← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

ومن ثم قال العلماء يستحب الانصراف إلى حاجته لكن قالوا: إذا استوت الجهتان في حقه، فاليمين أفضل لعموم الأحاديث المصرحة بفضل التَيَامُنْ كحديث عائشة المار في "الطهارة". قال ابن المنير فيه: إن المندوبات قد تنقلب مكروهات إذا رفعت عن رتبتها؛ لأن التَيامُن مستحب في كل شيء من أمور العباد، لكن لما خشي ابن مسعود أن يعتقدوا وجوبه أشار إلى كراهته. رجاله ستة: مرّوا، مرّ أبو الوليد في العاشر من الإيمان، ومرّ شعبة في الثالث منه، ومرّ سليمان بن مهران في الخامس والعشرين منه، ومرّ ابن مسعود في الآثار أوله قبل ذكر حديث منه، ومرّ الأسود في السابع والستين من العلم، ومرّ عمارة في الخامس عشر من أبواب صفة الصلاة. لطائف إسناده: فيه التحديث والإخبار بالجمع والقول والعنعنة، وفيه ثلاثة تابعيون كوفيون وشعبة واسطي وشخ البخاري بصري. أخرجه مسلم في الصلاة وكذا أبو داود والنَّسائيّ وابن ماجه. ثم قال المصنف: باب ما جاء في الثوم النِّيء والبصل والكُرَّاث هذه الترجمة والتي بعدها من أحكام المساجد، وأما التراجم التي قبلها فكلها على صفة الصلاة لكن مناسبة هذه الترجمة وما بعدها لذلك من جهة أنه بني صفة الصلاة على الصلاة في الجماعة؛ ولهذا لم يفرد ما بعد كتاب "الأذان" بكتاب؛ لأنه ذكر فيه أحكام الإقامة ثم الإمامة ثم الصفوف، ثم الجماعة، ثم صفة الصلاة، فلما كان ذلك كله مرتبطًا بعضه ببعض واقتضى فضل حضور الجماعة بطريق العموم ناسب أن يورد فيه مَنْ قام به عارض كأكل الثوم، ومَنْ لا يجب عليه ذلك كالصبيان ومَنْ تندب له في حالة دون حالة كالنساء، فذكر هذه التراجم وختم بها صفة الصلاة وقوله: الثُوم بضم المثلثة، والنِيء بكسر النون بعدها تحتانية ثم همزة، وقد تدغم وتقييده بالنيء حمل منه للأحاديث المطلقة في الثوم على غير النضيج منه. وقوله: "والكُرّاث" بضم الكاف وتشديد الراء، ولم يقع ذكره في أحاديث الباب التي ذكرها لكنه أشار به إلى ما وقع في بعض طرق حديث جابر الآتي قريبًا، فقد أخرجه مسلم في "صحيحه" عن جابر قال: "نهى النَّبيُّ ﷺ عن أكلِ البصلِ والكُراّثِ فغلبتنا الحاجةُ فأكلْنا منه، فقال النبيُّ ﷺ مَنْ أكلَ مِنْ هذهِ الشجرةِ المنتنةِ فلا يقربنَّ مسجِدَنَا". وفي "مسند الحميدي" بإسناد على شرط الصحيح سئل جابر عن الثوم، فقال ما كان بأرضنا يومئذ ثوم إنما الذي نهى رسول الله ﷺ عن البصل والكُرّاث. وفي مسند "السراج": "نهى رسولُ الله ﷺ عن أكلِ الكُرّاثِ ثم لم ينتهوا، فلم يجدوا بُدَّاً من أكلها فوجدَ ريحهَا فقال: ألم أنْهَكُم" الحديث فالكراث إن لم يذكر صريحًا في أحاديث الباب، فإنه مذكور دلالة فإن حديث جابر الآتي

стр. 4447

في الباب فيه أنَّ النبيَّ ﷺ أتى بقدرٍ فيه خُضَراتٌ من بقولٍ فوجدَ لها ريحًا". فالكُرّاث من جملة الخُضَرات وله رائحة فتقع المطابقة بينه وبين قوله في الترجمة، ووجود التطابق بين التراجم وأحاديث لا يلزم أن يكون صريحًا دائمًا يظهر ذلك بالتأمل، ثم قال: وقول النبي ﷺ : "مَنْ أكلَ الثومَ والبصلَ مِنَ الجوع أو غيرِهِ فلا يقربنَّ مسجدَنَا"، بجر قول عطفًا على في الثوم أي وما جاء في قول النبي فهو من تمام الترجمة. وقوله: "من الجوع أو غيره" ليس التقييد بالجوع وغيره صريحًا، لكنه مأخوذ من كلام الصحابي كما مرّ في حديث جابر عند مسلم وعنده أيضًا عند أبي سعيد "لم نعد إن فتحت خيبر فوقعنا في هذه البفلة والناس جياع" الحديث. وقال ابن المنير: ألحق بعض أصحابنا المجذوم وغيره بآكل الثوم في المنع من المسجد قال: وفيه نظر؛ لأن آكل الثوم أدخل على نفسه هذا المانع باختياره والمجذوم علته سماوية قال: لكن قوله ﷺ من جوع وغيره يدل على التسوية بينهما. قلت: مذهب مالك منع المجذوم ونحوه من الجماعة مخافة العدوى. قال في "الفتح" كأن ابن المنير رأى قول البخاري في الترجمة، وقول النبي ﷺ إلى آخره فظنه حديثًا وليس كذلك، بل هو من تفقه البخاري وتجويزه لذكر الحديث بالمعنى. قلت: علم من كلامه أن هذا ليس بتعليق، فلا يحتاج إلى وصل ويأتي الكلام على ما قيل في إباحة أكله عند آخر الأحاديث.

стр. 4448

الحديث التاسع عشر والمئة حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ: مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ يَعْنِي الثُّومَ فَلاَ يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا. قوله: "في غزوة خيبر" قال الداودي: أي حين أراد الخروج أو حين قدم وتعقبه ابن التين بأن الصواب أنه قال ذلك وهو في الغزاة نفسها. قال: ولا ضرورة تمنع أن يخبرهم بذلك في السفر فكان الذي حمل الداودي على ذلك قوله في الحديث: "فلا يقربنَّ مسجدَنَا"؛ لأن الظاهر أن المراد به مسجد المدينة؛ فلهذا حمل الخبر على ابتداء التوجه إلى خيبر أو الرجوع إلى المدينة لكن حديث أبي سعيد المار دال على أن القول المذكور صدر منه ﷺ عقب فتح خيبر فعلى هذا، فقوله: "مسجدنا" يريد المكان الذي أعد ليصلي فيه مدة إقامته هناك، أو المراد بالمسجد الجنس والإضافة إلى المسلمين أي: فلا يقربنَّ مسجد المصلين، ويؤيده رواية أحمد عن يحيى القطان فيه بلفظ: "فلا يقربنَّ المساجدَ" ونحوه لمسلم. وهذا يدفع قول مَنْ خص النهي بمسجد النبي ﷺ وقد حكاه ابن بطال عن بعض أهل العلم ووهّاه. وفي مصنف عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: هل النهي للمسجد الحرام خاصة أو في المساجد؟ قال: لا بل في المساجد. قوله: "من هذه الشجرة" فيه مجاز؛ لأن المعروف في اللغة أن الشجرة ما كان لها ساق وما لا ساق لها نجم، وبهذا فسّر ابن عباس وغيره قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾. ومن أهل اللغة من قال كل ما ثبتت له أرومة أي أصل في الأرض يخلف ما قطع منه، فهو شجر وإلا فنجم. وقال الخطابي في هذا الحديث إطلاق الشجر على الثوم والعامة لا تعرف الشجر إلا ما كان له ساق، ومنهم مَنْ قال بين الشجر والنجم عموم وخصوص مطلق، فكل نجم شجر من غير عكس كالشجر والنخل فكل نخل شجر من غير عكس. وقوله: "يعني الثوم" قال في "الفتح": لم أعرف قائله يعني ويحتمل أن يكون عبيد الله بن عمر فقد رواه السّراج عن يزيد بن الهادي عن نافع بدونها ولفظه: "نهى رسولُ اللهِ ﷺ عن أكلِ الثومِ يوم خيبر". وزاد مسلم عن ابن نمير عن عبيد الله "حتى يذهبَ ريحُها". وقوله: "فلا يقربنَّ مسجدَنَا" بفتح الراء والموحدة وتشديد النون.

стр. 4449

رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ مسدد ويحيى في السادس من الإيمان، ومرّ عبيد الله العمري في الرابع عشر من الوضوء، ومرّ نافع في آخر حديث من العلم، ومرّ ابن عمر في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه. أخرجه مسلم في الصلاة وأبو داود في "الأطعمة".

стр. 4450

الحديث العشرون والمئة حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ يُرِيدُ الثُّومَ فَلاَ يَغْشَانَا فِي مَسَاجِدِنَا. قُلْتُ مَا يَعْنِي بِهِ قَالَ: مَا أُرَاهُ يَعْنِى إِلاَّ نِيئَهُ. قوله: "يريد الثوم" قال في "الفتح": لم أعرف الذي فسّره أيضًا وأظنه ابن جريج فإن في الرواية التي تلي هذه عن الزهري عن عطاء الجزم بذكر الثوم على أنه قد اختلف في سياقه عن ابن جريج فرواه مسلم عنه بلفظ: "مَنْ أكلَ مِنْ هذهِ البقلةِ -الثوم- وقال مرة: منْ أكل البصلِ والثوم والكُرّاثِ". وقال أبو نعيم في "المستخرج" عن ابن جريج مثله، وقال مرة ولفظه قال ابن جريج وقال عطاء في وقت آخر: الثوم والبصل والكُرّاثِ. ورواه أبو الزبير عن جابر بلفظ: "نهى النبيُّ ﷺ عن أكلِ البصلِ والكُرّاثِ. قال: ولم يكن ببلدنا يومئذ الثوم" أخرجه ابن خزيمة وعبد الرزاق، وهذا لا ينافي التفسير المتقدم إذ لا يلزم من كونه لم يكن بأرضهم أن لا يجلب إليهم حتى لو امتنع هذا الحمل لكانت رواية المثبت مقدمة على رواية النافي. قلت: هذا الأخير أولى وأما العمل الأول فغير ظاهر؛ لأن قوله لم يكن ببلدنا ظاهر في نفي وجوده في البلد لم يخص إنباتًا عن غيره، فيحمل على عمومه. وقوله: "فلا يغشانا" أي: بصيغة النفي التي يراد بها النهي. قال الكرماني أو على لغة من يجري المعتل مجرى الصحيح أو أشبع الراوي الفتحه فظن أنها ألف قال الشاعر: إذا العجوزُ غضبتْ فطلَّقِ ... ولا ترضّاها ولا تملِّقِ والمراد بالغشيان الإتيان أي: فلا يأتنا قوله في مسجدنا في رواية الكشميهني وأبي الوقت مساجدنا بصيغة الجمع. وقوله: "قلت" ما يعني به قال في "الفتح": لم أقف على تعيين القائل والمقول له وأظن السائل ابن جريج والمسؤول عطاء. وفي مصنف عبد الرزاق ما يرشد له، وجزم الكرماني بأن القائل عطاء والمسؤول جابر. وقوله: "ما أراه إلا نيئه" على ما قال الكرماني الضمير في أراه للنبي ﷺ وعلى الأول يكون لجابر، وأُرى بضم الهمزة أي: أظنه، ونيئه مرّ ضبطه. ومقتضى قوله: "إلاّ نيئه" أنه لا يكره

