← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

الحديث الرابع والسبعون حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ صَلاَةٍ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ وَغَيْرِهَا فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ، فَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. ثُمَّ يَقُولُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ. حِينَ يَهْوِى سَاجِدًا، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الْجُلُوسِ فِي الاِثْنَتَيْنِ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ حَتَّى يَفْرُغَ مِنَ الصَّلاَةِ، ثُمَّ يَقُولُ حِينَ يَنْصَرِفُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَقْرَبُكُمْ شَبَهًا بِصَلاَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنْ كَانَتْ هَذِهِ لَصَلاَتَهُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا. قَالاَ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. يَدْعُو لِرِجَالٍ فَيُسَمِّيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَيَقُولُ اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ. وَأَهْلُ الْمَشْرِقِ يَوْمَئِذٍ مِنْ مُضَرَ مُخَالِفُونَ لَهُ. قوله: "إن أبا هريرة كان يكبر" زاد النسائي عن الزهري حين استخلفه مروان على المدينة. وقوله: "ثم يقول: الله أكبر" إنما قال هنا الله أكبر بالجملة الاسمية وفي سائر المواضع ثم يكبر بالجملة الفعلية المضارعية لأن سياق الكلام يدل على ما يدل عليه عقد الباب على هذا التكبير فأراد أن يصرح بما هو المقصود نصًا على لفظه. قلت: إنما يصح هذا لو كان العاقد للباب راوي الحديث اللهم إلا أن يكون البخاري نظر إلى ما وقع في الحديث فبوب عليه. وقوله: "حين يهوي ساجدًا" فيه أن التكبير ذكر الهوي فيبتدىء به من حين يشرع في الهوي بعد الاعتدال إلى حين يتمكن ساجدًا. وقوله: "حين يقوم من الجلوس في الاثنتين" فيه أنه يشرع في التكبير حين ابتدأ القيام إلى

стр. 4307

الثلاثة بعد التشهد الأول خلافًا لمالك وقد استوفى الكلام على هذا في باب التكبير إذا قام من السجود. وقوله: "إن كانت هذه لصلاته" كلمة إن هذه مخففة من الثقيلة وأصلها أنه أي الشان، وقوله: هذه اسم كانت إشارة إلى الصلاة التي صلاها أبو هريرة. وقوله: لصلاته خبر كانت واللام فيه للتأكيد وهي مفتوحة قال أبو داود في سننه بعد أن روى هذا الكلام الأخير: هذا يجعله مالك والزبيدي وغيرهما عن الزهري عن الحسين بن علي مرسلًا وكذا أخرجه سعيد بن منصور عن ابن عيينة عن الزهري لكن لا يلزم من ذلك أن لا يكون الزهري أيضًا رواه عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وغيره عن أبي هريرة ويؤيد ذلك ما تقدم في باب التكبير إذا قام من السجود عن عقيل عن الزهري فإنه صريح في الصفة المذكورة مرفوعة إلى النبي ﷺ . وقوله: "قالا" يعني أبا بكر بن عبد الرحمن وأبا سلمة وهو موصول بالإسناد المذكور إليهما. وقوله: يدعو قيل هو خبر آخر لكان أو عطف على يقول بدون حرف العطف والأوجه أن يكون حالًا من الضمير الذي في يقول من الأحوال المقدرة. وقوله: "فيسميهم" الفاء فيه للتفسير. وقوله: "أنج" بفتح الهمزة أمر من أنجى إنجاء والأمر في مثل هذا طلب والوليد وصاحباه يأتي تعريفهما قريبًا. وقوله: "والمستضعفين" أي: وأنج المستضعفين من المؤمنين وهو من عطف العام على الخاص. وقوله: "اشدد" بضم همزة الوصل أمر من شد. وقوله: "وَطأتك" بفتح الواو وسكون الطاء وفتح الهمزة من الوطء وهو الدوس بالقدم في الأصل ومعناه هنا خذهم أخذًا شديدًا ومنه قول الشاعر: ووطأتنا وطأً على حنق ... وطء المقيد ثابت القدم ومُضَر بضم الميم وفتح الضاد المعجمة ابن نزار بن معد بن عدنان وهو شعب عظيم فيه قبائل كثيرة كقريش وهذيل وأسد وتميم وهو شعب رسول الله ﷺ واشتقاقه من اللبن المضير أي: الحامض. وقوله: "اجعلها" أي: الوطأة. وقوله: "كسني يوسف" أي: كالسنين التي كانت في زمن يوسف ﵊ مقحطة ووجه التشبيه امتداد زمان المحنة والبلاء والبلوغ غاية الشدة والضراء وجمع السنة بالواو والنون شاذ من جهة أنه ليس لذوي العقول ومن جهة تغير مفرده بكسر أوله ولهذا جعل بعضهم حكمه كحكم المفردات وجعل نونه متعقب الإعراب قال الشاعر: دعاني من نجد فإن سنينه ... لعبن بنا شيبًا وشيبننا مروا واستدل به على أن محل القنوت بعد الرفع من الركوع وعلى أن تسمية الرجال بأسمائهم فيما

стр. 4308

يدعى لهم وعليهم لا تفسد صلاته. رجاله ستة: قد مرّوا، مرّ أبو اليمان وشعيب في السابع من بدء الوحي، ومرّ الزهري في الثالث منه، ومرّ أبو سلمة في الرابع منه، ومرّ أبو بكر بن عبد الرحمن في الستين من أبواب صفة الصلاة هذه، ومرّ أبو هريرة في الثاني من الإيمان. وفي الحديث ذكر الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة وها أنا أذكر تعريفهم إن شاء الله تعالى. الأول: الوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي أخو خالد بن الوليد أُسر يوم بدر كافرًا قيل أسره عبد الله بن جحش وقيل أسره سليط بن قيس المازني الأنصاري قدم في فدائه خالد وهشام وكان هشام شقيقه أُمهما آمنة أو عاتكة بنت حرملة وتمنع عبد الله بن جحش حتى افتكاه بأربعة آلاف درهم وجعل خالد يريد أن لا يبلغ ذلك فقال له هشام: إنه ليس بابن أُمك والله لو أني فيه إلا كذا وكذا لفعلت ويقال إن النبي ﷺ لعبد الله بن جحش لا تقبل في فدائه إلا سكة أبيه الوليد وكانت السكة درعى فضفاضة وسيفًا وبيضة فأبى ذلك خالد وطاع هشام لأنه شقيقه فقومت السكة بمائة دينار فطاعا بها وسلماها إلى عبد الله بن جحش فلما افتدى أسلم وعاتبوه في ذلك وقيل له: هلاّ أسلمت قبل أن تفتدى وأنت مع المسلمين فقال: كرهت أن تظنوا بي أني جزعت من الأسر ولما أسلم حبسه أخواله فكان النبي ﷺ يدعو له في القنوت كما ثبت في الصحيح ثم أفلت من إسارهم ولحق بالنبي ﷺ وشهد عمرة القضية ويقال إن النبي ﷺ لما اعتمر خرج خالد من مكة حتى لا يرى المسلمين دخلوا مكة فقال النبي ﷺ للوليد: لو أتانا خالد لاكرمناه وما مثله سقط عليه الإِسلام في عقله فكتب الوليد بذلك إلى خالد فكان سبب هجرته حكاه الواقدي وأخرج الطبراني أن الوليد بن الوليد كان محبوسًا وأراد أن يهاجر فباع مالًا له بالطائف ثم وجد غفلة من القوم فخرج هو وعياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام مشاة يخافون الطلب فسعوا حتى تعبوا وقصر الوليد فقال: يا قدمي ألحقاني بالقوم ... ولا تعداني كسلًا بعد اليوم فلما كان عند الأحراس نكب فقال: هل أنت إلا اصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت فدخل على النبي ﷺ فقال: يا رسول الله حسرت وأنا ميت فكفني في فضل ثوبك واجعله مما يلي جلدك ومات فكفنه النبي ﷺ في قميصه ودخل إلى أُم سلمة وبين يديها صبي وهي تقول: ابك الوليد بن الوليد بن المغيرة: فقال: إن كدتم لتتخذن الوليد حنانًا فسماه عبد الله وقيل: إنه لما فر من الأسر مات ببير أبي عتبة قبل أن يدخل المدينة على ميل منها قال ابن عبد البر: والصحيح الأول وذكر الزبير بن بكار أن أُم سلمة لما مات الوليد قالت:

стр. 4309

يا عين فابكي للوليد ... بن الوليد بن المغيرة قد كان غيثًا في السنين ... ورحمة فينا وميرة ضخم الدسيعة ماجد ... يسمو إلى طلب الوتيرة مثل الوليد بن الوليد ... أبي الوليد كفى العشيرة وقد أخرج أحمد في مسنده له حديثًا أنه قال: يا رسول الله إني أجد وحشة في منامي فقال: "إذا اضطجعت للنوم فقل: بسم الله، أعوذ بكلمات الله من غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأعوذ بك ربِّ أن يحضرون" وقد أخرجه أبو داود من رواية ابن إسحاق. الثاني: سلمة بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي كان من مهاجرة الحبشة وكان من خيار الصحابة وفضلائهم وكانوا خمسة أُخوة أبو جهل والحارث والعاص وخالد وسلمة، فأما أبو جهل والعاص قتلا ببدر كافرين وأُسر خالد يومئذ ثم فدي ومات كافرًا وأسلم الحارث وسلمة وكانا من خيار الصحابة وكان سلمة قديم الإِسلام وحبس بمكة وعذب في الله وروى عبد الرزاق قال: فر عياش بن ربيعة وسلمة بن هشام والوليد بن الوليد من المشركين فعلم النبي ﷺ بمخرجهم فدعا لهم لما رفع رأسه من الركوع وروى ابن سعد أن سلمة لما فرّ من قريش قالت أُم ضباعة بنت عامر بن قرط: لا هم رب الكعبة المحرمة ... أظهر على كل عدوٍ سلمة له يدان في الأُمور المبهمة ... كف بها يروي وكف منعنمة وروى ابن إسحاق من حديث أُم سلمة أنها قالت لامرأة سلمة بن هشام: مالي لا أرى سلمة يصلي مع النبي ﷺ ؟ قالت: كلما خرج صاح به الناس يا فرار وكان ذلك عقب غزوة مؤتة وزاد الواقدي إن النبي ﷺ قال: "بل هو الكرار" قال: ولما مات النبي ﷺ خرج إلى الشام فاستشهد بمرج الصفر في المحرم سنة أربع عشرة في أول خلافة عمر وذكر موسى بن عقبة أنه استشهد بأجنادين وصوبه أحمد. الثالث: عياش بن أبي ربيعة واسم أبي ربيعة عمرو ويلقب ذا الرمحين بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم يكنى أبا عبد الرحمن قيل: يكنى أبا عبد الله ابن عم خالد بن الوليد وأخو أبي جهل لأُمه أُمهما الجلاس واسمها أسماء بنت مخربة وهو أخو عبد الله بن أبي ربيعة لأبيه وأُمه. كان إسلامه قديمًا قبل أن يدخل النبي ﷺ دار الأرقم هاجر إلى الحبشة مع زوجته أسماء بنت سلمة بن مخربة وولدت له بها ابنه عبد الله ثم هاجر إلى المدينة حين هاجر عمر بن الخطاب فجمع بين الهجرتين فقدم عليه أخواه لأُمه أبو جهل والحارث ابنا هشام فذكرا له أن أُمه حلفت أن لا يمس رأسها دهن ولا تستظل حتى تراه فرجع معهما فأوثقاه رباطًا وحبساه بمكة وكان النبي ﷺ يدعو له قال أبو عمر: قنت رسول الله ﷺ شهرًا يدعو للمستضعفين بمكة ويسمي منهم الوليد وسلمة وعياش.

стр. 4310

روى عياش عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تزال هذه الأُمة بخير ما عظموا هذه الحرمة حق تعظيمها فإذا صنعوا ما هلكوا" يعني الكعبة والحرم، روى عنه ابنه عبد الله وروى عنه أنس بن مالك وعبد الرحمن بن سابط وأرسل عنه عمر بن عبد العزيز ونافع مولى ابن عمر. ذكر ابن سعد أن عياش وعكرمة بن أبي جهل والحارث بن هشام قتلوا يوم اليرموك وقيل: استشهد باليمامة وقال الطبري: أنه مات بمكة. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإخبار بالجمع والإفراد والعنعنة وفيه ثلاثة بالكنى وقيل فيهم أن أسماءهم كناهم ورواته ما بين حمصيين ومدنيين أخرجه أبو داود والنسائي.

стр. 4311

الحديث الخامس والسبعون حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: سَقَطَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ فَرَسٍ فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ نَعُودُهُ، فَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ، فَصَلَّى بِنَا قَاعِدًا وَقَعَدْنَا وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً صَلَّيْنَا قُعُودًا فَلَمَّا قَضَى الصَّلاَةَ قَالَ: إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا. كَذَا جَاءَ بِهِ مَعْمَرٌ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: لَقَدْ حَفِظَ، كَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَلَكَ الْحَمْدُ. حَفِظْتُ مِنْ شِقِّهِ الأَيْمَنِ. فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ الزُّهْرِيِّ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَنَا عِنْدَهُ فَجُحِشَ سَاقُهُ الأَيْمَنُ. قوله: "من فرس" فيه اشعار بتثبت علي بن عبد الله ومحافظته على الإتيان بألفاظ الحديث وقد تقدم بعض الكلام عليه في باب إنما جعل الإِمام ليؤتم به واستوفى الكلام عليه في باب الصلاة في السطوح في أوائل الصلاة. وقوله: "جحش" أي: خدش وفي قصر الصلاة عن أبي نعيم عن ابن عيينة فجحش أو خدش على الشك. وقوله: "كذا جاء به معمر" القائل المستفهم هو سفيان والمقول له هو على وهمزة الاستفهام كذا مقدرة. وقوله: "قلت: نعم" القائل هو علي وكان مستنده في ذلك عبد الرزاق عن معمر فإنه من مشائخه بخلاف معمر فإنه لم يدركه وإنما يروي عنه بواسطة. وقوله: "قال: لقد حفظ" أي: قال سفيان لقد حفظ أي: معمر حفظًا شديدًا وفيه إشعار بقوة حفظ سفيان بحيث يستجيد حفظ معمر إذا وافقه. وقوله: "كذا" قال الزهري ولك الحمد أي قال الزهري كما قال معمر ولك الحمد بالواو وفيه إشارة إلى أن بعض أصحاب الزهري لم يذكروا الواو وأراد سفيان بهذا الاستفهام تقدير روايته برواية معمر له. وقوله: "حفظت من شقه الأيمن" ولابن عساكر وحفظت بالواو أي: قال سفيان حفظت من

стр. 4312

الزهري أنه قال فجحش من شقه الأيمن. وقوله: قال ابن جريج وأنا عنده فجحش ساقه الأيمن أي: بلفظ الساق بدل الشق. وقوله: "وأنا عنده" جملة حالية من فاعل قال مقدرة والضمير للزهري أي: قال ابن جريج أن الزهري قال ذلك مقدرًا كونه قال في حال كوني عنده ويحتمل أن يكون هو مقول سفيان والضمير لابن جريج ومقول ابن جريج هو فجحش إلخ أي: قال ابن جريج: والحال أني عنده فجحش وهذا الأخير أقرب إلى الصواب وفيه إشارة إلى ما ذكر من جودة ضبط سفيان لأن ابن جريج سمعه معهم من الزهري بلفظ شقه فحدث به عن الزهري بلفظ ساقه وهي أخص من شقه لكن هذا محمول على أن ابن جريج عرف من الزهري في وقت آخر أن الذي خدش هو ساقه لبعد أن يكون نسى الكلمة في هذه المدة اليسيرة وقد مرّ بيان الروايات في باب الصلاة على السطوح وباب إنما جعل الإِمام ليؤتم به. رجاله ستة: فيه ستة رجال قد مروا، مرّ ابن المديني في الرابع عشر من العلم، ومرّ سفيان في الأول من بدء الوحي، ومرّ الزهري في الثالث منه، ومرّ معمر في متابعة بعد الرابع منه، ومرّ أنس في السادس من الإِيمان, ومرّ عبد الملك بن جريج في الثالث من الحيض. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والسماع والقول وشيخ البخاري من أفراده ورواته ما بين بصري ومكي ومدني وقد مرّ الكلام عليه في باب إنما جعل الإِمام ليؤتم به. ثم قال المصنف: باب فضل السجود أورد فيه حديث أبي هريرة في صفة البعث والشفاعة والمقصود منه قوله هنا وحرم الله على النار أن تأكل آثار السجود.

