حكم السائل، وفي رواية البُخاري أبْهَمَ، وإياهم أراد.
قوله: "أي الإِسلام أفضل؟ " شرط أي أن تدخل على متعدد, وهو هنا محذوفٌ تقديره: أي ذوي الإِسلام أفضل، ويؤيده رواية مسلم: أي المسلمين أفضل، ومعمول أفضل محذوف، أي: من غيره، وتقديره "ذوي" أولى من تقدير "أي خصال الإِسلام"، لأن التقدير الأول يحصُلُ الجوابُ فيه بعين ما سُئِلَ عنه، والتقدير الثاني يحصُلُ الجواب فيه بصاحب الخَصْلة لا بالخَصْلة، فيحتاج إلى تأويل، وباقي الحديث مرّ الكلام عليه في الذي قبله.
رجاله خمسة:
الأول: سَعيد بن يَحْيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص بن أمية أبو عثمان الأُمَوِيّ البغْدادي.
قال علي بن المَدِيني: هو أثبت من أبيه. وقال يعقوب بن سفيان: هما
стр. 472
ثَبْتان الأب والابن. وقال النَّسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال صالح بن محمَّد: صدوق إلا أنه كان يَغْلَطُ وذكره ابن حِبّان في "الثقات" وقال: ربما أخطأ.
روى عن: أبيه، وعمه محمَّد، وعيسى بن يُونس، ووَكيع، وابن المُبارك، وعبد الله بن إدْريس، وجماعة.
وروى عنه: الجماعة سوى ابن ماجة، وروى النسائي في "مسند مالك" عن محمَّد بن عيسى بن شَيْبة عنه أيضا، وروى عنه أبو حاتم وأبو زُرعة وأبو يَعْلى المَوْصِلىّ، وأبو بَكر البَزّار، والمحَامِلِيّ، وهو آخر من حَدَّث عنه، وغيرهم.
مات للنصف من ذي القعدة سنة تسع وأربعين ومئتين.
وسعيد بن يَحْيى في الستة سواه ثلاثة: أبو عُثمان الواسِطِيّ، وأبو يحيى اللَّخْميّ الكوفي المعروف بسَعْدان، وأبو سفيان الحِمْيَريّ الحذّاء الواسِطِيّ، وأما سعيد فكثير.
والأُمَويّ مرَّ الكلام عليه في شُعيب بن أبي حَمْزة.
وأما البَغْداديّ فهو نسبة إلى بغداد المدينة المشهورة، وأول من اختطها أبو جعفر المنصور سنة أربعين ومئة، وتسمى مدينة السلام ودار السلام، وأنشد الخَفَاجِيّ:
وفي بَغْدَادَ سَادَاتٌ كِرَامٌ ... ولَكنْ بالسَّلَامِ بِلَا طَعَامِ
فمَا زَادُوا الصَّديقَ عَلَى سَلاَمٍ ... لِذلِكَ سُمِّيَتْ دَاَرَ السَّلاَمِ
ويُقال الذي بغداد: بغداذ بمُهملتين، ومعجمتين، وتقديم كل منهما، فهذه أربع لغات، واختار بعضهم بَغْدان بالنون، وبَغْذان، وبَغْدين، وبَغدام بالميم في آخره وهو اسم عجمي عربته العرب، قيل: بغ اسم صنم، وداد بستان، فتأويلها: بستان صنم. وقيل: تفسير بستان رجل، فبغ رجل، وداد بستان. وقيل: بغ اسم صنم لبعض الفُرس كان يعبده،
стр. 473
وداد رجل، وكان الأصْمَعِيُّ ينهى عن ذلك، ويقول: مدينة السلام.
وتَبَغْدَدَ الرجل: انتسب إليها، أو تشبه بأهلها على قياس وتَمَضَّر وتَقَيَّسَ وتَنَزَّر وتَعَرَّبَ.
الثاني: أبوه يحيى بن سعيد إلخ .. ما مر، أبو أيوب الأُموي الكُوفي الحافظ، نزل بغداد، لقبه: جمل.
قال الأثْرم عن أحمد: ما كنت أظن عنده الحديث الكثير، وقد كتبنا عنه، وكان له أخ له قَدْر وعلم، يقال له: عبد الله، ولم يُبَين أمر يحيى، كأن يقول: كان يصدق، وليس بصاحب حديث. وقال المَرْوَذِيّ عن أحمد لم تكن له حركة في الحديث. وقال أبو داوود عن أحمد: ليس به بأس، عنده عن الأعمش غرائب. وقال أبو داوود: ليس به بأس، ثقة. وقال يزيد ابن الهَيْثم عن ابن مَعين: هو من أهل الصدق، ليس به بأس. وقال الدُّورِيُّ وغيره عن ابن مَعين: ثقة. وقال النَّسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". أورده العُقَيْليّ في "الضعفاء" واستنكر له عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله: لا يَزَالُ المَسْرُوقُ مُتَغَيِّظًا حتّى يكونَ أعْظمَ إثْمًا من السَّارِقِ. وقال ابن سَعْد: كان ثقة، قليل الحديث.
روى عن: أبيه، ويحيى بن سَعيد، وسعيد بن سعيد الأنْصاريّ، وهِشام بن عُروة، والأعْمش، ومِسْعَر، وأبي بُرْدة، وعثمان بن حَكيم، وغيرهم.
وروى عنه: ابنه سعيد، وأحمد، وإسحاق، والحكم بن هِشام الثَّقفيّ وهو من أقرانه، وحُميد بن الرَّبيع، وآخرون.
مات سنة أربع وتسعين ومئة في النصف من شوال، وبلغ ثمانين سنة. ومر في ترجمة يحيى بن سعيد الأنْصاري أول حديث عدد مَنْ في الرواة من يحيى بن سعيد، وفي الستة أربعة مرّ ذكرهم هناك.
стр. 474
الثالث: بُرَيْد بن عبد الله بن أبي بُردة بن أبي موسى الأشْعَريّ أبو بُردة.
قال ابن مَعين والعِجْليّ: ثقة. وقال أبو حاتم: ليس بالمتين، يُكْتَب حديثه. وقال عَمرو بن علي: لم أسمع يحيى ولا عبد الرحمن يُحَدِّثان عن سفيان عنه بشيء قط. وقال النَّسائي: ليس به بأس. وقال ابن عَدِيّ: روى عنه الأئمة، ولم يرو عنه أحد أكثر من أبي أسامة، وأحاديثه عندي مستقيمة، وهو صدوق وأنْكَرُ ما روى حديث: "إذا أراد الله بأمة خيرًا قَبَضَ نبيها قبلَها". قال: وهذا طريق حسن، رواته ثِقات، وقد أدخله قوم في صحاحهم، وأرجو أن لا يكون به بأس، وقد قال النَّسائي في "الضعفاء" ليس بذلك القوي. وقال أحمد بن حَنْبل: يروي مناكير، وطلحة بن يَحْيى أحب إلي منه. وقال التِّرمِذيّ في "جامعه": وبُريد كوفي ثقة في الحديث، روى عنه شُعبة، وقال الآجُرِّيّ عن أبي داود: ثقة. وقال ابن حِبّان في "الثقات" يخطىء. وقال ابن عَدِيّ: سمعت ابن حَمّاد يَقُول: بريد بن عبد الله ليس بذلك القوي، أظنه ذكره البخاري.
قال ابن حَجَر احتج به الأئمة كلهم، وأحمد وغيره يطلقون المناكير على الأفراد المطلقة.