стр. 4451

المطبوخ، وفي حديث علي المروي عند أبي داود قال: "نهى عن أكل الثوم إلا مطبوخًا". وفي حديث معاوية بن قرة عن أبيه أنه ﷺ "نهى عن هاتين الشجرتين، وقالَ: مَنْ أكلَهما فلا يقربنَّ مسجدَنا، وقال: إنْ كنتُم لابدّ أكليهما فاميتوهما طبخًا" رواه أبو داود أيضًا ثم قال: وقال مخلد بن يزيد عن ابن جريج: "إلا نتنه" أي: بنونين مفتوحتين بينهما مثناة ساكنة أي: قال نتنه بدل نيئه، والمراد به الرائحة الكريهة. قال في " الفتح" لم أجد طريق مخلد هذه موصولة بالإسناد المذكور، وقد أخرج السَّراج هذا الحديث عن مخلد لكن عن أبي الزبير بدل عطاء عن جابر، ولم يذكر المقصود من التعليق المذكور إلا أنه قال فيه: "ألمْ أنهَكُم عن هذه البقلةِ الخبيثةِ أو المنتنةِ" فإن كان أشار إلى ذلك وإلا فما أظنه إلا تصحيفًا. فقد رواه أبو عَوانة في "صحيحه" عن ابن جريج كما قال أبو عاصم ورواه عبد الرزاق عن ابن جريج بلفظ أراه يعني النيئة التي لم تطبخ وكذا لأبي نعيم في "المستخرج" عن ابن جريج بلفظ: "يريد النيء الذي لم يطبخ" وهو تفسير للنيء بأنه الذي لم يطبخ، وهو حقيقته كما مرّ وقد يطلق على أعم من ذلك وهو ما لم ينضج، فيدخل فيه ماطبخ قليلاً ولم يبلغ النضج، وقد وقع حديث جابر هذا مقدمًا على سابقه في بعض الأصول وعليه "شرح العيني". رجاله خمسة: قد مروا، وفيه ذكر مخلد بن يزيد، مرّ عبد الله بن محمد المسندي في الثاني من الإيمان، ومرّ عاصم النبيل في أثر بعد الرابع من العلم، ومرَّ عطاء بن أبي رباح في التاسع والثلاثين منه، ومرّ ابن جريج في الثالث من الحيض، ومرّ جابر بن عبد الله في الرابع من بدء الوحي، ومَخلد بفتح الميم بن يزيد القرشي الحراني أبو يحيى، ويقال أبو خداس، ويقال أبو الحسن، ويقال أبو خالد. ذكره ابن حِبّان في "الثقات" وقال ابن معين وأبو داود: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق وسئل علي بن ميمون عنه فقال: كان قرشيًا نعم الشيخ. وقال أحمد: لا بأس به وكان يهم، وكذا قال الساجي وزاد قدم عليه أحمد مسكين بن بكير، وأنكر له أبو داود حديثًا وصله قال في المقدمة أخرج له البخاري أحاديث قليلة من روايته عن ابن جريج توبع عليها وروى له مسلم والباقون سوى الترمذيّ. روى عن يحيى بن سعيد الأنصاري وابن جريج والأوزاعي ومسعر وغيرهم. وروى عنه أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ومحمد بن سلام البيكندي وابنا أبي شيبة وغيرهم. مات سنة ثلاث وتسعين ومئة. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإخبار بالجمع والإفراد والقول والسماع. ورواته ما بين مكيّ وبخاريّ وبصريّ أخرجه مسلم في "الصلاة" والنسائي فيها وفي "الوليمة" والتِّرمِذِيّ في "الأطعمة".

стр. 4452

الحديث الحادي والعشرون والمئة حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ زَعَمَ عَطَاءٌ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلاً فَلْيَعْتَزِلْنَا أَوْ قَالَ: فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا، وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ. وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِىَ بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ، فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا فَسَأَلَ فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْبُقُولِ فَقَالَ: قَرِّبُوهَا إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ كَانَ مَعَهُ، فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أَكْلَهَا قَالَ: كُلْ فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لاَ تُنَاجِي. قوله: "زعم عطاء" في رواية الأصيلي عن عطاء ولمسلم حدّثني عطاء. وقوله: "أن جابر بن عبد الله زعم" قال الخطابي: لم يقل زعم على وجه التهمة، لكنه لما كان أمر مختلفًا فيه أتى بلفظ الزعم؛ لأن هذا اللفظ لا يكاد يستعمل إلا في أمر يرتاب فيه أو يختلف فيه، وقد يستعمل في القول المحقق أيضًا كما مرّ مرارًا. وكلام الخطابي لا ينفي ذلك، وفي رواية أحمد بن صالح الآتية عن جابر، ولم يقل زعم. وقوله: "فليعتزلنا أو فليعتزل مسجدنا" شك من الراوي وهو الزهري ولم تختلف الرواة عنه في ذلك. وقوله: "أو ليقعد في بيته" كذا لأبي ذرٍّ بالشك أيضًا، ولغيره "وليقعد في بيته" بواو العطف. وكذا لمسلم وهو أخص من الاعتزال؛ لأنه أعم من أن يكون في البيت أو غيره. وقوله: "وأن النبي ﷺ " هذا حديث آخر وهو معطوف على الإِسناد المذكور والتقدير. وحدّثنا سعيد بن عفير بإسناده أن النبي ﷺ أتي وقد تردد البخاري فيه هل هو موصول أو مرسل كما يأتي قريبًا في قوله، فلا أدري هو من قول إلخ. وهذا الحديث الثاني كان متقدمًا على الذي قبله بست سنين؛ لأن الأول تقدم في حديث ابن عمر وغيره أنه وقع منه ﷺ في غزوة خيبر، وكانت سنة سبع وهذا وقع في السنة الأولى عند قدومه ﷺ إلى المدينة ونزوله في بيت أبي أيوب الأنصاري لما سنبينه قريبًا. وقوله: "أُتي بقِدر" بضم الهمزة وبكسر القاف والقِدر هو ما يطبخ فيه يذكر ويؤنث والتأنيث أشهر لكن الضمير في قوله فيه خضرات يعود على الطعام الذي في القِدر، فالتقدير أتى بقِدر من طعام فيه خضرات؛ ولهذا لما أعاد الضمير على القدر أعاده بالتأنيث حيث قال: فأخبر بما فيها، وحيث قال: "قرّبوها" قلت: أيسر من التقدير المذكور كون الضمير رجع إلى القدر بالتذكير طورًا

стр. 4453

والتأنيث أخرى حيث أنها تذكر وتؤنث. وقوله: "خُضَرات" بضم أوله وفتح الضاد جمع خُضرة ويجوز مع ضم الخاء ضم الضاد وتسكينه. ولغير أبي ذرٍّ بفتح أوله وكسر ثانيه. وقوله: "إلى بعض أصحابه" فيه النقل بالمعنى إذ الرسول ﷺ لم يقله بهذا اللفظ بل قال: "قربوها إلى فلان" مثلًا أو فيه حذف أي: قال قربوها مشيرًا أو أشار إلى بعض أصحابه، والمراد بالبعض أبو أيوب الأنصاري. ففي "صحيح مسلم" من حديث أبي أيوب في قصة نزول النبي ﷺ عليه قال: فكان يصنع للنبي ﷺ طعامًا فإذا جيء به إليهِ بعدَ أن يأكلَ مِنهُ النبيُّ ﷺ سألَ عَن موضعِ أصابعِ النَّبيِّ ﷺ فصنعَ ذلكَ مرةً فقيلَ لهُ: لم يأكلْ وكانَ الطعامُ فيه ثومٌ، فقال: أحرامٌ هو يا رسولَ اللهِ؟ فقال: لا، ولكني أكرهُهُ. وقوله: "قال كلْ فإني أُناجي مَنْ لا تناجي" أي: الملائكة وفي حديث أبي أيوب عند ابن خزيمة وابن حِبّان من وجه آخر أن رسول الله ﷺ أرسل إليه بطعامٍ مِنْ خُضرة فيه بصلٌ أو كُرّاثٌ فلم يرَ فيه أثرَ رسولِ اللهِ ﷺ فأبى أن يأكلَ، فقال له: ما منعكَ؟ فقال: لم أرَ أثرَ يدِكَ قال: "أستحي من ملائكِةِ اللهِ وليس بمحرم". ولهما من حديث أُم أيوب قالت: نزلَ علينا رسولُ اللهِ ﷺ فتكلفنا له طعامًا فيه بعضُ البقولِ. فذكر الحديث نحوه وقال فيه: "كلوا فإني لستُ كأحدٍ منكم إني أخاف أن أوذي صاحبي". رجاله ستة: وفيه لفظ بعض أصحابه مبهمًا، مرَّ سعيد بن عفير وابن وهب في الثالث عشر من العلم، ومرّ عطاء في التاسع والثلاثين منه، ومرّ ابن شهاب في الثالث من بدء الوحي، وجابر في الرابع منه، ويونس في متابعة بعد هذا الرابع، والمراد بالبعض المبهم أبو أيوب كما في "الفتح"، وقد مرَّ في العاشر من الوضوء. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة ورواته ما بين مصريّ ومدنيّ ومكيّ أخرجه البخاري أيضًا في "الاعتصام" عن علي بن عبد الله، ومسلم في "الصلاة"، وأبو داود في "الأطعمة"، والنَّسائيّ في "الوليمة".

стр. 4454

الحديث الثاني والعشرون والمئة وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ أُتِيَ بِبَدْرٍ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: يَعْنِى طَبَقًا فِيهِ خُضَرَاتٌ. قوله: "ببَدر" بفتح الموحدة وهو الطبق سمي بذلك لاستدارته تشبيهًا له بالقمر عند كماله مراد البخاري أن أحمد بن صالح خالف سعيد بن عفير في هذه اللفظة فقط وشاركه في سائر الحديث عن ابن وهب بإسناده المذكور. وقد أخرجه البخاري في الاعتصام قال: حدثنا أحمد بن صالح فذكره بلفظ: "أتي ببدر وفيه قول ابن وهب يعني طبقًا فيه خُضَرات" وكذا أخرجه أبو داود عن أحمد بن صالح لكن أخر تفسير ابن وهب فذكره بعد فراغ الحديث. وأخرجه مسلم عن أبي طاهر وحرملة عن ابن وهب فقال: "بقِدر" بالقاف، ورجح جماعة من الشّراح رواية أحمد بن صالح لكون ابن وهب فسر البدر بالطبق، فدل على أنه حدث به كذلك وزعم بعضهم أن لفظة بقدر تصحيف؛ لأنها تشعر بالطبخ. وقد ورد الإذن بأكل البقول مطبوخة بخلاف الطبق، فظاهره أن البقول كانت نيئة والذي يظهر أن رواية القدر أصح لما مرَّ من حديث أبي أيوب وأُم أيوب جميعًا، فإن فيه التصريح بالطعام ولا تعارض بين امتناعه ﷺ من أكل الثوم وغيره مطبوخًا، وبين إذنه لهم في أكله مطبوخًا. فقد علّل ذلك بقوله: "إني لستُ كأحدٍ منكمٍ" وترجم ابن خزيمة على حديث أبي أيوب ذكر ما خص الله به نبيه من ترك أكل الثوم وغيره مطبوخًا. وقد جمع القرطبي في "المفهم" بين الروايتين بأن الذي كان في القدر لم ينضج حتى تضمحل رائحته فبقي في حكم النيء. وأحمد بن صالح قد مرّ في الرابع والسبعين من أحاديث أبواب القبلة، ومرَّ ابن وهب في الثالث عشر من العلم. ثم قال: ولم يذكر الليث وأبو صفوان عن يونس قصة القِدر، فلا أدري هو من قول الزهري أو في الحديث. قوله: "فلا أدري" إلخ هو من كلام البخاري ووهم من زعم أنه كلام أحمد بن صالح أو من فوقه، وقد قال البيهقي: الأصل أن ما كان من الحديث متصلًا به، فهو منه حتى يجيء البيان الواضح بأنه مدرج فيه. في التعليقين ذكر الزهري، أما رواية الليث فقد وصلها الذهلي في "الزهريات"، وأما رواية أبي صفوان فقد وصلها البخاري في "الأطعمة" عن علي بن المديني عنه واقتصر على الحديث الأول، وكذلك اقتصر عقيل عن الزهري كما أخرجه ابن خزيمة.

