Полный текст (6 753 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.
стр. 4411
أحد ممن صنف في الرجال لمحمود بن الربيع رواية عن الحصين.
وقوله: "فلوددت" أي: فوالله لوددت. وقوله: "اشتد النهار" أي: ارتفعت الشمس. وقوله: "فأشار إليه من المكان الذي أحب أن يصلي فيه" قال الكرماني: فاعل أشار النبي ﷺ ، ومن للتبعيض. قال: ولا ينافي هذا ما تقدم أنه قال: فأشرت إلى المكان لإمكان وقوع الإشارتين منه ومن النبي ﷺ إما معًا، وإما سابقًا ولاحقًا. قلت: التبعيض هنا لا معنى له، فلا يستقيم معه الكلام، والظاهر ما قاله في "الفتح" من أن فاعل أشار هو عتبان لكن فيه التفات إذ ظاهر السياق أن يقول فأشرت إلخ. وبهذا تتفق الروايات وهذا الحديث قد مرّ استيفاء الكلام عليه في باب "المساجد في البيوت".
رجاله ستة:
قد مرّوا، مرّ ذكر محلهم في الذي قبله إلا عبدان وهو قد مرّ في السادس من بدء الوحي. ثم قال المصنف:
باب الذكر بعد الصلاة
أورد فيه أولًا حديث ابن عباس من وجهين: أحدهما أتم من الآخر وأغرب المزي فجعلهما حديثين والذي يظهر أنهما حديث واحد.
стр. 4412
الحديث الثامن والمئة
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ أَبَا مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إِذَا سَمِعْتُهُ.
قوله: "كان على عهد رسول الله ﷺ " فيه أن مثل هذا يحكم له بالرفع خلافًا لمن شذ ومنع ذلك، ووافقه مسلم والجمهور على ذلك. ويأتي ما فيه قريبًا إن شاء الله تعالى، وفيه دليل على جواز الجهر بالذكر عقب الصلاة. قال الطبري: فيه الإبانة عن صحة ما كان يفعله بعض الأمراء من التكبير عقب الصلاة، وتعقبه ابن بطال بأنه لم يقف على ذلك عن أحد من السلف إلا ما حكاه ابن حبيب في الواضحة أنهم كانوا يستحبون التكبير في العساكر عقب الصبح والعشاء تكبيرًا ثلاثًا عاليًا. قال: وهو قديم من شأن الناس. قال ابن بطال وفي العتبية عن مالك أن ذلك محدث، وفي قوله كان على عهد إلخ إشعار بأن ذلك لم يكن يفعل في الوقت الذي حدث فيه؛ لأنه لو كان يفعل لم يكن لقوله معنى فكان التكبير في أثر الصلوات لم يواظب الرسول ﵊ عليه طول حياته، وفهم أصحابه أن ذلك ليس بلازم فذكره خشية أن يظن أنه مما لا تتم الصلاة إلا به، فلذلك كرهه من كرهه من الفقهاء. قال ابن بطال: أصحاب المذاهب المتبوعة وغيرهم متفقون على عدم استحباب رفع الصوت بالتكبير والذكر حاشا ابن حزم قال النووي: حمل الشافعي هذا الحديث على أنهم جهروا به وقتًا يسيرًا لأجل تعليم صفة الذكر لا أنهم داوموا على الجهر به. والمختار أن الإِمام والمأموم يخفيان الذكر إلا إن احتيج إلى التعليم.
وقوله: "قال ابن عباس كنت أعلم" هو موصول بالإسناد المبدأ به كما عند مسلم عن إسحاق بن منصور عن عبد الرزاق به وفيه إطلاق العلم على الأمر المستند إلى الظن الغالب.
وقوله: "إذا انصرفوا" أي: أعلم انصرافهم بذلك، أي: برفع الصوت "إذا سمعته" أي: الذكر والمعنى كنت أعلم بسماع الذكر انصرافهم. وظاهره أن ابن عباس لم يكن يحضر الصلاة في الجماعة في بعض الأوقات لصغره أو كان حاضرًا لكنه كان في آخر الصفوف، فكان لا يعرف انقضاءها بالتسليم وإنما كان يعرفه بالتكبير. قال الشيخ تقي الدين: ويؤخذ منه أنه لم يكن هناك
стр. 4413
مبلغ جهير الصوت يسمع من بعد وسقط للأصيلي قوله: "وقال ابن عباس" إلخ. قلت: قد مرّ قريبًا أن من المرفوع كان على ما قيل من الرفع في كان وكذا الصحابي على عهد رسول الله ﷺ ، وفي هذه المسألة سبعة أقوال: الرفع مطلقًا، الوقف مطلقًا، التفصيل بين ما قيد بالعصر النبوي وما لم يقيد به. الرابع: إن كان الفعل مما لا يخفى غالبًا فمرفوع وإلا فموقوف. الخامس: إن ذكره في معرض الاحتجاج فمرفوع وإلا فموقوف. السادس: إن كان قائله مجتهدًا فموقوف وإلا فمرفوع. السابع: إن قال كنا نرى فموقوف أو كنا نفعل ونحوه فمرفوع؛ لأن نرى من الرأي فيحتمل أن يكون مستنده استنباطًا لا توقيفًا، ثم محل الخلاف إذا لم يكن في القصة اطلاعه ﷺ على ذلك وإلا فحكمة الرفع قطعًا كقول ابن عمر: "كنّا نقولُ -ورسول الله ﷺ حيٌّ- أفضلُ هذه الأُمةِ بعد نبيَّها أبو بكرٍ وعمر وعثمانُ، ويسمعُ ذلكَ رسولُ اللهِ ﷺ فلا ينكرُهُ" رواه الطبراني في "معجمه الكبير". وبالجملة ما قيد من ذلك بالعصر النبوي حكمه الرفع إما قطعًا أو على الأصح ونظم العراقي أصل المسألة فقال:
وقولهُ كنّا نرى إنْ كان معْ ... عصر النَّبيِّ مِنْ قبيل ما رفعْ
وقيلَ لا أو لا فلا كذاكَ لهْ ... وللخَطيب قلتُ لكن جعلَهْ
مرفوعًا الحاكمُ والرازيُّ ... ابنُ الخَطيبِ وهُو القويُّ
لكنْ حديثُ كان بابُ المصطفى ... يقرعُ بالأظفارِ مما وقفا
حكمًا لدى الحاكمِ والخطيبِ ... والرفعُ عندَ الشيخِ ذو تصويبِ
رجاله ستة:
قد مرّوا إلاَّ أبا معبد، مرّ إسحاق بن نصر في تعليق بعد الحادي والعشرين من العلم، ومرّ عمرو بن دينار في الرابع والخمسين منه، ومرّ عبد الرزاق في الخامس والثلاثين من الإِيمان, ومرّ ابن جريج في الثالث من الحيض، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي. وأما أبو معبد فهو مولى ابن عباس واسم نافذ بالنون وبكسر الفاء في آخره ذال معجمة ذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال أحمد وابن معين وأبو زرعة: سعد كان ثقة حسن الحديث روى عن مولاه وعنه عمرو بن دينار وأبو الزبير وسليمان الأحول وغيرهم. مات بالمدينة سنة أربع ومئة.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإِخبار بالجمع والإِفراد والقول، وشيخ البخاري من أفراده ورواته ما بين بخاريّ ويمانيّ ومكيّ ومدنيّ، وفيه رواية تابعي عن تابعي أخرجه مسلم في الصلاة وأبو داود.
стр. 4414
الحديث التاسع والمئة
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو مَعْبَدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلاَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِالتَّكْبِيرِ. قال علي: حدّثنا سفيان عن عمرو قال: كان أبو معبد أصدق موالي ابن عباس.
قوله: "كنت أعرف انقضاء صلاة النبي ﷺ بالتكبير" في رواية الحميدي عن سفيان بصيغة الحصر ولفظه: "ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ إلا بالتكبير"، وكذا أخرجه مسلم عن ابن أبي عمر عن سفيان، واختلف في كون ابن عباس قال ذلك فقال عياض: الظاهر أنه لم يكن يحضر الجماعة؛ لأنه كان صغيرًا ممن لا يواظب على ذلك إلى آخر ما مرّ قريبًا.
وقوله: "بالتكبير" هو أخص من الرواية التي قبلها؛ لأن الذكر أعم من التكبير، ويحتمل أن تكون هذه مفسرة لذلك، فكان المراد أن رفع الصوت بالذكر أي بالتكبير وكأنهم كانوا يبتدئون بالتكبير بعد الصلاة قبل التسبيح والتحميد، وسيأتي الكلام على ذلك في الحديث الذي بعده.
وقوله: "قال علي" هو ابن المديني وثبتت هذه الزيادة في رواية المستملي والكشميهني، وزاد مسلم في روايته المذكورة. قال عمرو يعني ابن دينار وذكرت ذلك لأبي معبد بعد فأنكره وقال: لم أحدثك بهذا قال عمرو: قد أخبرتنيه قبل ذلك. قال الشافعي بعد أن رواه عن سفيان: كأنه نسيه بعد أن حدّثه به وهذا يدل على أن مسلمًا كان يرى صحة الحديث ولو أنكره راويه إذا كان الناقل عدلًا؛ ولأهل الحديث فيه تفصيل. قالوا: إما أن يجزم برده أو لا، وإذا جزم فإما أن يصرح بتكذيب الراوي عنه أو لا، فإن لم يجزم بالرد كأن قال لا أذكره، فهو متفق عندهم على قبوله؛ لأن الفرع ثقة والأصل لم يطعن فيه. وإن جزم وصرّح بالتكذيب فهو متفق عندهم علي رده لأن جزم الفرع بكون الأصل حدّثه يستلزم تكذيبه في دعواه أنه كذب عليه وليس قبول قول أحدهما بأولى من الآخر. وإن جزم بالرد ولم يصرح بالتكذيب فالراجح عندهم قبوله.
وأما الفقهاء فاختلفوا، فذهب الجمهور في هذه الصورة إلى القبول وعن بعض الحنفية ورواية عن أحمد لا يقبل قياسًا على الشاهد واليمين حيث رواه سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة فحدث به ربيعة ثم نسيه، فكان بعد ذلك يحدث به عن ربيعة عن نفسه، وللإِمام فخر الدين في هذه المسألة تفصيل نحو ما تقدم، وزاد فإن كان الفرع مترددًا في سماعه والأصل جازمًا بعدمه سقط
стр. 4415
لوجود التعارض. ومحصل كلامه آنفًا أنهما إن تساويا فالرد وإن رجح أحدهما عمل به. وهذا الحديث من أمثلته وأبعد من قال إنما نفى أبو معبد التحديث، ولا يلزم منه نفي الإخبار وهو الذي وقع ولا مخالفة، وترده الرواية التي فيها فأنكره ولو كان كما زعم لم يكن هناك إنكار ولا الفرق بين التحديث والإخبار إنما حدث بعد ذلك.
وفي كتب الأُصول حكاية الخلاف في هذه المسألة عن الحنفية ونظم العراقي أصل المسألة فقال:
ومَنْ روى عن ثقةٍ فكذَّبَهْ ... فقد تعارضا ولكنْ كذَّبهْ
لا تثبتنّ بقولِ شيخهِ فقدْ ... كذَّبهُ الآخرُ وارددْ ما جحدَ
وإن يردُّهُ بلا اذكروا ... ما يقتضي نسيانه فقدْ رأوا
الحكم للذاكرِ عندَ المعظم ... وحكى الإسقاط عندَ بعضهِم
كقصةِ الشاهدِ واليمين إذْ ... نسيَهُ سهيلٌ الذي أَخَذْ
عنه فكانَ بعدُ عنْ ربيعهْ ... عن نفسهِ يرويهِ لنْ يضيعهْ
والشافعيّ نهى ابنَ عبدِ الحكمِ ... يروي عن الحيِّ لخوفِ التُّهمِ
رجاله خمسة:
مرّ منهم أبو معبد في الذي قبله، وفيه ذكر محل عمرو بن دينار وابن عباس، ومرّ علي بن المديني في الرابع عشر من العلم، ومرّ سفيان بن عيينة في الأول من بدء الوحي.
стр. 4416
الحديث العاشر والمئة
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ" جَاءَ الْفُقَرَاءُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا" ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ مِنَ الأَمْوَالِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلاَ وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَلَهُمْ فَضْلٌ مِنْ أَمْوَالٍ يَحُجُّونَ بِهَا، وَيَعْتَمِرُونَ، وَيُجَاهِدُونَ، وَيَتَصَدَّقُونَ قَالَ: أَلاَ أُحَدِّثُكُمْ بِأَمْرٍ إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ أَدْرَكْتُمْ مَنْ سَبَقَكُمْ وَلَمْ يُدْرِكْكُمْ أَحَدٌ بَعْدَكُمْ، وَكُنْتُمْ خَيْرَ مَنْ أَنْتُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ، إِلاَّ مَنْ عَمِلَ مِثْلَهُ تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ، وَتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُلِّ صَلاَةٍ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ. فَاخْتَلَفْنَا بَيْنَنَا فَقَالَ بَعْضُنَا: نُسَبِّحُ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ، وَنَحْمَدُ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ، وَنُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلاَثِينَ. فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ: تَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، حَتَّى يَكُونَ مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ.
قوله: "جاء الفقراء" سمّي في رواية محمد بن أبي عائشة عن أبي هريرة أبو ذر الغفاري أخرجه أبو داود وجعفر الفريابي في كتاب "الذكر" له عن أبي ذرٍ نفسه، وسمي منهم أبو الدرداء عند النَّسائيّ وغيره من طرق عنه ولمسلم من رواية سهل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أنهم قالوا: "يا رسول الله" فذكر الحديث، والظاهر أن أبا هريرة منهم وفي رواية النَّسائيّ عن زيد بن ثابت قال: "أمرنا أن نسبّح" الحديث كما سيأتي لفظه. وهذا يمكن أن يقال فيه إن زيد بن ثابت كان منهم ولا يعارضه قوله في رواية ابن عجلان عن سمي عند مسلم "جاء فقراء المهاجرين" لكن زيد بن ثابت أنصاري من الأنصار لاحتمال التغليب، والمذكورون قد مرّوا مرَّ أبو ذرٍّ الغفاري في الثالث والعشرين من الإِيمان, ومرّ أبو الدرداء في باب "مَنْ حمل معه الماء لطهوره"، ومرّ أبو هريرة في الثاني من الإِيمان، ومرّ زيد بن ثابت في تعليق بعد الثاني والعشرين من كتاب الصلاة.
وقوله: "الدُثور" بضم المهملة والمثلثة جمع دَثْر بفتح ثم سكون وهو المال العظيم، ومن في قوله من الأموال للبيان وعند الخطابي: "ذهب أهل الدور من الأموال". وقال كذا وقع الدور جمع دار والصواب الدثور. وذكر صاحب "المطالع" من رواية أبي زيد المروزي أيضًا الدور.
