← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

محمد بن عمرو بن حلحلة والمغيرة بن أبي بردة وعلي بن رباح ومحمد بن جعفر بن الزبير وغيرهم، وروى عنه يزيد بن أبي حبيب ويزيد بن عبد العزيز الرعيني والليث بن سعد وغيرهم. الثاني: محمد بن عمرو بن حلحلة الديكي المدني ذكره ابن حِبّان في الثقات وقال: كان ذا هيئة ملازمًا للمسجد، وكذا قال ابن سعد وقال ابن معين وأبو حاتم والنَّسائيّ. روى عن عطاء بن يسار ومحمد بن عمرو بن عطاء والزهري ووهب بن كيسان وغيرهم. وروى عنه يزيد بن أبي حبيب ويزيد بن محمد القرشي وسعيد بن أبي هلال وغيرهم. الثالث: محمد بن عمرو بن عطاء بن عباس بن علقمة بن عبد الله بن أبي قبيس بن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي العامري أبو عبد الله القرشي المدني، وقيل إنه من مواليهم. قال أبو زرعة والنّسائيّ: ثقة، وقال أبو حاتم: ثقة صالح الحديث. وقال أبو الزناد: حدّثني محمد بن عمرو بن عطاء وكان امرأ صدق، وقال ابن سعد: كانت له هيئة ومروءة، وكان ثقة، وله أحاديث، وقال أبو الحسن بن القطان الفاسي: جملة رواته من أهل الصدق، وقد ضعفه يحيى في رواية ووثقه في أخرى. وكان الثوري يحمل عليه من أجل القدر. روى عن أبي حميد في عشرة من الصحابة وعن ابن عباس وابن الزبير وأبي هريرة وسعيد بن المسيب وعبد الله بن شداد وعطاء بن يسار وغيرهم مات بالمدينة سنة عشرين ومئة، وله نيف وثمانون سنة والنفر المذكور حضورهم مع أبي حميد عشرة، كما صرّح به في رواية أبي داود يحتمل بالراوي أبي حميد، ويحتمل زيادة عليه وقال في "الفتح" إنه لم يقف على أسماء سوى خمسة منهم أبي قتادة وأبي هريرة ومحمد بن مسلمة وسهل بن سعد، وأبي أسيد الساعدي، وقد مرّ تعريف الجميع، مرّ أبو قتادة في التاسع عشر من الوضوء ومرّ سهل بن سعد في الثامن والمئة منه، ومرّ أبو هريرة في الثاني من الإِيمان, ومرّ محمد بن مسلمة في الرابع والعشرين من أبواب صفة الصلاة هذه، ومرّ أبو أسيد في تعليق بعد السادس والخمسين من أبواب الجماعة. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول ورواته ما بين مصريين ومدنيين فالثلاثة الأول والسابع مصريون والباقون مدنيون أخرجه أبو داود في الصلاة، وكذا التِّرمِذِي والنَّسائيّ وابن ماجه. ثم قال: وسمع الليث يزيد بن أبي حبيب ويزيد محمد بن عمرو بن حلحلة وابن حلحلة من ابن عطاء، وهذا إعلام منه بأن العنعنة الواقعة في إسناد هذا الحديث بمنزلة السماع وهو كلام المصنف، ووهم مَنْ جزم بأنه كلام يحيى بن بكير وقد وقع التصريح بتحديث ابن حلحلة ليزيد في رواية ابن المبارك ورجاله الأربعة هم المذكورون في الذي قبله. ثم قال: وقال أبو صالح عن الليث: كل قَفَار يعني بإسناده الثاني عن اليزيدين قوله كل قَفَار ضبط بتقديم القاف على الفاء في رواية الأصيلي. وجزم جماعة بأن تقديم القاف تصحيف، وقال ابن التين: لم يتبين لي وجهها، وهذا التعليق وصله

стр. 4377

الطبراني وابن عبد البر والليث مرّ في الذي قبله ذكر محله وأبو صالح كاتب الليث مرّ في متابعة بعد الرابع من الوحي. ثم قال: وقال ابن المبارك عن يحيى بن أيوب قال: حدّثني يزيد بن أبي حبيب أن محمد بن عمرو حدّثه كل فقار، وهذا التعليق وصله الفريابي في صفة الصلاة له والجوزقي في جمعه وإبراهيم الحربي في غريبه ورجاله أربعة مرّ محمد بن عمرو في الذي قبله، ومرّ فيه ذكر محل يزيد بن أبي حبيب، ومرّ ابن المبارك في السادس من بدء الوحي. ومرّ يحيى بن أيوب في تعليق بعد الثاني من أحاديث أبواب القبلة هذا المقابري وإن كان المراد الغافقي وهو الظاهر؛ لأنه هو الذي روى عنه ابن المبارك، فقد مرّ في تعليق بعد العاشر من أبواب استقبال القبلة أيضًا. ثم قال المصنف: باب مَنْ لم يرَ التشهد الأول واجبًا؛ لأن النبي ﷺ قام من الركعتين ولم يرجع قوله: "التشهد" المراد تشهد الصلاة وهو التحيات، وهو تفعّل من الشهادة سمي بذلك لاشتماله على النطق بشهادة الحق تغليبًا لها على بقية أذكارها لشرفها من حيث إنه يصير الشخص بها مؤمنًا، ويرتفع عنه السيف وينتظم في سلك الموحدين الذي به النجاة في الدنيا والآخرة. قال الزين بن المنير: ذكر في هذه الترجمة الحكم ودليله ولم يثبت الحكم مع ذلك كان يقول: باب لا يجب التشهد الأول وسببه ما يطرق الدليل المذكور من الاحتمال، وقد أشار إلى معارضته في الترجمة التي تلي هذه حيث أوردها بنظير ما أورد به الترجمة التي بعدها، وفي لفظ حديث الباب فيها ما يشعر بالوجوب حيث قال: وعليه جلوس ووجه الدلالة من حديث الباب أنه لو كان واجبًا لرجع إليه لما سبحوا به بعد أن قام كما يأتي في أبواب سجود السهو. ويعرف منه أن قول ناصر الدين بن المنير في الحاشية: لو كان واجبًا لسبحوا به، ولم يسارعوا إلى الموافقة على الترك غفلة منه عن الرواية الآتية المنصوص فيها على أنهم سبحوا به. قال ابن بطال: والدليل على أن سجود السهو لا ينوب عن الواجب أنه لو نسي تكبيرة الإحرام لم تجبر، فكذلك التشهد؛ ولأنه ذكر لا يجهر به بحال، فلم يجب كدعاء الافتتاح. واحتج غيره بتقريره ﷺ الناس على متابعته بعد أن علم أنهم تعمدوا تركه، وفيه نظر. وممن قال بوجوبه: الليث وإسحاق وأحمد في المشهور عنه وهو قول للشافعي وعند مالك كل تشهد سُنّة، وعند أبي حنيفة قال في "شرح الهداية": ان المختار والصحيح عنده وجوبه، وقيل سُنّة وهو الأقيس، ولكنه خلاف ظاهر الرواية وحجة القائلين بالوجوب أنه ﵊ فعله وداوم عليه وأمر به في حديث ابن عباس بقوله: "قولوا: التحياتُ للهِ". وقال: "صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي". واحتج الطبري لوجوبه بأن الصلاة فرضت أولًا ركعتين، وكان التشهد فيها واجبًا فلما زيدت لم تكن الزيادة مزيلة لذلك الواجب، وأجيب بأن الزيادة لم تتعين في الأخيرتين، بل يحتمل أن يكونا هما الفرض الأول والمزيد هما الركعتان الأوليان بتشهدهما ويؤيده استمرار التشهد الأخير كما كان واحتج أيضًا بأن مَنْ تعمد ترك الجلوس الأول بطلت صلاته. وهذا غير وارد؛ لأن من لا يوجبه لا يبطل الصلاة بتركه.

стр. 4378

الحديث الثامن والتسعون حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ مَوْلَى بَنِى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وَقَالَ مَرَّةً مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ بُحَيْنَةَ وَهْوَ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ وَهْوَ حَلِيفٌ لِبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ . أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ لَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلاَةَ، وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ وَهْوَ جَالِسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ سَلَّمَ. قوله: "وقال مرة مولى ربيعة بن الحارث" ولا تنافي بينهما؛ لأنه مولى ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، فذكره أولًا بجد مواليه الأعلى. وثانيًا بمولاه الحقيقي. وقوله: "أزد شنوءة" بفتح الهمزة وسكون الزاي بعدها مهملة، ثم معجمة مفتوحة ثم نون مضمومة وهمزة مفتوحة وزن فَعُولَة قبيلة مشهورة. وقوله: "حليف لبني عبد مناف" صواب؛ لأن جده حالف المطلب بن عبد مناف. وقوله: "فقام في الركعتين الأوليين لم يجلس" أي للتشهد وفي رواية ابن عساكر: "ولم يجلس" بزيادة واو. وفي "مسلم" فلم يجلس بالفاء قال ابن رشيد إذا أطلق في الأحاديث الجلوس في الصلاة من غير تقييد فالمراد به جلوس التشهد، وبهذا يظهر وجه مناسبة الحديث للترجمة. وقد مرّت مباحث السهو مستوفاة في باب التوجه نحو القبلة حيث كان، وفي الباب الذي بعده قبيل أبواب المساجد، وفي باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره قبيل أبواب سترة المصلي. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ أبو اليمان وشعيب في السابع من بدء الوحي، ومرّ الزهري في الثالث منه، ومرّ الأعرج في السابع من الإِيمان, ومرّ عبد الله بن مالك بن بحينة في الثاني والأربعين من كتاب الصلاة. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإفراد والإخبار بالجمع وفيه العنعنة والقول والاثنان الأولان من رواته حمصيان، والآخران مدنيان أخرجه البخاري في الصلاة أيضًا عن عبد الله بن يوسف، وفي السهو عن قتيبة وفي النذر عن آدم، وأخرجه مسلم في الصلاة وكذا أبو داود والتِّرمِذِيّ والنَّسائيّ وابن ماجه. ثم قال المصنف:

стр. 4379

باب التشهد في الأولى أي: الجلسة الأول من ثلاثية أو من رباعية. قال الكرماني: الفرق بين هذه الترجمة والتي قبلها أن الأولى لبيان عدم وجوب التشهد الأول، والثانية لبيان مشروعيته والمشروعية أعم من الواجب والمندوب، ولا خلاف في أن ألفاظ التشهد في الأولى كالتي في الأخيرة إلا ما روى الزهري عن سالم، قال: وكان ابن عمر لا يسلّم في التشهد الأول، كان يرى ذلك نسخًا لصلاته. قال الزهري: فأما أنا فأسلّم يعني قوله: "السلامُ عليكَ أيّها النبيُّ إلى الصالحين" أخرجه عبد الرزاق.

стр. 4380

الحديث التاسع والتسعون حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ فَقَامَ وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ، فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ صَلاَتِهِ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهْوَ جَالِسٌ. وعبد الله بن مالك ابن بحينة هو عبد الله بن بحينة المذكور في السند الذي قبله وبحينة والدة عبد الله على المشهور، فينبغي أن يثبت الألف في ابن بحينة إذا ذكر مالك ويعرب إعراب عبد الله، وإذا لم يذكر مالك لا يكتب. وهذا الحديث هو الذي قبله فمباحثه قد مرّت. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ قتيبة بن سعيد في الحادي والعشرين من العلم، ومرّ بكر بن مضر وعبد الله بن مالك في الثاني والأربعين من كتاب الصلاة، ومرّ جعفر بن ربيعة في الرابع من التيمم، ومرّ الأعرج في السابع من الإِيمان, ثم قال المصنف: باب التشهد في الآخرة أي: الجلسة الآخرة، قال ابن رشيد: ليس في حديث الباب تعيين محل القول لكن يؤخذ ذلك من قوله، فإذا صلّى أحدكم فليقل فإن ظاهر قوله إذا صلّى أي: أتم صلاته لكن تعذر الحمل على الحقيقة؛ لأن التشهد لا يكون بعد السلام، فلما تعيّن المجاز كان حمله على آخر جزء من الصلاة أولى؛ لأنه الأقرب إلى الحقيقة، وهذا التقدير على مذهب الجمهور من أن السلام جزء من الصلاة لا أنه للتحلل منها فقط، والأشبه بتصرف البخاري أنه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرق الحديث من تعيين المحل، ففي رواية حفص بن غياث في الاستيذان فإذا جلس أحدكم في الصلاة.

стр. 4381

الحديث المئة حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ قُلْنَا السَّلاَمُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، السَّلاَمُ عَلَى فُلاَنٍ وَفُلاَنٍ. فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلاَمُ، فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ. فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. قوله: "عن شقيق" في رواية يحيى الآتية بعد باب عن الأعمش حدّثني شقيق، وقوله: "كنَّا إذا صلّينا" في رواية يحيى المذكورة كنّا إذا كنا مع النبيِّ ﷺ في الصلاة ولأبي داود عن مسدد إذا جلسنا، ومثله للإِسماعيلي ولابن إسحاق في مسنده عن الأعمش نحوه: "قلنا السلام على جبريل" في هذه الرواية اختصار ثبت في رواية يحيى المذكورة، وهو: "قلنا السلام على الله من عباده" وأخرجه أبو داود عن مسدد كذلك وكذا المصنف في "الاستئذان" عن حفص بن غياث ولفظه في رواية يحيى المذكورة: "لا تقولوا السَّلامُ على اللهِ فإنّ اللهَ هو السَّلامُ". وبهذه الزيادة يتبيّن موقع قوله ﷺ إن الله هو السلام. وقوله: "السلام على فلانٍ وفلان" في رواية عبد الله بن نمير عند ابن ماجه يعنون الملائكة، وللإِسماعيلي عن علي بن مسهر فنعدّ الملائكة. ومثله للسراج عن محمد بن فضيل، فنعدّ من الملائكة ما شاء الله. وقوله: "فالتفت إلينا" ظاهره أنه كلمهم بذلك في أثناء الصلاة ونحوه في رواية حصين عن أبي وائل عند المصنف في أواخر الصلاة بلفظ فسمعه النبي ﷺ فقال: "قولوا" لكن بيّن حفص بن غياث في روايته المذكورة المحل الذي خاطبهم فيه بذلك، وأنه بعد الفراغ من الصلاة ولفظه: "فلما انصرف النبي ﷺ أقبل علينا بوجهه". وفي رواية عيسى بن يونس أيضًا: "فلما انصرف من الصلاة" قال وقوله: "إن الله هو السلام" قال البيضاوي: ما حاصله أنه ﷺ أنكر التسليم على الله، وبيّن أن ذلك عكس ما يجب أن يقال، فأن كل سلام ورحمة له ومنه وهو مالكها ومعطيها. وقال