стр. 4455

ورجاله أربعة: مرّ الليث والزهري في الثالث من بدء الوحي، ومرّ يونس في متابعة بعد الرابع منه، وأبو صفوان هو عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأُموي الدمشقي أبو صفوان ذهبت به أُمه أُم جميل بنت عمرو بن عبد الله بن صفوان بن أمية إلى مكة حين قُتل أبوه مع مروان بن محمد. ذكره اجن حِبّان في "الثقات"، وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة: لا بأس به صدوق، وقال ابن المديني: ثقة وكان أفقه قرشي رأيته. روى عن أبيه وابن جريج ويونس بن يزيد وابن أبي ذيب وغيرهم. وروى عنه أحمد والشافعي وابن المديني وقتيبة بن سعيد وغيرهم. مات في حدود المئتين.

стр. 4456

الحديث الثالث والعشرون بعد المئة حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ أَنَسًا مَا سَمِعْتَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ يذكر فِي الثُّومِ؟ فَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلاَ يَقْرَبْنَا، أَوْ لاَ يُصَلِّيَنَّ مَعَنَا. قوله: "من هذه الشجرة" قد مرَّ الكلام على إطلاق الشجرة على الثوم، وعلى ضبط يقربنّ وحكم رحبة المسجد وما قرب منها حكمه؛ ولذلك كان ﷺ إذا وجد ريحها في المسجد أمر بإخراج مَنْ وجدت منه إلى البقيع، كما ثبت في مسلم عن عمر -رضي الله تعالى عنه- وفي حديث حذيفة عند ابن خزيمة: "مَنْ أكلَ مِنْ هذهِ البقلةِ الخبيثةِ فلا يقربنَّ مسجدَنَا ثلاثًا" وبوب عليه بوقت النهي عن إتيان الجماعة لآكل الثوم، وفيه نظر لاحتمال أن يكون قوله ثلاثًا يتعلق بالقول أي: قال ذلك ثلاثًا؛ بل هذا هو الظاهر؛ لأنه علة المنع وجود الرائحة وهي لا تستمر هذه المدة، وليس في هذا الحديث تقييد النهي بالمسجد فيستدل بعمومه على إلحاق المجامع بالمساجد كمصلى العيد والجنازة ومكان الوليمة. وقد ألحقها بعضهم بالقياس، والتمسك بهذا العموم أولى ونظيره قوله: "وليقعد في بيته" كما مرَّ، لكن قد علّل المنع في الحديث بترك أذى الملائكة وترك أذى المسلمين، فإن كان كل منهما جزء علة اختص النهي بالمساجد، وما في معناها وهذا هو الأظهر وإلاّ لعمّ النهي كل مجمع كالأسواق. ويؤيد هذا البحث قوله في حديث أبي سعيد عند مسلم: "مَنْ أكلَ مِنْ هذهِ الشجرةِ شيئًا فلا يقربنا في المسجدِ". قال القاضي ابن العربي ذكر الصفة في الحكم يدل على التعليل بها، ومن ثم رد على المازري حيث قال: لو أن جماعة مسجد أكلوا كلهم ما له رائحة كريهة لم يمنعوا منه بخلاف ما إذا أكل بعضهم؛ لأن المنع لم يختص بهم بل بهم وبالملائكة وعلى هذا، يتناول المنع من تناول شيئًا من ذلك ودخل المسجد مطلقًا ولو كان وحده. واستدل بأحاديث الباب على أن صلاة الجماعة ليست فرض عين قال ابن دقيق العيد: لأن اللازم من منعه أحد أمرين: إما أن يكون أكل هذه الأُمور مباحًا فتكون صلاة الجماعة فرضًا وجمهور الأُمة على إباحة أكلها، فيلزم أن لا تكون الجماعة فرض عين وتقريره أن يقال أكل هذه الأمور جائز ومن لوازمه ترك صلاة الجماعة وترك الجماعة في حق آكلها جائز ولازم الجائز جائز وذلك ينافي الوجوب ونقل عن أهل الظاهر أو بعضهم تحريمها بناء على أن الجماعة فرض عين، وتقريره أن يقال صلاة الجماعة فرض عين ولا تتم إلا بترك أكلها. وما لا يتم الواجب إلا به فهو

стр. 4457

واجب، فترك هذا واجب فيكون حرامًا، وكذا نفله غيره عن أهل الظاهر، لكن صرّح ابن حزم منهم بأن أكلها حلال مع قوله إن الجماعة فرض عين وانفصل عن اللزوم المذكور بأن المنع من أكلها مختص بمن علم بخروج الوقت قبل زوال الرائحة. ونظيره أن صلاة الجماعة فرض عين بشروطها، ومع ذلك تسقط بالسفر وهو في أصله مباح لكن يحرم على مَنْ أنشاه بعد سماع النداء. وقال ابن دقيق العيد أيضًا: قد يستدل بهذا الحديث على أن أكل هذه الأمور من الأعذار المرخصة في ترك حضور الجماعة، وقد يقال إن هذا الكلام خرج مخرج الزجر عنها فلا يقتضي ذلك أن يكون عذرًا في تركها إلا أن تدعو إلى أكلها ضرورة. قال: ويبعد هذا من وجه تقريبه إلى بعض أصحابه فإن ذلك ينفي الزجر، ويمكن حمله على حالتين والفرق بينهما أن الزجر وقع في حق من أراد إتيان المسجد، والإذن في التقريب وقع في حالة لم يكن فيها ذلك بل لم يكن المسجد النبوي إذ ذاك، فقد قدمت أن الزجر متأخر عن قصة التقريب بست سنين. وقال الخطابي: توهم بعضهم أن أكل الثوم عذر في التخلف عن الجماعة، وإنما هو عقوبة لأكله على فعله إذ حُرم فضل الجماعة، وكأنه يخص بما لا سبب للمرء فيه كالمطر مثلًا، لكن لا يلزم من ذلك أن يكون أكلها حرامًا ولا أن الجماعة فرض عين. ونقل ابن التين عن مالك قال: الفِجل إن كان يظهر ريحه فهو كالثوم وقيده عياض بالجشاء. وفي "الطبراني الصغير" في حديث أبي الزبير التنصيص على ذكر الفِجل في الحديث لكن في إسناده يحيى بن راشد وهو ضعيف، ويلحق بما نص عليه في الحديث كل ما له رائحة كريهة من المأكولات وغيرها، وإنما خص الثوم هنا بالذكر وفي غيره أيضًا بالبصل والكُرّاث لكثرة أكلهم لها، وكذلك ألحق بذلك بعضهم من بفيه بخر أو به جرح له رائحة كريهة، وكذلك القصاب والسمّاك والمجذوم والأبرص. وصرّح بالمجذوم ابن بطال وقد مرّ أن مذهب مالك سقوط الجمعة عنه. وألحق بالحديث كل مَنْ آذى الناس بلسانه في المسجد وبه أفتى ابنِ عمر -رضي الله تعالى عنهما- وهو أصل في نفي كل ما يتأذى به ولا يبعد أن يعذر من كان معذورًا بأكل ما له ريح كريهة لما ووى ابن حِبّان في "صحيحه" عن المغيرة بن شعبة قال: "انتهيتُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فوجدَ مني ريحَ الثومِ فقالَ: مَنْ أكلَ الثومَ؟ قال: فأخذتُ يدَهُ فأدخلتُها فوجدَ صدري معصوبًا فقالَ: إنَّ لكَ عذرًا". وفي رواية الطبراني في "الأوسط" أَشتكيتُ صدري فأكلته وفيه فلم يعنّفْهُ ﷺ واختلف هل كان أكل ذلك حرامًا على النبي ﷺ أو لا، والراجح الحل لعموم قوله ﷺ : "وليسَ بمحرمٍ" لما مرّ في حديث أبي أيوب عند ابن خزيمة. واستدل المهلب بقوله: "فإني أُناجي مَنْ لا تُناجي" على أن الملائكة أفضل من الآدميين، وتحقب بأنه لا يلزم من تفضيل بعض الأفراد على بعض تفضيل الجنس على الجنس. قلت: ليس في الحديث دلالة على التفضيل أصلًا؛ لأن استعمال هذه الأشياء التي لها رائحة كريهة من أوصاف البشرية التي يحتاجون لها، فهم محتاجون للتوسعة عليهم في ذلك والملائكة لا بشرية لهم، ولا حاجة لهم إلى هذه الأشياء فيستعمل معهم الأدب في ترك

стр. 4458

ما يؤذيهم. رجاله أربعة: مرّوا، مرّ أبو معمر عبد الله بن عمرو وعبد الوارث في السابع عشر من العلم، ومرّ عبد العزيز بن صهيب في الثامن من الإيمان، ومرّ أنس في السادس منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورجاله كلهم كوفيون والرجل السائل أنس لم يعرف اسمه. أخرجه البخاري أيضاً في "الأطعمة" عن مسدد، ومسلم في "الصلاة". ثم قال المصنف: باب وضوء الصبيان، ومتى يجب عليهم الغسل والطهور، وحضورهم الجماعة والعيدين والجنائز وصفوفهم قال الزين بن المنير: لم ينص على حكمه لأنه لو عبّر بالندب لاقتضى صحة صلاة الصبي بغير وضوء ولو عبّر بالوجوب لاقتضى أن الصبي يعاقب على تركه كما هو حدّ الواجب فأتي بعبارة سالمة من ذلك ثم أردفه بذكر الوقت الذي يجب عليهم فيه ذلك فقال: ومتى يجب عليهم الغُسل والطهور له. وقوله: والطهور من عطف العام على الخاص، وليس في أحاديث الباب تعيين وقت الإيجاب إلا في حديث أبي سعيد فإن مفهوم قوله الغُسل يوم الجمعة على كل محتلم أن غُسل الجمعة لا يجب على غير المحتلم فيؤخذ منه أن الاحتلام شرط لوجوب الغُسل. وأما ما رواه أبو داود والترمِذِيّ وصححه، وكذا ابن خزيمة والحاكم عن عبد الملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جَدّه مرفوعًا: "علِّموا الصبي الصلاة ابنَ سبعٍ واضربُوهُ عليها ابنَ عشرةٍ " فهو وإن اقتضى تعيين وقت الوضوء لتوقف الصلاة عليه فلم يقل بظاهره إلا بعض أهل العلم. قالوا: تجب الصلاة على الصبي للأمر بضربه على تركها وهذه صفة الوجوب. وبه قال أحمد في رواية وحكى البندنيجي أن الشافعي أومأ إليه. وذهب الجمهور إلى أنها لا تجب عليه إلا بالبلوغ، وقالوا الأمر بضربه للتدريب، وجزم البيهقي بأنه منسوخ بحديث: "رُفعَ القلمُ عن الصبيِّ حتى يحتلمَ"؛ لأن الرفع يستدعي سبق وضع. قلت: لا حاجة للنسخ لحمل الأمر في شأن الصبيان على الندب ويؤخذ من إطلاق الصبي على ابن سبع الرد على مَنْ زعم أنه لا يسمى صبيًا إلا إذا كان رضيعًا، ثم يقال له غلام إلى أن يصير ابن سبعٍ، ثم يصير يافعًا إلى عشر ويوافق الحديث قول الجوهري الصبي الغلام. وقوله: "وحضورهم" بالجر عطفًا على قوله: "وضوء الصبيان" وكذا ما بعده. وقوله: "وصفوفهم" استشكل بأنه يقتضي أن يكون للصبيان صفوف تخصعهم وليس في الباب ما يدل على ذلك. وأجيب بأن المراد بصفوفهم وقوفهم في الصف مع غيرهم وفاقه ذلك هل يخرج مَنْ وقف معه

стр. 4459

الصبي في الصف عن أن يكون فردًا حتى يسلَم من بطلان صلاته عند مَنْ يمنعه أو كراهته، وظاهر حديث أنس الآتي في الباب تقتضي الأخير فهو حجة فإن منع ذلك من الحنابلة مطلقًا. وقد نص أحمد على أنه يجزىء في النفل لون الفرض، وفيه ما فيه وقد مرّ الكلام على هذا البحث في باب "المرأة" وحدها تكون صفًا.