وقوله: "بالدرجات العُلا بضم العين جمع العلياء تأنيث الأعلى يحتمل أن تكون حسيّة، والمراد درجات الجنات أو معنوية والمراد علو القدر عند الله تعالى. قلت: المعنوية لازمة عليها الحسيّة.
стр. 4417
وقوله: "والنعيم المقيم" وصفه بالإِقامة إشارة إلى ضده وهو النعيم العاجل، فإنه قلَّ ما يصفو وإن صفا فهو بصدد الزوال. وفي رواية محمد بن أبي عائشة المذكورة: "ذهب أصحاب الدثور بالأجور" وكذا لمسلم عن أبي ذرٍّ، وزاد المصنف في "الدعوات" من رواية ورقاء عن سمي قال: كيف ذلك؟ ونحوه لمسلم من رواية ابن عجلان عن سمي. وقوله: "ويصومون كما نصوم" زاد في حديث أبي الدرداء المذكور "ويذكرون كما نذكر"، وللبزار عن ابن عمر "صدقوا تصديقنا وآمنوا إيماننا".
وقوله: "ولهم فضل أموال" كذا للأكثر بالإضافة وفي رواية الأصيلي "فضل الأموال" وللكشميهنيّ "فضل من أموال". وقوله: "ويحجون" أي: ولا نحج يشكل عليه ما في رواية جعفر الفريابي عن أبي الدرداء: "ويحجون كما نحج". ونظيره ما وقع هنا "ويجاهدون وفي الدعوات" من رواية ورقاء عن سمي: "وجاهدوا كما جاهدنا" لكن الجواب عن هذا الثاني ظاهر وهو التفرقة بين الجهاد الماضي، فهو الذي اشتركوا فيه وبين الجهاد المتوقع، فهو الذي تقدر عليه أصحاب الأموال غالبًا ويمكن أن يقال مثله في الحج، ويحتمل أن يقرأ "يُحجون" بها بضم أوله من الرباعي أي يعينون غيرهم على الحج بالمال.
وقوله: "ويتصدقون" عند مسلم من رواية ابن عجلان عن سمي: "يتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق". وقوله: فقال ألا أحدثكم بما إن أخذتم به" في رواية الأصيلي بأمر "إن أخذتم به"، وكذا للإسماعيلي. وسقط قوله بما من أكثر الروايات وكذا قوله به، وقد فسر الساقط في الرواية الأخرى. وفي رواية مسلم: "أفلا أعلمكم شيئًا"، وفي رواية أبي داود فقال: "يا أبا ذر ألا أعلمك كلماتٍ تقولُهنَّ".
وقوله: "أدركتم من سبقكم" أي: من أهل الأموال الذين امتازوا عليكم بالصدقة، والسبقية هنا تحتمل أن تكون معنوية وأن تكون حسيّة. قال الشيخ تقي الدين والأول أقرب، قلت: قد مرّ أن المعنوية تستلزم الحسيّة، وسقط قوله من سبقكم من رواية الأصيلي. وقوله: "وكنتم خير من أنتم بين ظهرانَيهم" بفتح النون وسكون التحتانية، وفي رواية كريمة وأبي الوقت ظهرانيه بالإفراد وكذا للإسماعيلي. وعند مسلم "ولا يكون أحد أفضل منكم" قيل ظاهره يخالف ما سبق لأن الإِدراك ظاهره المساواة، وهذا ظاهره الأفضلية. قلت: هذا اللفظ لا يقتضي الأفضلية تعيينًا، بل يحتمل المساواة والأفضلية وأجاب بعضهم بأن الإدراك لا يلزم منه المساواة، فقد يدرك ثم يفوق، وعلى هذا، فالتقرب بهذا الذكر راجح على التقرب بالمال ويحتمل أن يقال الضمير في كنتم للمجموع من السابق والمدرك، وكذا قوله: "إلا من عمل مثل عملكم" أي: من الفقراء فقال الذكر أو من الأغنياء فتصدق، أو أن الخطاب للفقراء خاصة لكن يشاركهم الأغنياء في الخيرية المذكورة، فيكون كل من الصنفين خيرًا ممن لا يتقرب بذكر ولا صدقة، ويشهد له قوله في حديث ابن عمر عند البزار أدركتم مثل فضلهم. ولمسلم عن أبي ذرٍّ: "أوليس قد جعلَ لكم ما تتصدقون أنّ بكلِّ تسبيحةٍ
стр. 4418
صدقة، وبكلِّ تكبيرةٍ صدقة" الحديث واستشكل تساوي فضل هذا الذكر بفضل التقرب بالمال مع شدة المشقة فيه. وأجيب بأنه لا يلزم أن يكون الثواب على قدر المشقة في كل حالة واستدل لذلك بفضل كلمة الشهادة مع سهولتها على كثير من العبادات الشاقة.
وقوله: "تسبّحون وتحمّدون وتكبّرون" كذا وقع في أكثر الروايات تقديم التسبيح على التحميد وتأخير التكبير، وفي رواية ابن عجلان تقديم التكبير على التحميد خاصة، وفيه أيضًا قول أبي صالح يقول: "الله أكبر وسبحانَ اللهِ والحمدُ للهِ"، ومثله لأبي داود من حديث أُم الحكم. وله من حديث أبي هريرة "تكبّر وتحمّد وتسبّح" وكذا في حديث ابن عمر وهذا الاختلاف دال على أن لا ترتيب فيها، ويستأنس لذلك بقوله في حديثه: "الباقياتُ الصالحاتُ لا يضرّكَ بأيهِنَّ بدأتَ" لكن يمكن أن يقال الأولى البداءة بالتسبيح؛ لأنه يتضمن نفي النقائص عن الباري ثم التحميد؛ لأنه يتضمن إثبات الكمال له إذ لا يلزم من نفي النقائص إثبات الكمال، ثم التكبير إذ لا يلزم من نفي النقائص وإثبات الكمال أن لا يكون هناك كبير آخر، ثم يختم بالتهليل الدال على انفراده بجميع ذلك.
وقوله: "خلف كل صلاة" هذه الرواية مفسرة للرواية التي عند المصنف في الدعوات وهي قوله: "دُبُر كل صلاة" ولجعفر الفريابي عن أبي ذرٍّ "إثر كل صلاة" ورواية "دبر" بضمتين قال الأزهري: "دُبُر الأمر" بضمتين، و"دَبْره" بفتح ثم سكون، وادعى أبو عمرو الزاهد أنه لا يقال بالضم إلا للجارحة، ورد بمثل قولهم أعتق غلامه عن دُبُر.
وقوله: "كل صلاة" يشمل الفرض والنفل لكن حمله أكثر العلماء على الفرض، وقد وقع في حديث كعب بن عجرة عند مسلم التقييد بالمكتوبة وكأنهم حملوا المطلقات عليها، وعلى هذا فهل يكون التشاغل بعد المكتوبة بالراتبة بعدها فصلًا بين المكتوبة والذكر أو لا؟ محل اختلاف بين العلماء فمقتضى الحديث أن الذكر المذكور يكون عند الفراغ من الصلاة، فلو تأخر ذلك عن الفراغ فإن كان يسيرًا بحيث لا يعد معرضًا أو كان ناسيًا أو متشاغلًا بما ورد أيضًا بعد الصلاة كآية الكرسي، فلا يضر. وتقديم الذكر المأثور قبل النافلة هو الذي عليه الجمهور.
وعند الحنفية يبدأ بالتطوع ويكره عندهم تأخيره عن أداء الفريضة فيتقدم أو يتأخر أو ينحرف يمينًا أو شمالًا، وعن الحلواني من الحنفية جواز تأخير السنن بعد المكتوبة والنص: أن التأخير مكروه، وحجة الجمهور في تقديمه تقييده في الأخبار الصحيحة بدُبُر الصلاة، وزعم بعض الحنابلة أن المراد بدُبُر الصلاة ما قبل السلام، وتعقب بحديث: "ذهب أهل الدثور" فإن فيه تسبّحون دبر كل صلاة وهو بعد السلام جزمًا فكذلك ما شابهه. واستدلوا أيضًا بما أخرجه مسلم عن السائب بن يزيد: "أنه صلَّى مع معاويةَ الجمعةَ فتنفَّلَ بعدها، فقال له معاويةُ: إذا صلَّيتَ الجمعةَ فلا تصلْها بصلاة حتى تتكلم أو تخرجَ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ أمرنا بذلكَ أنْ لا نوصل صلاة حتى نتكلَم أو نخرج". وقال البعض يمكن أن يقال لا يتعيّن الفصل بين الفريضة والنافلة بالذَّكر، بل إذا تنحى من
стр. 4419
مكانه كفى، فإن قيل لم يثبت الحديث في التنحي قلنا قد ثبت في حديث معاوية أو تخرج ونصت المالكية على أنه يكره للمصلي إمامًا أو مأمومًا أو منفردًا القيام للنافلة بعد السلام من غير فصل بالمعقبات وآية الكرسي. واحتجوا بما ورد: "أن رجلًا قامَ يتنفلُ بعدَ الفريضةِ غيرَ فصلٍ فَأمسكَ عمرَ بيدهِ وجذبَهُ بالأرض، وقالَ لهُ: ما أهْلَكَ مَنْ كان قبلَكُم مِنَ الأُمم إلا أنهُم كانوا لا يفصلُونَ بين الفرضِ والنفلِ، فقاَل له النَّبيُّ ﷺ : أصبتَ يا عمرُ، أصابَ اللهُ بك".
وقوله: "ثلاثًا وثلاثين" يحتمل أن يكون المجموع للجميع، فإذا وزع كان بكل واحد إحدى عشرة، وهو الذي فهمه سهيل بن أبي صالح كما رواه مسلم عنه، لكنه لم يتابع على ذلك وليس في شيء من الطرق التصريح بإحدى عشرة إلا في حديث ابن عمر عند البزار وإسناده ضعيف، والأظهر أن المراد أن المجموع لكل فرد فرد، فعلى هذا ففيه تنازع ثلاثة أفعال في ظرف وهو خلف ومفعول مطلق، وهو ثلاثًا وثلاثين والتقدير (تسبّحون خلف كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وتحمّدون كذلك، وتكبّرون كذلك).
وقوله: "فاختلفنا بيننا" ظاهره أن أبا هريرة هو القائل. وكذا قوله: "فرجعت إليه" وأن الذي رجع أبو هريرة إليه هو النبي ﷺ وعلى هذا، فالخلاف واقع بين الصحابة لكن بين مسلم عن سمي أن القائل فاختلفنا هو سمي وأنه هو الذي رجع إلى أبي صالح، وأن الذي خالفه بعض أهله ولفظه قال سمي: فحدثت بعض أهلي هذا الحديث فقال: وهمت. فذكر كلامه قال: فرجعت إلى أبي صالح لكن مسلم لم يوصل هذه الزيادة، وتبين بهذا أن في حديث عبيد الله بن عمر عن سمي في حديث الباب إدراجًا. ورواه ابن حِبّان عن معتمر بن سليمان بالإسناد المذكور، فلم يذكر قوله: "فاختلفنا" إلخ.
وقوله: "ونكبّر أربعًا وثلاثين" هذا قول بعض أهل سمي كما مرّ التنبيه عليه من رواية مسلم. وقد تقدم احتمال كونه من كلام بعض الصحابة، وقد جاء مثله في حديث أبي الدرداء عند النَّسائيّ وكذا عنده من حديث ابن عمر بسند قوي، ومثله لمسلم عن كعب بن عجرة، ونحوه لابن ماجه عن أبي ذرٍّ، لكن شك بعض رواته في أنهنّ أربع وثلاثون، ويخالف هذا ما عند أبي داود من رواية محمد بن أبي عائشة عن أبي هريرة ففيه: "وتختم المائةَ بلا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ" إلخ. وكذا لمسلم في رواية عطاء بن يزيد عن أبي هريرة، ومثله لأبي داود عن أُم الحكم ولجعفر الفريابي في حديث أبي ذرٍّ. قال النووي: ينبغي أن يجمع بين الروايتين بأن يكبّر أربعًا وثلاثين ويقول معها: "لا إله إلا الله وحده" إلخ. وقال غيره بل يجمع بأن يختم مرة بزيادة تكبيرة ومرة بزيادة لا إله إلا الله على وفق ما وردت به الأحاديث.
وقوله: "حتى يكون منهنّ كلهنّ" بكسر اللام تأكيد للضمير المجرور. وقوله: "ثلاث وثلاثون" بالرفع وهو اسم كان. وفي رواية كريمة والأصيلي وأبي الوقت ثلاثًا وثلاثين وتوجه بأن اسم كان محذوف والتقدير: (حتى يكون العدد منهنّ كلهنّ ثلاثًا وثلاثين). وفي قوله: "منهنّ كلهنّ"
стр. 4420
الاحتمال السابق هل العدد للجميع والمجموع. وفي رواية ابن عجلان ظاهرها أن العدد للجميع، لكن يقول ذلك مجموعًا وهذا اختيار أبي صالح، لكن الرواية الثانية عن غيره الإفراد قال عياض: وهو أولى، ورجح بعضهم الجمع للإتيان فيه بواو العطف، والذي يظهر أن كلًا من الأمرين حسن إلا أن الإفراد يتميز بأمر آخر وهو أن الذاكر يحتاج إلى العدد، وله على كل حركة لذلك سواء كان بأصابعه أو بغيرها ثواب لا يحصل لصاحب الجمع منه إلا الثلث. وفي رواية ورقاء عن سمي عند المصنف في "الدعوات" في هذا الحديث: "تسبّحون عشرًا وتحمدون عشرًا وتكبّرون عشرًا" وليس في شيء من طرق حديث أبي هريرة من تابع ورقاء على ذلك لا عن سمي ولا عن غيره، ويحتمل أن يكون تأول ما تأول سهيل من التوزيع، ثم ألغى الكسر ويعكر عليه أن السياق صريح في كونه كلام النبي ﷺ ولرواية العشر شواهد منها عن علي عند أحمد وعن سعد بن أبي وقاص عند النَّسائيّ، وعن عبد الله بن عمرو عنده، وعند أبي داود والترمذِيّ، وعن أُم سلمة عند البزار، وعن أُم مالك الأنصارية عند الطبراني.