стр. 4313

الحديث السادس والسبعون حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا: أَنَّ النَّاسَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: هَلْ تُمَارُونَ فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ؟. قَالُوا: لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَهَلْ تُمَارُونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟. قَالُوا: لاَ. قَالَ: فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ، يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْه. فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الشَّمْسَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الْقَمَرَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ. فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا. فَيَدْعُوهُمْ فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ، وَلاَ يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إِلاَّ الرُّسُلُ، وَكَلاَمُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ. وَفِى جَهَنَّمَ كَلاَلِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، هَلْ رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟. قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلاَّ اللَّهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو، حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللَّهُ رَحْمَةَ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَمَرَ اللَّهُ الْمَلاَئِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَيُخْرِجُونَهُمْ وَيَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ السُّجُودِ، وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ إِلاَّ أَثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتَحَشُوا، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، ثُمَّ يَفْرُغُ اللَّهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ، وَيَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَهْوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولاً الْجَنَّةَ، مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ قِبَلَ النَّارِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ، قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا، وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا. فَيَقُولُ هَلْ عَسَيْتَ إِنْ فُعِلَ ذَلِكَ بِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَ ذَلِكَ فَيَقُولُ: لاَ وَعِزَّتِكَ. فَيُعْطِى اللَّهَ مَا يَشَاءُ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيَصْرِفُ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإِذَا أَقْبَلَ بِهِ عَلَى الْجَنَّةِ رَأَى بَهْجَتَهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ قَدِّمْنِي عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ. فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ أَلَيْسَ

стр. 4314

قَدْ أَعْطَيْتَ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ أَنْ لاَ تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِى كُنْتَ سَأَلْتَ فَيَقُولُ يَا رَبِّ لاَ أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ. فَيَقُولُ فَمَا عَسَيْتَ إِنْ أُعْطِيتَ ذَلِكَ أَنْ لاَ تَسْأَلَ غَيْرَهُ فَيَقُولُ لاَ وَعِزَّتِكَ لاَ أَسْأَلُ غَيْرَ ذَلِكَ. فَيُعْطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا بَلَغَ بَابَهَا، فَرَأَى زَهْرَتَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ النَّضْرَةِ وَالسُّرُورِ، فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، فَيَقُولُ يَا رَبِّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ. فَيَقُولُ اللَّهُ وَيْحَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ، أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ أَنْ لاَ تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِى أُعْطِيتَ فَيَقُولُ يَا رَبِّ لاَ تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلْقِكَ. فَيَضْحَكُ اللَّهُ مِنْهُ، ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ تَمَنَّ. فَيَتَمَنَّى حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ أُمْنِيَّتُهُ قَالَ اللَّهُ تَمَنَّ كَذَا وَكَذَا. أَقْبَلَ يُذَكِّرُهُ رَبُّهُ، حَتَّى إِذَا انْتَهَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ لأَبِى هُرَيْرَةَ ﵄ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قَالَ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَمْ أَحْفَظْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلاَّ قَوْلَهُ لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ إِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ. قوله: "هل تمارون في القمر" بضم التاء والراء من المماراة من باب المفاعلة وهي المجادلة على وجه الشك والريبة وفي رواية الأصيلي بفتح التاء والراء وأصله تتمارون من التماري من باب التفاعل فحذفت إحدى التاءين كما في تلظى أصله تتظلى ومعنى التماري الشك من المُرية بكسر الميم وضمها وبها قرىء قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ﴾ وفي الرواية الاتية في كتاب الرقاق في باب الصراط جسر جهنم هل تضارون في القمر ليلة البدر وهو بضم أوله وبالضاد المعجمة وتشديد الراء بصيغة المفاعلة من الضُر، وقدْ مرّ هذا الطرف من الحديث في باب فضل صلاة العصر ومرّ الكلام عليه هناك. وقوله: "يحشر الله الناس يوم القيامة" وفي رواية الرقاق يجمع الله الناس والحشر والجمع بمعنى وزاد في رواية العلاء في صعيد واحد ومثله في رواية أبي زرعة عن أبي هريرة بلفظ يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر قال النووي: الصعيد الأرض الواسعة المستوية وينفذهم بفتح أوله وسكون النون وضم الفاء بعدها ذال معجمة أي يخرقهم بمعجمة وقاف حتى يجوزهم وقيل بالدال المهملة أي يستوعبهم قال أبو عبيدة معناه ينفذهم بصر الرحمن حتى يأتي عليهم كلهم وقال غيره المراد بصر الناظرين وهو أولى وقال القرطبي معناه أنهم يجمعون في مكان واحد جتى لا يخفى منهم أحد لو دعاهم داع لسمعوه ولو نظر إليهم ناظر لأدركهم قال: ويحتمل أن يكون المراد بالداعي هنا من يدعوهم إلى العرض والحساب لقوله يوم يدع الداعي وزاد العلاء بن عبد الرحمن في روايته فيطلع عليهم رب العالمين قال ابن العربي لم يزل الله مطلعًا على خلقه وإنما المراد علامة باطلاعه عليهم

стр. 4315

حينئذ وفي حديث ابن مسعود عند البيهقي وأصله عند النسائي إذا حشر الناس قاموا أربعين عامًا شاخصة أبصارهم إلى السماء لا يكلمهم والشمس على رؤوسهم حتى يلجم العرق كل بر منهم وفاجر وفي حديث أبي سعيد عند أحمد أنه يخفف الوقوف عن المؤمن حتى يكون كصلاة مكتوبة وسنده حسن ولأبي يعلى عن أبي هريرة كتدلي الشمس للغروب إلى أن تغرب وللطبراني عن عبد الله بن عمر ويكون ذلك اليوم أقصر على المؤمن من ساعة من نهار. وقوله: "مَنْ كان يعبد شيئًا فليتبع" أي: بحذف هاء الضمير وفي بعض النسخ إثباته. وقوله: "فمنهم مَنْ يتبع الشمس ومنهم يتبع القمر ومنهم يتبع الطواغيت" ورواية الرقاق فيتبع مَنْ كان يعبد الشمس ويتبع مَنْ كان يعبد القمر ويتبع مَنْ كان يعبد الطواغيت أي: بحذف المفعول في الثلاثة أي: يتبع الشمس مَنْ كان يعبد الشمس إلخ. قال ابن أبي جمرة في التنصيص على ذكر الشمس والقمر مع دخولهما فيمن عبد من دون الله التنويه بذكرهما لعظم خلقهما وفي حديث ابن مسعود ثم ينادي مناد من السماء أيها الناس أليس عدل من ربكم الذي خلقكم وصوركم ورزقكم ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد منكم ما كان تولى قال: فيقولون: بلى ثم يقول لتنطلق كل أُمة إلى مَنْ كانت تعبد وفي رواية العلاء بن عبد الرحمن ألا ليتبع كل إنسان ما كان يعبد وفي رواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة في مسند أحمد وصحيح ابن خزيمة وأصله في مسلم بعد قوله: إلا كما تضارون في رؤيتهما فيلقي العبد فيقول ألم أكرمك وأزوجك وأُسخر لك؟ فيقول: بلى، أظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقول: إني أنساك كما نسيتني الحديث. وفيه ويلقي الثالث فيقول آمنت بك وبكتابك وبرسولك وصليت وصمت فيقول: ألا نبعث عليك شاهدًا فيختم على فيه وتنطق جوارحه وذلك المنافق ثم ينادي مناد ألا ليتبع كل أُمة ما كانت تعبد. وقوله: "ومَنْ كان يعبد الطواغيت" جمع طاغوت يكون جمعًا ومفردًا ومذكرًا ومؤنثًا وفيه خلاف قيل هو الشيطان والصنم وقال الطبري الصواب عندي أن كل طاغ طغى على الله تعالى يعبد من دونه إما بقهر منه لمن عبد وإما بطاعة ممن عبد إنسانًا كان أو شيطانًا أو حيوانًا أو جمادًا قال: فاتباعهم لهم حينئذ باستمرارهم على الاعتقاد فيهم ويحتمل أن يتبعوهم بأن يساقوا إلى النار قهرًا وفي حديث أبي سعيد الآتي في التوحيد فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم وأصحاب الأوثان مع أوثانهم وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم وفيه إشارة إلى أن كل مَنْ كان يعبد الشيطان ونحوه ممن يرضى بذلك أو الجماد والحيوان داخلون في ذلك وأما مَنْ كان يعبد مَنْ لا يرضى بذلك كالملائكة والمسيح فلا يكن في حديث ابن مسعود فيتمثل لهم ما كانوا يعبدون فينطلقون، وفي رواية العلاء بن عبد الرحمن فيتمثل لصاحب الصليب صليبه ولصاحب التصاوير تصاويره فأفادت هذه الزيادة تعميم مَنْ كان يعبد غير الله إلا مَنْ سيذكر من اليهود والنصارى فإنه يخص من عموم ذلك بدليله الآتي ذكره وأما التعبير بالتمثيل فقال ابن العربي: يحتمل

стр. 4316

أن يكون التمثيل تلبيسًا عليهم ويستحق أن يكون التمثيل لمن لا يستحق التعذيب وأما مَنْ سواهم فيحضرون حقيقة لقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾، وقال جابر: كانت الطواغيت التي يتحاكمون إِليها في جهينة واحد وفي أسلم واحد وفي كل حي واحد كهان ينزل عليهم الشيطان وفي هلال واحد وقال عمر: الجبت السحر والطاغوت الشيطان. وقال مجاهد: الطاغوت الشيطان في صورة إِنسان يتحاكمون إِليه، وقال عكرمة: الجبت بلسان الحبشة شيطان والطاغوت الكاهن وروى العوفي عن ابن عباس قال: الجبت الأصنام والطواغيت الذين كانوا يعبرون عن الأصنام بالكذب قال وزعم رجال أن الجبت الكاهن والطاغوت رجل من اليهود يدعى كعب بن الأشرف وعن ابن عباس أيضًا قال: الجبت حيي بن أخطب والطاغوت كعب بن الأشرف وفي الصحاح هو كل رأس في الضلال وقال الزجاج: الطاغوت مردة أهل الكتاب ووزنه فعلوت وأصله طغيوت قدمت الياء قبل الغين وقبلها فتحة فقُلبت ألفًا وقيل هو فاعول من طغوت وأصله طاغوه فحذفوا وجعلوا التاء كأنها عوض عن المحذوف فقالوا: طاغوت وإنما جاز فيه التذكير والتأنيث؛ لأن العرب تسمى الكاهن والكاهنة طاغوتًا قال تعالى في التذكير: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾. وقال تعالى في التأنيث: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾. وقوله: "وتبقى هذه الأُمة" قال ابن أبي جمرة: يحتمل أن يكون المراد بالأُمة أُمة محمد ﷺ ويحتمل أن يحمل على أعم من ذلك فيدخل فيه جميع أهل التوحيد حتى من الجن ويدل عليه ما في بقية الحديث أنه يبقى مَنْ كان يعبد الله من بر أو فاجر ويؤخذ أيضًا من قوله في بقية هذا الحديث فأكون أوّل مَنْ يجيز فإن فيه إشارة إلى أن الأنبياء بعده يجيزون أُممهم. وقوله: "فيها منافقوها" كذا للأكثر وفي رواية إبراهيم بن سعد فيها شافعوها أو منافقوها شك إبراهيم والأول المعتمد وزاد في حديث أبي سعيد في التوحيد حتى يبقى مَنْ كان يعبد الله من بر أو فاجر وغُبرات أهل الكتاب بضم الغين المعجمة وتشديد الموحدة وفي رواية مسلم وغبر وكلاهما جمع غابر أو الغبرات جمع غبر وغبر جمع غابر ويجمع أيضًا على أغبار وغبر الشيء بقيته وجاء بسكون الموحدة والمراد هنا مَنْ كان يوحد الله منهم وصحفه بعضهم في مسلم بلَفظ غير التي للاستثناء وجزم عياض وغيره بأنه وهم قال ابن أبي جمرة لم يذكر في الخبر مآل المذكورين لكن لما كان من المعلوم أن استقرار الطواغيت في النار علم بذلك أنهم معهم في النار كما قال تعالى: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾. وفي رواية سهيل المشار إليها قريبًا عند فيتبع مَنْ كان يعبد الشمس فتتبع الشياطين والصليب أولياءهم إلى جهنم وفي حديث أبي سعيد من الزيادة ثم يؤتى بجهنم كأنها سراب بمهملة ثم بموحدة فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون الحديث، وفيه ذكر النصارى فيتساقطون في جهنم حتى يبقى مَنْ كان يعبد الله مَنْ بر أو فاجر وفي رواية هشام بن سعد عن زيد بن أسلم

стр. 4317

عند ابن خزيمة وابن منده وأصله في مسلم فلا يبقى أحد كان يعبد صنمًا ولا وثنًا ولا صورة إلا ذهبوا حتى يتساقطوا في النار وفي رواية العلاء بن عبد الرحمن فيطرح منهم فيها فوج ويقال: هل امتلأت فتقول: هل من مزيد الحديث، وكان اليهود والنصارى ممن كان لا يعبد الصلبان لما كانوا يدعون أنهم يعبدون الله تعالى تأخروا مع المسلمين فلما حققوا على عبادة مَنْ ذكر من الأنبياء ألحقوا بأصحاب الأوثان ويؤيده قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ الآية، فأما مَنْ كان متمسكًا بدينه الأصلي فخرج بقوله الذين كفروا وعلى ما ذكر أيضًا من حديث أبي سعيد يبقى أيضًا مَنْ كان يظهر الإيمان من مخلص ومنافق قال ابن بطال في هذا الحديث: إن المنافقين يتأخرون مع المؤمنين رجاء أن ينفعهم ذلك بناء على ما كانوا يظهرونه في الدنيا فظنوا أن ذلك يستمر لهم فميز الله المؤمنين بالغرة والتحجيل إذ لا غرة ولا تحجيل للمنافق فقد ثبت أن الغرة والتحجيل خاص بالأُمة المحمدية فهم يتميزون بعدم السجود وبإطفاء نورهم بعد أن حصل لهم ويحتمل أن يحصل لهم الغرة والتحجيل ثم يسلبان عند إطفاء النور وقال القرطبي ظن المنافقون أن تسترهم بالمؤمنين ينفعهم في الآخرة كما كان نفعهم في الدنيا جهلًا منهم فتستروا بهم حتى ضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ويحتمل أنهم لما سمعوا التتبع كل أُمة مَنْ كانت تعبد والمنافق لم يكن يعبد شيئًا بقي حائرًا حتى ميز وهذا ضعيف لأنه يقتضي تخصيص ذلك بمنافق كان لا يعبد شيئًا وأكثر المنافقين كانوا يعبدون غير الله تعالى من وثن وغيره. وفي رواية أبي سعيد الآتية بعد قوله: كأنها سراب فيقال لليهود ما كنتم تعبدون قالوا: نعبد عزير بن الله فيقال كذبتم لم يكن لله صاحبة ولا ولد قدم اليهود بسبب تقدم ملتهم على ملة النصارى. وقوله: "فيقال لهم" قال في "الفتح": لم أقف على تسمية قائل ذلك لهم والظاهر أنه الملك الموكل بذلك. وقوله: "كنا نعبد عزير ابن الله" فيه إشكال؛ لأن المتصف بذلك بعض اليهود وأكثرهم ينكرون ذلك ويمكن أن يجاب بأن خصوص هذا الخطاب لمن كان متصفًا بذلك ومن عداهم يكون جوابهم بذكر مَنْ كفروا به كما وقع في النصارى فإن منهم مَنْ أجاب بالمسيح ابن الله مع أن فيهم مَنْ كان بزعمه يعبد الله وحده وهم الاتحادية الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم وفي الحديث المذكور ثم يقال للنصارى ما كنتم تعبدون فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله فيقال: كذبتم لم يكن لله صاحبة ولا ولد ويقال فيه ما قيل في الذي قبله. وقوله: "في الموضعين كذبتم" قال فيه الكرماني التصديق والتكذيب لا يرجعان إلى الحكم الذي أشار إليه فإذا قيل جاء زيد بن عمرو بكذا فمن كذبه أنكر مجيئه بذلك الشيء

