Полный текст (6 753 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.
стр. 4341
مباشرة الأرض أشبه المتكبر، وقيل إن الشعر والثوب يسجدان معه وقد جاء عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنه- أنه قال لرجل رآه يسجد وهو معقوص الشعر: أرسله يسجد معك.
وقوله: "الجبهةِ" بالكسر بدل من سبعة وهي مستدير ما بين الحاجبين إلى الناصية ويكفي السجود على أدنى جزء منها عند المالكية، ويستحب إلصاقها على أبلغ ما يمكنه بحيث تستقر متبسطة، وكره مالك شدّ الجبهة بالأرض وأنكره أبو سعيد الخدري ويكفي بعض الجبهة عند الحنفية أيضًا، وقد قال به كثيرٌ من الشافعية وكأنه أخذ من قول الشافعي في "الأم" أن الاقتصار على بعض الجبهة يكره.
وقوله: "واليدين" قال ابن دقيق: المراد بهما الكفّان لئلا يدخل تحت المنهي عنه من افتراش السبع والكلب. وفي رواية عند مسلم بلفظ الكفين، وقوله: "والرجلين" في رواية ابن طاووس عند النسائي وأطراف القدمين وهو مبين للمراد من الرجلين، وقد تقدمت كيفية السجود عليهما بباب. وظاهر هذا الحديث يدلّ على وجوب السجود على هذه الأعضاء، ومذهب المالكية أن السجود على غير الجبهة من تلك الأعضاء سُنّة، وهل ما ذكر جميعًا سُنة في جميع الصلاة أو في كل ركعة أو في كل سجدة نظر؟ والظاهر أن كل ما ذكر سُنّة في كل ركعة وأن يكون من السنن غير الخفيفة وينبغي في ترك أحد أطراف القدمين أو أحد الركبتين أو اليدين عدم السجود؛ لأن المتروك بعض سنة وفي السجود على المذكورات غير الجبهة قولان عند الشافعية صحح النووي الوجوب لحديث الباب، وهو مذهب أحمد وإسحاق ويكفي وضع جزء من كل واحد منها. وصحح الرافعي الاستحباب، فلا يجب قائلًا: إنه لو وجب وضعها لوجب الإيماء بها عند العجز عن وضعها كالجبهة، ولا يجب الإِيماء فلا يجب وضعها واستدل له بعضهم بحديث المسيء صلاته حيث قال: ويمكن جبهته وأُجيب عن هذا بأن غايته أنه مفهوم لقب والمنطوق مقدم عليه، وليس هو من باب تخصيص العموم وأضعف من هذا استدلالهم بحديث سجد وجهي فإنه لا يلزم من إضافة السجود إلى الوجه انحصار السجود فيه وأضعف منه قولهم إن مسمى السجود يحصل بوضع الجبهة؛ لأن هذا الحديث يدل على إثبات زيادة على المسمى، وأضعف منه المعارضة بقياس شبهى كأن يقال أعضاء لا يجب كشفها فلا يجب وضعها.
وفي "شرح الهداية" الحنفي السجود على اليدين والركبتين والقدمين غير واجب. وفي "الواقعات" لو لم يضع ركبتيه على الأرض عند السجود لا يجزئه، وظاهر الحديث أنه لا يجب كشف شيء من هذه الأعضاء؛ لأن مسمى السجود يحصل بوضعها دون كشفها, ولم يختلف في أن كشف الركبتين غير واجب لما يحذر فيه من كشف العورة. وأما عدم وجوب كشف القدمين فلدليل لطيف وهو أن الشارع وقت المسح على الخف بمدة تقع فيها الصلاة بالخف، فلو وجب كشف القدمين لوجب نزع الخف المقتضي لنقض الطهارة فتبطل الصلاة، وفيه نظر فللمخالف أن يقول: يخص لابس الخف لأجل الرخصة.
стр. 4342
وأما كشف اليدين فقد تقدم البحث فيه في باب السجود على الثوب في شدة الحر قبيل أبواب استقبال القبلة، وفيه أثر الحسن في نقله عن الصحابة ترك الكشف. وأما الجبهة فتوضع على الأرض مكشوفة، ومرّ في هذا الباب السجود على العمامة والقلنسوة والثوب المتصل والمنفصل.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ قبيصة في السابع والعشرين من الإِيمان, ومرّ سفيان في الأول من بدء الوحي، ومرّ ابن عباس في الخامس منه، ومرّ عمرو بن دينار في الرابع والخمسين من العلم، ومرّ طاووس بعد الأربعين من الوضوء في باب مَنْ لم يرَ الوضوء إلا من المخرجين.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول ورواته ما بين كوفي ومكي ويماني أخرجه البخاري أيضًا في غير هذا المحل، وأخرجه مسلم في الصلاة وكذلك أبو داود والتِّرمِذِيّ والنَّسائيّ وابن ماجه.
стр. 4343
الحديث الثمانون
حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أُمِرْنَا أَنْ نَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ وَلاَ نَكُفَّ ثَوْبًا وَلاَ شَعَرًا.
وهذا الحديث ليست فيه زيادة على ما قبله.
رجاله خمسة:
مرّ ذكر محل عمرو وطاووس وابن عباس في الذي قبله، ومرّ مسلم بن إبراهيم في السابع والثلاثين من الإيمان, ومرّ شعبة في الثالث منه.
стр. 4344
الحديث الحادي والثمانون
حَدَّثَنَا آدَمُ قال: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَهْوَ غَيْرُ كَذُوبٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ فَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ جَبْهَتَهُ عَلَى الأَرْضِ.
وهذا الحديث مرّ استيفاء الكلام عليه في باب "متى يسجد مَنْ خلف الإِمام" والغرض منه هنا قوله في آخره حتى يضع جبهته على الأرض. قال الكرماني: مناسبته للترجمة من حيث إن العادة أن وضع الجبهة إنما هو باستعانة الأعظم الستة غالبًا، والذي يظهر في مراده أن الأحاديث الواردة بالاقتصار على الجبهة كهذا الحديث لا تعارض الأحاديث المنصوص فيها على الأعضاء السبعة، بل الاقتصار على ذكر الجبهة إما لكونها أشرف الأعضاء المذكورة، أو أشهرها في تحصيل هذا الركن فليس فيه ما ينفي الزيادة التي في غيره. وقيل أراد أن يبين أن الأمر بالجبهة للوجوب وغيرها للندب؛ ولهذا اقتصر على ذكرها في كثير من الأحاديث والأول أليق بتصرفه.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ آدم في الثالث من الإيمان, ومرّ إسرائيل بن يونس في السابع والستين من العلم، ومرّ أبو إسحاق والبراء في الثالث والثلاثين من الإيمان, ومرّ عبد الله بن يزيد في الثامن والأربعين منه. وهذا الحديث قد مرّ ما فيه في باب "متى يسجد مَنْ خلف الإمام". ثم قال المصنف:
باب السجود على الأنف
стр. 4345
الحديث الثاني والثمانون
حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الْجَبْهَةِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ، وَلاَ نَكْفِتَ الثِّيَابَ وَالشَّعَرَ.
قوله: "على سبعة أعظم على الجبهة" على الثانية من الأولى التي في حكم الطريح أو الأولى متعلقة بنحو حاصلًا أي: أسجد على الجبهة حال كون السجود حاصلًا على سبعة أعضاء. وقوله: "وأشار بيده على أنفه" كأنه ضمن أشار معنى أمرّ بتشديد الراء، فلذلك عدّاه بعلى دون إلى. وفي "العمدة" بلفظ إلى وهي في بعض النسخ عن كريمة. وعند النسائي، عن ابن عُيينة عن ابن طاووس فذكر هذا الحديث وقال في آخره قال ابن طاووس: ووضع على جبهته وأمرها على أنفه. قال: هذا واحد. هذه الرواية مفسرة، قال القرطبي: هذا يدل على أن الجبهة الأصل في السجود والأنف تبع. قال ابن دقيق العيد: معناه أنهما جعلا كعضو واحد وإلا لكانت الأعضاء ثمانية، قال: وفيه نظر؛ لأنه يلزم منه أن يكتفي بالسجود على الأنف كما يكتفي بالسجود على بعض الجبهة. وقد احتج بهذا لأبي حنيفة في الاكتفاء بالسجود على الأنف، قال: والحق أن مثل هذا لا يعارض التصريح بذكر الجبهة وإن أمكن أن يعتقد أنهما كعضو واحد فذاك في التسمية والعبارة لا في الحكم الذي دلّ عليه الأمر، وأيضًا فإن الإشارة قد لا تعين المشار إليه يقينًا وأما العبارة فإنها معينة لما وضعت له فتقديمه أولى. ونقل ابن المنذر إجماع الصحابة على أنه لا يجزىء السجود على الأنف وحده، وذهب الجمهور إلى أنه يجزىء على الجبهة وحدها. وعن الأوزاعي وأحمد وإسحاق وابن حبيب من المالكية وغيرهم يجب أن يجمعهما، وهو قول للشافعي والصحيح من مذهب أبي حنيفة أنه يجزئه أن يسجد على أنفه دون جبهته.
وروى عنه وعن ابن القاسم من أصحاب مالك أن له أن يقتصر على أيهما شاء، واستدل أبو حنيفة ومَنْ معه بأن المأمور به في السجود وضع بعض الوجه على الأرض لا كله، إذ لا يمكن فيكون مأمورًا بالبعض والأنف بعضه، فلما أن الاقتصار على الجبهة يجوز بلا خلاف لكونها بعض الوجه ومسجدًا، فكذا الاقتصار على الأنف؛ لأنه بعض الوجه ومسجد. ومشهور مذهب مالك أن تارك
стр. 4346
السجود على الأنف يعيد في الوقت والشافعية السجود على الأنف عندهم مستحب قال الخطابي: لأنه إنما ذكر بالإشارة فكان مندوبًا.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ مُعلّى بن أسد في الرابع والثلاثين من الحيض، ومرّ وهيب بن خالد في السادس والعشرين من العلم، ومرّ عبد الله بن طاووس مع مُعلّى بن أسد، ومرّ طاووس بعد الأربعين من الوضوء, ومرّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي. ثم قال المصنف:
باب السجود على الأنف في الطين
كذا للأكثر وللمستملي السجود على الأنف والسجود على الطين، والأول أنسب لئلا يلزم التكرار، وهذه الترجمة أخص من التي قبلها وكأنه يشير إلى تأكد أمر السجود على الأنف بأنه لم يترك مع وجود عذر الطين الذي أثر فيه.
стр. 4347
الحديث الثالث والثمانون
حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَقُلْتُ: أَلاَ تَخْرُجُ بِنَا إِلَى النَّخْلِ نَتَحَدَّثْ فَخَرَجَ. فَقَالَ: قُلْتُ: حَدِّثْنِي مَا سَمِعْتَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. قَالَ اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ الأُوَلِ مِنْ رَمَضَانَ، وَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ. فَاعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ، فَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِى تَطْلُبُ أَمَامَكَ. فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ خَطِيبًا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ فَقَالَ: مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلْيَرْجِعْ، فَإِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَإِنِّي نُسِّيتُهَا، وَإِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي وِتْرٍ، وَإِنِّى رَأَيْتُ كَأَنِّي أَسْجُدُ فِي طِينٍ وَمَاءٍ. وَكَانَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ جَرِيدَ النَّخْلِ وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ شَيْئًا، فَجَاءَتْ قَزْعَةٌ فَأُمْطِرْنَا، فَصَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ وَالْمَاءِ عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَرْنَبَتِهِ تَصْدِيقَ رُؤْيَاهُ.