روى عن: جده، والحسن البَصْريّ، وعطاء، وأبي أيّوب صاحب أنس.
وروى عنه السفيانان، وحَفْص بن غياث، وأبو معاوية، ويحيى بن سعيد الأُمَويّ، وابن إدريس، وابن المُبارك، وأبو أسامة، وغيرهم.
مات سنة أربع وأربعين ومئة.
وللنَّسائي في "مسند علي" بريد بن أخْرَم روى عن عَليّ مُتَكلَّمٌ فيه، وفي الستة بُرَيْد بن أبي مَريم مالك بن رَبيعة السَّلُولِيّ البَصريّ، ويشتبه بُريد بالتصغير بِبَريد بفتح الباء جد عَلِيّ بن هاشِم وحديثه في "مسلم" قال العراقي:
стр. 475
جَدُّ عَلي بن هاشِمٍ بَرِيدُ ... وابْنُ حَفيدِ الأشعَرِي بُرَيْدُ
الرابع: أبو بُردة بن أبي موسى الأشْعريّ الفقيه، اسمه الحارث، وقيل: عامر، وقيل: اسمه كنيته.
قال ابن سَعْد: كان ثقة كثير الحديث. وقال العِجْلِيّ: كوفي تابعي ثقة. وقال ابن خِراش: صدوق. وقال مُرّة: ثقة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات".
ولي قضاء الكوفة بعد القاضي شُرَيح، وله مكارم ومآثر مشهورة، وكان أبو موسى تزوج في عمله على البَصرة طنية بنت دمون، وكان أبوها رجلًا من أهل الطائف، فولدت له أبا بُردة، فاسترضع له في بني فقيم في أهل الفرق وسماه أبو موسى عامرًا، فلما شبَّ كساه أبو شيخ بن الفرق بُرْدَتَين وغدا به على أبيه، فكَنَاه أبا بُردة، فذهب اسمه، وكان ولده بلال قاضيًا على البَصرة، وهم الذين يقال في حقهم: ثلاثة قضاة في نسق، فإن أبا موسى قضى لعمر ﵄ بالبصرة، ثم قضى بالكوفة في زمن عثمان ﵁. وبلال المذكور هو ممدوح ذي الرُّمة، وله فيه غُزَرُ المدائح، وفيه يقول مخاطبًا لناقته:
إذا ابنُ أبي مُوسى بِلاَلٌ بَلَغْتِهِ ... فَقَامَ بِفَاسٍ بَيْنَ وَصْلَيكِ جَازِرُ
وفيه يقول:
سَمِعْتُ النَّاسَ يَنتَجِعُون غَيْثًا ... فقُلْتُ لِصَيدَحَ انْتجِعِيِ بِلَالا
صيدح اسم ناقته، وكان بلال أحد نواب خالد بن عبد الله القَسْري، فلما عُزِل وولي موضعه يوسف بن عُمر الثَّقفي على العِراقين حاسب خالدًا ونوابه وعذبهم، فمات خالد من عذابه وبلال، وجَلَس أبو بُردة يومًا يفتخر بأبيه، ويذكر فضائله وصحبته لرسول الله ﷺ ، وكان في مجلس عام وفيه الفَرَزْدَق الشاعر، فلما أطال القول في ذلك أراد الفَرَزدق أن يَغُضَّ منه، فقال: لو لم يكن لأبي موسى مَنْقَبَة إلا أنه حَجَم رسول الله ﷺ لكفاه، فامتعض أبو بُردة من ذلك، ثم قال: صدقت، ولكنه ما حجم أحدًا قبله
стр. 476
ولا بعده، فقال الفرزدق: كان أبو موسى والله أفضل من أن يُجَرِّبَ الحِجَامة في رسول الله ﷺ ، فسَكَت أبو بُردة على غَيْظ.
وحُكِيَ أن أبا صفْوان خالد بن صفوان التَّمِيميّ الشاعر المشهور بالبلاغة، كان يدخل على بلال بن أبي بُردة المذكور، فيحدثه فَيَلْحن في كلامه، فلما كَثُر ذلك على بلال، قال له: يا خالد، تحدثني أحاديث الخلفاء، وتلْحَن لَحْن السقاءات يعني النساء اللواتي يسقين الماء للناس، فصار خالد بعد ذلك يأتي المسجد، ويتعلم الإِعراب، فكُفَّ بَصَرُه، فكان إذا مَرَّ به موكب بلال يقول: من هذا؟ فيقال: الأمير، فيقول خالد:
سَحَابةُ صَيفٍ عَنْ قَلِيلٍ تَقْشَعُ
فقيل ذلك لبلال، فقال: والله لا تَقْشَع حتى يصيبَك منها شُؤبوب، وأمر به، فضُرب مئتي سوط، وكان خالد كثير الهَفَوات لا يتأمل ما يقول ولا يفكر فيه وهو من ذرية عَمْرو بن الأهْتَم التَّمِيميّ الصحابي ﵁.
روى أبو بردة عن أبيه، وعلي، وحُذيفة، وعبد الله بن سَلَام، والأغَرَّ المُزَنِي، والمُغيرة، وعائشة، ومُحمد بن سَلَمة، وابن عُمر، وابن عَمرو، وعن عُروة بن الزُّبير وهو من أقرانه.
وروى عنه: أولاده سعيد وبلال، وحفيده أبو بُردة، والشَّعبيّ وهو من أقرانه، وعاصم بن كُلَيب، وجامع بن شَدّاد، وثابت البُناني، وأبو إسحاق الشَّيْباني، وحميد بن هِلال، وآخرون.
مات سنة أربع ومئة، وقيل: سنة ست، وقيل: سنة سبع، وقال ابن سعْد: مات هو والشَّعْبيّ سنة ثلاث ومئة في جُمُعَةٍ واحدة رحمهما الله تعالى.
وأبو بُردة في الستة سواه ثلاثة، حفيده المار قريبًا، وابن نِيَار البَلَويّ
стр. 477
الصحابي، والثالث عمر بن يزيد الكوفي روى عن عَلْقَمة بن مَرْثَد، وأبو بُرْدة في الصحابة سبعة.
الخامس: عبد الله بن قَيْس بن سليم بن حَضّار -بفتح الحاء المهملة وتشديد الضاد المعجمة- وقيل بكسر الحاء وتخفيف الضاد بن حَرْب بن عامر بن غنم بن بكر بن عامر بن وائل بن ناجية بن الجماهر بن الأشْعر أبو موسى الأشْعَريّ مشهور باسمه وكنيته معا، والأشْعَر هذا المراد به الأشعر ابن أُدَد بن زيد بن كَهْلان، وقيل: المراد به الأشْعَر بن سبأ أخو حِمْير بن سبأ، وأمه ظبية بنت وهَبْ من عُكّ، أسلمت وماتت بالمدينة.
وكان هو سكن الرَّمْلة وحالف سعيد بن العاص، ثم أسلم وهاجر إلى الحبشة، وقيل: بل رَجَع إلى بلاد قومه، ولم يُهاجر إلى الحبشة، وهذا قول الأكثر، فأقام في أرض قومه حتى قدم مع وفد من الأشْعَرِيِّين نحو خمسين رجلًا في سفينة، فألقتهم الريح إلى أرض الحبشة، فوافَقوا خروج جَعْفر وأصحابه منها، فأتوا معهم، وقدمت السفينتان سفينة الأشْعَرِيّين وسفينة جَعْفر وأصحابه على النبي ﷺ في حين فتح خَيْبر، وقد قيل: إن الأشعريين لما رمتهم الريح إلى النَّجاشيّ أقاموا بها مدة، ثم خَرَجوا في حين خروج جَعْفر، فلهذا ذكره ابن إسحاق فيمن هاجر إلى أرض الحبشة.
