← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

وأن تسمى باسمها، وفي ذلك يقول تبّع: وسميتْ جوًّا باليمامةِ بعدما ... تركتْ عيونًا باليمامةِ هملا فلا تدع جَوًّا ما بقيتْ باسمها ... ولكنّها تُدعى اليمامةَ مقبلا وهي في وسط الشرق على ستة عشر مرحلة من البصرة وعن الكوفة مثلها. وقال ياقوت: بين اليمامة والبحرين عشرة أيام، وهي معدودة من نجد وقاعدتها حجر وبها تنبأ مسيلمة الكذّاب وفتحها خالد بن الوليد -رضي الله تعالى عنه-.

стр. 4482

الحديث السادس والثلاثون والمئة حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَوْ أَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ. قُلْتُ لِعَمْرَةَ أَوَ مُنِعْنَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قوله: "كما مُنعت نساء بني إسرائيل" يحتمل أن تكون شريعتهم المنع، ويحتمل أن تكون منعن بعد الإباحة، ويحتمل غير ذلك مما لا طريق لنا إلى معرفته إلا بالخبر. وقوله: "قلت لعمرة" القائل هو يحيى بن سعيد. وقوله: "أو منعن" بهمزة الاستفهام وواو العطف والفعل المجهول والضمير الذي فيه يعود على نساء بني إسرائيل، والذي يظهر أن عمرة تلقت ذلك عن عائشة، ويحتمل أن يكون ذلك عن غيرها. وقد ثبت ذلك عن عروة على عائشة موقوفًا أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح ولفظه: "قال: كنّ نساءَ بني إسرائيلَ يتخذنَ أرجلًا مِنْ خشبٍ يتشرفن للرجالِ في المساجدِ فَحرَّمَ اللهُ عليهن المساجدَ، وسُلطتْ عليهنَّ الحيضةُ". وهذا وإن كان موقوفًا حكمه حكم الرفع؛ لأنه لا يقال بالرأي، وروى عبد الرزاق أيضًا نحوه بإسناد صحيح عن ابن مسعود. وقد مرت الزيادة على هذا في أول كتاب "الحيض"، وأحاديث الباب المذكورة دالة على جواز الخروج إلى المساجد لعموم النساء لكن الفقهاء خصوه بشروط منها: أن لا تطيّبَ، وهو في بعض الروايات "وليخرجنَ تَفِلات" وهو بفتح المثناة وكسر الفاء أي: غير متطيبات، ويقال امرأة تَفِلة إذا كانت متغيرة الريح وهو عند أبي داود وابن خزيمة عن أبي هريرة، وعند ابن حِبّان عن زيد بن خالد وأوله: "لا تمنعو إِمَاءَ اللهِ مساجد اللهِ". ولمسلم عن زينب امرأة ابن مسعود "إذا شهدتْ إحداكُنَّ المسجدَ فلا تمسنَّ طيبًا". ويلحق بالطيب ما في معناه؛ لأن سبب المنع منه ما فيه من تحويك داعية الشهوة كحسن الملبس والحلي الذي يظهر والزينة الفاخرة، وكذا الاختلاط بالرجال. وفرق كثير من الفقهاء المالكية وغيرهم بين الشابة وغيرها وفيه نظر إلا إن أخذ الخوف عليها من جهتها؛ لأنها إذا عريت مما ذكر وكانت مستترة حصل الأمن ولاسيما إذا كان ذلك بالليل. وقد ورد في بعض طرق هذا الحديث وغيره ما يدل على أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد وذلك فيما أخرجه أبو داود وصححه ابن خزيمة عن ابن عمر بلفظ: "لا تمنعوا نساءَكُم

стр. 4483

المساجدَ، وبيوتُهُنَّ خيرٌ لهنَّ". ولأحمد والطبراني عن "أُم حميد الساعدية أنها جاءتْ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقالت: يا رسولَ اللهِ إني أحب الصلاةَ معكَ قال: قد علمتُ، وصلاتُكِ في بيتِكِ خيرٌ لك من صلاتِكِ في حجرتِكِ، وصلاتُكِ في حجرتِكِ خيرٌ لكِ من صلاتِكِ في دارِكِ، وصلاتُكِ في دارِكِ خيرٌ لكِ من صلاتِكِ في مسجدِ قومِكِ، وصلاتُكِ في مسجدِ قومِكِ خيرٌ لكِ من صلاتِكِ في مسجدِ الجماعةِ". وله شاهد من حديث ابن مسعود عند أبي داود، وقال ابن مسعود: "والمرأةُ عورةٌ وأقربُ ما تكونُ إلى اللهِ في قعرِ بيتِها، فإذا خرجتْ استشرفَها الشيطانُ". وكان ابن عمر -رضي الله تعالى عنه- يقوم بحصب النساء يوم الجمعة يخرجهن من المسجد. وقال أبو عمرو الشيباني: "سمعت ابنَ مسعودٍ حلفَ فبالغَ في اليمين ما صلّتْ امرأةٌ صلاةً أحبَ إلى اللهِ تعالى من صلاتِها في بيتها إلا في حجةٍ أو عمرة إلا امرأةً قدَ يئستْ مِنَ البعولةِ". وكان إبراهيم يمنع نساءه الجمعة والجماعة. وسئل الحسن البصري عن امرأة حلفت إن خرج زوجها من السجن أن تصلي في كل مسجد تجمع فيه الصلاة بالبصرة ركعتين. فقال الحسن: تصلي في مسجد قومها؛ لأنها لا تطيق ذلك لو أدركها عمر -رضي الله تعالى عنه- لأوجع رأسها ووجه كون صلاتها في الإخفاء أفضل تحقق الأمن فيه من الفتنة. ويتأكد ذلك بعد وجود ما أحدث النساء من التبرج والزينة. ومن ثم قالت عائشة ما قالت في هذا الحديث، وتمسك بعضهم بقول عائشة في منع النساء مطلقًا، وفيه نظر إذ لا يترتب على ذلك تغير الحكم؛ لأنها علقته على شرط لم يوجد بناء على ظن ظنته، فقالت: "لو رأى لمنع" فيقال لم ير ولم يمنع فاستمر الحكم حتى إن عائشة لم تصرح بالمنع وإن كان كلامها يشعر بأنها كانت ترى المنع، وأيضًا فقد علم الله سبحانه ما سيحدثن مما أوحى إلى نبيّه بمنعهن، ولو كان ما أحدثن يستلزم منعهن من المساجد لكان منعهن من غيرها كالأسواق أولى، وأيضًا فالإحداث إنما وقع من بعض النساء لا من جميعهن، فإن تعيّن المنع فليكن لمن أحدثت والأولى أن ينظر إلى ما يخشى منه الفساد فيجتنب لإشارته ﷺ إلى ذلك بمنع التطيب والزينة، وكذلك التقييد بالليل. قلت: قوله: "فليكن لمن أحدثت" غير لازم؛ لأن نساء بني إسرائيل لم يثبت في حديث أنهن فعلن جميعًا، ومع ذلك عمهن المنع وإنما عم المنع سدًّا لذريعة الفساد، وقد مرّ الكلام مستوفىً على خروج النساء في الأعياد وإلى المساجد في باب (شهود الحائض العيدين) من كتاب الحيض فليراجع. وذكر العيني هنا أُمورًا كثيرة مما أحدثته نساء مصر في زمانه، ولو حضر هذا الزمان ورأى ما أحدثن في مصر وغيرها من المناكر لعد تلك المناكر الموجودة في زمنه معروفًا. وفي الحديث الصحيح عند البخاري ما من يوم إلا والذي بعده شرّ منه رجاله خمسة: مرّ ذكر محلهم في الذي قبله بحديث. أخرجه مسلم في "الصلاة" وكذا أبو داود. ثم قال المصنف: باب صلاة النساء خلف الرجال

стр. 4484

الحديث السابع والثلاثون والمئة حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ، وَيَمْكُثُ هُوَ فِي مَقَامِهِ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ. قَالَ: نَرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِكَيْ يَنْصَرِفَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الرِّجَالِ. مطابقته للترجمة من جهة أن صف النساء لو كان أمام الرجال أو بعضهم للزم من انصرافهن قبلهم أن يتخطينهم وذلك منهي عنه. وهذا الحديث قد مرّ في باب (التسليم) ومرّ الكلام عليه هناك. رجاله خمسة: قد مرّوا إلا يحيى بن قزعة: مرّ إبراهيم بن سعد في السادس عشر من الإيمان، ومرّ ابن شهاب في الثالث من بدء الوحي، ومرّت هند بنت الحارث وأُم سلمة في السادس والخمسين من العلم. ويحيى بن قزَعة بفتح الزاي وقد تسكن المكي المؤذن ذكره ابن حِبّان في "الثقات". روى عن مالك وسليمان بن بلال وإبراهيم بن سعد وغيرهم، وروى عنه البخاري وأحمد بن صالح المصري والذهلي وغيرهم، وقد مضى ما يتعلق بهذا الحديث في باب (التسليم).

стр. 4485

الحديث الثامن والثلاثون والمئة حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ إِسْحَاقَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ، فَقُمْتُ وَيَتِيمٌ خَلْفَهُ، وَأُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا. مطابقته للترجمة ظاهرة في قوله: "وأُم سُلَيم خلفنا". وقوله: "فقمت ويتيم خلفه" فيه شاهد لمذهب الكوفيين في إجازة العطف على الضمير المرفوع المتصل بدون التأكيد. وهذا الحديث قد مرّ الكلام عليه في باب (الصلاة على الحصير). رجاله أربعة: وفيه ذكر أُم سُلَيم ويتيم، وقد مرّ الجميع، مرّ أبو نعيم في الخامس والأربعين من الإيمان، ومرّ أنس في السادس منه، ومرّ إسحاق بن عبد الله في الثامن من العلم، ومرّ سفيان في الأول من بدء الوحي، ومرّت أُم سُلَيم في السبعين من العلم. واليتيم ضميرة بن أبي ضميرة. وقد مرّ في الثاني والثلاثين من كتاب "الصلاة"، ومرّ هناك ما يتعلق بهذا الحديث. ثم قال المصنف: باب سرعة انصراف النساء من الصبح وقلة مقامهن في المسجد قوله: "من الصبح" قيده بالصبح؛ لأن طول التأخير فيه يفضي إلى الإسفار فناسب الإسراع بخلاف العشاء فإنه يفضي إلى زيادة الظلمة فلا يضر المكث.

стр. 4486

الحديث التاسع والثلاثون والمئة حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى قال: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قال: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رضى الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ بِغَلَسٍ فَيَنْصَرِفْنَ نِسَاءُ الْمُؤْمِنِينَ، لاَ يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ، أَوْ لاَ يَعْرِفُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا. قوله: "فينصرفن" على لغة أكلوني البراغيث وهي لغة بني الحارث وكذا قوله: "لا يعرفن بعضهن بعضًا". وهذا في رواية الحموي والكشميهني ولغيرهما لا يعرف بالإفراد على الجادة. وقوله: "نساء المؤمنين" وفي بعض النسخ "نساء المؤمنات" أي: الأنفس المؤمنات أو الإضافة بيانية نحو شجر الأراك، وقيل إن النساء بمعنى الفاضلات أي: فاضلات المؤمنات، وفيه دليل على وجوب قطع الذرائع الداعية إلى الفتنة وطلب إخلاص الفكر لاشتغال النفس بما جبلت عليه من أمور النساء. وقد مرّ الكلام على هذا الحديث في باب (في كم تصلي المرأة من الثياب) وباب (وقت الفجر). رجاله ستة: قد مرّوا إلا سعيد بن منصور مرّ يحيى بن موسى البلخي في التاسع عشر من الحيض، ومرّ فليح في الأول من العلم، ومرّ القاسم في الحادي عشر من الغُسل، ومرّ ابنه عبد الرحمن في السادس عشر منه، ومرّت عائشة في الثاني من بدء الوحي. وأما سعيد فهو ابن منصور بن شعبة الخراساني أبو عثمان المروزي، ويُقال الطالقاني، يُقال ولد (بجوزجان) ونشأ (ببلخ) وطاف البلاد وسكن (مكة) ومات بها. قال حرب: سمعت أحمد يحسن الثناء عليه، وقال سَلَمة بن شبيب: ذكرته لأحمد فأحسن الثناء عليه وفخم أمره، وقال حنبل عن أحمد: هو من أهل الفضل والصدق. وقال ابن نمير وابن خراش: ثقة، وقال أبو حاتم: ثقة من المتقنين الأثبات ممن جمع وصنف وكان محمد بن عبد الرحيم إذا حدّث أثنى عليه وكان يقول: حدّثنا سعيد وكان ثبتًا، وكان يحيى بن حسان يقدمه ويرى له حفظه وكان حافظًا. وقال الحاكم: سكن (مكة) مجاورًا وكان راوية ابن علية وأحد أئمة الحديث. له مصنفات وقال حرب: أملى علينا نحوًا من عشرة آلاف حديث من حفظه، ثم صنّف بعد ذلك. وذكره ابن حِبّان في "الثقات"، وقال: كان ممن جمع وصنّف وكان من المتقنين الأثبات. وقال ابن قانع: ثقة ثبت، وقال الخليلي: ثقة