قوله: "عن يحيى عن أَبي سَلَمة" يأتي في الاعتكاف عن يحيى سمعت أبا سَلَمة، وقوله: "انطلقتُ إلى أبي سعيد فقلت ألا تخرج بنا إلى النخل" وفي رواية علي في الاعتكاف سألت أبا سعيد هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر ليلة القدر فقال: نعم، ولمسلم تذاكرنا ليلة القدر في نفرٍ من قريش فأتيت أبا سعيد فذكره وأفاد بحديث الباب بيان سبب السؤال وفيه تأنيس الطالب للشيخ في طلب الاختلاء به ليتمكن مما يريد من مسألته.
وقوله: "العشرَ الأولَ مِنْ رمضانَ واعتكفنا معَهُ" وقوله: "واعتكفَ العشرَ الأوسطَ فاعتكفنا معَهُ"، المراد بالعشر الليالي ووصفها بلفظ الأوسط المذكر وكان من حقها أن توصف بلفظ التأنيث، لكن وصفت بالمذكر على إرادة الوقت أو الزمان أو التقدير الثلث كأنه قال: الليالي العشر التي هي الثلث الأوسط من الشهر.
وفي "الموطأ" الوُسُط بضم الواو والسين جمع وسطى، ويروى بفتح السين مثل كبر وكبرى، ورواه الباجي في "الموطأ" بإسكانها على أنه جمع واسط كبازل وبزل، وهذا يوافق رواية "الأوسط" وفي رواية محمد بن إبراهيم في باب "صلاة التراويح" كان يجاور العشر التي في وسط الشهر.
стр. 4348
ولمسلم عن أبي سعيد: "اعتكفَ العشرَ الأوسطَ مِنْ رمضانَ يلتمسُ ليلةَ القدرِ قبلَ أن تبانَ لهُ فلما انقضت أمر بالبناء فقوض، ثم أُبينت له أنها في العشرِ الأواخرِ فأمر بالبناءِ"، فأعيد.
وقوله: "إنَّ الذي تطلبُ أمامَكَ" هو بفتح الهمزة والميم أي: قدّامك. قال الطيبي: وصف الأول والأوسط بالمفرد والأخير بالجمع إشارة إلى تصوير ليلة القدر في كل ليلة من ليالي العشر الأخير دون الأولين.
وقوله: "فقامَ خطيبًا صبيحةَ عشرينَ مِنْ رمضانَ" في رواية مالك الآتية في الاعتكاف حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه، وظاهره يخالف رواية الباب ومقتضاه أن خطبته وقعت في أول اليوم الحادي والعشرين، وعلى هذا، يكون أول ليالي اعتكافه الأخير ليلة اثنتين وعشرين، وهو مغاير لقوله في آخر الحديث فأبصرت عيناي رسول الله ﷺ وعلى جبهته أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين فإنه ظاهر في أن الخطبة كانت في صبح اليوم العشرين. ووقوع المطر كان في ليلة إحدى وعشرين وهو الموافق لبقية الطرق وعلى هذا، فكان قوله في رواية مالك المذكورة وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها أي: من الصبح الذي قبلها، ويكون في إضافة الصبح إليها تجوز.
وقد أطال ابن دحية في تقرير أن الليلة تضاف لليوم الذي قبلها، ورد على من منع ذلك ولكن لم يوافق على ذلك، فقال ابن حزم: رواية حديث الباب مستقيمة ورواية مالك مشكلة وأشار إلى تأويلها بما تقدم، ويؤيده أن في رواية أبي سَلَمة في التراويح، فإذا كان حين يمسي من عشرين ليلة تمضي ويستقبل إحدى وعشرين رجع إلى مسكنه، وهذا في غاية الإيضاح.
وأفاد ابن عبد البرَّ أن الرواة عن مالك اختلفوا عنه في لفظ الحديث فقال بعد ذكر الحديث: هكذا رواه يحيى بن يحيى، ويحيى بن بكير والشافعي عن مالك يخرج في صبيحتها من اعتكافه، ورواه ابن القاسم وابن وهب والقعنبي وجماعة وقالوا: وهي الليلة التي يخرج فيها من اعتكافه. قال: وقد روى ابن وهب وابن عبد الحكم عن مالك فقال: مَنْ اعتكف أول الشهر أو وسطه فإنه يخرج إذا غابت الشمس من آخر يوم من اعتكافه، ومن اعتكف في آخر الشهر فلا ينصرف إلى بيته حتى يشهد العيد، قال ابن عبد البر: ولا خلاف في الأول وإنما الخلاف فيمن اعتكف العشر الأخير هل يخرج إذا غابت الشمس أو لا يخرج حتى يصبح؟ قال: وأظن أن الوهم دخل من وقت خروج المعتكف. وما قاله بعيد لما قرره هو من بيان محل الاختلاف، ووجه البلقيني رواية مالك فقال: إن معنى قوله حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين أي: حتى إذا كان المستقبل من الليالي ليلة إحدى وعشرين.
وقوله: "وهي الليلة التي يخرج" ضمير هي يعود على الليلة الماضية ويؤيد هذا قوله: "مَنْ كان اعتكفَ معي فليعتكفْ العشرَ الأواخرَ" لأنه لا يتم ذلك إلا بإدخال الليلة الأولى. وقوله: "فإنّي
стр. 4349
أُريتُ ليلَة القدرِ" أي: بضم أوله على البناء لغير معين، وهي من الرؤيا أي: أُعلمت بها أو من الرؤية أي: أبصرتها، وإنما أري علامتها وهو السجود في الماء والطين كما أشار إليه آخر الحديث بلفظ: "حتى رأيتُ أَثرَ الماءِ والطينِ على جبهةِ رسولِ اللهِ ﷺ تصديق رؤياه.
وقوله: "وإني نسيتُها" وفي رواية التراويح "ثم أُنسيتُها" أو نسيتها وفي هذه شك من الراوي هل أنساه غيره إياها أو نسيها هو في غير واسطة، وليس في رواية الباب شك ومنهم مَنْ ضبط نُسّيتها بضم أوله والتشديد فهي بمعنى أُنسيتها، والمراد أنه أنسي علم تعيينها في تلك السنة وسيأتي أن سبب نسيانها تلاحي رجلين.
وقوله: "وإنّي رأيتُ كأني أسجدُ في طينٍ وماءٍ" ورواية الكشميهنيّ أن أسجد. وفي قوله: "ومَنْ كان اعتكفَ مَع النبيَّ ﷺ فليرجعْ" التفات. وقوله: "فجاءت قزعةٌ" بالتحريكِ أي: قطعة من سحاب رقيقة. وقوله: "فأُمطرنا" وفي رواية: "فمَطَرت" بفتحتين. وفي رواية: "فاستهلتِ السماءُ فأَمطرت". وفي رواية مالك: "فوكفَ المسجدُ" أي: قطر الماء من سقفه وكان على عريش أي: مثل العريش وإلا فالعريش هو نفس سقفه، والمراد أنه كان مظللًا بالجريد والخوص ولم يكن محكم البناء بحيث يكن من المطر الكثير.
وقوله: "حتى رأيتُ أثرَ الطين والماءِ على جبهةِ رسولِ اللهِ ﷺ وأرنبته تصديق رؤياهُ". والأَرْنبة بفتح ثم سكون ثم حركتين طرف الأنف ويجمع على أرنب. وتصديق خبر مبتدأ محذوف أي: هو تصديق، وفي رواية مالك: "على جبهتهِ أثرُ الماءِ والطين". وفي رواية ابن أبي حازم في "التراويح": "انصرفَ من الصبحِ ووجهُهُ ممتلىءٌ طينًا وماءً".
وهذا يشعر بأن قوله أثر الماء والطين لم يرد به محض الأثر وهو ما بقي بعد إزالة العين، وفي الحديث ترك مسح جبهة المصلي والسجود على الحائل وحمله الجمهور على الخفيف من الأثر لكن يعكر عليه ما مرّ قريبًا ووجهه ممتلىء طينًا وماء، وأجاب النووي بأن الامتلاء المذكور لا يستلزم ستر جميع الجبهة، وفيه جواز السجود في الطين ولا حجة فيه لمن استدل به على جواز الاكتفاء بالأنف لأن في سياقه أنه سجد على جبهته وأرنبته فوضح أنه إنما قصد بالترجمة ما قدمناه. وهو دال على وجوب السجود عليهما, ولولا ذلك لصانهما عن لوث الطين، قاله الخطابي وفيه نظر ووجه النظر هو أن الفعل لا يدل على الوجوب، فلعله أخذ بالأكمل وأخذه من قوله: "صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي" معارض بأن المندوب في أفعال الصلاة أكثر من الواجب، فعارض الغالب ذلك الأصل قال البخاري: كان الحميدي شيخه يحتج بهذا الحديث يقول: لا يمسح الساجد جبهته من أثر الأرض فيستحب ترك الإِسراع إلى إزالة ما يصيب جبهة الساجد من غبار الأرض ونحوه وعند المالكية لا يندب ترك الإِسراع إلى الإِزالة، بل تندب إزالته لئلا يحصل منه أذى للعين وليس في الحديث ما يدل على طلب الترك؛ لأن قوله رأيت على جبهته أثر الطين فيه أن يكون رأى ذلك عند مجرد السلام
стр. 4350
أو حال التفاته في السلام. ومشهور مذهب مالك أن المصلي إذا كان في خضخاض لا يجد أن يصلي إلاَّ فيه كان في أول الوقت أخر الصلاة حتى يجد مكانًا يصلي فيه، وإن كان آيسًا من وجوده أو خاف خروج الوقت صلَّى على دابته إيماء إن خشي الغرق أو خشي تلوث ثيابه خلافًا لابن عبد الحكم وأشهب وابن نافع القائلين أنه ينزل ويسجد وإن تلطخت ثيابه. وعلى المشهور هل تقيد الثياب بفسادها بالغسل أو لا؟ الثاني نقله ابن عرفة نصًا، والأول نقله تخريجًا وهو يفيد ضعفه وإن لم يخف الغرق ولا تلويث الثياب نزل وصلّى قائمًا يركع من قيام ويومىء للسجود.
وفي الحديث أيضًا الأمر بطلب الأولى والإرشاد إلى تحصيل الأفضل وأن النسيان جائز على النبي ﷺ ولا نقص عليه في ذلك لاسيما فيما لم يؤذن له في تبليغه، وقد يكون في ذلك مصلحة تتعلق بالتشريع كما في السهو في الصلاة أو بالإجتهاد في العبادة كما في هذه القصة؛ لأن ليلة القدر لو عينت في ليلة بعينها حصل الاقتصار عليها، ففاتت العبادة في غيرها وكان هذا المراد بقوله: عسى أن يكون خيرًا لكم كما يأتي في "التراويح"، وفيه استعمال رمضان بدون شهر واستحباب الاعتكاف فيه وترجيح اعتكاف العشر الأواخر، وأن من الرؤيا ما يقع تعبيره مطابقًا وترتب الأحكام على رؤيا الأنبياء وفي أول قصة أبي سَلَمة المشي في طلب العلم وإيثار المواضع الخالية للسؤال، وإجابة السائل لذلك واجتناب المشقة في الاستفادة وابتداء الطالب بالسؤال، وتقديم الخطبة على التعليم وتقريب البعيد في الطاعة، وتسهيل المشقة فيها بحسن التلطف والتدريج إليها. وقيل ويستنبط منه جواز تغيير مادة الأنبياء من الأوقاف بما هو أقوى منها وأنفع.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ موسى بن إسماعيل في الخامس من بدء الوحي، ومرّ همام في الرابع والثمانين من الوضوء، ومرّ يحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من العلم، ومرّ أبو سَلَمة في الرابع من بدء الوحي، ومرّ أبو سعيد الخدري في الثاني عشر من الإيمان. أخرجه البخاري في مواضع في الصلاة، وفي الصوم, والاعتكاف. وأخرجه مسلم وابن ماجه في الصوم، وأبو داود في الصلاة والنَّسائيّ في الاعتكاف. ثم قال المصنف:
باب عقد الثياب وشدها ومن ضم إليه ثوبه إذا خاف أن تنكشف عورته
كأنه يشير إلى أن النهي الوارد عن كف الثياب في الصلاة محمول على في حالة الاضطرار، ووجه إدخال هذه الترجمة في أحكام السجود من جهة أن حركة السجود والرفع منه تسهل مع ضم الثياب وعقدها لا مع إرسالها وسدلها قاله الزين بن المنير.