стр. 4382

التوربشتي: وجه النهي عن السلام على الله تعالى؛ لأنه هو المرجوع إليه بالمسائل المتعالي عن المعاني المذكورة فكيف يدعى له وهو المدعو على الحالات؟ وقال الخطابي: المراد أن الله هو ذو السلام، فلا تقولوا السلام على الله فإن السلام منه بدأ وإليه يعود ومرجع الأمر في إضافته إليه أنه ذو السلام من كل آفة وعيب، ويحتمل أن يكون مرجعها إلى حفظ العبد فيما يطلبه من السلامة من الآفات والمهالك. وقال النووي معناه أن السلام اسم من أسماء الله تعالى يعني السالم من النقائص. ويقال المسلم أولياءه وقيل المسلم عليهم قال ابن الأنباري: أمرهم أن يصرفوه إلى الخلق لحاجتهم إلى السلامة وغناه عنها. وقوله: "فإذا صلّى أحدكم فليقل" في رواية حفص في الاستيذان: "فإذا جلس أحدكم في الصلاة" وفي رواته حصين في أواخر الصلاة: "إذا قعد أحدكم في الصلاة". وللنسائي عن أبي الأحوص عن عبد الله كنا لا ندري ما نقول في كل ركعتين وأن محمدًا عَلِم فواتح الخير وخواتمه فقال: "إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا" وله من طريق الأسود عن عبد الله: "فقولوا في كل جلسة"، ولابن خزيمة عن الأسود عن عبد الله "علّمني رسول الله ﷺ التشهد في وسط الصلاة وفي آخرها". وزاد الطحاوي في أوله: "وأخذت التشهد من في رسول الله ﷺ ولقنيه كلمة كلمة". وللمصنف في الاستيذان عن أبي معمر عن ابن مسعود: "علمني رسول الله ﷺ التشهد وكفي بين كفيه كما يعلمني السورة من القرآن". وقد قال الشافعي إن التشهد الأول سنة والثاني واجب. وقال أحمد: الأول واجب يجبر تركه بالسجود، والثاني ركن تبطل الصلاة بتركه، وقد مرّ أن التشهد كله سنة عند المالكية، ومرّ الخلاف فيه عند الحنفية في باب مَنْ لم يرَ التشهد الأول واجبًا. واستدل القائل بوجوبه يحمل قوله هنا فليقل على الوجوب. وأجاب النافون للوجوب بأن التسبيح في الركوع والسجود مندوب، وقد وقع الأمر به في قوله ﷺ لما نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ اجعلوها في ركوعكم .. الحديث، فكذلك التشهد. وأجاب الكرماني بأن الأمر حقيقته الوجوب فيحمل عليه إلا إذا دلّ دليل على خلافه، ولولا الإِجماع على عدم وجوب التسبيح في الركوع والسجود لحملناه على الوجوب، وفي دعوى هذا الإِجماع نظر فإن أحمد يقول بوجوبه وبوجوب التشهد الأول أيضًا ورواية أبي الأحوص المتقدمة تقوية. وقد جاء عن ابن مسعود التصريح بفرضية التشهد، وذلك فيما رواه الدارقطني وغيره بإسناد صحيح عن علقمة عنه قال: كنّا لا ندري ما نقول قبل أن يفرض علينا التشهد. قلت: حديث ابن مسعود في أكثر طرقه التصريح بأن التشهد في كل ركعتين كرواية أبي الأحوص ورواية الأسود فقولوا في كل جلسة ولابن خزيمة في وسط الصلاة وفي آخرها، فلم خصصت الشافعية الوجوب بالتشهد الأخير؟ وقوله: "التحيّات" جمع تحية ومعناها السلام، وقيل البقاء، وقيل العظمة، وقيل السلامة من الآفات والنقص، وقيل الملك. وقال أبو سعيد الضرير: ليست التحية الملك نفسه، لكنها الكلام الذي يحيى به الملك. وقال ابن قتيبة: لم يكن يحيى إلا الملك خاصة، وكان لكل ملك تحية

стр. 4383

تخصه؛ فلهذا جمعت فكان المعنى التحيات التي كانوا يسلمون بها على الملوك كلها مستحقة لله. وقال الخطابي ثم البغوي: ولم يكن في تحياتهم شيء يصلح للثناء على الله؛ فلهذا أبهمت ألفاظها واستعمل منها معنى التعظيم، فقال: "قولوا التحيات لله" أي: أنواع التعظيم له. وقال المحب الطبري: يحتمل أن يكون لفظ التحية مشتركًا بين المعاني المقدم ذكرها وكونها بمعنى السلام أنسب. وقوله: "والصلوات" قيل المراد الخمس أو ما هو أعم من ذلك من الفرائض والنوافل في كل شريعة. وقيل المراد العبادات كلها، وقيل الدعوات وقيل المراد الرحمة. وقيل التحيات العبادات القولية والصلوات العبادات الفعلية. و"الطيبات" الصدقات المالية. وقوله: "والطيبات" أي: ما طاب من الكلام وحسن أن يثنى به على الله دون ما لا يليق بصفاته مما كان الملوك يحيون به. وقيل الطيبات ذكر الله وقيل الأقوال الصالحة كالدعاء والثناء. وقيل الأعمال الصالحة وهو أعم، قال ابن دقيق العيد: إذا حمل التحية على السلام فيكون التقدير التحيات التي تعظم بها الملوك مستمرة لله، وإذا حمل على البقاء فلا شك في اختصاص الله به، وكذلك الملك الحقيقي والعظمة التامة، وإذا حملت الصلاة على الجنس أو العهد كان التقدير أنها لله واجبة لا يجوز أن يقصد بها غيره، وإذا حملت على الرحمة فيكون معنى قوله لله أنه المتفضل بها؛ لأن بها الرحمة التامة لله يؤتيها من يشاء، وإذا حملت على الدعاء فظاهر. وأما الطيبات فقد فسرت بالأقوال، ولعل تفسيرها بما هو أعم أولى فتشمل الأقوال والأفعال والأوصاف وطيبها كونها كاملة خالصة عن الشوائب. وقال القرطبي: قوله: "لله" فيه تنبيه على الإِخلاص في العبادة أي أن ذلك لا يفعل إلا الله، ويحتمل أن يراد به الاعتراف بأنه ملك الملوك وغير ذلك مما ذكر كله في الحقيقة لله تعالى. وقال البيضاوي: ويحتمل أن يكون والصلوات والطيبات عطفا على التحيات، ويحتمل أن يكون الصلوات مبتدأ وخبره محذوف والطيبات معطوفة عليها والواو الأولى لعطف الجملة على الجملة، والثانية لعطف المفرد على الجملة. وقال ابن مالك: إذا جعلت التحيات مبتدأ ولم تكن صفة لموصوف محذوف، كان قولك والصلوات مبتدأ لئلا يعطف نعت على منعوته، فيكون من باب عطف الجمل بعضها على بعض، وكل جملة مستقلة بفائدتها وهذا المعنى لا يوجد عند إسقاط الواو؛ لأن الواو تقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، فتكون كل جملة ثناء مستقلًا بخلاف ما إذا حذفت فإنها تكون صفة لما قبلها، وتعدد الثناء صريح في الأول فيكون أولى. ولو قيل إن الواو مقدرة في الثاني. وقوله: "السلام عليك أيها النبي" قال النووي: يجوز فيه وفيما بعده حذف اللام وإثباتها والإِثبات أفضل وهو الموجود في روايات "الصحيحين". قال في "الفتح": لم يقع في شيء من طريق حديث ابن مسعود حذف اللام وإنما اختلف ذلك في حديث ابن عباس وهو من أفراد مسلم.

стр. 4384

قال الطيبي: أصل سلام عليك سلمت سلامًا عليك ثم حذف الفعل وأقيم المصدر مقامه، وعدل عن النصب إلى الرفع على الابتداء للدلالة على ثبوت المعنى واستقراره، ثم التعريف إما للعهد التقديري أي ذلك السلام الذي وجه إلى الرسل والأنبياء عليك أيها النبي، وكذلك السلام الذي وجه إلى الأُمم السالفة علينا وعلى إخواننا. وأما للجنس والمعنى أن حقيقة السلام الذي يعرفه كل واحد وعمن يصدر وعلى مَنْ ينزل عليك وعلينا ويجوز أن يكون للعهد الخارجي إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ قال: ولا شك أن هذه التقادير أولى من تقدير النكرة، وحكى عن أبي حامد أن التنكير فيه للتعظيم وهو وجه من وجوه الترجيح لا يقصر عن الوجوه المتقدمة. وقال البيضاوي: علمهم أن يفردوه ﷺ بالذكر لشرفه ومزيد حقه عليهم، ثم علمهم أن يخصصوا أنفسهم أولًا؛ لأن الاهتمام بها أهم ثم أمرهم بتعميم السلام على الصالحين إعلامًا منه بأن الدعاء للمؤمنين ينبغي أن يكون شاملًا لهم. وقال التوربشتي: السلام بمعنى السلامة كالمقام والمقامة، والسلام من أسماء الله تعالى وضع المصدر موضع الاسم مبالغة، والمعنى سالم من كل عيب وآفة ونقص وفساد. ومعنى قولنا: السلام عليك كأنه تبرك عليه باسم الله تعالى فإن قيل كيف شرع هذا اللفظ وهو خطاب بشر مع كونه منهيًا عنه في الصلاة؟ فالجواب أن ذلك من خصائصه ﵊، فإن قيل ما الحكمة في العدول عن الغيبة إلى الخطاب في قوله عليك أيها النبي مع أن لفظ الغيبة هو الذي يقتضيه السياق كأَن يقول السلام على النبي فينتقل من تحية الله إلى تحية النبي، ثم إلى تحية النفس، ثم إلى الصالحين. أجاب الطيبي بما محصله نحن نتبع لفظ الرسول بعينه الذي كان علمه الصحابة ويحتمل أن يقال على طريق أهل العرفان أن المصلين لما استفتحوا باب الملكوت بالتحيات أذن لهم بالدخول في حريم الحي الذي لا يموت، فقرت أعينهم بالمناجاة فنبهوا على أن ذلك بواسطة نبي الرحمة وبركة متابعته فالتفتوا فإذا الحبيب في حرم الحبيب حاضر، فأقبلوا عليه قائلين السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. وقد ورد في بعض طرق حديث ابن مسعود هذا ما يقتضي المغايرة بين زمانه ﷺ فيقال بلفظ الخطاب وما بعده، فيقال بلفظ الغيبة ففي "الاستئذان" عند المصنف عن أبي معمر عن ابن مسعود بعد أن ساق حديث التشهد قال: وهو بين ظهرانينا فلما قبض قلنا السلام يعني على النبي. وأخرجه أبو عوانة في صحيحه والسراج والجوزقي وأبو نعيم الأصبهاني والبيهقي من طرق متعددة إلى أبي نعيم شيخ البخاري بلفظ: "فلما قبض قلنا السلام على النبي" بحذف لفظ يعني، وكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي نعيم. قال السبكي: إن صحت رواية أبي عوانة عن الصحابة دلّت على أن الخطاب في السلام بعد النبي ﷺ غير واجب فيقال: السلام على النبي. قال في "الفتح": الرواية صحيحة ولها متابع قوي، أخرجه عبد الرزاق عن عطاء أن الصحابة كانوا يقولون: والنبي ﷺ حي السلام عليك أيها النبي، فلما مات قالوا: السلام على النبي. وهذا إسناد صحيح. وأما ما روى سعيد بن منصور عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه أن النبي ﷺ علمهم التشهد

стр. 4385

فذكره قال، فقال ابن عباس: "إنما كنا نقول السلام عليك أيها النبي إذا كان حيًا". فقال ابن مسعود: هكذا علّمنا، وهكذا نعلّم. فظاهره أن ابن عباس قاله بحثًا وأن ابن مسعود لم يرجع إليه، لكن رواية أبي معمر أصح؛ لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه والإسناد إليه ضعيف. فإن قيل: لم عدل عن الوصف بالرسالة إلى الوصف بالنبوءة مع أن الوصف بالرسالة أعم في حق البشر؟ أجاب بعضهم بأن الحكمة في ذلك أن يجمع له الوصفين لكونه وصفه بالرسالة في آخر التشهد وإن كان الرسول البشري يستلزم النبوءة لكن التصريح بهما أبلغ. قيل: والحكمة في تقديم الوصف للنبوءة أنها كذلك وجدت في الخارج لنزول قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ قبل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾. وقوله: "ورحمة الله" أي: إحسانه، "وبركاته" أي: زيادته من كل خير. وقوله: "السلام علينا" استدل به على استحباب البداءة بالنفس في الدعاء، وفي "الترمذيّ" مصححًا من حديث أُبي بن كعب: "أنّ رسولَ اللهِ ﷺ كان إذا ذكرَ أحدًا فدعا لهُ بدأ بنفسهِ". وأصله في "مسلم"، ومنه قول نوح وإبراهيم ﵉ كما في التنزيل. وقوله: "وعلى عباد الله الصالحين" الأشهر في تفسير الصالح أنه القائم بما يجب عليه من حقوق الله وحقوق عباده، وتتفاوت درجاته قال الترمذِيّ الحكيم: مَنْ أراد أن يحظى بهذا السلام الذي يسلمه الخلق في الصلاة، فليكن عبدًا صالحًا وإلا حُرم هذا الفضل العظيم. وقال الفاكهاني: ينبغي للمصلي أن يستحضر في هذا المحل جميع الأنبياء والملائكة والمؤمنين ليتوافق لفظه مع قصده. وقوله: "فإنكم إذا قلتموها" أي كلمة: "وعلى عباد الله الصالحين" وهو كلام معترض بين قوله الصالحين وقوله: "أشهد أن لا إله إلاَّ الله" إلخ، وإنما قدمت للاهتمام بها لكونه أنكر عدّ الملائكة واحدًا واحدًا، ولا يمكن استيعابهم لهم مع ذلك فعلَّمهم لفظًا يشمل الجميع مع غير الملائكة من النبيين والمرسلين والصدّيقين وغيرهم بغير مشقة، وهذا من جوامع الكلم التي أوتيها ﷺ وإلى ذلك الإِشارة يقول ابن مسعود: "وأن محمدًا عُلِّم فواتح الخير وخواتمه" كما تقدم. وقد ورد في بعض طرقه سياق التشهد متواليًا وتأخير الكلام المذكور بعد، وهو من تصرف الرواة وسيأتي في أواخر الصلاة. وقوله: "أصابت كل عبد لله صالح" استدل به على الجمع المضاف، والجمع المحلى بالألف واللام يعمّ لقوله أولًا عباد الله الصالحين، ثم قال: أصابت كل عبدٍ صالح، واستدل به على أن للعموم صيغة. قال ابن دقيق العيد: وهو مقطوع به عندنا في لسان العرب وتصرفات ألفاظ الكتاب والسنة والاستدلال بهذا فرد من أفراد لا تحصى لا للاقتصار عليه قوله: "في السماء والأرض" في رواية مسدد عن يحيى أو بين السماء والأرض، والشك فيه من مسدد وإلا فقد رواه غيره عن يحيى