ولاه رسول الله ﷺ مخالِيف اليمن زَبِيد وعَدَن وأعمالهما إلى الساحل، وولاه عمر البصرة في حين عَزَل المغيرة عنها فلم يَزَل عليها إلى صدر من خلافة عثمان، فعَزَلهُ عثمان عنها، وولاها عبد الله بن عامر بن كُرَيْز، فنزل أبو موسى حينئذٍ بالكوفة، وسكن بها، فلما دفع أهل الكوفة سعيد بن العاص ولَّوْا أبا موسى، وكتبوا إلى عُثمان يسألونه أن يوليه عليهم، فأقره عثمان على الكوفة إلى أن مات، فعزله علي بن أبي طالِب ﵁ عنها، فلم يزل واجدًا منها على علي حتى جاء منه ما قال حذيفة: قال ابن عبد البَرِّ: رُوِي فيه لحُذيفة كلام كَرهت ذكره، وغلب أهل
стр. 478
اليمن عليًّا في إرساله في التحكيم، ثم كان من أَمره يوم التحكيم ما كان، وهو الذي افتتح في زمن عمر الأهْواز ثم أصْبهان.
وأخرج الطَّبَريّ من طريق عبد الله بن بُريدة أنه وصف أبا موسى، فقال: كان خفيفَ الجسم، قصيرًا ثَطًّا، أي: خفيف شعر اللحية والحاجبين، ويقال لثقيل البطن أيضًا.
وأخرج البَغَويّ عن أنس كان لأبي موسى سَراويل يَلْبَسُها بالليل مخافة أن ينكشِف، وقال مجاهد عن الشَّعبيّ: كتب عمر في وصيته: لا يُقَرُّ لي عامل أكثر من سنة، وأقروا الأشعري أربع سنين، كان حسن الصوت بالقرآن، ففي الصحيح مرفوعًا لقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود.
وقال أبو عثمان النَّهديّ: ما سمعت صوت صَنْجٍ بالفتح ولا بَرْبطٍ كجعفر، أحسن من صوت أبي موسى بالقرآن، والصَّنج والبَرْبَط آلتان من آلات اللهو، وكان عُمر إذا رآه قال له: ذكرنا ربنا يا أبا موسى، وفي رواية شَوِّقْنا إلى ربنا، فيقرأُ عنده. وكان أبو موسى هو الذي فَقَّه أهل البصرة وأقْرَأهم.
وقال الشَّعْبيّ: انتهى العلم إلى ستة فذكره فيهم، خلاف قول مسروق، وتقدم الكلام عليهم في ترجمة عبد الله بن مسعود، وقال ابن المَدِينيّ: قضاة الأمة أربعة: عمر وعلي وأبو موسى وزَيْد بن ثابت.
وأخرج البخاري من طريق أبي التَّيّاح، عن الحسن، قال: ما أتاها -يعني البصرة- راكب خيرٌ لأهلها منه، قدم المدينة في اليمن لما مات النبي ﷺ ، وشهد فتوح الشام، ووفاة أبي عُبيدة بالأُرْدُنّ، وخُطبة عُمر بالجابية، وقدم على معاوية بدمشق.
له ثلاث مئة وستون حديثًا اتفقا على خمسين منها، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة عشر.
روى عن النبي ﷺ ، والخلفاء الأربعة، ومعاذ، وابن مسعود، وأُبيّ
стр. 479
ابن كعب، وعمار.
وروى عنه أولاده موسى، وإبراهيم، وأبو بكر، وامرأته أم عبد الله، وروى عنه من الصحابة أنس، وأبو سعيد، وطارق بن شِهاب، وخلق من التابعين منهم زيد بن وَهْب، وسعيد بن المُسَيِّب، وأبو عُثمان النَّهْديّ، وزِرّ بن حُبَيش، وغير ذلك.
مات بمكة أو بالكوفة سنة خمس أو إحدى أو أربع وأربعين عن ثلاث وستين سنة.
وأبو موسى في الصحابة سواه ثلاثة الأنْصاريّ، والحَكَمِيّ، والغَافِقيّ مالك بن عُبادة، وقيل: ابن عبد الله، وأبو موسى في الستة أحد عشر بالأشْعريّ هذا إسرائيل، والحَذّاءان، والعَنَزِيّ، ومالك بن الحارث، وعمرو بن عُبيد، والهِلاليّ، وعَليّ بن رَباح اللَّخمي، والذي روى عن ابن أبي مريم عن أبي هُريرة في السلام، وشيخ يماني.
والأشْعَريّ في نسبه نسبة إلى جده المار في نسبه، واسمه نَبْت بن أدد على الصحيح، أبو قبيلة: من اليمن، لُقِّب بذلك لأن أمه ولدته وعليه شعر، وإليه ينسب مسجد الأشاعرة بمدينة زَبِيد، ومنهم أبو الحَسن الأشعَرِيّ المتكلم صاحب التصانيف، وقد نسبَ إلى طريقته خلق من الفُضَلاء، ويُجمعُ الأشْعريّ بتخفيف ياء النسبة، كما يقال: قوم يمانون، فيقال: جاءتك الأشعرون بحذف ياء النسب.
لطائف إسناده: منها أن رجال سنده كلهم كُوفيون، وفيه التحديث والعنعنة فقط، وفيه راويان متَّفِقان في الكُنية أحدهما أبو بُرْدة بُريد، والآخر أبو بُردة عامر أو الحارث كما مر، وهو شيخ الأول، وجده، وقد مرّ في الحديث الثاني من بدء الوحي رواية الآباء عن الأبناء والعكس.
стр. 480
أخرج هذا الحديث من هذا الوجه مسلم بلفظه، وأخرجه أيضًا عن إبراهيم بن سعيد الجَوْهَرِيّ، وأخرجه في الإِيمان, والنَّسائي فيه أيضًا، والتِّرْمِذيّ في الزهد.
стр. 481
٦ - باب إطعام الطعام من الإسلام
باب منون، وفيه ما في الذي قبله، وترجم هنا بقوله: إطعام الطعام، ولم يَقُل: أيُّ الإِسلام خير كما في الذي قبله إشعارًا باختلاف المقامين، وتعدد السؤالين كما سنقرره، والمؤلف لما استدل على زيادة الإِيمان ونقصانه بحديث الشُّعَب تتبع ما ورد في القرآن والسنن الصحيحة من بيانها فأورده في هذه الأبواب تصريحًا وتلويحًا.
الحديث الخامس
١٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - رضى الله عنهما - أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَيُّ الإِسْلاَمِ خَيْرٌ؟ قَالَ «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ».
[الحديث ١٢ - طرفاه في: ٢٨، ٦٢٣٦].
وقوله: "أن رجلًا" قال في "الفتح": لم أعرف اسمه، قال: وفي "ابن حبان" أن هانىء بن مَرْثَد والد شُريح سأل عن معنى ذلك فأُجيب بنحو ذلك.