стр. 4318

لا أنه ابن عمرو وهنا لم ينكر عليهم أنهم عبدوا وإنما أنكر عليهم أن عزيرًا أو المسيح ابن الله قال: والجواب عن هذا أن فيه نفي اللازم وهي كونه ابن الله ليلزم نفي الملزوم وهو عبادة ابن الله قال: ويجوز أن يكون الأول بحسب الظاهر وتحصل قرينة بحسب المقام تقتضي الرجوع إليهما جميعًا أو إلى المشار إليه فقط. قلت: مراد الكرماني أن مورد الصدق والكذب في الخبر النسبة الإِسنادية كقام زيد وعبدت الله لا التقييدية كغلام عمرو وهنا وقع رجوع الكذب للنسبة التقييدية وهذا خلاف المعروف وأجاب هو عنه بما أجاب به وأسهل مما أجاب به أن كون مورد الكذب والصدق الإسنادية هو المشهور عند أهل البلاغة وقيل إنهما يردان في التقييدية أيضًا واستدل القائل بذلك بهذا الحديث الذي فيه ورود الكذب على النسبة التقييدية دون الإِسنادية التي هي ثبوت عبادتهم لعيسى ﵇ بدليل آخر الحديث لم يكن لله صاحبة ولا ولد. وقوله: "فيأتيهم الله فيقول أنا ربكم فيقولون هذا مكاننا حتى يأتينا فإذا جاء ربنا عرفناه" وفي رواية الرقاق فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون: نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا أتانا ربنا عرفناه وفي حديث أبي سعيد الآتي في التوحيد في صورة غير الصورة التي رأوه فيها أول مرة ويأتي في حديث أبي سعيد من الزيادة ما يجلسكم من الجلوس أي يقعدكم عن الذهاب أو ما يحبسكم من الحبس أي يمنعكم وقد ذهب الناس فيقولون: فارقناهم ونحن أحوج منا إليه اليوم وأنا سمعنا مناديًا ينادي ليلحق كل قوم ما كانوا يعبدون وأننا ننتظر ربنا وفي رواية مسلم هنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم ورجح عياض رواية البخاري وقال غيره: الضمير لله والمعنى فارقنا الناس في معبوداتهم ولم نصاحبهم ونحن اليوم أحوج لربنا أي إنا محتاجون إليه وقال عياض: بل أحوج على بابها لأنهم كانوا محتاجين إليه في الدنيا فهم في الآخرة أحوج إليه وقال النووي: إنكاره لرواية مسلم معترض بل معناه التضرع إلى الله تعالى في كشف الشدة عنهم بأنهم لزموا طاعته وفارقوا في الدنيا من زاغ عنها من أقاربهم مع حاجتهم إليهم في معاشهم ومصالح دنياهم كما جرى لمؤمني الصحابة حين قطعوا من أقاربهم من حاد الله ورسوله مع حاجتهم إليهم والارتفاق بهم وهذا ظاهر في معنى الحديث لا شك في حسنه وأما نسبة الاتيان إليه تعالى فالمراد بالإتيان في حقه كشف الحجب التي بين أبصارنا وبين رؤيته تعالى لأن الحركة والانتقال لا تجوز على الله تعالى لأنها صفات الأجسام والله تعالى لا يوصف بشيء من ذلك فلم يكن معنى الإتيان إلا ظهوره لأَبصار لم تكن تراه ولا تدركه والعادة أن مَنْ غاب عن غيره لا تمكنه رؤيته إلا بالإِتيان فعبّر به عن الرؤية مجازًا لأن الإتيان مستلزم للظهور على المأتي عليه وقال القرطبي: التسليم الذي كان عليه السلف أسلم وقال عياض: الإتيان فعل من أفعال الله تعالى يجب الإيمان به مع تنزيهه عن سمات

стр. 4319

الحدوث وقيل فيه حذف تقديره فيأتيهم بعض ملائكة الله ورجحه عياض قال: ولعل هذا الملك جاءهم في صورة أنكروها لما رأوا فيها من سمة الحدوث الظاهرة على الملك؛ لأنه مخلوق ويحتمل وجهًا رابعًا وهو أن المعني يأتيهم الله بصورة أي بصفة تظهر لهم من الصورة المخلوقة التي لا تشبه صفة الإله ليختبرهم بذلك فإذا قال لهم هذا الملك أو هذه الصورة أنا ربكم ورأوا عليه من علامات المخلوق ما ينكرونه ويعلمون أنه ليس ربهم استعاذوا منه لذلك. وفي رواية العلاء بن عبد الرحمن فيطلع عليهم رب العالمين وهو يقوي الاحتمال الأول وقال الخطابي الرؤية التي هي ثواب الأولياء وكرامات لهم في الجنة غير هذه الرؤية وإنما تعريضهم هذه الرؤية امتحان من الله تعالى ليقع التمييز بين مَنْ عبد الله ومَنْ عبد الشمس ونحوها فيتبع كل من الفريقين معبوده وليس ينكر أن يكون الامتحان إذ ذاك قائمًا وحكمه علي الخلق جارياً حتى يفرغ من الحساب ويقع الجزاء بالثواب والعقاب ثم ينقطع إذا حققت الحقائق واستقرت أمور المعاد وأما ذكر الصورة فإنها تقتضي الكيفية والله منزه عن ذلك بما مرّ من كون المراد بها صورة ملك أو صورة من الصور المخلوقة يظهرها الله تعالى للامتحان. وقوله: "نعوذ بالله منك" قال الخطابي: يحتمل أن يكون هذا الكلام صدر من المنافقين قال عياض: وهذا لا يصح ولا يستقيم الكلام به قال النووي: ما قاله القاضي صحيح ولفظ الحديث مصرح به أو ظاهر فيه ورجحه القرطبي في التذكرة وقال: إنه من الامتحان الثاني بتحقق ذلك فقد جاء في حديث أبي سعيد حتى إن بعضهم ليكاد ينقلب وقال ابن العربي: إنما استعاذوا منه أولًا لأنهم اعتقدوا أن ذلك الكلام استدراج لأن الله لا يأمر بالفحشاء ومن الفحشاء اتباع الباطل وأهله ولهذا وقع في الصحيح فيأتيهم الله في صورة أي بصورة لا يعرفونها وهي الأمر باتباع أهل الباطل فلذلك يقولون إذا جاء ربنا عرفناه أي: جاءنا بما عهدناه منه من قول الحق وقال ابن الجوزي: معنى الخبر يأتيهم الله بأهوال يوم القيام ومن صور الملائكة بما لم يعهدوا مثله في الدنيا فيستعيذون من تلك الحال ويقولون: إذا جاء ربنا عرفناه أي: إذا أتانا بما نعرفه من لطفه وهي الصورة التي عبّر عنها بقوله: يكشف عن ساق أي: عن شدة وقال القرطبي: هو مقام هائل يمتحن الله عباده ليميز الخبيث من الطيب وذلك أنه لما بقى المنافقون مختلطين بالمؤمنين زاعمين أنهم منهم ظانين أن ذلك يجوز في ذلك الوقت كما جاز في الدنيا امتحنهم الله بأن أتاهم بصورة هائلة قالت للجميع أنا ربكم فأجابه المؤمنون بإنكار ذلك لما سبق لهم من معرفته سبحانه وأنه منزه عن صفات هذه الصورة فلهذا قالوا: نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئًا حتى إن بعضهم ليكاد ينقلب أي يزل فيوافق المنافقين قال: وهؤلاء طائفة لم يكن لهم رسوخ بين العلماء ولعلهم الذين اعتقدوا الحق وحوموا عليه من غير بصيرة. وقوله: "هذا مكاننا" جملة من المبتدأ والخبر وإنما قالوا هذا مكاننا لأن معهم المنافقين

стр. 4320

الذين لا يستحقون الرؤية وهم عن ربهم محجوبون فلما تميزوا عنهم ارتفع الحجب فقالوا عندما رأوه: أنت ربنا. وقوله: فيأتيهم الله في صورته التي يعرفونها المراد بالصورة الصفة والمعنى فيتجلى لهم الله بالصفة التي يعلمونه بها وإنما عرفوه بالصفة وإن لم تكن تقدمت لهم رؤيته لأنهم يرون حينئذ شيئًا لا يشبه المخلوقين وقد علموا أنه لا يشبه شيئًا من مخلوقاته فيعلمون أنه ربهم فيقولون أنت ربنا وعبّر عن الصورة بالصفة لمجانسته الكلام لتقدم ذكر الصورة. وفي رواية العلاء فيعرفهم نفسه أي يلقي في قلوبهم علمًا قطعيًا يعرفون به أنه ربهم . وقال الكلاباذي: عرفوه بأن أحدث فيهم لطائف عرفهم بها نفسه ويحتمل أن يكون أشار بقوله الصورة التي يعرفونها إلى ما عرفوه حين أخرج ذرية آدم من صلبه ثم أنساهم ذلك في الدنيا ثم يذكرهم في الآخرة ونقل ابن التين أن معنى الصورة الاعتقاد واستدل ابن قتيبة بذكر الصورة على أن لله صورة لا كالصور كما ثبت أنه شيء لا كالأشياء وتعقبوه وقال ابن بطال: تمسك به المجسمة فأثبتوا لله صورة ولا حجة لهم فيه لاحتمال أن يكون بمعني العلامة وضعها الله لهم دليلًا على معرفته كما يسمى الدليل والعلامة صورة وكما تقول صورة حديثك كذا وصورة الأمر كذا والحديث والأمر لا صورة لهما حقيقة. وقوله: "فإذا رأينا ربنا عرفناه" قال المهلب: إن الله يبعث لهم ملكًا ليختبرهم في اعتقاد صفات ربهم الذي ليس كمثله شيء فإذا قال لهم أنا ربكم ردوا عليه لما رأوا عليه من صفات المخلوق فقوله: فإذا جاء ربنا عرفناه إذا ظهر لنا في ملك لا ينبغي لغيره وعظمة لا تشبه شيئًا من مخلوقاته فحينئذ يقولون أنت ربنا قال الطيبي: لا يلزم من أن الدنيا دار بلاء والآخرة دار جزاء أن لا يقع في واحدة منهما ما يخص بالأخرى فإن القبر أول منازل الآخرة وفيه الابتلاء والفتنة بالسؤال وغيره والتحقيق أن التكليف خاص بالدنيا وما يقع في القبر والموقف هي آثار ذلك وفي حديث أبي سعيد زيادة هل بينكم وبينه آية تعرفونه؟ فيقولون: الساق فيكشف عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ويبقى مَنْ كان يسجد رياء وسمعة فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا أي: يستوي فقار ظهره فلا ينثني للسجود وفي لفظ لمسلم فلا يبقى مَنْ كان يسجد من تلقاء نفسه إلا أذن له في السجود أي سهل له وهوّن عليه ولا يبقى مَنْ كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقًا واحدًا كلما أراد أن يسجد خرَّ لقفاه. وفي حديث ابن مسعود ومثله لكن قال: فيقولون: إن اعترف لنا عرفناه قال: فيكشف عن ساق فيقعون سجودًا وتبقى أصلاب المنافقين كأنها صياصي البقر وفي رواية الزعراء عنه عند الحاكم وتبقى ظهور المنافقين طبقًا واحدًا كأنما فيها السفافيد بمهملة وفاءين جمع سفود بتشديد الفاء وهو الذي يجعل في الشاة إذا أريد أن تشوى.

стр. 4321

وقوله: "فيعود ظهره طبقًا واحدًا" قال ابن بطال: تمسك به مَنْ أجاز تكليف ما لا يطاق من الأشاعرة واحتجوا أيضًا بقصة أبي لهب وأن الله كلفه الإِيمان به مع إعلامه بأنه يموت كافرًا ويصلى نارًا ذات لهب قال ومنع الفقهاء من ذلك وتمسكوا بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وأجابوا عن السجود بأنهم يدعون إليه تبكيتاً إذا دخلوا أنفسهم في المؤمنين الساجدين في الدنيا فدعوا مع المؤمنين إلى السجود فتعذر عليهم فأظهر الله بذلك نفاقهم وأخزاهم. قال: ومثله من التبكيت ما يقال لهم بعد ذلك ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورًا وليس في هذا تكليف ما لا يطاق بل إظهار خزيهم ومثله كلف أن يعقد شعيرة فإنها للزيادة في التوبيخ والعقوبة ولم يجب عن قصة أبي لهب وقد ادعى بعضهم أن مسألة تكليف ما لا يطاق لم تقع إلا بالإِيمان فقط وهي مسألة طويلة ليس هذا محل ذكرها ومحل بسطها أُصول الفقه وأُصول الدين. ومعنى كشف الساق زوال الخوف والهول الذي غيرهم حتى غابوا عن رؤية عوراتهم وفي رواية هشام بن سعد ثم نرفع رؤوسنا وقد عادلنا في صورته التي رأيناه فيها أول مرة فيقول أنا ربكم فنقول: نعم أنت ربنا قال في "الفتح": وهذا فيه إشعار بأنهم رأوه في أوّل ما حشروا قلت: هذا غير ظاهر بل الظاهر أن المراد برؤيته أولًا الرؤية الواقعة لهم عندما أخرج ذرية آدم من صلبه كما مرّ وقد جاء عن ابن عباس في قوله تعالى: يوم يكشف عن ساق قال عن شدة من إلا والعرب تقول قامت الحرب على ساق إذا اشتدت ومنه: قد سن أصحابك ضرب الأعناق ... وقامت الحراب بنا على ساق وجاء عن أبي موسى الأشعري في تفسيرها عن نور عظيم قال ابن فورك معناه ما يتجدد للمؤمنين من الفوائد والألطاف وقال المهلب: كشف الساق للمؤمنين رحمة ولغيرهم نقمة وقال الخطابي: تهيب كثير من الشيوخ الخوض في معنى الساق ومعنى قول ابن عباس إن الله يكشف عن قدرته التي تظهر بها الشدة وأسند البيهقي الأثر المذكور عن ابن عباس بسندين كل منهما حسن وزاد إذا خفي عليكم شيء من القرآن فاتبعوه من الشعر وذكر الرجز المشار إليه وأنشد الخطابي في إطلاق الساق على الأمر الشديد: في سنة قد كشفت عن ساقها. وأسند البيهقي من وجه آخر صحيح عن ابن عباس قال: يريد يوم القيامة قال الخطابي: وقد يطلق ويراد النفس. وقوله: "فيقولون الساق" هذا يحتمل إن الله عرفهم على ألسنة الرسل من الأنبياء أو الملائكة إن الله جعل لهم علامة تجلية الساق وذلك أنه يمتحنهم بإرسال مَنْ يقول لهم أنا ربكم وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ وهذا وإن كان واردًا في عذاب القبر فلا يبعد أن يتناول يوم الموقف أيضًا وفي حديث ابن مسعود من الزيادة