стр. 4351
الحديث الرابع والثمانون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُمْ عَاقِدُو أُزْرِهِمْ مِنَ الصِّغَرِ عَلَى رِقَابِهِمْ فَقِيلَ لِلنِّسَاءِ: لاَ تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجَالُ جُلُوسًا.
وهذا الحديث مرّ في باب إذا كان الثوب ضيقًا في أوائل الصلاة، من وجه آخر عن سفيان، ومرّ الكلام عليه هناك.
رجاله أربعة:
قد مرّوا إلا شيخ البخاري، مرّ سفيان الثوري في السابع والعشرين من الإيمان, ومرّ أبو حازم وسهل بن سعد في الثامن والمائة من الوضوء.
وأما شيخ البخاري فهو محمد بن كثير العبدي أبو عبد الله البصري. قال أبو حاتم: صدوق وذكره ابن حِبّان في الثقات وقال: كان تقيًا فاضلًا. وقال أحمد: ثقة، لقد مات على سنة. وقال ابن معين: لم يكن بثقة. قال في مقدمة "الفتح": روى عنه البخاري ثلاثة أحاديث في العلم والبيوع والتفسير قد توبع عليها. قلت: وما قاله غفلة منه عمّا ذكره في "تهذيب التهذيب" عن الزهرة من أن البخاري روى عنه ثلاثة وستين حديثًا فأين هذا من هذا؟ ولم يذكر هذا الحديث المروي عنه في الصلاة والكمال لله تعالى. روى عن أخيه سليمان وكان أكبر منه بخمسين سنة، وعن الثوري وشعبة وهمام وإسرائيل وغيرهم، وروى عنه البخاري وأبو داود وروى الباقون له بواسطة، وأبو حاتم وأبو زرعة وعلي بن المديني وغيرهم، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وكان له يوم مات تسعون وفي رواة الستة محمد بن كثير بن أبي عطاء الثقفي مولاهم أبو أيوب المصيصي يقال هو من صنعاء دمشق، روى عنه أبو داود والتِّرمِذِي والنَّسائيّ وفي رواة غير الستة ثلاثة محمد بن كثير القرشي الكوفي أبو إسحاق ومحمد بن كثير البصري السلمي القصاب، ومحمد بن كثير بن مروان الفهري الشامي. وقد مرّ هذا الحديث في باب إذا كان الثوب ضيقًا، ومرّ هناك ما يتعلق به. ثم قال المصنف:
باب لا يكف شعرًا
أي: المصلي ويكفُّ بضم الفاء على الراجح، ويجوز الفتح والمراد بالشعر شعر الرأس
стр. 4352
ومناسبة هذه الترجمة لأحكام السجود من جهة أن الشعر يسجد مع الرأس إذا لم يكف أو يلف. وجاء في حكمة النهي عن ذلك أن غرزة الشعر يقعد فيها الشيطان حالة الصلاة، وفي "سنن أبي داود" وبإسناد جيد أن أبا رافع رأى الحسن بن علي يصلي قد غرز ضفيرته في قفاه فحلها، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ذلك مقعدُ الشيطانِ أو كَفَلُ الشيطانِ". وفي "المعرفة" عن ابن عباس أنه رأى عبد الله بن الحارث يصلي ورأسه معقوص من ورائه، فجعل يحلّه وقال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إنّما مثلُ هذا كمثلِ الذي يصلِّي وهو مكتوفٌ".
стр. 4353
الحديث الخامس والثمانون
حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ وَهْوَ ابْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، وَلاَ يَكُفَّ ثَوْبَهُ وَلاَ شَعَرَهُ.
وهذا الحديث مرّ استيفاء الكلام عليه في باب السجود على سبعة أعظم.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ أبو النعمان في الحادي والخمسين من الإِيمان, ومرّ حمّاد بن زيد في الرابع والعشرين منه، ومرّ عمرو بن دينار في الرابع والخمسين من العلم، ومرّ طاووس بعد الأربعين من الوضوء, ومرّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي، ثم قال المصنف:
باب لا يكف ثوبه في الصلاة
стр. 4354
الحديث السادس والثمانون
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ، لاَ أَكُفُّ شَعَرًا وَلاَ ثَوْبًا.
وهذا الحديث مرّ الكلام عليه في الباب المذكور آنفًا.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ موسى بن إسماعيل وأبو عوانة في الخامس من بدء الوحي، ومرّ ذكر الثلاثة الأخيرة في الذي قبله. ثم قال المصنف:
باب التسبيح والدعاء في السجود
تقدم الكلام على هذه الترجمة في باب الدعاء في الركوع.
стр. 4355
الحديث السابع والثمانون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ.
قوله: "يكثر أن يقول" كذا في رواية منصور وقد بيّن الأعمش في روايته في التفسير عن أبي الضحى ابتداء هذا الفعل، وأنه واظب عليه ﷺ ولفظه: "ما صلَّى النبيُّ ﷺ صلاةً بعدَ أنْ نزلتْ عليه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلا يقولُ فيها ... الحديث" قيل: اختار ﷺ الصلاة لهذا القول؛ لأن حالها أفضل من غيرها, وليس في الحديث أنه لم يكن يقول ذلك خارج الصلاة أيضًا، بل في بعض طرقه عند مسلم ما يشعر بأنه ﷺ كان يواظب على ذلك داخل الصلاة وخارجها، وفي رواية منصور هذه بيان المحل الذي كان ﷺ يقول فيه من الصلاة وهو الركوع والسجود.
وقوله: "يتأول القرآن" أن يجعل ما أمر به من التسبيح والتحميد والاستغفار في أشرف الأوقات والأحوال، وقد تبين من رواية الأعمش أن المراد بالقرآن بعضه وهو سورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾. وفي رواية ابن السكن عن الفربري قال أبو عبد الله: يعني قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ الآية، وفي هذا تعيين أحد الاحتمالين في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾؛ لأنه يحتمل أن يكون المراد بسبح نفس الحمد لما تضمنه الحمد من معنى التسبيح الذي هو التنزيه لاقتضاء الحمد نسبة الأفعال المحمود عليها إلى الله ، فعلى هذا يكفي في امتثال الأمر الاقتصار على الحمد. ويحتمل أن يكون المراد فسبح متلبسًا بالحمد، فلا يمتثل حتى يجمعهما وهو الظاهر. وقال صاحب "الهدي" كأنه أخذه من قوله تعالى واستغفره؛ لأنه كان يجعل الاستغفار في خواتم الأُمور فيقول إذا سلّم من الصلاة: "استغفر الله" ثلاثًا، وإذا خرج من الخلاء قال: "غُفْرَانَكَ" وورد الأمر بالاستغفار عند انقضاء المناسك: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ الآية. ويؤخذ أيضًا من قوله تعالى أنه كان توابًا، فقد كان يقول عند انقضاء الوضوء: "اللهمَّ اجعلني من التّوابينَ". وأخرج النَّسائي عن ابن عباس أنّ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ آخر سورة نزلت من القرآن. وقد جاء عن البراء عند المصنف أن آخر سورة "براءة"، والجمع بينهما أن آخرية سورة "النصر" نزولها كاملة بخلاف "براءة"، فالمراد بنزولها نزول بعضها أو معظمها؛ لأن فيها آيات نزلت قبل سنة الوفاة النبوية. ويقال إن ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ نزلت يوم النحر وهو "بمِنى" في حجة الوداع وقيل عاش
стр. 4356
بعدها أحَدَ وثمانين يومًا وليس منافيًا للذي قبله بناء على بعض الأقوال في الوفاة النبوية.
وعند ابن أبي حاتم عن ابن عباس عاش بعدها تسع ليال وعن مقاتل سبعًا، وعن بعضهم ثلاثًا، وقيل ثلاث ساعات وهو باطل. وأخرج ابن أبي داود في كتاب "المصاحف" بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه كان يقرأ: ﴿إذَا جَاءَ فتح الله والنصر﴾. وقد أخرج ابن مردويه الحديث عن عائشة وزاد فيه: "علامة في أُمتي أمرني ربي إذا رأيتها أكثرُ من قولِ سبحانَ اللهِ وبحمدِهِ، وأستغفرُ الله وأتوبُ إليه فقد رأيت: ﴿جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فتح مَكة ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ واستشكل على أنها نزلت "بمِنى" كيف صُدرت بإذا الدالة على الاستقبال، وأجيب بضعف ذلك وعلى تقدير صحته فالشرط لم يتكمل بالفتح؛ لأن مجيء الناس أفواجًا لم يكن كمل فبقية الشرط مستقبل. وقد أورد الطيبي السؤال وأجاب عنه بجوابين: أحدهما أن (إذا) قد ترد بمعنى إذ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا﴾ الآية. ثانيهما أن كلام الله قديم، وفي كل من الجوابين نظر في الفتح، وقد مرّت مباحث هذا الحديث مستوفاة في باب الدعاء في الركوع.
رجاله سبعة:
قد مرّوا، مرّ مسدد ويحيى بن سعيد في السادس من الإِيمان, ومرّ سفيان في السابع والعشرين منه، وكذلك مسروق، ومرّ منصور في الثاني عشر من العلم، ومرّ أبو الضحى في الخامس عشر من كتاب الصلاة، ومرّت عائشة في الثاني من بدء الوحي. ثم قال المصنف:
باب المكث بين السجدتين
في رواية الحميدي بين السجود.
стр. 4357
الحديث الثامن والثمانون
حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ أَنَّ مَالِكَ بْنَ الْحُوَيْرِثِ قَالَ لأَصْحَابِهِ: أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ صَلاَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَذَاكَ فِي غَيْرِ حِينِ صَلاَةٍ، فَقَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَكَبَّرَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَامَ هُنَيَّةً، ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ هُنَيَّةً، فَصَلَّى صَلاَةَ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ شَيْخِنَا هَذَا. قَالَ أَيُّوبُ كَانَ يَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ أَرَهُمْ يَفْعَلُونَهُ، كَانَ يَقْعُدُ فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ. قَالَ: فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ فَقَالَ: لَوْ رَجَعْتُمْ إِلَى أَهْلِيكُمْ صَلُّوا صَلاَةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، صَلُّوا صَلاَةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ.
قوله: "ألا أُنبئكم صلاة رسول الله .. إلخ" الإِنباء يعدى بنفسه وبالباء قال تعالى: ﴿مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾ وقال: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ قوله: قال: أي: أبو قلابة، وذلك "في غير حين صلاة" أي: غير وقت صلاة من المفروضة. وقوله: "ثم رفع رأسه هنية" بعد قوله: "ثم سجد" يقتضي أن يجلس بين السجدتين قدر الاعتدال.
وقوله: "كان يقعد في الثالثة أو الرابعة" هو شك من الراوي والمراد بيان جلسة الاستراحة، وهي تقع بين الثالثة والرابعة كما تقع بين الأولى والثانية، فكأنه قال: كان يقعد في آخر الثالثة أو في أول الرابعة، والمعنى واحد، فشك الراوي أيهما قال. ويأتي بعد باب واحد بلفظ فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا، وهذا الحديث مرّ في باب مَنْ صلّى بالناس وهو لا يريد إلاّ أن يعلمهم، واستوفي عليه الكلام هناك وعلى جلسة الاستراحة.