стр. 4386

بلفظ من أهل السماء والأرض أخرجه الإسماعيلي وغيره. قلت: استنبط الفقهاء من هذا أن من قال لعبد صالح فلان يسلم عليك من غير أن يأمره المسلم بذلك لا يكون كاذبًا فيما قال؛ لشمول اللفظ له، وقد رأيت في بعض كتب المالكية أن التشهد كان وقوعه ليلة الإسراء فإن النبي ﵊ عند مفاتحة التكليم تفكر فيما يحيى به الله ﷻ لكونه داخلًا في حضرة القدس، فألهمه الله تعالى التحيات لله إلخ، ثم حيّاه الله تعالى بقوله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فتذكر النبي ﷺ أمته فقال السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين جامعًا مع أُمته كل عبد لله صالح، فلما سمعت الملائكة هذه المراجعة قالت: أشهد أن لا إله إلا الله إلخ لما رأوا من تعظيم الله تعالى لنبيّه وثبات جنان نبيّه ﵊ في هذا الموقف العظيم حيث تذكر أمته ولم يذهل عنهم. وهذا المعنى في غاية الحسن إلاَّ أنني لم أقف على سنده، وهو لا يكون من جهة الرأي. وقوله: "أشهد أن لا إله إلاّ الله" زاد ابن أبي شيبة عن أبي عبيدة عن أبيه وجده: "لا شريكَ له" وسنده ضعيف، لكن ثبتت هذه الزيادة في حديث أبي موسى عند مسلم، وفي حديث عائشة الموقوف في "الموطأ" وفي حديث ابن عمر عند الدارقطني إلا أن سنده ضعيف. وقد روى أبو داود من وجه آخر صحيح عن ابن عمر في التشهد: "أشهد أن لا إله إلاَّ الله"، قال ابن عمر: زدت فيها: "وحده لا شريك له"، وهذا ظاهره الوقف. وقوله: "وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله" لم تختلف الطرق عن ابن مسعود في ذلك، وكذا هو في حديث أبي موسى وابن عمر وعائشة المذكور وجابر وابن الزبير عند الطحاوي وغيره. وروى عبد الرزاق عن عطاء قال: "بينا النبيُّ ﷺ يعلمُ التشهدَ إذ قال رجل: وأشهد أن محمدًا رسولُهُ وعبدُه، فقال ﵊: "لقد كنتُ عبدًا قبلَ أن أكونَ رسولًا، قُلْ عبدُهُ ورسولُهُ"، ورجاله ثقات إلا أنه مرسل. وفي حديث ابن عباس عند مسلم وأصحاب السنن: "وأشهد أن محمدًا رسول الله" ومنهم مَنْ حذف وأشهد، ورواه ابن ماجه بلفظ ابن مسعود. قال التِّرمِذِيّ: حديث ابن مسعود عنه من غير وجه وهو أصح حديث روي في التشهد والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة، ومن بعدهم وأخذ به أبو حنيفة وأحمد من الأئمة، ولما سُئل البزار عن أصح حديث في التشهد قال: هو عندي حديث ابن مسعود روي من نيف وعشرين طريقًا، ثم سرد أكثرها وقال: لا أعلم في التشهد أثبت منه ولا أصح أسانيدًا. ولا أشهر رجالًا. ولا اختلاف بين أهل الحديث في ذلك وممن جزم بذلك البغوي في "شرح السنة"، ومن رجحانه أنه متفق عليه دون غيره، وأن الرواة عنه من الثقات لم يختلفوا في ألفاظه بخلاف غيره، وأنه تلقاه عن النبي ﷺ تلقيًا كما مرّ عن الطحاوي وعن أبي معمر وروى ابن أبي شيبة عن أبي وائل عنه قال: "كان رسول الله ﷺ يعلِّمُنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآنِ، وقدْ وافقَهُ على هذا اللفظِ أبو سعيدٍ الخدري، وساقَهُ بلفظِ ابن مسعودٍ" أخرجه الطحاوي لكن هذا الأخير ثبت مثله في

стр. 4387

حديث ابن عباس عند مسلم كما يأتي قريبًا عند ذكر لفظه ورجح أيضًا بثبوت الواو في الصلوات والطيبات؛ لأنها تقتضي المغايرة إلخ ما مرّ، ورجّح أيضًا بأنه ورد بصيغة الأمر بخلاف غير فإنه مجرد حكاية. ولأحمد عن ابن مسعود: "أن رسولَ اللهِ ﷺ علَّمَهُ التشهدَ وأمرَهُ أن يعلِّمه الناسَ". ولم ينقل ذلك لغيره، ففيه دليل على مزيته. وذهب جماعة من محدثي الشافعية كابن المنذر إلى اختياره، وذهب بعضهم كابن خزيمة إلى عدم الترجيح، واختار الشافعي لفظ حديث ابن عباس المخرج عند الجماعة إلا البخاري ولفظه: "كان رسولُ اللهِ ﷺ يعلِّمُنا التشهدَ كما يعلِّمُنا السورةَ مِنَ القرآنِ، وكانَ يقولُ: التحيّاتُ المباركاتُ الصلواتُ الطيباتُ لله، السَّلامُ عليكَ أيها النَّبيُّ ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ، السَّلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحينَ، أشهدُ أنَّ لا إِلهَ إلاَّ الله، وأشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ". أي: بالإضافة إلى الاسم الظاهر وهو الذي رجحه الشيخان: النووي، والرافعي، وأن الإضافة للضمير لا تكفي لكن المختار أنه يجوز ورسوله لما ثبت في "مسلم" ورواه البخاري هنا، وإنما اختاره الشافعي لزيادة لفظ "المباركات" فيه وهي موافقة لقوله تعالى: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ وأجيب بأن الزيادة مختلف فيها. وحديث ابن مسعود متفق عليه، وقال الشافعي: رويت أحاديث في التشهد مختلفة وكان هذا أحب إليّ؛ لأنه أكملها. وقال في موضع آخر وقد سئل عن اختياره تشهد ابن عباس: لما رأيتُه واسعًا وسمعته عن ابن عباس صحيحًا كان عندي أجمع وأكثر لفظًا من غيره، وأخذت به غير معنف لمن يأخذ بغيره مما صح. قال الشافعي: هو فرض لكن لو لم يزد رجل على قوله: "التحيات لله سلام عليك أيها النبي" إلخ كرهت ذلك له ولم أرَ عليه إعادة. هذا لفظه في "الأم". وقال صاحب "الروضة" تبعًا لأصله: وأما أقل التشهد فقال الشافعي: وأكثر الأصحاب أنه فذكره لكنه قال: "وأن محمدًا رسول الله" قال ونقله ابن كج والصيدلاني فقالا وأشهد أن محمدًا رسول الله لكن اسقطا وبركاته وقد استشكل جواز حذف الصلوات مع ثبوتها في جميع الروايات الصحيحة, وكذلك "الطيبات" مع جزم جماعة من الشافعية بأن المقتصر عليه هو الثابت في جميع الروايات، ومنهم من وجه الحذف بكونهما صفتين كما هو الظاهر من سياق ابن عباس، لكن يعكر على هذا ما تقدم من البحث في ثبوت العطف فيهما في سياق غيره وهو يقتضي المغايرة. واختار مالك وأصحابه لفظ التشهد المروي عن عمر بن الخطاب أخرجه الطحاوي وابن أبي شيبة وعبد الرزاق في مصنفهما عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه سمع عمر بن الخطاب يعلَّم الناس التشهد على المنبر وهو يقول: "التحيّاتُ للهِ الزّاكياتُ للهِ الطيّباتُ للهِ الصلواتُ للهِ السَّلامُ عليك أَيُّها النبيُّ ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ، السَّلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين أشهدُ أنَّ لا إِلهَ إِلاّ اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ". وإنما اختاره مالك لكونه علّمه للناس وهو على المنبر ولم ينكروه، فيكون إجماعًا وتعقب بأنه موقوف فلا يلحق بالمرفوع وأُجيب بأن ابن مردويه رواه في كتاب "التشهد" مرفوعًا، وصححه الحاكم مع كونه موقوفًا. وجاءت عن الشافعي زيادة "باسم الله" في أول التشهد

стр. 4388

ووقع ذلك في رواية عمر المذكورة لكن من غير الطريق التي أخرجها مالك منه، ولم تصح هذه الزيادة. وقد ترجم البيهقي عليها من استحب أو أباح التسمية قبل التحية وهو وجه لبعض الشافعية وضعف. ويدل على عدم اعتبارها أنه ثبت في حديث أبي موسى المرفوع في التشهد وغيره: "فإذا قعد أحدُكُم فليكن أولَ قوله التحياتُ للهِ" الحديث رواه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة بسنده، وأخرجه مسلم عن عبد الرزاق بهذه الطريق. وقد أنكر ابن مسعود وابن عباس وغيرهما على من زادها أخرجه البيهقي وغيره ثم إن هذا الاختلاف إنما هو في الأفضل، وكلام الشافعي المتقدم من قوله: وأخذت به غير مصنف لمن يأخذ بغيره مما صح يدل على ذلك، ونقل جماعة من العلماء الاتفاق على جواز التشهد بكل ما ثبت لكن كلام الطحاوي يشعر بأن بعض العلماء يقول بوجوب التشهد المروي عن عمر. وعندنا معاشر المالكية في لفظه قولان: بالسنة، والندب. ويندب عند المالكية في كل تشهد أن يعقد الخنصر والبنصر والوسطى ويمد السبابة والإبهام جاعلًا أطراف أصابعه الثلاثة على طرف الكف وهذه صفة تسعة وعشرين، أو جاعلًا لها وسط الكف وهذه صفة ثلاث وعشرين، ويحرك السبابة دائمًا يمينًا وشمالًا إلى السلام أو القيام ناصبًا حرفًا إلي وجهه كالمدية وفائدة تحريكها أنها تذكره أحوال الصلاة، فلا يوقعه الشيطان في سهو وإنما اختصت السبابة بالإشارة دون غيرها؛ لأن عروقها متصلة بنياط القلب وإذا حركت انزعج القلب فينتبه لذلك. واستدلوا على تحريكها بما رواه أبو داود والنَّسائيّ والدارمي عن وائل بن حجر عن رسول الله ﷺ قال: "وضعَ يَدُه اليسرى على فخذِهِ اليسرى وحدّ مرفقَهُ اليمنى على فخذِهِ اليمنى (أي جعله منفردًا عن فخذه) وقبضَ ثنتين مِنَ الأصابعِ والخنصرَ والبنصرَ، وحلقَ حلقةً أخذ إبهامها بإصبعِهِ الوسطى كالحلقةِ ثمَّ رفعَ إصَبعَهُ المُسَبَّحَةَ وَرأيتُهُ يحركُها"، فهذا نص في أصل التحريك. واستدلوا على دوام التحريك بما رواه مالك في "الموطأ" ومسلم وأبو داود والنَّسائي عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- قال: "كان ﷺ إذا جلسَ في الصلاةِ وضعَ كفَّهُ اليمنى على فخذِهِ، وقبضَ أصابعَهُ كلَّها وأشارَ بإصبعِهِ التي تلي الإِبهامَ، ووضعَ يَدهُ اليسرى على فخذِهِ اليسرى". قال الباجي روى سفيان بن عيينة هذا الحديث عن مسلم بن أبي مريم وزاد فيه، وقال: "هي مَذَبَّةُ للشيطانِ لا يسهو أحدُكم ما دامَ يشيرُ بإصبعهِ" قال الباجي: ففيه أن معنى الإشارة رفع السهو وقمع الشيطان الذي يوسوس. قلت: هذا مأخوذ من لفظ المذبة وهي مشتقة من "الذَّبِّ" فهو يحركها دائمًا ذبًّا للشيطان لما مرّ مِن اتصالها بنياط القلب. وأخرج ابن السكن في "صحاحه" عن ابن عمر أيضًا أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الإِشارةُ بالإِصبعِ أشدُّ على الشيطانِ من الحديدِ". وعنه أيضًا عن النبي ﷺ قال: "هي مذعرةٌ للشيطانِ". فعلم من هذه الأحاديث أن العلة في الإِشارة بالإصبع وتحريكها طرد الشيطان؛ فلهذا كان الأفضل

стр. 4389

عند المالكية دوام تحريكها لما مرّ وعند الشافعية يقبض اليمنى مثل ما مرَّ، ويرفع السبابة مشيرًا بها مع إمالتها قليلًا عند قوله في التشهد: "لا إله إلا الله" ويديم رفعها ويقصد من ابتدائه بهمزة إلا الله أن المعبود واحد، فيجمع في توحيده بين اعتقاده وقوله وفعله ولا يحركها، فلو حركها كره ولم تبطل صلاته. وكذلك عند الحنابلة يشير بسبابتها من غير تحريك عند ذكر الله تعالى. وعند الحنفية قولان مصححان بالإشارة وعدمها: أي يشير عند النفي برفعها، وعند الإثبات بوضعها، قال ابن عابدين في ذيل رسالته المختار عند جمهور أصحابنا أنه يضع كفيه على فخذيه ثم عند وصوله إلى كلمة التوحيد يعقد الخنصر والبنصر، ويحلق الوسطى والإبهام، ويشير بالمسبّحة رافعًا لها عند النفي وواضعًا لها عند الإثبات، ثم يستمر على ذلك؛ لأنه ثبت العقد عند الإشارة بلا خلاف ولم يوجد أمر بتغييره، والأصل بقاء الشيء على ما هو عليه واستصحابه إلى آخر أمره. فعند هذه الأئمة الثلاثة الإِشارة عندهم لا تحريك معها إلا عند النفي والإثبات، ودليلهم ما رواه أبو داود والنَّسائيّ. وقال النووي: إسناده صحيح عن عبد الله بن الزبير، قال: "كان النبي ﷺ يشيرُ بإصبعهِ إذا دعا ولا يحركُها". أي: فاكتفوا بالإشارة جاعلين معناها التوحيد، والمالكية أولوها بما مرّ عنهم. تنبيه: قال القفال في "فتاويه": ترك الصلاة يضر بجميع المسلمين؛ لأن المصلي يقول: "اللهمّ اغفر لي وللمؤمنينَ والمؤمناتِ" ولابد أن يقول في التشهد: "السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين" فيكون مقصرًا في خدمة الله وفي حق رسوله وفي حق نفسه وفي حق كافة المسلمين؛ ولذلك عظمت المعصية بتركها، واستنبط منه السبكي أن في الصلاة حقًا للعباد مع حق الله تعالى، وأن مَنْ تركها أخلَّ بحق جميع المسلمين من مضى ومن يجيىء إلى يوم القيامة؛ لوجوب قوله فيها: "السَّلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين". رجاله أربعة: قد مرّوا، مرّ أبو نعيم في الخامس والأربعين من الإِيمان، ومرّ الأعمش في الخامس والعشرين منه، ومرّ شقيق بن سلمة في الحادي والأربعين منه، ومرّ عبد الله بن مسعود في أثر أوله قبل ذكر حديث منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورجاله كلهم كوفيون. أخرجه البخاري في الصلاة أيضًا عن قبيصة وغيره. وأخرجه مسلم في الصلاة وكذا أبو داود والتِّرمِذِيّ والنَّسائيّ وابن ماجه. ثم قال المصنف: باب الدعاء قبل السلام أي: بعد التشهد هذا الذي يتبادر من ترتيبه لكن قوله في الحديث كان يدعو في الصلاة لا تقييد فيه بما بعد التشهد، وأجاب الكرماني فقال: من حيث إن لكل مقام ذكرًا مخصوصًا فتعيّن

