← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

اللحم لفاعليها ومن الهدي كثرته للمساكين، واستدل به على أن الجمعة تصح قبل الزوال ويأتي ما قيل في ذلك من الخلاف في باب (وقت الجمعة إذا زالت الشمس) ووجه الدلالة منه تقسيم الساعات إلى خمس، ثم عقب بخروج الإِمام وخروجه عند أول وقت الجمعة فيقتضي أن يخرج في أول الساعة السادسة وهي قبل الزوال. والجواب أنه ليس في شيء من طرق هذا الحديث ذكر الإتيان من أول النهار، فلعل الساعة الأولى منه جعلت للتأهب بالاغتسال وغيره ويكون بعد المجيء من أول الثانية فهي أولى بالنسبة للمجيء ثانية بالنسبة للنهار وعلى هذا، فآخر الخامسة أول الزوال فيرتفع الإشكال. وقد قيل: إن المراد بالساعات بيان مراتب المبكرين من أول النهار إلى الزوال وإنها تنقسم إلى خمس. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرّ سمي في الثاني عشر من كتاب الأذان، ومرّ أبو صالح وأبو هريرة في الثاني من الإيمان. أخرجه مسلم في الصلاة، وكذلك أبو داود والترمِذِيّ والنسائي وابن ماجه.

стр. 4517

باب كذا في الأصل بغير ترجمة، وهو كالفصل من الباب الذي قبله، ووجه تعلقه به أن فيه إشارة إلى الرد على مَنْ ادعى إجماع أهل المدينة على ترك التبكير بمحضر من الصحابة وكبار التابعين من أهل المدينة. قلت: ليس في الحديث رد على مَنْ أنكر التبكير؛ لأن التبكير المنكر إنما هو ما كان أول النهار قبل القائلة، وأما ما بعد القائلة فهو الرواح، وهو مطلوب عند جميع الأئمة، وعمر إنما أنكر التأخير إلى الشروع في الخطبة فلا دلالة فيه على ما ذكر، ووجه دخوله في فضل الجمعة ما يلزم من إنكار عمر على الداخل لاحتباسه مع عظم شأنه، فإنه لولا عظم الفضل في ذلك لما أنكر عليه، وإذا ثبت الفضل في التبكير إلى الجمعة ثبت الفضل لها. الحديث السابع حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ بَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَقَالَ عُمَرُ: لِمَ تَحْتَبِسُونَ عَنِ الصَّلاَةِ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: مَا هُوَ إِلاَّ سَمِعْتُ النِّدَاءَ تَوَضَّأْتُ. فَقَالَ: أَلَمْ تَسْمَعُوا النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا رَاحَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ. قوله: "إذ دخل رجل" قد مرّ في باب (فضل الغُسل يوم الجمعة) عند ذكر هذا الحديث أن الرجل عثمان بن عفان، ومرّت هناك مباحثه مستوفاة. وصرّح مسلم في روايته بالتحديث في جميع الإسناد. رجاله ستة: وفيه رجل مبهم، وقد مرّوا، مرّ أبو نعيم الفضل بن دكين في الخامس والأربعين من الإيمان، ومرّ شيبان النحوي ويحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من العلم، ومرّ أبو سلمة بن عبد الرحمن في الرابع من بدء الوحي، وعمر في الأول منه، ومرّ أبو هريرة في الثاني من الإيمان، والرجل المبهم عثمان بن عفان، وقد مرّ في تعليق بعد الخامس من كتاب العلم. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة مواضع، والقول في موضع واحد، وفيه أن الراويين الأولين كوفيان، والثالث يماني، والرابع مدني. أخرجه مسلم في الصلاة، وأبو داود في الطهارة. ثم قال المصنف:

стр. 4518

باب الدهن للجمعة أي استعمال الدهن، ويجوز أن يكون بفتح الدال فلا يحتاج إلى تقدير. الحديث الثامن حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنِ ابْنِ وَدِيعَةَ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لاَ يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ، فَلاَ يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ، إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى. قوله: "عن ابن وديعة" هو عبد الله سمّاه أبو علي الحنفي عن ابن أبي ذيب بهذا الإِسناد عند الدارمي، ويأتي تعريفه في السند. وهذا من الأحاديث التي تتبعها الدارقطني على البخاري وذكر أنه اختلف فيه عن سعيد المقبري فرواه ابن أبي ذيب عنه هكذا، ورواه ابن عجلان عنه عند ابن ماجه فقال: "عن أبي ذر" بدل سلمان، وأرسله أبو معشر عنه عند سعيد بن منصور فلم يذكر سلمان ولا أبا ذر. ورواه عبيد الله العمري عنه عند أبي يعلى فقال: "أبي هريرة". والجواب عن هذا هو أن ابن عجلان دون ابن ذيب في الحفظ، فروايته مرجوحة مع أنه يحتمل أن يكون ابن وديعة، سمعه من سلمان وأبي ذر جميعًا، ويرجح كونه من سلمان وروده من وجه آخر عنه. أخرجه النسائي وابن خزيمة عن علقمة بن قيس عن قَرْثع الضبي، قال: وكان من القراء الأولين عن سلمان نحوه ورجاله ثقات، وقرثع بقاف مفتوحة وراء ساكنة ثم مثلثة. وأما أبو معشر فضعيف، وقد قصر فيه بإسقاط الصحابي. وأما العمري فحافظ وقد تابعه صالح بن كيسان عن سعيد عند ابن خزيمة، وكذا عبد الرزاق عن ابن جريج عن رجل عن سعيد. وأخرجه ابن السكن من وجه آخر عن عبد الرزاق، وزاد فيه مع أبي هريرة عمارة بن عامر الأنصاري. وقوله: "ابن عامر" خطأ فهو ابن عمرو بن حزم كما أخرجه ابن خزيمة وبين الضحاك بن عثمان عن سعيد أن عمارة إنما سمعه من سلمان ذكره الإسماعيلي وأفاده في هذه الرواية أن سعيدًا حضر أباه لما سمع هذا الحديث من ابن وديعة، وساقه الإِسماعيلي عن ابن أبي ذيب عن سعيد عن ابن وديعة ليس فيه عن أبيه، فكأنه سمع مع أبيه من ابن وديعة ثم استثبت أباه فيه فكان يرويه على الوجهين. وإذا تقرر ذلك علم أن الطريق التي اختارها البخاري أتقن الروايات وبقيتها، أما موافقة لها أو قاصرة عنها أو يمكن الجمع بينهما.