ويجمع بين هذا الاختلاف باحتمال أن يكون ذلك صدر في أوقات متعددة أولها عشرًا عشرًا، ثم إحدى عشرةَ إحدى عشرةَ، ثم ثلاثًا وثلاثين، ثلاثًا وثلاثين، ويحتمل أن يكون ذلك على سبيل التخيير أو يفترق بافتراق الأحوال. وقد جاء عن زيد بن ثابت وابن عمر أنه "﵊ أمرهم أن يقولوا كلَّ ذِكرٍ منها خمسًا وعشرينَ، ويزيدوا فيها لا إلهَ إلاَّ اللهُ خمسًا وعشرينَ". ولفظ زيد بن ثابت "أُمرنا أن نسبِّحَ في دُبُر كلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثينَ ونحمدَ ثلاثًا وثلاثينَ ونكبِّرَ أربعًا وثلاثينَ، فأتي رجلٌ في المنام فقيلَ لهُ أَمرَكم محمدٌ أنْ تسبِّحُوا فذكرهُ قال: نعم، قال: اجعلُوها خمسًا وعشرينَ، واجعلوا فيها التهليلَ، فلّما أَصبحَ أتى النَّبيَّ ﷺ وأخبَرهُ. فقال: فافعلُوه". أخرجه النَّسائي وابن خزيمة وابن حِبّان. ولفظ ابن عمر: "رأى رجلٌ منَ الأنصارِ فيما يرى النائمُ فذكَر نحوَهُ، وفيه فقيل له: سبِّحْ خمسًا وعشرينَ، واحمدْ خمسًا وعشرينَ وكبِّرْ خمسًا وعشرينَ وهللْ خمسًا وعشرينَ فتلكَ مائةٌ فأمرهمُ النَّبيُّ ﷺ أن يفعلوا كما قال" أخرجه النَّسائيّ وجعفر الفريابي. واستنبط من هذا أن مراعاة العدد المخصوص في الأذكار معتبرة، وإلا لكان يمكن أن يقال لهم أضيفوا لها التهليل ثلاثًا وثلاثين. وقد كان بعض العلماء يقول: إن الأعداد الواردة كالذِكر عقب الصلواتِ إذا رتب عليها ثواب مخصوص، فزاد الآتي بها على العدد المذكور لا يحصل له ذلك الثواب المخصوص لاحتمال أن يكون لتلك الأعداد حكمة وخاصية تفوت بمجاوزة ذلك العدد.
قال الحافظ زين الدين العراقي: وفيه نظر؛ لأنه أتى بالمقدار الذي رتب الثواب على الإتيان به، فحصل له الثواب بذلك، فإذا زاد عليه من جنسه كيف تكون الزيادة مزيلة لذلك الثواب بعد حصوله؟ ويمكن أن يفترق الحال فيه بالنية، فإن نوى عند الانتهاء إليه امتثال الأمر الوارد ثم أتى بالزيادة فالأمر كما قال العراقي، وإن زاد بغير نية بأن يكون الثواب رتب على عشرة مثلًا، فرتبه هو على مائة مثلًا فيتجه القول الماضي. وقد قال العراقي في "القواعد" من البِدع المكروهة الزيادة في
стр. 4421
المندوبات المحدودة شرعًا؛ لأن شأن العظماء إذا حدوا شيئًا أن يوقف عنده، ويعد الخارج عنه مسيئًا للأدب. وقد مثله بعض العلماء بالدواء يكون مثلًا فيه أوقية سكر، فلو زيد فيه أوقية أخرى لتخلف الانتفاع به، ولو اقتصر على الأوقية في الدواء ثم استعمل من السكر بعد ذلك ما شاء لم يتخلف الانتفاع، ويؤيد ذلك أن الأذكار المتغايرة إذا ورد لكل منها عدد مخصوص مع طلب الإِتيان بجميعها متوالية لم تحسن الزيادة على العدد المخصوص لما في ذلك من قطع الموالاة لاحتمال أن يكون للموالاة في ذلك حِكمة خاصة تفوت بفواتها. وعند الطبراني في "الكبير" من حديث زميل الجهني قال: "كانَ رسولُ اللهِ ﷺ إذا صلَّى الصبحَ قال وهو ثانٍ رجليهِ: سبحانَ اللهِ وبحمدِهِ، وأستغفرُ الله إنَّه كان توابًا سبعينَ مرةً، ثم يقولُ سبعينَ سبعمائةٍ" الحديث. وعند النَّسائيّ في اليوم والليلة عن أبي هريرة مرفوعًا: "مَنْ سبَّحَ دُبُرَ كلِّ صلاةٍ مكتوبة مائةً، وكبَّر مائةً، وحمدَ مائةً غُفرتْ ذنوبُهُ وإنْ كانت أكثرَ مِنْ زَبَدِ البحر". وقد زاد مسلم في رواية ابن عجلان عن سمي قال أبو صالح: "فرجعَ فقراءُ المهاجرينَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقالوا: سمعَ إخوانُنا أهلُ الأموالِ بما فعلنا فقالوا مثلَهُ فقال رسولُ اللهِ ﷺ ذلك فضلُ اللهِ يؤتيهِ مَنْ يشاءُ". وهذه الزيادة مدرجة من كلام سهيل فهي مرسلة، وقد رواها جعفر الفريابي عن حرام بن حكيم عن أبي ذرٍّ، ونقل الخطيب أن حرام بن حكيم يرسل الرواية فلم يصح بهذه الرواية إسناد إلا أن هذه الطريق وطريقة البزار عن ابن عمر الضعيفة يقوى بهما مرسل أبي صالح.
ومن فوائد هذا الحديث ما جرى بين العلماء من الخلاف في فضل الغني الشاكر والفقير الصابر أيهما أفضل، وهو بحث طويل وقد استوفينا الكلام عليه غاية الاستيفاء عند حديث ابن مسعود "لا حسد إلا في اثنتين" في باب (الاغتباط في العلم والحكمة) من كتاب "العلم" وفيه أن العالم إذا سئل عن مسألة يقع فيها الخلاف أن يجيب بما يلحق به المفضول درجة الفاضل، ولا يجيب بنفس الفاضل لئلا يقع الخلاف. كذا قال ابن بطال وكأنه أخذه من كونه ﷺ أجاب بقوله: "ألا أدلُّكم على أمرٍ تساوونهم فيهِ" وعدل عن قوله: "نعم هم أفضلُ منكم بذلك" وفيه التوسعة في الغبطة، وقد مرّ تفسيرها والفرق بينها وبين الحسد المذموم في الباب المذكور آنفًا من كتاب "العلم" وفيه المسابقة إلى الأعمال المحصلة للدرجات العالية لمبادرة الأغنياء إلى العمل بما بلغهمِ، ولم ينكر عليهم ﷺ فيؤخذ منه أن قوله: "إلا مَنْ عمل" عامٌّ للفقراء والأغنياء خلافًا لمن أوّله بغير ذلك، وفيه أن العمل السهل قد يدرك به صاحبه فضل العمل الشاق، وفيه فضل الذِّكر عقب الصلوات. واستدل به البخاري على فضل الدعاء عقيب الصلاة كما يأتي في "الدعوات"؛ لأنه في معناها ولأنها أوقات فاضلة يرتجى فيها إجابة الدعاء، وفيه أن العمل القاصر قد يساوي المتعدي خلافًا لمن قال إن المتعدي أفضل مطلقًا.
رجاله ستة:
قد مرّوا، مرّ محمد بن أبي بكر المقدمي في الرابع والثمانين من أحاديث استقبال القبلة، ومرّ
стр. 4422
معتمر بن سليمان في التاسع والستين من "العلم"، ومرّ عبيد الله العمري في الرابع عشر من الوضوء, ومرّ سمي في التاسع عشر من الأذان, ومرّ أبو صالح وأبو هريرة في الثاني من الإِيمان.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، والأولان من رجاله بصريان والبقية مدنيون. أخرجه مسلم في "الصلاة" والنَّسائيّ في "اليوم والليلة".
стр. 4423
الحديث الحادي عشر والمئة
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ وَرَّادٍ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: أَمْلَى عَلَيَّ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فِي كِتَابٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ.
قوله: "عن وراد" عند الإسماعيلي من رواية سليمان بن المعتمر حدّثنا ورّاد. وقوله: "في كتاب إلى معاوية" كان المغيرة إذ ذاك أميرًا على الكوفة من قِبل معاوية ويأتي في "الدعوات" عن ورّاد بيان السبب في ذلك، وهو أن معاوية كتب إليه: اكتب إليَّ حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ . وفي "القدر" عن وراد قال: كتب معاوية إلى المغيرة اكتب إليَّ ما سمعت النبي ﷺ يقول خلف الصلاة، وقد قيّدها في رواته الباب بالمكتوبة، وكأن المغيرة فهم ذلك من قرينة في السؤال، واستدل به على العمل بالمكاتبة وأجرائها مجرى السماع في الرواية ولو لم تقترن بالإجازة، وعلى الاعتماد على خبر الشخص الواحد. وقيل إن معاوية كان قد سمع الحديث المذكور وإنما أراد استثبات المغيرة، واحتج القائل بما في "الموطأ" أن معاوية كان يقول على المنبر: "أيّها الناسُ إنه لا مانعَ لما أعطى الله، ولا معطيَ لما منعَ الله، ولا ينفعُ ذا الجدِّ منه الجدُّ، من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يفقهْهُ في الدينِ، ثم يقول سمعتهُ مِنْ رسولِ اللهِ ﷺ على هذه الأعواد".
وقوله: "في دُبُر كلِّ صلاة" بضمتين وبسكون الباء الموحدة أي: عُقْب كلّ صلاة. وقوله: "لا إله إلا الله" بالرفع على الخبرية (للا) أو على البدل من الضمير المستتر في الخبر، أو من اسم (لا) باعتبار محله قبل دخولها، أو أن (إلا) بمعنى غير (أي لا إله غير الله في الوجود)؛ لأنا لو حملنا (إلا) على الاستثناء لم تكن الكلمة توحيدًا محضًا. قلت: لم يظهر لي معنى لم تكن توحيدًا محضًا، وعورض ما ذكر بأنه على تأويل (إلا) بغير يصير المعنى نفي إله مغاير له، ولا يلزم من نفي مغاير الشيء إثباته هو، فيعود الإشكال. وأجيب بأن إثبات الإله كان متفقًا عليه بين العقلاء إلا أنهم كانوا يثبتون الشركاء والأنداد، فكان المقصود بهذه الكلمة نفي ذلك وإثبات الإِله من لوازم المعقول. سلّمنا أن لا إله دلّت على نفي سائر الآلهة وعلى إثبات الإِلهية لله تعالى إلا أنها بوضع الشرع لا بمفهوم أصل اللغة. وقد يجوز النصب على الاستثناء أو الصفة لاسم (لا) إذا كانت بمعنى غير،
стр. 4424
لكن المسموع الرفع. قال البيضاوي في آية: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ﴾ أي: غير الله وصف بإلا لما تعذر الاستثناء لعدم شمول ما قبلها لما بعدها، ودلالة على ملازمة الفساد لكون الآلهة فيهما دونه، والمراد ملازمته لكونها مطلقًا أو معه حملًا لها على غير كما استثنى بغير حملًا لها عليها. ولا يجوز الرفع على البدل لأنه متفرغ على الاستثناء ومشروط بأن يكون في كلام غير موجب، ثم اعلم أنه لا خلاف أن في قولك قام القوم إلا زيدًا مخرجًا ومخرجًا منه، وأن المخرج ما بعد (إلا) والمخرج منه ما قبلها, ولكن قبل (إلا) شيئان: القيام، والحكم به. والقاعدة أن ما خرج من نقيض دخل في النقيض الآخر، واختلفوا هل زيد مخرج من القيام أو من الحكم به، والذي عليه محققو النحاة والفقهاء أنه مخرج من القيام فيدخل في عدم القيام، فهو غير قائم. وقيل هو مخرج من الحكم بالقيام فيدخل في عدم الحكم، فهو غير محكوم عليه وهو قول قوم من الكوفيين ووافقهم الحنفية. فعند غير الحنفية أن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإِثبات نفي، وعندهم أن المستثنى غير محكوم عليه بشيء، ومن حجج الجمهور الاتفاق على حصول التوحيد بقول (لا إله إلاَّ الله) وذلك إنما يتمشى على القول بأن المستثنى محكوم عليه لا على قولهم إنه مسكوت عنه.
واحتج الحنفية بحديث: "لا نكاحَ إلاَّ بولي، ولا صلاةَ إلا بطهورٍ"، فإنه لا يجب تحقق الصلاة عند الطهور لتوقفه على شرائط أخر. وأورد عليه أنه على هذا التقدير لا تكون كلمة التوحيد توحيدًا تامًا؛ لأنه يكون المراد منها نفي الألوهية عن غير الله تعالى، ولا يلزم منه إثبات الألوهية له تعالى، وهذا ليس بتوحيد. وأجابوا عن هذا بما مرّ من أن إثبات الإله كان متفقًا عليه إلخ. وقد مرّ بعض مباحث (لا إله إلاّ الله) في أول كتاب "الإِيمان" عند حديث: "بُنيَ الإِسلامُ على خمسٍ: شهادةِ أنْ لا إِلهَ إِلاّ اللهُ".
وقوله: "وحده" منصوب على الحال أي: (لا إلَه منفردًا). وقوله: "لا شريك له" تأكيد لقوله وحده؛ لأن المتصف بالوحدانية لا شريك له، وكونه لا شريك له ثابت عقلًا ونقلًا: أما عقلًا فلأن وجود إلهين محال إذ لو فرضنا وجودهما لكان كل واحد منهما قادرًا على كل المقدورات، فلو فرضنا أن أحدهما أراد تحريك زيد والآخر تسكينه فإما أن يقع المرادان وهو محال لاستحالة الجمع بين الضدين، أو لا يقع واحد منهما وهو محال؛ لأن المانع من وجود مراد كل واحد منهما حصول مراد الآخر، ولا يمتنع وجود مراد هذا إلا عند وجود مراد الآخر أو بالعكس، فلو لم تنفذ الإِرادتان لزم وجود الفعل بهما وعدم وجوده بهما، وبيان ذلك أن إحدى الإِرادتين إذا لم تنفذ فلم يوجد الفعل بها وجد بالأخرى إذ لا وجود له إلا بأحدهما، لكن الأخرى لم تنفذ أيضًا فيلزم نفوذ الأولى إذ لا مانع لها فيوجد بها، فقد لزم وجود الفعل بهما وعدم وجوده بهما. وأما نقلًا، فلقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ هو الأول والأخر، والأول هو الفرد السابق وذلك يقتضي أن لا شريك له، وبسط هذا الدليل محله كتب التوحيد.