стр. 4322

ثم يقال للمسلمين ارفعوا رؤوسكم إلى نوركم بقدر أعمالكم وفي لفظ فيعطون نورهم بقدر أعمالهم فمنهم مَنْ يعطى نوره مثل الجبل ودون ذلك ومثل النخلة ودون ذلك حتى يكون آخرهم مَنْ يعطى نوره على إبهام قدمه وفي رواية مسلم عن جابر: ويعطى كل إنسان منهم نورًا إلى أن قال: ثم يُطفأ نور المنافقين وفي حديث ابن عباس عند ابن مردويه فيعطى كل إنسان منهم نورًا ثم يوجهوا إلى الصراط فما كان من منافق طفىء نوره وفي لفظ فإذا استووا على الصراط سلب الله نور المنافقين فقالوا للمؤمنين: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ الآية. وفي حديث أبي أُمامة عند ابن حاتم وإنكم يوم القيامة في مواطن حتى يغشى الناس أمر من أمر الله فتبيض وجوه وتسود وجوه ثم ينتقلون إلى منزل آخر فتغشى الناس الظلمة فيقسم النور فيختص بذلك المؤمن ولا يعطى الكافر ولا المنافق منه شيئًا فيقول المنافقون للمؤمنين: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ الآية، فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئًا فيضرب بينهم بسور. وقوله: "فيدعوهم ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم" وفي رواية الرقاق فيتبعونه ويضرب جسر جهنم وفي رواية أبي هريرة في التوحيد فيتبعونه ويضرب الصراط بين ظهري جهنم. وقوله: "فيتبعونه" قال عياض: أي: فيتبعون أمره أو ملائكته الذي وكلوا بذلك. وقوله: "ويضرب جسر جهنم" حذف من هذا السياق ما جاء في حديث أنس في الرقاق في ذكر الشفاعة لفصل القضاء كما حذف من حديث أنس ما ثبت هنا من الأُمور التي يقع في الموقف فينتظم من الحديثين أنهم إذا حشروا وقع ما في حديث الباب من تساقط الكفار في النار ويبقى مَنْ عداهم في كرب الموقف فيستشفعون فيقع الإذن بنصب الصراط فيقع الامتحان بالسجود وليتميز المنافق من المؤمن ثم يجوزون على الصراط والجسر هو الصراط وفي حديث أبي سعيد قلنا: وما الجسر؟ قال: مَدحضة مَزلة بفتح الميم فيهما وكسر الزاي ويجوز فتحها وبتشديد اللام أي موضع الزلل ويقال بالكسر في المكان وبالفتح في المقال وفي رواية أبي ذر الدحض الزلق ليدحضوا ليزلقوا زلقًا لا يثبت فيه قدم والصراط جسر ممدود على متن جهنم أدق من الشعر وأحد من السيف عليه ملائكة يحبسون العباد في سبع مواطن ويسألونهم عن سبع خصال في الأول عن الإيمان وفي الثاني عن الصلاة وفي الثالث عن الزكاة وفي الرابع عن شهر رمضان وفي الخامس عن الحج والعمرة وفي السادس عن الوضوء وفي السابع عن الغُسل من الجنابة وعند مسلم قال أبو سعيد بلغني أن الصراط أحد من السيف وأدق من الشعرة وفي رواية ابن منده من هذا الوجه قال سعيد بن أبي هلال: بلغني ووصله البيهقي عن أنس عن النبي ﷺ مجزومًا به وفي سنده لين ولابن المبارك عن مرسل عبيد بن عمر أن الصراط مثل السيف وبجنبتيه كلاليب أنه ليؤخذ بالكلوب الواحد أكثر من ربيعة ومضر وأخرجه ابن أبي الدنيا من هذا الوجه وفيه والملائكة على جنبتيه يقولون: رب سلم سلم وجاء عن الفضيل ابن عياض

стр. 4323

قال: بلغني أن الصراط مسيرة خمسة عشر ألف سنة خمسة آلاف صعود وخمسة آلاف هبوط وخمسة آلاف مستوى أدق من الشعرة وأحد من السيف على متن جهنم لا يجوز عليه إلا ضامر مهزول من خشية الله أخرجه ابن عساكر في ترجمته وهذا معضل لا يثبت وعن سعيد بن أبي هلال قال: بلغنا أن الصراط أدق من الشعر على بعض الناس ولبعض الناس مثل الوادي الواسع أخرجه ابن المبارك وابن أبي الدنيا وهو مرسل أو معضل وأخرج الطبري عن غنيم بن قيس أحد التابعين قال: تمثل النار للناس ثم يناديها مناد امسكي أصحابك ودعي أصحابي فتخسف بكل ولي لها فهي أعلم بهم من الرجل بولده ويخرج المؤمنون ندية ثيابهم. رجاله ثقات مع كونه مقطوعًا. وقوله: "بين ظهراني جهنم أو بين ظهري جهنم" قال ابن الجوزي أي: على وسطها يقال نزلت بين ظهريهم وظهرانيهم بفتح النون أي: في وسطهم متمسكًا بينهم لا في أطرافهم والألف والنون زيدتا للمبالغة وقيل لفظ الظهر مقحم ومعناه يمد الصراط عليها. وقوله: "وأكون أول مَنْ يجوز من الرسال بأُمته" وفي رواية فأكون أنا وأُمتي أوّل من يجيز وفي رواية إبراهيم بن سعد يجيزها قال الأصمعي: جاز الوادي مشى فيه وأجازه قطعه وقال غيره جاز وأجاز بمعنى واحد وقال النووي: أكون أنا وأُمتي أوّل مَنْ يمضي على الصراط ويقطعه يقال: جاز الوادي وأجازه إذا قطعه وخلفه وقال القرطبي: يحتمل أن تكون الهمزة هنا للتعدية لأنه لما كان هو وأُمته أوّل مَنْ يجوز على الصراط لزم تأخير غيرهم عنهم حتى يجوز فإذا جاز هو وأُمته فكأنه أجاز بقية الناس وعند الحاكم عن عبد الله بن سلام ينادي مناد أين محمد وأُمته فيقوم فتتبعه أُمته برها وفاجرها فيأخذون الجسر فيطمس الله أبصار أعدائه فيتهافتون من يمين وشمال وينجو النبي والصالحون وفي حديث ابن عباس يرفعه نحن آخر الأُمم وأول مَنْ يحاسب وفيه فيفرج لنا الأُمم عن طريقنا فنمر غُرًا محجلين من آثار الطهور فتقول الأُمم كادت هذه الأُمة أن يكونوا أنبياء. وقوله: "ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل وكلام الرسل يومئذ اللهم سلم سلم" وفي رواية إبراهيم بن سعد ولا يكلمه إلاَّ الأنبياء ودعوى الرسل يومئذ اللهم سلم سلم وفي رواية العلاء وقولهم: اللهم سلم سلم والضمير للرسل وللترمذي من حديث المغيرة شعار المؤمنين على الصراط رب سلم سلم ولا يلزم من كون هذا الكلام شعار المؤمنين أن ينطقوا به بل تنطق به الرسل يدعون للمؤمنين بالسلامة فسمى ذلك شعارًا لهم فبهذا تجتمع الأخبار ويؤيده قوله في رواية سهيل فعند ذلك حلت الشفاعة اللهم سلم سلم وفي حديث أبي سعيد من الزيادة فيمر المؤمن كطرف العين وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب وفي حديث حذيفة وأبي هريرة معًا فيمر أولهم كمر البرق ثم كمر الريح ثم كمر الطير وشد الرحال تجري بهم أعمالهم وفي رواية العلاء بن عبد الرحمن ويوضع الصراط فيمر عليه مثل جياد الخيل والركاب وفي

стр. 4324

حديث ابن مسعود ثم يقال لهم انجوا على قدر نوركم فمنهم مَنْ يمر كطرف العين ثم كالبرق ثم السحاب ثم كانقضاض الكوكب ثم كالريح ثم كشد الفرس ثم كشد الرجل حتى يمر الرجل الذي أعطي نوره على إبهام قدمه يحبو على وجهه ويديه ورجليه يجر بيد ويعلق يد ويجر برجل ويعلق رجل وتضرب جوانبه النار حتى يخلص وعند ابن أبي حاتم في التفسير عن أبي الزعراء عن ابن مسعود عمر البرق ثم الريح ثم الطير ثم أجود الخيل ثم أجود الإبل ثم كعدو الرجل حتى أن اخرهم رجل نوره على موضع إبهامي قدميه ثم يتكفا به الصراط. وعند هناد بن السري عن السري عن ابن مسعود بعد الريح ثم كأسرع البهائم حتى يمر الرجل سعيًا ثم مشيًا ثم آخرهم يتلبط على بطنه فيقول: يا ربِّ لم أبطأت بي فيقول أبطأ بك عملك ولابن المبارك من مرسل عبد الله بن شقيق فيجوز الرجل كالطرف وكالسهم وكالطائر السريع وكالفرس الجواد المضمر ويجوز الرجل يعدو عدوًا ويمشي مشيًا حتى يكون آخر مَنْ ينجو يحبو. وقوله: "وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: نعم" وفي رواية وبه كلاليب والضمير للصراط وفي رواية حذيفة وأبي هريرة معًا وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ مَنْ أمرت به وفي رواية سهيل وعليه كلاليب النار وفي حديث أبي سعيد عليه خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيفة تكون بنجد يقال لها السعدان والكلاليب جمع كَلوب بفتح الكاف وضم اللام المشددة قال في المحكم الكلاب والكلوب السفود لأنه يعلق الشواء ويتخلله وقيل الكلاب والكلوب حديدة مقطوفة كالخطاف ولأبي المعالي الكلوب والكلاب المنشال والخطاف قال أبو بكر بن العربي هذه الكلاليب هي الشهوات المشار إليها في حديث حفت النار بالشهوات قال: فالشهوات موضوعة على جوانبها فمن اقتحم الشهوة سقط في النار لأنها خطا طيفها وفي حديث حذيفة وترسل الأمانة والرحم فيقومان جنبي الصراط يمينًا وشمالًا أي: يقفان في ناحيتي الصراط وهي بفتح الجيم والنون بعدها موحدة ويجوز سكون النون والمعنى أن الأمانة والرحم لعظم شأنهما وفخامة ما يلزم العباد من رعاية حقهما يوقفان هناك للأمين والخائن والمواصل والقاطع فيحاجان عن المحق ويشهدان على المبطل قال الطيبي: ويمكن أن يكون المراد بالأمانة ما في قوله تعالى: ﴿عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، وبصلة الرحم ما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ فيدخل فيه معنى التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله فكأنهما اكتنفتا جنبتي الإِسلام الذي هو الصراط المستقيم وفطر في الإِيمان والدين القويم. وقوله: "وحَسَكة" بفتح الحاء والسين المهملتين قال صاحب التهذيب: الحسك نبات له ثمر خشن يتعلق بأصواف الغنم وربما اتخذ مثله من حديد وهو من آلات الحرب. وقوله: "مُفَلْطحة" بضم الميم وفتح الفاء وسكون اللام بعدها طاء ثم حاء مهملتان كذا

стр. 4325

عند الأكثر وللكشميهني مطلفحة بتقديم الطاء ثم اللام ثم الفاء ولبعضهم فيه اتساع وهو عريض يقال فلطح القرص أي: بسطه وعرضه. وقوله: "شوكة عقيفة" بالقاف ثم الفاء وزن عظيمة وهي الملوية كالصنارة ولبعضهم عقيفاء بصيغة التصغير ممدود. وقوله: "مثل شوك السعدان" بالسين والعين المهملة بلفظ التثنية والسعدان جمع سعدانة وهو نبات ذو شوك يضرب به المثل في طيب مرعاه قالوا: مرعى ولا كالسعدان وهي غبراء اللون يأكلها كل شيء وليست كبيرة ولها إذا يبست شوكة مفلطحة كأنها درهم وهي شوكه ضعيفة ومنابت السعدان السهول قال الكرماني: هو نبت له شوك عظيم من كل الجوانب مثل الحَسَك وهو أفضل مراعي الإبل. وقوله: "هل رأيتم شوك السعدان" وفي رواية أما رأيتم شوك السعدان وهو استفهام تقرير لاستحضار الصورة المذكورة. وقوله: "غير أنها لا يعلم قدر عظمها إلا الله" أي: الشوكة والضمير للشان وفي رواية الكشميهني غير أنه وفي رواية مسلم لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله قال القرطبي قيدناه أي: لفظ قدر عن مشائخنا بضم الراء على أن ما يكون استفهامًا وقدر مبتدأ خبره ما مقدم وينصبها على أن يكون ما زائدة وقدر مفعول يعلم وقال الزين بن المنير تشبيه الكلاليب بشوك السعدان خاص بسرعة اختطافها وكثرة الانتشاب فيها مع التحرز والتصون تمثيلًا لهم بما عرفوه في الدنيا وألفوه بالمباشرة ثم استثنى إشارة إلى أن التشبيه لم يقع في مقدارهما. وقوله: "فتخطِف الناس بأعمالهم" بكسر الطاء وبفتحها قال ثعلب: خطِف بالكسر في الماضي وبالفتح في المضارع وحكى عكسه والكسر في المضارع أفصح وفي الواعي الخطف الأخذ بسرعة على قدر ذنوبهم وفي رواية السدي وبحافتيه ملائكة معهم كلاليب من نار يختطفون بها الناس. وقوله: "فمنهم مَنْ يوبق بعمله ومنه مَنْ يخردل ثم ينجو" وفي رواية منهم الموبق بعمله ومنهم المخردل ثم ينجو والموبق بالموحدة بمعنى الهلاك وفي رواية لمسلم الموثق بالمثلثة من الوثاق وفي رواية إبراهيم بن سعد عند أبي ذر في التوحيد بالشك وللأصيلي ومنهم المؤمن مَنْ يقي بعمله من الوقاية أي يستره عمله والمخردل بالخاء المعجمة وللأصيلي بالجيم وكذا لأبي أحمد الجرجاني ووهاه عياض والدال مهملة للجميع والذي بالجيم معناه المشرف على السقوط والهلاك وحكى أبو عبيدة فيه إعجام الذال ورجح ابن قرقول الخاء المعجمة والدال المهملة قال الهروي: المعنى أن كلاليب النار تقطعه فيهوى في النار قال كعب بن زهير: يعدو فيلمم ضرغامين عيشهما ... لحم من القوم معفور خراديل