стр. 4390

أن يكون محلّه بعد الفراغ من الكل وهو آخر الصلاة وفيه نظر؛ لأن التعيين الذي ادّعاه لا يختص بهذا المحل لورود الأمر بالدعاء في السجود، فكما أن للسجود ذكرًا مخصوصًا ومع ذلك أمر فيه بالدعاء، فكذلك الجلوس في آخر الصلاة له ذكر مخصوص وأمر فيه مع ذلك بالدعاء إذا فرغ منه. وأيضًا فإن هذا هو ترتيب البخاري لكنه مطالب بدليل اختصاص هذا المحل بهذا الذكر، ولو قطع النظر عن ترتيبه لم يكن بين الحديث والترجمة منافاة؛ لأن قبل السلام يصدق على جميع الأركان، وبذلك جزم الزين بن المنير وأشار إليه النووي فقال: استدلال البخاري صحيح؛ لأن قوله في صلاتي في حديث أبي بكر يعم جميعها، ومن مظانَّه هذا الموطن، ويحتمل أن يكون سؤال أبي بكر عن ذلك الآتي في الحديث كان عند قوله لما علمهم التشهد، ثم ليختر من الدعاء ما شاء. ومن ثم أعقب المصنف الترجمة بذلك. وقال ابن دقيق العيد في الكلام على حديث أبي بكر وهو ثاني حديثي الباب: هذا يقتضي الأمر بهذا الدعاء في الصلاة من غير تعيين محلّه، ولعل الأول أن يكون في أحد موطنين: السجود أو التشهد؛ لأنهما أمر فيهما بالدعاء، ولعلة ترجح كونهِ فيما بعد التشهد لظهور العناية بتعليم دعاء مخصوص في هذا المحل ونازعه الفاكهاني فقال: الأولى الجمع بينهما في المحلين المذكورين أي السجود والتشهد والذي يظهر أن البخاري أشار إلى ما ورد في بعض الطرق من تعيينه بهذا المحل ففي بعض طرق حديث ابن مسعود بعد ذكر التشهد، ثم ليختر من الدعاء ما شاء وسيأتي البحث فيه قريبًا. وقد أخرج ابن خزيمة عن ابن جريج عن عبد الله بن طاووس عن أبيه أنه كان يقول بعد التشهد كلمات يعظمهن جدًا قلت: في المثنى كليهما؟ قال: بل في التشهد الأخير. قلت: ما هي؟ قال: "أعوذُ باللهِ من عذابِ القبرِ" الحديث. قال ابن جريج أخبرنيه عن أبيه عن عائشة مرفوعًا ولمسلم عن أبي هريرة مرفوعًا "إذا تشهد أحدكم فليقل". فذكر نحوه، وله من وجه آخر: "إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير" فذكره وصرّح بالتحديث في جميع الإِسناد، فهذا فيه تعيين هذه الاستعاذة بعد الفراغ من التشهد فيكون سابقًا على غيره من الأدعية، وما ورد الإِذن فيه أن المصلي يتخير من الدعاء ما شاء يكون بعد هذه الاستعاذة وقبل السلام.

стр. 4391

الحديث الحادي والمئة حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلاَةِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ. فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ؟ فَقَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَعِيذُ فِي صَلاَتِهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ. قوله: "من عذاب القبر" فيه رد على مَنْ أنكره من المعتزلة وغيرهم وقد مرّ استيفاء الكلام عليه في باب الفتيا بإشارة اليد والرأس من كتاب العلم. وقوله: "من فتنة المسيح الدجال" قال أهل اللغة: الفتنة الامتحان والاختبار. قال عياض: واستعمالها في العرف لكشف ما يكره، وتطلق على القتل والإِحراق والنميمة وغير ذلك. والمَسيح بفتح الميم وتخفيف المهملة المسكورة وآخره حاء مهملة يطلق على (الدَّجَّال) وعلى عيسى بن مريم ﵇ لكن إذا أريد الدجال قُيّد به. وقال أبو داود في "السنن": "المسيح" مثقل الدجال ومخفف عيسى، والمشهور الأول وأما ما نقل الفربري في رواية المستملي وحده عنه عما خلف بن عامر الهمداني أحد الحفاظ أن "المسيح" بالتشديد والتخفيف واحد يقال لعيسى ﵇ وللدّجال وأنه لا فرق بينهما بمعنى لا اختصاص لأحدهما بأحد الأمرين، فهو رأي ثالث. وقال الجوهري: مَنْ قاله بالتخفيف فلمسحه الأرض، ومَنْ قاله بالتشديد فلكونه ممسوح العين، وحكى بعضهم أنه قال بالخاء المعجمة في الدّجال ونسب قائله إلى التصحيف في تلقيب الدّجال بذلك فقيل: لأنه ممسوح العين وقيل: لأن أحد شقي وجهه خلق ممسوحًا لا عين فيه ولا حاجب، وقيل: لأنه يمسح الأرض إذا خرج. وقيل: لأن الخير مُسح منه فهو مسيح الضلالة، وسمي الدّجال لأنه خدّاع ملبس من الدجل وهو الخلط، ويقال الطلي والتغطية ومنه البعير المدجل أي: المدهون بالقطران، ودجلة نهر ببغداد سميت بذلك؛ لأنها تغطي الأرض بمائها وهذا المعنى أيضًا في الدّجال؛ لأنه يغطي الأرض بكثرة أتباعه أو يغطي الحق بباطله. وقيل: لأنه مطموس العين من قولهم دجل الأثر إذا عفا ودرس، وقيل من

стр. 4392

دجل أي: كذب والدّجال الكذاب. وأما عيسى فقيل سمي المسيح لأنه خرج من بطن أُمه ممسوحًا بالدهن، وقيل لأن زكرياء مسحه، وقيل لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برىء، وقيل لأنه كان يمسح الأرض بسياحته، وقيل لأن رجله كانت لا أخمص لها، وقيل للبسه المسوح وهو بالعبرانية ما شيخا فعرب المسيح، وقيل المسيح الصديق. وذكر مجد الدين صاحب "القاموس" أنه جمع في سبب تسمية عيسى بذلك خمسين قولًا أوردها في "شرح المشارق". وقول: "فتنة المحيا وفتنة الممات" قال ابن دقيق العيد: فتنة المحيا ما يعرض للإِنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات وأعظمها والعياذ بالله أمر الخاتمة عند الموت. وفتنة الممات يجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت أضيفت إليه لقربها منه، ويكون المراد بفتنة المحيا على هذا ما قبل ذلك ويجوز أن يراد بها فتنة القبر، وقد صح في حديث أسماء الماضي في كتاب العلم: "أنكم تفتنونَ في قبورِكم مثلَ أو قريبًا من فتنةِ الدَّجالِ". ولا يكون مع هذا متكررًا مع قوله عذاب القبر؛ لأن العذاب مرتب على الفتنة والسبب غير المسبب، وقيل أراد "بفتنة المحيا" الابتلاء مع زوال الصبر وبفتنة الممات السؤال في القبر مع الحيرة، وهذا من العام بعد الخاص؛ لأن عذاب القبر داخل تحت فتنة الممات وفتنة الدَّجال داخلة تحت فتنة المحيا. وأخرج الحكيم الترمذي في "نوادر الأُصول" عن سفيان الثوري: "أنَّ الميتَ إذا سُئِلَ مَنْ ربُّكَ تراءى له الشيطانُ فيشيرُ إلى نفسِهِ أنّي أنا ربُّك"؛ فلهذا ورد سؤال التثبيت حين يسأل. ثم أخرج بسند جيد إلى عمرو بن مرة كانوا يستحبون إذا وضع الميت في القبر أن يقولوا اللهم أعذه من الشيطان. وقوله: "والمغرم" أي: الدين يقال غرِم بكسر الراء أي: أدان. قيل والمراد به ما يستدان فيما لا يجوز أو فيما يجوز، ثم يعجز عن أدائه، ويحتمل أن يراد به ما هو أعم من ذلك وقد استعاذ ﷺ من غلبة الدين وقال القرطبي: المغرم الغرم وقد نبه في الحديث على الضرر اللاحق من المغرم، وإنما استعاذ منه لأنه يشين في الدنيا والآخرة. وعن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- عن النبي ﷺ أنه قال: "الدينُ رايةُ اللهِ في الأرض، فإذا أرادَ اللهُ أنْ يذلَ عبدًا وضعَهُ في عُنقِهِ". رواه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم. وما في الحديث من التعوذ من المغرم يعارضه ما رواه جعفر بن محمد عن أبيه عن عبد الله بن جعفر يرفعه أن الله تعالى مع المدين حتى يقضى دينه ما لم يكن فيما يكرهه الله تعالى. وكان ابن جعفر يقول لخادمه: اذهب فخذ لي بدين فإني أكره أن أبيتَ الليلة إلا والله معي. قال الطبراني: وكلا الحديثين صحيح ويجمع بينهما بأن يكون الحديث فيمن استدان من غير حاجة طمعًا في مال أخيه ونحو ذلك. وحديث جعفر فيمن يستدين لاحتياجه احتياجًا شرعيًا ونيته القضاء، وإن لم يكن له سبيل إلى القضاء في ذلك الوقت؛ لأن الأعمال بالنيّات ونيّة المؤمن خيرٌ من عمله.

стр. 4393

وقوله: "فقال له قائل" يأتي في السند أن القائل هو عائشة، وقوله: "ما أكثر" أي: بفتح الراء على التعجب. وقوله: "إذا غرم" بكسر الراء. وقوله: "ووعد فأخلف" كذا للأكثر. وفي رواية الحموي: "وإذا وعد أخلف"، والمراد أن ذلك شأن من يستدين غالبًا. وقوله: "وعن الزهري" الظاهر أنه معطوف على الإسناد المذكور فكأن الزهري حدث به مطولًا ومختصرًا لكن قال في "الفتح" لم أرَ في شيء من المسانيد والمستخرجات من طريق شعيب عنه إلا مطولًا، ورأيته باللفظ المختصر المذكور سندًا ومتنًا عند المصنف في كتاب "الفتن" عن صالح بن كيسان عن الزهري. وكذلك أخرجه مسلم عن صالح وقد استشكل دعاؤه ﷺ بما ذكر مع أنه معصوم مغفور له ما تقدم وما تأخر وأجيب بأجوبة أحدها: أنه قصد التعليم لأُمته. ثانيها: أن المراد السؤال منه لأُمته، فيكون المعنى هنا أعوذ بك لأُمتي. ثالثها: سلوك طريق التواضع وإظهار العبودية وإلزام خوف الله تعالى وإعظامه والافتقار إليه وامتثال أمره في الرغبة إليه، ولا يمتنع تكرار الطلب مع تحقق الإجابة؛ لأن ذلك يحصل الحسنات ويرفع الدرجات، وفيه تحريض لأُمته على ملازمة ذلك؛ لأنه إذا كان مع تحقق المغفرة لا يترك التضرع فمن لم يتحقق ذلك أحرى بالملازمة. وأما الاستعاذة من فتنة الدّجال مع تحققه أنه لا يدركه فلا إشكال فيه على الوجهين الأولين، وقيل على الثالث يحتمل أن يكون ذلك قبل تحقق عدم إدراكه. ويدل عليه قوله في الحديث الآخر عند مسلم أن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه الحديث، ويأتي الكلام على ما يدعى به عند قوله في حديث الباب الذي بعده ثم ليختر من الدعاء أعجبه إليه. رجاله خمسة: وفيه ذكر محمد بن يوسف وخلف بن عامر، ولفظ قائل مبهم وقد مرّ الجميع، مرّ أبو اليمان وشعيب في السابع من بدء الوحي، ومرّ الزهري في الثالث منه، ومرّ عروة وعائشة في الثاني، ومرّ محمد بن يوسف الفربري في العاشر من العلم. وأما خلف بن عامر فقد قال في "تهذيب التهذيب" شيخ للفربري حكى عنه في صفة الصلاة في الصحيح، وليس له تعريف غير هذا، وأما القائل المبهم فقد قال في "الفتح" إن في رواية النَّسائيّ أن السائل عن ذلك عائشة ولفظها فقلت: "يا رسولَ اللهِ ما أكثرَ ما تستعيذُ إلخ" وعائشة قد مرّت الآن. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإخبار بالجمع والإِفراد والعنعنة والقول ورواية التابعي عن التابعي عن الصحابية، والاثنان الأولان من الرواة حمصيان والآخران مدنيان. أخرجه البخاري أيضًا في الاستقراض عن أبي اليمان ومسلم في الصلاة وكذا أبو داود والنَّسائيّ.

стр. 4394

الحديث الثاني والمئة حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁. أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلاَتِي. قَالَ: قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. مقتضى هذه الرواية أن الحديث من مسند الصديق -رضي الله تعالى عنه- وأوضح من ذلك رواية أبي الوليد الطيالسي عن الليث عن أبي بكر قال: "قلت: يا رسول الله" أخرجه عبد الرزاق. قلت: لم أر أيضًا ما في هذه الرواية عن رواية الباب وخالف عمرو بن الحارث الليث فجعله من مسند عبد الله بن عمرو ولفظه عن أبي الخير أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول: إن أبا بكر قال للنبي ﷺ هكذا رواه ابن وهب عن عمرو، ولا يقدح هذا الاختلاف في صحة الحديث. وقد أخرج المصنف طريق عمرو معلقة في الدعوات وموصولة في التوحيد. وأخرج مسلم الطريقين طريق الليث وطريق عمرو، وزاد مع عمرو بن الحارث رجلًا مبهمًا وبيّن ابن خزيمة في روايته أنه ابن لهيعة. وقوله: "ظلمت نفسي" أي: بملابسة ما يستوجب العقوبة أو ينقص الحظ، وفيه أن الإنسان لا يخلو عن تقصير ولو كان صديقًا. وقوله: "ظلمًا كثيرًا" أي: بالمثلثة، ويروى بالموحدة وكذا هو في رواية مسلم. قال النووي: فينبغي أن يقول "ظلمًا كبيرًا كثيرًا". وقوله: "ولا يغفِرُ الذنوبَ إلا أنت" فيه إقرار بالوحدانية واستجلاب للمغفرة. وهو كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية، فأثنى على المستغفرين، وفي ضمن ثنائه عليهم بالاستغفار لوّح بالأمر به كما قيل إن كل شيء أثنى الله على فاعله، فهو آمر به وكل شيء ذم فاعله فهو ناه عنه، وقوله: "مغفرة من عندك" قال الطيبي: دلّ التنكير على أن المطلوب غفران عظيم لا يدرك كنهه ووضعه بكونه من عنده مريدًا لذلك العظم؛ لأن الذي يكون من عند الله لا يحيط به وصف. وقال ابن دقيق العيد: يحتمل وجهين: أحدهما: الإِشارة إلى التوحيد المذكور كأنه قال لا يفعل هذا إلا أنت فافعله لي أنت. والثاني: وهو أحسن أنه إشارة إلى طلب مغفرة متفضل بها لا يقتضيها سبب من العبد من عمل حسن ولا غيره، وبهذا الثاني جزم ابن الجوزي فقال: المعنى هب لي