وقوله: "له المُلك" المُلك بضم الميم يعم وبكسرها يخص؛ فلأجل ذلك قيل الملك بكسر
стр. 4425
اللام من الملك بالضم، والمالك من الملك بالكسر وقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قرىء بكسر اللام ويمد الميم واختلف أي القرائتين أبلغ قيل: (مَلِك) أعم وأبلغ من (مالك) إذ كل (مَلِك) (مالك) ولا عكس؛ ولأن أمر (المُلْك) نافذ على (المالك) في ملكه حتى لا يتصرف (المالك) إلا عن تدبير (المَلِك). وقيل المالك أبلغ؛ لأنه يقال مالك الدار ومالك الدابة، ولا يقال (مَلِك) إلا لملك من الملوك، ولما فيها من زيادة البناء. وقال قطرب: الفرق بينهما أن ملكًا من الملوك، وأما مالك فهو مالك الملوك. وقد فُسر الملك في القرآن بمعان مختلفة، والمعنى هاهنا له جميع أصناف المخلوقات.
وقوله: "وله الحمد" أي: جميع حمد أهل السموات والأرض، وجميع أصناف المحامد التي بالأعيان والأعراض بناء على أن الألف واللام لاستغراق الجنس، ولما كان الله تعالى مالك المُلك كله استحق أن يكون جميع المحامد له دون غيره، فلا يُحمد غيره. وأما قولهم: حمدت فلانًا على صنيعه أو الجوهرة على صفائها، فذلك حمد للخالق في الحقيقة؛ لأن حمد المخلوق على فعل أو صفة حمد لخالقه الموجد لذلك.
وقوله: "وهو على كلّ شيء قدير" من باب التتميم والتكميل؛ لأن الله تعالى لما كانت الوحدانية له والمُلك له، والحمد له، فبالضرورة يكون قادرًا على كلّ شيء وذكره يكون للتتميم والتكميل. والقدير اسم من أسماء الله تعالى، كالقادر والمقتدر وله القدرة الكاملة الباهرة. زاد الطبري عن المغيرة: "يحيي ويميتُ وهو حيٌّ لا يموتُ، بيدهِ الخيرُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ" ورواته موثقون. وثبت عند البزار عن عبد الرحمن بن عوف بسند ضعيف لكن في القول إذا أصبح وإذا أمسى وأخرجه التِّرمِذِيّ عن عمر رفعه: "من قال حينَ يدخلُ السوقَ لا إِله إلاَّ الله بتمامه" وفي سنده لين.
وقوله: "اللَّهمَّ لا مانعَ لما أَعطيتَ" أي: للذي أعطيته. وقوله: "ولا معطيَ لما منعتَ" أي: للذي منعته. وفي مسند عبد بن حميد من رواية معمر عن عبد الملك بن عمير بهذا الإسناد زيادة: "ولا رادَ لما قضيتَ" لكن حُذف.
قوله: "ولا معطيَ لما منعتَ" ووقع عند الطبراني تامًا من وجه آخر، وعند أحمد والنَّسائيّ وابن خزيمة عن عبد الملك بن عمير بالإِسناد المذكور أنه كان يقول الذكر المذكور أو ثلاث مرات، وقد أجاز البغداديون ترك تنوين الاسم المطول فأجازوا (لا طالع جبلًا) أجروه في ذلك مجرى المضاف كما أجري مجراه في الإعراب. قال ابن هشام: وعلى ذلك يتخرج الحديث. قال الدماميني: بل يتخرج الحديث على قول البصريين أيضًا بأن يجعل مانع اسم (لا) مفردًا مبينًا معها، إما لتركيبه معها تركيب خمسة عشر, وإما لتضمنه معنى (من) الاستغراقية على الخلاف المعروف في المسألة والخبر محذوف أي: (لا مانع مانع لما أعطيت) واللام للتقوية. ذلك أن تقول تتعلق، ولك أن تقول لا تتعلق. وكذا القول في "ولا معطي لما منعت" وجوز الحذف ذكر مثل المحذوف وحسنه دفع
стр. 4426
التكرار، فظهر بذلك أن التنوين على رأي البصريين ممتنع، ولعل السر في العدول عن تنوينه، إرادة التنصيص على الاستغراق ومع التنوين يكون الاستغراق ظاهرًا لا نصًا، فإن قيل إذا نون الاسم كان مطولًا ولا عاملة، وقد تقرر أنها عند العمل ناصة على الاستغراق. أجيب بأن بعضهم خص الاستغراق بحالة البناء من جهة تضمن معنى (من) الاستغراقية، ولو سلم ما قيل لم يتعين عملها في هذا الاسم المنصوب حتى يكون النصب على الاستغراق حاصلًا لاحتمال أن يكون بفعل محذوف، أي: لا نجد ولا نرى مانعًا ولا معطيًا فعدل إلى البناء لسلامته من هذا الاحتمال.
وقوله: "ولا ينفع ذا الجَدَّ منك الجَدُّ" أي: بفتح الجيم فيهما الغنى أي: لا ينفع ذا الغنى عندك غناه إنما ينفعه العمل الصالح وعلى هذا تكون (من) في قوله منك بمعنى عند. وقيل بمعنى بدل كما في قوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ أي: بدل الآخرة وكقول الشاعر:
فليتَ لنا مِنْ ماءِ زمزمَ شربةً ... مبردةً باتتْ على الطَّهَيانِ
والطهيان بحركات خشبة يبرَّد عليها الماء. وقال ابن التين ليست بمعنى عند ولا بدل بل هي كقولك: (ولا ينفعُكَ مني شيءٌ إنْ أنا أردتُكَ بسوءٍ) ومقتضى قوله: أنها بمعنى عند أو فيه حذف تقديره (من قضائي أو سطوتي أو عذابي) واختار في المغني الأول. قال ابن دقيق العيد: قوله "منك" تجب أن يتعلق بينفع وينبغي أن يضمن ينفع معنى يمنع وما قاربه، ولا يجوز أن يتعلق "منك" بالجد كما يقال (حظي منك كثير)؛ لأن ذلك نافع (والجد) مضبوط بالفتح في جميع الروايات. ومعناه الغنى والحظ، وحكى الراغب أن المراد به هنا أبو الأب أي: لا ينفع أحداً نسبه. ورواه أبو عمرو الشيباني بالكسر ومعناه: لا ينفع ذا الاجتهاد اجتهاده وأنكره الطبري. ووجه القزاز إنكاره بأن الاجتهاد في العمل نافع؛ لأن الله تعالى دعا الخلق إلى ذلك فكيف لا ينفع عنده؟ قال فيحتمل أن يكون المراد أنه لا ينفع الاجتهاد في طلب الدنيا وتضييع الآخرة. قلت: هذا الاحتمال بعيد جدًا؛ لأنه أوضح من أن ينفى. وقال غيره: لعل المراد أنه لا ينفع بمجرده ما لم يقارنه القبول وذلك لا يكون إلا بفضل الله ورحمته كما يأتي في "الرقاق" في باب: (القصد والمداومة على العمل) عند حديث: "لا يُدخلُ أحدًا منكم الجنَةَ عملُهُ". وقيل المراد على رواية الكسر السعي التام في الحرص أو الإِسراع في الهرب. قال النووي: المشهور الذي عليه الجمهور أنه بالفتح وهو الحظ في الدنيا بالمال أو الولد أو العظمة أو السلطان، والمعنى لا ينجيه حظه منك وإنما ينجيه فضلك ورحمتك، وفي الحديث استحباب هذا الذكر عقيب الصلوات لما اشتمل عليه من ألفاظ التوحيد ونسبة الأفعال إلى الله والمنع والإِعطاء وتمام القدرة، وفيه المبادرة إلى امتثال السُّنن وإشاعتها. وروى ابن خزيمة عن أبي بكرة: "أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يقولُ في دُبُرِ الصلوات: "اللَّهُمَّ إنِّي أعوذ بكَ مِنَ الكفرِ والفقرِ وعذاب القبرِ". وروى أيضًا عن عقبة بن عامر قال: "قال لي رسولُ الله ﷺ : "اقرأْ المعوذاتِ في دُبُرِ كلِّ صلاةٍ". وعند النَّسائيّ: "اقرأ بالمعوذتين". وعند ابن السني عن أبي أمامة: "مَنْ قرأ آية الكرسي، وقُلْ هو اللهُ أحدٌ دُبُرَ كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ لم يمنعه من دخولِ الجنَّةِ
стр. 4427
إلاَّ الموتُ". وفي كتاب "اليوم والليلة" لأبي نعيم الأصبهاني: "مَنْ قال حين ينصرفُ من صلاةِ الغداة قبلَ أن يتكلمَ: لا إلهَ إلاَّ الله وحدَهُ لا شريكَ لهُ، لهُ المُلكُ ولهُ الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٍ أُعطيَ سبعَ خصالٍ، وكُتبَ لهُ عشرُ حسناتٍ، ومُحي عنه عشرُ سيئاتٍ، ورفعَ له بهنَّ عشرُ درجاتٍ، وكُنَّ لهُ عدلُ عشر نسماتٍ، وكُنَّ له عصمةً مِنَ الشيطانِ وحِرْزًا من المكروهِ، ولا يلحقُهُ في يومِهِ ذلكَ ذنبٌ إلا الشرك باللهِ، ومَنْ قالهنَّ حين ينصرفُ من صلاةِ المغرب أُعطي مثلَ ذلكَ". وفي لفظ: "مَنْ قال بعدّ الفجر ثلاثَ مراتٍ أستغفرُ الله العظيمَ الذي لا إلهَ إلاَّ هَو وأتوب إليه كُفِّرتْ ذنوبُهُ وإن كانتْ مثلَ زَبَدِ البحَرِ".
وفي كتاب "عمل اليوم والليلة" لأبي نعيم أيضًا عن أبي أُمامة ما يفوتُ النَّبيَّ ﷺ في دُبر صلاةٍ مكتوبةٍ ولا تطوع إلا سمعتُهُ يقولُ: "اللَّهُمَّ اغفرْ لي خطاياي كلَّها، اللَّهُمَّ اهدني لصالح الأَعمالِ والأخلاقِ إنّه لا يهدي لصالِحها ولا يصرفُ سيئَها إلا أنت". وروى الثعلبي في تفسيره عن أنس بن مالك قال: "قال رسولُ اللهِ ﷺ : أوحى الله تعالى إلى موسى ﵊ مَنْ داومَ على قراءة الكرسي دُبُرَ كلِّ صلاة أَعطيتُهُ أجرَ المتقينَ وأعمالَ الصديقينَ".
رجاله خمسة:
وفيه ذكر معاوية، مرّ الجميع إلاَّ ورادًا، مرّ محمد بن يوسف الفريابي في العاشر من العلم، ومرّ الثوري في السابع والعشرين من الإِيمان, ومرّ المغيرة في الحادي والخمسين منه، ومرّ عبد الملك بن عمير في الحادي والثلاثين من أبواب الجماعة، ومرّ معاوية في الثالث عشر من العلم. وأما ورّاد بتشديد الراء فهو أبو سعيد الثقفي، ويقال أبو ورد الكوفي كاتب المغيرة ومولاه، ذكره ابن حِبّان في الثقات روى عن المغيرة، ووفد على معاوية وروى عنه عبد الملك بن عمير والشعبي ورجاء بن حَيْوة وعطاء بن السائب وغيرهم.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالعنعنة والقول، ورواته كوفيون ما عدا محمد بن يوسف فإنه فريابي أخرجه البخاري أيضًا في "الاعتصام" وفي "الرقاق" وفي "القدر" وفي "الدعوات". ومسلم في "الصلاة" وكذا أبو داود والنَّسائيّ. وأخرجه النَّسائيّ أيضًا في "اليوم والليلة". ثم قال: وقال شعبة عن عبد الملك بن عمير بهذا ولفظه عن عبد الملك بن عمير سمعت ورّادًا كاتب المغيرة بن شعبة أن المغيرة كتب إلى معاوية فذكره وفي قوله كتب يجوز لما تبين في رواية سفيان المذكورة أن الكاتب هو ورّاد لكنه كتب بأمر المغيرة وإملائه عليه. وعند مسلم كتب المغيرة إلى معاوية كتب ذلك الكتاب له ورّاد فجمع بين الحقيقة والمجاز، وهذا التعليق وصله السّراج في مسنده والطبراني في الدعاء وابن حِبّان وشعبة، ومرّ في الثالث من الإيمان وعبد الملك ذكر محله في الذي قبله. ثم قال: وقال الحسن: جد غنى الأولى في قراءة هذا الحرف أن يقرأ بالرفع بغير تنوين على الحكاية وهو
стр. 4428
مبتدأ وخبره غنى، ويظهر ذلك من لفظ الحسن في رواية سليمان التيمي عنه في قوله تعالى: ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾. قال غنى ربنا، وعادة البخاري إذا وقع في الحديث لفظة غريبة ووقع مثلها في القرآن يحكي قول أهل التفسير فيها، وهذا منها وفي رواية كريمة قال الحسن: الجد غنى، وسقط هذا الأثر من أكثر الروايات، وهذا الأثر وصله ابن أبي حاتم وعبد بن حميد والحسن مرّ في الرابع والعشرين من الإيمان.
ثم قال: وعن الحكم عن القاسم بن مخيمرة عن ورّاد بهذا وقع في رواية أبي ذرٍّ هذا التعليق عن الحكم مؤخرًا عن أثر الحسن، وفي رواية كريمة بالعكس وهو الأصوب؛ لأن قوله عن الحكم معطوف على قوله عن عبد الملك، فهو من رواية شعبة عن الحكم أيضًا ولفظه كلفظ عبد الملك السابق إلا أنه قال فيه كان إذا قضى صلاته وسلم قال فذكره ووقع نحو هذا التصريح لمسلم عن المسيب بن رافع عن ورّاد به، وهذا التعليق أخرجه السّراج والطبراني وابن حِبّان. وورّاد مرّ في الذي قبله والحكم بن عتيبة مرّ في الثامن والخمسين من العلم، والقاسم بن مُخَيمَرة بضم الميم الأولى وفتح الخاء المعجمة وفتح الميم الثانية الهمداني أبو عروة الكوفي سكن دمشق. ذكره ابن حِبّان في "الثقات" وقال: ما أحسبه سمع من أبي موسى وكان من خيار الناس ومن صالحي أهل الكوفة، انتقل منها إلى الشام مرابطًا. وقال ابن سعد: كان ثقة وله أحاديث. وقال ابن معين: ثقة ولم يسمع من أحد من الصحابة، وقال أبو حاتم: صدوق ثقة كوفي الأصل كان معلمًا بالكوفة، ثم سكن الشام. وقال إسماعيل بن أبي خالد: كنّا في كُتّابه وكان يعلمنا ولا يأخذ منا. وقال العجلي وابن خراش: ثقة. وقال الأوزاعي أتى القاسم بن مخيمرة عمر بن عبد العزيز ففرض له وأمر له بغلام، فقال: الحمد لله الذي أغناني عن التجارة. قال وكان له شريك كان إذا ربح قاسمه، ثم قعد في بيته فلا يخرج حتى يأكله. روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص وأبي سعيد الخدري وأبي أمامة وعلقمة بن قيس وورّاد كاتب المغيرة وغيرهم. وروى عنه أبو إسحاق السبيعي وسماك بن حرب والحكم بن عتيبة وإسماعيل بن أبي خالد وحسّان بن عطية وغيرهم قال خليفة: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقيل مات سنة مئة، وقيل سنة إحدى ومئة. ثم قال المصنف:
باب يستقبل الإِمام الناس إذا سلَّم
قيل الحكمة في استقبال المأمومين أن يعلّمهم ما يحتاجون إليه، فعلى هذا يختص بمن كان في مثل حاله ﷺ من قصد التعليم والموعظة، وقيل الحكمة فيه تعريف الداخل بأن الصلاة انقضت إذ لو استمر الإِمام على حاله لأوهم أنه في التشهد مثلًا. وقال الزين بن المنير: استدبار الإِمام المأمومين إنما هو لحق الإمامة، فإذا انقضت الصلاة زال السبب فاستقبالهم حينئذ يرفع الخُيلاء والترفع على المأمومين، وستأتي في الباب الذي بعد هذا زيادة.