стр. 4487

متفق عليه. روى عن مالك وحمّاد بن زيد وفليح وابن أبي حازم والدراوردي وغيرهم، وروى عنه مسلم وأبو داود والباقون بواسطة يحيى بن موسى وأبو زرعة وأحمد بن حنبل وغيرهم. مات (بمكة) على الصحيح سنة سبع أو ست أو تسع وعشرين ومئتين، وقيل مات (بمصر) والطالقاني في نسبه بمد الطاء وفتح اللام والقاف وبنون نسبة إلى (طالقان) بلدة بين (بلخ) ومروالروذ مما يلي الجبل منها أبو محمد محمود بن خداش الطالقاني. سكن بغداد وروى عن يزيد بن هارون وابن المبارك والفضل وعنه إبراهيم الحربي وأبو يعلى الموصلي. مات في شعبان سنة خمسين ومئتين عن تسعين سنة و (طالقان) أيضًا بلد أو كورة بين (قزوين) و (أبهر) منها الصاحب إسماعيل بن عباد بن العباس بن عبّاد مؤلف كتاب "المحيط في اللغة". وقد جمع فيه فأوعى ووالده كان من المحدثين سمع من جعفر الفريابي وعنه أبو الشيخ توفي سنة (٣٣٥ هـ)، وكان وزيرًا لدولة آل بويه. ومن (طالقان) هذه أيضًا أبو الخير أحمد بن إسماعيل بن يوسف الطالقاني القزويني الشافعي أحد المدرسين بالنظامية ببغداد سمع بنيسابور أبا عبد الله الفزاري، مات (بقزوين) سنة خمسين وخمسمئة. ثم قال المصنف: باب استئذان المرأة زوجها بالخروج إلى المسجد

стр. 4488

الحديث الأربعون والمئة حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . إِذَا اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَمْنَعْهَا. أورد هذا الحديث المار في باب خروج النساء إلى المساجد بالليل من طريق يزيد بن زريع وليس فيه تقييد بالمسجد، لكن أخرجه الإسماعيلي من هذا الوجه بذكر المسجد، ويمكن أن يجاب يحمل الحديث المطلق هنا على الحديث السابق المقيد أو يقال إنه لما كان جائزًا على الإطلاق فالخروج إلى موضع العبادة بالطريق الأولى. والكلام على هذا الحديث قد مرَّ عند ذكره في الباب السابق. رجاله ستة: قد مرّوا، مرّ مسدد في السادس من الإيمان، ومرّ يزيد بن زريع في السادس والتسعين من الوضوء، ومرّ الزهري في الثالث من بدء الوحي، ومرّ معمر في متابعة بعد الرابع منه، ومرّ سالم في السابع عشر من الإيمان، ومرّ أبوه عبد الله في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه.

стр. 4489

خَاتِمَة قال في "الفتح" اشتملت أبواب صفة الصلاة إلى هنا من الأحاديث المرفوعة على مائة وثمانين حديثًا المعلّق منها ثمانية وثلاثون حديثًا، والبقية موصولة، المكرر منها فيها وفيما مضى مائة حديث وخمسة أحاديث، وهي جملة المعلّق إلا ثلاثة منه وسبعون أخرى موصولة، فالخالص منها خمسة وسبعون، منها الثلاثة المعلّقة وافقه مسلم على تخريجها سوى ثلاثة عشر حديثًا وهي: حديث ابن عمر في الرفع عند القيام من الركعتين، وحديث أنس في النهي عن رفع البصر في الصلاة، وحديث عائشة في أن الالتفات اختلاس من الشيطان، وحديث زيد بن ثابت في قراءة الأعراف في المغرب، وحديث أنس في قراءة الرجل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وهو معلّق، وحديث أبي بكرة في الركوع دون الصف، وحديث أبي هريرة في جمع الإِمام بين التسميع والتحميد، وحديث رفاعة في الاعتدال، وحديث أبي سعيد في الجهر بالتكبير، وحديث ابن عمر في سنة الجلوس في التشهد، وحديث أُم سَلَمة في سرعة انصراف النساء بعد السلام، وحديث أبي هريرة لا يتطوع الإِمام في مكانه وهو معلق، وحديث عقبة بن الحارث في قسمة التبر، وفيه من الآثار الموقوفة على الصحابة وغيرهم ستة عشر أثرًا: منها ثلاثة موصولة وهي حديث أبي يزيد عمرو بن سَلَمة في مواقيته في صفة الصلاة لحديث مالك بن الحويرث وقد كرره، وحديث ابن عمر في صلاته متربعًا ذكره في أثناء حديثه في سنة الجلوس في التشهد، وحديثه في تطوعه في مكانه الذي صلّى فيه الفريضة والبقية معلقات -والله أعلم بالصواب-. وإليه المرجع والمآب. سبحان ربِّ العزة عمّا يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. ثم قال المصنف:

стр. 4490

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري تأليف الامام المحدث العلامة الشيخ محمد الخضر الجكينى الشنقيطي (المتوفى سنة ١٣٥٤هـ) الجزء العاشر مؤسسة الرسالة

стр. 4491

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4492

كوثر المعاني الدراري فيد كشف خبايا صحيح البخاري

стр. 4493

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤١٥هـ - ١٩٩٥م مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع مؤَسَّسَة الرّسَالة بيروت - شارع سوريَا - بنَاية صَمَدي وَصَالحَة هَاتف: ٦٠٣٢٤٣ - ٨١٥١١٢ - صَ. بَ: ٧٤٦٠ - بَرقيًا: بيُوشرَان

стр. 4494

كتاب "الجمعة " ثبتت هذه الترجمة للأكثر، ومنهم مَنْ قدمها على البسملة وسقطت الكريمة وأبي ذرٍّ عن الحموي، وقد تقدم في أول كتاب "الإيمان" توجيه تقديم البسملة على الترجمة وتقديم الترجمة عليها. والجمُعة بضم الميم على المشهور وقد تسكن، وقرأ بها الأعمش، وحكى الواحدي عن الفراء فتحها، وحكى الزجاج الكسر أيضًا. والمراد بيان أحكام صلاة الجمعة، ثم الذي بسكون الميم بمعنى المفعول أي: اليوم المجموع فيه، وبفتحها بمعنى الفاعل أي: اليوم الجامع للناس، والذي بالسكون يجمع على جمع، وبالضم يجمع على جمعات. واختلف في تسمية اليوم بذلك مع الاتفاق على أنه كان يسمى في الجاهلية "العَرُوبة" بفتح العين المهملة وضم الراء وبالموحدة، فقيل سمي بذلك؛ لأن كمال الخلائق جمع فيه ذكره أبو حنيفة البخاري في "المبتدأ" عن ابن عباس بإسناد ضعيف. وقيل: لأن خلق آدم جمع أخرجه أحمد وابن خزيمة وغيرهما عن سلمان، وله شاهد عن أبي هريرة ذكره ابن أبي حاتم موقوفًا بإسناد قوي وأحمد مرفوعًا بإسناد ضعيف، وهذا أصح الأقوال ويليه ما أخرجه عبد بن حميد عن ابن سيرين بسند صحيح في قصة تجميع الأنصار مع أسعد بن زرارة وكانوا يسمّون يوم الجمعة يوم "العروبة" فصلّى بهم وذكرهم فسمّوه الجمعة حين اجتمعوا إليه ذكره ابن أبي حاتم موقوفًا. وقيل: لأن كعب بن لؤي كان يجمع قومه فيه فيذكرهم ويأمرهم بتعظيم الحرم ويخبرهم بأنه سيبعث منه نبي، ذكره الزبير في كتاب "النسب" عن أبي سلمة بن عبد الرحمن مقطوعًا، وبه جزم الفراء وغيره. وقيل: إن قُصيًا هو الذي كان يجمعهم، ذكره ثعلب في "أماليه". وقيل: سُمي بذلك؛ لاجتماع الناس للصلاة فيه، وبهذا جزم ابن حزم فقال: اسم إسلامي لم يكن في الجاهلية وإنما كان يُسمى "العَروبة"، وفيه نظر فقد قال أهل اللغة إن "العَروبة" اسم قديم كان للجاهلية، وقالوا في الجمعة هو يوم "العَروبة" فالظاهر أنهم غيروا أسماء الأيام السبعة بعد أن كانت تسمى: أول، أهون، جبار، دبار، مؤنس، عروبة، شبار، فأول يوم الأحد وهكذا. وقال الجوهري: كانت العرب تسمي يوم الاثنين أهون في أسمائهم القديمة، وهذا يشعر بأنهم أحدثوا لها أسماء وهي هذه المتعارفة الآن كالسبت والأحد إلى آخرها. وقيل: إن أول مَنْ سمى الجمعة "العروبة" كعب بن لؤي، وبه جزم الفراء وغيره فيحتاج من قال إنهم غيروها إلى الجمعة فأبقوه على تسميته العَروبة إلى نقل خاص، وذكروا أن ليوم الجمعة اثنين وثلاثين خصوصية

стр. 4495

منها: أنها يوم عيد ولا يصام منفردًا وقراءة: ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ و ﴿هَلْ أَتَى﴾ في صبيحتها والجمعة، والمنافقين فيها، والغُسل لها، والتطيب، والسواك، ولبس أحسن الثياب، وتبخير المسجد، والتبكير، والاشتغال بالعبادة حتى يخرج الخطيب والخطبة، والإِنصات، وقراءة الكهف، ونفي كراهية النافلة وقت الاستواء، ومنع السفر قبلها، وتضعيف أجر الذاهب إليها بكل خطوة أجر سنة، ونفي تسجير جهنم يومها، وساعة الإجابة، وتكفير الآثام، وأنها يوم المزيد والشاهد والمدخر لهذه الأُمة، وخير أيام الأسبوع، وتجتمع فيها الأرواح، إن ثبت الخبر فيه. قلت: هكذا سردها ابن حجر تبعًا لابن القيم وبعضها غير موافق لمذهب مالك ككراهة صوم يومها وقراءة السورتين المذكورتين في صبيحتها، وعدم كراهة النفل فيها في الاستواء، فلا خصوصية لها بذلك عندنا كما مرّ فلا كراهة في ذلك مطلقًا، ومنع السفر يومها فلا يمنع عنده إلاَّ بعد الزوال. ثم قال المصنف: باب فرض الجمعة لقول الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ فاسعوا: فامضوا. رواية الأكثر إلى ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ وسياق بقية الآية في رواية كريمة وأبي ذرٍّ. وقوله: ﴿فَاسْعَوْا﴾ فامضوا في رواية أبي ذرٍّ عن الحموي وحده، وهو تفسير منه للمراد بالسعي هنا بخلاف قوله في الحديث المتقدم، فلا تأتوها تسعون فالمراد به الجري. وفي "تفسير النسفي" ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ فامضوا إليه واعملوا له. وعن ابن عمر -رضي الله تعالى عنه- سمعت عمر ﵁ يقرأ: "فامضوا إلى ذكر الله"، وعنه ما سمعت عمر يقرؤها قط إلا "فامضوا إلى ذكر الله" وروي عن إبراهيم كان عبد الله يقرؤها "فامضوا إلى ذكر الله"، ويقول لو قرأتها "فاسعوا" لسعيت حتى يسقط ردائي. وعن الحسن "ليس السعي على الأقدام، ولقد نهوا أن يأتوا المسجد إلا وعليهم السكينة والوقار ولكن بالقلوب والنيّة والخشوع". وعن قتادة أنه كان يقول في هذه الآية "فاسعوا" أن تسعى بقلبك وعملك وهي المشي إليها واستدلال البخاري بهذه الآية على فرضية الجمعة سبقه إليه الشافعي في "الأم". وكذلك حديث أبي هريرة، ثم قال: فالتنزيل ثم السنة يدلان على إيجابها، قال: وعلم بالإجماع أن يوم الجمعة هو الذي بين الخميس والسبت. وقال الشيخ الموفق: الأمر بالسعي يدل على الوجوب إذ لا يجب السعي إلا إلى واجب. وقال الزين بن المنير: وجه الدلالة من الآية الكريمة مشروعية النداء لها إذ الأذان من خواص الفرائض، وكذا النهي عن البيع؛ لأنه لا ينهى عن المباح نهي تحريم إلا إذا أفضى إلى ترك واجب، ويضاف إلى ذلك التوبيخ على قطعها. قال: وأما وجه الدلالة من الحديث فهو من التعبير بالفرض؛ لأنه للإلزام وإن أطلق على غير الإلزام كالتقدير، لكنه متعين له لاشتماله على ذكر الصرف لأهل الكتاب عن اختياره وتعيينه لهذه الأمة سواء كان ذلك وقع لهم بالتنصيص أو بالاجتهاد. وفي سياق القصة إشعار بأن فرضيتها على الأعيان لا على الكفاية، وهو من جهة إطلاق