وقوله: قال: "فأتينا رسول الله ﷺ " هو مقول مالك بن الحويرث والفاء عاطفة على شيء محذوف تقديره أسلمنا فأتينا أو وأرسلنا قومنا فأتينا ونحو ذلك، ومرّ الكلام على آخره في باب ليؤذن في السفر مؤذن واحد.
رجاله خمسة:
وفيه ذكر عمرو بن سلمة وقد مرّ الجميع، مرّ محل ذكر أبي النعمان وحمّاد بن زيد في الذي قبله بحديثين، ومرّ أيوب وأبو قلابة في التاسع من الإِيمان، ومرّ مالك بن الحويرث في تعليق بعد الثامن والعشرين من العلم، ومرّ عمرو بن سلمة في الثلاثين من أبواب الجماعة، ومرّ هناك الكلام على ما يتعلق بالحديث.
стр. 4358
الحديث التاسع والثمانون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: كَانَ سُجُودُ النَّبِيِّ ﷺ وَرُكُوعُهُ، وَقُعُودُهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ.
وقد مرّ هذا الحديث في باب استواء الظهر في الركوع، واستوفى الكلام عليه هناك.
رجاله ستة:
قد مرّوا إلاَّ الزبيري، مرّ محمد بن عبد الرحيم في السادس من الوضوء ومرّ مِسعرَ في السادس والستين منه، ومرّ الحكم بن عتيبة في الثامن والخمسين من العلم، ومرّ عبد الرحمن بن أبي ليلى في الثالث والستين من أبواب صفة الصلاة، ومرّ البراء في الثالث والثلاثين من الإِيمان, وأما الزبيري فهو محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمر بن درهم الأسدي مولاهم أبو أحمد الزبيري الكوفي. قال نصر بن علي: سمعت، أما أحمد الزبيري يقول: لا أبالي إن سرق مني كتاب سفيان إني أحفظه كله. وقال ابن خير: أبو أحمد الزبيري صدوق في الطبقة الثالثة من أصحاب الثوري ما علمت إلاَّ خيرًا مشهور بالطلب ثقة صحيح الكتاب. وكان صديق أبي نعيم أقدم سماعًا وأسن منه، وقال أحمد بن حنبل: كان كثير الخطأ في حديث سفيان، وقال ابن معين: ثقة، وقال مرة: ليس به بأس. وقال العجلي: كوفي ثقة يتشيع. وقال بندار: ما رأيت أحفظ منه، وقال أبو زرعة وابن خراش: صدوق، وقال أبو حاتم: عابد مجتهد حافظ للحديث له أوهام. وقال النَّسائيّ: ليس به بأس، وقال محمد بن يزيد: كان يصوم الدهر. وقال ابن سعد: كان صدوقًا كثير الحديث، وقال ابن قانع: ثقة روى عن سفيان الثوري ومِسعَر ومالك بن مغول ومالك بن أنس وإسرائيل وغيرهم، وروى عنه ابنه طاهر وأحمد بن حنبل وأبو خيثمة ومحمد بن عبد الرحيم وغيرهم، مات سنة ثلاث ومئتين.
стр. 4359
الحديث التسعون
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: إِنِّي لاَ آلُو أَنْ أُصَلِّيَ بِكُمْ كَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي بِنَا. قَالَ ثَابِتٌ: كَانَ أَنَسٌ يَصْنَعُ شَيْئًا لَمْ أَرَكُمْ تَصْنَعُونَهُ، كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَامَ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ قَدْ نَسِيَ. وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ قَدْ نَسِيَ.
وهذا الحديث أيضًا مرّ الكلام عليه في باب الطمأنينة حين يرفع رأسه من الركوع.
رجاله أربعة:
قد مرّوا، مرّ سليمان بن حرب في الرابع عشر من الإِيمان, ومرّ حمّاد بن زيد في الرابع والعشرين منه، ومرّ أنس في السادس منه، ومرّ ثابت في تعليق بعد الخامس من العلم. ثم قال المصنف:
باب لا يفترش ذراعيه في السجود
يجوز في "يفترش" الجزم على النهي والرفع على النفي، وهو بمعنى النهي. قال ابن المنير: أخذ لفظ الترجمة من حديث أبي حميد والمعنى من حديث أنس، وأراد بذلك أن الافتراش المذكور في حديث أبي حميد بمعنى الانبساط من حديث أنس، والذي يظهر أنه أشار إليِ رواية أبي داود فإنه أخرج حديث الباب عن شعبة بلفظ: "ولا يفترش" بدل ينبسط وروى أحمد والتِّرمِذِيّ وابن خزيمة من حديث جابر نحوه بلفظ: "إذا سجدَ أحدُكم فليعتدلْ، ولا يفترشْ ذراعيهِ افتراشَ الكلبِ" وفي رواية "السبع". وروى مسلم عن عائشة نحوه، وروى الحاكم عن عبد الرحمن بن شبل قال: "نهى النبيُّ ﷺ عن نقرة الغرابِ، وافتراشِ السبعِ، وأن يوطنَ الرجلُ المكانَ"، ثم قال: وقال أبو حميد: "سجدَ النَّبيُّ ﷺ ووضعَ يديهِ غيرَ مفترشٍ ولا قابضِهمَا". قوله: "ولا قابضهما" أي: اليدين بأن يضمهما إليه، ولا يجافيهما عن جنبيه. وهذا التعليق علّقه البخاري فيما مرّ في أبواب عديدة، ومرّ بعض الكلام عليه فيها. وأخرجه في باب "سنة الجلوس في التشهد"، ومرّ أبو حميد في أبواب استقبال القبلة في تعليق قبل ذكر حديث منه.
стр. 4360
الحديث الحادي والتسعون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلاَ يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ.
قوله: "عن أنس" عند التِّرمِذِيّ والإِسماعيليّ التصريح بسماع قتادة له من أنس، وقوله: "اعتدلوا في السجود" أي: كونوا متوسطين بين الافتراش والقبض. وقال ابن دقيق العيد: لعل الاعتدال هنا وضع هيئة السجود على وفق الأمر؛ لأن الاعتدال الحسّي المطلوب في الركوع لا يتأتى هنا، فإنه هناك استواء الظهر والعنق. والمطلوب هنا ارتفاع الأسافل على الأعالي. قال: وقد ذكر الحكم هنا مقرونًا بعلته فإن التشبه بالأشياء الخسيسة يناسب تركه في الصلاة والهيئة المنهي عنها أيضًا مشعرة بالتهاون وقلة الاعتناء بالصلاة. وقوله: "لا ينبسط" كذا للأكثر بنون ساكنة قبل الموحدة، وفي رواية ابن عساكر بموحدة ساكنة فقط، وعليها اقتصر صاحب "العمدة" وللحموي "يبسط" بمثناة بعده موحدة.
وقوله: "انبساط" بالنون في الأولى والثانية وبالمثناة في الثالثة، وهي ظاهرة والثانية تقديرها ولا يبسط ذراعيه فينبسط انبساط الكلب، وهذا الحديث قد مرّ في معناه حديث عبد الله بن مالك ابن بحينة في باب يُبدي بضبعيه ويجافي في السجود قبيل أبواب استقبال القبلة، ومرّ استيفاء الكلام عليه هناك، وجاء قبل هذا قريبًا.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ محمد بن بشار في الحادي عشر من العلم، ومرّ محمد بن جعفر في الخامس والعشرين من الإِيمان. ومرَّ شعبة في الثالث منه، ومرّ قتادة وأنس في السادس منه. أخرجه مسلم في الصلاة، وكذا أبو داود والتِّرمِذِيّ والنَّسائيّ. ثم قال المصنف:
باب مَنْ استوى قاعدًا في وتر من صلاته ثم نهض
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة.
стр. 4361
الحديث الثاني والتسعون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ اللَّيْثِيُّ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي، فَإِذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلاَتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِي قَاعِدًا.
الغرض من الحديث بيان مشروعية جلسة الاستراحة، وقد مرّ الحديث في باب مَنْ صلّى بالناس وهو لا يريد إلا أن يعلمهم، ومرّ هناك استيفاء الكلام عليه.
رجاله خمسة:
قد مرّوا إلا شيخ البخاري، مرّ هشيم في الثاني من التيمم، ومرّ خالد الحذاء في السابع عشر من العلم، ومرّ محل ذكر أبي قلابة ومالك بن الحويرث في الذي قبله بثلاثة أحاديث، وأما شيخ البخاري فهو محمد بن الصباح الدُّولابي أبو جعفر البغدادي البزار مولى مزينة صاحب "السنن" ذكره ابن حِبّان في الثقات وقال: ولد "بالري" بقرية يقال لها "دولاب" وسئل عنه أحمد فقال: شيخنا ثقة، وقال ابن معين: ثقة مأمون. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صاحب حديث، وقال في موضع آخر: كان ثقة عالمًا يهم. وقال أبو حاتم: ممن يحتج بحديثه. وكان أحمد يعظمه، وقال تمتام: حدّثنا محمد بن الصباح الدولابي الثقة المأمون والله وقال ابن عدي: شيخ سني من الصالحين. وقال مسلمة في "الصلة": ثقة مشهور، وفي "الزهرة" روى عنه البخاري اثني عشر حديثًا. ومسلم عشرين روى عن حفص بن غياث وهشيم وابن المبارك وابن عُيينة وغيرهم. وروى عنه البخاري ومسلم وأبو داود وروى الباقون عنه بواسطة البخاري وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان، وأبو زرعة الدمشقي وأحمد بن حنبل وابن معين وغيرهم قال ابن سعد: مات في آخر المحرم سنة سبع وعشرين ومئتين. وقال ابن حِبّان: لأربع عشرة خلت من المحرم. والدولابي في نسبه نسبة إلى "دولاب" بالضم قرية من "الري" وفي المراصد أن الفتح أعرف من الضم وفي مشترك ياقوت أنه مواضع أربعة أو خمسة منها ابن الصباح هذا ومنها الحافظ أبو بكر بن الدولابي محدث مشهور له ذكر في "شروح البخاري" و"الشفاء" و"المواهب". ويشتبه صاحب الترجمة بمحمد بن الصباح الجرجرائي أبو جعفر مولى عمر بن عبد العزيز معاصر صاحب الترجمة، لكن البخاري ومسلمًا لم يرويا عنه. روى عنه أبو داود وابن ماجه.
стр. 4362
لطائف إسناده:
فيه التحديث والإخبار بالجمع والعنعنة والقول، ورواته ما بين بغداديّ وواسطيّ وبصريّ، أخرجه أبو داود والتِّرمِذِيّ والنَّسائيّ في الصلاة. ثم قال المصنف:
باب كيف يعتمد على الأرض إذا قام من الركعة
قوله: من الركعة: أي: ركعة كانت وفي رواية المستملي والكشميهنيّ من الركعتين أي: الأولى والثالثة.
стр. 4363
الحديث الثالث والتسعون
حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ قَالَ: جَاءَنَا مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ فَصَلَّى بِنَا فِي مَسْجِدِنَا هَذَا فَقَالَ: إِنِّي لأُصَلِّى بِكُمْ، وَمَا أُرِيدُ الصَّلاَةَ، وَلَكِنْ أُرِيدُ أَنْ أُرِيَكُمْ كَيْفَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي. قَالَ أَيُّوبُ: فَقُلْتُ لأَبِى قِلاَبَةَ: وَكَيْفَ كَانَتْ صَلاَتُهُ؟ قَالَ مِثْلَ صَلاَةِ شَيْخِنَا هَذَا يَعْنِى عَمْرَو بْنَ سَلِمَةَ. قَالَ أَيُّوبُ: وَكَانَ ذَلِكَ الشَّيْخُ يُتِمُّ التَّكْبِيرَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ عَنِ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ جَلَسَ وَاعْتَمَدَ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ قَامَ.