стр. 4326

فقوله: معفور بالعين المهملة والفاء أي واقع في التراب وخراديل أي: هو قطع ويحتمل أن يكون من الخردل أي: جعلت أعضاؤه كالخردل وقيل معناه أنها تقطعهم عن لحوقهم بمن تجي وقيل: المخردل المصروع ورجحه ابن التين فقال: هو أنسب لسياق الخبر وفي رواية إبراهيم بن سعد عند أبي ذر فمنهم المخردل أو المجازى أو نحوه ولمسلم عنه المجازى من غير شك وهو بضم الميم وتخفيف الجيم من الجزاء. وقوله: "ثم ينجو" في رواية إبراهيم بن سعد ثم ينجلي أي: يتبين ويحتمل أن يكون بالخاء المعجمة أي: يخلى عنه فيرجع إلى معنى ينجو وفي حديث أبي سعيد فناج مسلم ومخدوش ومكدوس في جهنم حتى يمر أحدهم فيسحب سحبًا قال ابن أبي جمرة يؤخذ منه أن المارين على الصراط ثلاثة أصناف: ناج بلا خدش، وهالك من أول وهلة، ومتوسط بينهما، ثم ينجو وكل قسم منها ينقسم أقسامًا تعرف بقوله: بقدر أعمالهم في ضبط مكدوس ففي رواية مسلم بالمهملة ومعناه الراكب بعضه على بعض ورواه بعضهم بالمعجمة ومعناه السوق الشديد وقيل: مكردس والمكردس فقار الظهر وكردس الرجل خيله جعلها كراديس أي فرقها والمراد أنه يكفأُ في قعرها وعند ابن ماجه عن أبي سعيد رفعه يوضع الصراط بين ظهراني جهنم على حسك كحسك السعدان ثم يستجيز الناس فناج مسلم ومخدوش به ثم ناج ومحتبس به ومنكوس فيها. وقوله: "حتى إذا أراد الله رحمة مَنْ أراد من أهل النار" وفي رواية حتى إذا فرغ الله من القضاء بين عباده قال الزين بن المنير الفراغ إذا أضيف إلى الله تعالى معناه القضاء وحلوله بالمقضى عليه والمراد إخراج الموحدين من النار وإدخالهم الجنة واستقرار أهل النار في النار وحاصله أن المعنى يفرغ الله من القضاء بعذاب من يفرغ عذابه ومَنْ لا يفرغ فيكون إطلاق الفراغ بطريق المقابلة وإن لم يذكر لفظها. وقال ابن أبي جمرة: معناه وصل الوقت الذي سبق في علم الله أنه يرحمهم وفي حديث عمران بن حصين في الرقاق أن الإِخراج يقع بشفاعة محمد ﷺ وعند أبي عوانة والبيهقي وابن حِبّان في حديث حذيفة يقول إبراهيم: يا رباه حرقت بنيّ فيقول اخرجوا، وعند الحاكم عن عبد الله بن سلام أن قائل ذلك آدم وفي حديث أبى سعيد فما أنتم بأشد مناشدة في الحق قد يتبين لكم من المؤمنين يومئذ للجبار إذا رأوا أنهمّ قد نجوا في إخوانهم المؤمنين يقولون ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا الحديث الآتي في التوحيد وعند مسلم اختلاف في سياقه ويحمل على أن الجميع شفعوا وتقدم النبي ﷺ قبلهم في ذلك وعند الطبراني بسند حسن عن عبد الله بن عمرو رفعه يدخل من أهل القبلة النار من لا يحصى عددهم إلاَّ الله بما عصوا الله واجترؤوا على معصيته وخالفوا طاعته فيوذن لي في الشفاعة فأثنى على الله ساجدًا كما أثنى عليه قائمًا فيقال لي: ارفع رأسك الحديث، ويؤيده أن في حديث أبي سعيد تشفع الأنبياء

стр. 4327

والملائكة والمؤمنون وعند النسائي عن أنس ذكر سبب آخر لإِخراج الموحدين من النار ولفظه وفرغ من حساب الناس وأدخل مَنْ بقي من أُمتي النار مع أهل النار فيقول أهل النار ما أغنى عنكم أنكم كنتم تعبدون الله لا تشركون به شيئًا فيقول الجبار: فبعزتي لأعتقنهم من النار فيرسل إليهم فيخرجون وعند ابن أبي عاصم والبزار عن أبي موسى رفعه إذا اجتمع أهل النار في النار ومعهم مَنْ شاء الله من أهل القبلة يقول لهم الكفار: ألم تكونوا مسلمين؟ قالوا: بلى، قالوا: فما أغنى عنكم إسلامكم وقد صرتم معنا في النار؟ فقالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها فيأمر الله مَنْ كان من أهل القبلة فأُخرجوا فيقول الكفار: يا ليتنا كنّا مسلمين وفي حديث أبي بكر الصديق ثم يقال ادعوا الأنبياء فيشفعون ثم يقال: ادعوا الصديقين فيشفعون ثم يقال: ادعوا الشهداء فيشفعون وعند ابن أبي عاصم والبيهقي عن أبي بكرة مرفوعًا يحمل الناس على الصراط فينجي الله مَنْ شاء برحمته ثم يؤذن في الشفاعة للملائكة والنبيين والشهداء والصديقين فيشفعون ويخرجون. وقوله: "أمر الله الملائكة أن يخرجوا مَنْ كان يعبد الله فيخرجونهم ويعرفونهم بآثار السجود" وفي "الرقاق" قبل هذا ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله قال القرطبي: لم يذكر الرسالة إما لأنهما لما تلازما في النطق غالبًا وشرعًا أكتفي بذكر الأولى أو لأن الكلام في حق جميع المؤمنين هذه الأُمة وغيرها ولو ذكرت الرسالة لتعدد ذكر الرسل كثيرًا والأول أولى ويرد الثاني أنه يكتفي بلفظ جامع كأن يقول مثلًا: ونؤمن برسله وقد تمسك بظاهره بعض المبتدعة ممن زعم أن مَنْ وحَّد الله من أهل الكتاب يخرج من النار ولو لم يؤمن بغير مَنْ أرسل إليه وهو قول في غاية البطلان فإن مَنْ جحد الرسالة كذّب الله ومَنْ كذب الله لم يوحده. وقوله: "أمر الملائكة أن يخرجوهم" في حديث أبي سعيد اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار فأخرجوه، وفي حديث أنس في الشفاعة في "الرقاق" فيحد لي حدًا فأخرجهم ويجمع بأن الملائكة يؤمرون على ألسنة الرسل بذلك فالذين يباشرون الإخراج هم الملائكة. وفي حديث أبي سعيد أيضًا بعد قوله: ذرة فيخرجون خلقًا كثيراً، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها خيرًا، وفيه فيقول الله: شفعت الملائكة وشفع النبيون ولم يبق إلاَّ أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط وتمسك بعضهم بهذه الزيادة في تجويز إخراج غير المؤمنين من النار وهذا قول يخاف على صاحبه من الكفر أو هو مرتد حقيقة لمخالفته لصريح القرآن في أن الكافر مخلّد في النار والحديث معنى الخبر المنفي فيه هو ما زاد على أصل الإقرار بالشهادتين كما تدل عليه بقية الأحاديث وفي حديث معبد عن الحسن البصري عن أنس فأقول: يا رب ايذن لي فيمن قال لا إله إلا الله قال: ليس ذلك لك ولكن وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجن من قال لا إله إلا الله. وسيأتي بطوله في التوحيد، وفي حديث جابر عند مسلم ثم يقول الله أنا أخرج بعلمي وبرحمتي.

стр. 4328

وفي حديث أبي بكر أنا أرحم الراحمين أَدخِلوا جنتي مَنْ كان لا يشرك بي شيئًا قال الطيبي: هذا يؤذن بأن كل ما قدر قبل ذلك بمقدار شعيرة، ثم حبَّة ثم خردلة، ثم ذرة غير الإيمان الذي يعبر به عن التصديق والإقرار بل هو ما يوجد في قلوب المؤمنين من ثمرة الإيمان, وهو على وجهين: أحدهما: ازدياد اليقين وطمأنينة النفس؛ لأن تضافر الأدلة أقوى للمدلول عليه وأثبت لعدمه. والثاني: أن يراد العمل، وأن الإيمان يزيد وينقص بالعمل، وينصر هذا الوجه قوله في حديث أبي سعيد "لم يعملوا خيرًا". قال البيضاوي: وقوله: "ليس ذلك لك" أي: أنا أفعل ذلك تعظيمًا لاسمي وإجلالًا لتوحيدي، وهو مخصص لعموم حديث أبي هريرة المار في باب الحرص على الحديث من كتاب العلم "أسعد الناس بشفاعتي مَنْ قال: لا إله إلاَّ الله مخلصًا". قال: ويحتمل أن يجري على عمومه ويحمل على حال ومقام آخر. قال الطيبي: إذا فسرنا ما يختص بالله بالتصديق المجرد عن الثمرة وما يختص برسوله هو الإيمان مع الثمرة من ازياد اليقين، أو العمل الصالح، حصل الجمع. ويحتمل وجهًا آخر، وهو أن المراد بقوله: ليس ذلك لك مباشرة الإخراج لا أصل الشفاعة، وتكون هذه الشفاعة الأخيرة وقعت في إخراج المذكورين. فأجيب إلى أصل الإخراج ومنع من مباشرته فنسبت إلى شفاعته في حديث "أسعد الناس" لكونه ابتدأ بطلب ذلك. وقد استوفى الكلام عليه في الباب المذكور آنفًا. وقوله: "فيعرفونهم بآثارِ السجودِ" وفي رواية إبراهيم بن سعد "فيعرفونهم في النار بأثر السجود". قال الزين بن المنير تعرف صفة هذا الأثر مما ورد في قوله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ لأن وجوههم لا تؤثر فيها النار فتبقى صفتها باقية. وقال غيره: بل يعرفونهم بالغرة والتحجيل، وفي هذا نظر؛ لأنها مختصة بهذه الأُمة، والذين يخرجون أكثر من ذلك. وقوله: وحرم الله على النار أن تأكل أثمر السجود، فكل ابن آدم تأكله النار إلاَّ أثر السجود هذا جواب عن سؤال مقدر تقديره كيف يعرفون أثر السجود مع قوله في حديث أبي سعيد عند مسلم فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحمًا أذن الله بالشفاعة أي: فإذا صاروا فحمًا كيف يتميز محل السجود من غيره حتى يعرف أثره، وحاصل الحديث تخصيص أعضاء السجود من عموم الأعضاء التي دلّ عليها هذا الخبر، وأن الله منع النار أن تحرق أثر السجود من المؤمن. وهل المراد بأثر السجود نفس العضو الذي سجد أو المراد من سجد؟ في ذلك نظر، والثاني أظهر. قال عياض: فيه دليل على أن عذاب المؤمنين المذنبين مخالف لعذاب الكفار، وأنها لا تأتي على جميع أعضائهم إما إكرامًا لمواضع السجود وعظم مكانهم من الخضوع لله تعالى، أو لكرامة تلك الصورة التي خلق آدم والبشر عليها وفضلوا بها على سائر الخلائق. قال في "الفتح" الأول: منصوص، والثاني: محتمل، لكن يشكل عليه أن الصورة لا تختص بالمؤمنين فلو كان الإكرام لأجلها لشاركهم الكفار، وليس كذلك. قال النووي: وظاهر الحديث أن النار لا تأكل جميع أعضاء السجود السبعة: وهي الجبهة، واليدان، والركبتان، والقدمان، التي ورد الحديث الآتي قريبًا بالسجود عليها، وبهذا جزم بعض العلماء، وقال عياض: ذكر الصورة

стр. 4329

ودارات الوجوه يدل على أن المراد بأثر السجود الوجه خاصة خلافًا لمن قال يشمل الأعضاء السبعة ويؤيد اختصاص الوجه أن في بقية الحديث أن منهم مَنْ غاب في النار إلى نصف ساقيه، وفي حديث سمرة عند مسلم: وإلى ركبتيه، وفي رواية هشام بن سعد في حديث أبي سعيد وإلى حقويه، قال النووي: وما أنكره هو المختار، ولا يمنع من ذلك قوله في الحديث الآخر في مسلم أن قومًا يخرجون من النار يحرقون فيها إلاَّ دارات وجوههم فإنه يحتمل على أن هؤلاء قوم مخصوصون من جملة الخارجين من النار، فيكون الحديث خاصًا بهم وغيره عامًا، فيحمل على عمومه إلا ما خصّ منه. قال في "الفتح": إن أراد أن هؤلاء يخصون بأن النار لا تأكل وجوههم كلها وأن غيرهم لا تأكل منهم محل السجود خاصة وهو الجبهة سلم من الاعتراض وإلا يلزمه تسليم ما قال القاضي في حق الجميع إلا هؤلاء. وإن كانت علامتهم الغرة كما مرّ النقل عمن قاله، وما تعقبه بأنها خاصة بهذه الأُمة فيضاف إليها التحجيل وهو في اليدين والقدمين مما يصل إليه الوضوء فيكون أشمل مما قال النووي من جهة دخول جميع اليدين والرجلين لا خصوص الكفين والقدمين، ولكن ينقص منه الركبتان وما استدل به عياض من بقية الحديث لا يمنع سلامة هذه الأعضاء مع الانغمار لأن تلك الأحوال الأخروية خارجة عن قياس أحوال أهل الدنيا. ودلّ التنصيص على دارات الوجوه أن الوجه كله لا تؤثر فيه النار إكرامًا لمحل السجود ويحمل الاقتصار عليها على التنويه بها لشرفها. وقد استنبط ابن أبي جمرة من هذا أن مَنْ كان مسلمًا ولكنه كان لا يصلّي لا يخرج إذ لا علامة له، لكن يحمل على أنه يخرج في القبضة لعموم قوله لم يعملوا خيرًا قط، وهو مذكور في حديث أبي سعيد الآتي في التوحيد وهل المراد بمن يسلم من الإحراق من كان يسجد أو أعم من أن يكون بالفعل أو القوة الثاني أظهر ليدخل فيه مَنْ أسلم مثلًا وأخلص فبغتة الموت قبل أن يسجد ولوالد صاحب "فتح الباري" علي بن محمد بن حجر ما يوافق مختار النووي. يا ربِّ أعضاءَ السجودِ عتقتَها ... مِنْ عبدِكَ الجاني وأنت الواقي والعتقُ يسري بالغنى يا ذا الغنى ... فامننْ على الفاني بعتقِ الباقي وقوله: "فيخرجون من النار قد امْتَحشوا" وفي رواية "الرقاق" فيخرجونهم قد امتحشوا، وعند أبي نعيم: فيخرجون من عرفوا ليس فيه قد امْتَحشوا، وإنما ذكرها بعد قوله فيقبض قبضة، وكذا أخرجه البيهقي وابن منده. قال عياض: ولا يبعد أن الامْتِحاش يختص بأهل القبضة والتحريم على النار تأكل صورة الخارجين أولًا قبلهم ممن عمل الخير على التفصيل السابق، وامتَحَشُوا بفتح المثناة والمهملة وضم المعجمة أي: احترقوا وزنه ومعناه. والمحش احتراق الجلد وظهور العظم، وعند بعضهم بضم المثناة وكسر الحاء، ولا يعرف في اللغة امْتَحَشة متعديًا وإنما سمع لازمًا مطاوع محشة. يقال: مَحَشْتُه وأَمْحَشْتُهُ وأنكر ابن السكيت الثلاثي وقال غيره: أمْحَشتُه فامْتَحش، وأَمْحَشه الحر أحرقه، والنار أحرقته وامْتَحش هو غضبًا. وقال الداووي: امْتَحشوا انقبضوا واسودوا، وقوله: فيصب عليهم ماء الحياة. وفي "الرقاق" ماء يقال له ماء الحياة في حديث أبي سعيد فيلقون في