стр. 4460

الحديث الرابع والعشرون بعد المئة حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنِي غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ مَرَّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ، فَأَمَّهُمْ وَصَفُّوا عَلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَمْرٍو مَنْ حَدَّثَكَ؟ فَقَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ. قوله: "مَنْ مرّ" في رواية التِّرمِذِيّ أخبرني "مَنْ رأى النبي ﷺ ". وقوله: "قبر مَنبوذ" بفتح الميم اسم مفعول من نبذ أي: على قبر منفرد عن القبور، وروى "على قبر منبوذ" بإضافة قبر إلى منبوذ. وفسروه باللقيط والرواية الأولى أصح؛ لأن في بعض الألفاظ أتى "قَبرًا منبوذًا" وفي رواية الترمذيّ "ورأى قبرًا منتبذًا فصف أصحابه". وهذا الميت المقبور وقع في شرح الشيخ سراج الدين عمر بن الملقن أنه الميت المذكور في حديث أبي هريرة الذي كان يقم المسجد وهو وهم منه لتغير القضيتين، فقد تقدم أن الصحيح في الأول أنها امرأة وأنها أُم محجن، وأما هذا فهو رجل واسمه طلحة بن البراء بن عمير البلوي حليف الأنصار، "فقد روى أبو داود حديثه مختصرًا والطبراني عن حسين بن وحوح الأنصاري لجعفر أن طلحة بن البراء مرضَ فأتاهُ النَّبيُّ ﷺ فقال: إني لا أرى طلحةَ إلا قد حدثَ فيه الموتُ قآذنوني به وعجلوا، فلم يبلغ النَّبيُّ ﷺ بني سالَم بن عوفٍ حتى توفيَ وكان قال لأهلِهِ لما دخلَ الليلُ إذا متُّ فادفنوني، ولا تدعوا رسولَ اللهِ ﷺ فإني أخافُ عليه يهودًا أن يصابَ بسببي فَأُخبَر النَّبيُّ ﷺ حينَ أصبحَ فجاءَ حتى وقفَ على قبرِهِ فصفَ الناسُ معَهُ ثم رفعَ يديهِ فقال: اللَّهُمَّ القَ طلحةَ يضحكُ إليكَ وتضحكُ له". وقد اخْتُلفَ في الوقت الذي صلّى فيه ﷺ ففي "الأوسط" للطبراني عن إسماعيل بن زكرياء أنه صلّى عليه بعد دفنه بليلتين وقال: إن إسماعيل تفرد بذلك. ورواه الدارقطني بعد موته بثلاث، وروي بعد شهر. وهذه روايات شاذة وسياق الطرق الصحيحة يدل على أنه صلّى عليه في صبيحة دفنه. وقوله: "وصفوا عليه" أي: على القبر. وقوله: "فقلت: يا با عمرو" أصله يا أبا عمرو حذفت الهمزة للتخفيف، وأبو عمرو كنية الشعبي. وقوله: "قال ابن عباس" أي: قال: حدّثني ابن عباس، وفي الحديث جواز الصلاة على القبر. قال ابن المنذر، قال بمشروعيته الجمهور ومنعه النخعي ومالك وأبو حنيفة، وعنهم إن دُفن قبل أن يصلى عليه شرع وإلا فلا وهل يشترط في جواز الصلاة على قبره كونه مدفونًا بعد الغُسل؟ الصحيح أنه يشترط. وروي عن محمد أنه لا يشترط، وإذا دفنوه بعد الصلاة عليه ثم تذكروا أنهم لم يغسلوه، فإن لم يهيلوا التراب عليه يُخرج ويُغسل ويُصلى عليه

стр. 4461

وان أهالوا التراب عليه لم يُخرج، ثم هل يصلى عليه ثانيًا في القبر؟ ذكر الكرخي أنه يصلى عليه. وفي "النوادر" عن محمد القياس أنه لا يصلى عليه، وفي الاستحسان أن يصلى عليه. وقد مرّ باقي مباحث هذا الحديث عند حديث أبي هريرة في باب (كنس المسجد من أبواب المساجد). رجاله ستة: قد مرّوا، مرّ محمد بن المثنى في التاسع من الإيمان، وغُندر في الخامس والعشرين منه، وشعبة في الثالث منه، والشعبي كذلك، ومرّ أبو إسحاق الشيباني في السابع من الحيض، ومرّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي، وأبو عمرو في الحديث كنية الشعبي. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإخبار بالإفراد والسماع والقول، وفيه رواية التابعي عن التابعي، ورواته ما بين بصريّ وكوفيّ وواسطيّ. أخرجه البخاري في "الجنائز" عن جماعة، وأخرجه مسلم في "الجنائز"، وكذلك أبو داود والتِّرمِذِيّ والنّسائيّ وابن ماجه.

стр. 4462

الحديث الخامس والعشرون بعد المئة حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ. قد مرّ قريبًا وجه إيراده هنا ومطابقته للترجمة، وقوله: "الغُسلُ يوم الجمعةِ واجبٌ على كلِّ محتلمٍ" وفي الرواية الآتية في "الجمعةِ" غسلُ يوم الجمعةِ واجبٌ على كلِّ محتلمٍ. واستدل بهذه الرواية الأخيرة من قال الغُسل لليوم للإضافة إليه ويأتي ما فيه من أول الجمعة واستنبط منه أيضًا أن ليوم الجمعة غُسلًا مخصوصًا حتى لو وجدت صورة الغُسل فيه لم يجز عن غُسل الجمعة إلا بالنيّة وقد أخذ به أبو قتادة: "فقال لابنه وقد رآه يغتسل يوم الجمعة: إن كان غسلك عن جنابة، فأعدْ غسلًا آخر للجمعة" أخرجه الطحاوي وابن المنذر وغيرهما. وعند المالكية إن نوى غُسل الجنابة والجمعة أو قصد نيابة الجنابة عن الجمعة حصل الغسلان، وإن نسي الجنابة أو قصد نيابة الجمعة عنها انتفيا. ورواية مسلم كرواية حديث الباب الغُسل يوم الجمعة وظاهره أن الغُسل حيث وجد فيه كفى لكون اليوم جعل ظرفًا للغسل، ويحتمل أن يكون اللام للعهد فتتفق الروايتان. وقوله: "على كلّ محتلم" أي: بالغ، وإنما ذكر الاحتلام لكونه الغالب، واستدل به على دخول النساء في ذلك ويأتي في الجمعة ما قيل في ذلك، واستدل بقوله واجب على فرضية غُسل الجمعة. وقد حكاه ابن المنذر عن أبي هريرة وعمّار بن ياسر وغيرهما وهو قول أهل الظاهر ورواية عن أحمد، وحكاه ابن حزم عن عمر وجم الصحابة ومَنْ بعدهم، ثم ساق الرواية عنهم لكن ليس فيها عن أحد منهم التصريح بذلك إلا نادرًا وإنما اعتمد في ذلك على أشياء محتملة كقول سعد: ما كنت أظن مسلمًا يدع غسل يوم الجمعة. وحكاه ابن المنذر والخطابي عن مالك. وقال عياض وغيره: ليس ذلك بمعروف في مذهبه. وقال ابن دقيق العيد: قد نص مالك على وجوبه فحمله من لمن يمارس مذهبه على ظاهره، وأبى ذلك أصحابه والرواية عن مالك في "التمهيد"، وفيه أيضًا من طريق أشهب عن مالك أنه سئل عنه فقال: حسن بواجب. قلت: مشهور مذهب مالك أنه سنة على مَنْ يريد حضور الجمعة ولو لم تلزمه، وسن أيضًا اتصاله بالذهاب إلى الجمعة. وقيل إنه مندوب، وقيل واجب، وقيل واجب في ذوي الرائحة دون غيره، ونظم شيخنا عبد الله الأقوال المذكورة فقال:

стр. 4463

يسنُ غسلُ جمعةٍ أو يجبُ ... أو في ذوي رائحةٍ أو يُندبُ وحكى بعض المتأخرين الوجوب عن ابن خزيمة وهو غلط عليه، فقد صرّح في "صحيحه" أنه على الاختيار، واحتج لكونه مندوبًا بعدة أحاديث في عدة تراجم، وحكاه شارح "الغُنية" لابن سريج قولًا للشافعي، واستغرب وقد قال الشافعي في "الرسالة" بعد أن أورد حديثي ابن عمر وأبي سعيد احتمل قوله معنيين الظاهر منهما أنه واجب، فلا تجزىء الطهارة لصلاة الجمعة إلا بالغسل، واحتمل أنه واجب في الاختيار ومكارم الأخلاق والنظافة، ثم استدل للاحتمال الثاني بقصة عثمان مع عمر الآتية في الجمعة قال: فلما لم يترك عثمان الصلاة للغُسل ولم يأمره عمر بالخروج للغُسل دلّ ذلك على أنهما قد علما بأن الأمر بالغُسل للاختيار، وعلى هذا الجواب عوّل كثير من المصنفين في هذه المسألة كابن خزيمة والطبري والطحاوي وابن حِبّان وابن عبد البر وهلّم جرا. وزاد بعضهم أن مَنْ حضر من الصحابة وافقهما على ذلك، فكان إجماعًا منهم على أن الغسل ليس شرطًا في صحة الصلاة، وهو استدلال قوي. وقد نقل الخطابي وغيره الإجماع على أن صلاة الجمعة بدون الغُسل مجزئة، لكن حكى الطبري عن قوم أنهم قالوا بوجوبه ولم يقولوا إنه شرط بل هو واجب مستقل تصح الصلاة بدونه كأن أصله قصد التنظيف وإزالة الروائح الكريهة التي يتأذى بها الحاضرون من الملائكة والناس، وهو موافق لقول مَنْ قال يحرم أكل الثوم على مَنْ قصد الصلاة في الجماعة، ويرد عليه أنه يلزم من ذلك تأثيم عثمان. والجواب أنه كان معذورًا؛ لأنه إنما تركه ذاهلًا عن الوقت مع أنه يحتمل أن يكون قد اغتسل في أوّل النهار لما ثبت في "مسلم" عن حمران أن عثمان لم يكن يمضي عليه يوم حتى يفيض عليه الماء، وإنما لم يعتذر بذلك لعمر كما اعتذر عن التأخر؛ لأنه لم يتصل غسله بذهابه إلى الجمعة كما هو الأفضل. وعن بعض الحنابلة التفصيل بين ذي النظافة فيجب على الثاني دون الأول نظرًا إلى العلة وحكى ابن المنذر عن إسحاق بن راهويه أن قصة عمر وعثمان تدل على وجوب الغُسل لا على عدم وجوبه من جهة ترك عمر الخطبة واشتغاله بمعاتبة عثمان وتوبيخ مثله على رؤوس الناس، فلو كان ترك الغُسل مباحًا لما فعل عمر ذلك وإنما لم يرجع عثمان للغُسل لضيق الوقت أو لو فعل لفاتته الجمعة أو لكونه كان اغتسل كما مرّ. وقال ابن دقيق العيد: ذهب الأكثرون إلى استحباب غُسل الجمعة وهم محتاجون إلى الاعتذار عن مخالفة هذا الظاهر، وقد أوّلوا صيغة الأمر على الندب وصيغة الوجوب على التأكيد كما يقال (إكرامك عليّ واجب) وهو تأويل ضعيف إنما يصار إليه إذا كان المعارض راجحًا على هذا الظاهر، وأقوى ما عارضوا به هذا الظاهر حديث: "مَنْ توضأَ يومَ الجمعةِ فيها ونعمتْ وَمنْ اغتسلَ فالغُسلُ أفضلُ" فعوّل على المعارضة به كثير من المصنفين، ووجه الدلالة منه قوله: "فالغُسلُ أفضل" فإنه يقتضي اشتراك الوضوء والغُسل في أصل الفضل، فيستلزم إجزاء الوضوء ولهذا الحديث طرق أشهرها وأقواها رواية الحسن عن سمرة أخرجها أصحاب "السنن" الثلاثة وابن خزيمة وابن حِبّان وله علتان: إحداهما أنه من عنعنة الحسن. والأخرى أنه