وقوله: "أيُّ الإِسلام خَير؟ " فيه ما في الذي قبله من السؤال والتقدير، ويقدر هنا: أي خِصال الإِسلام لموافقة الجواب الذي هو تطعم الطعام لهذا المقدر، ولأن تنويع التقدير يتضمن جواب من سأل، فقال: السؤالان بمعنى واحد، والجواب مختلف، فيقال له: إذا لاحظت هذين التقديرين بان لك الفرق، ويمكن التوفيق بأنهما متلازِمان، إذ الإِطعام مستلزم لسلامة اليد، والسلام لسلامة اللسان في الغالب، ويحتمل أن يكون الجواب اختلف لاختلاف السؤال عن الأفضلية إن لوحظ بين لفظ أفضل ولفظ خير فرق فإنَّ الفضل بمعنى كثرة الثواب في مقابلة القلة، والخير بمعنى النفع في مقابلة الشَّر، فالأول من الكمية، والثاني من
стр. 482
الكيفية، فافترقا، وعلى تقدير اتِّحاد السؤالين، فالجواب هو العمل على اختلاف حال السائلين أو السامعين، فيمكن أن يُراد في الجواب الأول تحذير من خُشِيَ منه الإِيذاء بيدٍ أو لسان، فأُرْشِد إلى الكفِّ، وفي الثاني ترغيب من رُجِي منه النفع العام بالفعل والقول، فأرشد إلى ذلك، وخَصَّ هاتين الخصلتين بالذكر لمسيس الحاجة لهما في ذلك الوقت لما كانوا فيه من الجَهْد، ولمصلحة التألف، ويدُلُّ على ذلك أنه ﵊ حَثَّ عليهما أول ما دخل المدينة، كما رواه التِّرمِذيّ وغيره مصححًا عن عبد الله بن سَلام، قال: أول ما دَخَل رسول الله ﷺ المدينة انْجَفَل الناس إليه، فكنت ممن جاءه، فلما تأملت وجهه واشتبهته علمت أن وجهه ليس بوجه كذاب، وكان أول ما سمعت من كلامه أن قال: "أيُّها الناس، أفشوا السَّلام، وأطْعموا الطّعام، وصلُّوا بالليل والناس نِيام، تدخُلوا الجنّة بسلام".
وقوله: "تطعم الطعام" في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف بتقدير أنْ، أي: هو أن تُطعم الطعام، فأن مصدرية، والتقدير هو إطعام الطعام على حد: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، وإنما قال: تطعم، ولم يقل: تُؤْكِل ونحوه لأن لفظ الإِطعام يتناول الأكل والشُّرب والذَّوق، قال الشاعر:
وإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساء سِواكُمُ ... وإنْ شِئتِ لَم أطْعم نُقَاخًا ولاَ بَرْدا
والنُقاخ بضم النون وبالخاء المعجمة الماء العذب، والبَرْد: النَّوم، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ أي: لم يذُقه، وبعمومه يتناول الضيافة، وسائر الولائم، وإطعام الفقراء، وغيرهم.
وقوله: "وتَقرأ السّلام على مَن عَرَفْت ومَن لم تَعْرِف" تَقرأ بفتح التاء، وضم الهمزة، مضارع قرأ، ولم يقل: وتُسَلِّم ليتناول سلام الباعث بالكتاب المتضمن للسلام، تقول: اقرأ ﵇، ولا تقول: أقْرِئْه السلام، فإذا كان مكتوبًا، قلت: أقرئْه السلام، أي: اجعله يقرأه.
стр. 483
وقوله: "ومَن لَم تَعْرِف" أي: لا تخص به أحدًا تكبُّرًا أو تَصنُّعًا كما يفعله الجبابرة, لأن المؤمنين كلهم إخوة متساوون في مراعاة الأُخوَّة، والعموم مخصوص بالمسلمين، فلا يُسَلَّم ابتداءً على كافر، لقوله ﷺ : "لا تَبْدؤُوا اليَهود ولا النّصارى بالسلام، فإذَا لَقِيتم أحَدَهُم في الطّريق فاضْطَّروه إلى أضْيَقِهِ" أخرجه مسلم والبخاري في "الأدب المفرد".
وكذلك خُصَّ منه الفاسق بدليل آخر، وأما من يُشَكُّ فيه، فالأصل فيه البناء على العموم، حتى يثبت الخصوص، ويأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في كتاب الاستئذان، وقد استوفيت الكلام عليه غاية الاستيفاء في كتاب "متشابه الصفات".
وفي قوله: "عرفت" ومن لم تعرف حذف العائد للعلم به، أي عرفته، ومن لم تعرفه، وفي هاتين الخصلتين الجمع بين نوعي المكارم المالية والبدنية، إطعام الطعام، وإفشاء السلام.
رجاله خمسة:
الأول: عمرو بن خالد بن فرُّوخ بن سعيد بن عبد الرحمن بن واقد بن ليث بن واقد بن عبد الله التَّميميّ الحَنْظليّ، ويقال: الخزاعي أبو الحسن الحَرّاني الجَزَريّ نزيل مصر.
قال أبو حاتم: صدوق. وقال العِجليّ: مِصري ثبت ثقة. وقال الدَّارَقُطني: ثقة حجة. وقال مَسْلمة: ثقة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات" وفي "الزهرة".
روى عنه: البخاري ثلاثة وعشرين حديثًا.
روى عن: زهير بن مُعاوية، واللَّيث، وابن لَهيعة، وحمّاد بن سَلَمة، ومحمد بن سَلَمة الحَرّانيّ، وعبيد الله بن عُمر، وموسى بن أعْيَن، ويعقُوب بن عبد الرحمن وغيرهم.
стр. 484
وروى عنه: البخاري، وروى ابن ماجة عن الذُّهليّ عنه، وابناه أبو علاثة: محمَّد، وأبو خيثمة علي، وعبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، ويونُس بن عبد الأعْلى، وأبو حاتم، وأبو زُرعة، وأبو الأحْوص، وأبو الزّنباع رَوْح بن الفرج، وغيرهم.
مات بمصر سنة تسع وعشرين ومئتين.
ومر الكلام على التَّميميّ والحَنْظليّ في عبد الله بن المُبارك، وعلي الجزريّ في عدي بن عَدِيّ.
والحَرّانيّ في نسبه نسبة إلى حرّان كَشدّاد مدينة عظيمة من ديار مصر، واليوم خراب، وقيل: من ديار بكر، وقيل: من ديار الشام، وقيل: سميت بهاران أبي لُوط وأخي إبراهيم ﵉، والنسبة إليها على الأفصح حَرْنانيّ على غير قياس، كما قالوا: مناني بالنسبة إلى ماني والقياس مَانوي، ولا تقل: حرّاني، وإن كان قياسًا على ما عليه العامة.
والخُزاعيّ في نسبه نسبةً إلى خُزاعة بلا لام، حي من الأزْد ولد حارثة ابن عَمرو مُزَيْقِيا ابن عامر وهم ماء السماء ربيعة وهو لحي وأقصى وعديا وكعبًا وهم خُزاعة، وأمُّهم بنت أُدّ بن طابِخة بن الياس بن مُضَر، فولد ربيعة عَمْرًا وهو الذي بَحَر البَحيرة، وسَيَّب السائبة، ووَصل الوصيلة، وحمى الحامي، ودعا العرب إلى عبادة الأوثان، وهو خُزاعة، وأمه فُهَيْرة بنت عامر بن الحارث بن مصاص الجُرْهُميّ ومنه تفرقت خُزاعة، وإنما صارت الحِجابة إلى عمرو بن ربيعة من قبل فُهَيْرة الجُرْهُميّة، وكان أبوها آخر من حَجب من جُرْهُم، وقد حَجَب عمر، وسموا خزاعة لأنهم لما ساروا مع قومهم من مأرِب فانتهوا إلى مكة، تخَزّعوا عن قومهم، وأقاموا بمكة، وسار الآخرون إلى الشام، وقيل: إن الأزد لما خرجت من مكة لتتفرق في البلاد تخلفت عنهم خُزاعة وأقامت بها، وفي ذلك يقول حسان:
فلَمّا هَبَطنَا بَطْنَ مُرٍّ تَخَزّعت ... خُزَاعةُ عَنّا في حُلُولِ كَراكِرِ
وقيل: إنه لعدن بن أيوب الأنصاري.