стр. 4330

نهر بأفواه الجنة يقال له ماء الحياة، والأفواه جمع فوهة على غير قياس والمراد بها الأوائل، ومرّ في "الإيمان" عن أبي سعيد في نهر الحياة أو الحياء بالشك، وفي رواية أبي نضرة عند مسلم على نهر يقال له الحيوان أو الحياة، وفي أخرى له فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة، وفي تسمية ذلك النهر به إشارة إلى أنهم لا يحصل لهم الفناء بعد ذلك. وقوله: فينبتون كما تنبت الحبة. وفي "الرقاق" نبات الحِبّة بكسر المهملة وتشديد الموحدة وقد مرّ في "كتاب الإيمان" أنها بذور الصحراء والجمع حِبَبَ بكسر المهملة وفتح الموحدة بعدها مثلها. وأما الحَبّة بفتح أوله وهو ما يزرعه الناس فجمعها حُبُوب بضمتين. وفي حديث أبي سعيد فينبتون في حافتيه، وفي رواية لمسلم كما تنبت الغُثاءةُ بضم الغين المعجمة بعدها مثلثة مفتوحة، وبعد الألف همزة ثم هاء تأنيث هو في الأصل كل ما حمله السيل من عيدان وورق وبذور وغيرها، والمراد به هنا ما حمله من البذور خاصة. وقوله في حَمِيل السيل بالحاء المفتوحة والميم المكسورة أي: ما يحمله السيل، وفي رواية يحيى بن عمارة إلى جانب السيل، والمراد أن الغُثاء الذي يجيء به السيل تكون فيه الحِبَّة فيقع في جانب الوادي، فتصبح من يومها نابتة، وفي رواية لمسلم في حمئة السيل بعد الميم همزة ثم هاء، وقد تشبع الميم فيصير بوزن عظيمة وهو ما تغير لونه من الطين؛ وخصّ بالذكر لأنه يقع فيه النبت غالبًا. قال ابن أبي جمرة: فيه إشارة إلى سرعة نباتهم لأن الحِبَّة أسرع في النبات من غيرها، وفي السيل أسرع لما يجتمع فيه من الطين الرخو الحادث مع الماء مع ما خالطه من حرارة الزبل المجذوب معه. قال: ويستفاد منه أنه ﷺ كان عارفًا بجميع أمور الدنيا بتعليم الله تعالى له وإن لم يباشر ذلك. وقال القرطبي: اقتصر المازري على أن موقع التشبيه السرعة، وبقي عليه نوع آخر دلّ عليه قوله في الطريق الأخرى إلا ترونها تكون في الحجر ما يكون منها إلى الشمس أصفر وأخضر وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض، وفيه تنبيه على أن ما يكون إلى الجهة التي تلي الجنة يسبق إليه البياض المستحسن، وما يكون منهم إلى جهة النار يتأخر النصوع عنه فيبقى أصيفر وأخيضر إلى أن يتلاحق البياض ويستوي الحسن. والنور ونضارة النعمة عليهم. وقال: ويحتمل أن يشير بذلك إلى أن الذي يباشر الماء يعني الذي يرش عليهم يسرع نصوعه، وأن غيره يتأخر عنه النصوع لكنه يسرع إليه، وقد مرَّ الكلام على هذه الجملة في (باب تفاضل الإِيمان) من "كتاب الإِيمان". وقوله: ويبقى رجل بين الجنة والنار وهو آخر أهل النار دخولًا الجنة مقبلًا بوجهه قِبَل النار. وفي وصف هذا الرجل أنه كان نبّاشًا، وذلك في حديث حذيفة الآتي في أخبار بني إسرائيل أن رجلًا كان يسيء الظن بعمله فقال لأهله: "أحرقوني" الحديث، وفي آخره كان نباشًا. وفي حديث أبي بكر الصديق عند أحمد وأبي عوانة وغيرهما ثم يقول الله: "انظروا هل بقيَ في النار أحدٌ عملَ خيرًا قط، فيجدونَ رجلًا، فيقولون له: هل عملتَ خيرًا قطُ؟ فيقول: لا، غير أني كنتُ أسامحُ الناسَ في البيعِ .. " الحديث، وفيه "ثمَّ يُخْرجون منَ النارِ رجلًا آخرَ فيقالُ لهُ: هلْ عملتَ خيرًا قطُ؟

стр. 4331

فيقولُ: لا، غير أني أمرتُ ولدي إذا مِتُ فاحرقوني .. " الحديث. وجاء من وجه آخر أنه كان يسأل الله أن يجيره من النار، ولا يقول ادخلني الجنة، أخرجه الحسين المروزي في "زيادات الزهد" لابن المبارك عن عوف الأشجعي رفعه قد علمت آخر أهل الجنة دخولًا الجنة رجلٌ كانَ يسألُ الله أن يجيرَهُ مِن النارِ ولا يقول أدخلني الجنةَ فإذا دخلَ أهلُ الجنَّة الجنَّة، وأهلُ النارِ النارَ بقيَ بينَ ذلكَ، فيقولُ: يا ربِّ قرِّبني منْ باب الجنّةِ أَنظرُ إليها وأجدُ منْ ريحها، فيقرِّبهُ، فيرى الشجرة ... الحديث، وهو عند ابن أبي شيبة أيضًا، وهو يقوي التعدد لكن الإسناد ضعيف. قال عياض: جاء هذا في آخر من يجوز على الصراط، وجاء في حديث ابن مسعود في "الرقاق": "إني لأَعلمُ آخرَ أهل النَّارِ خروجًا منها، وآخرَ أَهل الجنَّةِ دخولًا فيها"، فيحتمل أنهما اثنان: إما شخصان، وإما نوعان أو جنسان، وعبّر فيه بالواحد عن الجماعة لاشتراكهم في الحكم الذي كان سبب ذلك. ويحتمل أن يكون الخروج هنا بمعنى الورود، وهو الجواز على الصراط فيتحد المعنى إما في شخص واحد أكثر. وعند مسلم من رواية أنس عن ابن مسعود ما يقوي الاحتمال الثاني ولفظه "آخرُ مَنْ يدخل الجنَّةَ رجلٌ فهو يمشي مرةً ويكبو مرةً وتسفعهُ النارُ مرةً، فإذا جاوزَها التفتَ إليها فقال: تباركَ الذي نجاني منكِ". وعند الحاكم عن مسروق عن ابن مسعود ما يقتضي الجمع. وفي "نوادر الأُصول" للحكيم الترمِذِيّ عن أبي هريرة: "أنَّ أطولَ أهلَ النارِ مكثًا مَنْ يمكثُ سبعةَ الآفِ سنة" وسنده واهٍ، وأشار ابن أبي جمرة إلى المغايرة بين آخر مَنْ يخرج من النار وهو المذكور في حديث ابن مسعود الماضي وأنه يخرج منها بعد أن يدخلها حقيقة، وبين آخر مَنْ يخرج ممن يبقى مارًا على الصراط، فيكون التعبير بأنه خرج من النار بطريق المجاز؛ لأنه أصابه من حرها وكربها ما يشارك به بعض مَنْ دخلها، وفي "غرائب مالك" للدارقطني عن عبد الملك بن الحكم وهو واهٍ عن مالك عن نافع عن ابن عمر رفعه أن آخر مَنْ يدخل الجنة رجل من جهينة يقال له جهينة، فيقول أهل الجنة عند جهينة الخبر اليقين، وحكى السهيلي أنه جاء أن اسمه هناد وجوّز غيره أن يكون أحد الاسمين لأحد المذكورين، والآخر للآخر. وقوله: فيقول: "يا ربِّ اصرف وجهي عن النار، فقد قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها". وفي رواية "الرقاق" تأخير فاصرف وجهي عن النار عن الجملتين، وقوله: فيقول: "يا ربِّ" في رواية إبراهيم بن سعد في التوحيد أي ربِّ، وقوله: "اصرفْ وجهي عن النار" استشكل وجهه إلى جهة النار، والحال أنه ممن يمرّ على الصراط طالبًا إلى الجنة، فوجهه إلى الجنة لكن في حديث أبي أُمامة أنه يتقلب على الصراط ظهرًا لبطن، فكأنه في تلك الحالة انتهى إلى آخره فصادف أن وجهه كان من قبل النار، ولم يقدر على صرفه عنها باختياره فسأل ربّه في ذلك. وقوله: "قد قَشَبني ريحها" بقاف وشين معجمة مفتوحتين مخففًا وحكي التشديد. قال الخطابي: قشبه الدخان إذا ملأ خياشمه، وجعل يكظمه، وأصل القَشْب خلط السم بالطعام.

стр. 4332

يقال: قَشَبه إذا سمَّه، ثم استعمل فيما إذا بلغ الدخان والرائحة الطيبة منه غايته. وقال النووي: معنى قَشَبني سمّني، وآذاني وأهلكني، هكذا عند جماهير أهل اللغة. وقال الداودي: معناه غير جلدي وصورتي، والأحسن فيه ما قاله الخطابي، وما قاله الداودي تفسير باللازم، وهو كثير فيه قال ابن أبي جمرة: إذا فسّرنا القَشَب بالنتن والمستقذر، كانت فيه إشارة إلى طيب ريح الجنة، وهي من أعظم نعيمها وعكسها النار في جميع ذلك. قال ابن القطاع: قَشَب الشيء، خلطه بما يفسد من سم أو غيره، وقَشَب الإنسان، لطخه بسوء كاغتابه وأعابه، وأصله السم فاستعمل بمعنى أصابه المكروه إذا أهلكه أو أفسده، أو غيّره أو أزال عقله، أو تقذره هو، وقوله: وأحرقني ذكاؤها كذا للأصيلي وكريمة بالمد وفتح الذال وفي رواية أبي ذرٍّ ذكاها بالقصر، وهو الأشهر في اللغة. قال ابن القطاع: يقال: ذكت النار تذكو ذَكَاً بالقصر وذُكوًّا بالضم وتشديد الواو أي: كثر لهبها واشتد اشتعالها ووهجها وأما ذكا الغلام ذَكَاء بالمد فمعناه أسرعت فطنته. قال النووي: المد والقصر لغتان ذكره جماعة فيها وتعقبه مغلطاي بأنه لمن يوجد عن أحد من أهل اللغة المصنفين فيها حكاية المد إلا عن أبي حنيفة الدينوري، وتعقبه عليه علي بن حمزة الأصبهاني فقال: إن الذكاء بالمد لم يأتِ عنهم في النار، وإنما جاء في "الفهم" وفي "مسلم": "فقد أحرقني ذَكَاؤُها" بالمد. قال ابن قرقول: والمعروف في شدة حرّ النار القصر إلا أن الدينوري ذكر فيه المد، وخطأه علي بن حمزة فقال: الذَكَاء بالمد تمام الشيء، ومنه ذكاء القلب. وقال صاحب "الأفعال": ذَكَا الغلام والعقل أسرع في الفطنة، وذَكَا الرجل ذكاءً من حدة فكره، وذَكَت النار ذكًا بالقصر توقدت، وقوله: "فَيُصْرَف وجهُهُ عن النارِ" أي: بضم أوله على البناء للمفعول، وفي رواية الباب "فَيَصْرِف اللهُ وجهَهُ". وفي رواية أنَس عن ابن مسعود عند مسلم. وفي حديث أبى سعيد عند أحمد والبزار نحوه أنه يرفع له شجرة فيقول: "ربِّ أَدنُني من هذه الشجرةِ لأستظَلَّ بظلها، وأشربَ مِنْ مائِهَا، فيقولُ الله: لعلي إنْ أعطيتُكَ تسألْنِي غيرهَا، فيقولُ: لا يا ربِّ، ويعاهدُهُ أنْ لا يسألَ غيرَها، وربُّهُ يعذرُهُ لأنَّهُ يرى ما لا صبرَ عليه، ومنه أنّهُ يدنو منها، وأنّهُ ترْفَع له شجرةٌ أُخرى أحسنُ من الأُولى عند باب الجنةِ، ويقول في الثالثة: "ائذن لي في دخول الجنة". وكذا وقع في حديث أنس الآتي في "التوحيد" رفعه آخر من يخرج من النار ترفع له شجرة، ونحوه لمسلم عن أبي سعيد بلفظ: "أن أدنى أهلِ الجنّةِ منزلةً رجلٌ صرفَ اللهُ وجهَهُ عن النَّار قِبَلَ الجنَّةِ، ومَثُلَتْ لهُ شجرةٌ". ويجمع بأنه سقط من حديث أبي هريرة ذكر الشجرات كما سقطَ من حديث ابن مسعود ما ثبت في حديث الباب من طلب القرب من باب الجنة. وقوله: "ثم قال: يا ربِّ قدَّمني عندَ باب الجنَّةِ". وفي رواية "الرقاق": "يا ربِّ قرِّبني إلى بابِ الجنَّةِ"، وقوله: "فيقولُ اللهُ: أليسَ قَدْ أعطيتَ العهدَ والميثاق"، وفي "الرقاق": "أليسَ قَدْ زعمت" وقوله: "فيقول: يا ربِّ لا أكونُ أشقى خلقك" وفي "الرقاق": "لا تجعلني أشقى خلقك" المراد "بالخلق" هنا مَنْ دخل الجنة، فهو لفظ عام أُريد به خاص، ومراده أنه يصير إذا استمر خارجًا عن

стр. 4333

الجنة أشقاهم، وكونه أشقاهم ظاهر لو استمر خارج الجنة وهم من داخلها. قال الطيبي: معناه يا رب قد أعطيت العهد والميثاق، ولكن تفكرت رحمتك وكرمك فسألت، وللقابسي "لأكونن"، قال ابن التين: معناه لئن أبقيتني على هذه الحالة ولم تدخلني الجنة لأكونن، قال: والألف في رواية "لا أكون" زائدة، وقال الكرماني: معناه لا أكون كافرًا، وقوله: "لا أكون" لَفْظُهُ لَفْظُ الخبرِ ومعناه الطلب، ودلّ عليه قوله: لا تجعلني، ووجه كونه "أشقى" أن الذي يشاهد ما يشاهده ولا يصل إليه يصير أشد حسرة ممن لا يشاهده، وقوله: "خلقك" مخصوص بمن ليس من أهل النار، وقوله: "مما عسيت إنْ أعطيتَ ذلكَ أنْ لا تسألَ غيرَهُ" وفي رواية "التوحيد": "فهل عسيتَ إنْ فعلتُ بكَ أنْ تسألَني غيرَهُ"، وفي سين عسيت الفتح والكسر وجملة أن تسألني هي خبر عسى، والمعنى هل يتوقع منك سؤال شيء غير ذلك، وهو استفهام تقرير؛ لأن ذلك عادة بني آدم والترجي راجع إلى المخاطب لا إلى الرب، وهو من باب إرخاء العِنانِ إلى الخصم ليبعثه ذلك على التفكير في أمره والإنصاف من نفسه. وقوله: "فيعطي ربَّهُ ما شاءَ من عهدٍ وميثاقٍ" يحتمل أن يكون فاعل شاء الرجل المذكور أو الله. قال ابن أبي جمرة: إنما بادر للحلف من غير استحلاف لما وقع له من قوة الفرح بقضاء حاجته، فوطّن نفسه على أن لا يطلب مزيدًا، وأكّده بالحلف، فإذا بلغ بابها فرأى زهرتها وما فيها من النضرة والسرور، وفي رواية إبرهيم بن أسعد من الحَبْرة بفتح المهملة وسكون الموحدة، ولمسلم الخير بمعجمة وتحتانيّة بلا هاء والمراد أنه يرى ما فيها من خارجها إما لأن جدارها شفّاف فيرى باطنها من ظاهرها لما جاء في وصف الغرف، وإما أن المراد بالرؤية العلم الذي يحصل له من سطوع رائحتها الطيبة وأنوارها المضيئة لما كان يحصل له أذى لفح النار وهو خارجها، وقوله: "فيقول الله تعالى: ويحكَ يابنَ آدمَ ما أغيركَ" وفي رواية "الرقاق": "ويلكَ". وقوله: "فيضحكُ اللهُ ثمَّ يأذنُ لهُ في دخولِ الجنَّةِ". وفي "الرقاق": ولا يزال يدعو حتى يضحك فإذا ضحك منه أذن له بالدخول فيها، وفي رواية ابن مسعود في "الرقاق" فيقول: أتسخرُ مني أو تضحكُ مني وأنتَ الملكُ فلقدْ رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ ضَحكَ حتى بدتْ نواجُذهُ". وفي رواية الأعمش: "أتسخرُ بي ولمْ يشكّ". وكذا لمسلم من رواية منصور، وله من رواية أنس عن ابن مسعود: "أتستهزىءُ بي وأنت ربُّ العالمين". قال المازري: هذا مشكل وتفسير الضحك بالرضى لا يتأتى هنا, ولكن لمّا كانت عادة المستهزىء أن يضحك من الذي استهزأ به ذكر معه، وأما نسبة السخرية إلى الله تعالى فهي على سبيل المقابلة وإنْ لم يذكره في الجانب الآخر لفظًا، لكنه لمّا ذكر أنّه عاهد مرارًا وغدر حلّ فعله فعل المستهزىء، وظنّ أنّ في قول الله له ادخل الجنة وتردده إليها وظنه أنها ملأى نوعًا من السخرية به جزاء على فعله، فسمى الجزاء على السخرية سخرية، ونقل عياض عن بعضهم أن ألف أتسخر