قوله: "عن السجدة" في رواية المذكورين في السجدة وفي بعض نسخ أبي ذرٍّ من السجدة وهي رواية الإسماعيليّ، وقد مرّ الكلام على حديث مالك بن الحويرث هذا في الباب المذكور آنفًا. والغرض منه هنا ذكر الاعتماد على الأرض عند القيام من السجود أو الجلوس والإشارة إلى ردّ ما روي بخلاف ذلك، فعند سعيد بن منصور بإسناد ضعيف عن أبي هريرة أنه " ﷺ كان ينهضُ على صدورِ قدميهِ". وعن ابن مسعود مثله بإسناد صحيح. وعن إبراهيم أنه كره أن يعتمد على يديه إذا نهض، فإن قيل ترجم على كيفية الاعتماد والذي في الحديث إثبات الاعتماد فقط، أجاب الكرماني بأن بيان الكيفية مستفاد من قوله: جلس واعتمد على الأرض، ثم قال: فكأنه أراد بالكيفة أن يقوم معتمدًا على جلوس لا عن سجود، وقال ابن رشيد: أفاد في الترجمة التي قبل هذه إثبات الجلوس في الأولى والثالثة، وفي هذه أن ذلك الجلوس جلوس اعتماد على الأرض بتمكن بدليل الإتيان بحرف ثم الدال على المهملة وأنه ليس جلوس استيفاز، فأفاد في الأولى مشروعية الحكم وفي الثانية صفته، وفي هذا شيء إذ لو كان ذلك المراد لقال: كيف يجلس مثلًا؟ وقيل يستفاد من الاعتماد أنه يكون باليد؛ لأنه افتعال من العماد والمراد به الاتكاء، وهو باليد. وروى عبد الرزاق عن ابن عمر أنه كان يقوم إذا رفع رأسه من السجدة معتمدًا على يديه قبل أن يرفعهما.
رجاله خمسة:
وفيه ذكر عمرو بن سَلَمة وقد مرّ الجميع، مرّ مُعلّى بن أسد في الرابع والثلاثين من الحيض، ومرّ وهيب بن خالد في السادس والعشرين من العلم، ومرَّ أيوب وأبو قلابة في التاسع من الإِيمان, ومرّ مالك بن الحويرث في تعليق بعد الثامن والعشرين من العلم، ومرَّ عمرو بن سَلَمة في الثلاثين من أبواب الجماعة. ثم قال المصنف:
стр. 4364
باب يُكَبِّر وهو ينهض من السجدتين
ذهب أكثر العلماء إلى أن المصلِّي يشرع في التكبير أو غيره عند ابتداء الخفض والرفع، وقد مرّ الكلام على ذلك وعلى تأخير التكبير عند القيام من التشهد الأول عند مالك. وفي باب التكبير إذا قام من السجود مستوفىً. ثم قال: وكان ابن الزبير يكبِّر في نهضته وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة في مصنفه وابن الزبير عبد الله. وقد مرّ في الثامن والأربعين من العلم.
стр. 4365
الحديث الرابع والتسعون
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: صَلَّى لَنَا أَبُو سَعِيدٍ فَجَهَرَ بِالتَّكْبِيرِ حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، وَحِينَ سَجَدَ، وَحِينَ رَفَعَ، وَحِينَ قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ .
قوله: "أبو سعيد" أي: الخدري بالمدينة وبيّن الإسماعيلي في روايته عن فليح سبب ذلك ولفظه: "اشتكى أبو هريرةَ أو غابَ فصلَّى أبو سعيدٍ فجهرَ بالتكبير حينَ افتتحَ، وحينَ ركعَ " الحديث وزاد في آخره أيضًا: "فلمّا انصرفَ قيلَ له: قدِ اختلفَ الناسُ علَى صلاِتكَ فقامَ عندَ المنبرِ فقالَ: إنَّي واللهِ ما أُبالي أَختلفتْ صلاتُكم أم لم تختلفْ إني رأيت رسولَ اللهِ ﷺ هكذا يصلِّي". والذي يظهر أن الاختلاف بينهم كان في الجهر بالتكبير والإسرار به، وكان مروان وغيره من بني أمية يسرونه كما تقدم في باب إتمام التكبير في الركوع. وكان أبو هريرة يصلي بالناس في إمارة مروان على المدينة. وأما مقصود الباب فالمشهور عن أبي هريرة أنه كان يكبّر حين يقوم، ولا يؤخره حتى يقوم كما مرّ عن "الموطأ" في باب التكبير إِذا قام من السجود.
وأما ما تقدم في باب ما يقول الإِمام ومن خلفه من حديثه بلفظ: "وإذا قام من السجدتين قال: اللهُ أكبرُ" فيحمل على أن المعنى إذا شرع في القيام قاله في "الفتح" قلت: حمله على ما قالت المالكية من أن القائم من اثنتين يؤخر التكبير حتى يستوي قائمًا أولى بظاهر اللفظ. قال الزين بن المنير: أجرى البخاري الترجمة وأثر ابن الزبير مجرى التبيين لحديثي الباب؛ لأنهما ليسا صريحين في أن ابتداء التكبير يكون مع أول النهوض، وقال ابن رشيد في هذه الترجمة إشكال؛ لأنه ترجم فيما مضى باب التكبير إذا قام من السجود وأورد فيه حديث ابن عباس وأبي هريرة وفيهما التنصيص على أنه يكبر في حالة النهوض وهو الذي اقتضته هذه الترجمة، فكان ظاهرها التكرار. ويحمل قوله من السجدتين على أنه أراد من الركعتين؛ لأن الركعة تسمى سجدة مجازًا واستبعده ورجح أن المراد بهذه الترجمة بيان محل التكبير حين ينهض من السجدة الثانية بأنه إذا قعد على الوتر يكون تكبيره في الرفع إلى القعود ولا يؤخره إلى ما بعد القعود، ويتوجه ذلك بأن الترجمتين اللتين قبله فيهما بيان الجلوس ثم بيان الاعتماد، فبيّن في هذه الثالثة محل التكبير، ويحتمل أن يكون مراده بقوله من السجدتين ما هو أعم من ذلك فيشمل ما قيل أو لا وثانيًا ويؤيد ذلك اشتمال حديثي الباب على ذلك ففي حديث أبي سعيد حين رفع رأسه من السجود وحين قام من الركعتين، وفي حديث عمران بن
стр. 4366
حصين وإذا رفع كبّر وإذا نهض من الركعتين كبّر، وأما أثر ابن الزبير فيمكن شموله الأمرين؛ لأن النهضة تحتملهما لكن استعمالها في القيام أكثر، وهذا يرجح الحمل الأول الذي استبعده ابن رشيد ولا بعد فيه، فقد تقدم أن خلاف مالك إنما هو في النهوض من الركعتين بعد التشهد الأول، وحديث عمران مرّ استيفاء الكلام عليه في باب إتمام التكبير في الركوع.
رجاله أربعة:
قد مرّوا، مرّ يحيى بن صالح وسعيد بن الحارث في الثالث عشر من كتاب الصلاة، ومرّ فليح في الأول من العلم، ومرّ أبو سعيد الخدري في الثاني عشر من الإيمان.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول ورواته ما بين حمصيّ ومدنيّ. وهذا الحديث تفرد به البخاري عن أصحاب الكتب.
стр. 4367
الحديث الخامس والتسعون
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غَيْلاَنُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ: صَلَّيْتُ أَنَا وَعِمْرَانُ صَلاَةً خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَكَانَ إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ، وَإِذَا رَفَعَ كَبَّرَ، وَإِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ، فَلَمَّا سَلَّمَ أَخَذَ عِمْرَانُ بِيَدِي فَقَالَ: لَقَدْ صَلَّى بِنَا هَذَا صَلاَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ . أَوْ قَالَ: لَقَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا صَلاَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وهذا الحديث مرّ استيفاء الكلام عليه في باب إتمام التكبير في الركوع.
رجاله ستة:
قد مرّوا، مرّ سليمان بن حرب في الرابع عشر من الإِيمان, ومرّ حمّاد بن زيد في الرابع والعشرين منه، ومرّ غيلانَ بن جرير في التاسع والمئة من الوضوء ومرّ مطرف بن عبد الله بن الشخير في الرابع والخمسين من أبواب صفة الصلاة، ومرّ عمران بن الحصين في الحادي عشر من التيمم، ومرّ علي في السابع والأربعين من العلم. ثم قال المصنف:
باب سنة الجلوس في التشهد
أي: السُّنّة في الجلوس الهيئة الآتي ذكرها ولم يرد أن نفس الجلوس سُّنّة، ويحتمل إرادته على أن المراد بالسُّنّة الطريقة الشرعية التي هي أعم من الواجب والمندوب، وقال الزين بن المنير ضمن هذه الترجمة: سُنّة أحكام وهي أن هيئة الجلوس غير مطلق الجلوس، والتفرقة بين الجلوس للتشهد الأول وبينهما وبين الجلوس بين السجدتين وأن ذلك كله سُنّة وأنْ لا فرق بين الرجال والنساء وأنّ ذا العلم يحتج بعمله، وهذا الأخير إنما يتم إذا ضم أثر أم الدرداء إلى الترجمة. ثم قال: وكانت أم الدرداء تجلس في صلاتها جلسة الرجل، وكانت فقيهة قوله: جلسة الرجل بكسر الجيم؛ لأن الفِعلة بالكسر إنما هي للنوع، فدلّ هذا على أن المستحب للمرأة أن تجلس في التشهد كما يجلس الرجل، وسيأتي ما في ذلك.
قوله: "وكانت فقيهة" جزم بعض الشرّاح بأن ذلك من كلام البخاري لا من كلام مكحول الراوي عنها. فقال مغلطاي: القائل وكانت فقيهة هو البخاري فيما أرى وتبعه ابن الملقن. فقال: الظاهر أنه قول البخاري، قال في "الفتح": وليس كما قالا فقد رويناه تامًا في مسند الفريابي أيضًا بسنده إلى مكحول ومن طريقة البخاري أن الدليل إذا كان عامًا وعمل بعمومه بعض العلماء رجّح
стр. 4368
به، وإن لم يحتج به بمجرده وعلم من رواية مكحول أن المراد بأم الدرداء الصغرى التابعية لا الكبرى الصحابية؛ لأنه أدرك الصغرى ولم يدرك الكبرى, وعمل التابعي بمفرده، ولو لم يخالف لا يحتجّ به، وإنما وقع الاختلاف في العمل بقول الصحابي كذلك. ولم يورد البخاري أثر أم الدرداء ليحتج به، بل للتقوية. وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة عن وكيع لكن لم يقع عنده قول مكحول في آخره: وكانت فقيهة ووصله المصنف في "التاريخ الصغير" من طريق مكحول باللفظ المذكور، وأم الدرداء مرّت في السادس من أبواب الجماعة سواء أُريد بها الكبرى أو الصغرى.
стр. 4369
الحديث السادس والتسعون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ يَرَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ يَتَرَبَّعُ فِي الصَّلاَةِ إِذَا جَلَسَ، فَفَعَلْتُهُ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ، فَنَهَانِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَقَالَ: إِنَّمَا سُنَّةُ الصَّلاَةِ أَنْ تَنْصِبَ رِجْلَكَ الْيُمْنَى وَتَثْنِىَ الْيُسْرَى. فَقُلْتُ: إِنَّكَ تَفْعَلُ ذَلِكَ. فَقَالَ: إِنَّ رِجْلَيَّ لاَ تَحْمِلاَنِي.