стр. 4519

وقوله: "ويتطهر ما استطاع من الطُهر" وللكشميهني من طُهْرٍ بالتنكير، والمراد منه المبالغة في التنظيف، ويؤخذ من عطفه على الغُسل إن إفاضة الماء تكفي في حصول الغُسل أو المراد به التنظيف بأخذ الشارب والظفر والإبط والعانة، أو المراد بالغُسل غسل الجسد، وبالتطهير غسل الرأس. وقوله: "ويدّهن" المراد به إزالة شعث الشعر به، وفيه إشارة إلى التزين يوم الجمعة. وقوله: "أو يمس من طيب بيته" أي: إن لم يجد دهنًا. ويحتمل أن يكون (أو) بمعنى الواو وإضافته إلى الميت تؤذن بأن السنة أن يتخذ المرء لنفسه طيبًا ويجعل استعماله له عادة فيدخره في البيت، وهذا بناء على أن المراد بالبيت حقيقته. لكن في حديث عبد الله بن عمرو عند أبي داود "أو يمسّ من طيب إمرأتهِ" فعلى هذا، فالمعنى إن لم يتخذ لنفسه طيبها، فليستعمل من طيب امرأته وهو موافق لحديث أبي سعيد الماضي ذكره عند مسلم حيث قال فيه: "ولو من طيب المرأة" مرّ في باب الطيب للجمعة وفيه أن بيت الرجل يطلق وتراد به امرأته. وفي حديث عبد الله بن عمرو المذكور من الزيادة "ويلبس من صالحِ ثيابهِ" وسيأتي الكلام عليه في الباب الذي بعد هذا. وقوله: "ثم يخرج" زاد في حديث أبي أيوب عند ابن خزيمة "إلى المسجد"، ولأحمد من حديث أبي الدرداء: "ثم يمشي وعليه السكينة". وقوله: "فلا يفرق بين اثنين" في حديث عبد الله بن عمرو المذكور "ثم لم يتخط رقابَ الناسِ" وفي حديث أبي الدرداء "ولم يتخط أحدًا ولم يؤذِهِ". وقوله: "ثم يصلّي ما كتب له" في حديث أبي الدرداء "ثم يركع ما قضي له". وفي حديث أبي أيوب "فيركع إن بدا له". وقوله: "ثم ينصت إذا تكلم الإِمام" زاد في رواية قرثع الضبي "حتى يقضي صلاته"، ونحوه في حديث أبي أيوب. وقوله: "غُفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى" في رواية قاسم بن يزيد "حطَّ عنه ذنوبَ ما بينه وبين الجمعة" والمراد بالأخرى التي مضت كما في رواية ابن عجلان عند ابن خزيمة بلفظ: "غُفر له ما بينه وبين الجمعة التي قبلها". ولابن حِبّان عن أبي هريرة: "غُفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام من التي بعدها" وهذه الزيادة أيضًا في رواية سعيد عن عمارة عن سلمان، لكن لم يقل من التي بعدها، وأصله عند مسلم وزاد ابن ماجه عن أبي هريرة "ما لم تغش الكبائر"، ونحوه لمسلم. وفي الحديث من الفوائد أيضًا: كراهة التخطي يوم الجمعة قال الشافعي: أكره التخطي إلا لمن لا يجد السبيل للمصلى إلا بذلك، وهذا يدخل فيه الإمام ومن يريد وصل الصف المنقطع إن أبى السابق من ذلك ومن يريد الرجوع إلى موضعه الذي قام عنه لضرورة، واستثنى المتولي من الشافعية من يكون معظمًا لدينه أو علمه أو ألف مكانًا يجلس فيه إذ لا كراهة في حقه، وفيه نظر. وكان مالك يقول: لا يكره التخطي إلا إذا كان الإمام على المنبر، وفيه مشروعية النافلة قبل صلاة الجمعة لقوله: "صلّى ما كُتب له" ثم قال: "ثم ينصت إذا تكلّم الإمام"

стр. 4520

فدل على تقدم ذلك قبل الخطبة. وقد بيّنه أحمد من حديث نُبيشة الهذلي بلفظ "فإن لم يجد الإِمام خرج صلّى ما بدا له". وفيه جواز النافلة نصف النهار يوم الجمعة، واستدل به على أن التبكير ليس من ابتداء الزوال؛ لأن خروج الإِمام يعقب الزوال، فلا يسع وقتًا يتنفل فيه وتبيّن بمجموع ما ذكرنا أن تكفير الذنوب من الجمعة إلى الجمعة مشروط بوجود جميع ما تقدم من غسل، وتنظف، وتطيب أو دهن، ولبس أحسن الثياب، والمشي بالسكينة، وترك التخطي. والتفرقة بين اثنين، وترك الأذى والتنفل والإِنصات، وترك اللغو. وفي حديث عبد الله بن عمرو "فمن تخطى أو لغا كانت له ظهرًا" وقد يكون اللغو بغير الكلام كمس الحصى وتقليبه بحيث يشغل سمعه وفكره. وفي بعض الأحاديث "ومَنْ مسَّ الحصى فقد لغا" ومنها الاستماع وهو إلقاء السمع لما يقوله الخطيب، ولا يغني عنه الإِنصات؛ لأن الإِنصات ترك الكلام والاستماع ما ذكرنا، وقد يستمع ولا ينصت بأن يلقى سمعه لما يقوله وهو يتكلم بكلام يسير أو يكون قوي الحواس بحيث لا يشتغل بالاستماع عن الكلام ولا بالكلام عن الاستماع، فالكمال الجمع بين الإِنصات والاستماع. واختلف العلماء في الكلام هل هو حرام أو مكروه كراهة تنزيه وهما قولان للشافعي: قديم، وجديد. ومذهب مالك أنه حرام، واختلفوا إذا لم يسمع الإِمام هل يلزمه الإِنصات كما لو سمعه فقال الجمهور: يلزمه. وقال النخعي وأحمد والشافعي في أحد قوليه: لا يلزمه، ولو لغا الإِمام هل يلزمه الإِنصات أم لا فيه قولان: والراجح من مذهب الإِمام مالك أنه لا يلزمه، ودل التقييد بعدم غشيان الكبائر على أن الذي يكفر من الذنوب الصغائر فتحمل المطلقات كلها على هذا المقيد وذلك أن معنى قوله "ما لم تغشَ الكبائر" أي: فإنها إذا غشيت لا تكفر وليس المراد أن تكفير الصغائر شرطه اجتناب الكبائر إذ اجتناب الكبائر بمجرده يكفرها كما نطق به القرآن، ولا يلزم من ذلك أن لا يكفرها إلا اجتناب الكبائر، وإذا لم يكن للمرء صغائر تكفر رجي له أن يكفر عنه بمقدار ذلك، وهو جار في جميع ما ورد في نظائر ذلك. وقد مرّ الكلام على هذا المعنى مستوفىً في باب (قيام ليلة القدر) من كتاب الإِيمان وفي كتاب الوضوء في باب (الوضوء ثلاثًا ثلاثًا). رجاله ستة: مرّ منهم آدم بن أبي إياس في الثالث من الإِيمان، وسعيد بن أبي سعيد في الثاني والثلاثين منه، ومرّ أبوه كيسان أبو سعيد في السادس والعشرين من أبواب (صفة الصلاة)، ومرّ ابن أبي ذيب في الستين من العلم، والباقي من السند اثنان ابن وديعة وسلمان الفارسي. أما ابن وديعة فهو عبد الله بن وديعة بن خِدام بكسر الخاء أو ابن حرام الأنصاري المدني. ذكره ابن سعد في الصحابة، وكذا ابن منده وعزاه لابن أبي حاتم ومستندهم أن بعض الرواة لم يذكر بينه وبين النبي ﷺ في هذا الحديث أحدًا لكنه لم يصرح بسماعه فالصواب إثبات الواسطة، وهو تابعي جليل ذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال الدارقطني: إنه ثقة وذكره الواقدي فيمن قتل يوم الحرة. روى له