стр. 4395

المغفرة تفضلًا وإن لم أكن لها أهلًا بعملي. وقوله: "إنّك أنت الغفورُ الرحيم" هما صفتان ذكرتا ختمًا للكلام على جهة المقابلة لما تقدم، فالغفور مقابل لقوله اغفر لي، والرحيم مقابل لقوله ارحمني وهي مقابلة مرتبة. وفي الحديث استحباب التعليم من العالم خصوصًا في الدعوات المطلوب فيها جوامع الكلم، وفيه الاعتراف بالتقصير ونسبة الظلم إلى نفسه، وفيه الاعتراف بأن الله تعالى هو المتفضل المعطي من عنده رحمة على عباده من غير مقابلة عمل حسن، ولم يصرح بتعيين محل الدعاء وقد مرّ في أول الباب. رجاله ستة: قد مرّوا، مرّ قتيبة بن سعيد في الحادي والعشرين من الإِيمان, ومرّ يزيد بن أبي حبيب وأبو الخير في الخامس منه، ومرّ عبد الله بن عمرو بن العاص في الثالث منه، ومرّ الليث بن سعد في الثالث من بدء الوحي، ومرّ أبو بكر في باب "مَنْ لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق" بعد الحادي والسبعين من الوضوء. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول ورجاله مصريون سوى طرفيه وفيه رواية تابعي عن تابعي وصحابي عن صحابي. أخرجه البخاري أيضًا في "الدعوات" عن عبد الله بن يوسف. ومسلم في "الدعوات" وكذا الترمِذِيّ وابن ماجه والنَّسائيّ في الصلاة وفي القنوت. ثم قال المصنف: باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد وليس بواجب قوله: "وليس بواجب" يشير إلى أن الدعاء السابق في الباب الذي قبله لا يجب وإن كان قد ورد بصيغة الأمر لقوله في آخر حديث التشهد في هذا الباب، ثم ليتخير والمنفي وجوبه يحتمل أن يكون الدعاء أي: لا يجب دعاء مخصوص، وهذا واضح مطابق للحديث وإن كان التخيير مأمورًا به ويحتمل أن يكون المنفي التخيير ويحمل الأمر الوارد به على الندب ويحتاج إلى دليل. قال ابن رشيد: ليس التخيير في آحاد الشيء بدال على عدم وجوبه، فقد يكون أصل الشيء واجبًا ويقع التخيير في وصفه. وادعى بعضهم الإجماع على عدم الوجوب، وفيه نظر فقد أخرج عبد الرزاق بإسناد صحيح عن طاووس ما يدل على أنه يرى وجوب الاستعاذة المأمور بها في حديث عائشة المذكور في الباب قبله، وذلك أنه سأل ابنه: "هل قالها بعد التشهد؟ فقال: لا، فأمره أن يعيد الصلاة". وبه قال بعض الظاهرية. وأفرط ابن حزم فقال بوجوبها في التشهد الأول أيضًا، وقال ابن المنذر لولا حديث ابن مسعود ثم ليختر من الدعاء لقلت بوجوبها.

стр. 4396

الحديث الثالث والمئة حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنِ الأَعْمَشِ حَدَّثَنِي شَقِيقٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلاَةِ قُلْنَا السَّلاَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ، السَّلاَمُ عَلَى فُلاَنٍ وَفُلاَنٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لاَ تَقُولُوا السَّلاَمُ عَلَى اللَّهِ. فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلاَمُ، وَلَكِنْ قُولُوا التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ. فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ فِي السَّمَاءِ أَوْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو. وقوله: "ثم ليخترْ من الدعاءِ أعجبه إليه فيدعو" زاد أبو داود عن مسدد شيخ البخاري فيه فيدعو به. ونحوه للنَّسائيّ بلفظ: "فليدعُ به". ولإسحاق عن الأعمش: "ثم ليتخيرْ من الدعاءِ ما أحبَّ". وفي رواية منصور عند المصنف في "الدعوات": "ثم ليتخيرْ من الثناءِ". ونحوه لمسلم بلفظ: "من المسألة". قال ابن المنير قوله: "ثم ليتخيرْ" وإن كانت بصيغة الأمر لكنها كثيرًا ما ترد للندب، ثم إن قوله: "ثم ليتخيرْ من الدعاء أعجبَهُ" شامل لكل دعاء مأثور وغيره مما يتعلق بالآخرة كقوله: "اللهمَّ أدخلني الجنةَ"، أو الدنيا مما يشبه كلام الناس كقوله: "اللَّهمَّ ارزقني زوجةً جميلةً ودراهمَ جزيلةً"، وبهذا أخذت المالكية والشافعية ما لم يكن إثمًا. وعند أبي حنيفة وأحمد لا يجوز الدعاء إلا بالأدعية المأثورة أو الموافقة للقرآن العظيم؛ لقوله ﷺ : "إنَّ صلاتَنا هذه لا يصلحُ فيها شيءٌ من كلام الناسِ إنّما هو التسبيحُ والتكبيرُ وقراءةُ القرآنِ" رواه مسلم وذكره ابن أبي شيبة عن أبي هريرةَ وطاووس ومحمد بن سيرين. واحتج الأولون بقوله ﵊: "سلوا الله تعالى حوائجَكُمْ حتى الشِّسْع لنعالِكُم والملحَ لقدورِكُم". وقال ابن عمر: "لأدعو في صلاتي حتى بشعير حماري وملحِ بيتي". ويمكن أن يُجاب عن حديث: "إنّ صلاتنا هذه" إلخ بأن المراد بالصلاحية لها ما يكون مطلوبًا فيها من فرائض أو سنن أو آداب كما يشعر به آخر الحديث. وقد استثنت الشافعية ما يقبح من أمر الدنيا قال في "الفتح": فإن أراد الفاحش من اللفظ فمحتمل وإلا فلا شك أن الدعاء بالأمور المحرمة مطلقًا لا يجوز، وهذا الاستثناء ذكره أبو عبد الله الأبي وعبارته: واستثنى بعض الشافعية من مصالح الدنيا ما فيه سوء أدب كقوله: "اللَّهمَّ أعطني امرأةً جميلةً ههنا كذا" ثم

стр. 4397

يذكر أوصاف أعضائها. وقال ابن المنير الدعاء بأمور الدنيا في الصلاة خطر، وذلك أنه قد تلتبس عليه الدنيا الجائزة بالمحظورة فيدعو بالمحظورة فيكون عاصيًا متكلمًا في الصلاة فتبطل صلاته وهو لا يشعر، ألا ترى أن العامة يلتبس عليها الحق بالباطل، فلو حكم حاكم على عامي بحق فظنه باطلًا فدعا على الحاكم باطلًا بطلت صلاته. وتمييز الحظوظ الجائزة من المحرمة عسر جدًا، فالصواب أن لا يدعو بدنياه إلا على تثبت من الجواز، قلت: ابن المنير مالكي وظاهر كلامه هذا الجزم بأن المالكية تبطل عندهم الصلاة بالدعاء المحرم فيها، ومشهور مذهبهم هو أن الدعاء في الصلاة بالممتنع شرعًا أو عادة فنظر فيه عندهم، هل تبطل الصلاة به مطلقًا أو تبطل بالممتنع شرعًا لا عادة؟ والظاهر كما في "العدوي" صحة الصلاة مطلقًا سواء كان ممتنعًا عقلًا كالجمع بين الضدين أو عادة أو شرعًا، وقد يجوز الدعاء على الظالم بعزله كان ظالمًا له أو لغيره والأولى عدم الدعاء على مَنْ لم يعم ظلمه، فإن عمّ فالأولى الدعاء، وينهى عن الدعاء عليه بذهاب أولاده وأهله أو بالوقوع في معصية؛ لأن إرادة الوقوع في المعصية معصية أو بمؤلمات تحصل له فوق ما يستحقه. وفي جواز الدعاء بسوء الخاتمة قولان الراجح كما قاله ابن ناجي وغيره المنع خلافًا للبرزلي. قلت: المنع هو مقتضى ما مرّ من حرمة الدعاء بالوقوع في المعصية، فإن سوء الخاتمة أشد المعاصي؛ لأنه كفر فلا يجوز الدعاء به قطعًا، لكن التقييد بمن لم يعم ظلمه لا يحتاج إليه في هذا الزمان؛ لأن الحكام في هذا الزمان ابتداء تحكيمهم مبني على الظلم والقوانين الكفرية، فكل مَنْ دخل في حكم كان ظلمه عامًا. وقد استدل البيهقي على جواز الدعاء بغير المأثور بقوله في حديث الباب المتفق عليه "ثم ليتخيرْ من الدعاءِ أعجبَهُ إليه فيدعو به"، وبحديث أبي هريرة رفعه "إذا فرغَ أحدُكم من التشهدِ فليعوذْ باللهِ" الحديث وفي آخره "ثم ليدعو لنفسِهِ بما بدا له"، هكذا أخرجه البيهقي وأصل الحديث في "مسلم" وهذه الزيادة صحيحة؛ لأنها من الطريق التي أخرجها مسلم، والحديث راد على ابن سيرين في قوله: "لا يدعو في الصلاة إلا بأمر الآخرة" وقد ورد فيما يقال بعد التشهد أخبار من أحسنها ما رواه سعيد بن منصور وأبو بكر بن أبي شيبة عن عمر بن سعد قال: كان عبد الله بن مسعود يعلمنا التشهد في الصلاة ثم يقول: "إذا فرغ أحدُكم من التشهدِ فليقلْ: اللَّهُمَّ إني أسألُكَ من الخير كلَّهِ ما علمتُ مِنْهُ وما لم أعلمْ وأعوذُ بكَ من الشر كلَّهِ ما علمتُ مِنْهُ وما لم أعلمْ. اللَّهُمَّ إنّي أسألُكَ من خيرِ ما سألَكَ مِنْهُ عبادُكَ الصالحونَ وأَعوذُ بكَ من شرّ ما استعاذَكَ منه عبادُكَ الصالحونَ. ربَّنا آتِنا في الدنيا حسنةً" الآية. قال ويقول: لم يدع نبي ولا صالح بشيء إِلا دخل في هذا الدعاء، وهذا من المأثور غير مرفوع وليس هو مما ورد في القرآن. وقد قال الشافعي بوجوب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد وادعى أبو الطيب الطبري من اتباعه والطحاوي وآخرون أنه لم يسبق إلى ذلك، واستدلوا على نّدبيتها بحديث الباب مع دعوى الإجماع وفيه نظر؛ لأنه ورد عن أبي جعفر الباقر والشعبي وغيرهما ما يدل على الوجوب، وأعجب من ذلك أنه صح عن ابن مسعود راوي

стр. 4398

الحديث ما يقتضيه، فعند سعيد بن منصور وأبي بكر بن أبي شيبة والحاكم بإسناد صحيح عن أبي الأحوص قال: قال عبد الله: يتشهد الرجل في الصلاة ثم يصلي على النبي ﷺ ثم يدعو لنفسه بعد، قلت: ليس فيما ذكر دلالة على وجوب الصلاة على النبي ﷺ فالحديث إنما يدل على مطلق الطلب، ومن لم يوجبها من العلماء تطلب عنده. فعند المالكية فيها قولان: هل تسن، أو تندب؟ وقد وافق الشافعي أحمد في إحدى الروايتين عنه وبعض المالكية، فقد ذكر ابن الحاجب الصلاة عليه ﷺ في سنن الصلاة ثم قال على الصحيح فقال شارحه ابن عبد السلام يريد أن في وجوبها قولين، وهو ظاهر كلام ابن المواز منهم. وقال إسحاق بن راهويه بالوجوب أيضًا، لكن قال: إن تركها ناسيًا رجوت أن يجزئه. فقيل: إن له في المسألة قولين كأحمد، وقيل بل كان يراها واجبة لا شرطًا وألزم بعض الشافعية من قال من الحنفية بوجوب الصلاة عليه كلما ذكر كالطحاوي. ونقله السروجي في "شرح الهداية" عن أصحاب "المحيط" و"العقد" و"التحفة" و"المغيث" من كتبهم أن يقولوا بوجوبها في التشهد لتقدم ذكره في آخر التشهد، لكن لهم أن يلتزموا ذلك لكن لا يجعلونه شرطًا في صحة الصلاة، ومنهم من قيد تفرد الشافعي بكونه عيّنها بعد التشهد لا قبله ولا فيه حتى لو صلَّى على النبي ﷺ في أثناء التشهد لم يجزىء عنده. فقد روى الطحاوي أن حرملة انفرد عن الشافعي بإيجاب ذلك بعد التشهد وقبل سلام التحلل. قال: لكن أصحابه قبلوا ذلك وانتصروا له وناظروا عليه. واستدل له ابن خزيمة ومن معه بما أخرجه أبو داود والنَّسائيُّ والتِّرمِذِيّ وصححه، وكذا ابن خزيمة وابن حِبّان والحاكم عن فضالة بن عبيد قال: "سمعَ النَّبيُّ ﷺ رجلًا يدعو في صلاتهِ لمْ يحمدِ اللهَ، ولم يصلِّ على النَّبيِّ فقال: عجل هذا ثم دعاه، فقال: إذا صلَّى أحدُكُم فليبدأ بتحميد ربِّهِ والثناءِ عليه، ثم يصلي على النَّبيِّ ثم يدعو بما شاء". وهذا يدل على أن قول ابن مسعود المار قريبًا مرفوع، فإنه بلفظه وقد طعن ابن عبد البر في الاستدلال بحديث فضالة للوجوب فقال: لو كان كذلك لأمر المصلي بالإعادة كما أمر المسيء صلاته، وكذا أشار إليه ابن حزم وأجيب باحتمال أن يكون الوجوب وقع عند فراغه، ويكفي التمسك بالأمر في دعوى الوجوب. وقال الجرجاني من الحنفية: لو كانت فرضًا للزم تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ لأنه علمهم التشهد، وقال: "فليتخيرْ من الدعاءِ ما شاءَ" ولم يذكر الصلاة عليه، وأجيب باحتمال أن لا تكون فرضت حينئذ. وقال البلقيني في "شرح الترمذي" قد ورد هذا في "الصحيح" بلفظ: "ثم ليتخيرْ" وثم للتراخي فدل على أنه كان هناك شيء بين الدعاء والتشهد، واستدل بعضهم بما وقع من الزيادة عن ابن مسعود فيما أخرجه أصحاب "السنن" وصححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم عن محمد بن إسحاق بلفظ: "فكيفَ نصلي عليكَ إذا نحنُ صلَّينا عليكَ في صلاتنا؟ " وقال الدارقطني: إسناده حسن متصل. وقال البيهقي: إسناده حسن صحيح، وتعقبه ابن التركماني بأنه قد قال الحفاظ: يتوقون ما ينفرد به ابن إسحاق وهذه الزيادة قد تفرد بها, لكن قال في "الفتح": ما ينفرد به وإن لم