قوله: "إنه أخبره" صريح في أن عبد الرحمن بن القاسم حمله عنه بلا واسطة، وقد اختلف فيه الرواة عن مالك فأدخل معن بن عيسى وغيره عنه فيه بين عبد الرحمن بن القاسم وعبد الله بن عبد الله القاسم بن محمد والد عبد الرحمن، فكأن عبد الرحمن سمعه من أبيه عنه ثم لقيه أو سمعه منه معه وثبته فيه أبوه.
وقوله: "وثنى اليسرى" لم يبيّن في هذه الرواية ما يفعل بعد ثنيها هل يجلس فوقها أو يتورك؟ وفي "الموطأ" عن يحيى بن سعيد أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس في التشهد فنصب رجله اليمنى، وثنى اليسرى على وركه اليسرى ولم يجلس على قدمه، ثم قال: أراني هذا عبد الله بن عبد الله بن عمر. وحدّثني أن أباه كان يفعل ذلك فتبيّن من رواية القاسم ما أجمل في رواية ابنه. وإنما اقتصر البخاري على رواية عبد الرحمن لتصريحه فيها بأن ذلك هو السُّنَّة لاقتضاء ذلك الرفع بخلاف رواية القاسم. ورجّح ذلك عنده حديث أبي حميد المفصل بين الجلوس الأول والثاني على أن الصفة المذكورة قد يقال إنها لا تخالف حديث أبي حميد؛ لأن في "الموطأ" أيضًا عن عبد الله بن دينار التصريح بأن جلوس ابن عمر المذكور كان في التشهد الأخير. وروى النسائي عن عمرو بن الحارث عن يحيى بن سعيد أن القاسم حدّثه عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: "من سُنّة الصلاة أن ينصب رجله اليمنى ويجلس على اليُسرى"، فإذا حملت هذه الرواية على التشهد الأول ورواية مالك على التشهد الأخير، انتفى عنهما التعارض ووافق ذلك التفصيل المذكور في حديث أبي حميد الذي بعد هذا.
وقوله: "فقلت إنك تفعل ذلك" أي: التربع. وقوله: "إن رجليّ" بتشديد الياء تثنية رجل، ولأبي الوقت وابن عساكر "رجلاى" بالألف على إجراء المثنى مجرى المقصور كقوله:
فأطرق إطراقَ الشجاعِ ولو رأى ... مساغًا لناباهُ الشجاعُ لصمما
стр. 4370
أو على أن "إنّ" بمعنى نعم ثم استأنف فقال: "رجلاى" كقول عبد الله بن الزبير لمن قال: "لعَنَ اللهُ ناقةً حملتني اليكَ. قال: "إنّ وراكِبَها" أي: نعم، ولَعن راكبها، وقوله: "لا تحملاني" روى بتشديد النون وتخفيفها والذي في الحديث من أنه ينصب رجله اليمنى ويثني رجله اليسرى ويقعد بالأرض. ويكون إبهام اليمنى قائمًا على الأرض هو مذهب مالك ويحيى بن سعيد الأنصاري والقاسم بن محمد وابنه عبد الرحمن في جميع الجلوس في التشهدين وبين السجدتين، وهذا الجلوس يسمى (بالتَّوَرُّك). وعند الشافعية يجلس في التشهد الأول على رجله اليسرى وينصب اليمنى. وهذا هو الافتراش. ويفعل في التشهد الأخير مثل ما مرّ عن مالك من (التَّوَرُّك)، واستدلوا على مغايرة الأخير للأول بحديث أبي حميد الآتي قريبًا، وعند الحنفية يفترش في كل جلوس. والمشهور عن أحمد اختصاص (التَّوَرُّك) بالصلاة التي فيها تشهدان، فلا توَرُّك عنده في الصبح وهو قول داود. واستدلت الحنفية بحديث عائشة عند مسلم قالت: "كان رسولُ اللهِ ﷺ يفتتحُ الصلاة إلى أنْ قالت: وكان يفرشُ رجلَهُ اليسرى، وينصبُ رجلَهُ اليمنى". وقال الطبري: إن فعل هذا فحسن، وإن فعل هذا فحسن؛ لأن ذلك كله قد ثبت عن النبي ﷺ . وقال النووي: الجلسات عند الشافعي أربع: الجلوس بين السجدتين، وجلسة الاستراحة عقيب كل ركعة يعقبها قيام، والجلسة للتشهد الأول، والجلسة للتشهد الأخير فالجميع يجلس مفترشًا إلا الأخيرة، فلو كان مسبوقًا وجلس أمامه في آخر الصلاة متوركًا جلس المسبوق مفترشًا في تشهده، فإذا سجد سجدتي السهو تورَّك ثم سلّم. وجلوس المرأة عند الجميع التَّورُّك.
قال النووي: وجلوس المرأة كجلوس الرجل. قال مالك: وتكون المرأة منضمة منزوية في سجودها وجلوسها وأمرها كله، وقال قوم: تجلس كيف شاءت إذا تجمعت، وبه قال عطاء والشعبي. وكانت صفية -رضي الله تعالى عنها- تصلي متربعة ونساء ابن عمر كن يفعلنه، وقال عياض عن بعض السلف: كن النساء يؤمرن أن يتربعن إذا جلسن في الصلاة ولا يجلسن جلوس الرجال على أوراكهن، وقال الشافعية: الحكمة في أخذ الشافعي بالتغاير في الجلوس الأول والثاني هما أنه أقرب إلى عدم اشتباه عدد الركعات؛ ولأن الأول تعقبه الحركة بخلاف الثاني؛ ولأن المسبوق إذا رآه علم قدر ما سبق به، وعند المالكية يندب التربع في الفريضة للمصلي جالسًا وفي النافلة للرجل والمرأة، ولكن يندب تغيير الجلسة بين السجدتين، وفي جلوس التشهد. وقال ابن عبد البر: اختلفوا في التربع في النافلة، وفي الفريضة للمريض وأما الصحيح فلا يجوز له التربع في الفريضة بإجماع العلماء كذا قال وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: لأن أقعد على رضفتين أحب إلى من أن أقعد متربعًا في الصلاة، وهذا يشعر بتحريمه عنده، ولكن المشهور عن أكثر العلماء أن هيئة الجلوس في التشهد سُنَّة فلعل ابن عبد البر أراد بنفي الجواز إثبات الكراهة.
رجاله خمسة:
قد مرّوا إلاَّ عبد الله بن عبد الله، مرّ عبد الله بن مسلمة في الثاني عشر من الإِيمان, ومرّ ابن عمر
стр. 4371
في أثر أوله قبل ذكر حديث منه، ومرّ مالك في الثاني من بدء الوحي، ومرّ عبد الرحمن بن القاسم في السادس عشر من الغُسل وعبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب أبو عبد الرحمن العدوي المدني يسمى باسم أبيه ويكنى بكنيته ذكره ابن حِبّان في الثقات. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وقال العجلي: تابعي ثقة. وقال وكيع: كان ثقة، وقال أبو زرعة والنَّسائي: ثقة، وقال الزبير بن بكار: كان من أشراف قريش ووجوهها. وقال يزيد بن هارون. كان أكبر ولد عبد الله بن عمر، وذكره ابن عاصم في الصحابة من أجل حديث أرسله. قال ابن حجر وصفية بنت أبي عبيد أُم عبد الله هذا كانت في عهد النبي ﷺ صغيرة فيكون مولده هو بعد وفاة النبي ﷺ .
روى عن أبيه، وكان وصيه وعن أخيه حمزة وأبي هريرة وأسماء بنت زيد بن الخطاب، وروى عنه ابنه عبد العزيز وابن أخيه عبد الله بن واقد والقاسم بن محمد وعبد الرحمن بن القاسم والزهري وغيرهم، مات سنة خمس ومئة، وقيل مات أول خلافة هشام. أخرجه أبو داود في الصلاة وكذلك النَّسائيّ.
стр. 4372
الحديث السابع والتسعون
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ خَالِدٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ. وَحَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ وَيَزِيدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرْنَا صَلاَةَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ: أَنَا كُنْتُ أَحْفَظَكُمْ لِصَلاَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَأَيْتُهُ إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلاَ قَابِضِهِمَا، وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ، فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْيُمْنَى، وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الأُخْرَى وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ. وَسَمِعَ اللَّيْثُ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ وَيَزِيدُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَلْحَلَةَ وَابْنُ حَلْحَلَةَ مِنَ ابْنِ عَطَاءٍ. قَالَ أَبُو صَالِحٍ عَنِ اللَّيْثِ كُلُّ فَقَارٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ قَالَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو حَدَّثَهُ كُلُّ فَقَارٍ.
قوله: "قال: حدّثنا الليث" قائل ذلك هو يحيى بن بكير المذكور، والحاصل أن بين الليث وبين محمد بن عمرو بن حلحلة في الرواية الأولى اثنين، وبينهما في الرواية الثانية واسطة واحدة وأردف الرواية النازلة بالرواية العالية على عادة أهل الحديث، وربما وقع لهم ضد ذلك لمعنى مناسب.
وقوله: "إنه كان جالسًا في نفر من أصحاب رسول الله ﷺ " في رواية كريمة مع نفر وكذا اختلف على عبد الحميد بن جعفر عن محمد بن عمرو بن عطاء ففي رواية عاصم عنه عند أبي داود وغيره: "سمعت أبا حميد في عشرة". وفي رواية هشيم عنه عند سعيد بن منصور: "رأيت أبا حميد مع عشرة". ولفظ مع يرجح أحد الاحتمالين في لفظ في لأنها تحتمل أن يكون أبو حميد من العشرة أو زائدًا عليهم، ثم إِن رواية الليث ظاهرة في اتصاله بين محمد بن عمرو وأبي حميد ورواية عبد الحميد صريحة في ذلك، وزعم ابن القطان تبعًا للطحاوي أنه غير متصل لأمرين: أحدهما أن عيسى بن عبد الله بن مالك رواه عن محمد بن عمرو بن عطاء فأدخل بينه وبين الصحابة عباس بن سهل أخرجه أبو داود وغيره. ثانيهما أن في بعض طرقه تسمية أبي قتادة في الصحابة المذكورين، وأبو قتادة قديم لصغر سن محمد بن عمرو بن عطاء عن إدراكه.
والجواب عن ذلك أما الأول فلا يضر الثقة المصرح بسماعه أن يدخل بينه ويين شيخه واسطة. إما لزيادة في الحديث، وإما للتثبت فيه. وقد صرّح محمد بن عمرو المذكور بسماعه فتكون رواية
стр. 4373
عيسى عنه من المزيد في متصل الإسناد. وأما الثاني فالمعتمد عند أهل التاريخ أن أبا قتادة مات في خلافة علي وصلّى عليه علي وكان قتل علي سنة أربعين، وأن محمد بن عمرو بن عطاء مات سنة عشرين ومائة وله نيف وثمانون سنة، فعلى هذا لم يدرك أبا قتادة ولكن يجاب بأن أبا قتادة اختلف في وقت موته، فقيل مات سنة أربع وخمسين، وعلى هذا فلقاء محمد له ممكن وعلى الأول فلعل من ذكر مقدار عمره أو وقت وفاته وهم، أو الذي سمى أبا قتادة في الصحابة المذكورين وهم في تسميته ولا يلزم من ذلك أن يكون الحديث الذي رواه غلطًا؛ لأن غيره ممن رواه معه عن محمد بن عمرو بن عطاء أو عن عباس بن سهل قد وافقه. وقد مرّ بعض الكلام على هذا في باب "إلى أين يرفع يديه" حيث ذكره هناك معلقًا ويأتي في السند ذكر مَنْ سمى من النفر.