стр. 4521

البخاري وابن ماجه هذا الحديث لا غير. روى عن أبي ذر الغفاري إن كان محفوظًا وعن سلمان الفارسي، وروى عنه أبو سعيد المقبري. الثاني: سلمان الفارسي أبو عبد الله ويقال له سلمان بن الإِسلام، وكان إذا قيل له مَنْ أنت؟ قال: أنا سلمان بن الإِسلام من بني آدم. ويقال له سلمان الخير أصله من فارس من (رام هرمز) وقيل من أصبهان، وكان من أبناء أساورة فارس، وسمع بأن النبي ﷺ سيبعث، فخرج في طلب ذلك فأسر وبيع إلى أن وصل للمدينة. وروى البخاري في "صحيحه" عنه أنه تناوله بضعة عشر سيدًا، قيل: كان اسمه مابِه بكسر الباء بن بود. وقيل إن اسمه بهبود يقال: إنه أدرك عيسى بن مريم، وقيل بل أدرك وصي عيسى. قال أبو الشيخ عن العباس بن يزيد: أهل العلم يقولون: عاش سلمان ثلاثمئة وخمسين سنة، وأما مئتان وخمسون فلا يشكون فيها، وكذا قال الذهبي الأقوال كلها دالة على أنه جاوز مئتين وخمسين، والاختلاف إنما هو في الزائد. قال: ثم رجعت عن ذلك وظهر لي أنه ما زاد على الثمانين وتعقبه في الإصابة قائلًا لم يذكر مستندًا لذلك، وإنما أخذه من شهوده الفتوح بعد النبي ﷺ وتزوجه امرأة من (كِندة) وغير ذلك مما يدل على بقاء بعض النشاط، وإن ثبت ما ذكر يكون ذلك من خوارق العادات في حقه، وما المانع من ذلك مع ما ذكره أبو الشيخ؟ وروى أبو ربيعة الإِيادي من حديث أبي موسى أن النبي ﷺ قال: "إنّ اللهَ يحبُّ من أصحابي أربعةً: عليٌ، والمقدادُ، وأبو ذرٍّ، وسلمانُ". وروى قتادة عن خيثمة عن أبي هريرة قال: سلمان صاحب الكتابين يعني الإنجيل والفرقان. وروى ابن عبد البر بسنده عن علي أنه سئل عن سلمان فقال: علم علم الأول والآخر، بحر لا ينزف فهو منًا أهل البيت. وفي رواية عنه سلمان الفارسي مثل لقمان الحكيم، وقال كعب الأحبار: سلمان حُشي علمًا وحكمة. وروى مسلم عن عائذ بن عمرو أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال فقالوا: "ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها؟ فقال أبو بكر: تقولون هذا لشيخِ قريش وسيدهم؟ وأتى النبي ﷺ وأخبره فقال: يا أبا بكر لعلّك أغضَبتَهم لئن أغضبتَهُم لقد أغضبتَ ربّكَ، فأتاهم أبو بكرٍ فقال: يا إخوتاهُ أغضبتُكُم؟ قالوا: لا يا أبا بكرٍ، يغفرُ اللهُ لكَ". وروي عن عائشة أنها قالت: "كان لسلمانَ مجلسٌ عندَ رسولِ اللهِ ﷺ بالليلِ حتى كان يغلبنا على رسولِ اللهِ ﷺ " وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "لو كانَ الدِّينُ في الثريا لناله سلمانُ". وفي رواية "لناله رجال من فارس". وروي "أن سلمان أتى النَّبيَّ ﷺ بصدقةٍ فقالَ: يا رسولَ اللهِ هذه صدقةٌ عليكَ وعلى