стр. 4496

الفرضية ومن التعميم في قوله: فهدانا الله له والناس لنا فيه تبَع. وقول الخطابي: أكثر الفقهاء أنها من فروض الكفاية غلط، وحكى أبو الطيب عن بعض أصحاب الشافعي غلط من قال: إنها فرض كفاية وهو ابن كج. وفي "الدراية" صلاة الجمعة فريضة محكمة جاحدها كافر بالإجماع، وقد أجمعت الأُمة من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا على فرضيتها من غير إنكار، ووجوبها من جهة المعنى هو أنّا أُمرنا بترك الظهر لإِقامة الجمعة، والظهر فريضة ولا يجوز ترك الفرض إلا لفرض آكد منه وأولى، فدلّ على أن الجمعة آكد من الظهر في الفريضة، فصارت الجمعة فرض عين لكن اختلفوا في أصل الفرض في هذا الوقت. فقال الشافعي في "الجديد" وزفر ومالك وأحمد ومحمد في رواية فرض الوقت: الجمعة والظهر بدل منها. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف والشافعي في "القديم": الفرض هو الظهر، وإنما أمر غير المعذور بإسقاطه بأداء الجمعة. وقال محمد في رواية فرضه أحدهما غير عين والتعيين إليه. وفائدة الخلاف تظهر في حر مقيم أدى الظهر في أول وقته يجوز مطلقًا حتى لو خرج بعد أداء الظهر إليها، ولم يخرج لم يبطل فرضه لكن عند أبي حنيفة تبطل بمجرد السعي مطلقًا، وعندهما لا تبطل إلا إذا أدرك. وعند الشافعي ومالك لا يجوز ظهره سواء أدرك الجمعة أو لا خرج إليها أم لا. وقوله: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾ أراد بهذا النداء الأذان عند قعود الإمام على المنبر للخطبة يدل لذلك ما روى الزهري عن السائب بن يزيد: "كان لرسول الله ﷺ مؤذنٌ واحدٌ لم يكنِ له مؤذنٌ غيرُهُ، وكانَ إذا جلسَ ﷺ على المنبرِ أذّنَ على المسجدِ فإذا نزلَ أقامَ الصلاةَ، ثم كان أبو بكرٍ -رضي الله تعالى عنه- كذلكَ وعمرُ -رضي الله تعالى عنه- كذلكَ حتى إذا كان عثمانُ -رضي الله تعالى عنه- وكثرتْ الناسُ وتباعدتْ المنازلُ زادَ إذانًا فأمر بالتاذين الأول على دارٍ له بالسوقِ يقالُ لها "الزوراءُ" فكانَ يؤذَّنُ له عليها، فإذا جلسَ عثمانُ -رضي الله تعالى عنه- أذّنَ مؤذنُهُ الأولُ، فإذا نزلَ أقامَ الصلاةَ فلمْ يعبْ ذلكَ عليهِ أحدٌ". وقوله: ﴿مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ بيان (لإذا) وتفسير له وقيل من يوم الجمعة في يوم الجمعة كقوله تعالى: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي: في الأرض. وقوله: ﴿إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: إلى الصلاة. وعن سعيد بن المسيب ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ موعظة الإمام. وقيل: ﴿إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلى الخطبة والصلاة. وقوله: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ اتركوا البيع والشراء؛ لأن البيع يتناول المعنيين جميعًا وإنما يحرم البيع عند الأذان. وقال الزهري عند خروج الإمام، وقال سماك: إذا زالت الشمس حرم البيع والشراء، وقيل: أراد الأمر بترك ما يذهل عن ذكر الله من شواغل الدنيا وإنما خص البيع من بينها؛ لأن يوم الجمعة يوم يهبط الناس فيه من قراهم وبواديهم وينصبون إلى المصر من كل أوب ووقت هبوطهم

стр. 4497

واجتماعهم واغتصاص الأسواق بهم إذا انتفخ النهار وتعالى الضحى ودنا وقت الظهيرة، وحينئذ تمر التجارة ويتكاثر البيع والشراء، فلما كان ذلك مظنة الذهول بالبيع عن ذكر الله والمضي إلى المسجد قيل لهم: بادروا تجارة الآخرة واتركوا تجارة الدنيا واسعوا إلى ذكر الله الذي لا شيء أنفع منه وأربح، وذروا البيع الذي نفعه يسير وربحه متقارب. وقوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ الكاف فيه الخطاب كالتاء في (أنت) وذلك للدلالة على أحوال المخاطبين وعدوهم، فإذا أشرف إلى واحد مذكر وخاطبت مثله قلت: (ذلك) وإذا خاطبت اثنين قلت: (ذلكما) وإذا خاطبت جمعًا قلت: (ذلكم) للمذكر، و (ذلكن) للمؤنث.

стр. 4498

الحديث الأول حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِى فُرِضَ عَلَيْهِمْ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللَّهُ، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، الْيَهُودُ غَدًا وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ. قوله: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة" هذه الجملة قد تقدم الكلام عليها عندما ذكرت في باب (البول في الماء الدائم) من كتاب "الوضوء". وقوله: "بيد أنهم" بموحدة ثم تحتانية ساكنة مثل غير وزنًا ومعنى، وبه جزم الخليل والكسائي، وروى ابن أبي حاتم عن الشافعي أن معنى "بيد" من أجل، واستبعده عياض ولا بعد فيه بل معناه أنا سبقنا بالفضل إذ هدينا للجمعة مع تأخرنا في الزمان بسبب أنهم ضلّوا عنها مع تقدمهم، ويشهد لذلك ما في "موطأ" سعيد بن عفير عن مالك بلفظ: "ذلك بأنهم أوتوا الكتاب". وقال الداودي هي بمعنى (على) أو (مع) قال القرطبي: إن كانت بمعنى (غير) فنصب على الاستثناء، وإن كانت بمعنى (مع) فنصب على الظرف. وقال الطيبي: هي للاستثناء وهو من باب تكيد المدح بما يشبه الذم والمعنى: نحن السابقون للفضل غير أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ووجه التأكيد فيه ما ادمج فيه من معنى النسخ؛ لأن الناسخ هو السابق في الفضل وإن كان متأخرًا في الوجود، وبهذا التقرير يظهر موقع قوله: "نحن الآخرون" مع كونه أمرًا واضحًا. ويقال (ميد) بالميم وهو ملازم للإضافة إلى أن وصلتها ولا يقع مرفوعًا ولا مجرورًا بل منصوبًا ولا يقع صفة ولا استثناء متصلًا، وإنما يستثنى به في الانقطاع خاصة ومنه الحديث. وقوله: "أوتوا الكتاب من قبلنا" سقط في الأصل قوله وأوتيناه من بعدهم وهي ثابتة في رواية أبي زرعة الدمشقي عن أبي اليمان شيخ البخاري فيه. أخرجه الطبراني في "مسند الشاميين"، وكذلك مسلم عن ابن عُيينة وسيأتي تامًا عند المصنف بعد أبواب. من وجه آخر عن أبي هريرة، واللام في "الكتاب" للجنس والمراد التوراة والإنجيل، والضمير في أوتيناه للقرآن. وقال القرطبي المراد "بالكتاب" التوراة وفيه نظر لقوله: "وأوتيناه من بعدهم" فأعاد الضمير على الكتاب، فلو كان المراد

стр. 4499

التوراة لما صح الإخبار؛ لأنا إنما أوتينا القرآن. وقوله: "ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم" كذا للأكثر وللحموي الذي فرض الله عليهم، والمواد باليوم يوم الجمعة، والمواد بفرضه فرض تعظيمه وأشير إليه بهذا لكونه ذكر في أول الحديث كما عند مسلم من وجه آخر عن أبي هريرة وعن حذيفة قالا: قال رسول الله ﷺ : "أضل اللهُ عن الجمعةِ مَنْ كانَ قبلَنا" الحديث. قال ابن بطال: ليس المراد أن يوم الجمعة فرض عليهم بعينه فتركوه؛ لأنه لا يجوز لأحد أن يترك ما فرض الله عليه وهو مؤمن، وإنما يدل -والله أعلم- على أنه فرض عليهم يوم من الجمعة وكل إلى اختيارهم ليقيموا فيه شريعتهم فاختلفوا في أي الأيام هو، ولم يهتدوا ليوم الجمعة. وقال عياض: بهذا ورشحه بأنه لو كان فرض عليهم بعينه لقيل: فخالفوا بدل فاختلفوا. وقال النووي: يحتمل أن يكونوا أُمروا به صريحًا فاختلفوا هل يلزم تعيينه أم يسوغ إبداله بيوم آخر؟ فاجتهدوا في ذلك فأخطؤا، ويشهد له ما رواه الطبراني بإسناد صحيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. قال: أرادوا الجمعة فأخطؤا، وأخذوا السبت مكانه، ويحتمل أن يراد بالاختلاف اختلاف اليهود والنصارى في ذلك، وقد روى ابن أبي حاتم عن السدي التصريح بأنهم فرض عليهم يوم الجمعة بعينه فأبوا. ولفظه: "إنّ اللهَ فرض على اليهودِ الجمعَة فأَبوا، وقالوا يا موسى إنَّ اللهَ لم يخلقْ يومَ السبتِ شيئًا فاجعلْهُ لنا، فجعلَ عليهم"، وليس ذلك بعجيب من مخالفتهم كما وقع لهم في قوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ وغيروا ذلك، وكيف لا وهم القائلون: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾. وقوله: "فهدانا الله له" بأن نص لنا عليه ولم يكلنا إلى اجتهادنا لاحتمال أن يكون ﷺ علمه بالوحي وهو (بمكة) فلم يتمكن من إقامتها بها. وفيه حديث عن ابن عباس عند الدارقطني؛ ولذلك جمع بهم أول ما قدم (المدينة) كما ذكره ابن إسحاق وغيره؛ ولذا قال أبو حامد: فرضت (بمكة)، قال في "الفتح": وهو غريب. قلت: لا غرابة فيه، بل هو الظاهر من جهة المعنى؛ لأنها من الصلوات الخمس إما فرض يومها أو بدل من ظهره، والصلوات فرضت ليلة الإسراء ولم تمكن إقامتها (بمكة)؛ لأن الحكم فيها حينئذ لكفار والمسجد محجور لهم لا يمكن فيه الجماعة فشروطها غير حاصلة هناك، ويدل لهذا ما مرَّ من أنه ﷺ عندما جاء (للمدينة) ورأى توفر شروطها صلّاها من غير نزول وحي طارىء وما ذلك إلا لعلمه بوجوبها قبل ذلك، ولا يقدح في ذلك كون آية إذا نودي للصلاة نزلت بالمدينة؛ لأن الآيات المقتضية لوجوب الصلاة تأخر نزولها عن ليلة الإسراء التي فرضت فيها الصلوات بالإجماع كقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾، وقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾. فقد قال المفسرون: إن هذه الآيات مدنية وهي دالة على وجوب الفرائض فكذلك آية الجمعة، فهذا القول هو الذي يجب المصير إليه فلم يكن في الفرائض فريضة مبنية على اجتهاد من الصحابة، ويحتمل أن يراد بقوله فهدانا الله إليه الهداية إليه بالاجتهاد، ويشهد لذلك ما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح

стр. 4500

عن ابن سيرين قال: جمّع أهلِ المدينة قبل أن يقدمها النبيُّ ﷺ وقبل أن تنزلَ الجمعةُ فقالتْ الأنصارُ: إنّ لليهودِ يومًا يجتمعون فيه كلَّ سبعةِ أيامٍ وللنصارى كذلك، فهلمَ فلنجعلْ فيهِ فنذكرَ الله تعالى، ونصلّيَ ونشكرَهُ فجعلوهُ يومَ العَروبةِ، واجتمعوا إلى أسعدَ بن زرارةَ فصلّى بهم يومئذٍ ركعتينِ وذبحَ لهمْ شاةً فتغدوا وتعشوا منها، وذلكَ لقلتِهم وأنزلَ اللهُ تعالى بعد ذلك: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الآية. وهذا وإن كان مرسلًا فله شاهد بإسناد حسن أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة وغيره عن كعب بن مالك. قال: "كان أولَ مَنْ صلّى بنَا الجمعة قبل مَقْدمِ النبيّ ﷺ (المدينة) أسعدُ بن زرارةَ". فمرسل ابن سيرين يدل على أن أولئك الصحابة اختاروا يوم الجمعة بالاجتهاد وعلى هذا، تكون حصلت الهداية للجمعة بجهتي البيان والتوفيق في الحكمة في اختيارهم الجمعة وقوع خلق آدم فيه والإنسان انما خلق للعبادة، فناسب أن يشتغل بالعبادة فيه، ولأن الله تعالى أكمل فيه الموجودات، وأوجد فيه الإنسان الذي ينتفع بها، فناسب أن يشكر على ذلك بالعبادة فيه. وقوله: "اليهود غدًا والنصارى بعد غد" عند ابن خزيمة فهو لنا، ولليهود يوم السبت، وللنصارى يوم الأحد، والمعنى أنه لنا بهداية الله تعالى ولهم باعتبار اختيارهم وخطئهم في اجتهادهم. قال القرطبي: "غدًا" هنا منصوب على الظرف متعلق بمحذوف تقديره يعظمون غدًا، وكذلك قوله: "بعد غد" أي: والنصارى يعظمون بعد غد ولابد من هذا التقدير؛ لأن ظرف الزمان لا يكون خبرًا عن الحبشة. وقال ابن مالك: الأصل أن يقدر هنا مضافان يكون ظرفا الزمان خبرين عنهما أي: تعييد اليهود غدًا وتعييد النصارى بعد غد، ووجه اختيار اليهود يوم السبت لزعمهم أنه يوم فرغ الله فيه من الخلق فقالوا: نحن نستريح فيه من العمل ونشتغل بالعبادة والشكر. والنصارى الأحد؛ إنه أول يوم بدأ الله فيه بالخلق فاستحق التعظيم، وقد مرّت الحكمة في اختياره لنا من قبل الله تعالى، وفي الحديث دليل على فرضية الجمعة. قال النووي لقوله: "فرض عليهم فهدانا الله" فإن التقدير (فرض عليهم وعلينا فضلوا وهدانا). وعند مسلم بلفظ: "فكتب علينا" وفيه أن الهداية والإضلال من الله تعالى عليه كما هو قول أهل السنة، وأن سلامة الإجماع من الخطأ مخصوص بهذه الأُمة، وأن استنباط معنى من الأصل يعود عليه بالإبطال باطل، وأن القياس مع وجود النص فاسد، وأن الاجتهاد في زمن نزول الوحي جائز، وأن الجمعة أول الأسبوع شرعًا ويدل على ذلك تسمية الأسبوع كله جمعة، وكانوا يسمون الأسبوع سبتًا كما سيأتي في الاستسقاء في حديث أنس وذلك أنهم كانوا مجاورين لليهود فتبعوهم في ذلك، وفيه بيان واضح لمزيد فضل هذه الأُمة على الأُمم السابقة زادها الله تعالى. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ أبو اليمان وشعيب في السابع من بدء الوحي، ومرّ أبو الزناد وعبد الرحمن بن هرمز