стр. 4464

اختلف عليه فيه، وعلى كل حال سنده لا يعارض سند هذه الأحاديث. وأخرجه ابن ماجه عن أنس والطبراني عن عبد الرحمن بن سمرة والبزار عن أبي سعيد وابن عدي عن جابر وكلها ضعيفة، وقد تأولوا حديث الباب بتأويل مستنكر وهو ما نقله ابن دحية عن القدوري من الحنفية فحمل لفظ الوجوب على السقوط فقال: قوله: "واجب" أي: ساقط، وقوله: "على" بمعنى (عن) فيكون المعنى أنه غير لازم ولا يخفى ما فيه من التكلف. وقال الزين بن المنير: أصل الوجوب في اللغة السقوط، فلما كان في الخطاب على غث ثقيل كان كل ما أكد طلبه منه يسمى واجبًا كأنه سقط عليه، وهم أعم من كونه فرضًا أو ندبًا، وتعقب هذا بأن اللفظ الشرعي خاص بمقتضاه شرعًا لا وضعًا. وكأن الزين استشعر هذا الجواب فزاد أن تخصيص الواجب بالفرض اصطلاح حادث. وأجيب بأن لفظ وجب في اللغة لم ينحصر في السقوط، بل ورد بمعنى مات واضطرب ولزم وغير ذلك والذي يتبادر إلى الفهم منها في الأحاديث أنها بمعنى لزم لاسيما إذا سيقت لبيان الحكم، وفي بعض طرق حديث ابن عمر الآتي في الجمعة "الجمعة واجبة على كل مُحتلمٍ" وهو بمعنى اللزوم وأجاب عنه بعض القائلين بالندبية بأن التشبيه في الكيفية لا في الحكم. وقال ابن الجوزي يحتمل أن يكون لفظة الوجوب مغيرة من بعض الرواة أو ثابتة، ونسخ الوجوب وردّ بأن الطعن في الروايات الثابتة بالظن الذين لا مستند له لا يقبل، والنسخ لا يصار إليه إلابدليل، ومجموع الأحاديث يدل على استمرار الحكم فإن في حديث عائشة أن ذلك كان في أول الحال حيث كانوا مجهودين وأبو هريرة وابن عباس إنما صحبا النبي ﷺ بعد أن حصل التوسع بالنسبة إلى ما كانوا فيه أولًا، ومع ذلك فقد سمع كل منهما منه ﷺ الأمر بالغُسل والحث عليه والترغيب فيه، فكيف يدعى النسخ بعد ذلك وقد عارضوا حديث الباب أيضًا بأحاديث منها الحديث الآتي في الجمعة عن أبي سعيد فإن فيه "وأن يستن وأن يمسّ طيبًا". قال القرطبي: ظاهره وجوب الاستنان والطيب كذلك قال: وليسا واجبين اتفاقًا فدل على أن الغُسل ليس بواجب إذ لا يصح تشريك ما ليس بواجب مع الواجب بلفظ واحد، وتعقب بأنه لا يمتنع عطف ما ليس بواجب على الواجب لاسيما ولم يقع التصريح بحكم المعطوف. وقال ابن المنير: إن سلم أن المراد بالواجب الفرض لم ينفع دفعه بعطف ما ليس بواجب عليه؛ لأن للقائل أن يقول أخرج بدليل فبقي ما عداه على الأصل وعلى أن دعوى الإِجماع في الطيب مردود ففي "جامع سفيان بن عُيينة" عن أبي هريرة "أنه كان يُوجبُ الطيبَ يومَ الجمعةِ" وإسناده صحيح، وكذا قال بوجوله بعض أهل الظاهر. قلت: يجاب عن هذا بأن الإجماع انعقد بعد عصر أبي هريرة، وبأن خلاف بعض أهل الظاهر لا يبطل الإجماع كما هو مقرر عند أهل الأُصول ومنها حديث أبي هريرة مرفوعًا أخرجه مسلم: "مَنْ توضأ فأحسنَ الوضوءَ ثم أتى الجمعةَ فاستمعَ وأنصتَ غُفرَ له". وقال القرطبي: ذكر الوضوء وما معه مرتبًا عليه الثواب المقتضي للصحة، فدل على أن الوضوء كاف وأجيب بأنه ليس فيه نفي الغُسل، وقد ورد من وجه آخر في "الصحيحين"

стр. 4465

بلفظ: "مَنْ اغتسل" فيحتمل أن يكون ذكر الوضوء لمن تقدم غُسله على الذهاب فاحتاج إلى إعادة الوضوء. ومنها حديث ابن عباس: "أنه سُئلَ عن غُسلِ يومِ الجمعةِ أواجبٌ هو فقال: لا ولكنَّه أطهرُ لمَنْ اغتسلَ، وَمَنْ لمْ يغتسلْ فليسَ بواجبٍ عليهِ وسأخبرُكم عن بدءِ الغُسلِ: كان الناسُ مجهودينَ يلبسونَ الصوفَ ويعملونَ وكان مسجدُهم ضيقًا فلما آذى بعضهُم بعضًا قالَ النَّبيُّ ﷺ : "أيُّها الناسُ إذا كان هذا اليومُ فاغتسلوا". قال ابنُ عباس ثم جاءَ الله بالخير فلبسوا غيرَ الصوفِ وكفوا العملَ ووسعَ المسجدُ" أخرجه أبو داو والطحاوي وإسناده حسن لكن الثابت عن ابن عباس هو ما مرّ عنه قريبًا، وعلى تقدير الصحة فالمرفوع منه ورد بصيغة الأمر الدالة على الوجوب. وأما نفي الوجوب فهو موقوف من استنباط ابن عباس وفيه نظر إذ لا يلزم من زوال السبب زوال المسبب كما في الرمل والجمار، وعلى تقدير تسليمه فلمن قصر الوجوب على مَنْ به رائحة كريهة أن يتمسك به، ومنها حديث طاووس قلت لابن عباس: "زعموا أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال اغتسلوا يومَ الجمعةِ واغسلُوا رؤوسَكم إلاَّ أنْ تكونوا جُنبًا" الحديث. قال ابن حِبّان بعد أن أخرجه فيه: إنّ غُسل الجمعة يجزىء عنه غسل الجنابة، وإن غُسل الجمعة ليس بفرض، إذ لو كان فرضًا لم يجز عنه غيره، وهذه الزيادة "إلاّ أن تكونوا جُنُبًا" وهذا هو المحفوظ عن الزهري. ومنها حديث عائشة الآتي في الجمعة بلفظ "لو اغتسلتم" فميما عرض وتنبيه لا حتم ووجوب. وأجيب بأنه ليس فيه نفي الوجوب وبأنه سابق على الأمر به والإعلام بوجوبه، ونقل الزين بن المنير بعد قول الطحاوي لما ذكر حديث عائشة فدل على أن الأمر بالغُسل لم يكن للوجوب وإنما كان لعلة ثم ذهبت تلك العلة فذهب الغُسل، وهذا من الطحاوي ويقتضي سقوط الغُسل أصلًا فلا يعد فرضًا ولا مندوبًا لقوله زالت العلة إلخ، فيكون مذهبًا ثالثًا في المسألة، ولا يلزم من زوال العلة سقوط الندب تعبدًا ولاسيما مع احتمال وجود العلة المذكورة. ثم إن هذه الأحاديث كلها لو سلمت لما دلت إلا على نفي اشتراط الغُسل لا على الوجوب المجرد كما مرّ. وقد حكى ابن العربي وغيره أن بعض أصحابهم قالوا: يجزىء عن الاغتسال للجمعة التطيب؛ لأن المقصود النظافة. وقال بعضهم لا يشترط له الماء المطلق، بل يجزىء بماء الورد ونحوه. وقد عاب ابن العربي ذلك وقال: هؤلاء وقفوا مع المعنى وأغفلوا المحافظة على التعبد بالمعين، والجمع بين التعبد والمعين أولى. وعكس ذلك قول بعض الشافعية بالتيمم فإنه تعبد دون نظر إلى المعنى، وأما الاكتفاء بغير الماء المطلق فمردود؛ لأنها عبادة لثبوت الترغيب فيها يحتاج إلى النيّة ولو كان لمحض النظافة لم تكن كذلك. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ علي بن المديني في الرابع عشر من العلم، ومرَّ سفيان بن عُيينة في الأول من بدء الوحي، ومرّ صفوان بن سليم في التاسع والعشرين من الغُسل، ومرّ عطاء بن يسار في الثاني والعشرين من الإيمان، ومرّ أبو سعيد الخدري في الثاني عشر من الإيمان.

стр. 4466

لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والقول، ورواته ما بين مكي ومدني وبصري. أخرجه البخاري أيضًا فيا الصلاة، وفي "الشهادات"، وكذلك مسلم وأبو داود في "الطهارة"، والنَّسائيّ وابن ماجه في "الصلاة".

стр. 4467

الحديث السادس والعشرون بعد المئة حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو قَالَ: أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ لَيْلَةً، فَنَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنٍّ مُعَلَّقٍ وُضُوءًا خَفِيفًا يُخَفِّفُهُ عَمْرٌو وَيُقَلِّلُهُ جِدًّا ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَقُمْتُ فَتَوَضَّأْتُ نَحْوًا مِمَّا تَوَضَّأَ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَحَوَّلَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ صَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، فَأَتَاهُ الْمُنَادِي يُؤْذِنُهُ بِالصَّلاَةِ فَقَامَ مَعَهُ إِلَى الصَّلاَةِ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. قُلْنَا لِعَمْرٍو إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَنَامُ عَيْنُهُ وَلاَ يَنَامُ قَلْبُهُ. قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: إِنَّ رُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ ثُمَّ قَرَأَ ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾. وجه الدلالة من هذا الحديث على الترجمة هو ان فيه وضوء ابن عباس وصلاته مع النَّبيّ ﷺ وتقريره له على ذلك بأن حوّله فجعله عن يمينه وهو صبي، وهذا الحديث قد مرّ مرارًا تامًا ومختصرًا، ومرّ الكلام عليه متفرقًا. مرّ الكلام على حقيقة الرؤيا وأنواعها في كتاب العلم عند حديث "مَنْ رآني في المنام". ومرّ الكلام على نومه ﷺ في كتاب العلم في باب (السمر في العلم وفي التيمم) في باب (الصعيد الطيب وضوء المسلم). ومرّ الكلام على أحكام الوتر مستوفى إلاَّ اليسير في باب (قراءة القرآن بعد الحدث وغيره) وفي باب (الحلق والجلوس في المسجد من أبواب المساجد). رجاله خمسة: وفيه لفظ "ميمونة" ولفظ "وأتى المنادي يأذنه" وهم قد مرّوا، مرّ ذكر محل علي وسفيان في الذي قبله، ومرَّ عمرو بن دينار في الرابع والخمسين من العلم، ومرّت أُمنا ميمونة في الثامن والخمسين منه، ومرّ كريب في الرابع من الوضوء ومرّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي. والمنادي للصلاة الظاهر أنه بلال بن حمامة وقد مرّ في التاسع والثلاثين من العلم، وقد مرّ ما يتعلق بهذا الحديث في الرابع من الوضوء.