стр. 4522

أصحابِكَ؟ فقال: يا سلمانُ إنّا لا تحلِّ لنا الصدقةُ فرفعها، ثم جاءهُ من الغدِ بمثليها فقال: هذه هديةٌ فقال لأصحابه: كلُوا وكان هذا في أول قدومهِ ﵊ يريدُ اختبارَهُ بذلك ثم اشتراه النبيُّ ﷺ من اليهودِ بكذا وكذا درهمًا إلى أن يغرسَ لهم كذا وكذا من النخلِ يعملُ فيها سلمانُ إلى أن تدركَ، فغرسَ النبيُّ ﷺ النخلَ كلَّه إلاَّ نخلة غرسها عمرُ فأطعمَ النخل كله إلا تلكَ النخلَة. فقال رسول الله ﷺ : مَنْ غرسَها؟ قالوا: عمرُ، فقلعَه ﵊ وغرسَها فأطعمت من عامِها. وكان سلمانُ يطلبُ دينَ اللهِ تعالى ويتتبّعُ من يرجو ذلكَ عندَهُ، فدانَ بالنصرانيةِ وغيرِها وقرأ الكتبَ وصبرَ في ذلكَ على مشقّاتٍ نالتْهُ". وذلك كله مذكور في خبر إسلامه والأكثر على أن أول مشاهده الخندق شغله الرّق قبله وهو الذي أشار بحفره. وقد قال أبو سفيان وقومه لما رأوه: هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها. وقيل: شهد بدرًا وأُحدًا إلّا أنه كان عبدًا يومئذٍ كان - رضي الله تعالى عنه- خيّرًا فاضلًا عالمًا زاهدًا متقشفًا. قال الحسن: كان عطاء سلمان خمسة آلاف، وكان إذا خرج عطاؤه تصدّق به ويأكل من عمل يده، وكانت له عباءة يفترش بعضها ويلبس بعضها، وكان يخطب بثلاثين ألفًا لابسًا تلك العباءة. دخل قوم عليه وهو أمير على المدائن وهو يعمل حفر الخُوْص. فقيل له: لِمَ تعمل هذا وأنت أمير ويجري عليك رزق؟ فقال: إني أحبُّ أن آكل من عمل يدي، وذكر أنه تعلّم حفر الخُوْص (بالمدينة) من الأنصار بعض مواليه. وذكر ابن وهب عن مالك قال: كان سلمان يعمل الخوص بيده فيعيش به، ولا يقبل من أحد شيئًا. قال: ولم يكن له بيت وإنما كان يستظل بالجدار والشجر وإن رجلًا قال له: ألا أبني لك بيتًا تسكن فيه؟ قال: ما لي به حاجة فما زال الرجل حتى قال: إني أعرف البيت الذي يوافقك، قال فصف لي، قال: أنا أبني لك بيتًا إذا أنت قمت فيه أصاب رأسك سقفه وإذا أنت مددت رجليك فيه أصابها الجدار. قال: نعم، فبنى له. آخى النبي ﷺ بينه وبين أبي الدرداء. وقال لأبي الدرداء: سلمان أفقه منك. وكان إذا نزل الشام نزل على أبي الدرداء وروى أبو جحيفة أن سلمان جاء يزور أبا الدرداء فرأى أُم الدرداء متبذلة قال: "ما شانكِ؟ قالت: إن أخاك ليس له حاجة في الدنيا، فلما جاء أبو الدرداء رحّب بسلمان وقدّم له طعامًا فقال سلمان: اطعم؟ فقال: إني صائم. فقال: أقسمت عليك إلا طَعِمْت إني لست بآكل حتى تطعم. قال وبات سلمان عند أبي الدرداء، فلما كان الليل قام أبو الدرداء فأحس به سلمان فقال: يا أبا الدرداء إن لربك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، ولجسدك عليك حقًا فأعط كلّ ذي حقّ حقّه، فلما كان وجه الصبح قال: قم الآن. قال: فقاما ثم صلّيا ثم خرجا إلى الصلاة، فلما صلّى رسول الله ﷺ قام إليه أبو الدرداء فأخبره بما قال له سلمان. فقال رسولُ اللهِ ﷺ مِثلَ ما قال سلمانُ"، له ستون حديثًا تفقا على ثلاثةٍ وانفرد البخاري بواحد ومسلم بثلاثة. روى عن النبي ﷺ وعنه أنس وابن عباس وأبو سعيد الخدري وأم الدرداء الصغرى وغيرهم: كان واليًا على المدائن ومات بها في عِلّية لأبي قُرّة الكِنْدي في خلافة عثمان سنة ست وثلاثين،

стр. 4523

وقيل سبع، وقيل ثلاث وهو الأشبه لما روى عبد الرزاق عن أنس قال: دخل ابن مسعود على سلمان عند الموت وقد مات ابن مسعود قبل سنة أربع وثلاثين باتفاق. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار بصيغة الإِفراد في موضع، والعنعنة في ثلاثة مواضع، والقول في أربعة مواضع. ورجاله كلهم مدنيون، وفيه ثلاثة من التابعين متوالية على أن ابن وديعة تابعي، وعلى أنه صحابي فيه تابعيان وصحابيان.

стр. 4524

الحديث التاسع حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ طَاوُسٌ: قُلْتُ: لاِبْنِ عَبَّاسٍ ذَكَرُوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: اغْتَسِلُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْسِلُوا رُءُوسَكُمْ وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا جُنُبًا، وَأَصِيبُوا مِنَ الطِّيبِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَمَّا الْغُسْلُ فَنَعَمْ، وَأَمَّا الطِّيبُ فَلاَ أَدْرِي. قوله: "اغتسلوا يوم الجمعة وإن لم تكونوا جنبًا" معناه اغتسلوا يوم الجمعة إن كنتم جنبًا للجنابة وإن لم تكونوا جنبًا للجمعة. ولفظ الجُنب يستوي فيه المذكر والمؤنث والجمع؛ ولذلك وقع خبرًا لقوله: "وإن لم تكونوا جنبًا" وأخذ منه أن الاغتسال يوم الجمعة للجنابة يجزىء عن الجمعة سواء نوى الجمعة أم لا، وفي الاستدلال به على ذلك نظر، نعم روى ابن حِبّان عن الزهري: "اغتسلوا يوم الجمعة إلا أن تكونوا جنبًا". وهذا أوضح في الدلالة على المطلوب، لكن روايه شعيب عن الزهري أصح. قال ابن المنذر: حفظنا الإجزاء عن أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين والخلاف في هذه المسألة منتشر في المذاهب. قلت: مذهب مالك كما مرّ أنه إن نوى الجنابة والجمعة أو نوى نيابة الجنابة عن الجمعة حصلا، وإن نسي الجنابة أو قصد نيابة عنها انتفيا. وقوله: "واغسلوا رؤوسكم هو من عطف الخاص على العام للتنبيه على أن المطلوب الغُسل التام؛ لئلا يظن أن إفاضة الماء دون حل الشعر مثلًا يجزىء في غسل الجمعة، وهو موافق لقوله في حديث أبي هريرة كغُسل الجنابة، ويحتمل أن يراد بالثاني المبالغة في التنظيف. وقوله: "وأصيبوا من الطيب" ليس في هذه الرواية ذكر الدهن المترجم به، لكن لما كانت العادة تقتضي استعمال الدهن بعد غسل الرأس أشعر ذلك به. كذا وجهه الزين بن المنير جوابًا لقول الداودي ليس في الحديث دلالة على الترجمة، والذي يظهر أن البخاري أراد أن حديث طاووس عن ابن عباس واحد ذكر فيه إبراهيم بن ميسرة الدهن، ولم يذكره الزهري وزيادة الثقة الحافظ مقبولة، وكأنه أراد بإيراد حديث ابن عباس عقب حديث سلمان الإشارة إلى أن ما عند الغُسل من الطيب والدهن والسواك وغيرها ليس هو في التأكيد كالغسل وإن كان الترغيب ورد في الجميع، لكن الحكم يخالف إما بالوجوب عند مَنْ يقول به أو بتأكيد بعض المندوبات على بعض. وقوله: "وأما الطيب فلا أدري" هذا يخالف ما رواه عبيد بن السباق عن ابن عباس مرفوعًا "مَنْ