стр. 485
الثاني: الليث بن سعد، وقد مر في الثالث من بدء الوحي.
الثالث: يزيد بن أبي حبيب، واسمه سُويد الأزديّ مولاهم، أبو رجاء المِصري، وقيل غير ذلك في ولائه.
قال ابن سعد: كان مُفتي أهل مصر في زمانه، وكان حليمًا عاقلًا، وكان أول من أظهر العلم بمصر، والكلام في الحلال والحرام، وكانوا قبل ذلك يتحدثون بالملاحم والفتن، وكان أحد الثلاثة الذين جعل فيهم عمر ابن عبد العزيز ﵁ الفتيا بمصر، وقال: كان يزيد من أهل دُنْقُلة فابتاعه شريك بن الطُّفَيُل العامِرِيّ، فأعتقه. وقال ابن سعد أيضًا: كان ثقة، كثير الحديث. وذكره ابن حِبّان في "الثقات" وقال يونُس: روى عنه الأكابر من مصر. وقال يحيى بن بُكَير: اسمه خليفة، وسُئِل موسى الجُهَنيّ: أيُّهُما أحبُّ إليك؟ فقال يزيد قال: وسئل أبو زُرعة عن يزيد، فقال مصري ثقة، وقال العجليّ: مصري تابعي ثقة، وقال اللّيث: حدثنا يزيد بن أبي حبيب، وعبد الله بن جعفر، وهما جَوْهَريّا البلد، وقال ابن وَهْب لو جُعلا في ميزان ما رَجَح أحدهما على الآخر.
روى عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزُّبَيديّ، وأبي الطُّفَيل، وأسلم ابن يزيد أبي عِمْران، وإبراهيم بن عبد الله بن حُنَين، وخَيْر بن نُعَيم بن الحَضْرَميّ، وعطاء بن أبي رَباح، وخلق كثير.
وروى عنه: سليمان التَّيْميّ، ومحمد بن إسحاق، وزيد بن أبي أُنَيْسة، وعمرو بن الحارث، والليث بن سعد، وحياة بن شُرَيْح، وآخرون.
مات سنة ثمان وعشرين ومئة، وبَلَغَ زيادة على خمس وسبعين سنة.
ومرّ الكلام على الأزْديّ في السادس من بَدْء الوحي.
وليس في الستة يزيد بن أبي حَبيب سواه، وأما يزيد فكثير جدًّا.
الرابع: مَرْثَد بن عبد الله اليَزَنيّ أبو الخير المِصْري الفقيه.
стр. 486
قال بان يُونس: كان مفتي أهل مصر في زمانه، وكان عبد العزيز بن مَرْوان يُحضِرُه فيُجلِسُهُ في مجلسه للفتيا، وذكره ابن حِبّان في "الثقات" وقال العِجْليّ: مصري تابعي ثقة. وقال ابْن سعد: كان ثقة وله فضلٌ وعبادة. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال ابن معين: كان عند أهل مصر مثل عَلْقمة عند أهل الكوفة، وكان رجل صدق، ووثَّقه يعقوب بن سُفيان.
روى عن: عُقبة بن عامر الجُهنِيّ، وكان لا يفارقه، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي أيوب الأنصاري، وأبي بَصْرة الغفاري، وزيد بن ثابت، وغيرهم.
وروى عنه يزيد بن أبي حبيب، وجَعْفر بن ربيعة، وكعب بن عَلْقمة، وعبد الرحمن بن شِماسَة، وعبيد الله بن أبي جَعْفر، وغيرهم.
مات سنة تسعين.
ومَرْثَد في الستة غيره أربعة: مرثَد بن عبد الله الزِّمّاني -بكسر الزاي وتشديد الميم- روى عن أبي ذَرٍّ، وعنه ابنه مالك. ومَرْثَد بن أبي مَرثد الغَنَويّ -بفتح المعجمة والنون- شهد بدرًا، وأحدًا، وقتل يوم الرَّجيع، روى حديثه عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده. ومَرْثَد بن وَداعة الحِمصِيّ أبو قُتيلة -بضم القاف- روى عن عبد الله بن حَوالة، وعنه خالد ابن مَعْدان. قال البُخاريّ: له صحبة، وقال أبو حاتم: لا صحبة له، وذكره ابن حِبّان في ثقات التابعين. ومَرْثد بن عبد الله المَرْوَزِيّ.
واليَزَنيّ: بفتح الياء آخر الحروف، بعدها زاي معجمة، بعدها نون في نسبه نسبة إلى ذي يَزَن، وهو عامر بن أسلم بن غَوْث بن سَعد بن عَوْف ابن عَدِيّ بن مالك بن زيد بن سدد بن زرعة بن سبأ الأصْغر، وابنه شَرَاحيل، ويلقب سيفًا لشجاعته، مشهور ومن ولده زُرعة بن عامر بن سَيْف بن النُّعمان بن عُفير الأوسط بن زُرعة بن عُفَير الأكبر بن الحارث بن النُّعمان بن قيس بن عبد بن سيف بن ذي يَزَن، كتب إليه رسول الله ﷺ ، وابنُه عُفَير من مهاجرة الشام، وإلى ذي يَزَن تنسب الأسِنَّة اليَزَنيّة، وهو
стр. 487
أول من عمل سنان الحديد، وكان أسِنَّتهم صياصي البقر، ويزن أصله وادٍ حماه الملك، فلذلك قيل له: ذو يزن، كما قالوا: ذو رعين وذو وجدن وهما قصران باليمن.
الخامس: عبد الله بن عَمرو بن العاص، ومر قريبًا في الثالث من كتاب الإِيمان هذا.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة ليس إلا، ورواته كلهم مِصريون، وهذا من الغرائب، لأنه في غاية القِلَّة، ورواته كلهم أئمة أجلاء.
أخرجه البخاري هنا، وأخرجه بعد هذا بأبواب عن قُتيبة بن سعيد، وفي الاستئذان أيضًا عن أبي يوسف، ومسلم في الإِيمان عن قُتيبة بن سعيد، والنَّسائي في الإِيمان, وأبو داود في الادب، وجميعًا عن قُتيبة، وابن ماجة في الأطعمة عن محمَّد بن رمح.
٧ - باب من الإِيمان أن يُحبَّ لأخيه ما يُحبَّ لنفسهِ
باب بالتنوين، أي هذا باب، أو بالوقف، وقدم في هذه الترجمة لفظ الإِيمان بخلاف أخواتها، حيث قال: إطعام الطعام من الإِيمان، إما للاهتمام بذكره، أو للحصر، كأنه قال: المحبة المذكورة ليست إلا من الإِيمان، وهو توجيه حسن إلا أنه يَرِدُ عليه أن الذي بعده أليق بالاهتمام والحصر معًا، وهو قوله: باب حب الرسول من الإِيمان، فالظاهر أنه أراد التنويع في العبارة أو يقال: بأنه اهتم بحب الرسول، فقدمه، والترجمة من لفظ الحديث يأتي الكلام عليها.