стр. 4399

يبلغ درجة الصحيح فهو في درجة الحسن إذا صرّح بالتحديث وهو هنا كذلك، وإنما يصححه من لا يفرق بين الصحيح والحسن ويجعل كلما يصلح للحجة صحيحًا. وهذه طريقة ابن حِبّان ومن ذكر معه واستدلال ابن خزيمة والبيهقي بهذه الزيادة على إيجاب الصلاة عليه ﷺ في التشهد بعد التشهد وقبل السلام متعقب بأنه لا دلالة فيه على ذلك، بل إنما يفيد إيجاب الإتيان بهذه الألفاظ على مَنْ صلّى على النبيِّ ﵊ في التشهد وعلى تقدير أن يدل على إيجاب أصل الصلاة، فلا يدل على هذا المحل المخصوص. قلت: هذه الزيادة ليس فيها شيء يدل على أصل الوجوب، بل غاية ما فيها أنها تدل على طلب الصلاة عليه ﷺ في الصلاة. قال في "الفتح": وقرب البيهقي ذلك بأن الآية أي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ لما نزلت. وكان النبي ﷺ قد علمهم كيفية السلام عليه في التشهد، والتشهد داخل الصلاة فسألوا عن كيفية الصلاة فعلّمهم دل على أن المراد بذلك إيقاع الصلاة عليه في التشهد بعد الفراغ من التشهد الذي تقدم تعليمه لهم. وأما احتمال أن يكون ذلك خارج الصلاة كما قال عياض وغيره فهو بعيد. قلت: لم يظهر لي وجه بعده فإن اللفظ محتمل للأمرين على حد السواء. وقرر بعضهم الاستدلال بأن الصلاة عليه واجبة بالإِجماع وليست الصلاة عليه خارج الصلاة واجبة بالإِجماع فتعين أن تجب في الصلاة. وهذا ضعيف جدًا؛ لأن قوله لا تجب في غير الصلاة بالإجماع إن أراد به عينًا، فهو صحيح لكن لا يفيد المطلوب؛ لأنه يفيد أن تجب في أحد الموضعين لا بعينه، والذي قاله الشافعي في "الأُم": فرض الله الصلاة على رسوله بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ فلم يكن فرض الصلاة عليه في موضع أولى منه في الصلاة. قال: ووجدنا الدلالة عن النبي ﷺ في حديث أبي هريرة أنه قال: "يا رسولَ اللهِ كيفَ نُصلِّي عليكَ -يعني في الصلاة- قال: تقولون: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ" الحديث. وفي حديث كعب بن عجرة عن النبي ﷺ أنه كان يقول في الصلاة: "اللَّهُمَّ صلِّ على محمدٍ وآلِ محمد كما صليتَ على إبراهيمَ وآلِ إبراهيمَ" الحديث. قال: فلما روى أن النبيَّ ﷺ كان يعلمهم التشهد في الصلاة، وروي عنه أنه علمهم كيف يصلون عليه في الصلاة لم يَجُزْ أن نقول التشهد في الصلاة واجب، والصلاة عليه فيه غير واجبة. وقد تعقب بعض المخالفين هذا الاستدلال من أوجه: أحدها: ضعف إبراهيم بن أبي يحيى الراوي عنه الحديثين. الثاني: على تقدير صحته فقوله في الأول يعني في الصلاة لم يصرح بقائل يعني فهو مجهول. الثالث: قوله في الثاني إنه كان يقول في الصلاة وإن كان ظاهره أن الصلاة المكتوبة، لكنه يحتمل أن يكون المراد بقوله في الصلاة أي في صفة الصلاة عليه وهو احتمال قوي؛ لأن أكثر الطرق عن كعب بن

стр. 4400

عجرة تدل على أن السؤال وقع عن صفة الصلاة لا عن محلها. الرابع: ليس في الحديث ما يدل على تعين ذلك في التشهد خصوصًا بينه وبين السلام من الصلاة، وقد أطنب قوم في نسبة الشافعي في ذلك إلى الشذوذ منهم أبو جعفر الطبري وأبو جعفر الطحاوي كما مرّ عنهما وأبو بكر بن المنذر والخطابي، وأورد عياض في "الشفاء" مقالاتهم وعاب عليه ذلك غير واحد؛ لأن موضوع كتابه يقتضي تصويب ما ذهب إليه الشافعي؛ لأنه من جملة تعظيم المصطفى ﵊ وقد استحسن هو القول بطهارة فضلاته مع أن أكثر على خلافه، لكنه استجاده لما فيه من الزيادة في تعظيمه. قلت: هذا الاعتراض فيه على القاضي عياض؛ لأن كتابه وإن كان موضوعه تعظيم المصطفى ﵊ لم يأتِ فيه إلا بما ثبت من تعظيمه بالأدلة الثابتة عنده، فلم يأت فيه بتعظيم لا دلالة عليه. وما قاله من طهارة فضلاته ﵊ قاله غيره من أئمة المالكية والشافعية وكذلك غيره من جميع الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-. وانتصر ابن القيم للشافعي فقال: قد أجمعوا على مشروعية الصلاة عليه في التشهد، وإنما اختلفوا في الوجوب والاستحباب وفي تمسك من لم يوجبه بعمل السلف الصالح نظر؛ لأن عملهم كان بوفاقه إلا إن كان يريد بالعمل الاعتقاد فيحتاج إلى نقل صريح عنهم بأن ذلك ليس بواجب، وأنى يوجد ذلك؟ وأما قول عياض إن الناس شنعوا على الشافعي فلا معنى له، فأي شناعة في ذلك؟ لأنه لم يخالف نصًا ولا إجماعًا ولا قياسًا ولا مصلحة راجحة، بل القول بذلك من محاسن مذهبه واستدلوا بما رواه الترمِذِيّ عن عمر موقوفًا: "الدعاءُ موقوفٌ بين السماءِ والأرض لا يصعدُ منهُ شيءٌ حتى يُصَلَّى على النَّبيِّ ﷺ ". وقال ابن العربي: ومثل هذا لا يقال من قِبل الرأَي فله حكم الرفع، وورد له شاهد مرفوع في جزء الحسن بن عرفة. وأخرج العمري في "عمل يوم وليلة" عن ابن عمر بسند جيد قال: "لا تكونُ صلاة إلا بقراءةٍ وتشهدٍ وصلاةٍ عليه. وأخرج البيهقي في "الخلافيات" عن الشعبي قال: "مَنْ لم يصلِّ على النبيِّ ﷺ في التشهدِ فَلْيُعِدْ صلاَتَهُ". وأخرج الطبري بسند صحيح عن مطرف بن عبد الله بن الشخير قال: "كنا نُعَلَّمُ التشهدَ، فإذا قالَ وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ يحمدُ ربَّهُ ويثني عليهِ ثم يصلِّي على النبيِّ ﷺ ثم يسألُ حاجَتَهُ". وقد مرّ من وافقه من فقهاء الأمصار هذا ملخص ما ذكره في "الفتح" من حجج الشافعية على وجوب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد الأخير من الصلاة، ولم أرَ لهم دليلًا دالًا على الوجوب ينشرح له الصدر والله تعالى أعلم. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ مسدد ويحيى بن سعيد في السادس من الإيمان, ومرّ الأعمش في الخامس

стр. 4401

والعشرين منه، ومرّ شقيق في الحادي والأربعين منه، ومرّ ابن مسعود أوله قبل ذكر حديث منه في أثر، وهذا الحديث قد مرّ قريبًا في المئة، ومرّ ما فيه هناك. ثم قال المصنف: باب مَنْ لم يمسح جبهته وأنفه حتى صلى قال أبو عبد الله: رأيت الحميدي يحتج بهذا الحديث: "أن لا يمسح الجبهةَ في الصلاةِ". قال الزين بن المنير ما حاصله: ذكر البخاري المستدل ودليله، ووكل الأمر فيه لنظر المجتهد هل يوافق الحميدي أو يخالفه، وإنما فعل ذلك لما يتطرق إلى الدليل من الاحتمالات؛ لأن بقاء أثر الطين لا يستلزم نفي مسح الجبهة إذ يجوز أن يكون مسحها وبقي الأثر بعد المسح، ويحتمل أن يكون ترك المسح ناسيًا أو تركه عامدًا لتصديق رؤياه، أو لكونه لم يشعر ببقاء أثر الطين في جبهته، أو لبيان الجواز أو لأن ترك المسح أولى؛ لأن المسح عمل وإن كان قليلًا. وإذا تطرقت هذه الاحتمالات لم ينهض الاستدلال لاسيما وهو فعل من الجبلِّيات لا من القُرَب. وقوله بهذا الحديث أي حديث الباب وفيه إشارة إلى أنه يوافقه على ذلك ومن ثم لم يتعقبه. ومن احتج به على المنع جملة لم يسلم من الاعتراض، والترك أولى. وأبو عبد الله المراد به البخاري نفسه والحميدي شيخه قد مرّ في أول حديث من بدء الوحي.

стр. 4402

الحديث الرابع والمئة حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ. قوله: "حتى رأيتُ أثرَ الطين" هو محمول على أثر خفيف لا يمنع مباشرة الجبهة للسجود، وقد مرّ استيفاء الكلام على هذا الحديث في باب "السجود على الأنف في الطين". رجاله خمسة: مرّوا، مرّ مسلم بن إبراهيم وهشام الدستوائي في السابع والأربعين من الإِيمان, ومرّ أبو سعيد في الثاني عشر منه، ومرّ يحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من العلم، ومرّ أبو سلمة في الرابع من بدء الوحي. ثم قال المصنف: باب التسليم أي: من الصلاة، قيل لم يذكر المؤلف حكمه لتعارض الأدلة عندي في الوجوب وعدمه كما يأتي قريبًا.

стр. 4403

الحديث الخامس والمئة حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِى تَسْلِيمَهُ، وَمَكَثَ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَأُرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ مُكْثَهُ لِكَيْ يَنْفُذَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ مَنِ انْصَرَفَ مِنَ الْقَوْمِ. قوله: "قام النساء حين يقضي"، ولابن عساكر "حتى يقضي" أي: يتم تسليمه ويفرغ منه. وقوله: "فأُرى" بضم الهمزة أي: أظن. وقوله: "لكي ينفُذ النساء" بفتح المثناة التحتية وضم الفاء آخره ذال معجمة أي: يخرجن. وقوله: "قبل أن يدركهن" أي: بنون النسوة، ولأبي ذرٍ في نسخة "قبل أن يدركهم". وقوله: "مَنْ انصرفَ من القوم" أي: المصلين، وموضع الترجمة قوله كان إذا سلم، ويمكن أن تستنبط الفرضية من التعبير بلفظ كان المشعر بتحقق مواظبته ﵊ على ذلك وقد قال ﷺ : "صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي". وبفرضية التسليم قال مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم: إذا انصرف المصلي من صلاته بغير لفظ التسليم فصلاته باطلة. حتى قال النووي: ولو اختل حرف من حروف السلام عليكم لم تصح صلاته. واحتجوا بما أخرجه أبو داود والترمِذِيّ، وقال هذا أصَحُ شيء في هذا وأحسن وابن ماجه والحاكم في "مستدركه"، وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه عن علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه- قال: "قال رسول اللهِ ﷺ مفتاحُ الصلاةِ الطهورُ وتحريمُها التكبيرُ، وتحليلُها التسليمُ". وذهب عطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب وقتادة وأبو حنيفة وصاحباه وابن جرير الطبري إلى أن التسليم ليس بفرض حتى لو تركه لا تبطل صلاته؛ لقوله ﵊: "إذا قعدَ الإمامُ في آخر صلاتِهِ ثم أحدثَ قبلَ أن يسلمَ، فقد تمتْ صلاتُهُ". قال ابن حجر هذا الحديث ضعفه الحفاظَ، واستدلوا أيضًا بما رواه الجماعة بطرق متعددة وألفاظ مختلفة عن ابن مسعود: "أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ صلَّى الظهرَ خمسًا، فلما سلَّمَ أخبر بصنيعه فثنى رجلَهُ فسجَد سجدتين". ففي هذا الحديث أنه أدخل في الصلاة ركعة من غيرها قبل السلام، ولم يرد ذلك مفسدًا للصلاة، فدل ذلك أن السلام ليس من أصلها ولو كان واجبًا كوجوب السجدة في الصلاة لكان حكمه أيضًا كذلك،

стр. 4404

ولكنه بخلافه فهو سنة. قلت: لا دليل لهم في هذا الحديث؛ لأن السلام لم يترك وإنما أُخر عن محله نسيانًا، وكذلك كل ركن إذا ترك نسيانًا يتدارك بالإِتيان به. وأجاب الطحاوي عن حديث تحليلها التسليم بأنه من الآحاد، فلا يثبت به الفرض، وأورد عليه إثبات فرضيته تكبيرة الإحرام بالآحاد، وأجابوا عن ذلك بأن فرضية التكبير في أول الصلاة وهو قوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾. غاية ما في الباب أن الحديث يكون بيانًا لما يراد من النص، والبيان به يصح كما في مسح الرأس. قلت: غير خافٍ أن ما ذكروه في معنى الآيتين غير متحتم، بل لهما تأويل غير ذلك ولاسيما الأخيرة ولم يذكر في الحديث عدد التسليم، وقد اختلف العلماء فيه فذهب عمر بن عبد العزيز والحسن البصري وابن سيرين ومالك والأوزاعي إلى أن التسليم في آخر الصلاة مرة واحدة. وروي عن عائشة وابن عمر وأنس واستدلوا بالحديث المار قريبًا: "تحريمُها التكبيرُ وتحليلُها التسليمُ" فحيث كان التحريم حاصلًا بالإجماع بتكبيرة واحدة كذلك التحليل يحصل بتسليمة واحدة فأي فرق بينهما؟ بل لو كان بينهما فرق لكان التكبير أولى بالتكرير؛ لأنه دخول في الشيء، والدخول آكد من الخروج؛ ولأجل هذا لم توجب الحنفية السلام كما مرّ قريبًا. واحتجوا أيضًا بحديث عائشة المروي في "السنن": "أنه ﷺ كانَ يسلمُ تسليمةً واحدةً السَّلامُ عليكم يرفعُ بها صوتَهُ حتى يوقظنا بها". وأخذ الشافعي وأبو حنيفة وصاحباه والثوري والشعبي وإسحاق وابن المنذر بأن التسليم في آخر الصلاة اثنتان: مرة عن يمينه، ومرّة عن شماله. وروى عن أبي بكر وعلي وابن مسعود وعمّار -رضي الله تعالى عنهم- واحتجوا بما رواه مسلم من حديث ابن مسعود وسعد بن أبي وقاص أنه كان يسلم تسليمتين: تسليمة عن يمينه، وتسليمة عن يساره، بل ذكرهما الطحاوي من حديث ثلاثة عشر صحابيًا وزاد غيره سبعة، وأجابوا عن حديث عائشة بأنه معلول كما ذكره العُقيلي وابن عبد البر، وبأنه في قيام الليل والذين رووا عنه التسليمتين رووا ما شهدوه في الفرض والنفل. وحديث عائشة ليس صريحًا في الاقتصار على تسليمة واحدة بل أخبرت أنه كان يسلم تسليمة يوقظهم بها ولم تنفِ الأخرى؛ بل سكتت عنها وليس سكوتها عنها مقدمًا على رواية من حفظها وضبطها وهم أكثر عددًا وأحاديثهم أصح. قلت: انظر كيف يصح هذا الكلام مع أن عائشة مصرحة في حديثها السابق بلفظ: "تسليمة واحدة" فأي صريح بعد لفظ واحدة؟ وأجاب مالك ومن معه عن حديث سعد بن أبي وقاص بأنه وهم، وإنما الحديث كما رواه ابن المبارك بسنده عنه "أنه ﷺ كانَ يسلِّمُ عن يمينِهِ ويسارِهِ". وهذا اللفظ ليس صريحًا في تسليمتين، بل معناه أنه كان يسلِّم تارة عن يمينه، وتارة عن شماله، أي غير ملتزم للسلام على اليمين كما يدل عليه حديث ابن مسعود الآتي في باب "الانفتال والانصراف عن اليمين والشمال" فعلى هذا، لا يكون في الحديثين دليل على التسليمتين المذكورتين وفي