стр. 4468

الحديث السابع والعشرون بعد المئة حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ فَقَالَ: قُومُوا فَلأُصَلِّيَ بِكُمْ. فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْيَتِيمُ مَعِي، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ. وجه مطابقته للترجمة من جهة أن اليتم دال على الصبا إذ لا يتم بعد احتلام، وقد أقره ﷺ على ذلك. وهذا الحديث قد مرَّ في باب (الصلاة على الحصير) ومرَّ الكلام عليه هناك مستوفى. رجاله أربعة: وفيه ذكر مُليكة واليتيم، وقد مرّ الجميع، مرَّ إسماعيل بن أبي أويس في الخامس عشر من الإيمان، ومرّ أنس في السادس منه، ومرّ مالك في الثاني من بدء الوحي، ومرّ إسحاق بن عبد الله في الثامن من العلم، ومرّت مُليكة واليتيم وهو ضميرة بن أبي ضميرة في الثاني والثلاثين من الصلاة، ومرَّ هناك ما يتعلق بهذا الحديث.

стр. 4469

الحديث الثامن والعشرون بعد المئة حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاِحْتِلاَمَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، فَنَزَلْتُ وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ. وجه مطابقته للترجمة في مروره بين يدي بعض الصفوف ودخوله معهم وتقريره على ذلك. وقال فيه إنه قد "ناهز الاحتلام" أي: قاربه. وهذا الحديث قد مرّ في باب (متى يصح سماع الصغير) من كتاب العلم وفي باب (سترة الإِمام سترة من خلفه). وقد استوفى الكلام عليه في المحل الأول وما لم يذكر في المحل الأول ذكر في المحل الثاني. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ عبد الله بن مسلمة في الثاني عشر من الإيمان، ومرّ مالك في الثاني من بدء الوحي، ومرّ ابن شهاب في الثالث منه، ومرّ عبيد الله بن عبد الله في السادس منه وابن عباس في الخامس منه، وقد مرّ الكلام عليه في باب (متى يصح سماع الصغير).

стр. 4470

الحديث التاسع والعشرون بعد المئة حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ . وَقَالَ عَيَّاشٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْعِشَاءِ حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ قَدْ نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ يُصَلِّي هَذِهِ الصَّلاَةَ غَيْرُكُمْ. وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَوْمَئِذٍ يُصَلِّي غَيْرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وهذا الحديث قد مرّ الكلام عليه في كتاب المواقيت في باب (فضل العشاء) وباب (النوم قبل العشاء) لمن غلب. ومطابقته للترجمة هنا هي ما قال ابن رشيد فإنه قال فهم منه البخاري أن النساء والصبيان الذين ناموا كانوا حضورًا في المسجد، وليس الحديث صريحًا في ذلك إذ يحتمل أنهم ناموا في البيوت لكن الصبيان جمع محلى باللام فيعم من كان منهم مع أمه أو غيرها في البيوت، ومَنْ كان مع أُمه في المسجد. وقد مرّ حديث أبي قتادة في الجماعة ويأتي في الباب الذي يلي هذا رفعه: "أني لأقومُ إلى الصلاةِ فأسمعُ بكاءَ الصبيِّ فأتجوزُ في صلاتي كراهيةَ أنْ أشقَ على أُمِّهِ". والظاهر في هذا الحديث أن الصبي كان مع أُمه في المسجد، وأن احتمال أنها كانت تركته نائمًا في بيتها وحضرت الصلاة فاستيقظ في غيبتها فبكى بعيد، فالظاهر الذي فهمه البخاري أن القضاء بالمرئي أولى من القضاء بالمقدر. وقوله: "وقال عياش" في بعض الروايات "قال لي عياش" وتحول الإِسناد عبد الأكبر من بعد الزهري وأتمه في رواية المستملي. رجاله ثمانية: وفيه ذكر عمر وقد مرّ الجميع، مرَّ أبو اليمان وشعيب في السابع من بدء الوحي، والزهري في الثالث منه، وعروة وعائشة في الثاني منه، ومرّ عمر في الأول منه، ومرّ معمر في متابعة بعد الرابع منه، ومرّ عياش بن الوليد في الخامس والثلاثين من الغُسل، ومرّ عبد الأعلي بن حماد في الرابع والثلاثين منه أيضًا. وهذا الحديث قد مضى الكلام عليه في باب (فضل العشاء).

стр. 4471

الحديث الثلاثون والمئة حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قال: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَابِسٍ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: شَهِدْتَ الْخُرُوجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: نَعَمْ، وَلَوْلاَ مَكَانِي مِنْهُ مَا شَهِدْتُهُ يَعْنِي مِنْ صِغَرِهِ. أَتَى الْعَلَمَ الَّذِي عِنْدَ دَارِ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ، ثُمَّ خَطَبَ ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُهْوِى بِيَدِهَا إِلَى حَلْقِهَا تُلْقِى فِي ثَوْبِ بِلاَلٍ، ثُمَّ أَتَى هُوَ وَبِلاَلٌ الْبَيْتَ. وجه مطابقته للترجمة في شهود ابن عباس صلاة العيد مع النبي ﷺ وقد صرّح فيه بأنه كان صغيرًا. قوله: "شهدت العيد مع النبي" أي: حضرت الخروج إلى مصلى العيد مع النبيِّ ﷺ "قال: نعم، شهدته". وقوله: "ولولا مكاني منه" أي: من النبيِّ ﷺ يعني لولا قربي ومنزلتي منه ﵊ ما شهدت. وقال بعضهم الضمير في (منه) يرجع إلى غير مذكور وهو الصغر، ويؤيد هذا العمل الرواية الآتية في العيدين (ولولا مكاني من الصغر شهدته) والأول متجه لكن هذا السياق يخالفه وفيه نظر؛ لأن الغالب أن الصغر في مثل هذا يكون مانعًا لا مقتضيًا، فلعل فيه تقديمًا وتأخيرًا ويكون قول من الصغر متعلقًا بما بعده، فيكون المعنى لولا منزلتي من النبي ﷺ ما حضرت من أجل صغري. ويمكن حمله على ظاهره، وأراد بشهوده ما وقع من شهود وعظه للنساء؛ لأن الصغير يقتضي أن يغتفر له الحضور معهن بخلاف الكبير. وقال ابن بطال: خروج الصبيان إلى المصلى إنما هو إذا كان الصبي ممن يضبط نفسه من اللعب ويعقل الصلاة ويتحفظ مما يفسدها، ألا ترى إلى ضبط ابن عباس القصة وفيه نظر: لأن مشروعية حضور الصبيان للمصلى إنما هو للتبرك وإظهار شعار الإِسلام بكثرة من يحضر منهم؛ ولذلك شرع للحائض كما مرَّ في كتاب الحيض فهو شامل لمن تقع منهم الصلاة أو لا وعلى هذا، إنما يحتاج أن يكون مع الصبيان من يضبطهم عمّا ذكر من اللعب ونحوه سواء صلّوا أم لا. وأما ضبط ابن عباس القصة فلعله كان لفرط ذكائه. قلت: مذهب مالك أن الصبي يجوز إحضاره للمسجد إذا كان لا يعبث أو يكف إذا نهي عن العبث. قوله: "أتى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت" وفي رواية العيدين حتى "أتى العلم" وفي

стр. 4472

هذه الرواية ذكر الغاية بغير ابتداء، والمعنى خرج رسول الله ﷺ أو شهدت الخروج معه حتى أتى وكأنه حذف لدلالة السياق عليه والعَلَم بالتحريك الشيء الشاخص يقال للمنار وللجبل وللراية وللعلامة، وإنما بنى كثير بن الصلت. داره بعد النبي ﷺ بمدة لكنها لما صارت شهيرة في تلك البقعة وصف المصلى بمجاورتها. قال ابن سعد: كانت دار كثير بن الصلت قبلة المصلى في العيدين، وهي تطل على بطن بطحان الوادي الذي في وسط المدينة. وقوله: "تهوي بيدها إلى حلَقها" أي: تمدها نحوها وتميها إليها. يقال: أهوى يده وييده إلى الشيء ليأخذه، وحلَقها بفتح اللام جمع حلقة وهي الخاتم لا فص له. وقوله: "في ثوب بلال" من الإلقاء وهو الرمي وفي رواية أبي داود "فجعلن النساء يشرن إلى آذانهن وحلوقهن". وهذا الحديث قد مرّت مباحثه مستوفاة في باب (عظة الإِمام النساء) من كتاب العلم. رجاله خمسة: وفيه لفظ رجل مبهم وكثير بن الصلت وقد مرّت رجاله إلا عبد الرحمن، مرّ عمرو بن علي الفلاس في السابع والأربعين من الوضوء ومرّ يحيى القطان في السادس من الإيمان، وسفيان الثوري في السابع والعشرين منه، ومرّ ابن عباس من بدء الوحي. وعبد الرحمن هو ابن عابس بن ربيعة النخعي الكوفي ذكره ابن حِبّان في "الثقات" وقال ابن معين وأبو حاتم والنَّسائيّ: ثقة. وقال العجلي: ثقة، ووثقه ابن نمير وابن وضاح روى عن أبيه وعمه مخرمة وابن عباس وعبد الرحمن بن أبي ليلى وغيرهم. وروى عنه الثوري وشعبة وحجاج بن أرطأة وغيرهم. مات سنة تسع عشرة ومئة. وكثير بن الصلت بن معدي كرب بن وليعة الكندي يكنى أبا عبد الله حليف قريش وعدادهم في بني جمح، ثم تحولوا إلى العباس. قال ابن سعد: وقد عمومته إلى النَّبيّ ﷺ فأسلموا ثم رجعوا إلى اليمن فارتدوا وقتلوا يوم النحر، ثم هاجر كثير وزبيد وعبد الرحمن بنو الصلت إلى المدينة. قال ابن سعد: ولد كثير في عهد النبي ﷺ وكان له شرف وحال جميلة. وأورده ابن حِبّان في التابعين، وأخرج ابن سعد بسند صحيح إلى نافع أن اسم كثير بن الصلت كان قليلًا فسماه عمر كثيرًا. وروى أبو عوانة أن الذي سمّاه كثيرا النبي ﵊ والأول أصح فكأنه كان ولد قبل أن يهاجر أبوه وهاجر به معه، ثم رجع إلى بلده ثم هاجر كثير. وقال محمد بن سلام الجمحي اختصم الشماخ وزوجته إلى كثير بن الصلت وكان عثمان أقعده للنظر بين الناس حديثه في النَّسائيّ، وله ذكر في "الصحيح". روى عن أبي بكر وعمر وزيد بن ثابت وروى عنه يونس بن جبير وأبو علقمة. والرجل المبهم لم يسم. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإفراد والسماع والقول. ورواته ما بين بصريّ وكوفيّ. أخرجه البخاري

стр. 4473

أيضًا في "العيدين" وفي "الاعتصام" وأبو داو والنَّسائيّ في "الصلاة". ثم قال المصنف: باب خروج النساء إلى المساجد بالليل والغلس أورد فيه أحاديث بعضها مطلق في الزمان وبعضها مقيد بالليل أو الغلس؛ فحمل المطلق في الترجمة على المقيد، وللفقهاء في ذلك تفاصيل وأقوال.