стр. 4501

في السابع من الإيمان، ومرّ أبو هريرة في الثاني منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإفراد والإخبار بالجمع والسماع والقول ورواته ما بين حمصيّ ومدنيّ، أخرجه مسلم والنسائي. ثم قال المصنف: باب فضل الغُسل يوم الجمعة، وهل على الصبي شهر يوم الجمعة أو على النساء ؟ قال الزين بن المنير: لم يذكر الحكم لما وقع فيه من الخلاف واقتصر على الفضل؛ لأن معناه الترغيب فيه وهو القدر الذي تتفق الأدلة على ثبوته واعترض أبو عبد الملك على الشق الثاني من الترجمة وهل على الصبي إلخ فقال: ترجم هل على الصبي أو النساء جمعة، وأورد "إذا جاءَ أحدُكم يومَ الجمعةِ فليغتسلْ وليسَ فيهِ ذكرُ وجوب شهودٍ ولا غيره". وأجاب ابن التين بأنه أراد سقوط الوجوب عنهم، أما الصبيان فبالحديث الثالث في الباب حيث قال: "على كلِّ محتلمٍ" فدل على أنه غير واجب على الصبيان. وقال الداودي: فيه دليل على سقوطها على النساء؛ لأن الفروض تجب عليهن في الأكثر بالحيض لا بالاحتلام وتعقب بأن الحيض في حقهن علامة للبلوغ كالاحتلام وليس الاحتلام مختصًا بالرجال، وإنما ذكر في الخبر لكونه الغالب وإلا فقد لا يحتلم الإنسان أصلًا. ويبلغ بالإنزال أو السن وحكمه حكم المحتلم. وقال الزين بن المنير: إنما أشار إلى أن الغُسْل شرع للرواح إليها كما دلت عليه الأخبار فيحتاج إلى معرفة من يطلب رواحه، فيطلب غسله واستعمل الاستفهام في الترجمة للإشارة إلى وقوع الاحتمال في حق الصبي في عموم قوله: "أحدكم" لكن تقييده "بالمحتلم" في الحديث الآخر يخرجه. وأما النساء فيقع فيهن الاحتمال بأن يدخلن في "أحدكم" بطريق التبع، وكذا احتمال عموم النهي في منعهن المساجد لكن تقييده بالليل يخرج الجمعة، ولعل البخاري أشار بذكر النساء إلى ما في بعض طرق حديث نافع عن عثمان بن واقد عند أبي عوانة وابن خزيمة وابن حِبّان في صحاحهم بلفظ: "مَنْ أتى الجمعة مِنَ الرجالِ والنساءِ فليغتسل، ومَنْ لم يأتها فليس عليه غُسل". ورجاله ثقات لكن قال البزار: أخثى أن يكون عثمان بن واقد وهم فيه، وإلى الحديث المصرّح بأن: "لا جمعة على امرأةٍ ولا صبي" لكونه ليس على شرطه، وإن كان الإسناد صحيحًا وهو عند أبي داود عن طارق بن شهاب عن النَّبيّ ﷺ ، ورجاله ثقات لكن قال أبو داود لم يسمع طارق من النبي ﷺ إلا أنه رآه وقد أخرجه الحاكم في"المستدرك" عن طارق عن أبي موسى الأشعري. قال الزين بن المنير: نقل عن مالك "أن مَنْ حضرَ الجمعةَ لابتغاءِ الفضلِ شرعَ له الغُسلُ وسائرُ آدابِ الجمعةِ ومَنْ حضرَها لأمر اتفاقي فلا".

стр. 4502

الحديث الثاني حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ. قوله: "فليغتسل" الفاء للتعقيب، وظاهره أن الغُسل يعقب المجيء وليس ذلك بمراد، وإنما التقدير (إذا أراد أحدكم). وقد جاء مصرحًا به في رواية الليث عن نافع عند مسلم ولفظه: "إذا أرادَ أحدُكم أن يأتي الجمعةَ فليغتسلْ" ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ فإن المعنى إذا أردتم المناجاة بلا خلاف، ويقوي رواية الليث حديث أبي هريرة الآتي قريبًا بلفظ: "مَنْ اغتسلَ يومَ الجمعةِ ثم راحَ" فهو صريح في تأخير الرواح عن الغُسل وعرف بهذا فساد قول مَنْ حمله على ظاهره واحتج به على أن الغُسل لليوم لا للصلاة، فإن الحديث واحد ومخرجه واحد وقد بيّن الليث المراد في روايته، وحكى ابن عبد البر الإجماع على أن مَنْ اغتسل بعد الصلاة لم يغتسل للجمعة، ولا فعل ما أمر به وادعى ابن حزم أنه قول جماعة من الصحابة والتابعين، ولم يأتِ عن أحد بالتصريح بإجزاء الاغتسال بعد صلاة الجمعة، وإنما أورد ما يدل على أنه لا يشترط اتصال الغُسل بالذهاب إلى الجمعة فأخذ هو منه أنه لا فرق بين ما قبل الزوال وما بعده، والفرق بينهما كالشمس. وقال ابن دقيق العيد: قد أبعد الظاهري إبعادًا يكاد أن يكون مجزومًا ببطلانه حيث لم يشترط تقدم الغُسل على إقامة صلاة الجمعة حتى لو اغتسل قبل الغروب كفى عنده تعلقًا بإضافة الغُسل إلى اليوم، وقد تبين من بعض الروايات أن الغسل لإزالة الروائح الكريهة كما يأتي في حديث عائشة بعد أبواب، وكما في رواية إسماعيل بن أمية عند أبي عوانة عن نافع: "كان الناسُ يغدون في أعمالهِم فإذا كانت الجمعةُ جاؤوا وعليهم ثيابٌ متغيرةٌ فشكوا ذلك لرسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: "مَنْ جاءَ الجمعةَ فليغتسلْ". وفهم منه أن المقصود عدم تأذي الحاضرين وذلك لا يتأتى بعد إقامة الجمعة، وكذا لو قدمه بحيث لا يتحصل هذا المقصود لم نعتد به، والمعنى إذا كان معلومًا كالنص قطعًا أو ظنًا مقارنًا للقطع فاتباعه وتعليق الحكم به أولى من اتباع مجرد اللفظ. وقد علم من تقييد الغسل بالمجيء أن الغسل للصلاة لا لليوم، وهو مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة ﵏ فلو اغتسل بعد الصلاة لم يكن للجمعة، ولو اغتسل بعد الفجر أجزأه عند الشافعية خلافًا للمالكية والأوزاعي والليث. وقد مرّ في حديث إسماعيل بن أُمية بيان سبب مشروعية الغُسل فاستدل به

стр. 4503

المالكية على أنه يعتبر أن يكون الغُسل متصلًا بالذهاب؛ لئلا يفوت الغرض وهو رعاية الحاضرين من التأذي بالروائح حال الاجتماع، وهو غير مختص بمن تلزمه. قالوا: ومَنْ اغتسل ثم اشتغل عن الرواح إلى أن بعدما بينهما عرفا فإنه يعيد الغُسل لتنزيل البعد منزلة الترك، وكذا إذا نام اختيارًا بخلاف من غلبه النوم أو أكل كثيرًا وهو ما يذهب نداوة الغسل بخلاف الأكل القليل ومقتضى النظر أنه إذا عرف أن الحكمة في الأمر بالغُسل يوم الجمعة التنظيف رعاية للحاضرين كما مرّ، فمن خشي أن يصيبه في أثناء النهار ما يزيل تنظيفه استحب له أن يؤخر لوقت ذهابه كما قالت المالكية، وبه صرّح في "الروضة" وغيرها والأثرم سمعت أحمد سئل عمن اغتسل ثم أحدث هل يكفيه الوضوء؟ فقال: نعم، ولم أسمع فيه أعلى من حديث ابن أبزى وهو ما أخرجه ابن أبي شيبة عن أبزى وله صحبة أنه كان يغتسل يوم الجمعة ثم يحدث فيتوضأ ولا يعيد الغُسل. وفي "العيني" قال صاحب "الهداية": ثم هذا الغُسل أي: غُسل الجمعة للصلاة عند أبي يوسف أي لا يحصل له الثواب إلا إذا صلّى صلاة الجمعة بهذا الغُسل حتى لو اغتسل بعد الجمعة أو أول اليوم وانتقض ثم توضأ وصلّى لا يكون مدركًا لثواب الغُسل، وهو الصحيح. واحترز به عن قول الحسن بن زياد فإنه قال لليوم إظهارًا لفضيلته، وبقوله قال داود. وفي "المبسوط" وهو قول محمد. وفي "المحيط" وهو رواية عن أبي يوسف، فعلى هذا عن أبي يوسف روايتان، وقيل تظهر الفائدة أيضًا في هذا الخلاف فيمن اغتسل بعد الصلاة قبل الغروب إن كان مسافرًا أو عبدًا أو امرأة أو ممن لا تجب عليه الجمعة، وهذا بعيد؛ لأن المقصود منه إزالة الرائحة الكريهة كيلا يتأذى الحاضرون بها، وذلك لا يتأتى بعدها ولو اتفق يوم الجمعة ويوم العيد أو يوم عرفة وجامع، ثم اغتسل ينوب عن الكل وفي صلاة الجلابي لو اغتسل يوم الخميس أو ليلة الجمعة استن بالسنة لحصول المقصود، وهو قطع الرائحة الكريهة. واستدل من مفهوم الحديث على أن الغُسل لا يشرع لمن لم يحضر الجمعة، وقد تقدم التصريح بمقتضاه في حديث عثمان بن واقد عن نافع، وهذا هو الأصح عند الشافعية، وبه قال الجمهور خلافًا لأكثر الحنفية. قلت: قد مرّ قريبًا مذهب الحنفية عن العيني. وقوله في الحديث "الجمعة" المراد به الصلاة أو المكان الذي تقام فيه، وذكر المجيء لكونه الغالب وإلا فالحكم شامل لمن كان مجاورًا للجامع أو مقيمًا فيه، واستدل به على أن الأمر لا يحمل على الوجوب إلا بقرينة لقوله: كان يأمرنا مع أن الجمهور حملوه على الندب كما يأتي في الحديث الثالث، وهذا بخلاف صيغة (أفعل) فإنها على الوجوب حتى تظهر قرينة على الندب. رجاله أربعة: قد مرّوا، مرّ عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرّ نافع في آخر حديث من العلم، ومرّ ابن عمر في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه، وهذا الحديث أخرجه الستة إلا أبا داود وأخرجه غيرهم.