стр. 4429
الحديث الثاني عشر والمئة
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلاَةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: "أقبل علينا بوجهه". ومعنى قوله: "إذا صلّى صلاة أقبل علينا بوجهه" أنه إذا صلّى صلاة ففرغ منها أقبل علينا لضرورة أنه لا يتحول عن القبلة قبل فراغ الصلاة، وسياق حديث سمرة ظاهره أنه كان يواظب على ذلك.
رجاله أربعة:
مرّوا، مرّ موسى بن إسماعيل في الخامس من بدء الوحي، ومرّ جرير بن حازم في السبعين من أحاديث أبواب استقبال القبلة، ومرّ أبو رجاء في الحادي عشر من التيمم، ومرّ سمرة بن جندب في الخامس والثلاثين من الحيض.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، أخرجه البخاري مقطعًا في "الصلاة" وفي "الجنازة" و"البيوع" و"الجهاد" و"بدء الخلق" وفي "الأدب" وفي أحاديث الأنبياء. ومسلم في "الرؤيا" والتِّرمِذِيّ فيها والنَّسائيّ فيها وفي التفسير.
стр. 4430
الحديث الثالث عشر والمئة
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاَةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟. قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ.
وهذا أصرح في مطابقة الترجمة من الذي قبله؛ لقوله فيه "فلما انصرف" قوله عن زيد بن خالد لم يختلف على صالح في ذلك، وخالفه الزهري فرواه عن شيخهما عبيد الله عن أبي هريرة. أخرجه مسلم عقب رواية صالح فصحح الطريقين؛ لأن عبيد الله سمع من زيد بن خالد وأبي هريرة جميعًا عدة أحاديث منها حديث العسيف وحديث الأَمة إذا زنت فلعله سمع منهما هذا فحدّث به تارة عن هذا وتارة عن هذا، وإنما يجمعهما لاختلاف لفظهما كما نشير إليه وقد صرّح صالح بسماعه له من عبيد الله عن أبي عوانة، وروى صالح عن عبيد الله بواسطة الزهري عدة أحاديث منها ابن عباس في شاة ميمونة كما مرّ في الطهارة وحديثه عنه في قصة هرقل كما مرّ في بدء الوحي.
وقوله: "صلّى لنا" أي (لأجلنا) أو اللام بمعنى الباء أي: صلى (بنا) وفيه جواز إطلاق ذلك مجازًا وإنما الصلاة لله تعالى. وقوله: "بالحديبية" بالمهملة والتصغير وتخفيف يائها وتثقل وقال ابن المديني الحجازيون يخففون الياء، والعراقيون يشددونها وأكثر المحدثين يشددونها وهي قرية على مرحلة من مكة. قيل سميت ببير هناك، وقيل سميت بشجرة هناك حدباء بعضها في الحل وبعضها في الحرم وهي أبعد أطراف الحرم عن البيت.
وقوله: "على إثر" بكسر الهمزة وسكون المثلثة على المشهور وهو ما يعقب الشيء. وقوله: "سماء" أي: مطر وأطلق عليه سماء؛ لأنه ينزل من جهة السماء وكل جهة علو تسمى سماء. وقوله: "كانت من الليل" كذا للأكثر وللمستملي والحموي من الليلة بالإِفراد.
وقوله: "فلما انصرف من صلاته أو من مكانه"، وقوله: "هل تدرون" لفظ استفهام معناه التنبيه وفي رواية سفيان عن صالح عند النسائي "ألم تسمعوا ما قال ربُّكم الليلة". وهذا من الأحاديث
стр. 4431
الإِلهية وهي يحتمل أن يكون النبي ﷺ أخذها عن الله تعالى بلا واسطة أو بواسطة.
وقوله: "أصبح من عبادي" هذه إضافة عموم بدليل التقسيم إلى مؤمن وكافر بخلاف مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ فإنها إضافة تشريف. وقوله: "فذلك مؤمنٌ بي وكافرٌ بالكوكب" بالتنوين فيهما وللأربعة مؤمن بغير تنوين، وثبت قوله (بي) لأبي ذرٍّ وسقطت لغيره وسقطت (واو) وكافر لأبي ذرٍّ وابن عساكر.
وقوله: "وأما مَنْ قال بنَوء كذا وكذا" النَوء بفتح النون وسكون الواو في آخره همزة. قال ابن قتيبة معنى النوء سقوط نجم في المغرب من النجوم الثمانية والعشرين التي هي منازل القمر، وهو مأخوذ من ناء إذا سقط. وقال آخرون بل النوء طلوع نجم منها، وهو مأخوذ من ناء إذا نهض ولا تخالف بينهما في الوقت؛ لأن كل نجم منها إذا طلع في المشرق سقط حال طلوعه آخر في المغرب لا يزال ذلك مستمرًا إلى أن تنتهي الثمانية والعشرون بانتهاء السنة، فإنّ لكل منها ثلاثة عشر تقريبًا، فالنوء هو السقوط أو الطلوع، وتسمية الكوكب بالنوء تسمية للفاعل بالمصدر.
وقوله: "كذا وكذا" قد عرف أن كذا يرد على ثلاثة أوجه: الأول أن تكون كلمتين باقيتين على أصلهما مركبتين من (كاف) التشبيه و (ذا) الإِشارة نحو رأيت عمرًا فاضلًا، ورأيتُ زيدًا كذا وتدخل عليها حينئذ هاء التنبيه نحو هكذا عرشك. الثاني: أن تكون كلمة واحدة مركبة من كلمتين مكنيًا بها عن غير عدد كما في الحديث: "أنه يُقالُ للعبدِ يومَ القيامةِ أتذكرُ يومَ كذا وكذا فعلتَ كذا وكذا" وكما في هذا الحديث فإنه كناية عن الكوكب. والثالث: أن تكون كلمة واحدة مركبة مكنيًا بها عن العدد كما تقول لي عليه كذا درهمًا.
وقوله: "فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب" يحتمل أن يكون المراد بالكفر هنا كفر الشرك بقرينة مقابلته بالإِيمان. ولأحمد عن معاوية الليثي مرفوعًا "يكونُ الناسُ مجدبينَ فَيُنزلُ الله عليهم رزقًا من السماءِ من رزقهِ فيصبحونَ مشركينَ يقولونَ مطرنَا بنوءِ كذا". ويحتمل أن يراد به كفر النعمة ويرشد إليه ما في رواية معمر عن صالح: "فأما مَنْ حمدني على سُقياي وأثنى عليَّ فذلكَ آمنَ بي". وفي رواية سفيان عند النَّسائيّ والإِسماعيليّ نحوه. وقال في آخره: "وكفر بي"، وقال: "كفرَ نعمتي". وفي رواية أبي هريرة عند مسلم "قال الله: ما أنعمتُ على عبادي من نعمةٍ إلاَّ أصبحَ فريقٌ منهم كافرينَ بها". وله في حديث ابن عباس: "أصبحَ مِنَ الناس شاكرٌ ومنهم كافرٌ". وحمله على الأول كثير من أهل العلم وقال الشافعي في "الأُم" من قال: "مطرناَ بنوءِ كذا وكذا" على ما كان بعض أهل الشرك يعنون من إضافة المطر إلى أنه مطر نوء كذا، فذلك كفر كما قال ﵊؛ لأن النوء وقت، والوقت مخلوق لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئًا. ومَنْ قال: "مطرنا بنوء كذا" على معنى مطرنا في وقت كذا فلا كفر أو غيره من الكلام أحب إليّ منه حسمًا للمادة، وعلى ذلك يحمل إطلاق الحديث. وحكى ابن قتيبة أن العرب كانت في ذلك على مذهبين على نحو ما ذكره الشافعي قال: وكانوا في الجاهلية يظنون أن نزول الغيث بواسطة النوء إما بصنعه على زعمهم، وإما بعلامته فأبطل
стр. 4432
الشرع قولهم وجعله كفرًا، فإن اعتقد قائل ذلك أن للنوء صنعًا في ذلك فكفره كفر تشريك، وإن اعتقد أن ذلك من قبيل التجربة فليس بشرك لكن يجوز إطلاق الكفر عليه وإرادة كفر النعمة؛ لأنه لم يقع في شيء من طرق الحديث بين الكفر والشرك واسطة، فيحمل الكفر فيه على المعنيين لتناول الأمرين ولا يرد الساكت؛ لأن المعتقد قد يشكر بقلبه أو يكفر وعلى هذا، فالقول في قوله، فأما قال لما هو أعم من النطق والاعتقاد كما أن الكفر فيه لما هو أعم من كفر الشرك وكفر النعمة وإنما كان النطق بهذا للمعتقد أن الله تعالى هو الخالق منهيًا عنه؛ لأن فيه مخالفة الشرع في تشبهه بأهل الكفر في قولهم وذلك لا يجوز, لأنا أُمرنا بمخالفتهم فقال: "خالفوا المشركينَ وخالفوا اليهودَ" ونهينا عن التشبه بهم وذلك يقتضي الأمر بمخالفتهم في الأفعال والأقوال، فلو قال نظير هذا الممنوع منه يريد الإِخبار عما أجرى الله به سنته جاز كما قال ﷺ : "إذا نشأتَ بحربةٍ ثم تشاء متَ فتلك عينٌ غديقةٌ". وقال صاحب "المطالع": أجاز العلماء أن يقال: (مطرنا في نوء كذا)، ولا يقال: (بنوء كذا) ويحكى عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أنه كان يقول: "مطرنا بنوء الله تعالى" وفي رواية مطرنا بنوء الفتح ثم يتلو ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ وفي الإِنواء الكسر لأبي حنيفة الذي عندي في الحديث أن المطر كان من أجل أن الكوكب ناء وأنه هو الذي هاجه. وأما مَنْ زعم أن الغيث يحصل عند سقوط الثريا فهذا وما أشبهه إنما هو إعلام للأوقات والفصول، وليس من وقت ولا زمن إلا وهو معروف بنوع من مرافق العباد يكون فيه دون غيره. وفي حديث أبي سعيد عند النَّسائيّ "مطرنا بنوءِ المِجْدَح" بكسر الميم وسكون الجيم وفتح الدال بعدها مهملة. ويقال بضم أوله وهو الدَّبران بحركات قيل سمي بذلك لاستدباره الثريا، وهو نجم أحمر منير صغير. قال ابن قتيبة: كل النجوم المذكورة له نوء غير أن بعضها أحمد وأغزر من بعض. ونوء الدبران غير محمود عندهم وكان ذلك ورد في الحديث تنبيهًا على مبالغتهم في نسبة المطر إلى النوء، ولو لم يكن محمودًا أو اتفق وقوع ذلك المطر في ذلك الوقت إن كانت القصة واحدة. وفي "مغازي الواقدي" أن الذي قال في ذلك الوقت مطرنا بنوء الشعرى هو عبد الله ابن أبي سلول أخرجه عن أبي قتادة.
وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم طرح الإِمام المسألة على أصحابه وإن كانت لا تدرك إلا بدقة النظر، ويستنبط منه أن للولي المتمكن من النظر في الإشارة أن يأخذ منها عبارات ينسبها إلى الله تعالى، وكأنه أخذ هذا من استنطاق النبي ﷺ أصحابه عمّا قال ربهم وحمل الاستفهام فيه على حقيقته، لكنهم -رضي الله تعالى عنهم- فهموا خلاف ذلك؛ ولهذا لم يجيبوا إلا بتفويض الأمر إِلى الله ورسوله.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ عبد الله بن مسلمة في الثاني عشر من الإِيمان, ومرّ مالك في الثاني من بدء الوحي، ومرّ صالح بن كيسان في السابع منه، ومرّ عبيد الله في السادس منه، ومرّ زيد بن خالد في
стр. 4433
الثالث والثلاثين من العلم.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة أخرجه البخاري أيضًا في "الاستسقاء" وفي "المغازي" و"التوحيد"، ومسلم في "الإيمان"، وأبو داود في "الطب" والنَّسائيّ في "الصلاة" وفي "اليوم والليلة".
стр. 4434
الحديث الرابع عشر والمئة
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ سَمِعَ يَزِيدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّلاَةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَلَمَّا صَلَّى أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَرَقَدُوا، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِي صَلاَةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلاَةَ.
ومطابقة الترجمة للحديث في قوله: "فلما صلّى أقبل علينا بوجهه" ويأتي فيه ما مرّ في حديث سمرة من أن المعنى إذا صلّى صلاة ففرغ منها أقبل علينا لضرورة أنه لا يتحول عن القبلة قبل فراغ الصلاة. وهذا الحديث مرَّ عند ذكره في باب (مَنْ جلس في المسجد ينتظر الصلاة) محل الكلام عليه.
وقوله هنا: "ذات ليلة" لفظ ذات مقحم أو هو من باب إضافة المسمى إلى اسم، والألف واللام في الناس للعهد عن غير الحاضرين في المسجد النبوي.
رجاله أربعة:
قد مرّوا، مرّ عبد الله بن المنير في الستين من الوضوء، ومرّ يزيد بن هارون في الخامس عشر، ومرّ حميد الطويل في الثاني والأربعين من الإيمان، ومرّ أنس في السادس منه، وقد مرّ الكلام على هذا الحديث. ثم قال المصنف:
باب مكث الإِمام في مصلاه بعد السلام
أي: وبعد استقبال القوم فيلايم ما تقدم ثم إنّ المكث لا يتقيد بحال من ذكر أو دعاء أو تعليم أو صلاة نافلة؛ ولهذا ذكر في الباب مسألة تطوع الإِمام في مكانه.