الحديث السادس
١٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّد، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَعَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ».
стр. 488
أورد هذا الحديث بطريقين، عاطفًا إحداهما على الأخرى، وهي: وعن حسين المعلم، فإنه معطوف على شعبة، والتقدير عن شعبة وحسين، كلاهما، عن قتادة، وإنما لم يجمعهما لأن شيخه أفردهما، فأورده المصنف معطوفًا اختصارًا، ولأن شعبة قال: عن قتادة، وقال حسين: حدثنا قتادة، وغلط من زعم أن رواية حسين معلقة، فإن أبا نُعَيم في "المستخرج" وصلها عن مُسَدَّد، وصرح أحمد والنَّسائي في روايتهما بسماع قتادة له من أنس، فانتَفَت تهمة تدليسه.
وقوله: "لا يُؤْمِنُ أحدُكُم" وللأصِيْلِيّ "أحدٌ" ولابن عَساكر "عبدٌ" وكذا لمسلم، والمنفي كمال الإِيمان، ونفي اسم الشيء على معنى نفي الكمال عنه مستفيض في كلامهم، كقولهم: فلان ليس بإنسان، ولا يلزم على هذا أنَّ من اتصف بهذه الخصلة يكون مؤمنًا كاملًا، وإن لم يأت ببقية الأركان, لأن هذا ورد مورد المبالغة، أو يستفاد من قوله: لأخيه المسلم ملاحظة بقية صفات المسلم، وقد صرح ابن حِبّان عن حُسين المعلم بالمراد، ولفظه: "لَا يَبْلُغُ عبدٌ حقيقةَ الإِيمان" ومعنى الحقيقة هُنا الكمال ضرورة أنَّ لم يَتَّصِف بهذه الصفة لا يكون كافرًا، وبهذا يَتِمُّ الاستدلال للمصنف على أنه يتفاوت، وأن هذه الخصلة من شُعَبِ الإِيمان، وهي داخلة في التواضع على ما نقرره قريبًا.
وقوله: "حتى يُحبَّ" بالنصب، لأن حتى جارّة، وأَنْ بعدها مضمرة، ولا يجوز الرفع فتكون حتى عاطفة، فلا يصحُّ المعنى، لأن عدم الإِيمان ليس سببًا في المحبة.
وقوله: "ما يُحبُّ لنفسه" جملة محلها النصب مفعول به، أي: من الخير، وهو مصَّرحٌ، به في رواية الإِسماعيلي الآتية، وغيره، والخير كلمة جامعة تَعمُّ الطاعات والمباحات الدنيوية والأخروية، وتخرج المنهيات لأن اسم الخير لا يتناولها، والمحبة إرادة ما يعتقده خيرًا.
قال النَّوويّ: المحبة: الميل إلى ما يُوافق المحب، وقد تكون
стр. 489
بحواسه كحسن الصورة، أو بفعله، إما لذاته كالفضل والكمال، وإما لإِحسانه كجلب نفع ودفع ضُرٍّ، والمراد بالميل هُنا الاختياري دون الطّبيعيّ والقَسْريّ، والمُراد أيضًا أن يُحِبّ أن يَحْصُل لأخيه نظير ما يحصُلُ له، سواء كان في الأمور المحسوسة أو المعنوية، وليس المراد أن يَحْصُلَ لأخيه ما حصل له، لا مع سلبه عنه، ولا مع بقائه بعينه له، إذ قيام الجوهر أو العَرَض بمحلين مُحال.
وقال أبو الزِّناد بن السَّرّاج: ظاهر هذا الحديث طلب المساواة، وحقيقته تستلزم التفضيل، لأن كل أحد يُحِبُّ أن يكون أفضل من غيره، فإذا أحب لأخيه مثله، فقد دخل في جملة المفضولين.
وقال في "الفتح": في هذا نظر، لأن المراد الزَّجر عن هذه الإِرادة، إذ المقصود الحث على التواضع، فلا يُحِبُّ أن يكون أفضل من غيره، فهو مستلزم للمساواة، ويستفاد ذلك من قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: ٨٣] ولا يَتِمُّ ذلك إلا بترك الحسد والغِلِّ والَغِشِّ والحقد، وكلها خِصال مذمومة، ومن الإِيمان أيضًا أن يُبْغِض لأخيه ما يُبْغِض لنفسه من الشر، ولم يذكره لأن حب الشيء مستلزم لبغض نقيضه، فترك التنصيص عليه اكتفاء، ويحتمل أن يكون قوله: "أخيه" شاملًا للذِّمِّي أيضًا، بأن يحب له الإِسلام مثلًا، ويؤيده حديث أبي هُريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: "مَنْ يأخُذُ عني هؤلاء الكلماتِ فَيَعملَ بِهِنَّ، أو يُعَلِّمَ من يعملُ بهن" فقال أبو هريرة، قلت: أنا يا رسول الله، فأخذ بيدي، فعد خمسًا، قال: "اتَّقِ المحارِمَ تكن أعبدَ النّاس، وارضَ بما قَسَمَ الله لك تَكُن أغنى الناس، وأحْسِنْ إلى جارِك تكن مؤمنًا، وأحِبَّ للناس ما تُحِبُّ لنفسك تكن مسلمًا" الحديث. رواه التِّرمذي وغيره من رواية الحسن، عن أبي هُريرة، لكن الحسن قال عن الترمذيِّ: إنه لم يَسْمعَ من أبي هُريرة، ورواه البَزّار والبَيْهَقيُّ بنحوه في الزُّهد عن مَكْحول
стр. 490
عن واثِلة عنه، وقد سمع مكحول من واثِلة، لكن قال التِّرْمِذيُّ وغيره: إن بقية إسناده فيه ضَعْف، ووجه الاستدلال به هو قوله: "وأحِبّ للناس، فإن الناس تَشْمَل الكفار, فَيُراد منهم الذِّمّي, لأنه هو الذي له معاملة مع المسلمين، اللهم إلا أن يقال: إن الناس المراد بهم المسلمون خاصة، كما مر عند حديث "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده".
تنبيه: المتن الذي ساقه البُخاري هُنا هو لفظ شُعبة، وأما لفظ حسين من رواية شعبة التي ذكرها فهي: "لا يؤمن عبدٌ حتى يُحِبَّ لأخيه ولجاره" وللإِسماعيلي عن حُسين: "حتى يُحِبَّ لأخيه المسلم ما يُحِبُّ لنفسه من الخيرِ" فبين المراد بالأخوة، وعين جهة الحب، وزاد مسلم في أوله: "والذي نفسي بيده".
ورجال الطريقين ستة:
الأول: مُسَدَّد بن مُسَرْهَد بن مُسَرْبل بن مُغَربل بن مُرَعبل بن أرَنْدل بن سَرَنْدل بن عَرَنْدل بن ماسِك بن مُستورد البَصْريّ الأسدي أبو الحسن الحافظ، قيل: اسمه عبد الملك بن عبد العزيز.