стр. 4504

الحديث الثالث حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ قَالَ: أَخْبَرَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ فِي الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَنَادَاهُ عُمَرُ أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ؟ قَالَ: إِنِّي شُغِلْتُ فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِى حَتَّى سَمِعْتُ التَّأْذِينَ، فَلَمْ أَزِدْ أَنْ تَوَضَّأْتُ. فَقَالَ: وَالْوُضُوءُ أَيْضًا وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ. أورد هذا الحديث من رواية جويرية بن أسماء عن مالك موصولًا عن ابن عمر وهو عند رواة "الموطأ" من مالك ليس فيه ذكر ابن عمر فلم يذكر في هذا الحديث أحد عن مالك عبد الله بن عمر غير روح بن عبادة وجويرية، وقد تابعهما أيضًا عبد الرحمن بن مهدي أخرجه أحمد بن حنبل عنه بذكر ابن عمر ووصله عن مالك أيضًا القعنبي في رواية إسماعيل بن إسحاق القاضي عنه. ورواه عن الزهري موصولًا يونس بن يزيد عند مسلم ومعمر عند أحمد وأبو أويس عند قاسم بن أصبغ. وقوله: "بينا" أصله بين وأشبعت الفتحة، وقد تبقى بلا إشباع، وقد تزاد فيها ما فتصير بينما، وهي رواية يونس وهي ظرف زمان فيه معنى المفاجأة. وقد مرّ استيفاء الكلام عليها في بدء الوحي عند حديث جابر. وقوله: "إذا جاء" في رواية المستملي والأصيلي وكريمة إذ دخل رجل. وقوله: "من المهاجرين الأولين" قيل في تعريفهم مَنْ صلّى إلى القبلتين، وقيل مَنْ شهد بدرًا، وقيل مَنْ شهد بيعة الرضوان، ولا يشك أنها مراتب نسبية والأول أولى في التعريف لسبقه، فمن هاجر بعد تحويل القبلة وقبل وقعة بدر هو آخر بالنسبة إلى مَنْ هاجر قبل التحويل والرجل المذكور هو عثمان بن عفان كما في رواية ابن وهب وابن القاسم عن مالك في "الموطأ" وقد سماه الأوزاعي عند مسلم قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافًا في ذلك. وقوله: "فناداه" أي: قال له: يا فلان، وقوله: "أية ساعة هذه" أيّة بتشديد التحتانية تأنيث أي يستفهم بها والساعة اسم لجزء من النهار مقدر وتطلق على الوقت الحاضر وهو المراد هنا وهذا الاستفهام استفهام توبيخ وإنكار وكأنه يقول: تأخرت إلى هذه الساعة؟ وقد ورد التصريح بالإِنكار

стр. 4505

في رواية أبي هريرة الآتية: فقال عمر: "لِمَ تحتبسونَ عن الصلاةِ؟ " وعند مسلم فعرض عنه عمر فقال: ما بالُ رجال يتأخرونَ بعدَ النداءِ" والذي يظهر أن عمر قال ذلك كله، وحفظ بعض الرواة ما لم يحفظ الآخر، ومراد عمر التلميح إلى ساعات التبكير التي وقع الترغيب فيها، وأنها إذا انقضت طوت الملائكة الصحف كما يأتي قريبًا، وهذا من أحسن التعريضات وأرشق الكنايات. وفهم عثمان ذلك فبادر إلى الاعتذار عن التأخر. وقوله: "إني شُغلت" أي: بضم أوله، وقد بيّن جهة شغله في رواية عبد الرحمن بن مهدي حيث قال: "انقلبتُ من السوقِ فسمعتُ النداءَ" والمراد به الأذان بين يدي الخطيب كما مرّ، ويأتي بعد أبواب. وقوله: "فلم أزد على أن توضأتُ" أي: لم اشتغل بشيء بعد أن سمعت النداء إلا بالوضوء، وهذا يدل على أنه دخل المسجد في ابتداء شروع عمر في الخطبة. وقوله: "والوضوء" أيضًا فيه إشعار بأنه قبل عذره في ترك التبكير لكنه استنبط منه معنى آخر اتجه له عليه فيه إنكار ثانٍ مضاف إلى الأول، و"الوضوءَ" بالنصب وعليه اقتصر النووي في شرح مسلم، وبالواو عطفًا على الإنكار الأول أي: (والوضوءَ اقتصرت عليه) واخترته دون الغسل أي: أما اكتفيت بتأخير الوقت وتفويت الفضيلة حتى تركت الغُسل واقتصرت على الوضوء. وقال القرطبي: يجوز الرفع على أنه مبتدأ حذف خبره أي: (والوضوءُ أيضًا يقتصر عليه) أو على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: (كفايتُك الوضوءُ). وقال القرطبي: الواو عوض عن همزة الاستفهام كقراءة ابن كثير. قال فرعون: ﴿وآمَنْتُمْ بِهِ﴾ في الأعراف وتعقبه في المصابيح بأن تخفيف الهمزة بإبدالها واوًا صحيح في الآية لوقوعها مفتوحة بعد ضمة، وأما في الحديث فليس كذلك لوقوعها مفتوحة بعد فتحة فلا وجه لإبدالها فيه واوًا، ولو جعله على حذف الهمزة أي: "أو تخص الوضوء" لجرى على مذهب الأخفش في جواز حذفها قياسًا عند أمن اللبس والقرينة الحالية المقتضية للإنكار شاهدة بذلك، فلا لبس ولأبي ذرٍّ عن الحموي والمستملي قال: "والوضوءَ" وهو بالنصب أيضًا أي: أتتوضأ الوضوء فقط، ويجوز الرفع على نحو ما مرّ قريبًا ونقل البرماوي والزركشي أنه يروى عن ابن السيد بالرفع على لفظ الخبر. والصواب أن "آلوضوء" بالمد على لفظ الاستفهام كقوله تعالى: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ وتعقبه البدر ابن الدماميني بأن نقل كلام ابن السيد بقصد توجيه ما في البخاري به غلط، فإن كلام ابن السيد في حديث "الموطأ" وليس فيه واو إنما هو فقال له عمر: "الوضوء أيضًا". وهذا يمكن فيه المد بجعل همزة الاستفهام داخلة على همزة الوصل. وأما في حديث البخاري فالواو داخلة على همزة الوصل، فلا يمكن الإتيان بعدها بهمزة الاستفهام. والظاهر أن البدر لم يطلع على رواية الحموي والمستملي السابقة. قال الوضوء بحذف الواو حينئذ، فلا اعتراض.

стр. 4506

وقوله: "أيضًا" منصوب على أنه مصدر من آض يئيض أي: عاد ورجع والمعنى ألم يكفك أن فاتك فضل التبكير حتى أضفت إليه ترك الغُسل المرغب إليه. قال في "الفتح": ولم أقف في شيء من الروايات على ما أجاب به عثمان، والظاهر أنه سكت عنه اكتفاء بالاعتذار الأول؛ لأنه قد أشار إلى أنه كان ذاهلًا عن الوقت، وأنه بادر عند سماع النداء وإنما ترك الغُسل؛ لأنه تعارض عنده إدراك سماع الخطبة والاشتغال بالغُسل وكل منهما مرغب فيه فآثر الخطبة ولعله كان يرى فرضيته؛ فلذلك آثره. وقوله: "كان يأمر بالغُسل" لم يذكر في جميع الروايات المأمور إلا أن في رواية جُويرية عن نافع: "كنّا نُؤْمر". وفي حديث ابن عباس عند الطحاوي في هذه القصة أن عمر قال له: "لقد علم أنّا أُمرنا بالغسلِ قلت: أنتم المهاجرونَ الأولون أم الناس جميعًا؟ قال: لا أدري". رواته ثقات إلا أنه معلول وفي رواية أبي هريرة في هذه القصة أن عمر قال: "ألم تسمعوا أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: إذا راحَ أحدُكم إلى الجمعةِ فليغتسلْ" كذا هو في "الصحيحين". وغيرهما وهو ظاهر في عدم التخصيص بالمهاجرين الأولين. وفي هذا الحديث من الفوائد القيام في الخطبة وعلى المنبر، وتفقد الإِمام رعيته وأمره لهم بمصالح دينهم، وإنكاره على مَنْ أخل بالفضل وإن كان عظيم المحل ومواجهته بالإنكار ليرتدع من هو دونه بذلك، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أثناء الخطبة لا يفسدها وسقوط منع الكلام عن المخاطب بذلك، وفيه الاعتذار إلى ولاة الأمر وإباحة الشغل والتصرف يوم الجمعة قبل النداء ولو أفضى إلى ترك فضيلة البكور إلى الجمعة؛ لأن عمر لم يأمر برفع السوق بعد هذه القصة واستدل به مالك على أن السوق لا تمنع يوم الجمعة قبل النداء لكونها كانت في زمن عمر، ولكون الذاهب إليها مثل عثمان، وفيه شهود الفضلاء السوق ومعاناة المتجر فيها، وفيه أن فضيلة التوجه إلى الجمعة إنما تحصل قبل التأذين. وقال عياض: فيه حجة لكون السعي إنما يجب بسماع الأذان، وأن شهود الخطبة لا يجب وهو مقتضى قول أكثر المالكية، وتعقب بأنه لا يلزم من التأخر إلى سماع النداء فوات الخطبة، بل تقدم أن عثمان لم يفته شيء من الخطبة وعلى تقدير أن يكون فاته منها شيء، فليس فيه دليل على أنه لا يجب شهودها على مَنْ تنعقد به الجمعة. قلت مشهور مذهب مالك أن الجماعة التي تنعقد بها الجمعة لابد من حضورها للخطبتين، واستدل به على أن غسل الجمعة واجب لقطع عمر الخطبة وإنكاره على عثمان تركه وهو متعقب؛ لأنه أنكر عليه ترك السنة المذكور وهي التبكير إلى الجمعة، فيكون الغُسل كذلك، وعلى أن الغُسل ليس شرطًا لصحة الجمعة. وقد مرّ البحث في ذلك في باب (وضوء الصبيان).

стр. 4507

رجاله سبعة: وفيه لفظ رجل مبهم وقد مرّوا إلا شيخ البخاري: مرّ جويرية بن أسماء في السابع والتسعين من أحاديث استقبال القبلة، ومرّ مالك في الثاني من بدء الوحي، وابن شهاب في الثالث منه، وعمر في الأول منه، وسالم في السابع عشر من الإيمان، وابن عمر في أوله قبل ذكر حديث منه. والرجل المبهم هو عثمان بن عفان سمّاه ابن وهب وابن القاسم في روايتهما عن مالك في "الموطأ". وقد مرّ في باب (ما يذكر في المناولة) بعد الخامس من العلم. وشيخ البخاري هو عبد الله بن محمد بن أسماء بن عبيد بن مخارق الضبعي أبو عبد الرحمن البصري ذكره ابن حِبّان في "الثقات" وابن قانع وقال: ثقة، وقال أبو زرعة: لا بأس به شيخ فاضل. وقال أبو حاتم: ثقة، وقال ابن دارة: قيل لي إنه أفضل أهل البصرة فذكرته لابن المديني فعظم شأنه. وقال أحمد بن إبراهيم الدورقي: لم أر بالبصرة أفضل منه وفي الزهرة: روى عنه البخاري اثنين وعشرين حديثًا ومسلم سبعة عشر حديثًا. روى عن عمه جويرية بن أسماء وابن المبارك وحفص بن غياث وغيرهم. وروى عنه البخاري ومسلم وأبو داود وأبو حاتم وابن دارة وغيرهم. مات سنة إحدى وثلانين ومئتين. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة وفيه رواية التابعي عن التابعي ورواية الابن عن أبيه عن جدّه ورواته مدنيون ما عدا الأولَيْن فهما بصريان. أخرجه الترمِذِيّ في "الصلاة" أيضًا. الحديث الرابع حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ. لم يختلف رواة "الموطأ" على مالك في إسناده، وقد تابع مالكًا على روايته الدراوردي عن صفوان عند ابن حِبّان، وخالفهما عبد الرحمن بن إسحاق فرواه عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة. أخرجه أبو بكر المروزي في كتاب "الجمعة" له. وقوله: "واجب على كل محتلم" أي: بالغٍ. وهذا الحديث قد مرّ في باب (وضوء الصبيان) من وجه آخر، ومرّ استيفاء الكلام عليه هناك استيفاء لا مزيد عليه. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرّ صفوان بن سليم في التاسع والعشرين من الغُسل، ومرّ عطاء بن يسار في الثاني والعشرين من الإيمان، ومرّ أبو سعيد الخدري في الثاني عشر منه. قد مرّ ما في هذا الحديث. ثم قال المصنف:

стр. 4508

باب الطيب للجمعة لم يذكر حكمه أيضًا لوقوع الاحتمال فيه. الحديث الخامس حَدَّثَنَا عَلِيٌّ بن عبد الله بن جعفر قَالَ: حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ الأَنْصَارِيُّ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَأَنْ يَسْتَنَّ وَأَنْ يَمَسَّ طِيبًا إِنْ وَجَدَ. قَالَ عَمْرو: أَمَّا الْغُسْلُ فَأَشْهَدُ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَأَمَّا الاِسْتِنَانُ وَالطِّيبُ فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَوَاجِبٌ هُوَ أَمْ لاَ، وَلَكِنْ هَكَذَا فِي الْحَدِيثِ. قوله: "أشهد علي أبي سعيد" ظاهر في أنه سمعه منه. قال ابن التين: أراد بهذا اللفظ التأكيد للرواية، وقد أدخل بعضهم بين عمرو بن سليم القائل "أشهد" وبيّن أبي سعيد الخدري رجلًا وهو عبد الرحمن بن أبي سعيد، فقد أخرجه مسلم وأبو داود والنَّسائيّ عن عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن عبد الرحمن عن أبيه أبي سعيد، وانفرد سعيد بذكر عبد الرحمن ولم يذكره بكير بن الأشج ولا غيره. وقوله: "وأن يستنّ" أي: يدلك أسنانه بالسواك، فهو عطف على معنى الجملة السابقة (وأنْ) مصدرية. وقوله: "وأن يمَسّ" بفتح الميم على الأفصح. وقوله: "إن وجد" متعلق بالطيب أي: إن وجد الطيب مسَّهُ، ويحتمل تعلقه بما قبله أيضًا. وفي رواية مسلم: "ويمسَّ من الطيبِ ما يقدرُ عليه". وفي روايةٍ "ولو مِنْ طيب المرأةِ". قال عياض: يحتمل قوله: "ما يقدر عليه" إرادة التأكيد ليفعل ما أمكنه، ويحتمل إرادة الكثرة والأول أظهر، ويؤيده قوله: "ولو من طيب المرأة"؛ لأنه يكره استعماله للرجل، وهو ما ظهر لونه وخفي ريحه فإباحته للرجل لأجل عدم غيره يدل على تأكد الأمر في ذلك ويؤخذ من اقتصاره على المسّ الأخذ بالتخفيف في ذلك قال الزين بن المنير: فيه تنبيه على الرفق وعلى تيسير الأمر في التطيب بأن يكون بأقل ما تمكن حتى أنه يجزىء منه من غير تناول قدر ينقصه تحريضًا على امتثال الأمر فيه. وقوله: "قال عمرو" أي: ابن سليم راوي الخبر، وهو موصول بالإسناد المذكور إليه. وقوله: "وأما الاستئذانُ والطيبُ فاللهُ أعلمُ أواجبٌ هو أم لا ولكن هكذا في الحديث" أشار به إلى أن العطف لا يقتضي التشريك من جميع الوجوه، فكان القدر المشترك تأكيد الطلب للثلاثة، وجزم بوجوب الغُسل دون غيره للتصريح به في الحديث، وتوقف فيما عداه لوقوع الاحتمال فيه.