стр. 4435
الحديث الخامس عشر والمئة
وَقَالَ لَنَا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي فِي مَكَانِهِ الَّذِى صَلَّى فِيهِ الْفَرِيضَةَ.
قال في "الفتح" هو موصول وإنما عبّر بقوله: "قال لنا" لكونه موقوفًا مغايرة بينه وبين المرفوع. وقيل إنه لا يقول ذلك إلا فيما حمله مذاكرة، وهو محتمل لكنه غير مطرد؛ لأني وجدت كثيرًا مما قال فيه "قال لنا في الصحيح" قد أخرجه في تصانيف أخرى بصيغة "حدّثنا". وقد روى ابن أبي شيبة أثر ابن عمرّ من وجه آخر عن أيوب عن نافع قال: "كان ابن عمرّ يصلّي سبحته مكانه" وقد مرّ الكلام على قول البخاري قال لي في الخامس من كتاب العلم وفي أبواب الجماعة.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ آدم وشعبة في الثالث من الإيمان، ومرّ أيوب في التاسع منه، ومرّ ابن عمر في أوله قبل ذكر حديث منه، ومرَّ نافع في آخر حديث من العلم. وفي هذا الحديث: "قال لنا آدم" وقد مرّ الكلام على هذا المعنى في الثامن والأربعين من أبواب الجماعة. ثم قال: وفعله القاسم وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة عن معتمرّ عن عبيد الله بن عمر قال: رأيت القاسم وسالمًا يصليان الفريضة، ثم يتطوعان في مكانهما، والقاسم المراد به ابن محمد بن أبي بكر وقد مرّ في الحادي عشر من الغُسل. ثم قال: ويذكر عن أبي هريرة رفعه "لا يتطوع الإِمام في مكانه" ولم يصح ذكره بالمعنى. ولفظه عند أبي داود "أيعجز أحدكم أن يتقدم أو يتأخر أو عن يمينه أو عن شماله في الصلاة". ولابن ماجه "إذا صلّى أحدكم زاد أبو داود" يعني في السبحة. وللبيهقي "إذا أراد أحدكم أن يتطوع بعد الفريضة فليتقدم" الحديث.
وقوله: "لم يصح" هو من كلام البخاري وذلك من ضعف إسناده واضطرابه تفرد به ليث بن أبي سليم وهو ضعيف. وقال البخاري في تاريخه: لم يثبت هذا الحديث. وفي الباب عن المغيرة بن شعبة مرفوعًا بلفظ: "لا يصلي الإِمام في الموضع الذي صلّى فيه حتى يتحوّل" رواه أبو داود وإسناده منقطع وروى ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن علي قال: "من السُّنَّة أن لا يتطوع الإِمام حتى يتحوّل من مكانه". وحكى ابن قدامة في "المغني" عن أحمد أنه كره ذلك، وقال: لا أعرفه عن غير علي فكأنه لم يثبت عنده حديث أبي هريرة ولا المغيرة وكان المعنى في ذلك خشية التباس النافلة بالفريضة، وللإمام في هذه المسألة حالتان؛ لأن الصلاة إما أن تكون مما يتطوع بعدها أو لا. الأول
стр. 4436
اختلف فيه هل يتشاغل قبل التطوع بالذِّكر المأثور ثم يتطوع؟ وهذا الذي عليه عمل الأكثر، وقد مرّ الكلام عليه في حديث الذكر بعد الصلاة عند قوله خلف كل صلاة. وأما التي لا يتطوع فيتشاغل الإِمام ومَنْ معه بالذِّكر المأثور، ولا يتعين له مكان إن شاؤوا انصرفوا وذكروا، وإن شاؤوا مكثوا وذكروا، وعلى الثاني إن كان للإمام عادة أن يعلمهم أو يعظهم فيستحب أن يُقْبل عليهم بوجهه جميعًا، وإن كان لا يزيد على الذكر المأثور فهل يُقبل عليهم جميعًا أو ينتقل فيجعل يمينه من قبل المأمومين ويساره من قبل القبلة ويدعو؟ الثاني هو الذي جزم به أكثر الشافعية، ويحتمل أن قصر زمن ذلك أن يستمر مستقبلًا للقبلة من أجل أنها أليق بالدعاء، ويحمل الأول على ما لو طال الذِّكر والدعاء. وفي "المختصر" عن الشافعي أنه يستحب للإمام إذا لم يكن هناك نساء أن يقوم من مصلاه عقيب صلاته. وفي "الإحياء" للغزالي أن ذلك فعل النبي ﷺ وأبي بكر وعمر -رضي الله تعالى عنهما- وصححه ابن حِبّان في غير صحيحه.
وقال النووي وعللوا قول الشافعي بعلّتين: إحداهما: لئلا يشك من خلفه هل سلّم أم لا. الثانية: لئلا يدخل غريب فيظنه بعد في الصلاة. قلت: لكن العلّتان يكفي منهما أن يشرّق أو يغرّب بوجهه من غير انتقال كما هو المشهور عند جميع الأئمة، وقد مرّ تشهيره عن الشافعية. وقد قالت المالكية: يكره للإمام تنفله بمحرابه أي: موضع صلاته، وكذا جلوسه فيه على هيئته الأولى فيشرّق أو يغرّب والأفضل أن يجعل وجهه جهة المغرب، ويمينه جهة المصلين، ويساره جهة القبلة، وما عدا ذلك من الهيئات فهو خلاف الأفضل، ومحل هذا فيمن يصلي في غير الروضة الشريفة. أما المصلي بها فإنه يجعل وجهه قبالة القبر الشريف، ويساره جهة المصلّين، ويمينه جهة القبلة، ولا يفعل ما يراه بعض أهل التشديد من قيامه بمجرد فراغه كأنما ضرب بشيء يؤلمه، ويفوت بذلك استغفار الملائكة له ما دام في مصلاه الذي صلّى فيه. وفي "العيني" الأفضل أن يجعل يمينه إليهم ويساره إلى المحراب، وقيل عكسه ويه قال أبو حنيفة. وقال صاحب "التوضيح": ظاهر حديث البراء بن عازب "رمقتُ صلاةَ النبيِّ ﷺ فوجدت قيامَهُ فركعتَهُ فاعتدالَهُ بعدَ ركوعِهِ فسجدَتَهُ فجلستَهُ بينَ السجدتين فسجدتَة فجلستَهُ ما بينَ التسليم والانصرافِ قريبًا مِنَ السواءِ" رواه مسلم أنه لم يكن يثب ساعة ما يسلم، بل كان يجلس بعد السلام جلسة قريبة من السجو. وفي "الذخيرة" أجمعوا على أنه إذا فرغ من صلاته لا يمكث في مكانه مستقبل القبلة وجميع الصلوات في ذلك سواء، فإن لم يكن بعدها تطوع إن شاء انحرف عن يمينه أو يساره، وإن شاء استقبل الناس بوجهه إذا لم يكن أمامه من يصلي.
وقال الشافعي في "الأُم": وللمأموم أن ينصرف إذا قضى الإِمام السلام قبل قيام الإِمام، لان أخر ذلك حتى ينصرف بعد الإِمام أو معه كان ذلك أحب إلي. والجمهور على أن الإِمام لا يتطوع في مكانه الذي صلّى فيه الفريضة، وكرهه ابن عمر للإمام ولم يرَ به بأسًا لغيره. وعن عبد الله بن عمرو مثله وعن القاسم أن الإِمام إذا سلّم فواسع أن يتنفل في مكانه. قال ابن بطال: ولم أجده لغيره من
стр. 4437
العلماء قال العيني: ذكر ابن التين أنه قول أشهب وما مرّ من أن قيام الإمام عن محله بمجرد السلام مكروه هو قول الجمهور، وقد مرّ أنه مروي عن الشافعي، وقد مرَّ ما قاله فيه الغزالي في "الإحياء"، وقال أبو محمد من المالكية ينتقل في الصلوات كلها ليتحقق المأموم أنه لم يبق عليه شيء من سجود السهو ولا غيره وحكى قطب الدين الحلبي هذا عن محمد بن الحسن وذكره ابن التين أيضًا، وذكر ابن أبي شيبة عن ابن مسعود وعائشة -رضي الله تعالى عنهما- قالا: "كان النَّبيُّ ﷺ إذا سلَّم لم يقعدْ إلا مقدارَ ما يقولُ اللَّهُمَّ أنتَ السلامُ ومنكَ السَّلامُ تباركتَ يا ذا الجلالِ والإكرامِ".
وقال ابن مسعود: "كان ﷺ إذا قضى صلاَتَهُ انتقلَ سريعًا إمّا أنْ يقومَ وإمّا أنْ ينحرف". وقال قتادة: كان الصديق إذا سلّم كان على الرضف حتى ينهض. وقال ابن عمر: الإِمام إذا سلّم قام. وقال مجاهد: قال عمر -رضي الله تعالى عنه-: جلوس الإِمام بعد السلام بدعة. وذهب جماعة من الفقهاء أن الإِمام إذا سلم قام، ومن صلّى خلفه من المأمومين يجوز لهم القيام قبل قيامه إلا رواية عن الحسن والزهري ذكرها عبد الرزاق، وقال: لا تنصرفوا حتى يقوم الإمام قال الزهري: إنما جُعل الإِمام ليُؤتم به، وجماعة الناس على خلافهما. وروى ابن شاهين في كتاب "المنسوخ" عن جابر: "كان النَّبيُّ ﷺ إذا صلَّى الغداة لم يبرحْ من مجلسهِ حتى تطلعَ الشمسُ حسناء". وفي حديث ابن جريج عن ابن عباس: "صليتُ مع النَّبيِّ ﷺ فكان ساعةَ يسلّمُ يقومُ، ثم صلّيتُ معَ أبي بكرٍ -رضيَ الله تعالى عنه- فكانَ إذا سلَّمَ وثبَ مِنْ مكانِهِ وكأنهُ يقومُ عن رضفةٍ" ثم حملَ ابن شاهين الأول على صلاة لا تعقبها نافلة، والثاني على مقابلة. وهذا التعليق أخرجه أبو داود وابن ماجه بالمعنى، وأبو هريرة مرَّ في الثاني من الإيمان.
стр. 4438
الحديث السادس عشر والمئة
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قال: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ قال: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا سَلَّمَ يَمْكُثُ فِي مَكَانِهِ يَسِيرًا. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَنُرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِكَيْ يَنْفُذَ مَنْ يَنْصَرِفُ مِنَ النِّسَاءِ.
قوله: "قال ابن شهاب" هو الزهري وهو موصول بالأسناد المذكور، وقوله: "فنُرى" بضم النون أي: نظن. وقوله: "من النساء" زاد في باب التسليم المار من هذا الوجه قبل أن يدركهن من انصرف من القوم أي الرجال وهو لفظه في رواية يحيى بن قزعة الآتية بعد أبواب.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرَّ أبو الوليد في العاشر من الإيمان، ومرّ إبراهيم بن سعد في السادس عشر منه، ومرّ الزهري في الثالث من بدء الوحي، ومرّت هند بنت الحارث وأُم سلمة في السادس والخمسين من العلم.
ثم قال: وقال ابن أبي مريم: أخبرنا نافع بن يزيد قال: حدّثني جعفر بن ربيعة أن ابن شهاب كتب إليه قال: "حدّثتني هند ابنة الحارث الفراسية عن أُم سلمة زوج النبي ﷺ وكانت من صواحباتها قالت: كانَ يسلَّمْ فينصرفُ النساءُ فيدخلْن بيوتَهنَّ مِنْ قَبلِ أنْ ينصرفَ رسولُ اللهِ ﷺ .
قوله: "من صواحباتها" جمع صاحبة وهي لغة والمشهور صواحب كضوارب وضاربة، وقيل هو جمع صواحب وهو جمع صاحبة. وقوله: "كان يسلم" أي: النبي ﷺ وأفادت هذه الرواية الإشارة إلى أقل مقدار كان يمكثه ﷺ .
رجاله ستة:
مرّ ذكر محل الثلاثة الأخيرة في الذي قبله، ومرّ سعيد بن أبي مريم في الأربعين من العلم، ومرّ جعفر بن ربيعة في الرابع من كتاب التيمم والباقي من السند نافع بن يزيد الكَلاعي بفتح الكاف أبو يزيد المصري يقال إنه مولى شرحبيل بن حسنة. قال أحمد بن صالح المصري: كان من ثقات الناس، وقال أبو حاتم والنَّسائيّ: ليس به بأس. وقال ابن يونس: كان ثبتًا في الحديث لا يُختلف
стр. 4439
فيه. وقال العجلي: مصري ثقة، وقالَ الحاكم: ثقة مأمون، وذكره ابن حِبّان في "الثقات" وقال ابن أبي مريم: حدّثنا نافع بن يزيد وكان من خيار أُمة محمد ﷺ . روى عن هشام بن عروة وجعفر بن ربيعة وحيوة بن شريح وخالد بن يزيد وغيرهم، وروى عنه ابن وهب وبقية وسعيد بن أبي مريم وأبو صالح كاتب الليث وغيرهم. مات سنة ثمان وستين ومئة، وهذا الحديث رواه البخاري معلقًا وقد وصله محمد بن يحيى الذهلى في الزهريات. ثم قال: وقال ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب: أخبرتني هند الفراسية وصله النَّسائيّ عن محمد بن مسلمة بالإسناد المذكور ولفظه: "أن النساءَ كنَّ إذا سلَّمن قمنَ وثبتَ رسولُ اللهِ ﷺ ومَنْ صلَّى مِنَ الرجالِ ما شاءَ اللهُ فإذا قامَ رسولُ اللهِ ﷺ قامَ الرجالُ".
وقوله: "الفِراسية" بكسر الفاء وتخفيف الراء نسبة إلى (بني فراس) بطن من كنانة ومراد البخاري بيان الاختلاف في نسب هند فمنهم من قال الفراسية كما في هذه الرواية، ومنهم مَنْ قال القرشية كما في غيرها فمن قال من أهل النسب إن كنانة جماع قريش فلا مغايرة بين النسبتين، ومن قال إن جماع قريش فهر بن مالك فيحتمل أن يكون اجتماع النسبتين لهند على أن إحداهما بالأصالة والأخرى بالمحالفة.