стр. 4334

مني ألف النفي كهي في قوله تعالى: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ على أحد الأقوال، قال: وهو كلام متدلل علم مكانه من ربه وبسطه له بالإِعطاء وجوّز عياض أن الرجل قال ذلك وهو غير ضابط لما قال إذ وَلَهُ عقله من السهر وربما لم يخطر بباله ويؤيده أنه قال في بعض طرقه عند مسلم لما خلص من النار: "لقد أعطاني اللهُ شيئًا ما أعطاهُ أحدًا من الأولينَ والآخرينَ". وقال القرطبي في "المفهم": أكثروا في تأويله وأشبه ما قيل فيه أنه استخفه الفرح وأدهشه فقال ذلك، وقيل: قال ذلك لكونه خاف أن يجازى على ما كان منه في الدنيا من التساهل في الطاعات وارتكاب المعاصي كفعل الساخرين، فكأنه قال: أتجازيني على ما كان مني، فهو كقوله: سخر الله منهم، وقوله: الله يستهزىء بهم أي: ينزل بهم جزاء سخريتهم واستهزائهم، وقوله: "ضحك حتى بدتْ نواجذُهُ" بنون وجيم وذال معجمة جمع ناجذ، وفي رواية ابن مسعود فضحك ابن مسعود فقالوا: مِمّ تضحك؟ فقال: هكذا فعل رسول الله ﷺ من ضحكِ ربِّ العالمينَ حينَ قالَ الرجلُ: أتستهزىءُ مني؟ قال: لا أستهزىءُ منْكَ، ولكنَّي على ما أشاءُ قادرٌ". قال البيضاوي: نسبة الضحك إلى الله تعالى مجاز بمعنى الرضى، وضحك النبي ﷺ على حقيقته، وضحك ابن مسعود على سبيل التأسي. وقوله: فيقول له: تمنَّ فيتمنّى، حتى إذا انقطعتْ أمنيتهُ إلى قوله قال اللهُ تعالى: لكَ ذلكَ ومثلُهُ معهُ. قال أبو سعيد الخدري لأبي هريرة: "رضي الله تعالى عنهم" أن رسول الله ﷺ قال: "قال اللهُ لكَ ذلكَ وعشرةُ أمثالِه" وفي رواية إبراهيم بن سعد قال أبو سعيد: "وعشرةُ أمثالِ يا أبا هريرة" وفيه فقال أبو سعيد الخدري: أشهد أني حفظت من رسول الله ﷺ . وفي حديث أنس عن ابن مسعود: "يرضيكَ أني أعطيتُكَ الدّنيَا ومثلَها معَها". وفي حديث حذيفة عن أبي بكر: "انظر إلى ملك أعظم ملك، فإنّ لكَ مثلَهُ وعشرَ أمثالِه، فيقولُ: أتسخرُ بي وأنتَ المَلِكُ؟ " وعند أحمد من وجه آخر عن أبي هريرة وأبي سعيد جميعًا في هذا الحديث فقال أبو سعيد: "ومثلُهُ مَعُه" فقال أبو هريرة: "وعشرةُ أمثالِه"، فقال أحدهما لصاحبه: حَدِّثْ بما سمعتَ وأحدِّثُ بما سمعتُ وهذا مقلوب، فإن الذي في "الصحيح" هو المعتمد، وعند البزار من الوجه الذي أخرجه منه أحمد على وفق ما في "الصحيح". وفي حديث أبي سعيد الطويل الآتي في "التوحيد" بعد ذكر من يخرج من عصاة الموحدين فقال في آخره: "فيُقالُ لهم: لكم ما رأيتُم ومثلُهُ معَهُ"، فهذا موافق لحديث أبي هريرة في الاقتصار على المثل، ويمكن أن يجمع بأن يكون عشرة الأمثال إنما سمعه أبو سعيد في حق آخر أهل الجنة دخولًا، والمذكور هنا في حق جميع مَنْ يخرج بالقبضة. وجمع عياض بين حديثي أبي سعيد وأبي هريرة باحتمال أن يكون أبو هريرة سمع أولًا قوله: "ومثلُهُ معهُ" فحدّث به، ثم حدّث النبي ﷺ بالزيادة فسمعه أبو سعيد، وعلى هذا فيقال: سمعه أبو سعيد وأبو هريرة معًا أولًا، ثم سمع أبو سعيد الزيادة بعد، وظاهر قوله: "هذا لك وعشرةُ أمثالِه" أن العشرة زائدة على الأصل.

стр. 4335

وفي رواية أنس عن ابن مسعود: "لَك الذي تمنيت وعشرةُ أضعافِ الدنيا" وحمل على أنه تمنى أن يكون له مثل الدنيا، فيطابق حديث أبي سعيد. وفي رواية لمسلم عن ابن مسعود: "لك مثلُ الدنيا وعشرةُ أمثالِها". قال الكلاباذي إمساكه أولًا عن السؤال حياء من ربه والله يحب أن يُسأل؛ لأنه يحب صوت عبده المؤمن، فيباسطه بقوله أولًا: لعلك إن أعطيت هذا تسأل غيره، وهذه حالة المقصر فكيف حالة المطيع؟ وليس نقض هذا العبد عهده وتركه ما أقسم عليه جهلًا منه ولا قلة مبالاة، بل علمًا منه بأن نقض هذا العهد أولى من الوفاء به؛ لأن سؤاله ربه أولى من ترك السؤال مراعاة للقسم. وقد قال ﷺ : "مَنْ حلفَ على يمينٍ فرأى خيرًا مِنْها فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يمينِهِ وَلْيَأتِ الذي هو خيرٌ". فيعمل هذا العبد على وفق هذا الخبر، والتكفير قد ارتفع عنه في الآخرة. قال ابن أبي جمرة -رحمه الله تعالى- في هذا الحديث من الفوائد جواز مخاطبة الشخص بما لا تدرك حقيقته، وجواز التعبير عن ذلك بما يفهم، وأن الأُمور التي في الآخرة لا تشبه بما في الدنيا إلاَّ في الأسماء. والأصل مع المبالغة في تفاوت الصفة والاستدلال على العلم الضروري بالنظم وأن الكلام إذا كان محتملًا لأمرين بات التكلم بشيء يتخصص به مراده عند السامع، وأن التكليف لا ينقطع إلا بالاستقرار في الجنة أو النار، وأن امتثال الأمر في الموقف يقع بالاضطرار وفيه فضيلة الإيمان؛ لأنه لما تلبس به المنافق ظاهرًا بقيت عليه حرمته إلى أن وقع التمييز بإطفاء النور وغير ذلك، وأن الصراط مع دقته وحدته يسع جميع المخلوقين منذ آدم إلى قيام الساعة، وفيه أن النار مع عظمها وشدتها لا تتجاوز الحد الذي أُمرت بإحراقه والآدمي مع حقارة جرمه يقدم على المخالفة ففيه معنى شديد من التوبيخ وهو كقوله تعالى في وصف الملائكة: ﴿غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ وفيه إشارة إلى توبيخ العصاة والطغاة، وفيه فضل الدعاء وقوة الرجاء في إجابة الدعوة ولو لم يكن الداعي أهلًا لذلك في ظاهر الحكم، لكن فضل الكريم واسع. وفي قوله في آخره في بعض طرقه "ما أغدرك" إشارة إلى أن الشخص لا يوصف بالفعل الذميم إلا بعد أن يتكرر ذلك. وفيه إطلاق اليوم على جزء منه؛ لأن يوم القيامة في الأصل يوم واحد، وقد أطلق اسم اليوم على كثير من أجزائه، وفيه جواز سؤال الشفاعة خلافًا لمن منع محتجًا بأنها لا تكون إلا لمذنب. قال عياض وفات هذا القائل أنها قد تقع في دخول الجنة بغير حساب وغير ذلك مما مرّ بيانه عند حديث: "حلّتْ شفاعتي" في الأذانِ مع أن كل عاقل معترف بالتقصير فيحتاج إلى طلب العفو عن تقصيره وكذا كل عامل يخشى أن لا يقبل عمله فيحتاج إلى الشفاعة في قبوله. قال: ويلزم هذا القائل أن لا يدعو بالمغفرة ولا بالرحمة وهو خلاف ما درج عليه السلف في أدعيتهم، قلت: ومن أين لشخص غير نبي معصوم أنه لم يعص الله تعالى؟ وفي الحديث أيضًا تكليف ما لا يطاق؛ لأن المنافقين يؤمرون بالسجود وقد منعوا منه، كذا قيل وفيه نظر؛ لأن الأمر حينئذ للتعجيز والتبكيت وفيه إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة. قال الطيبي: وقول مَنْ أثبت الرؤية ووكل علم حقيقتها إلى الله فهو الحق، وكذا قول مَنْ فسّر الإتيان بالتجلي هو الحق, لأن ذلك قد تقدمه قوله: هل تضارون

стр. 4336

في رؤية الشمس والقمر وزِيدَ في تقدير ذلك وتأكيده، وكل ذلك يدفع المجاز عنه. واستدل به بعض السالبة ونحوهم على أن المنافقين وبعض أهل الكتاب يرون الله مع المؤمنين وهو غلط فاحش, لأن في سياق حديث أي سعيد أن المؤمنين يرونه بعد رفع رؤوسهم من السجود، وحينئذ يقولون: "أنت ربُّنا" ولا يقع ذلك للمنافقين ومن ذكر معهم. وأما الرؤية التي اشترك فيها الجميع قبل، فقد تقدم أنه صورة الملك أو غيره ولا مدخل أيضًا لبعض أهل الكتاب في ذلك؛ لأن في بقية الحديث أنهم يخرجون من المؤمنين ومن معهم ممن يظهر الإِيمان, ويقال لهم ما كنتم تعبدون وأنهم يتساقطون في النار، وكل ذلك قبل الأمر بالسجود وفيه أن جماعة من مذنبي هذه الأُمة يعذبون بالنار ثم يخرجون بالشفاعة والرحمة خلافًا لمن نفى ذلك عن هذه الأُمة وتأول ما ورد بضروب متكلفة والنصوص الصريحة متظافرة متظاهرة بثبوت ذلك، وأن تعذيب الموحدين بخلاف تعذيب الكفار لاختلاف مراتبهم من أخذ النار بعضهم إلى ساقه، وأنها لا تأكل أثر السجود وأنهم يموتون فيكون عذابهم فيها إحراقهم وحبسهم عن دخول الجنة سريعًا كالمسجونين بخلاف الكفار الذين لا يموتون أصلًا ليذوقوا العذاب ولا يحيون حياة يستريحون بها. على أن بعض أهل العلم أوّل ما وقع في حديث أبي سعيد من قوله: "يموتون فيها إماتة" بأنه ليس المراد أنه يحصل لهم الموت حقيقة، وإنما هو كناية عن غيبة إحساسهم وذلك للرفق بهم أو كنى عن النوم بالموت، وقد سمى الله النوم وفاة. وفي حديث أبي هريرة أنهم إذا دخلوا النار ماتوا، فإذا أراد الله إخراجهم أمسهم ألم العذاب تلك الساعة. قلت: تأويل حديث أبي سعيد السابق بعيد لتأكيده بالمصدر التي يقصد التأكيد به لرفع المجاز، وفيه أيضًا ما طبع عليه الآدمي من قوة الطمع وجودة الحيلة في تحصيل المطلوب فطلب أولًا أن يبعد من النار لتحصل له نسبة لطيفة بأهل الجنة، ثم طلب الدنو منهم وفي بعض طرقه طلب الدنو من شجرة بعد شجرة إلى أن طلب الدخول، ويؤخذ منه أن صفات الآدمي التي شرف بها على الحيوان تعود له كلها بعد بعثته كالفكر والعقل وغيرهما. تنبيه: في روايات أبي هريرة التي هنا والتي في "الرقاق" والتي في "التوحيد" تقديم "فيضحك الله قبل الإذن له في دخول الجنّة" وفي رواية ابن مسعود المشار إليها سابقًا الآتية في "الرقاق" تقديم الإذن في دخول الجنّة ووجوده لها ملأى وقول الله تعالى: "لك مثلُ الدُّنيا وعشرة أمثالِها على قوله أتسخرُ مني أو تضحكُ مني وأنت المَلِكُ" فكيف يمكن الجمع بين هذه الروايات؟ لم أرَ مَنْ تعرض لهذا وَنبَّه عليه، والظاهر عندي أن يكون أحد الراويين قدم الضحك عن محله أو أخره، أو يكون الضحك وقع مرتين، وحذف كل واحد من الراويين أحد اللفظين في محل وأبقى واحدًا، أو يكونا متعددين صدر من أحدهما ما صدر قبل أن يأذن له في الدخول، وصدر من الآخر ما صدر بعد الإذن في الدخول، والله تعالى أعلم.

стр. 4337

رجاله ستة: وفيه ذكر أبي سعيد الخدري، وقد مرّ الجميع: مرّ أبو اليمان وشعيب في السابع من بدء الوحي، ومرّ الزهري في الثالث منه، ومرّ سعيد بن المسيب في التاسع عشر من الإِيمان, ومرّ أبو هريرة في الثاني منه، ومرّ أبو سعيد الخدري في الثاني عشر منه، ومرّ عطاء بن يزيد في العاشر من الوضوء. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإخبار بالجمع والإفراد والعنعنة والقول. ورواته ما بين حمصيين ومدنيين، وفيه ثلاثة من التابعين. أخرجه البخاري أيضًا في "صفة الجنّة"، ومسلم في "الإيمان". ثم قال المصنف: باب يُبْدي ضَبْعيه ويجافي في السجود أي: هذا باب يُبْدي بضم الياء وسكون الباء الموحدة من الإبداء وهو الإظهار، وقوله: ضَبْعيه بفتح الضاد المعجمة وسكون الباء الموحدة تثنية ضبع والضبع العضد. وقيل وسط العضد من داخل، وقيل هي لحمة تحت الإبط. وفي "المغرب" إبداء الضبعين تفريجهما، وقوله: ويجافي مفعوله محذوف أي: يجافي بطنه أي يباعده. قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ أي: تتباعد. وفي "الفتح" أن هذه الترجمة والتي بعدها تقدمتا قبيل أبواب القبلة وأُعيَدتَا هنا، والصواب إثباتهما هنا وقد مرّ هناك توجيه ذكرهما هناك. وفي "الفتح" هنا تغيير، فقوله هذه والتي بعدها صوابه هذه والتي ما بعدها؛ لأنهما اللتان تقدمتا وقدم هناك الباب المتأخر هنا على هذا الباب الأول.