стр. 4509

وقوله: "واجب" أي: مؤكد كالواجب كما مرّ، فقد حمله الأكثر على ذلك بدليل عطف الاستئذان والطيب عليه المتفق على عدم وجوبهما فالمعطوف عليه كذلك. قال الزين بن المنير: يحتمل أن يكون قوله: "وأن يستنّ" معطوفًا على الجملة المصرحة بوجوب الغُسل، فيكون واجبًا أيضًا، ويحتمل أن يكون مستانفًا فيكون التقدير (وأن يستنّ ويتطيَب استحبابًا) ويؤيد الأول ما يأتي في آخر الباب من رواية الليث عن خالد بن زيد حيث قال فيها: إن الغُسل واجب، ثم قال فيها: والسواك "وأن يمسّ من الطيب" ويأتي في شرح باب (الدهن يوم الجمعة) حديث ابن عبّاس "وأصيبوا من الطيب"، وفيه تردد ابن عبّاس في وجوب الطيب، ويلتحق بالاستنان والتطيب التزين باللباس وسيأتي استعمال الخمس التي عدت من الفطرة. وصرّح ابن حبيب من المالكية به فقال: يلزم الآتي الجمعة جميع ذلك. رجاله ستة: قد مرّوا إلّا أبا بكر، مرّ حرمي في الثامن عشر من الإيمان، ومرّ ابن المدينى في الرابع عشر من العلم، ومرّ شعبة في الثالث من الإيمان، وأبو سعيد في الثاني عشر منه، ومرّ عمرو بن سليم في الثامن والأربعين من أحاديث استقبال القبلة. وأما أبو بكر فهو ابن المنكدر بن عبد الله بن الهدير التيمي أخو محمد، أسنّ منه لم يسم كما قال البخاري. قال أبو داود: كان من ثقات الناس، وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث روى عن عمه ربيعة بن عبد اللة بن الهدير وجابر بن عبد الله وعمرو بن سليم وعطاء بن يسار وغيرهم. وروى عنه أخوه محمد ويحيى بن سعيد الأنصاري وشعبة وغيرهم. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإِفراد والعنعنة والقول ورواته ما بين بصري وواسطي ومدني أخرجه مسلم في "الطهارة" وكذا أبو داود والنَّسائيّ، ثم قال: قال أبو عبد الله: هو أخو محمد بن المنكدر ولم يسم أبو بكر هذا. روى عنه بكير بن الأشج وسعيد بن أبي هلال وعدة وكان محمد بن المنكدر يكنى بأبي بكر وأبي عبد الله. قوله: "قال أبو عبد الله" أي: البخاري ومراده بما ذكر أن محمد بن المنكدر وإن كان يكنى أيضًا أبا بكر لكنه ممن كان مشهورًا باسمه دون كُنيته بخلاف أخيه أبي بكر راوي هذا الخبر فإنه لا اسم له إلا كُنيته، وقد مرّ تعريفه قريبًا. وقوله: "روى عنه بكير بن الأشج" كذا في رواية أبي ذرٍّ ولغيره رواه عنه وكان المراد أن شعبة لم ينفرد برواية هذا الحديث عنه لكن قد مرّ ما بين رواية بكير وسعيد من المخالفة في السند، وذكر المصنف ثلاثة رجال قد مرّوا، مرّ محمد بن المنكدر في التاسع والخمسين من الوضوء، ومرّ بكير بن الأشج في الخامس والسبعين منه، ومرّ سعيد بن أبي هلال في الثاني منه. وأبو عبد الله

стр. 4510

المراد به البخاري نفسه، ورواته بكير وسعيد عن أبي بكر. أخرجها مسلم وأبو داود والنَّسائيّ. ثم قال المصنف: باب فضل الجمعة أورد فيه حديث مالك. ومناسبته للترجمة من جهة ما اقتضاه الحديث من مساواة المبادر إلى الجمعة للمتقرب بالمال. فكأنه جمع بين عبادتين بدنية ومالية، وهذه خصوصية للجمعة لم تثبت لغيرها من الصلوات.

стр. 4511

الحديث السادس حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ. قوله: "مَنْ اغتسل" يدخل فيه كل مَنْ يصح التقرب منه ذكر أو أُنثى أو عبد. وقوله: "غُسلَ الجنابة" بالنصب على أنه نعت لمصدر محذوف أي: غسلًا كغُسل الجنابة وهو كقوله تعالى: ﴿مَرَّ السَّحَابِ﴾ ويشهد بذلك رواية ابن جريج عن سمى عند عبد الرزاق "فاغتسلَ أحدُكم كما يغتسلُ من الجناَبةِ" فظاهره أن التشبيه للكيفية لا للحكم، وهو قول الأكثر. وقيل المراد غسل الجنابة حقيقة ففيه إشارة إلى الجِماع يوم الجمعة ليغتسل فيه من الجنابةِ، والحِكمة فيه أن تسكن نفسه في الرواح إلى الصلاةِ ولا تمتد عينه إلى شيء يراه، وفيه حمل المرأة أيضًا على الاغتسال ذلك اليوم، وعليه حَمَل قائل ذلك حديث أوس الثقفي قال: "سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ مَنْ غَسّل يومَ الجمعةِ واغتسلَ، ثم بكر وابتكرَ ومشى ولم يركبْ ودنا من الإِمام واستمعَ ولم يلغُ كان له بكلِّ خطوةٍ عملُ سنةٍ أجرُ صيامِها وقيامِها" أخرجه أصحاب "السنن"، وقالَ الترمذِيّ: حديث أوس حديث حسن، وقال أيضًا: معنى "غسل" وطىء امرأته قبل الخروج إلى الصلاة، يقال غسّل الرجل امرأته وغسلها مشددًا ومخففًا إذا جامعها، وفحل غسلة إذا كان كثير الضراب. قال النووي: ذهب بعض أصحابنا إلى هذا وهو ضعيف أو باطل والصواب الأول. وقد حكاه ابن قدامة عن أحمد وثبت أيضًا عن جماعة من التابعين وقال القرطبي: إنه أنسب الأقوال، فلا وجه لادعاء بطلانه وإن كان الأول أرجح، ولعله عني أنه باطل في مذهبه. وقوله: "ثم راح" أي: ذهب زاد في "الموطأ" في "الساعة الأولى" وصحح النووي أنها من طلوع الفجر؛ لأنه أول اليوم شرعًا، لكن يلزم منه أن يكون التأهب قبل طلوع الفجر. وقد قال الشافعي: يجزىء الغُسل إذا كان بعد الفجر، وليس المراد من الساعات الفلكية الأربعة والعشرين

стр. 4512

التي قسم عليها الليل والنهار، بل المراد ترتيب درجات السابقين على مَنْ يليهم في الفضيلة؛ لئلا يستوي فيه رجلان جاءا في طرفي ساعة؛ ولأنه لو أُريد ذلك لاختلف الأمر في اليوم الشاتي والصائف. وفي "شرح المهذب" و"مسلم" المراد الفلكية لكن بَدَنة الأول أكمل من بَدَنَة الأخير، وبَدَنَة المتوسط متوسطة، فمراتبهم متفاوتة وإن اشتركوا في البَدَنَة مثلًا كما في درجات صلاة الجماعة الكثيرة والقليلة، وحينئذٍ فمراده بساعات الفلكية اثنتا عشرة زمانية صيفًا أو شتاء، وقد روى أبو داود والنسائي وصححه الحاكم عن جابر مرفوعًا "يومُ الجمعةِ اثنتا عشرةَ ساعةً"، وهذا وإن لم يرد في حديث التبكير فيستأنس به في المراد بالساعات. وقال الماوردي: إن الرواح من طلوع الشمس موافقة لأهل الميقات ليكون ما قبل ذلك من طلوع الفجر زمان غسل وتأهب، واستشكل بأن الساعات ست لا خمس، والجمعة لا تصح في السادسة، بل في السابعة. وأجيب بأن عند النَّسائيّ بإسناد صحيح بعد الكبش بطة، ثم دجاجة، ثم بيضة. وفي أخرى دجاجة، ثم عصفورًا، ثم بيضة، ومعلوم أنه ﷺ كان يخرج إلى الجمعة متصلًا بالزوال، وهو بعد انقضاء الساعة السادسة فيكون خروج الإمام عند انتهاء السادسة، وفي حديث وائلة عند الطبراني في الكبير مرفوعًا أن الله تعالى يبعث الملائكةَ يومَ الجمعةِ على أبواب المسجدِ يكتبونَ القومَ الأولَ والثاني والثالثَ والرابعَ والخامسَ والسادسَ، فإذا بلغوا السابعَ كانواَ بمنزلةِ من قرَّبَ العصافير". وللروياني والبغوي وجه ثالث أن التبكير من الزوال كقول مالك. وحكى الصيدلاني وجهًا رابعًا وهو أنه من ارتفاع النهار وهو وقت الهجير. وانفصل المالكية إلا قليلًا منهم وبعض الشافعية عن الإِشكال بأن المراد بالساعات الخمس لحظات لطيفة أولها زوال الشمس وآخرها قعود الخطيب على المنبر، واستدلوا على ذلك بأن الساعة تطلق على جزء من الزمان غير محدود تقول: جئت ساعة كذا. وقالوا: إن حملها على الزمانية التي يقسم النهار فيها إلى اثني عشر جزءًا يبعد إحالة الشرع عليه لاحتياجه إلى حساب ومراجعة آلات تدل عليه؛ ولأنه ﵊ قال: "إِذا كانَ يومُ الجمعةِ قامَ على كلِّ بابٍ من أبوابِ المسجدِ ملائكةٌ يكتبونَ الأولَ فالأولَ فالمتهجر إلى الجمعةِ كالمُهدي بَدَنَةً" الحديث فإن قيل: قد تستعمل الهاجرة في غير موضعها فيجب العمل عليه جمعًا، فالجواب: أنه ليس إخراجها عن ظاهرها بأولى من إخراج الساعة الأولى عن ظاهرها، فإذا تساويا على ما زعمت فما أرجح؟ قلت: عمل الناس جيلًا بعد جيل لم يعرف أن أحدًا من الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- كان يأتي المسجد عند طلوع الشمس لصلاة الجمعة، ولا يمكن حمل حالهم على ترك هذه الفضيلة العظيمة، واستدلوا أيضًا بأن قوله في الحديث "ثم راح" يدل على أنه أول الذهاب إلى الجمعة من الزوال؛ لأن حقيقة الرواح من الزوال إلى آخر النهار، والغدو من أوله إلى الزوال. قال المازري: تمسك مالك بحقيقة الرواح، وتجوّز في الساعة وعكس غيره. وأنكر الأزهري على مَنْ زعم أن الرواح لا يكون إلا بعد الزوال، ونقل أن العرب تقول راح في جميع الأوقات بمعنى ذهب.