قال يَحيى بن سعيد القطان: لو أتيت مسدّدًا فحدثته في بيته لكان يَستاهل، وما أبالي كتبي كانت عندي أو عند مُسَدّد. وقال البخاري: هو مُسَدّد كاسمه، وقال أبو زُرعة: قال لي أحمد بن حَنْبل: مسدد صدوق فيما كتبت عنه، فلا تعده. وقال المَيْمُوني: سألت أبا عبد الله الكتاب إلى مُسَدّد، فكتب لي إليه، وقال: نعم الشيخ، عافاه الله. وقال جعفر بن أبي عُثمان: قلت لابن مَعين: عَمَّن أكتب بالبصرة، فقال: اكتب عن مُسَدّد، فإنه ثقة ثقة. وقال مُحمد بن هارون الفَلّاس عن ابن مَعين: صدوق. وقال النّسائي: ثقة. وقال العِجْليّ: مُسَدَّد بن مُسَرْهد بن مُسَربل بن مستورد الأسَديّ البَصْريّ ثقة، كان يُملي علي حتى أضْجَر، قال: يا أبا الحسن اكتب، فيُملي علي بعد ضَجَري خمسين حديثًا. قال: فأتيت في الرحلة الثانية، فأصبت عليه زِحاما، فقلت: قد أخَذْتُ بحظّي منك،
стр. 491
قال: وكان أبو نُعيم يسألني عن نَسَبِه، فأخبره، فيقول لي: يا أحمد، هذه رُقْيَةُ العقرب. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: ثقة. وقال أبو حاتم الرّازِيّ في حديث مُسَدّد، عن يَحْيى بن سعيد، عن عُقبة، عن نافع، عن ابن عمر: الدنانير، ثم قال: كأنك سمعتها من في النبيّ ﷺ . وقال ابن قانِع: كان ثقة. وقال ابن عَديّ: يقال: إنه أول من صَنَّفَ المسند بالبصرة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات".
فالخمسة الأولى على لفظ صيغة اسم المفعول وهي عربية، فمُسَدّد من التسديد، ومُسَرْهد من سَرْهَدْتُه: أحسنت غِذاءه، وسمنته، ومُسَرْبل من سَرْبلْتُه، أي: ألبسته القميص، ومُغَرْبل من غربلته، أي: نقيته، ومُرَعْبل من رَعْبَلتُه: أي: مزقته وقطعته، والثلاثة التي تليها عجميات.
روى عن عبد الله بن يَحيى بن أبي كثير، وهُشَيم، ويزيد بن زُرَيع، وفُضَيل بن عِياض، وجُوَيرة بن أسماء، وعبد الواحد بن زياد، وعبد الوارث، ومُعتمر بن سليمان، ووكيع، والقطّان، وابن علية، وخلق.
وروى عنه: البُخاري، وأبو داود، وروى له أبو داود أيضًا، والترمذي، والنسائي، بواسطة محمَّد بن محمَّد بن خلاد الباهِلِيّ، وأبو زُرعة وأبو حاتم الرّازِيّان، ومحمد بن يحيى الذُّهْليّ، ويعقوب بن سُفيان، ويعقوب بن شَيبَة، وأبو خليفة وغيرهم.
وليس في الستة من اسمه مُسَدّد سواه، مات سنة ثمان وعشرين ومئتين.
والبَصْريّ في نسبه مر الكلام عليه في ترجمة شُعبة بن الحَجّاج، والأسَديّ في نسبه نسبة إلى أسد بالتحريك، وهو اثنان: أسد بن خُزَيْمة بن مُدْرِكة بن إلياس بن مُضَر أبو قبيلة عظيمة من مُضر، وأسد بن رَبيعة بن نِزار بن مَعد بن عدنان أبو قبيلة أخرى.
الثاني: يحيى بن سعيد بن فَرُّوخ -بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة
стр. 492
وفي آخره خاء معجمة غير منصرف للعلمية والعجمةَ- القطان التَّميْميّ ولاءً أبو سعيد البصري الأحول، الحافظ الإِمام الحجة، أحد أئمة الجرح والتعديل المتفق على جلالته وتوثيقه وتميزه في هذا الشأن.
قال ابن حِبان في "الثقات": كان من سادات أهل زمانه حفظًا وورعًا وفَهمًا وفَضْلًا ودينًا وعلمًا، وهو الذي مَهَّد لأهل الحديث رسم الحديث، وأمعن في البحث عن الثقات، وترك الضعفاء، ومنه تعلم أحمد ويحيى وعلي وسائر أئمتنا، وكان إذا قيل له في علته: عافاك الله تعالى، قال: أحبه إليّ أحبه إلى الله تعالى.
وقال الخَليليُّ: هو إمام بلا مدافعة، وهو أجل أصحاب مالك بالبصرة، وكان الثَّوْريّ يتعجب من حفظه، واحتج به الأئمة كلهم، وقالوا: "من تركه يحيى تركناه. وقال محمَّد بن بشّار: حدثنا يحيى بن سعيد إمام زمانه، وقال فيه ابن مَعين: أقام يحيى بن سعيد عشرين سنة يَخْتِمُ القرآن في كل يوم وليلة، ولم يَفُتْه الزوال أربعين سنة في المسجد، ورأى له زُهير بن نُعيم البَابيّ في المنام أن عليه قميصًا، وبين كتفيه مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب من الله العزيز الحكيم، براءة ليحيى بن سعيد القطان من النار. وقال إسحاق بن إبراهيم بن أبي حبيب الشهيد: كنت أرى يحيى القطان يصلي العصر، ثم يستند إلى أصل منارة مسجده، فيقف بين يديه عَليّ بن المَدِينيّ، والشّاذَكُونِيّ، وعَمرو بن علِيّ، وأحمد بن حَنبل، ويحيى بن مَعين، وغيرهم يسألونه عن الحديث وهم قِيام على أرجلهم إلى أن تحين صلاة المغرب، ولا يقول لأحد منهم: اجلس، ولا يجلِسون هيبةً له. وقال ابن عمّار: كنت إذا نظرت إلى يحيى القطان، قلت: لا يحسن شيئًا، وإذا تكلم أنصت الفقهاء له. وقال بُنْدار: اختلفت إلى يحيى بن سعيد عشرين سنة، فما أظن أنه عصى الله تعالى قطُّ. وقال حفيدُه: لم يكن جَدّي يمزَحُ ولا يضحك إلا تبسمًا، وما دخل حمامًا قطُّ. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا رفيعًا حُجّة. وقال العِجْليّ: بصري ثقة في الحديث كان لا يحدّث إلَّا
стр. 493