стр. 4405

"المغني" لابن قدامة التسليم واجب لا يقوم غيره مقامه والواجب تسليمة واحدة والثانية سُنّة. وقال ابن المنذر أجمع العلماء على أن صلاة من اقتصر على تسليمة واحدة جائزة. وقال الطحاوي: قال الحسن بن مرَّ: هما واجبتان، وهي رواية عن أحمد، وبه قال بعض أصحاب مالك. وفي "المغني" أيضًا السُّنَّة أن يقول: "السَّلامُ عليكُمْ ورحمةُ اللهِ" وإن قال: "وبركاتُهُ" أيضًا فحسن، والأول أحسن وإن قال: "السَّلامُ عليكُم" ولم يزد فظاهر كلام أحمد أنه يجزئه. وقال ابن عقيل: الأصح أنه لا يجزئه وإن نكس السلام فقال: "وعليكمُ السَّلامُ" لم يجزئه. وقال القاضي: فيه وجه أنه يجوز ويجزىء عند الشافعية لكن مع الكراهة كما في "المجموع" وأكمله عندهم "السَّلامُ عليكُم ورحمةُ اللهِ" لأنه المأثور ولا تسن زيادة وبركاته كما صححه في "المجموع". ولا يجزىء سلام بتنوين، أو دونه ولا "سلامي"، أو "سلام الله عليكم"، أو "عليك" أو "عليكما"، وتبطل صلاته في صورة الخطاب إن تعمد ذلك. وفي "المجموع" قال الشافعي والأصحاب: إذا اقتصر الإِمام على تسليمة سن للمأموم تسليمتان؛ لأنه خرج من المتابعة بالأولى بخلاف التشهد الأول لو تركه الإِمام لزم المأموم تركه؛ لأن المتابعة واجبة عليه قبل السلام، وعند الشافعية تسن التسليمة الثانية على المشهور إلا أن يعرض له عقب الأولى ما ينافي صلاته كأن تخرّق خفه، أو انكشفت عورته أو سقطت عليه نجاسة فيجب الاقتصار على الأولى ويسن له الفصل بين التسليمتين. وعند المالكية صفة السلام الواجب هي ما مرّت عند الشافعية بأن يكون السلام معرفًا بأل لا بالإضافة "كسلامي عليكم" أو "سلام الله"، وأن يكون بلفظ الجمع والخطاب إذ لا يخلو المصلي من مصحوب أقلهم الحفظة، ولا يضر زيادة "ورحمة الله وبركاته"؛ لأنها خارجة من الصلاة وظاهر كلام أهل المذهب أنها ليست بسنة وإن ورد بها الحديث؛ لأنه لم يصحبها عمل أهل المدينة. والظاهر أنها خلاف الأولى كالتسليمة الثانية للإمام والفذ فلو نكّر السلام ففيه ثلاثة أقوال: المشهور عدم الإجزاء، وقيل يجزىء، وقيل هو الأفضل؛ لأنه سلام أهل الجنة ولو عرّفه ونوّنه بطلت صلاته على المشهور، ونظم هذا شيخنا عبد الله بن محمد سالم بقوله: منكِّرُ السلامِ فيه اختلفا ... فقيل يجزىءُ ومشهورٌ نفى وقيل راجحٌ ومنْ قدْ عَرّفا ... مُنونًا فالبطلُ فيه عرفا وقيل لا القلشاني بالحكم وفي واختلف عند المالكية والشافعية هل تجب نيّة الخروج من الصلاة أو لا تجب فقيل تجب تجديد نيّة الخروج من الصلاة بالسلام لتميزه عن جنسه كافتقار تكبيرة الإحرام إليها لتميزها عن غيرها، وعلى الاشتراط لو سلم من غير نيّة مقارنة للسلام بطلت صلاته واختلف التشهير عند المالكية. والمشهور عند الشافعية عدم الاشتراط؛ لأن النيّة الأولى منسحبة على جميع الصلاة، ولكن تُسنُّ خروجًا من الخلاف وعلى عدم الاشتراط، فافرق بينه وبين تكبير الإحرام حيث اشترطت

стр. 4406

معها نيّة الصلاة بلا نزاع هو أن التكبير لما وجد في الصلاة بغير الإحرام لم يكن بذاته كافيًا بخلاف السلام، فإنه لما لم يوجد في الصلاة إلا في هذا المحل صار دالًا بذاته على التحلل. وعند الحنابلة نيّة الخروج من الصلاة سُنّة. وعند الحنفية قال في "الهداية": ثم أصابة لفظ السلام عندنا واجبة وليست بفرض خلافًا للشافعي، واللفظ المطلوب عندهم هو "السلام عليكم ورحمة الله" ولا يقول "وبركاته". وصرّح الحدادي بكراهته، والسنّة أن تكون الثانية اخفض من الأولى فإن قال: "السلام" ولم يزد عليه أجزأه ولم يكن آتيًا بالسنّة. وإن قال: "سلام عليكم" أو "سلامي عليكم" لم يكن آتيًا بها أيضًا. ويكره ذلك، والتسليمة الأولى للخروج من الصلاة والثانية للتسوية وترك الجفاء، وفي الحديث خروج النساء إلى المساجد وسبقهن بالانصراف والاختلاط بهن مظنة للفساد، ويمكث الإِمام في مصلاهُ والحالة هذه، فإن لم يكن هناك نساء فالمستحب للإمام أن يقوم من مصلاه عقيب صلاته وسيأتي استيفاء الكلام على هذا المعنى في باب "مكث الإِمام في مصلاه بعد السلام ". رجاله خمسة: مرّوا، مرّ موسى بن إسماعيل في الخامس من بدء الوحي، ومرّ الزهري في الثالث منه، ومرّ إبراهيم بن سعد في السادس عشر من الإِيمان, ومرّت هند بنت الحارث وأُم سلمة في السادس والخمسين من العلم. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول ورواته مدنيون ما عدا شيخ البخاري فإنه بصري، ورواية تابعي عن تابعية عن صحابية. أخرجه البخاري أيضًا عن أبي الوليد وغيره، وأخرجه أبو داود والنَّسائيّ. ثم قال المصنف: باب يُسلِّم حين يُسلِّم الإِمام قوله: يسلِّم أي: المأموم قال الزين بن المنير: ترجم بلفظ الحديث وهو محتمل لأن يكون المراد أنه يبتدىء السلام بعد ابتداء الإِمام له فيشرع المأموم فيه قبل أن يتمه الإِمام، ويحتمل أن يكون المراد أن المأموم يبتدىء السلام إذا أتمه الإِمام. قال: فلما كان محتملًا للأمرين وكل النظر فيه إلى المجتهد، ويحتمل أن يكون أرد أن الثاني ليس بشرط لأن اللفظ يحتمل الصورتين فأيهما فعل المأموم جاز وكأنه أشار إلى أنه يندب أن لا يتأخر المأموم في سلامه بعد الإِمام متشاغلًا بدعاء أو غيره. ويدل على ذلك ما ذكره عن ابن عمر، وفي هذا عن أبي حنيفة روايتان: في رواية يسلّم مع الإِمام كالتكبير، وفي رواية يسلّم بعد سلام إمامه. وقال الشافعي: المصلي المقتدي يسلّم بعد فراغ الإِمام من التسليمة الأولى، فلو سلّم مقارنًا بسلامه قلنا نيّة الخروج بالسلام شرط لا يجزئه كما لو كبّر مع الإِمام لا تنعقد له صلاة الجماعة فعلى هذا، تبطل صلاته. وإن قلنا: إن نية الخروج غير

стр. 4407

واجبة فيجزئه كما لو ركع معه. وقد مرّ قريبًا أن في نيّة الخروج عندهم قولين. وذكر في "المبسوط" المقتدي يخرج من الصلاة بسلام الإِمام، وقيل هو قول محمد أما عندهما يخرج بسلام نفسه وتظهر ثمرة الخلاف في انتقاض الوضوء بسلام الإِمام قبل سلام نفسه بالقهقهة، فعنده لا تبطل خلافًا لهما. وحاصل مذهب مالك هو أن سبق المأموم للإِمام ومساواته في تكبيرة الإحرام والسلام مبطل لصلاته، وقد نظم بعضهم جملة ما قيل في ذلك فقال: فسابقٌ في البدءِ أبطلْ مطلقًا ... كذاكَ في التمام أيضًا حققا ومبتدٍ بعدُ ومعه قد كملْ ... أو بعدَهُ صحتْ لَهُ نلتَ الأملْ والخلفُ إنْ معَهُ وبعدَهُ أتمّ ... وقد بدا معهُ وصحة تؤم وعندهم يكره للمأموم التأخير بعد سلام الإِمام إن كان في الدعاء لا في التشهد، فإنه يفعله بعد سلامه إن بقي في مكانه أو تحوّل تحوّلًا يسيرًا. ثم قال: وكان ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- يستحب إذا سلَّم الإِمام أن يسلِّم من خلفه. مطابقته للترجمة ظاهرة ولا يقال إنها غير ظاهرة؛ لأن المفهوم من الترجمة أن يسلم المأموم؛ لأن سلامه إذا كان حين سلام الإِمام يكون معه بالضرورة، والمفهوم من الأثر أن يسلم المأموم عقيب سلام الإِمام؛ لأنا نقول إن كلمة إذا ليست للشرط حتى يكون عقيبه، بل هي لمجرد الظرف على الأصل فيها، وحينئذ يحصل التطابق بين الأثر والترجمة. وهذا الأثر قال في "الفتح": لم أقف على مَنْ وصله، لكن عند ابن أبي شيبة عن ابن عمر ما يعطي معناه، وابن عمر في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه. ثم قال:

стр. 4408

الحديث السادس والمئة حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ عِتْبَانَ قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ. قوله: "فسلمنا" أي: معه بحيث كان ابتداء سلامهم بعد ابتداء سلامه، وهذا الحديث أورد هنا مختصرًا جدًا. وفي الباب الذي يليه أتم منه، وقد أورده مطولًا في أوائل الصلاة في باب "إذا دخل بيتًا يصلي"، وفي باب "المساجد في البيوت". ومرّ استيفاء الكلام عليه هناك. رجاله ستة: قد مرّوا إلاَّ حبّان، مرّ عبد الله بن المبارك في السادس من بدء الوحي، ومرّ ابن شهاب في الثالث منه، ومرّ معمر في متابعة بعد الرابع منه، ومرّ محمود بن الربيع في التاسع عشر من العلم، ومرّ عتبان بن مالك في التاسع والعشرين من أحاديث أبواب استقبال القبلة، وأما حبّان فهو ابن موسى بن سوار السلمي أبو محمد المروزي الكُشْمِيهَني ذكره ابن حِبّان في "الثقات"، وقال إبراهيم بن الجنيد: ليس صاحب حديث ولا بأس به. روى عن ابن المبارك وأبي حمزة السكري وداود بن عبد الرحمن العطاردي وغيرهم. وروى عنه البخاري ومسلم، وروى له الترمذيّ والنَّسائيّ بواسطة وأبو زرعة وابن دارة وغيرهم. مات سنة ثلاث وثلاثين ومئتين. والكشْميهَني في نسبه بالضم وسكون الشين والكسر وتحتانية وفتح الهاء والنون نسبة إلى "كشميهن" قرية "بمرو" القديمة خربت وقد تفتح الميم، وقد تمد بألف فيقال: "كشماهن" منها أبو الهيثم محمد بن مكي بن زُرَاع كغراب بن هارون بن زراع. روى عن أبوي العباس الدخول واللأمم وعنه القاضي المحسن بن أحمد الخالدي وأبو عبد الله محمد بن أحمد غنجار وأشهر برواية البخاري عن الفربري. وروى عنه أبو ذر عبد الرحيم بن أحمد الهروي كتاب البخاري قراءة عليه "بكشميهن" في المحرم سنة تسع وثمانين وثلاثمئة. ومات بهذه السنة بقريته يوم عرفة، ومنها أم الكرام كريمة بنت أحمد بن محمد المروزية روت البخاري عن محمد بن مكي المذكور، وعنها أبو الحسن علي بن الحسين بن عمر الفراء وأبو عبد الله محمد بن بركات بن هلال النحوي. وفي رواة غير الستة حبّان بن موسى بن حبّان الكلابي أبو محمد الدمشقي. وقد مرّ في الثالث والعشرين من الإِيمان مبحث حبّان المكسور والمفتوح.

стр. 4409

لطائف إسناده: فيه التحديث والإخبار بالجمع والعنعنة والقول وفيه مروزيان ثم مصريّ ثم مدنيّ، ورواية صحابي عن صحابي وقد مرّ من أخرج هذا الحديث. ثم قال المصنف: باب مَنْ لم يرد السلام على الإِمام واكتفى بتسليم الصلاة أورد فيه حديث عتبان واعتماده فيه على قوله ثم سلّم وسلّمنا حين سلم فإن ظاهره أنهم سلّموا نظير سلامه وسلامه إما واحدة وهي التي يتحلل بها من الصلاة، وإما هي وأخرى معها فيحتاج من استحب تسليمة ثالثة على الإِمام بين التسليمتين كما تقوله المالكية إلى دليل خاص. وإلى رد ذلك أشار البخاري وقال ابن بطال: أظنه قصد الرد على مَنْ يوجب التسليمة الثانية، وقد نقله الطحاوي عن الحسن بن الحسن، وفيه هذا الظن بعد قاله في "الفتح" قلت: الظاهر أن البخاري قصد بالترجمة الرد على مَنْ أوجب التسليمة الثانية، وعلى مَنْ قال برد المأموم على الإِمام ولفظ الحديث يوافق الترجمة حيث قال فيه: ثم سلّم وسلّمنا حين سلّم. فظاهر الحديث أن الجميع ما سلّموا إلا تسليمة واحدة، وهو موافق لما ذهب إليه مالك ومن معه فيما مرّ من أن الواجب تسليمة واحدة. وأما قول صاحب "الفتح" أن المالكية تطلب عندهم تسليمة ثالثة، فذلك من عدم إتقان مذهب مالك، فالمالكية لا تطلب عندهم من الإِمام والفذ إلا تسليمة واحدة، وتطلب عندهم من المأموم تسليمة يرد بها على الإِمام وعلى مَنْ بيساره من المأمومين إن كان به أحد. واختلف فيهما عندهم هل هما سنتان أو فضيلتان أو سنة واحدة كما أنه اختلف أيضًا هل الأفضل البداءة بالإمام أو اليسار أو متساويان، ونظم شيخنا عبد الله بن محمد سالم -رحمه الله تعالى- كلًا من الحكمين في بيت فقال: ردَّ الإِمام واليسار سنتان ... أو سُنّةٌ فحسبُ أو فضيلتان في البدءِ باليسارِ والإمام ... أو استوى تخالفُ الإِعلامِ وقد قال بالرد مع مالك ابن عمر في أحد قوليه والشعبي وسالم وسعيد بن المسيب وعطاء، وقال إبراهيم النخعي: إن شاء رد وإن شاء لم يرد.