стр. 4513

قال: وهي لغة أهل الحجاز، ونقل أبو عبيد في "الغريبين" نحوه. وفيه رد على الزين بن المنير حيث أطلق أن الرواح لا يستعمل في المضي في أول النهار بوجه، وحيث قال: إن استعمال الرواح بمعنى الغدو لم يسمع ولا ثبت ما يدل عليه. وقد قال في "الفتح": إن التعبير بالرواح ليس في شيء من طرق هذا الحديث إلا في رواية مالك هذه عن سمي وقد رواه ابن جريج عن سمي بلفظ: "غدا"، ورواه أبو سلمة عن أبي هريرة بلفظ: "المتعجلُ إلى الجُمعةِ كالمُهدي بَدَنَةً" الحديث، وصححه ابن خزيمة. وفي حديث سمرة: "ضربَ رسولُ اللهِ ﷺ مثلَ الجُمعةِ في التبكيرِ كناحر البَدَنَة" الحديث، أخرجه ابن ماجه. ولأبي داود عن علي مرفوعًا: "إذا كان يومُ الجُمعةِ غدتِ الشَياطينَ براياتِها إلى الأسواقِ وتغدو الملائكةُ فتجلسُ على بابِ المسجدِ فتكتَب الرجلَ مِنْ ساعةٍ والرجلَ مِنْ ساعتينِ" الحديث. قال: فدل مجموع هذه الأحاديث على أن المراد بالرواح الذهاب، ولعل النكتة في التعبير بالرواح الِإشارة إلى أن الفعل المقصود إنما يكون بعد الزوال، فيسمى الذاهب إلى الجُمعة رائحاً وإن لم يجىء وقت الرواح كما سمي المقاصد إلى مكة حاجًا. قلت: هذه الأحاديث المذكورة ليس فيها ذكر للرواح، وإنما فيها الغدو أو التبكير، فكيف يصح قوله إن المراد بالرواح فيها الذهاب؟ واحتج بعض المالكية أيضًا بقوله في رواية الزهري: مثل المهجر؛ لأنه مشتق من التهجير وهو السير وقت الهاجرة. وأجيب بأن المراد بالتهجير هنا التبكير كما تقدم نقله عن الخليل في "المواقيت". قلت: الذي مرّ عن الخليل في باب (الاستهام في الأذان) هو محل التهجير على ظاهره من أنه الإتيان إلى الصلاة وقت الهاجرة وهي شدة الحر نصف النهار، والذي فسر التهجير بالتبكير هو الهروي. وقال ابن المنير: يحتمل أن يكون مشتقًا من الهِجيّر بالكسر وتشديد الجيم وهو ملازمة ذكر الشيء. وقيل: هو من هجير المنزل وهو ضعيف؛ لأن مصدره الهجر لا التهجير. وقال القرطبي: الحق أن التهجير هنا من الهاجرة وهو السير في وقت الحر وهو صالح لما قبل الزوال وبعده، فلا حجة فيه لمالك. وقال التوربشتي: جعل الوقت الذي يرتفع فيه النهار ويأخذ الحر في الازدياد من الهاجرة تغليبًا بخلاف ما بعد الزوال، فإن الحرّ يأخذ في الانحطاط. ومما يدل على استعمالهم التهجير في أول النهار ما أنشده ابن الأعرابي: يهجرون تهجير النجر. واحتجوا أيضًا بأن الساعة لو لم تطل للزم تساوي الآيتين فيها، والأدلة تقتضي رجحان السابق بخلاف ما إذا قلنا إنها لحظة لطيفة، وأجابوا عن هذا بما مرّ مما قاله النووي من أن التساوي وقع في مسمى البَدَنَة والتفاوت في صفاتها، ويؤيده أن في رواية ابن عجلان تكرير كل من المتقرب به مرتين حيث قال: "كرجل قرّب بَدَنَة، وكرجل قرّب بَدَنَة" الحديث. ولا يرد على هذا أن في رواية ابن جريج "وأول الساعة وآخرها سواء"؛ لأن هذه التسوية بالنسبة إلى البَدَنة كما تقرر واحتج من كره التبكير أيضًا بأنه يستلزم تخطي الرقاب في الرجوع لمن عرضت له حاجة فخرج ثم رجع وتعقب بأنه لا حرج عليه في هذه الحالة؛

стр. 4514

لأنه قاصد للوصول لحقه، وإنما الحرج على مَنْ تأخر عن المجيء ثم جاء فتخطى. وقوله: "فكأنما قرَّب بَدَنَةً" أي: تصدق بها متقربًا إلى الله تعالى. وقيل: المراد أن للمبادرة في أول ساعة نظير ما لصاحب البَدَنة من الثواب ممن شرع له القربان لم يشرع لهذه الأُمة على الكيفية التي كانت للأُمم السالفة. وفي رواية ابن جريج المذكورة "فلهُ من الأجر مثلُ الجزورِ" وظاهره أن المراد أن الأجر لو تجسد لكان قدر الجزور. وقيل: ليس المراِد بالحديث إلاَّ بيان تفاوت المبادرين إلى الجُمُعة، وأن نسبة الثاني من الأول نسبة البقرة إلى البَدَنة في القيمة مثلًا، ويدل عليه أن في مرسل طاووس عند عبد الرزاق "كفضلِ صاحب الجزورِ على صاحب البقرةِ". وفي رواية الزهري الآتية في باب (الاستماع إلى الخطبة) بلفظ: "كمثل الذي يهدي بَدَنَة" فكان المراد بالقربان في رواية الباب الإِهداء إلى الكعبة. قال الطيبي: في لفظ الإِهداء إدماج بمعنى التعظيم للجمعة، وأن المبادر إليها كمن ساق الهدي، والبَدَنة تقال للبعير ذكرًا كان أو انثى، والهاء فيها للوحدة لا للتأنيث، وكذا في باقي ما ذكر. وحكى ابن التين عن مالك أنه كان يتعجب ممن يخص البَدَنَة بالأُنثى. وقال الأزهري: لا تكون إلا من الإبل، وصح ذلك عن عطاء. وأما الهدي فمن الإبل والبقر والغنم هذا لفظه. وحكى النووي عنه قال: البَدَنَة تكون من الإبل والبقر والغنم، وكأنه خطأ نشأ عن سقط. وفي "الصحاح" البَدَنة ناقة أو بقرة تنحر بمكة سميت بذلك؛ لأنهم كانوا يسمنونها، والمراد بالبَدَنَة هنا الناقة بلا خلاف، واستدل به على أن البَدَنَة تختص بالإبل؛ لأنها قوبلت بالبقرة عند الإطلاق، وقسم الشيء لا يكون قسيمه. وقال إمام الحرمين: البَدَنَة من الإبل، ثم الشرع قد يقيم مقامها البقرة وسبعًا من الغنم، وتظهر ثمرة هذا فيما إذا قال: لله عليّ بدنة، وفيه خلاف الأصح أنه يتعيّن الإبل إن وجدت، وإلا فالبقرة، ثم سبع شياه. وقيل: يتعيّن الإبل مطلقًا، وقيل: يتخير. وقوله: "فكأنما قرّب دجاجة" بتثليث الدال. وعن محمد بن حبيب أنها بالفتح من الحيوان وبالكسر من الناس، واستشكل التعبير في الدجاجة والبيضة بقوله في رواية الأزهري "كالذي يهدي"؛ إن الهدي لا يكون منهما، وأجاب عياض تبعًا لابن بطال بأنه لما عطفه على ما قبله أعطاه حكمه في اللفظ فيكون من الإتباع: متقلدًا سيفًا ورمحًا. وتعقبه ابن المنير بأن شرط الإتباع لا يصرح باللفظ في الثاني فلا يسوغ أن يقال: متقلدًا سيفًا ومتقلدًا رمحًا، والذي يظهر أنه من باب المشاكلة، وإلى ذلك أشار ابن العربي بقوله: هو من باب تسمية الشيء باسم قرينه. وقال ابن دقيق العيد: قوله: "قرّب بيضة" وفي الرواية الأخرى كالذي يهدي يدل على أن المراد بالتقريب الهدي وينشأ منه أن الهدي يطلق على مثل هذا حتى لو التزم هديًا يكفيه ذلك أولًا. وهو الصحيح عند الشافعية وكذا عند الحنفية والحنابلة. قلت: وكذا المالكية، وهذا ينبني على أن النذر هل يسلك به مسلك جائز الشرع أو واجبه، فعلى الأول يكفي أقل ما يتقرب به، وعلى الثاني يحمل على أقل ما يتقرب به من ذلك الجنس، ويقوي الصحيح أيضًا أن المراد بالهدي هنا التصدق كما يدل عليه

стр. 4515

لفظ التقرب، وهذا يجاب به عن الإشكال المتقدم فيكون المراد بالتقرب والهدي التصدق، والتصدق بالدجاجة والبيضة جائز. وقوله: "حضرتِ الملائكةُ يستمعونَ الذكرَ" استنبط منه الماوردي أن التبكير لا يستحب للإمام قال: ويدخل إلى المسجد من أقرب أبوابه إلى المنبر وما قاله غير ظاهر لإِمكان أن يجمع الأمرين بالتبكير، ولا يخرج من المكان المعد له في الجامع إلا إذا حضر الوقت أو يحمل على مَنْ ليس له مكان معد وزاد في رواية الزهري الآتية "طووا صحفَهم". ولمسلم من طريقه "فإذا جلسَ الإِمامُ طووا الصحفَ، وجاؤوا يستمعون الذكر". وكان ابتداء طي الصحف عند ابتداء خروج الإِمام وانتهاؤه بجلوسه على المنبر وهو أول سماعهم للذكر، والمراد به ما في الخطبة من المواعظ وغيرها، وأول حديث الزهري إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول، ونحوه في رواية ابن عجلان عن سمي عند النسائي، وفي رواية العلاء عن أبي هريرة عند ابن خزيمة "على كلِّ بابٍ من أبوابِ المسجدِ ملكانِ يكتبانِ الأولَ فالأولَ"، فكان المراد بقوله في رواية الزهري: "على باب المسجد" جنس الباب، ويكون من مقابلة المجموع بالمجموع، فلا حجة فيه لمن أجاز التعبير عن الاثنين بلفظ الجمع. وأخرج أبو نعيم في "الحلية" عن ابن عمر مرفوعًا صفة الصحف المذكورة بلفظ "إذا كانَ يومُ الجمعةِ بعثَ الله ملائكةً بصحفٍ من نورٍ وأقلامٍ من نورٍ" الحديث، وهو دال على أن الملائكة المذكورين غير الحفظة. والمراد "بطي الصحف" طي صحف الفضائل المتعلقة بالمبادرة إلى الجمعة دون غيرها من سماع الخطبة وإدراك الصلاة والذكر والدعاء والخشوع ونحو ذلك، فإنه يكتبه الحافظان قطعًا. وفي رواية ابن عُيينة عن الزهري في آخر حديثه المشار إليه عند ابن ماجه "فمَنْ جاءَ بعدَ ذلكَ فإنما يجيِءُ لحقّ الصلاةِ". وفي رواية ابن جريج عن سمي من الزيادة في آخره "ثم إذا استمعَ وأنصتَ غُفَر لهُ ماَ بينَ الخطبتيْنِ وزيادة ثلاثة أيام". وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند ابن خزيمة "فيقول بعضُ الملائكةِ لبعضٍ ما حبسَ فلانًا فتقولُ اللَّهُمَّ إن كانَ ضالًا فاهدهِ وإن كانَ فقيرًا فأغنْهُ، وإن كان مريضًا فعافِهِ". وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم: الحض على الاغتسال يوم الجمعة وفضله، وفضل التبكير إليها أو التهجير عند المالكية، وإن الفضل المذكور إنما يحصل لمن جمعها وعليه يحمل ما أطلق في باقي الروايات من ترتب الفضل على التبكير من غير تقييد بالغُسل. وفيه أن مراتب الناس في الفضل بحسب أعمالهم، وأن القليل من الصدقة غير محتقر في الشرع، وأن التقرب بالإبل أفضل من التقرب بالبقر وهو بالاتفاق في الهدي. واختلف في الضحايا والجمهور على أنها كذلك خلافًا للمالكية القائلين بأن الغنم أفضل في الضحايا. قال الزين بن المنير: فرّق مالك بين التقربين باختلاف المقصودين؛ لأن أصل مشروعية الأضحية التذكير بقصة الذبيح، وهو قد فدي بالغنم والمقصود بالهدي التوسعة على المساكين فناسب البُدْنَ. وأيضًا المقصود من الضحية طيب

стр. 4516

اللحم لفاعليها ومن الهدي كثرته للمساكين، واستدل به على أن الجمعة تصح قبل الزوال ويأتي ما قيل في ذلك من الخلاف في باب (وقت الجمعة إذا زالت الشمس) ووجه الدلالة منه تقسيم الساعات إلى خمس، ثم عقب بخروج الإِمام وخروجه عند أول وقت الجمعة فيقتضي أن يخرج في أول الساعة السادسة وهي قبل الزوال. والجواب أنه ليس في شيء من طرق هذا الحديث ذكر الإتيان من أول النهار، فلعل الساعة الأولى منه جعلت للتأهب بالاغتسال وغيره ويكون بعد المجيء من أول الثانية فهي أولى بالنسبة للمجيء ثانية بالنسبة للنهار وعلى هذا، فآخر الخامسة أول الزوال فيرتفع الإشكال. وقد قيل: إن المراد بالساعات بيان مراتب المبكرين من أول النهار إلى الزوال وإنها تنقسم إلى خمس. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرّ سمي في الثاني عشر من كتاب الأذان، ومرّ أبو صالح وأبو هريرة في الثاني من الإيمان. أخرجه مسلم في الصلاة، وكذلك أبو داود والترمِذِيّ والنسائي وابن ماجه.