وقوله: "فقال أبو حميد الساعدي" سياق الليث هذا فيه حكاية أبي حميد لصفة الصلاة بالقول، وكذا في رواية كل مَنْ رواه عن محمد بن عمرو بن حلحلة ونحوه رواية عبد الحميد بن جعفر عن محمد بن عمرو بن عطاء ووافقهما فليح عن عباس بن سهل، وخالف الجميع عيسى بن عبد الله، عن محمد بن عمر بن عطاء، عن عباس، فحكى أن أبا حميد وصفها بالفعل ولفظه عند الطحاوي وابن حِبّان قالوا: فأَرِنا، فقامَ يصلّي وهم ينظرون فبدأ فكبّر .. الحديث. ويمكن الجمع بين الروايتين بأن يكون وصفها مرة بالقول ومرة بالفعل، وهذا يؤيد ما أجيب به أولًا فإن عيسى المذكور هو الذي زاد عباس بن سهل بين محمد بن عمرو بن عطاء وأبي حميد، فكأن محمدًا شهد هو وعباس حكاية أبي حميد بالقول فحملها عنه من تقدم ذكره وكأن عباسًا شهدها هو وحده بالفعل فسمع ذلك منه محمد بن عمرو بن عطاء، فحدث بها كذلك وقد وافق عيسى أيضًا عنه عطاف بن خالد لكنه أبهم عباس بن سهل أخرجه الطحاوي أيضًا ويقوي ذلك أن ابن خزيمة أخرج عن ابن إسحاق أن عباس بن سهل حدّثه فساق الحديث بصفة الفعل.
وقوله: "أنا كنتُ أحفظَكُم" زاد عبد الحميد قوله فوالله ما كنت بأكثرنا له اتباعًا وفي رواية التِّرمِذِيّ إتيانًا ولا أقدمنا له صحبة. وفي رواية عيسى بن عبد الله قالوا: فكيف؟ قال: اتبعت ذلك منه حتى حفظته زاد عبد الحميد: قالوا: فاعرض وفي روايته عن ابن حِبّان استقبل القبلة، ثم قال: "الله أكبر" وزاد فليح عند ابن خزيمة فيه ذكر الوضوء قوله: جعل يديه حذو منكبيه زاد ابن إسحاق ثم قرأ بعض القرآن ونحوه لعبد الحميد.
وقوله: "ثم هَصَرَ ظَهْرَهُ" بالهاء والصاد المهملة المفتوحتين أي: ثناه في استواء من غير تقويس. وفي رواية عيسى غير مُقْنع رأسه ولا مصوّبه ونحوه لعبد الحميد. وفي رواية فليح عند أبي داود فوضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما ووتر يديه فتجافى عن جنبيه، وله في رواية ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب وفرّج بين أصابعه.
وقوله: "فإذا رفع رأسه استوى" زاد عيسى عند أبي داود فقال: "سَمَع اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللَّهمَّ ربَّنا لكَ الحمدُ ورفعَ يديه"، ونحوه لعبد الحميد، وزاد حتى يحاذي بهما منكبيه.
стр. 4374
وقوله: "حتى يعودَ كلُّ فَقَارٍ مكانَهُ" الفَقَار بفتح الفاء والقاف جمع فقارة وهي عظام الظهر وهي العظام التي يقال لها خرز الظهر. قاله القزاز وقال ابن سيده: هي من الكاهل إلى العَجْب. وحكى ثعلب عن ابن الأعرابي أن عدتها سبعة عشر وفي "أمالي الزجاج" أصولها سبع غير التوابع. وعن الأصمعي هي خمس وعشرون: سبع في العنق، وخمس في الصُّلب وبقيتها في أطراف الأضلاع. وحكى في "المطالع" أنه وقع في رواية الأصبلي بفتح الفاء وكسرها ولابن السكن بكسرها، والصواب بفتحها وفي رواية ابن بكير هذه إشكال فكأنه ذكر الضمير؛ لأنه أعاده على لفظ الفقار، والمعنى حتى يعود كل عظام مكانها أو استعمل الفقار للواحد تجوزًا، وفي رواية الكشميهنيّ وجده حتى يعود كل فقاره واختلف في ضبطه فقيل بهاء الضمير وقيل بتاء التأنيث أي: حتى تعود كل عظمة من أعظام الظهر مكانها. والأول معناه حتى يعود جميع عظام ظهره والمراد بهذا كمال الاعتدال. وفي رواية هشيم عن عبد الحميد ثم يمكث قائمًا حتى يقع كل عظم موقعه.
وقوله: "وضعَ يديهِ غيرَ مفترشٍ" أي: لهما ولابن حِبّان عن عتبة بن أبي حكيم عن عباس بن سهل غير مفترش ذراعيه. وقوله: "ولا قابضهِما" بأن يضمهما إليه وفي رواية عيسى: "فإذا سجَدَ فرَّجَ فخذيهِ غيرَ حاملٍ بطنَهُ على شيءٍ منهما". وفي رواية عتبة المذكورة: "ولا حاملٍ بطنَهُ على شيءٍ مِنْ فخذيهِ". وفي رواية عبد الحميد: "جافى يديه عن جنبيه". وفي رواية فليح: "ونحّى يديه عن جنبيه ووضع يديه حذو منكبيه"، وفي رواية ابن إسحاق: "فاعلولى على جنبيه وراحتيه وركبتيه وصدور قدميه حتى رأيت بياض إبطيه ما تحت منكبيه، ثم ثبت حتى اطمأن كل عظم منه ثم رفع رأسه فاعتدل"، وفي رواية عبد الحميد: "ثم يقول اللهُ أكبر ويرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها حتى يرجع كل عظم إلى موضعه". ونحوه في رواية عيسى بلفظ: "ثم كبّر فجلس فتورَّك، ونصب قدمه الأخرى ثم كبّر فسجد"، وهذا يخالف رواية عبد الحميد في صفة الجلوس ويقول رواية عبد الحميد رواية فليح عند ابن حِبّان بلفظ: "كان إذا جلس بين السجدتين افترش رجله اليسرى وأقبل بصدر اليمنى على قبلته" أورده مختصرًا في كتاب الصلاة له. وفي رواية ابن إسحاق خلاف الروايتين ولفظه: "فاعتدل على عقبيه وصدور قدميه فإن لم يحتمل التعدد وإلا فرواية عبد الحميد أرجح.
وقوله: "فإذا جلس في الركعتين" أي: الأوليين ليتشهد، وفي رواية فليح: "ثم جلس فافترش رجله اليسرى وأقبل بصدر اليمنى على قبلته، ووضع كفه اليمنى على ركبته اليمنى وكفه اليسرى على ركبته اليسرى، وأشار بإصبعه". وفي رواية عيسى: "ثم جلس بعد الركعتين حتى إذا هو أراد أن ينهض إلى القيام قام بتكبيرة". وهذا يخالف في الظاهر رواية عبد الحميد حيث قال: "ثم إذا قام من الركعتين كبّر ورفع يديه كما كبّر عند افتتاح الصلاة". قلت: هذه الرواية ظاهرة فيما ذهبت إليه المالكية من أن التكبير عند القيام من اثنتين لا يقع إلا بعد الاستواء في القيام، ويبطل الجمع الآتي قوله في هذه الرواية كما كبّر عند افتتاح الصلاة، فإنه لا يمكن أن يكون كافتتاح الصلاة إلا إذا كان
стр. 4375
بعد الاستواء في القيام، وقال في "الفتح" انتصارًا لمذهبه ويمكن الجمع بينهما بأن التشبيه واقع على صفة التكبير لا على محله، ويكون معنى قوله: إذا قام أي: أراد القيام أو شرع فيه، وهذا الجمع يبطله قوله كما كبّر عند افتتاح الصلاة.
وقوله: "وإذا جلس في الركعة الأخيرة" في رواية عبد الحميد حتى إذا كانت السجدة التي يكون فيها التسليم. وفي رواية عند ابن حِبّان التي تكون خاتمة الصلاة أخرج رجله اليسرى، وقعد متوركًا على شقه الأيسر زاد ابن إسحاق في روايته، ثم سلّم وفي رواية عيسى عند الطحاوي فلما سلَّم سلَّم عن يمينه سلام عليكم ورحمة الله، وعن شماله كذلك. وفي رواية عبد الحميد عند أبي داود وغيره. قالوا: أي الصحابة المذكورون: "صدقت، هكذا كان يصلي".
وقد مرّ في الحديث الذي قبله أن الشافعية استدلت بهذا الحديث على ما ذهبت إليه فيما مرّ من المغايرة بين هيئة الجلوس في التشهد الأول والأخير، واستدلوا به على أن تشهد الصبح كالتشهد الأخير من غيره لعموم قوله في الركعة الآخرة خلافًا لأحمد فيما مرّ عنه من اختصاص التورك بالصلاة التي فيها تشهدان. قلت: وهذا الحديث هو أقوى دليل تتمسك به المالكية للإِرسال؛ لأنه بجميع طرقه لم يترك شيئًا من مستحبات الصلاة ولا سننها ولم يذكر في طريق من الطرق المروية عنه القبض، وذكر فيه ما هو صريح في الإرسال من قوله في رواية أبي داود: إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبّر حتى يقر كل عظم في موضعه معتدلًا. وفي رواية عبد الحميد السابقة: ثم يمكث قائمًا حتى يقع كل عظم موقعه، ثم يقرأ فغير خافٍ على عامي فضلًا عن عالم أن معنى يقع ويقر في الروايتين يثبت ويستقر في محله، ولا شك أن محل اليدين من الإِنسان جنباه، وذلك هو الإرسال بعينه لا ينازع في ذلك إلا مجنون أو مكابر في المحسوس، وقد استوفينا تقرير هذا في رسالتنا إبرام النقض. وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم جواز وصف الرجل نفسه بكونه أعلم من غيره إذا أمن الإعجاب وأراد تأكيد ذلك عند مَنْ سمعه لما في التعليم والأخذ عن الأعلم من الفضل، وفيه أنّ كان تستعمل فيما مضى وفيما يأتي لقول أبي حميد: "كنت أحفظكم" وأراد استمراره على ذلك. قاله ابن التين وفيه أنه كان يخفى على الكثير من الصحابة بعض الأحكام المتلقاة عن النبي ﷺ وربما تذكره بعضهم إذا ذكر.
رجاله تسعة:
وفيه لفظ نفر مرّت منهم ستة: مرّ يحيى بن بكير والليث في الثالث من بدء الوحي، ومرّ خالد بن يزيد وسعيد بن أبي هلال في الثاني من الوضوء، ومرّ يزيد بن أبي حبيب في الخامس من الإِيمان, ومرّ أبو حميد في تعليق في أول أبواب استقبال القبلة قبل ذكر حديث منه والثلاثة الباقية:
الأول منها: يزيد بن محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف القرشي المطلبي البصري مدني الأصل نزيل مصر، ذكره ابن حِبّان في الثقات وقال الدارقطني: ثقة، روى عن
стр. 4376
محمد بن عمرو بن حلحلة والمغيرة بن أبي بردة وعلي بن رباح ومحمد بن جعفر بن الزبير وغيرهم، وروى عنه يزيد بن أبي حبيب ويزيد بن عبد العزيز الرعيني والليث بن سعد وغيرهم.
الثاني: محمد بن عمرو بن حلحلة الديكي المدني ذكره ابن حِبّان في الثقات وقال: كان ذا هيئة ملازمًا للمسجد، وكذا قال ابن سعد وقال ابن معين وأبو حاتم والنَّسائيّ. روى عن عطاء بن يسار ومحمد بن عمرو بن عطاء والزهري ووهب بن كيسان وغيرهم. وروى عنه يزيد بن أبي حبيب ويزيد بن محمد القرشي وسعيد بن أبي هلال وغيرهم.