стр. 4474

الحديث الحادي والثلاثون والمئة حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْعَتَمَةِ حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ غَيْرُكُمْ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ. وَلاَ يُصَلَّي يَوْمَئِذٍ إِلاَّ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانُوا يُصَلُّونَ الْعَتَمَةَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الأَوَّلِ. مطابقته للترجمة في قوله: "نام النساء" ولولا فهم البخاري أن النساء كنّ حضورًا في المسجد لما وضعه في هذا الباب بهذه الترجمة. وقوله: "أَعتَمَ بالعَتَمَةِ" بفتحتين أي: أبطأ بها وأخرها. وهذا الحديث قد مرَّ الكلام عليه في باب (فضل العشاء) وباب (النوم قبل العشاء). رجاله خمسة: وفيه ذكر عمر، وقد مرّ ذكر محل الجميع في الذي قبله بحديث.

стр. 4475

الحديث الثاني والثلاثون والمئة حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ حَنْظَلَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا اسْتَأْذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسْجِدِ فَأْذَنُوا لَهُنَّ. مطابقته للترجمة من حيث تقييده بالليل وهو ظاهر قوله نساؤكم بالليل لم يذكر أكثر الرواة عن حنظلة قوله: "بالليل" وفي رواية مسلم بهذا القيد. وقد اختلف فيه على الزهري عن سالم أيضًا فرواه المصنف بعد بابين عن معمر عن الزهري بغير تقييد. وأخرجه أيضًا في "النكاح" بغير قيد، وبيّن ابن خزيمة أن سفيان بن عُيينة هو القائل يعني، وله من وجه آخر عن ابن عُيينة قال: قال نافع: "بالليل" وكان اختصاص الليل بذلك لكونه أستر، ولا يخفى أن محل ذلك إذا أمنت الفتنة منهن وعليهن. قال النووي: "استدل به على أن المرأة لا تخرج من بيت زوجها إلا بإذنه لتوجه الأمر إلى الأزواج بالاذن، وتعقبه ابن دقيق العيد بأنه إن أخذ من المفهوم فهو مفهوم لقب وهو ضعيف، لكن يتقوى بأن يقال: إن منع الرجال نساءهم أمر مقرر وإنما علّق الحكم بالمساجد لبيان محل الجواز فيبقى ما عداه على المنع، وفيه إشارة إلى أن الإذن المذكور لغير الوجوب؛ لأنه لو كان واجبًا لانتفى معنى الاستئذان؛ لأن ذلك إنما يتحقق إذا كان مخيرًا في الإجابة والرد، ويأتي بقية البحث عند حديث عائشة. رجاله أربعة: قد مرّوا، مرّ عبيد الله بن موسى وحنظلة بن أبي. سفيان في الأول من الإيمان، ومرّ سالم في السابع عشر منه، ومرّ عبد الله في أوله قبل ذكر حديث منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة، ورواته ما بين مدنيّ ومكيّ وكوفيّ. أخرجه مسلم في "الصلاة". ثم قال تابعه شعبة عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر عن النبي ﷺ وهذه المتابعة وصلها أحمد بزيادة تأتي قريبًا. وقد قال المزي في "الأطراف" تبعًا لخلف وأبي مسعود إن هذه المتابعة وقعت بعد رواية ورقاء عن عمرو بن دينار عن مجاهد عن ابن عمر، وهذه الرواية أخرجها المصنف في "الجمعة" بلفظ: "ائذنوا للنساءِ بالليل إلى المساجدِ". ولم يذكر أحد من الرواة بعدها هذه المتابعة ولا غيرها. ووافقه مسلم على إخراجها من هذا الوجه، وزاد فيه فقال لهُ ابنٌ يُقالُ لهُ

стр. 4476

(واقدٌ) إذا يتخذنه دغلًا، قال: فضرب في صدره وقال: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتقول: لا. وليس في شيء من طرق هذا الحديث التي أخرجها البخاري ذكر لهذه القصة وكأن البخاري اختصرها للاختلاف في تسمية ابن عبد الله بن عمر. فقد رواه مسلم من وجه آخر عن بلال بن عبد الله بن عمر عن أبيه بلفظ: "لا تمنعوا النساءَ حظوظهنَّ من المساجدِ إذا استأذنّكُم". فقال بلال: "واللهِ لنمنعهنَّ" الحديث فسمى الابن هنا بلالًا من روايته. وللطبراني عن بلال نحوه وفيه فقلت: أما أنا فسأمنع أهلي، فمَنْ شاء فليسرّح أهله. وفي رواية يونس عن ابن شهاب عن سالم في هذا الحديث قال: قال بلال بن عبد الله: والله لنمنعهن. ومثله في رواية عقيل عند أحمد وعنده في رواية شعبة عن الأعمش فقال سالم أو بعض بنيه: "والله لا ندعهنَّ يتخذنَهُ دغلا" الحديث. والراجح أن صاحب القصة بلال لورود ذلك من روايته نفسه ومن رواية أخيه سالم، ولم يختلف عليهما في ذلك. وأما هذه الرواية الأخيرة فمرجوحة لوقوع الشك فيها ولم يقع في شيء من الروايات عن الأعمش ولا عن شيخه مسمى، فإن كانت رواية عمرو بن دينار عن مجاهد محفوظة في تسميته واقدًا فيحتمل أن يكون كل من بلال وواقد وقع منه ذلك إما في مجلس أو مجلسين. وأجاب ابن عمر كلًا منهما بجواب يليق به ويقويه اختلاف النقلة في جواب ابن عمر، ففي رواية بلال عند مسلم فأقبل عليه عبد الله فسبّه سبًّا سيئًا ما علمته سبّه مثله قط. وفسّر عبد الله بن هبيرة في رواية الطبراني السبّ المذكور باللعن ثلاث مرات. وفي رواية زائدة عن الأعمش فانتهره وقال: أف لك وله عن ابن نمير عن الأعمش فعل الله بك وفعل. قلت: انظر هذا مع ما مرّ قريبًا عن صاحب "الفتح" من أن الأعمش لم ترو عنه التسمية لأحد، فإن قوله: "فانتهره"، وقوله: "فعل الله بك" لا يمكن إلا مع التسمية. ولمسلم من رواية أبي معاوية "فزبره". ولأبي داود عن جرير فسبه وغضب. فيحتمل أن يكون بلال البادىء؛ فلذلك أجابه بالسبّ المفسر باللعن وإن يكون واقد بدأه؛ فلذلك أجابه بالسبّ المفسر بالتأفيف مع الدفع في صدره، وكان السر في ذلك أن بلالًا عارض الخبر برأيه، ولم يذكر علّة المخالفة، ووافقه واقد لكن ذكرها بقوله: "يتخذنه دَغَلًا" وهو بفتح المهملة والمعجمة وأصله الشجر الملتف ثم استعمل في المخادعة لكون المخادع يلف في ضميره أمرًا ويظهر غيره وكأنه قال ذلك لما رأى من فساد بعض النساء في ذلك الوقت وحملته على ذلك المغيرة، وإنما أنكر عليه ابن عمر لتصريحه بمخالفة الحديث وإلا فلو قال مثلًا: إن الزمان قد تغير، وإن بعضهن ربما ظهر منه قصد المسجد وإضمار غيره لكان يظهر أن لا ينكر عليه وإلى ذلك أشارت عائشة بما ذكر في الحديث الأخير. وأخذ من إنكار عبد الله على ولده تأديب المعترض على السنن برأيه وعلى العالم بهواه وتأديب الرجل ولده وإن كان كبيرًا إذا تكلّم بما لا ينبغي له، وجواز التأديب بالهجران. ففي رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد عند أحمد فما كلّمه عبد الله حتى مات، وهذا إن كان محفوظًا

стр. 4477

يحتمل أن يكون أحدهما مات بعد هذه القصة بيسير. رجال المتابعة أربعة: مرّوا، مرّ شعبة في الثالث من الإيمان، ومرّ الأعمش في الخاص والعشرين منه، ومرّ مجاهد وابن عمر في آثار أوله قبل ذكر حديث منه.

стр. 4478

الحديث الثالث والثلاثون والمئة حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَتْنِي هِنْدُ بِنْتُ الْحَارِثِ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهَا أَنَّ النِّسَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُنَّ إِذَا سَلَّمْنَ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ قُمْنَ، وَثَبَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ صَلَّى مِنَ الرِّجَالِ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَإِذَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَامَ الرِّجَالُ. مطابقته للترجمة من حيث إنه يدل على أن النساء كنّ يخرجن إلى المساجد، ودلالته على ذلك أعم من أن يكون ذلك بالليل أو بالنهار. وهذا الحديث مرّ الكلام عليه مستوفى في باب التسليم. رجاله ستة: قد مرّوا، مرّ عبد الله بن محمد المسندي في الثاني من الإيمان، ومرّ عثمان بن عمر في السابع والعشرين من الغُسل، ومرّ يونس في متابعة بعد الرابع من بدء الوحي، ومرّ الزهري في الثالث منه، ومرّت هند بنت الحارث وأُم سلمة في السادس والخمسين من العلم.

стр. 4479

الحديث الرابع والثلاثون والمئة حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ، فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ. مطابقته للترجمة ظاهرة وهي خروج النساء إلى المساجد بالليل، وقوله: "متلفعات" حال من النساء أي: متلحفات من التلفع، وهو شد اللفاع وهو ما يغطي الوجه ويلتحف به. والمُروط جمع مِرط بكسر الميم وهو كساء من صوف أو خز يؤتزر به. والغلَس بفتح اللام بقية ظلمة الليل. وهذا الحديث مرّ الكلام عليه في باب (في كم تصلي المرأة من الثياب) وفي باب (وقت الفجر). رجاله ستة: قد مرّوا، مرّ عبد الله بن مسلمة في الثاني عشر من الإيمان، ومرَّ عبد الله بن يوسف ومالك وعائشة في الثاني من بدء الوحي، ومرّ يحيى بن سعيد في الأول منه، ومرّت عمرة بنت عبد الرحمن في الثاني والثلاثين من الحيض. وفي هذا الحديث حاء التحويل، وقد مرّ الكلام عليه في السادس من بدء الوحي، وقد مرّ ما يتعلق بهذا الحديث.