стр. 4517

باب كذا في الأصل بغير ترجمة، وهو كالفصل من الباب الذي قبله، ووجه تعلقه به أن فيه إشارة إلى الرد على مَنْ ادعى إجماع أهل المدينة على ترك التبكير بمحضر من الصحابة وكبار التابعين من أهل المدينة. قلت: ليس في الحديث رد على مَنْ أنكر التبكير؛ لأن التبكير المنكر إنما هو ما كان أول النهار قبل القائلة، وأما ما بعد القائلة فهو الرواح، وهو مطلوب عند جميع الأئمة، وعمر إنما أنكر التأخير إلى الشروع في الخطبة فلا دلالة فيه على ما ذكر، ووجه دخوله في فضل الجمعة ما يلزم من إنكار عمر على الداخل لاحتباسه مع عظم شأنه، فإنه لولا عظم الفضل في ذلك لما أنكر عليه، وإذا ثبت الفضل في التبكير إلى الجمعة ثبت الفضل لها. الحديث السابع حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ بَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَقَالَ عُمَرُ: لِمَ تَحْتَبِسُونَ عَنِ الصَّلاَةِ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: مَا هُوَ إِلاَّ سَمِعْتُ النِّدَاءَ تَوَضَّأْتُ. فَقَالَ: أَلَمْ تَسْمَعُوا النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا رَاحَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ. قوله: "إذ دخل رجل" قد مرّ في باب (فضل الغُسل يوم الجمعة) عند ذكر هذا الحديث أن الرجل عثمان بن عفان، ومرّت هناك مباحثه مستوفاة. وصرّح مسلم في روايته بالتحديث في جميع الإسناد. رجاله ستة: وفيه رجل مبهم، وقد مرّوا، مرّ أبو نعيم الفضل بن دكين في الخامس والأربعين من الإيمان، ومرّ شيبان النحوي ويحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من العلم، ومرّ أبو سلمة بن عبد الرحمن في الرابع من بدء الوحي، وعمر في الأول منه، ومرّ أبو هريرة في الثاني من الإيمان، والرجل المبهم عثمان بن عفان، وقد مرّ في تعليق بعد الخامس من كتاب العلم. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة مواضع، والقول في موضع واحد، وفيه أن الراويين الأولين كوفيان، والثالث يماني، والرابع مدني. أخرجه مسلم في الصلاة، وأبو داود في الطهارة. ثم قال المصنف:

стр. 4518

باب الدهن للجمعة أي استعمال الدهن، ويجوز أن يكون بفتح الدال فلا يحتاج إلى تقدير. الحديث الثامن حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنِ ابْنِ وَدِيعَةَ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لاَ يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ، فَلاَ يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ، إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى. قوله: "عن ابن وديعة" هو عبد الله سمّاه أبو علي الحنفي عن ابن أبي ذيب بهذا الإِسناد عند الدارمي، ويأتي تعريفه في السند. وهذا من الأحاديث التي تتبعها الدارقطني على البخاري وذكر أنه اختلف فيه عن سعيد المقبري فرواه ابن أبي ذيب عنه هكذا، ورواه ابن عجلان عنه عند ابن ماجه فقال: "عن أبي ذر" بدل سلمان، وأرسله أبو معشر عنه عند سعيد بن منصور فلم يذكر سلمان ولا أبا ذر. ورواه عبيد الله العمري عنه عند أبي يعلى فقال: "أبي هريرة". والجواب عن هذا هو أن ابن عجلان دون ابن ذيب في الحفظ، فروايته مرجوحة مع أنه يحتمل أن يكون ابن وديعة، سمعه من سلمان وأبي ذر جميعًا، ويرجح كونه من سلمان وروده من وجه آخر عنه. أخرجه النسائي وابن خزيمة عن علقمة بن قيس عن قَرْثع الضبي، قال: وكان من القراء الأولين عن سلمان نحوه ورجاله ثقات، وقرثع بقاف مفتوحة وراء ساكنة ثم مثلثة. وأما أبو معشر فضعيف، وقد قصر فيه بإسقاط الصحابي. وأما العمري فحافظ وقد تابعه صالح بن كيسان عن سعيد عند ابن خزيمة، وكذا عبد الرزاق عن ابن جريج عن رجل عن سعيد. وأخرجه ابن السكن من وجه آخر عن عبد الرزاق، وزاد فيه مع أبي هريرة عمارة بن عامر الأنصاري. وقوله: "ابن عامر" خطأ فهو ابن عمرو بن حزم كما أخرجه ابن خزيمة وبين الضحاك بن عثمان عن سعيد أن عمارة إنما سمعه من سلمان ذكره الإسماعيلي وأفاده في هذه الرواية أن سعيدًا حضر أباه لما سمع هذا الحديث من ابن وديعة، وساقه الإِسماعيلي عن ابن أبي ذيب عن سعيد عن ابن وديعة ليس فيه عن أبيه، فكأنه سمع مع أبيه من ابن وديعة ثم استثبت أباه فيه فكان يرويه على الوجهين. وإذا تقرر ذلك علم أن الطريق التي اختارها البخاري أتقن الروايات وبقيتها، أما موافقة لها أو قاصرة عنها أو يمكن الجمع بينهما.

стр. 4519

وقوله: "ويتطهر ما استطاع من الطُهر" وللكشميهني من طُهْرٍ بالتنكير، والمراد منه المبالغة في التنظيف، ويؤخذ من عطفه على الغُسل إن إفاضة الماء تكفي في حصول الغُسل أو المراد به التنظيف بأخذ الشارب والظفر والإبط والعانة، أو المراد بالغُسل غسل الجسد، وبالتطهير غسل الرأس. وقوله: "ويدّهن" المراد به إزالة شعث الشعر به، وفيه إشارة إلى التزين يوم الجمعة. وقوله: "أو يمس من طيب بيته" أي: إن لم يجد دهنًا. ويحتمل أن يكون (أو) بمعنى الواو وإضافته إلى الميت تؤذن بأن السنة أن يتخذ المرء لنفسه طيبًا ويجعل استعماله له عادة فيدخره في البيت، وهذا بناء على أن المراد بالبيت حقيقته. لكن في حديث عبد الله بن عمرو عند أبي داود "أو يمسّ من طيب إمرأتهِ" فعلى هذا، فالمعنى إن لم يتخذ لنفسه طيبها، فليستعمل من طيب امرأته وهو موافق لحديث أبي سعيد الماضي ذكره عند مسلم حيث قال فيه: "ولو من طيب المرأة" مرّ في باب الطيب للجمعة وفيه أن بيت الرجل يطلق وتراد به امرأته. وفي حديث عبد الله بن عمرو المذكور من الزيادة "ويلبس من صالحِ ثيابهِ" وسيأتي الكلام عليه في الباب الذي بعد هذا. وقوله: "ثم يخرج" زاد في حديث أبي أيوب عند ابن خزيمة "إلى المسجد"، ولأحمد من حديث أبي الدرداء: "ثم يمشي وعليه السكينة". وقوله: "فلا يفرق بين اثنين" في حديث عبد الله بن عمرو المذكور "ثم لم يتخط رقابَ الناسِ" وفي حديث أبي الدرداء "ولم يتخط أحدًا ولم يؤذِهِ". وقوله: "ثم يصلّي ما كتب له" في حديث أبي الدرداء "ثم يركع ما قضي له". وفي حديث أبي أيوب "فيركع إن بدا له". وقوله: "ثم ينصت إذا تكلم الإِمام" زاد في رواية قرثع الضبي "حتى يقضي صلاته"، ونحوه في حديث أبي أيوب. وقوله: "غُفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى" في رواية قاسم بن يزيد "حطَّ عنه ذنوبَ ما بينه وبين الجمعة" والمراد بالأخرى التي مضت كما في رواية ابن عجلان عند ابن خزيمة بلفظ: "غُفر له ما بينه وبين الجمعة التي قبلها". ولابن حِبّان عن أبي هريرة: "غُفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام من التي بعدها" وهذه الزيادة أيضًا في رواية سعيد عن عمارة عن سلمان، لكن لم يقل من التي بعدها، وأصله عند مسلم وزاد ابن ماجه عن أبي هريرة "ما لم تغش الكبائر"، ونحوه لمسلم. وفي الحديث من الفوائد أيضًا: كراهة التخطي يوم الجمعة قال الشافعي: أكره التخطي إلا لمن لا يجد السبيل للمصلى إلا بذلك، وهذا يدخل فيه الإمام ومن يريد وصل الصف المنقطع إن أبى السابق من ذلك ومن يريد الرجوع إلى موضعه الذي قام عنه لضرورة، واستثنى المتولي من الشافعية من يكون معظمًا لدينه أو علمه أو ألف مكانًا يجلس فيه إذ لا كراهة في حقه، وفيه نظر. وكان مالك يقول: لا يكره التخطي إلا إذا كان الإمام على المنبر، وفيه مشروعية النافلة قبل صلاة الجمعة لقوله: "صلّى ما كُتب له" ثم قال: "ثم ينصت إذا تكلّم الإمام"

стр. 4520

فدل على تقدم ذلك قبل الخطبة. وقد بيّنه أحمد من حديث نُبيشة الهذلي بلفظ "فإن لم يجد الإِمام خرج صلّى ما بدا له". وفيه جواز النافلة نصف النهار يوم الجمعة، واستدل به على أن التبكير ليس من ابتداء الزوال؛ لأن خروج الإِمام يعقب الزوال، فلا يسع وقتًا يتنفل فيه وتبيّن بمجموع ما ذكرنا أن تكفير الذنوب من الجمعة إلى الجمعة مشروط بوجود جميع ما تقدم من غسل، وتنظف، وتطيب أو دهن، ولبس أحسن الثياب، والمشي بالسكينة، وترك التخطي. والتفرقة بين اثنين، وترك الأذى والتنفل والإِنصات، وترك اللغو. وفي حديث عبد الله بن عمرو "فمن تخطى أو لغا كانت له ظهرًا" وقد يكون اللغو بغير الكلام كمس الحصى وتقليبه بحيث يشغل سمعه وفكره. وفي بعض الأحاديث "ومَنْ مسَّ الحصى فقد لغا" ومنها الاستماع وهو إلقاء السمع لما يقوله الخطيب، ولا يغني عنه الإِنصات؛ لأن الإِنصات ترك الكلام والاستماع ما ذكرنا، وقد يستمع ولا ينصت بأن يلقى سمعه لما يقوله وهو يتكلم بكلام يسير أو يكون قوي الحواس بحيث لا يشتغل بالاستماع عن الكلام ولا بالكلام عن الاستماع، فالكمال الجمع بين الإِنصات والاستماع. واختلف العلماء في الكلام هل هو حرام أو مكروه كراهة تنزيه وهما قولان للشافعي: قديم، وجديد. ومذهب مالك أنه حرام، واختلفوا إذا لم يسمع الإِمام هل يلزمه الإِنصات كما لو سمعه فقال الجمهور: يلزمه. وقال النخعي وأحمد والشافعي في أحد قوليه: لا يلزمه، ولو لغا الإِمام هل يلزمه الإِنصات أم لا فيه قولان: والراجح من مذهب الإِمام مالك أنه لا يلزمه، ودل التقييد بعدم غشيان الكبائر على أن الذي يكفر من الذنوب الصغائر فتحمل المطلقات كلها على هذا المقيد وذلك أن معنى قوله "ما لم تغشَ الكبائر" أي: فإنها إذا غشيت لا تكفر وليس المراد أن تكفير الصغائر شرطه اجتناب الكبائر إذ اجتناب الكبائر بمجرده يكفرها كما نطق به القرآن، ولا يلزم من ذلك أن لا يكفرها إلا اجتناب الكبائر، وإذا لم يكن للمرء صغائر تكفر رجي له أن يكفر عنه بمقدار ذلك، وهو جار في جميع ما ورد في نظائر ذلك. وقد مرّ الكلام على هذا المعنى مستوفىً في باب (قيام ليلة القدر) من كتاب الإِيمان وفي كتاب الوضوء في باب (الوضوء ثلاثًا ثلاثًا). رجاله ستة: مرّ منهم آدم بن أبي إياس في الثالث من الإِيمان، وسعيد بن أبي سعيد في الثاني والثلاثين منه، ومرّ أبوه كيسان أبو سعيد في السادس والعشرين من أبواب (صفة الصلاة)، ومرّ ابن أبي ذيب في الستين من العلم، والباقي من السند اثنان ابن وديعة وسلمان الفارسي. أما ابن وديعة فهو عبد الله بن وديعة بن خِدام بكسر الخاء أو ابن حرام الأنصاري المدني. ذكره ابن سعد في الصحابة، وكذا ابن منده وعزاه لابن أبي حاتم ومستندهم أن بعض الرواة لم يذكر بينه وبين النبي ﷺ في هذا الحديث أحدًا لكنه لم يصرح بسماعه فالصواب إثبات الواسطة، وهو تابعي جليل ذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال الدارقطني: إنه ثقة وذكره الواقدي فيمن قتل يوم الحرة. روى له
следующие страницы →