стр. 4338

الحديث السابع والسبعون حَدَّثَنَا يَحْيَى بن عبد الله بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ مُضَرَ عَنْ جَعْفَرٍ عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ. قوله: "فرّج بين يديه" أي: نحّى كل يد عن الجنب الذي يليها، وهذا الحديث قد مرّ الكلام عليه مستوفىً في باب "يُبْدي ضَبْعيه قبيل أبواب القبلة". رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ يحيى بن بكير في الثالث من بدء الوحي، ومرّ جعفر بن ربيعة في الرابع من التيمم، ومرّ ابن هرمز في السابع من الإيمان, ومرّ بكر بن مضر وعبد الله بن مالك بن بحينة في الثاني والأربعين من كتاب الصلاة، ومرّ هناك من أخرجه. ثم قال: وقال الليث: حدّثني جعفر بن ربيعة نحوه. وهذا التعليق وصله مسلم بلفظ: "كان إذا سجدَ فرّجَ يديهِ عن إِبطَيْهِ حتى أني لأرى بياضَ إبْطَيْهِ". وجعفر مرّ ذكر محله في الذي قبله، والليث قد مرّ في الثالث من بدء الوحي. ثم قال المصنف: باب يستقبل القبلة بأطراف رجليه قاله أبو حميد عن النبي ﷺ - قال الزين بن المنير: المراد أن يجعل قدميه قائمتين على بطون أصابعهما وعقباه مرتفعان فيستقبل بظهور قدميه القبلة. قال أخوه: ومن ثم ندب ضم الأصابع في السجود؛ لأنها لو تفرجت انحرفت رؤوس بعضها عن القبلة، وهذا التعليق قد مرّ مرارًا، ومرّ أن المؤلف أخرجه في باب سنة الجلوس في التشهد يأتي وأن أبا حميد قد مرّ في تعليق أوّل أبواب استقبال القبلة قبل ذكر حديث منه، ثم قال المصنف: باب إذا لم يتم سجوده

стр. 4339

الحديث الثامن والسبعون حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ عَنْ وَاصِلٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ رَأَى رَجُلاً لاَ يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلاَ سُجُودَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلاَتَهُ قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: مَا صَلَّيْتَ؟ قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: وَلَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ سُنَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وهذا الحديث مرّ الكلام عليه مستوفى في باب (إذا لم يتم الركوع). رجاله خمسة: قد مرّوا: مرّ الصلت بن محمد ومهدي بن ميمون في الحادي والأربعين من كتاب الصلاة، ومرّ واصل في الثالث والعشرين من الإِيمان, ومرّ أبو وائل في الحادي والأربعين منه، ومرّ حذيفة في تعليق بعد الثاني من العلم، ومرّ في ذكر هذا الحديث في الثاني والستين من أبواب صفة الصلاة إن الرجل لم يعرف اسمه، ومرّ هناك ما يتعلق به. ثم قال المصنف: باب السجود على سبعة أعظم أورد في هذا الباب لفظ المتن في حديثين: الأول على سبعة أعضاء، والثاني على سبعة أعظم. وأتى بالترجمة بلفظ الثاني، قال ابن دقيق العيد: يسمى كل واحد عظمًا باعتبار الجملة وإن اشتمل كل واحد على عظام ويجوز أن يكون من باب تسمية الجملة باسم بعضها.

стр. 4340

الحديث التاسع والسبعون حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ، وَلاَ يَكُفَّ شَعَرًا وَلاَ ثَوْبًا الْجَبْهَةِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ. قوله: "أُمر النبي ﷺ " بضم همزة أمر بالبناء للمفعول، والآمر هو الله ﷻ . قال البيضاوي: عرف ذلك بالعرف وذلك يقتضي الوجوب، قيل وفيه نظر؛ لأنه ليس فيه صيغة (أفعل) ولما كان هذا السياق يحتمل الخصوصية وإنْ كان الصحيح عند أهل الأُصول أن خطاب النبي ﷺ خطاب لأُمته عقبه المصنف بلفظ آخر دال على أنه لعموم الأمة أن النبي ﷺ قال: "أُمرنا" في الحديث التالي لهذا وعرف بهذا أن ابن عباس تلقاه عن النبي ﷺ إما سماعًا منه، وإما بلاغًا عنه وقد أخرجه مسلم عن العباس بن عبد المطلب بلفظ: "إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب" الحديث، وهذا يرجح أن النون في "أُمرنا" نون الجمع فيحتمل أن يكون ابن عباس تلقاه عن أبيه -رضي الله تعالى عنهما- والآراب بالمد جمع إرْب بكسر أوله وإسكان ثانيه وهو العضو. وقوله: "ولا يكفَ شعرًا ولا ثوبًا" ويكف بالنصب عطفا على المنصوب أي: وأن لا يكف، ويحتمل أن يكون جملة معترضة بين المجملة وهو سبعة أعضاء والمفسر وهو الجبهة إلى آخره، وذكره بعد باب بلفظ: ولا نكفت الثياب والشعر، والكفت بمثناة في آخره هو الضم وهو بمعنى الكف قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ أي: تجمع الناس في حياتهم ومماتهم. والمراد أنه لا يجمع ثيابه ولا شعره، وظاهره يقتضي أن النهي عنه في حال الصلاة وإليه جنح الداودي. وترجم المصنف بعد قليل باب لا يكف ثوبه في الصلاة وهي تؤيد ذلك، وردّه عياض بأنه خلاف ما عليه الجمهور فإنهم كرهوا ذلك للمصلي سواء فعله في الصلاة أو قبل أن يدخل فيها واتفقوا على أن النهي محمول على التنزيه، وعلى أن النهي لكل مصل كذلك سواء تعمده للصلاة أو كان كذلك قبلها لمعنى آخر كشغل وخص مالك النهي بمن فعل ذلك لأجل الصلاة. أما لو كان ذلك لباسه أو كان لأجل شغل فحضرت الصلاة فصلّى به فلا كراهة فيه؛ لأن ذكر الكفت في الحديث مقترنًا بالسجود يؤذن بأن ذلك لأجل الصلاة، واتفقوا على أنه لا يفسد الصلاة لكن حكى ابن المنذر عن الحسن وجوب الإعادة والحكمة في ذلك أنه إذا رفع شعره وثوبه عن

стр. 4341

مباشرة الأرض أشبه المتكبر، وقيل إن الشعر والثوب يسجدان معه وقد جاء عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنه- أنه قال لرجل رآه يسجد وهو معقوص الشعر: أرسله يسجد معك. وقوله: "الجبهةِ" بالكسر بدل من سبعة وهي مستدير ما بين الحاجبين إلى الناصية ويكفي السجود على أدنى جزء منها عند المالكية، ويستحب إلصاقها على أبلغ ما يمكنه بحيث تستقر متبسطة، وكره مالك شدّ الجبهة بالأرض وأنكره أبو سعيد الخدري ويكفي بعض الجبهة عند الحنفية أيضًا، وقد قال به كثيرٌ من الشافعية وكأنه أخذ من قول الشافعي في "الأم" أن الاقتصار على بعض الجبهة يكره. وقوله: "واليدين" قال ابن دقيق: المراد بهما الكفّان لئلا يدخل تحت المنهي عنه من افتراش السبع والكلب. وفي رواية عند مسلم بلفظ الكفين، وقوله: "والرجلين" في رواية ابن طاووس عند النسائي وأطراف القدمين وهو مبين للمراد من الرجلين، وقد تقدمت كيفية السجود عليهما بباب. وظاهر هذا الحديث يدلّ على وجوب السجود على هذه الأعضاء، ومذهب المالكية أن السجود على غير الجبهة من تلك الأعضاء سُنّة، وهل ما ذكر جميعًا سُنة في جميع الصلاة أو في كل ركعة أو في كل سجدة نظر؟ والظاهر أن كل ما ذكر سُنّة في كل ركعة وأن يكون من السنن غير الخفيفة وينبغي في ترك أحد أطراف القدمين أو أحد الركبتين أو اليدين عدم السجود؛ لأن المتروك بعض سنة وفي السجود على المذكورات غير الجبهة قولان عند الشافعية صحح النووي الوجوب لحديث الباب، وهو مذهب أحمد وإسحاق ويكفي وضع جزء من كل واحد منها. وصحح الرافعي الاستحباب، فلا يجب قائلًا: إنه لو وجب وضعها لوجب الإيماء بها عند العجز عن وضعها كالجبهة، ولا يجب الإِيماء فلا يجب وضعها واستدل له بعضهم بحديث المسيء صلاته حيث قال: ويمكن جبهته وأُجيب عن هذا بأن غايته أنه مفهوم لقب والمنطوق مقدم عليه، وليس هو من باب تخصيص العموم وأضعف من هذا استدلالهم بحديث سجد وجهي فإنه لا يلزم من إضافة السجود إلى الوجه انحصار السجود فيه وأضعف منه قولهم إن مسمى السجود يحصل بوضع الجبهة؛ لأن هذا الحديث يدل على إثبات زيادة على المسمى، وأضعف منه المعارضة بقياس شبهى كأن يقال أعضاء لا يجب كشفها فلا يجب وضعها. وفي "شرح الهداية" الحنفي السجود على اليدين والركبتين والقدمين غير واجب. وفي "الواقعات" لو لم يضع ركبتيه على الأرض عند السجود لا يجزئه، وظاهر الحديث أنه لا يجب كشف شيء من هذه الأعضاء؛ لأن مسمى السجود يحصل بوضعها دون كشفها, ولم يختلف في أن كشف الركبتين غير واجب لما يحذر فيه من كشف العورة. وأما عدم وجوب كشف القدمين فلدليل لطيف وهو أن الشارع وقت المسح على الخف بمدة تقع فيها الصلاة بالخف، فلو وجب كشف القدمين لوجب نزع الخف المقتضي لنقض الطهارة فتبطل الصلاة، وفيه نظر فللمخالف أن يقول: يخص لابس الخف لأجل الرخصة.

стр. 4342

وأما كشف اليدين فقد تقدم البحث فيه في باب السجود على الثوب في شدة الحر قبيل أبواب استقبال القبلة، وفيه أثر الحسن في نقله عن الصحابة ترك الكشف. وأما الجبهة فتوضع على الأرض مكشوفة، ومرّ في هذا الباب السجود على العمامة والقلنسوة والثوب المتصل والمنفصل. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ قبيصة في السابع والعشرين من الإِيمان, ومرّ سفيان في الأول من بدء الوحي، ومرّ ابن عباس في الخامس منه، ومرّ عمرو بن دينار في الرابع والخمسين من العلم، ومرّ طاووس بعد الأربعين من الوضوء في باب مَنْ لم يرَ الوضوء إلا من المخرجين. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول ورواته ما بين كوفي ومكي ويماني أخرجه البخاري أيضًا في غير هذا المحل، وأخرجه مسلم في الصلاة وكذلك أبو داود والتِّرمِذِيّ والنَّسائيّ وابن ماجه.

стр. 4343

الحديث الثمانون حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أُمِرْنَا أَنْ نَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ وَلاَ نَكُفَّ ثَوْبًا وَلاَ شَعَرًا. وهذا الحديث ليست فيه زيادة على ما قبله. رجاله خمسة: مرّ ذكر محل عمرو وطاووس وابن عباس في الذي قبله، ومرّ مسلم بن إبراهيم في السابع والثلاثين من الإيمان, ومرّ شعبة في الثالث منه.

стр. 4344

الحديث الحادي والثمانون حَدَّثَنَا آدَمُ قال: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَهْوَ غَيْرُ كَذُوبٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ فَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ جَبْهَتَهُ عَلَى الأَرْضِ. وهذا الحديث مرّ استيفاء الكلام عليه في باب "متى يسجد مَنْ خلف الإِمام" والغرض منه هنا قوله في آخره حتى يضع جبهته على الأرض. قال الكرماني: مناسبته للترجمة من حيث إن العادة أن وضع الجبهة إنما هو باستعانة الأعظم الستة غالبًا، والذي يظهر في مراده أن الأحاديث الواردة بالاقتصار على الجبهة كهذا الحديث لا تعارض الأحاديث المنصوص فيها على الأعضاء السبعة، بل الاقتصار على ذكر الجبهة إما لكونها أشرف الأعضاء المذكورة، أو أشهرها في تحصيل هذا الركن فليس فيه ما ينفي الزيادة التي في غيره. وقيل أراد أن يبين أن الأمر بالجبهة للوجوب وغيرها للندب؛ ولهذا اقتصر على ذكرها في كثير من الأحاديث والأول أليق بتصرفه. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ آدم في الثالث من الإيمان, ومرّ إسرائيل بن يونس في السابع والستين من العلم، ومرّ أبو إسحاق والبراء في الثالث والثلاثين من الإيمان, ومرّ عبد الله بن يزيد في الثامن والأربعين منه. وهذا الحديث قد مرّ ما فيه في باب "متى يسجد مَنْ خلف الإمام". ثم قال المصنف: باب السجود على الأنف

стр. 4345

الحديث الثاني والثمانون حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الْجَبْهَةِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ، وَلاَ نَكْفِتَ الثِّيَابَ وَالشَّعَرَ. قوله: "على سبعة أعظم على الجبهة" على الثانية من الأولى التي في حكم الطريح أو الأولى متعلقة بنحو حاصلًا أي: أسجد على الجبهة حال كون السجود حاصلًا على سبعة أعضاء. وقوله: "وأشار بيده على أنفه" كأنه ضمن أشار معنى أمرّ بتشديد الراء، فلذلك عدّاه بعلى دون إلى. وفي "العمدة" بلفظ إلى وهي في بعض النسخ عن كريمة. وعند النسائي، عن ابن عُيينة عن ابن طاووس فذكر هذا الحديث وقال في آخره قال ابن طاووس: ووضع على جبهته وأمرها على أنفه. قال: هذا واحد. هذه الرواية مفسرة، قال القرطبي: هذا يدل على أن الجبهة الأصل في السجود والأنف تبع. قال ابن دقيق العيد: معناه أنهما جعلا كعضو واحد وإلا لكانت الأعضاء ثمانية، قال: وفيه نظر؛ لأنه يلزم منه أن يكتفي بالسجود على الأنف كما يكتفي بالسجود على بعض الجبهة. وقد احتج بهذا لأبي حنيفة في الاكتفاء بالسجود على الأنف، قال: والحق أن مثل هذا لا يعارض التصريح بذكر الجبهة وإن أمكن أن يعتقد أنهما كعضو واحد فذاك في التسمية والعبارة لا في الحكم الذي دلّ عليه الأمر، وأيضًا فإن الإشارة قد لا تعين المشار إليه يقينًا وأما العبارة فإنها معينة لما وضعت له فتقديمه أولى. ونقل ابن المنذر إجماع الصحابة على أنه لا يجزىء السجود على الأنف وحده، وذهب الجمهور إلى أنه يجزىء على الجبهة وحدها. وعن الأوزاعي وأحمد وإسحاق وابن حبيب من المالكية وغيرهم يجب أن يجمعهما، وهو قول للشافعي والصحيح من مذهب أبي حنيفة أنه يجزئه أن يسجد على أنفه دون جبهته. وروى عنه وعن ابن القاسم من أصحاب مالك أن له أن يقتصر على أيهما شاء، واستدل أبو حنيفة ومَنْ معه بأن المأمور به في السجود وضع بعض الوجه على الأرض لا كله، إذ لا يمكن فيكون مأمورًا بالبعض والأنف بعضه، فلما أن الاقتصار على الجبهة يجوز بلا خلاف لكونها بعض الوجه ومسجدًا، فكذا الاقتصار على الأنف؛ لأنه بعض الوجه ومسجد. ومشهور مذهب مالك أن تارك
следующие страницы →