стр. 4410

الحديث السابع والمئة حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ عَقَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَعَقَلَ مَجَّةً مَجَّهَا مِنْ دَلْوٍ كَانَ فِي دَارِهِمْ. قَالَ سَمِعْتُ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الأَنْصَارِيَّ ثُمَّ أَحَدَ بَنِي سَالِمٍ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي لِقَوْمِي بَنِي سَالِمٍ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: إِنِّي أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَإِنَّ السُّيُولَ تَحُولُ بَيْنِى وَبَيْنَ مَسْجِدِ قَوْمِي، فَلَوَدِدْتُ أَنَّكَ جِئْتَ فَصَلَّيْتَ فِي بَيْتِي مَكَانًا، حَتَّى أَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا فَقَالَ: أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَغَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ مَعَهُ بَعْدَمَا اشْتَدَّ النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَالَ: أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ. فَأَشَارَ إِلَيْهِ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِى أَحَبَّ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ ثُمَّ سَلَّمَ، وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ. قوله: "وزعم" الزعم يطلق على القول المحقق، وعلى القول المشكوك فيه، وعلى الكذب وينزل في كل موضع على ما يليق به، والظاهر أن المراد به هنا الأول, لأن محمود بن الربيع موثوق عند الزهري وغيره، ولكونه صحابيًا فقوله عنده مقبول، وقوله: "من دلو كانت في دارهم" قيل كانت صفة لموصوف محذوف أي من بئر كانت في دارهم. ولفظ: "الدلو" يدل عليه. وقيل الدلو يذكر ويؤنث فلا يحتاح إلى تقدير. وقوله: "سمعت عتبان بن مالك الأنصاري ثم أحد بني سالم" أي: بنصب أحد عطفًا على قوله الأنصاري، وهو بمعنى قوله الأنصاري ثم السالمي هذا الذي يقطع به من له أدنى ممارسة بمعرفة الرجال. وقال الكرماني يحتمل أن يكون عطفًا على عتبان يعني سمعت عتبان ثم سمعت أحد بني سالم أيضًا، والمراد به فيما يظهر الحصين بن محمد، فكان محمود أسمع من عتبان ومن الحصين، وهذا مخالف لما مرّ في باب "المساجد في البيوت" من أن الزهري هو الذي سمع محمودًا والحصين، ولعله حمله على ما ذكر ما جاء في الرواية السابقة عن الزهري. ثم سألت الحصين بن محمد الأنصاري وهو أحد بني سالم فكأنه ظن أن المراد بقوله: "أحد بني سالم" هنا هو المراد بقوله بني سالم هناك ولا حاجة لذلك، فإن عتبان من بني سالم اتفاقًا. ويرد على ما ذكر إشكال؛ لأنه يلزم منه أن يكون الحصين بن محمد هو صاحب القصة المذكورة، أو أنها تعددت له ولعتبان وليس كذلك، فإن الحصين المذكور لا صحبة له بل لم يوجد من ذكر أباه في الصحابة ولم يذكر له ابن أبي حاتم شيخًا غير عتبان. ونقل عن أبيه أن روايته عنه مرسلة، ولم يذكر

стр. 4411

أحد ممن صنف في الرجال لمحمود بن الربيع رواية عن الحصين. وقوله: "فلوددت" أي: فوالله لوددت. وقوله: "اشتد النهار" أي: ارتفعت الشمس. وقوله: "فأشار إليه من المكان الذي أحب أن يصلي فيه" قال الكرماني: فاعل أشار النبي ﷺ ، ومن للتبعيض. قال: ولا ينافي هذا ما تقدم أنه قال: فأشرت إلى المكان لإمكان وقوع الإشارتين منه ومن النبي ﷺ إما معًا، وإما سابقًا ولاحقًا. قلت: التبعيض هنا لا معنى له، فلا يستقيم معه الكلام، والظاهر ما قاله في "الفتح" من أن فاعل أشار هو عتبان لكن فيه التفات إذ ظاهر السياق أن يقول فأشرت إلخ. وبهذا تتفق الروايات وهذا الحديث قد مرّ استيفاء الكلام عليه في باب "المساجد في البيوت". رجاله ستة: قد مرّوا، مرّ ذكر محلهم في الذي قبله إلا عبدان وهو قد مرّ في السادس من بدء الوحي. ثم قال المصنف: باب الذكر بعد الصلاة أورد فيه أولًا حديث ابن عباس من وجهين: أحدهما أتم من الآخر وأغرب المزي فجعلهما حديثين والذي يظهر أنهما حديث واحد.

стр. 4412

الحديث الثامن والمئة حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ أَبَا مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إِذَا سَمِعْتُهُ. قوله: "كان على عهد رسول الله ﷺ " فيه أن مثل هذا يحكم له بالرفع خلافًا لمن شذ ومنع ذلك، ووافقه مسلم والجمهور على ذلك. ويأتي ما فيه قريبًا إن شاء الله تعالى، وفيه دليل على جواز الجهر بالذكر عقب الصلاة. قال الطبري: فيه الإبانة عن صحة ما كان يفعله بعض الأمراء من التكبير عقب الصلاة، وتعقبه ابن بطال بأنه لم يقف على ذلك عن أحد من السلف إلا ما حكاه ابن حبيب في الواضحة أنهم كانوا يستحبون التكبير في العساكر عقب الصبح والعشاء تكبيرًا ثلاثًا عاليًا. قال: وهو قديم من شأن الناس. قال ابن بطال وفي العتبية عن مالك أن ذلك محدث، وفي قوله كان على عهد إلخ إشعار بأن ذلك لم يكن يفعل في الوقت الذي حدث فيه؛ لأنه لو كان يفعل لم يكن لقوله معنى فكان التكبير في أثر الصلوات لم يواظب الرسول ﵊ عليه طول حياته، وفهم أصحابه أن ذلك ليس بلازم فذكره خشية أن يظن أنه مما لا تتم الصلاة إلا به، فلذلك كرهه من كرهه من الفقهاء. قال ابن بطال: أصحاب المذاهب المتبوعة وغيرهم متفقون على عدم استحباب رفع الصوت بالتكبير والذكر حاشا ابن حزم قال النووي: حمل الشافعي هذا الحديث على أنهم جهروا به وقتًا يسيرًا لأجل تعليم صفة الذكر لا أنهم داوموا على الجهر به. والمختار أن الإِمام والمأموم يخفيان الذكر إلا إن احتيج إلى التعليم. وقوله: "قال ابن عباس كنت أعلم" هو موصول بالإسناد المبدأ به كما عند مسلم عن إسحاق بن منصور عن عبد الرزاق به وفيه إطلاق العلم على الأمر المستند إلى الظن الغالب. وقوله: "إذا انصرفوا" أي: أعلم انصرافهم بذلك، أي: برفع الصوت "إذا سمعته" أي: الذكر والمعنى كنت أعلم بسماع الذكر انصرافهم. وظاهره أن ابن عباس لم يكن يحضر الصلاة في الجماعة في بعض الأوقات لصغره أو كان حاضرًا لكنه كان في آخر الصفوف، فكان لا يعرف انقضاءها بالتسليم وإنما كان يعرفه بالتكبير. قال الشيخ تقي الدين: ويؤخذ منه أنه لم يكن هناك

стр. 4413

مبلغ جهير الصوت يسمع من بعد وسقط للأصيلي قوله: "وقال ابن عباس" إلخ. قلت: قد مرّ قريبًا أن من المرفوع كان على ما قيل من الرفع في كان وكذا الصحابي على عهد رسول الله ﷺ ، وفي هذه المسألة سبعة أقوال: الرفع مطلقًا، الوقف مطلقًا، التفصيل بين ما قيد بالعصر النبوي وما لم يقيد به. الرابع: إن كان الفعل مما لا يخفى غالبًا فمرفوع وإلا فموقوف. الخامس: إن ذكره في معرض الاحتجاج فمرفوع وإلا فموقوف. السادس: إن كان قائله مجتهدًا فموقوف وإلا فمرفوع. السابع: إن قال كنا نرى فموقوف أو كنا نفعل ونحوه فمرفوع؛ لأن نرى من الرأي فيحتمل أن يكون مستنده استنباطًا لا توقيفًا، ثم محل الخلاف إذا لم يكن في القصة اطلاعه ﷺ على ذلك وإلا فحكمة الرفع قطعًا كقول ابن عمر: "كنّا نقولُ -ورسول الله ﷺ حيٌّ- أفضلُ هذه الأُمةِ بعد نبيَّها أبو بكرٍ وعمر وعثمانُ، ويسمعُ ذلكَ رسولُ اللهِ ﷺ فلا ينكرُهُ" رواه الطبراني في "معجمه الكبير". وبالجملة ما قيد من ذلك بالعصر النبوي حكمه الرفع إما قطعًا أو على الأصح ونظم العراقي أصل المسألة فقال: وقولهُ كنّا نرى إنْ كان معْ ... عصر النَّبيِّ مِنْ قبيل ما رفعْ وقيلَ لا أو لا فلا كذاكَ لهْ ... وللخَطيب قلتُ لكن جعلَهْ مرفوعًا الحاكمُ والرازيُّ ... ابنُ الخَطيبِ وهُو القويُّ لكنْ حديثُ كان بابُ المصطفى ... يقرعُ بالأظفارِ مما وقفا حكمًا لدى الحاكمِ والخطيبِ ... والرفعُ عندَ الشيخِ ذو تصويبِ رجاله ستة: قد مرّوا إلاَّ أبا معبد، مرّ إسحاق بن نصر في تعليق بعد الحادي والعشرين من العلم، ومرّ عمرو بن دينار في الرابع والخمسين منه، ومرّ عبد الرزاق في الخامس والثلاثين من الإِيمان, ومرّ ابن جريج في الثالث من الحيض، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي. وأما أبو معبد فهو مولى ابن عباس واسم نافذ بالنون وبكسر الفاء في آخره ذال معجمة ذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال أحمد وابن معين وأبو زرعة: سعد كان ثقة حسن الحديث روى عن مولاه وعنه عمرو بن دينار وأبو الزبير وسليمان الأحول وغيرهم. مات بالمدينة سنة أربع ومئة. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإِخبار بالجمع والإِفراد والقول، وشيخ البخاري من أفراده ورواته ما بين بخاريّ ويمانيّ ومكيّ ومدنيّ، وفيه رواية تابعي عن تابعي أخرجه مسلم في الصلاة وأبو داود.

стр. 4414

الحديث التاسع والمئة حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو مَعْبَدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلاَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِالتَّكْبِيرِ. قال علي: حدّثنا سفيان عن عمرو قال: كان أبو معبد أصدق موالي ابن عباس. قوله: "كنت أعرف انقضاء صلاة النبي ﷺ بالتكبير" في رواية الحميدي عن سفيان بصيغة الحصر ولفظه: "ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ إلا بالتكبير"، وكذا أخرجه مسلم عن ابن أبي عمر عن سفيان، واختلف في كون ابن عباس قال ذلك فقال عياض: الظاهر أنه لم يكن يحضر الجماعة؛ لأنه كان صغيرًا ممن لا يواظب على ذلك إلى آخر ما مرّ قريبًا. وقوله: "بالتكبير" هو أخص من الرواية التي قبلها؛ لأن الذكر أعم من التكبير، ويحتمل أن تكون هذه مفسرة لذلك، فكان المراد أن رفع الصوت بالذكر أي بالتكبير وكأنهم كانوا يبتدئون بالتكبير بعد الصلاة قبل التسبيح والتحميد، وسيأتي الكلام على ذلك في الحديث الذي بعده. وقوله: "قال علي" هو ابن المديني وثبتت هذه الزيادة في رواية المستملي والكشميهني، وزاد مسلم في روايته المذكورة. قال عمرو يعني ابن دينار وذكرت ذلك لأبي معبد بعد فأنكره وقال: لم أحدثك بهذا قال عمرو: قد أخبرتنيه قبل ذلك. قال الشافعي بعد أن رواه عن سفيان: كأنه نسيه بعد أن حدّثه به وهذا يدل على أن مسلمًا كان يرى صحة الحديث ولو أنكره راويه إذا كان الناقل عدلًا؛ ولأهل الحديث فيه تفصيل. قالوا: إما أن يجزم برده أو لا، وإذا جزم فإما أن يصرح بتكذيب الراوي عنه أو لا، فإن لم يجزم بالرد كأن قال لا أذكره، فهو متفق عندهم على قبوله؛ لأن الفرع ثقة والأصل لم يطعن فيه. وإن جزم وصرّح بالتكذيب فهو متفق عندهم علي رده لأن جزم الفرع بكون الأصل حدّثه يستلزم تكذيبه في دعواه أنه كذب عليه وليس قبول قول أحدهما بأولى من الآخر. وإن جزم بالرد ولم يصرح بالتكذيب فالراجح عندهم قبوله. وأما الفقهاء فاختلفوا، فذهب الجمهور في هذه الصورة إلى القبول وعن بعض الحنفية ورواية عن أحمد لا يقبل قياسًا على الشاهد واليمين حيث رواه سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة فحدث به ربيعة ثم نسيه، فكان بعد ذلك يحدث به عن ربيعة عن نفسه، وللإِمام فخر الدين في هذه المسألة تفصيل نحو ما تقدم، وزاد فإن كان الفرع مترددًا في سماعه والأصل جازمًا بعدمه سقط

стр. 4415

لوجود التعارض. ومحصل كلامه آنفًا أنهما إن تساويا فالرد وإن رجح أحدهما عمل به. وهذا الحديث من أمثلته وأبعد من قال إنما نفى أبو معبد التحديث، ولا يلزم منه نفي الإخبار وهو الذي وقع ولا مخالفة، وترده الرواية التي فيها فأنكره ولو كان كما زعم لم يكن هناك إنكار ولا الفرق بين التحديث والإخبار إنما حدث بعد ذلك. وفي كتب الأُصول حكاية الخلاف في هذه المسألة عن الحنفية ونظم العراقي أصل المسألة فقال: ومَنْ روى عن ثقةٍ فكذَّبَهْ ... فقد تعارضا ولكنْ كذَّبهْ لا تثبتنّ بقولِ شيخهِ فقدْ ... كذَّبهُ الآخرُ وارددْ ما جحدَ وإن يردُّهُ بلا اذكروا ... ما يقتضي نسيانه فقدْ رأوا الحكم للذاكرِ عندَ المعظم ... وحكى الإسقاط عندَ بعضهِم كقصةِ الشاهدِ واليمين إذْ ... نسيَهُ سهيلٌ الذي أَخَذْ عنه فكانَ بعدُ عنْ ربيعهْ ... عن نفسهِ يرويهِ لنْ يضيعهْ والشافعيّ نهى ابنَ عبدِ الحكمِ ... يروي عن الحيِّ لخوفِ التُّهمِ رجاله خمسة: مرّ منهم أبو معبد في الذي قبله، وفيه ذكر محل عمرو بن دينار وابن عباس، ومرّ علي بن المديني في الرابع عشر من العلم، ومرّ سفيان بن عيينة في الأول من بدء الوحي.
следующие страницы →