стр. 4480

الحديث الخامس والثلاثون والمئة حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِسْكِينٍ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ قال: أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ قال: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنِّي لأَقُومُ إِلَى الصَّلاَةِ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاَتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ. مطابقته للترجمة تفهم من قوله: "كراهية أن أَشق على أُمِّه"؛ لأنه يدل على حضور النساء إلى المساجد مع النبيِّ ﷺ وهو أيضًا أعم من أن يكون بالليل أو بالنهار. وهذا الحديث قد مرّ الكلام عليه في باب (مَنْ أخف الصلاة عند بكاء الصبي). وقوله: "فأتجوّز" أي: أخفف. وقوله: "كراهية" نصب على التعليل أي: لأجل كراهية أن أشق. ويروى "مخافةَ أن أشقَ" وكلمة (أنْ) مصدرية. رجاله ستة: قد مرّوا إلّا محمد بن مسكين، مرّ بشر بن بكر في متابعة بعد الستين من "الجماعة"، ومرّ الأعمش في العشرين من العلم، ومر يحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين منه، ومرّ عبد الله بن أبي قتادة وأبوه في التاسع عشر من الوضوء. ومحمد بن مسكين بن نُمَيْلة بالتصغير أبو الحسن اليمامي نزيل بغداد. قال البخاري: حدّثنا محمد بن مسكين اليمامي ثقة مأمون. وقال أبو داود: كان ثقة -رحمه الله تعالى- وذكره ابن حِبّان في "الثقات"، وقال الخطيب: ثقة، وقال مسلمة: لا بأس به. وقال الحاكم: روى عنه مسلم حديثًا واحدًا. وذكره الدارقطني في أفراد البخاري، وذكره النَّسائيّ في "مشيخته" وقال: لا بأس به، روى عن بشر بن بكر وصفان وعباد بن عمر اليمامي وأبو مسهر وغيرهم. وروى عنه البخاري ومسلم وأبو داود والنَّسائيّ وابن أبي عاصم ومحمد بن أبي عتاب الأعين. ومات قبله، مات ببغداد سنة تسع وثمانين ومئتين واليمامي في نسبه نسبة إلى اليمامة، وهي بلاد الجو سميت باسم اليمامة جارية زرقاء كانت تبصر الراكب من مسيرة ثلاثة أيام، كانت بلاد الجو أحسن بلاد الله أرضًا وأكثرها خيرًا وشجرًا ونخيلًا، وسبب التسمية هو أن تبعًا لما فتح حصون الجو امتنع عليه الحصين الذي كانت فيه زرقاء اليمامة فحاصره حتى اقتحمه، وقبض على زرقاء اليمامة، وأمر بقلع عينيها فوجد عروقها كلها محشوة بالأثمد، وأمر بصلبها على باب جو

стр. 4481

وأن تسمى باسمها، وفي ذلك يقول تبّع: وسميتْ جوًّا باليمامةِ بعدما ... تركتْ عيونًا باليمامةِ هملا فلا تدع جَوًّا ما بقيتْ باسمها ... ولكنّها تُدعى اليمامةَ مقبلا وهي في وسط الشرق على ستة عشر مرحلة من البصرة وعن الكوفة مثلها. وقال ياقوت: بين اليمامة والبحرين عشرة أيام، وهي معدودة من نجد وقاعدتها حجر وبها تنبأ مسيلمة الكذّاب وفتحها خالد بن الوليد -رضي الله تعالى عنه-.

стр. 4482

الحديث السادس والثلاثون والمئة حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَوْ أَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ. قُلْتُ لِعَمْرَةَ أَوَ مُنِعْنَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قوله: "كما مُنعت نساء بني إسرائيل" يحتمل أن تكون شريعتهم المنع، ويحتمل أن تكون منعن بعد الإباحة، ويحتمل غير ذلك مما لا طريق لنا إلى معرفته إلا بالخبر. وقوله: "قلت لعمرة" القائل هو يحيى بن سعيد. وقوله: "أو منعن" بهمزة الاستفهام وواو العطف والفعل المجهول والضمير الذي فيه يعود على نساء بني إسرائيل، والذي يظهر أن عمرة تلقت ذلك عن عائشة، ويحتمل أن يكون ذلك عن غيرها. وقد ثبت ذلك عن عروة على عائشة موقوفًا أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح ولفظه: "قال: كنّ نساءَ بني إسرائيلَ يتخذنَ أرجلًا مِنْ خشبٍ يتشرفن للرجالِ في المساجدِ فَحرَّمَ اللهُ عليهن المساجدَ، وسُلطتْ عليهنَّ الحيضةُ". وهذا وإن كان موقوفًا حكمه حكم الرفع؛ لأنه لا يقال بالرأي، وروى عبد الرزاق أيضًا نحوه بإسناد صحيح عن ابن مسعود. وقد مرت الزيادة على هذا في أول كتاب "الحيض"، وأحاديث الباب المذكورة دالة على جواز الخروج إلى المساجد لعموم النساء لكن الفقهاء خصوه بشروط منها: أن لا تطيّبَ، وهو في بعض الروايات "وليخرجنَ تَفِلات" وهو بفتح المثناة وكسر الفاء أي: غير متطيبات، ويقال امرأة تَفِلة إذا كانت متغيرة الريح وهو عند أبي داود وابن خزيمة عن أبي هريرة، وعند ابن حِبّان عن زيد بن خالد وأوله: "لا تمنعو إِمَاءَ اللهِ مساجد اللهِ". ولمسلم عن زينب امرأة ابن مسعود "إذا شهدتْ إحداكُنَّ المسجدَ فلا تمسنَّ طيبًا". ويلحق بالطيب ما في معناه؛ لأن سبب المنع منه ما فيه من تحويك داعية الشهوة كحسن الملبس والحلي الذي يظهر والزينة الفاخرة، وكذا الاختلاط بالرجال. وفرق كثير من الفقهاء المالكية وغيرهم بين الشابة وغيرها وفيه نظر إلا إن أخذ الخوف عليها من جهتها؛ لأنها إذا عريت مما ذكر وكانت مستترة حصل الأمن ولاسيما إذا كان ذلك بالليل. وقد ورد في بعض طرق هذا الحديث وغيره ما يدل على أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد وذلك فيما أخرجه أبو داود وصححه ابن خزيمة عن ابن عمر بلفظ: "لا تمنعوا نساءَكُم

стр. 4483

المساجدَ، وبيوتُهُنَّ خيرٌ لهنَّ". ولأحمد والطبراني عن "أُم حميد الساعدية أنها جاءتْ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقالت: يا رسولَ اللهِ إني أحب الصلاةَ معكَ قال: قد علمتُ، وصلاتُكِ في بيتِكِ خيرٌ لك من صلاتِكِ في حجرتِكِ، وصلاتُكِ في حجرتِكِ خيرٌ لكِ من صلاتِكِ في دارِكِ، وصلاتُكِ في دارِكِ خيرٌ لكِ من صلاتِكِ في مسجدِ قومِكِ، وصلاتُكِ في مسجدِ قومِكِ خيرٌ لكِ من صلاتِكِ في مسجدِ الجماعةِ". وله شاهد من حديث ابن مسعود عند أبي داود، وقال ابن مسعود: "والمرأةُ عورةٌ وأقربُ ما تكونُ إلى اللهِ في قعرِ بيتِها، فإذا خرجتْ استشرفَها الشيطانُ". وكان ابن عمر -رضي الله تعالى عنه- يقوم بحصب النساء يوم الجمعة يخرجهن من المسجد. وقال أبو عمرو الشيباني: "سمعت ابنَ مسعودٍ حلفَ فبالغَ في اليمين ما صلّتْ امرأةٌ صلاةً أحبَ إلى اللهِ تعالى من صلاتِها في بيتها إلا في حجةٍ أو عمرة إلا امرأةً قدَ يئستْ مِنَ البعولةِ". وكان إبراهيم يمنع نساءه الجمعة والجماعة. وسئل الحسن البصري عن امرأة حلفت إن خرج زوجها من السجن أن تصلي في كل مسجد تجمع فيه الصلاة بالبصرة ركعتين. فقال الحسن: تصلي في مسجد قومها؛ لأنها لا تطيق ذلك لو أدركها عمر -رضي الله تعالى عنه- لأوجع رأسها ووجه كون صلاتها في الإخفاء أفضل تحقق الأمن فيه من الفتنة. ويتأكد ذلك بعد وجود ما أحدث النساء من التبرج والزينة. ومن ثم قالت عائشة ما قالت في هذا الحديث، وتمسك بعضهم بقول عائشة في منع النساء مطلقًا، وفيه نظر إذ لا يترتب على ذلك تغير الحكم؛ لأنها علقته على شرط لم يوجد بناء على ظن ظنته، فقالت: "لو رأى لمنع" فيقال لم ير ولم يمنع فاستمر الحكم حتى إن عائشة لم تصرح بالمنع وإن كان كلامها يشعر بأنها كانت ترى المنع، وأيضًا فقد علم الله سبحانه ما سيحدثن مما أوحى إلى نبيّه بمنعهن، ولو كان ما أحدثن يستلزم منعهن من المساجد لكان منعهن من غيرها كالأسواق أولى، وأيضًا فالإحداث إنما وقع من بعض النساء لا من جميعهن، فإن تعيّن المنع فليكن لمن أحدثت والأولى أن ينظر إلى ما يخشى منه الفساد فيجتنب لإشارته ﷺ إلى ذلك بمنع التطيب والزينة، وكذلك التقييد بالليل. قلت: قوله: "فليكن لمن أحدثت" غير لازم؛ لأن نساء بني إسرائيل لم يثبت في حديث أنهن فعلن جميعًا، ومع ذلك عمهن المنع وإنما عم المنع سدًّا لذريعة الفساد، وقد مرّ الكلام مستوفىً على خروج النساء في الأعياد وإلى المساجد في باب (شهود الحائض العيدين) من كتاب الحيض فليراجع. وذكر العيني هنا أُمورًا كثيرة مما أحدثته نساء مصر في زمانه، ولو حضر هذا الزمان ورأى ما أحدثن في مصر وغيرها من المناكر لعد تلك المناكر الموجودة في زمنه معروفًا. وفي الحديث الصحيح عند البخاري ما من يوم إلا والذي بعده شرّ منه رجاله خمسة: مرّ ذكر محلهم في الذي قبله بحديث. أخرجه مسلم في "الصلاة" وكذا أبو داود. ثم قال المصنف: باب صلاة النساء خلف الرجال

стр. 4484

الحديث السابع والثلاثون والمئة حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ، وَيَمْكُثُ هُوَ فِي مَقَامِهِ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ. قَالَ: نَرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِكَيْ يَنْصَرِفَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الرِّجَالِ. مطابقته للترجمة من جهة أن صف النساء لو كان أمام الرجال أو بعضهم للزم من انصرافهن قبلهم أن يتخطينهم وذلك منهي عنه. وهذا الحديث قد مرّ في باب (التسليم) ومرّ الكلام عليه هناك. رجاله خمسة: قد مرّوا إلا يحيى بن قزعة: مرّ إبراهيم بن سعد في السادس عشر من الإيمان، ومرّ ابن شهاب في الثالث من بدء الوحي، ومرّت هند بنت الحارث وأُم سلمة في السادس والخمسين من العلم. ويحيى بن قزَعة بفتح الزاي وقد تسكن المكي المؤذن ذكره ابن حِبّان في "الثقات". روى عن مالك وسليمان بن بلال وإبراهيم بن سعد وغيرهم، وروى عنه البخاري وأحمد بن صالح المصري والذهلي وغيرهم، وقد مضى ما يتعلق بهذا الحديث في باب (التسليم).

стр. 4485

الحديث الثامن والثلاثون والمئة حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ إِسْحَاقَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ، فَقُمْتُ وَيَتِيمٌ خَلْفَهُ، وَأُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا. مطابقته للترجمة ظاهرة في قوله: "وأُم سُلَيم خلفنا". وقوله: "فقمت ويتيم خلفه" فيه شاهد لمذهب الكوفيين في إجازة العطف على الضمير المرفوع المتصل بدون التأكيد. وهذا الحديث قد مرّ الكلام عليه في باب (الصلاة على الحصير). رجاله أربعة: وفيه ذكر أُم سُلَيم ويتيم، وقد مرّ الجميع، مرّ أبو نعيم في الخامس والأربعين من الإيمان، ومرّ أنس في السادس منه، ومرّ إسحاق بن عبد الله في الثامن من العلم، ومرّ سفيان في الأول من بدء الوحي، ومرّت أُم سُلَيم في السبعين من العلم. واليتيم ضميرة بن أبي ضميرة. وقد مرّ في الثاني والثلاثين من كتاب "الصلاة"، ومرّ هناك ما يتعلق بهذا الحديث. ثم قال المصنف: باب سرعة انصراف النساء من الصبح وقلة مقامهن في المسجد قوله: "من الصبح" قيده بالصبح؛ لأن طول التأخير فيه يفضي إلى الإسفار فناسب الإسراع بخلاف العشاء فإنه يفضي إلى زيادة الظلمة فلا يضر المكث.
следующие страницы →