الثالث: محمد بن عمرو بن عطاء بن عباس بن علقمة بن عبد الله بن أبي قبيس بن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي العامري أبو عبد الله القرشي المدني، وقيل إنه من مواليهم. قال أبو زرعة والنّسائيّ: ثقة، وقال أبو حاتم: ثقة صالح الحديث. وقال أبو الزناد: حدّثني محمد بن عمرو بن عطاء وكان امرأ صدق، وقال ابن سعد: كانت له هيئة ومروءة، وكان ثقة، وله أحاديث، وقال أبو الحسن بن القطان الفاسي: جملة رواته من أهل الصدق، وقد ضعفه يحيى في رواية ووثقه في أخرى. وكان الثوري يحمل عليه من أجل القدر.
روى عن أبي حميد في عشرة من الصحابة وعن ابن عباس وابن الزبير وأبي هريرة وسعيد بن المسيب وعبد الله بن شداد وعطاء بن يسار وغيرهم مات بالمدينة سنة عشرين ومئة، وله نيف وثمانون سنة والنفر المذكور حضورهم مع أبي حميد عشرة، كما صرّح به في رواية أبي داود يحتمل بالراوي أبي حميد، ويحتمل زيادة عليه وقال في "الفتح" إنه لم يقف على أسماء سوى خمسة منهم أبي قتادة وأبي هريرة ومحمد بن مسلمة وسهل بن سعد، وأبي أسيد الساعدي، وقد مرّ تعريف الجميع، مرّ أبو قتادة في التاسع عشر من الوضوء ومرّ سهل بن سعد في الثامن والمئة منه، ومرّ أبو هريرة في الثاني من الإِيمان, ومرّ محمد بن مسلمة في الرابع والعشرين من أبواب صفة الصلاة هذه، ومرّ أبو أسيد في تعليق بعد السادس والخمسين من أبواب الجماعة.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول ورواته ما بين مصريين ومدنيين فالثلاثة الأول والسابع مصريون والباقون مدنيون أخرجه أبو داود في الصلاة، وكذا التِّرمِذِي والنَّسائيّ وابن ماجه. ثم قال: وسمع الليث يزيد بن أبي حبيب ويزيد محمد بن عمرو بن حلحلة وابن حلحلة من ابن عطاء، وهذا إعلام منه بأن العنعنة الواقعة في إسناد هذا الحديث بمنزلة السماع وهو كلام المصنف، ووهم مَنْ جزم بأنه كلام يحيى بن بكير وقد وقع التصريح بتحديث ابن حلحلة ليزيد في رواية ابن المبارك ورجاله الأربعة هم المذكورون في الذي قبله. ثم قال: وقال أبو صالح عن الليث: كل قَفَار يعني بإسناده الثاني عن اليزيدين قوله كل قَفَار ضبط بتقديم القاف على الفاء في رواية الأصيلي. وجزم جماعة بأن تقديم القاف تصحيف، وقال ابن التين: لم يتبين لي وجهها، وهذا التعليق وصله
стр. 4377
الطبراني وابن عبد البر والليث مرّ في الذي قبله ذكر محله وأبو صالح كاتب الليث مرّ في متابعة بعد الرابع من الوحي. ثم قال: وقال ابن المبارك عن يحيى بن أيوب قال: حدّثني يزيد بن أبي حبيب أن محمد بن عمرو حدّثه كل فقار، وهذا التعليق وصله الفريابي في صفة الصلاة له والجوزقي في جمعه وإبراهيم الحربي في غريبه ورجاله أربعة مرّ محمد بن عمرو في الذي قبله، ومرّ فيه ذكر محل يزيد بن أبي حبيب، ومرّ ابن المبارك في السادس من بدء الوحي. ومرّ يحيى بن أيوب في تعليق بعد الثاني من أحاديث أبواب القبلة هذا المقابري وإن كان المراد الغافقي وهو الظاهر؛ لأنه هو الذي روى عنه ابن المبارك، فقد مرّ في تعليق بعد العاشر من أبواب استقبال القبلة أيضًا. ثم قال المصنف:
باب مَنْ لم يرَ التشهد الأول واجبًا؛ لأن النبي ﷺ قام من الركعتين ولم يرجع
قوله: "التشهد" المراد تشهد الصلاة وهو التحيات، وهو تفعّل من الشهادة سمي بذلك لاشتماله على النطق بشهادة الحق تغليبًا لها على بقية أذكارها لشرفها من حيث إنه يصير الشخص بها مؤمنًا، ويرتفع عنه السيف وينتظم في سلك الموحدين الذي به النجاة في الدنيا والآخرة. قال الزين بن المنير: ذكر في هذه الترجمة الحكم ودليله ولم يثبت الحكم مع ذلك كان يقول: باب لا يجب التشهد الأول وسببه ما يطرق الدليل المذكور من الاحتمال، وقد أشار إلى معارضته في الترجمة التي تلي هذه حيث أوردها بنظير ما أورد به الترجمة التي بعدها، وفي لفظ حديث الباب فيها ما يشعر بالوجوب حيث قال: وعليه جلوس ووجه الدلالة من حديث الباب أنه لو كان واجبًا لرجع إليه لما سبحوا به بعد أن قام كما يأتي في أبواب سجود السهو. ويعرف منه أن قول ناصر الدين بن المنير في الحاشية: لو كان واجبًا لسبحوا به، ولم يسارعوا إلى الموافقة على الترك غفلة منه عن الرواية الآتية المنصوص فيها على أنهم سبحوا به. قال ابن بطال: والدليل على أن سجود السهو لا ينوب عن الواجب أنه لو نسي تكبيرة الإحرام لم تجبر، فكذلك التشهد؛ ولأنه ذكر لا يجهر به بحال، فلم يجب كدعاء الافتتاح. واحتج غيره بتقريره ﷺ الناس على متابعته بعد أن علم أنهم تعمدوا تركه، وفيه نظر. وممن قال بوجوبه: الليث وإسحاق وأحمد في المشهور عنه وهو قول للشافعي وعند مالك كل تشهد سُنّة، وعند أبي حنيفة قال في "شرح الهداية": ان المختار والصحيح عنده وجوبه، وقيل سُنّة وهو الأقيس، ولكنه خلاف ظاهر الرواية وحجة القائلين بالوجوب أنه ﵊ فعله وداوم عليه وأمر به في حديث ابن عباس بقوله: "قولوا: التحياتُ للهِ". وقال: "صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي".
واحتج الطبري لوجوبه بأن الصلاة فرضت أولًا ركعتين، وكان التشهد فيها واجبًا فلما زيدت لم تكن الزيادة مزيلة لذلك الواجب، وأجيب بأن الزيادة لم تتعين في الأخيرتين، بل يحتمل أن يكونا هما الفرض الأول والمزيد هما الركعتان الأوليان بتشهدهما ويؤيده استمرار التشهد الأخير كما كان واحتج أيضًا بأن مَنْ تعمد ترك الجلوس الأول بطلت صلاته. وهذا غير وارد؛ لأن من لا يوجبه لا يبطل الصلاة بتركه.
стр. 4378
الحديث الثامن والتسعون
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ مَوْلَى بَنِى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وَقَالَ مَرَّةً مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ بُحَيْنَةَ وَهْوَ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ وَهْوَ حَلِيفٌ لِبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ . أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ لَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلاَةَ، وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ وَهْوَ جَالِسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ سَلَّمَ.
قوله: "وقال مرة مولى ربيعة بن الحارث" ولا تنافي بينهما؛ لأنه مولى ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، فذكره أولًا بجد مواليه الأعلى. وثانيًا بمولاه الحقيقي. وقوله: "أزد شنوءة" بفتح الهمزة وسكون الزاي بعدها مهملة، ثم معجمة مفتوحة ثم نون مضمومة وهمزة مفتوحة وزن فَعُولَة قبيلة مشهورة. وقوله: "حليف لبني عبد مناف" صواب؛ لأن جده حالف المطلب بن عبد مناف. وقوله: "فقام في الركعتين الأوليين لم يجلس" أي للتشهد وفي رواية ابن عساكر: "ولم يجلس" بزيادة واو. وفي "مسلم" فلم يجلس بالفاء قال ابن رشيد إذا أطلق في الأحاديث الجلوس في الصلاة من غير تقييد فالمراد به جلوس التشهد، وبهذا يظهر وجه مناسبة الحديث للترجمة. وقد مرّت مباحث السهو مستوفاة في باب التوجه نحو القبلة حيث كان، وفي الباب الذي بعده قبيل أبواب المساجد، وفي باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره قبيل أبواب سترة المصلي.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ أبو اليمان وشعيب في السابع من بدء الوحي، ومرّ الزهري في الثالث منه، ومرّ الأعرج في السابع من الإِيمان, ومرّ عبد الله بن مالك بن بحينة في الثاني والأربعين من كتاب الصلاة.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإفراد والإخبار بالجمع وفيه العنعنة والقول والاثنان الأولان من رواته حمصيان، والآخران مدنيان أخرجه البخاري في الصلاة أيضًا عن عبد الله بن يوسف، وفي السهو عن قتيبة وفي النذر عن آدم، وأخرجه مسلم في الصلاة وكذا أبو داود والتِّرمِذِيّ والنَّسائيّ وابن ماجه. ثم قال المصنف:
стр. 4379
باب التشهد في الأولى
أي: الجلسة الأول من ثلاثية أو من رباعية. قال الكرماني: الفرق بين هذه الترجمة والتي قبلها أن الأولى لبيان عدم وجوب التشهد الأول، والثانية لبيان مشروعيته والمشروعية أعم من الواجب والمندوب، ولا خلاف في أن ألفاظ التشهد في الأولى كالتي في الأخيرة إلا ما روى الزهري عن سالم، قال: وكان ابن عمر لا يسلّم في التشهد الأول، كان يرى ذلك نسخًا لصلاته. قال الزهري: فأما أنا فأسلّم يعني قوله: "السلامُ عليكَ أيّها النبيُّ إلى الصالحين" أخرجه عبد الرزاق.
стр. 4380
الحديث التاسع والتسعون
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ فَقَامَ وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ، فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ صَلاَتِهِ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهْوَ جَالِسٌ.
وعبد الله بن مالك ابن بحينة هو عبد الله بن بحينة المذكور في السند الذي قبله وبحينة والدة عبد الله على المشهور، فينبغي أن يثبت الألف في ابن بحينة إذا ذكر مالك ويعرب إعراب عبد الله، وإذا لم يذكر مالك لا يكتب. وهذا الحديث هو الذي قبله فمباحثه قد مرّت.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ قتيبة بن سعيد في الحادي والعشرين من العلم، ومرّ بكر بن مضر وعبد الله بن مالك في الثاني والأربعين من كتاب الصلاة، ومرّ جعفر بن ربيعة في الرابع من التيمم، ومرّ الأعرج في السابع من الإِيمان, ثم قال المصنف:
باب التشهد في الآخرة
أي: الجلسة الآخرة، قال ابن رشيد: ليس في حديث الباب تعيين محل القول لكن يؤخذ ذلك من قوله، فإذا صلّى أحدكم فليقل فإن ظاهر قوله إذا صلّى أي: أتم صلاته لكن تعذر الحمل على الحقيقة؛ لأن التشهد لا يكون بعد السلام، فلما تعيّن المجاز كان حمله على آخر جزء من الصلاة أولى؛ لأنه الأقرب إلى الحقيقة، وهذا التقدير على مذهب الجمهور من أن السلام جزء من الصلاة لا أنه للتحلل منها فقط، والأشبه بتصرف البخاري أنه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرق الحديث من تعيين المحل، ففي رواية حفص بن غياث في الاستيذان فإذا جلس أحدكم في الصلاة.
следующие страницы →