عن ثقة. وقال أبو زُرعة: كان من الثقات الحفاظ، وقال أبو حاتم: حجة حافظ. وقال النّسائي: ثقة ثبت مَرْضِيّ. قال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يقول: اختلفت إلى شعبة عشرين سنة، وقال عبد الرحمن بن مَهْدي: اختلفوا يومًا مع شُعبة، فقالوا: اجعل بيننا وبينك حكمًا، فقال: قد رضيتُ بالأحول، يعني: يحيى بن سعيد القَطّان. وقال خالد بن الحارث: غلبنا يحيى بن سعيد بسفيان الثَّوريّ، وقال يحيى بن سَعيد: كنت إذا أخطأت قال لي الثَّوريّ: أخطأت يا يحيى، فحدث يومًا عن عُبيد الله، عن نافع، عن ابن عُمر بحديث الشُّرْب في آنية الذهب والفضة، فقلت: أخطأت يا أبا عبد الله، هذا أهون عليك، إنما حَدّثَنا عبيد الله، عن نافع، عن يزيد بن عَبد الله، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أم سَلَمة، فقال لي: صدقت. وقال عَمرو بن عَليّ، عن يحيى بن سعيد: ما اجتمعت أنا وخالد بن الحارث ومعاذ بن معاذ إلا قَدَّماني. وقال ابن مَهْدي: ما رأيت أحسن أخذًا للحديث ولا أحسن طلبًا له من يَحيى القطّان أو سفيان بن حَبيب. وقال ابن المَدِينيّ: لم يكن ممن طلب، وعُنِي بالحديث، وأقام عليه، ولم يَزَل به إلا ثلاثة: القطان، وسفيان بن حَبيب، ويزيد بن زُرَيع. وقال ابن عَمّار: حدّث عبد الرحمن بن مَهدي عن يحيى بن سعيد بألفي حديث، وهو حي. وقال السّاجيّ: حدثت عن علي بن المَدِيني، قال: ما رأيت أعلم بالرِّجال من يَحيى القَطّان، ولا أعلم بصواب الحديث والخطأ من ابن مَهْدي، فإذا اجتمعا على ترك رجل تركته؛ وإذا أخَذَ عنه أحدهما حدثت عنه. وقال إبراهيم بن محمَّد التَّيْمِيّ: ما رأيت أعلم بالرجال من يحيى القطّان. وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: حدَّثَني يحيى القطان، وما رأت عيناي مثله، قال: فقلت لأبي: من أعلم من رأيت في هذا الشأن؟ قال: ما رأيت مثل يحيى القطان، قلت: فهُشَيْم؟ قال: هشيم شيخ، قلت: فعبد الرحمن بن مَهْدي؟ قال: لم يكن مثل يحيى. وقال أحمد أيضًا: كان إليه المنتهى في التثبت بالبَصْرة، وقال الفضل بن زياد: سمعت أحمد يقول: لا والله ما أدركنا مثله، ثم قال: سمعت ابن مَهْدي وذكره، فقال: لا والله لا
стр. 494
ترى عيناك مثله. وقال الأثرم: سمعت أحمد يقول: رحم الله تعالى يحيى القطان، ما كان أضبطه، وأشد ثقته، كان محدثًا وأثنى عليه، وأحسن الثناء عليه. وقال أبو داود عن أحمد: ما رأيت له كتابًا، كان يحدثنا من حفظه. وقال حَنْبل عن أحمد: ما رأيت أقل خطأ من يحيى، ولقد أخطأ في أحاديث، ثم قال: ومَنْ يَعرى من الخطأ والتصحيف؟ وقال صالح بن أحمد عن أبيه: يحيى بن سعيد أثبت من هؤلاء يعني ابن مَهْدي، ووكيعًا، وغيرهما، وقد روى عن خمسين شَيخًا ممن روى عنه سفيان، قيل له: كان يكتُب عند سُفيان، قال: إنما كان يتسمع ما لم يكُن سمعه، فيكتبه. وقال أبو بكر بن خلّاد: سمعت ابن مَهْدي يقول: لو كنت لقيت ابن أبي خالد لكتبت عن يحيى القطان، عنه، لأعرف صحيحها من سقيمها. قال أبو بكر: وسمعت يحيى يقول: جَهَدَ الثَّوريّ أن يدلس عليَّ رجلًا ضعيفًا فما أمكنه، قال مرة: حدثنا أبو سهل، عن الشَّعْبيّ، فقلت له: أبو سهل محمد بن سالم، فقال: يا يحيى، ما رأيت مثلك، لا يذهَب عليك شيء. وقال أبو زُرعة الدِّمَشْقي: قلت لابن مَعين: يحيى القطّان فوق ابن مَهْدي؟ قال: نعم.
روى عن: سليمان التَّيميّ، وحُميد الطّويل، وإسماعيل بن أبي خالد، وهشام بن عُروة، وعِكْرمة بن عَمّار، وابن جُرَيج، والأوْزاعيّ، ومالك، وشعبة، والثَّوريّ، وابن أبي عَروبة، وقُرّة بن خالد، وفُضيل بن غَزْوان، وخلق.
وروى عنه ابنه محمَّد، وحفيده أحمد بن مُحمد، وأحمد، وإسحاق، وابن المَدِينيّ، ويَحيى بن مَعين، وعمرو بن عليّ الفَلّاس، ويعقوب الدَّوْرقيّ، وخلق كثير آخرهم موتًا أبو يَعْلى بن شَدّاد المِسْمَعيّ، وحدث عنه من شيوخه شُعبة والسُّفيانان، ومن أقرانه مُعْتَمر بن سُليمان، وعبد الرّحمن بن مَهْدي.
ولد سنة عشرين ومئة، ومات في صفر سنة ثمان وتسعين ومائة.
стр. 495
ويحيى بن سعيد في الستة سواه أربعة، ومر الكلام عليهم أول حديث، ومر الكلام على التَّميْميّ في عبد الله بن المُبارك، وعلى البَصْرِي في ترجمة شعبة.
الثالث: شُعبة، وقد مر تعريفه في الثالث من كتاب الإِيمان هذا.
الرابع: قتادة بن دِعامة -بكسر الدال المهملة وتخفيف العين المهملة- بن قَتَادة بن عَزيز بن عَمْرو بن رَبيعة بن عُمر بن الحارث بن سَدُوس أبو الخطّاب السَّدوسِيّ البَصْرِيّ.
ولد أكمه. قال الزَّمَخْشَرِيّ: لم يكن في هذه الأمة أكمه: أي ممسوح العين غير قَتادة. روى مَعْمر عن قَتَادة أنه أقام عند سعيد بنِ المُسَيِّب ثمانية أيام، فقال له في اليوم الثالث: ارتَحِل يا أعمى فقد أنْزَفْتَني. وقال عَمرو ابن عبد الله: لما قَدِمَ قتادة على سعيد بن المُسَيِّب، فجعل يسأله أيامًا وأكثر، فقال له سعيد: أكُلُّ ما سألتني عنه تحفظُه؟ قال: نعم، سألتك عن كذا، فقلت فيه كذا، وسألتك عن كذا فقلت فيه كذا، وقال فيه الحَسن كذا، حتى ردَّد عليه حديثًا كثيرًا، قال: فقال سعيد: ما كنت أظن أن الله خلق مثلك. وقال سعيد بن المُسيِّب: ما أتاني أحسن من قتادة.
وقال بُكَير بن عبد الله المُزَنيّ: ما رأيت الذي هو أحفظ منه، ولا أجْدَرُ أن يؤدي الحديث كما سمعه. وقال ابن سِيرين: قتادة هو أحفظ الناس. وقال مَطَرٌ الورّاق: كان قتادة إذا سمع الحديث أخذه العويل والزَّويل حتى يَحْفَظَهُ، أي: القلق والانزعاج، بحيث لا يَسْتَقرُّ على مكان. وقال مَعْمر: قال قَتادة لسعيد بن أبي عَروبة: خذ المُصْحَف، فَعَرضَ عليه سورة البَقَرَة، فلم يُخْطِىء فيها حرفًا واحدًا، فقال له: يا أبا النَّضْر أحْكَمْتُ؟ قال: نعم، قال: لأنا لصحيفة جابر أحفظ مني لسورة البقرة، وكانت قُرئَت عليه. وقال مَطَر الوَرّاق: ما زال قَتَادة متعلمًا حتى مات. وقال رجلٌ لأبي قِلابة: من أسأل؟ أسأل قتادة؟ قال: نعم. وقال شعبة: حدثت سُفيان بحديث عن قتادة، فقال لي: وما كان في الدنيا مثل قَتادة.
следующие страницы →