стр. 4525

جاء إلى الجمعة فليغتسل وإن كان له طيب فليمسَّ منه" أخرجه ابن ماجه من رواية صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن عبيد وصالح ضعيف. وقد خالفه مالك فرواه عن الزهري عن عبيد بمعناه مرسلًا فإن كان صالح حفظ فيه ابن عباس فيحتمل أن يكون ذكره بعدما نسبه أو عكس ذلك. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ أبو اليمان. وشعيب في السابع من بدء الوحي، والزهري في الثالث منه، وابن عباس في الخامس منه، وطاووس في باب (مَنْ لم ير الوضوء إلا من المخرجين) بعد الأربعين من الوضوء. وفي الحديث لفظ: "ذكروا عن طاووس" ولم يسم مَنْ حدّثه به والظاهر أنه أبو هريرة لما أخرجه الطحاوي عنه، وقد مرّ أبو هريرة في الثاني من الإيمان، وهذا الحديث أخرجه النسائي في الصلاة أيضًا.

стр. 4526

الحديث العاشر حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: أَيَمَسُّ طِيبًا أَوْ دُهْنًا إِنْ كَانَ عِنْدَ أَهْلِهِ فَقَالَ: لاَ أَعْلَمُهُ. وهذا الحديث رواية من الذي قبله. رجاله ستة: قد مرّوا إلا إبراهيم بن ميسرة، مرّ إبراهيم بن موسى وهشام بن يوسف وابن جريج في الثالث من الحيض، ومرّ محل ذكر طاووس وابن عباس في الذي قبله، وإبراهيم بن ميسرة الطائفي نزيل (مكة) قال البخاري عن علي: له نحو ستين حديثًا أو أكثر، وقال ابن عُيينة: أخبرني إبراهيم بن ميسرة من لم تر عيناك والله مثله. وقال أيضًا: كان من أوثق الناس وأصدقهم. وقال العجلي والنَّسائيّ: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال ابن المديني: قلت لسفيان: أين كان حفظ إبراهيم عن طاووس من حفظ ابن طاووس؟ قال: لو شئت أن أقول لك إني أقدم إبراهيم عليه في الحفظ لقلت. وقال أبو حاتم: صالح. وذكره ابن حِبّان في "الثقات"، روى عن عبد الله بن قارب وله صحبة وعن طاووس وسعيد بن جبير وعمرو بن الشريد وغيرهم. وروى عنه أيوب وشعبة والسفيانان وابن جريج وغيرهم. مات قريبًا من سنة اثنين وثلاثين ومئة. والطائفي في نسبه نسبة إلى (الطائف) بلاد ثقيف في واد أول قراها لقيم وآخرها الوهط سميت بذلك؛ لأنها طافت على الماء في الطوفان؛ أو لأن جبريل طاف بها على البيت سبعًا؛ أو لأنها كانت بالشام فنقلها الله تعالى إلى الحجاز اقتلاعًا من تخوم الثرى بعيونها وثمارها ومزارعها بدعوة إبراهيم ﵇ لما قال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ نقله أبو داود الأزرقي في "تاريخ مكة" وأبو حذيفة إسحاق بن بشر في كتاب "المبتدأ"، وهو قول الزهري. وقال القسطلاني على المواهب: "إن جبريل ﵇ اقتلع الجنة التي كانت لأصحاب الصريم فسار بها إلى (مكة) فطاف بها حول البيت ثم أنزلها حيث (الطائف) فسمي الموضع بها"، وكانت أولًا بنواحي

стр. 4527

(صنعاء) واسم الأرض (وج) وهي بلدة كبيرة على ثلاث مراحل أو اثنتين من مكة من جهة الشرق كثيرة الأعناب والفواكه. وروى الحافظ ابن عائشة في "مجالسه": "أن هذه الجنة كانت بالطائف فاقتلعها جبريل وطاف بها البيت سبعًا ثم ردّها إلى مكانها فوضعها في مكانها اليوم". وقيل: إن الدمون بن الصدف، واسم الصدف مالك بن مرتع بن كِندة من (حضرموت) أصاب دمًا في قومه في (حضرموت) نفر إلى (وج) ولحق بثقيف وحالف مسعود بنِ مُعَتِّب الثقفي، وكان له مال عظيم فقال: هل لكم في أن أبني لكم طوفًا عليكم يكون لكم ردءًا من العرب؟ فقالوا: نعم، فبناه وهو الطائف المطيف به"، وهذا القول نقله السهيلي في "الروض" عن البكري وأعرض عنه وذكر ابن الكلبي ما يوافقه، وقد ألف ابن فهد الهاشمي "تاريخًا" خصه بالطائف، وألف فيها غيره. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإِخبار بالجمع والإِفراد والقول والعنعنة، ورواية التابعي عن التابعي ورواته ما بين رازيّ وصنعانيّ ومكيّ وطائفيّ ويمانيّ على نسق مذكور فيه. أخرجه مسلم في الصلاة أيضًا. ثم قال المصنف: باب يلبس أحسن ما يجد أي: يوم الجمعة من الجائز أورد فيه حديث ابن عمر ووجه الاستدلال به من جهة تقريره ﷺ لعمر على أصل التجمل للجمعة، وقصر الإنكار على لبس مثل تلك الحلة لكونها كانت حريرًا، وتعقبه الداودي بأنه ليس في الحديث دلالة على الترجمة، وأجاب ابن بطال بأنه كان معهودًا عندهم أن يلبس الرجل أحسن ثيابة للجمعة، وتبعه ابن التين. قلت: ما قالاه لا تؤخذ منه دلالة الحديث على الترجمة: والمتقدم أولى، وقد ورد الترغيب في ذلك في حديث أبي أيوب وعبد الله بن عمرو عند ابن خزيمة بلفظ "ولبس من خير ثيابه"، ولأبي داود عن أبي سعيد وأبي هريرة نحو حديث سلمان وفيه "ولبس من أحسن ثيابه". وفي "الموطأ" عن يحيى بن سعيد الأنصاري أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال: "ما على أحدكم لو اتخذ ثوبين لجمعته سوى ثوبي مهنته" ووصله ابن عبد البر في "التمهيد" عن عمرة عن عائشة، ولحديث عائشة طريق عند ابن خزيمة وابن ماجه.