رجاله ثلاثة:
مرّوا، مرّ ابن وهب في الثالث عشر من العلم، ومرَّ يونس في متابعة بعد الرابع من بدء الوحي، ومرَّ ابن شهاب في الثالث منه. ثم قال: وقال عثمان بن عمر: أخبرنا يونس عن الزهري حدّثتني هند القرشية، وهذا التعليق وصله البخاري فيما يأتي قريبًا في باب "خروج النساء إلى المساجد بالليل". ورجاله أربعة مرّ ذكر محل يونس والزهري في التعليق الذي قبله، ومرّ ذكر محل هند في أول روايته قبل حديث. وأما عثمان بن عمر فهو ابن فارس بن لقيط العبدي أبو محمد وقيل أبو عدي، وقيل أبو عبد الله البصري قيل أصله من بخارى أحد الأثبات، وثّقه أحمد. وابن معين والعجلي وابن سعد وآخرون. وذكره ابن حِبّان في "الثقات" وقال أبو حاتم: كان يحيى بن سعيد لا يرضاه قال في المقدمة: قد نقل البخاري عن علي بن المديني أن يحيى بن سعيد احتج به ويحيى بن سعيد شديد التعنت في الرجال ولاسيما من كان من أقرانه، وقد احتج به الجماعة روى عن ابن عون ويونس بن يزيد وابن أبي ذيب وشعبة ومالك بن أنس وهشام بن حسّان وغيرهم. وروى عنه أحمد وإسحاق وبندار وأبو موسى وعبد الله بن محمد المسندي وغيرهم. مات سنة ثمان أو تسع ومئتين.
ثم قال: وقال الزبيدي: أخبرني الزهري أن هندًا بنت الحارث القرشية أخبرته وكانت تحت معبد بن المقداد وهو حليف بني زهرة، وكانت تدخل على أزواج النبي ﷺ وصله الطبراني في مسند الشاميين عن عبد الله بن سالم عنه بتمامه وفيه: "أنَّ النساءَ كنَّ يشهدنَ الصلاةَ معَ رسولِ اللهِ ﷺ فإذا سلَّم قامَ النساءُ فانصرفنَ إلى بيوتهن قبلَ أنْ يقومَ الرجالُ".
стр. 4440
رجاله ثلاثة:
وفيه ذكر معبد بن المقداد. مرّ الزبيدي وهو محمد بن الوليد أبو الهذيل في التاسع عشر مع العلم، ومرّ ذكر محل الزهري وهند في التعليقين اللذين قبله، وأما معبد فهو ابن المقداد بن الأسود الكندي بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن عامر بن مطرود النهراني، وقيل الحضرمي كان يكنى به أبوه المقداد أخرج الدولابي عن هلال بن سياق قال: "بعثَ رسولُ اللهِ ﷺ سرية وأَمَّرَر عليها المقدادَ، فلما رجعَ قال: كيف رأيت الإمارةَ يا أبا معبدٍ؟ قال: خرجت يا رسولَ اللهِ وأنا أحدُهم ورجعتُ أبنائُهم كالعبيد لي قال: كذلك الإمارةُ يا أبا معبدٍ إلا مَنْ وقاهُ الله شرَّها. قال: لا جرمَ والذي بعثَكَ بالحقِّ لا أتأمرُ على رجلين". ثم قال: وقال شعيب: حدثتني هند القرشية وهذا التعليق وصله محمد بن يحيى في الزهريات.
رجاله ثلاثة:
مرّ شعيب في السابع من بدء الوحي، ومرّ الزهري في الثالث منه، ومرّت هند في السادس والخمسين من العلم. ثم قال: وقال ابن أبي عتيق عن الزهري عن هند الفراسية، وهذا التعليق موصول في الزهريات أيضًا والزهري وهند ذكرا الآن وابن أبي عتيق هو محمد بن عبد الله بن أبي عتيق، واسم أبي عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق القرشي التيمي المدني. ذكره ابن حِبّان في "الثقات" وقال الذهلي: هو حسن الحديث عن الزهري، كثير الرواية مقارب الحديث لولا أن سليمان بن بلال يحدث عنه لذهب حديثه وقال ابن أبي ذيب وابن أبي عتيق مقاربان في الرواية عن الزهري، فأما ابن أبي ذيب فمشهور، وأما ابن أبي عتيق فهو مدني لم يروِ عنه فيما علمت غير سليمان بن بلال، وسمعت أيوب بن سليمان سئل عن نسبه فذكره. وقال ما علمت أحدًا روى عنه بالمدينة غير أبي روى عن أبيه ونافع مولى ابن عمر وأبي يونس مولى عائشة والزهري وغيرهم. وروى عنه سليمان بن بلال وعبد العزيز بن أبي ساعة الماجشون ومحمد بن إسحاق ويزيد بن زريع وحمّاد بن سلمة وغيرهم. ثم قال: وقال الليث: حدّثني يحيى بن سعيد حدّثه ابن شهاب عن امرأة من قريش حدّثته عن النبي ﷺ أشار البخاري برواية الليث هذه إلى الردّ على مَنْ زعم أن قول مَنْ قال القرشية تصحيف من الفراسية لقوله فيه عن امرأة من قريش. وفي رواية الكشميهني أن امرأة. وقوله: فيه عن النبي ﷺ غير موصول؛ لأنها تابعية، وكان التقصير فيه من يحيى بن سعيد الأنصاري. وروايته عن ابن شهاب من رواية الأقران، وفي الحديث مراعاة الإِمام أحوال المأمومين والاحتياط في اجتناب ما قد يفضي إلى المحذور، وفيه اجتناب مواضع التهم وكراهة مخالطة الرجال للنساء في الطرق فضلًا عن البيوت، ومقتضى التعليل المذكور أن المأمومين إذا كانوا رجالًا فقط أن لا يستحب هذا المكث، وعليه حمل ابن قدامة حديث عائشة أنه ﷺ : "كانَ إذا سلَّم لم يقعد إلا مقدار ما يقول اللَّهُمَّ أنت السَّلامُ ومنك السَّلامُ تباركت يا ذا الجلالِ والإِكرامِ". أخرجه مسلم وفيه: "أن النساءَ كنَّ يحضرنَ الجماعةَ في المسجدِ" وستأتي المسألة
стр. 4441
قريبًا وهذا التعليق لم أره موصولًا.
ورجاله أربعة:
مرّوا، مرّ الليث والزهري في الثالث من بدء الوحي، ومرّ يحيى بن سعيد في الأول منه، ومرّت هند في السادس والخمسين من العلم. ورواية يحيى عن الزهري من رواية الأقران. ثم قال المصنف:
باب مَنْ صلَّي بالناس فذكر حاجة فتخطاهم
الغرض من هذه الترجمة بيان أن المكث المذكور في الباب قبله محله إذا لم يعرض ما يحتاج معه إلى القيام.
стр. 4442
الحديث السابع عشر والمئة
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُقْبَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ الْعَصْرَ فَسَلَّمَ ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا، فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ، فَرَأَى أَنَّهُمْ عَجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ فَقَالَ ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي، فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ.
وللمصنف في الزكاة عن عمر بن سعيد أن عقبة بن الحارث حدّثه، وقوله: "فسلم" فقام للكشميهني ثم قام. وقوله: "ففزع الناس" أي: خافوا وكانت تلك عادتهم إذا رأوا منه غير ما يعهدونه خشية أن ينزل فيهم شيء يسوءهم.
وقوله: "فرأَى أنهم قد عجبوا" في رواية أبي عاصم في الزكاة. فقلت أو فقيل له وهو شك من الراوي فإن كان قوله: فقلت: محفوظًا فقد تعين الذي سأله ﷺ عن ذلك من الصحابة.
وقوله: "ذكرت شيئًا من تِبْر" في أواخر الصلاة عن سعيد بن عمر فذكرت وأنا في الصلاة وفي رواية أبي عاصم تبرًا من الصدقة والتِبْر بكسر المثناة وسكون الموحدة الذهب الذي لم يصف ولم يضرب. وقال الجوهري: لا يقال إلا للذهب، وقد قاله بعضهم في الفضة وأطلقه بعضهم على جميع جواهر الأرض قبل أن تصاغ. حكاه الأصمعي وكذا ابن دريد، وقيل: هو الذهب المكسور والفضة المكسورة ولكل ما كان مكسورًا من الصفر والنحاس والحديد، وإنما سمي ذهب المعدن تبرًا؛ لأنه هناك بمنزلة التبرة وهي عروق تكون بين ظهري الأرض مثل النورة، وفيها صلابة. وزعم أصحاب المعدن أن الذهب في المعدن بهذه المنزلة. وقيل: سمي تبرًا من التبير وهو الهلاك فكأنه قيل له ذلك لافتراقه في أيدي الناس، وتبديده عندهم. وقيل: سمي بذلك؛ لأن صاحبه يلحقه من التغرير ما يوجب هلاكه، وقيل: هو فعل من التبار أي: الهلاك.
وقوله: "يحبسني" أي: يشغلني التفكر فيه عن التوجه والإقبال على الله تعالى، وفهم منه ابن بطال معنى آخر فقال فيه: إن تأخير الصدقة يحبس صاحبها يوم القيامة.
وقوله: "فأمرت بقسمته" في رواية أبي عاصم "فقسمته". وفي الحديث أن المكث بعد الصلاة ليسَ بواجب، وأن التخطي للحاجة مباح، وأن التفكر في الصلاة في أمر لا يتعلق بها لا يفسدها ولا
стр. 4443
ينقص من كمالها، وأن إنشاء العزم في أثناء الصلاة على الأمور الجائزة لا يضر، وفيه إطلاق الفعل على ما يأمر به الإنسان وجواز الاستنابة مع القدرة على المباشرة.
رجاله خمسة:
مرّت منهم الثلاثة الأخيرة، مرّ عبد الله بن أبي مليكة في تعليق بعد الأربعين من الإيمان، ومرّ عمر بن سعيد بن أبي حسن وعقبة بن الحارث في الثلاثين من العلم، والباقيان محمد بن عبيد بن ميمون المدني التبان التيمي، يقال إنه مولى ابن جدعان أبو عبيد بن أبي عباد. ذكره ابن حِبّان في "الثقات" وقال: ربما أخطأ، وقال أبو حاتم: شيخ. وفي "الزهرة" روى عنه البخاري ثلاثة عشر حديثًا روى عن أبيه وعيسى بن يونس والدراوردي ومسكين بن بكير وغيرهم. وروى عنه البخاري وابن ماجه وأبو زرعة وأبو حاتم وأبو إسماعيل الترمذِيّ وغيرهم. الثاني عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي أبو عمرو ولقال أبو محمد الكوفي أحد الأعلام. قال ابن المديني بخ بخ ثقة مأمون. جاء يومًا إلى ابن عُيينة فقال: مرحبًا بالفقيه ابن الفقيه ابن الفقيه، كان يغزو سنة ويحج سنة، وقال جعفر بن يحيى البرمكي: ما رأينا في القُراء مثله عرضت عليه مئة دينار، فقال لا والله لا يتحدث أهل العلم أني أكلت للسنة ثمنًا ألا كان قبل أن يسألوني أما على الحديث، فلا ولا شربة ماء. وقال ابن المديني: عيسى حجة وهو أفضل من إسرائيل. وقال العجلي: كوفي ثقة وكان يسكن الثغر، وكان ثبتًا في الحديث.
وقال الوليد بن مسلم: ما أبالي من خالفني في الأوزاعي ما خلا عيسى بن يونس فإني رأيت أخذه أخذًا محكمًا. وقال محمد بن عبيد: كان عيسى بن يونس إذا أتى الأعمش ينظرون إلى هديه وسَمْته، وقال أيضًا: كان عيسى من أصحاب الأعمش الذين لا يفارقونه، وقال عيسى: حدّثني الأعمش أربعين حديثًا فيها ضرب الرقاب لم يشركني فيها أحد عن ابن إسحاق، وكان يسأله عن أحاديث الفتن وقال أبو همام: حدثنا عيسى بن يونس الثقة الرضي. وقال أبو زرعة: كان حافظًا، وقيل لأحمد إن أبا قتادة الحراني كان يتكلم في وكيع وعيسى بن يونس وابن المبارك فقال: مَنْ كذّب أهل الصدق فهو الكذاب. وقال ابن معين: عيسى بن يونس يسند حديثًا عن عائشة "أن النبيَّ ﷺ كان يقبلُ الهديةَ ولا يأكلُ الصدقةَ". والناس يرسلونه. رأى جده أبا إسحاق وروى عن أبيه وأخيه إسرائيل وابن عمه يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق وهشام بن عروة وعمر بن سعيد بن أبي حسن والأوزاعي وغيرهم. وروى عنه أبوه يونس وابنه عمرو وحمّاد بن سلمة وهو أكبر منه ومسدد وإسحاق بن راهويه وغيرهم.
مات سنة تسع وثمانين ومئة بالحدث موضع بالثغر.
لطائف إسناده:
فيه التحديث والإخبار بالجمع والعنعنة والقول وشيخ البخاري من أفراده ورواته ما بين مكي
стр. 4444
وكوفي أخرجه البخاري أيضًا في الزكاة وفي "الاستئذان" عن أبي عاصم وفي "الصلاة" عن إسحاق بن منصور والنَّسائيّ في "الصلاة" أيضًا. ثم قال المصنف:
باب الانفتال والانصراف عن اليمين والشمال
يقال: فتلت الرجل عن وجهه فانفتل أي: صرفته فانصرف، قال الجوهري: هو قلب لفت والانصراف أعم من الانفتال؛ لأن الانفتال لابد فيه من لفتة بخلاف الانصراف، فإنه يكون بلفتة وبغيرها والألف والام في اليمين والشمال عوض عن المضاف إليه أي: عن يمين المصلي وعن شماله. وقال الزين بن المنير جمع في الترجمة بين الانفتال والانصراف للإشارة إلى أنه لا فرق في الحكم بين الماكث في مصلاّه إذا انفتل لاستقبال المأمومين وبين المتوجه لحاجته إذا انصرف إليها. ثم قال: وكان أنس بن مالك ينفتل عن يمينه وعن يساره ويعيب على مَنْ يتوخى، أو مَنْ يعمد الانفتال عن يمينه، وصله مسدد في "مسنده الكبير" عن قتادة قال: كان أنس فذكره وقال فيه: ويعيب على مَنْ يتوخى ذلك أن لا ينفتل إلا عن يمينه، ويقول: يدور كما يدور الحمار. وقوله: "يتوخى" بخاء معجمة مشددة أي: يقصد. وقوله: "أو مَنْ يعمد" شك من الراوي وظاهر هذا الأثر عن أنس يخالف ما رواه مسلم عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي. قال: سألت أنسًا كيف أنصرف إذا صلّيت عن يميني أو عن يساري؟ قال: أما أنا فأكثر ما رأيت النبي ﷺ ينصرف عن يمينه، ويجمع بينهما بان أنسًا عاب مَنْ يعتقد تحتم ذلك ووجوبه، وأما إذا استوى الأمران فجهة اليمين أولى.