стр. 4528

الحديث الحادي عشر حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى حُلَّةَ سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لاَ خَلاَقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ. ثُمَّ جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا حُلَلٌ، فَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ مِنْهَا حُلَّةً فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَوْتَنِيهَا وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا. فَكَسَاهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أَخًا لَهُ بِمَكَّةَ مُشْرِكًا. قوله: "إن عمر بن الخطاب رأى حلّة سيراء" هكذا رواه أكثر أصحاب نافع، وأخرجه النَّسائيّ عن نافع عن ابن عمر عن عمر أنه رأى حلّة فجعله في مسند عمر. قال الدارقطني: المحفوظ أنه من مسند ابن عمر. وقوله: "حُلة" بضم الحاء قال أبو عبيد: الحلل برود اليمن، والحُلّة إزار ورداء إذا كان من جنس واحد. وحكى عياض أن أصل تسميته الثوبين حُلّة أنهما يكونان جديدين كما حُلّ طيهما. وقيل: لا يكون الثوبان حُلّة حتى يلبس أحدهما فوق الآخر، فإذا كان فوقه فقد حُلّ عليه، والأول أشهر. والسِيَراء بكسر المهملة وفتح التحتانية والراء مع المد. قال الخليل: ليس في الكلام (فعلاء) بكسر أوله مع المد سوى سِيَراء (وحِوَلاء) وهو الماء الذي يخرج على رأس الولد، وعِنَباء لغة في العنب، قال مالك: هو الوشي من الحرير. وقال الأصمعي: ثياب فيها خطوط من حرير أو قز. قال ابن قرقول: ضبطناه عن المتقنين بالإِضافة كما يقال ثوب خز وعن بعضهم بالتنوين على البدل والصفة. قال الخطابي: يقال حُلْة سِيرَاء كناقة عُشَراء، ووجهه ابن التين فقال: يريد أن عشراء مأخوذ من عشرة أي: أكملت الناقة عشرة أشهر فسميت عشراء، وكذلك الحُلّة سميت سِيَراء؛ لأنها مأخوذة من السيور أنما قيل لها سيراء لتسيير الخطوط فيها، وقيل: مختلف الألوان فيه خطوط ممتدة كأنها السيور. وقوله: "عند باب المسجد" وعند النسائي عن نافع "أن عمر كان مع النبي ﷺ في السوق فرأى الحلة" ولا تخالف بين الروايتين؛ لأن طرف السوق كان يصل إلى قرب باب المسجد، وفي رواية

стр. 4529

جرير بن حازم عن نافع عند مسلم "رأى عمر عطارد التميمي يقيم حُلّة في السوق وكان رجلًا يغشى الملوك ويصيب منهم". وأخرج الطبراني عن حفصة بنت عمر "أن عطارد بن حاجب جاء بثوب من ديباج كساه إياه كسرى فقال عمر: ألا أشتريه لك يا رسول الله". وعن عبد الرحمن بن عمرو بن معاذ "عن عطارد نفسه أنه أهدى إلى النبي ﷺ ثوب ديباج كساه إياه كسرى" والجمع بينهما أن عطاردًا لما أقامه في السوق ليباع لم يتفق له بيعه فأهداه للنبي ﷺ . وقوله: "فقال: يا رسول الله لو اشتريت هذه فلبستها" وفي رواية اللباس "لو ابتعتها فلبستها". وفي رواية سالم عن ابن عمر في العيدين "ابْتَعْ هذه فتجمل بها"، وكان عمر أشار بشرائها وتمناه. وقوله: "فلبستها يوم الجمعة وللوفد إذا قدموا عليك" في رواية اللباس "للوفد إذا أتوك والجمعة" وفي رواية جرير بن حازم لوفود العرب، وكأنه خصه بالعرب؛ لأنهم كانوا إذ ذاك الوفود في الغالب؛ لأن (مكة) لما فتحت بادر العرب بإسلامهم، فكان كل قبيلة ترسل كبراءها لي سلموا ويتعلموا ويرجعوا إلى قومهم، فيدعوهم إلى الإِسلام ويعلموهم. وفي رواية سالم "العيد" بدل الجمعة وجمع ابن إسحاق عن نافع ما تضمنته الروايتان، أخرجه النسائي بلفظ "فتجمل بها لوفود العرب إذا أتوك وإذا خطبت الناس في يوم عيد غيره". وقوله: "إنما يلبس هذه من لا خَلَاقَ له في الآخرة" وفي رواية جرير بن حازم "إنما يلبس الحرير" والخَلَاق النصيب، وقيل الحظ وهو المراد هنا، ويطلق أيضًا على الحرمة وعلى الدين ويحتمل أن يراد من لا نصيب له في الآخرة أي: مَنْ لبس الحرير. ويؤيده ما في حديث عمر في "اللباس" في باب (لبس الحرير) ولفظه "لا يلبس الحرير إلا مَنْ ليس له في الآخرة منه شيء". وقوله: "فأعطى منها عمر حُلّة" زاد الإِسماعيلي "بحُلّة سِيَراء من حرير" ومن بيانية وهي تقتضي أن السِيَراء قد تكون من غير حرير، وفي رواية "اللباس" كساها إياه وذلك باعتبار ما فهمه عمر من ذلك وإلا فقد ظهر من بقية الحديث أنه لم يبعث إليه بها ليلبسها، أو المراد بقوله،: "كساه" أي: أعطاه ما يصلح أن يكون كسوة وفي رواية جرير بن حازم، فلما كان بعد ذلك أتي، رسول الله ﷺ بحلل سيراء فبعث إلى عمر بحُلّة وبعث إلى أُسامة بن زيد بحُلّة وأعطى علي بن أبي طالب حُلّة. وقوله: "فقال عمر: يا رسول الله كسوتنيها وقد قلت في حلّة عطارد ما قلت" وفي رواية جرير بن حازم: "فجاء عمر بحُلّته يحملها فقال: بعثت إليّ بهذه وقد قلت بالأمس في حلّة عطارد ما قلت" والمراد بالأمس هنا يحتمل الليلة الماضية أو ما قبلها بحسب ما اتفق من وصول الحُلل إلى النبي ﷺ بعد قصة حُلّة عطارد. وفي رواية محمد بن إسحاق "فخرجت فزعًا فقلت: يا رسول الله ترسل بها إليّ وقد قلت فيها ما قلت". وقوله: "إني لم أكسكها لتلبسها" وفي "اللباس": "إنما بعثت بها إليك لتبيعها أو تكسوها". وفي رواية جرير: "لتصيب بها". وفي رواية سالم في "العيدين" تبيعها وتصيب بها حاجتك". وفي