стр. 4445
الحديث الثامن عشر والمئة
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: أخبرنا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لاَ يَجْعَلْ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ شَيْئًا مِنْ صَلاَتِهِ، يَرَى أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ لاَ يَنْصَرِفَ إِلاَّ عَنْ يَمِينِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ كَثِيرًا يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِهِ.
قوله: "عن عمارة" في رواية أبي داود الطيالسي عن شعبة عن الأعمش سمعت عمارة. وقوله: "لا يجعل" في رواية الكشميهني "لا يجعلن" بزيادة نون التأكيد. وقوله: "شيئًا" من صلاته في رواية وكيع عند مسلم "جزءًا من صلاته". وقوله: "يرى" بفتح أوله أي: يعتقد ويجوز الضم أي يظن. وقوله: "أن حقًا عليه" بيان للجعل في قوله لا يجعل. وقوله: "أن لا ينصرف" خبر أنّ أي: يرى أن واجبًا عليه عدم الانصراف إلا عن يمينه. وقال الكرماني يرى أن عدم الانصراف حق عليه، فهو من باب القلب. وهذا جواب عن استشكاله الابتداء بالنكرة مع أن الخبر معرفة؛ لأن تقديره عدم الانصراف. أو يجاب بأن النكرة المخصوصة كالمعرفة. وقوله: "كثيرًا ينصرف عن يساره" انتصب كثيرًا على أنه صفة لمصدر رأيت محذوفًا وفي رواية مسلم: "أكثر ما رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ ينصرفُ عن شمالهِ".
فأما رواية البخاري هذه فلا تعارض حديث أنس المتقدم عند مسلم، وأما رواية مسلم فظاهرة التعارض؛ لأنه عبّر في كل منهما بصيغة (أفعل). قال النووي يجمع بينهما بأنه ﷺ كان يفعل تارة هذا وتارة هذا، فأخبر كل منهما بما اعتقد أنه الأكثر، وإنما كره ابن مسعود أن يعتقد وجوب الانصراف عن اليمين وهو موافق للأثر المذكور أولاً عن أنس، ويمكن أن يجمع بينهما بوجه آخر وهو أن يحمل حديث ابن مسعود على حالة الصلاة في المسجد؛ لأن حجرة النبي ﷺ كانت من جهة يساره ويحمل حديث أنس على ما سوى ذلك كحال السفر، ثم إذا تعارض اعتقاد ابن مسعود وأنس رجح ابن مسعود؛ لأنه أعلم وأسن وأجل وأكثر ملازمة للنبي ﷺ وأقرب إلى موقفه في الصلاة من أنس، وبأن في إسناد حديث أنس من تكلم فيه وهو السّدي، وبأن حديث ابن مسعود متفق عليه بخلاف حديث أنس في الأمرين، وبأن رواية ابن مسعود توافق ظاهر الحال؛ لأن حجرة النبي ﷺ كانت على جهة يساره كما مرّ. ويمكن الجمع بين الحديثين أيضًا بوجه وهو أن مَنْ قال كان أكثر انصرافه عن يساره نظر إلى هيئته في حال الصلاة، ومَنْ قال كان أكثر انصرافه عن يمينه نظر إلى هيئته في حال استقباله القوم بعد سلامه من الصلاة فعلى هذا، لا يختص الانصراف بجهة معينة،
стр. 4446
ومن ثم قال العلماء يستحب الانصراف إلى حاجته لكن قالوا: إذا استوت الجهتان في حقه، فاليمين أفضل لعموم الأحاديث المصرحة بفضل التَيَامُنْ كحديث عائشة المار في "الطهارة". قال ابن المنير فيه: إن المندوبات قد تنقلب مكروهات إذا رفعت عن رتبتها؛ لأن التَيامُن مستحب في كل شيء من أمور العباد، لكن لما خشي ابن مسعود أن يعتقدوا وجوبه أشار إلى كراهته.
رجاله ستة:
مرّوا، مرّ أبو الوليد في العاشر من الإيمان، ومرّ شعبة في الثالث منه، ومرّ سليمان بن مهران في الخامس والعشرين منه، ومرّ ابن مسعود في الآثار أوله قبل ذكر حديث منه، ومرّ الأسود في السابع والستين من العلم، ومرّ عمارة في الخامس عشر من أبواب صفة الصلاة.
لطائف إسناده:
فيه التحديث والإخبار بالجمع والقول والعنعنة، وفيه ثلاثة تابعيون كوفيون وشعبة واسطي وشخ البخاري بصري. أخرجه مسلم في الصلاة وكذا أبو داود والنَّسائيّ وابن ماجه. ثم قال المصنف:
باب ما جاء في الثوم النِّيء والبصل والكُرَّاث
هذه الترجمة والتي بعدها من أحكام المساجد، وأما التراجم التي قبلها فكلها على صفة الصلاة لكن مناسبة هذه الترجمة وما بعدها لذلك من جهة أنه بني صفة الصلاة على الصلاة في الجماعة؛ ولهذا لم يفرد ما بعد كتاب "الأذان" بكتاب؛ لأنه ذكر فيه أحكام الإقامة ثم الإمامة ثم الصفوف، ثم الجماعة، ثم صفة الصلاة، فلما كان ذلك كله مرتبطًا بعضه ببعض واقتضى فضل حضور الجماعة بطريق العموم ناسب أن يورد فيه مَنْ قام به عارض كأكل الثوم، ومَنْ لا يجب عليه ذلك كالصبيان ومَنْ تندب له في حالة دون حالة كالنساء، فذكر هذه التراجم وختم بها صفة الصلاة وقوله: الثُوم بضم المثلثة، والنِيء بكسر النون بعدها تحتانية ثم همزة، وقد تدغم وتقييده بالنيء حمل منه للأحاديث المطلقة في الثوم على غير النضيج منه.
وقوله: "والكُرّاث" بضم الكاف وتشديد الراء، ولم يقع ذكره في أحاديث الباب التي ذكرها لكنه أشار به إلى ما وقع في بعض طرق حديث جابر الآتي قريبًا، فقد أخرجه مسلم في "صحيحه" عن جابر قال: "نهى النَّبيُّ ﷺ عن أكلِ البصلِ والكُراّثِ فغلبتنا الحاجةُ فأكلْنا منه، فقال النبيُّ ﷺ مَنْ أكلَ مِنْ هذهِ الشجرةِ المنتنةِ فلا يقربنَّ مسجِدَنَا".
وفي "مسند الحميدي" بإسناد على شرط الصحيح سئل جابر عن الثوم، فقال ما كان بأرضنا يومئذ ثوم إنما الذي نهى رسول الله ﷺ عن البصل والكُرّاث. وفي مسند "السراج": "نهى رسولُ الله ﷺ عن أكلِ الكُرّاثِ ثم لم ينتهوا، فلم يجدوا بُدَّاً من أكلها فوجدَ ريحهَا فقال: ألم أنْهَكُم" الحديث فالكراث إن لم يذكر صريحًا في أحاديث الباب، فإنه مذكور دلالة فإن حديث جابر الآتي
стр. 4447
في الباب فيه أنَّ النبيَّ ﷺ أتى بقدرٍ فيه خُضَراتٌ من بقولٍ فوجدَ لها ريحًا". فالكُرّاث من جملة الخُضَرات وله رائحة فتقع المطابقة بينه وبين قوله في الترجمة، ووجود التطابق بين التراجم وأحاديث لا يلزم أن يكون صريحًا دائمًا يظهر ذلك بالتأمل، ثم قال: وقول النبي ﷺ : "مَنْ أكلَ الثومَ والبصلَ مِنَ الجوع أو غيرِهِ فلا يقربنَّ مسجدَنَا"، بجر قول عطفًا على في الثوم أي وما جاء في قول النبي فهو من تمام الترجمة.
وقوله: "من الجوع أو غيره" ليس التقييد بالجوع وغيره صريحًا، لكنه مأخوذ من كلام الصحابي كما مرّ في حديث جابر عند مسلم وعنده أيضًا عند أبي سعيد "لم نعد إن فتحت خيبر فوقعنا في هذه البفلة والناس جياع" الحديث. وقال ابن المنير: ألحق بعض أصحابنا المجذوم وغيره بآكل الثوم في المنع من المسجد قال: وفيه نظر؛ لأن آكل الثوم أدخل على نفسه هذا المانع باختياره والمجذوم علته سماوية قال: لكن قوله ﷺ من جوع وغيره يدل على التسوية بينهما.
قلت: مذهب مالك منع المجذوم ونحوه من الجماعة مخافة العدوى. قال في "الفتح" كأن ابن المنير رأى قول البخاري في الترجمة، وقول النبي ﷺ إلى آخره فظنه حديثًا وليس كذلك، بل هو من تفقه البخاري وتجويزه لذكر الحديث بالمعنى. قلت: علم من كلامه أن هذا ليس بتعليق، فلا يحتاج إلى وصل ويأتي الكلام على ما قيل في إباحة أكله عند آخر الأحاديث.
стр. 4448
الحديث التاسع عشر والمئة
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ: مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ يَعْنِي الثُّومَ فَلاَ يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا.
قوله: "في غزوة خيبر" قال الداودي: أي حين أراد الخروج أو حين قدم وتعقبه ابن التين بأن الصواب أنه قال ذلك وهو في الغزاة نفسها. قال: ولا ضرورة تمنع أن يخبرهم بذلك في السفر فكان الذي حمل الداودي على ذلك قوله في الحديث: "فلا يقربنَّ مسجدَنَا"؛ لأن الظاهر أن المراد به مسجد المدينة؛ فلهذا حمل الخبر على ابتداء التوجه إلى خيبر أو الرجوع إلى المدينة لكن حديث أبي سعيد المار دال على أن القول المذكور صدر منه ﷺ عقب فتح خيبر فعلى هذا، فقوله: "مسجدنا" يريد المكان الذي أعد ليصلي فيه مدة إقامته هناك، أو المراد بالمسجد الجنس والإضافة إلى المسلمين أي: فلا يقربنَّ مسجد المصلين، ويؤيده رواية أحمد عن يحيى القطان فيه بلفظ: "فلا يقربنَّ المساجدَ" ونحوه لمسلم. وهذا يدفع قول مَنْ خص النهي بمسجد النبي ﷺ وقد حكاه ابن بطال عن بعض أهل العلم ووهّاه. وفي مصنف عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: هل النهي للمسجد الحرام خاصة أو في المساجد؟ قال: لا بل في المساجد.
قوله: "من هذه الشجرة" فيه مجاز؛ لأن المعروف في اللغة أن الشجرة ما كان لها ساق وما لا ساق لها نجم، وبهذا فسّر ابن عباس وغيره قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾. ومن أهل اللغة من قال كل ما ثبتت له أرومة أي أصل في الأرض يخلف ما قطع منه، فهو شجر وإلا فنجم. وقال الخطابي في هذا الحديث إطلاق الشجر على الثوم والعامة لا تعرف الشجر إلا ما كان له ساق، ومنهم مَنْ قال بين الشجر والنجم عموم وخصوص مطلق، فكل نجم شجر من غير عكس كالشجر والنخل فكل نخل شجر من غير عكس.
وقوله: "يعني الثوم" قال في "الفتح": لم أعرف قائله يعني ويحتمل أن يكون عبيد الله بن عمر فقد رواه السّراج عن يزيد بن الهادي عن نافع بدونها ولفظه: "نهى رسولُ اللهِ ﷺ عن أكلِ الثومِ يوم خيبر". وزاد مسلم عن ابن نمير عن عبيد الله "حتى يذهبَ ريحُها". وقوله: "فلا يقربنَّ مسجدَنَا" بفتح الراء والموحدة وتشديد النون.
стр. 4449
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ مسدد ويحيى في السادس من الإيمان، ومرّ عبيد الله العمري في الرابع عشر من الوضوء، ومرّ نافع في آخر حديث من العلم، ومرّ ابن عمر في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه. أخرجه مسلم في الصلاة وأبو داود في "الأطعمة".
стр. 4450
الحديث العشرون والمئة
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ يُرِيدُ الثُّومَ فَلاَ يَغْشَانَا فِي مَسَاجِدِنَا. قُلْتُ مَا يَعْنِي بِهِ قَالَ: مَا أُرَاهُ يَعْنِى إِلاَّ نِيئَهُ.
قوله: "يريد الثوم" قال في "الفتح": لم أعرف الذي فسّره أيضًا وأظنه ابن جريج فإن في الرواية التي تلي هذه عن الزهري عن عطاء الجزم بذكر الثوم على أنه قد اختلف في سياقه عن ابن جريج فرواه مسلم عنه بلفظ: "مَنْ أكلَ مِنْ هذهِ البقلةِ -الثوم- وقال مرة: منْ أكل البصلِ والثوم والكُرّاثِ". وقال أبو نعيم في "المستخرج" عن ابن جريج مثله، وقال مرة ولفظه قال ابن جريج وقال عطاء في وقت آخر: الثوم والبصل والكُرّاثِ. ورواه أبو الزبير عن جابر بلفظ: "نهى النبيُّ ﷺ عن أكلِ البصلِ والكُرّاثِ. قال: ولم يكن ببلدنا يومئذ الثوم" أخرجه ابن خزيمة وعبد الرزاق، وهذا لا ينافي التفسير المتقدم إذ لا يلزم من كونه لم يكن بأرضهم أن لا يجلب إليهم حتى لو امتنع هذا الحمل لكانت رواية المثبت مقدمة على رواية النافي. قلت: هذا الأخير أولى وأما العمل الأول فغير ظاهر؛ لأن قوله لم يكن ببلدنا ظاهر في نفي وجوده في البلد لم يخص إنباتًا عن غيره، فيحمل على عمومه.
وقوله: "فلا يغشانا" أي: بصيغة النفي التي يراد بها النهي. قال الكرماني أو على لغة من يجري المعتل مجرى الصحيح أو أشبع الراوي الفتحه فظن أنها ألف قال الشاعر:
إذا العجوزُ غضبتْ فطلَّقِ ... ولا ترضّاها ولا تملِّقِ
والمراد بالغشيان الإتيان أي: فلا يأتنا قوله في مسجدنا في رواية الكشميهني وأبي الوقت مساجدنا بصيغة الجمع.
وقوله: "قلت" ما يعني به قال في "الفتح": لم أقف على تعيين القائل والمقول له وأظن السائل ابن جريج والمسؤول عطاء. وفي مصنف عبد الرزاق ما يرشد له، وجزم الكرماني بأن القائل عطاء والمسؤول جابر.
وقوله: "ما أراه إلا نيئه" على ما قال الكرماني الضمير في أراه للنبي ﷺ وعلى الأول يكون لجابر، وأُرى بضم الهمزة أي: أظنه، ونيئه مرّ ضبطه. ومقتضى قوله: "إلاّ نيئه" أنه لا يكره
следующие страницы →