стр. 4530

الأدب": "لتصيب بها مالًا". وقوله: "فكساها عمر أخًا له (بمكة) مشركًا" زاد عبيد الله العمري عند النسائي: "أخًا له من أُمه". ويأتي في البيوت عن ابن عمر "فأرسل بها عمر إلى أخٍ له من أهل (مكة) قبل أن يسلم". قال النووي: هذا يشعر بأنه أسلم بعد ذلك، ويحتمل أن يكون قوله: قبل أن يسلم لا مفهوم له، بل المراد أن البعث إليه كان في حال كفره مع قطع النظر عمّا وراء ذلك. وقد قال الدمياطي: هو أخو زيد بن الخطاب لأُمه، فمن أطلق عليه أنه أخو عمر لأُمه لم يصب. قال في "الفتح": بل له وجه بطريق المجاز، ويحتمل أن يكون عمر ارتضع من أُم أخيه زيد، فيكون عثمان أخا عمر لأُمه من الرضاع، وأخا زيد لأُمه من النسب. وفي حديث جابر الذي أوله: "إن النبي ﷺ صلّى في قَباء حرير ثم نزعه فقال: نهاني عنه جبريل" كما مرّ التنبيه عليه في أوائل كتاب "الصلاة" في باب مَنْ صلّى في فَرُّوْج حرير زيادة عند النسائي وهي: "فأعطاه لعمر فقال: لم أعطكه لتلبسه بل لتبيعه فباعه عمر" وسنده قوي. وأصله في مسلم. قال في "الفتح": فإن كان محفوظًا أمكن أن يكون عمر باعه بإذن أخيه بعد أن أهداه. قلت: هذا الإِمكان بعيد جدًا فكيف يبيعه عمر بالمدينة بعد أن أهداه إلى أخيه بمكة؟ وأهون من هذا أن تحمل القضية على التعدد. رجاله خمسة: قد مرّوا، وفيه ذكر عطارد ولفظ أخ مبهم، مرّ عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرّ نافع في آخر حديث من العلم، ومرّ عبد الله أوّل كتاب الإِيمان قبل ذكر حديث منه، ومرّ عمر في أول بدء الوحي. وأما عطارد فهو ابن حاجب بن زرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم التميمي أبو عروة وفد على النبي ﷺ واستعمله على صدقات بني تميم، ثبت ذكره في هذا الحديث وفي حديث مسلم، وروى الطبراني "أنه أهدى إلى النبي ﷺ ثوب ديباج كساه إياه كسرى، فدخل أصحابه فقالوا: نزل من السماء عليك؟ فقال: وما تعجبون من ذا لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا، قال أبو عبيدة: كان حاجب بن زرارة يقال له: ذو القوس، وذلك أن رسول الله ﷺ لما دعا على مضر بالقحط فأقحطوا ارتحل حاجب إلى كسرى فسأله أن يأذن له أن ينزل حول بلاده، فقال: إنكم أهل غدر، فقال: أنا ضامن، فقال: ومَنْ لي بأن تفي؟ قال: أرهنك قوسي فأذن لهم في دخول الريف، فلما استسقت مضر بالنبي ﷺ دعا الله تعالى فرفع عنهم القحط، وكان حاجب مات فرحل عطارد بن حاجب إلى كسرى يطلب قوس أبيه فردها عليه وكساه حُلّة". وذكر الواقدي في "المغازي" "أن رسول الله ﷺ بعث بشر بن سفيان العدوي على صدقات خزاعة فجمعوا له فمنعهم بنو تميم فبعث النبي ﷺ إليهم عُيينة بن حصن في خمسين فارسًا فأغار

стр. 4531

عليهم وسبى منهم أحد عشر رجلًا وإحدى عشرة امرأة، وثلاثين صبيًا، فوفد بعد ذلك رؤساء بني تميم منهم عطارد بن حاجب، فذكر القصة وأنهم أسلموا وأجارهم وارتد عطارد بعد النبي ﷺ مع مَنْ ارتد من بني تميم، وتبع سجاح ثم عاد إلى الإِسلام وهو الذي قال فيها: أضحت نبيّتنا أنثى نطيفُ بها ... وأصبحتْ أنبياءُ الناسِ ذُكرانا فلعنةُ اللهِ ربّ الناسِ كلِّهم ... على سجاحَ ومَنْ بالكفرِ أغوانا وأما أخو عمر المبهم فهو عثمان بن حكيم بن أبي الأوقص السلمي أخوه لأُمه، سمّاه ابن بشكوال في المبهمات، وفي البخاري ما يدل على أن له صحبة فقد أخرج عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: "رأى عمر حُلّة على رجل تباع" الحديث بطوله، وفي آخره: "فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل (مكة) قبل أن يسلم". ثم قال المصنف:

стр. 4532

باب السواك يوم الجمعة ثم قال: وقال أبو سعيد عن "النبي ﷺ يستنُّ" أي: يدلك أسنانه بالسواك، وهذا التعليق طرف من حديث وصله البخاري في باب (الطيب للجمعة) وأبو سعيد مرّ في الثاني عشر من الإِيمان. الحديث الثاني عشر حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي أَوْ عَلَى النَّاسِ لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلاَةٍ. مطابقة هذا الحديث للترجمة من جهة اندراج الجمعة في عموم قوله "كل". وقال الزين بن المنير: لما خص الجمعة بطلب تحسين الظاهر من الغسل والتنظيف والتطيب ناسب ذلك تطييب الفم الذي هو محل الذكر والمناجاة وإزالة ما يضر الملائكة وبني آدم. وقوله: "أو لولا أن أشق على الناس" هو شك من الراوي وليس هذا اللفظ في شيء من الرواية، عن مالك ولا غيره. وأخرجه الدارقطني في "الموطئات" بهذا الإسناد بلفظ: "أو على الناس" لم يعد قوله: "لولا أن أشق" ورواه أكثر رواة "الموطأ" بلفظ: "المؤمنين" بدل أُمتي. ورواية يحيى بن يحيى الليثي بلفظ "على أُمتي" دون شك و"لولا" كلمة لربط امتناع الثانية لوجود الأولى نحو لولا زيد لأكرمتك أي: لولا زيد موجود، والمعنى هاهنا لولا مخافة أن أشق لأمرتهم أمر إيجاب، وإلا لانعكس معناها إذ الممتنع المشقة والموجود الأمر. وقال البيضاوي: "لولا" كلمة تدل على انتفاء الشيء لثبوت غيره، والحق أنها مركبة من (لو) الدالة على انتفاء الشيء لانتفاء غيره و (لا) النافية، فدل الحديث على انتفاء الأمر لثبوت المشقة؛ لأن انتفاء الأمر ثبوت، فيكون الأمر منفيًا لثبوت المشقة. وقوله: "أن أشق" كلمة (أن) مصدرية وهي في محل الرفع على الابتداء، وخبره واجب الحذف والتقدير (لولا المشقة موجودة لأمرتهم). وقوله: "لأمرتهم بالسواك" أي: استعمال السواك؛ لأن السواك هو الآلة وقد قيل إنه يطلق على الفعل أيضًا فعلى هذا لا تقدير، والسواك مذكر على الصحيح وحكى في المحكم تأنيثه، وأنكر ذلك الأزهري وقوله: "مع كل صلاة" ليست في روايات "الموطأ" إلا عن معن بن عيسى، لكن

стр. 4533

بلفظ عند كل صلاة، وكذا النسائي عن قتيبة عن مالك وكذا رواه مسلم عن أبي الزناد، وخالفه سعيد بن أبي هلال عن الأعرج فقال: "مع الوضوء" بدل الصلاة أخرجه أحمد. والتوفيق بين الروايتين بأن السواك الواقع عند الوضوء واقع للصلاة؛ لأن الوضوء شرع لها وفيه دليل على أن الأمر للوجوب من وجهين. أحدهما: أنه نفى الأمر مع ثبوت الندبية ولو كان للندب لما جاز النفي. ثانيهما: أنه جعل الأمر مشقة عليهم وذلك إنما يتحقق إذا كان الأمر للوجوب إذ الندب لا مشقة فيه؛ لأنه جائز الترك. وقال أبو إسحاق: في هذا الحديث دليل على أن الاستدعاء على جهة ليس بأمر حقيقة؛ لأن السواك عند كل صلاة مندوب إليه، وقد أخبر الشارع أنه لم يأمر به، ويؤكده قوله في رواية سعيد المقبري عن أبي هريرة عند النسائي بلفظ: "لفرضت عليهم" بدل لأمرتهم. وقال الشافعي: فيه دليل على أن السواك ليس بواجب؛ لأنه لو كان واجبًا لأمرهم به شق عليه أو لم يشق، وإلى القول بعدم وجوبه صار أكثر أهل العلم بل ادّعى بعضهم فيه الإِجماع، لكن حكى أبو حامد والماوردي عن إسحاق بن راهويه أنه قال: هو واجب لكل صلاة فمن تركه عامدًا بطلت صلاته. وعن داود أنه قال: واجب لكن ليس شرطًا، واحتج مَنْ قال بوجوبه بورود الأمر به، فعند ابن ماجه عن أبي أمامة مرفوعًا "تَسَوَّكُوا". ولأحمد نحوه عن العباس. وفي "الموطأ" في أثناء حديث "عليكم بالسواك" ولا يثبت شيء منها، وعلى تقدير الصحة فالمنفي في حديث الباب الأمر به مقيدًا بكل صلاة لا مطلق الأمر، ولا يلزم من نفي المقيد نفي المطلق، ولا من ثبوت المطلق التكرار كما يأتي، واستدل بقوله كل صلاة على استحبابه للفرائض والنوافل، ويحتمل أن يكون المراد الصلوات المكتوبة، وما ضاهاها من النوافل التي ليست تبعًا لغيرها كصلاة العيد، وهذا اختيار أبي شامة ويتأيد بقوله في حديث أُم حبيبة عند أحمد بلفظ: "لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة كما يتوضؤون". وله عن أبي هريرة بلفظ: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء ومع كل وضوء بسواك" فسوّى بينهما. وكما أن الوضوء لا يندب للراتبة التي بعد الفريضة إلا أن طال الفصل مثلًا فكذلك السواك. ويمكن أن يفرق بينهما بأن الوضوء أشق من السواك. ويتأيد بما رواه ابن ماجه عن ابن عباس قال: "كان رسول الله ﷺ يصلّي ركعتين ثم ينصرف فيستاك" وإسناده صحيح، لكنه مختصر من حديث طويل أورده أبو داود. وبيّن فيه أنه تخلل بين الانصراف والسواك نوم، وأصل الحديث في "مسلم" أيضًا مبيتًا واستدل به على أن الأمر يقتضي التكرار؛ لأن الحديث دلّ على كون المشقة هي المانعة من الأمر بالسواك ولا مشقة في وجوبه مرة، وإنما المشقة في وجوب التكرار. وفي هذا البحث نظر؛ لأن التكرار لم يؤخذ هنا من مجرد الأمر وإنما أخذ من تقييده بكل

стр. 4534

صلاة. وقال المهلب فيه: إن المندوبات ترتفع إذا خشي منها الحرج، وفيه ما كان النبي ﷺ من الشفقة على أُمته، وفيه جواز الاجتهاد منه ﵊ فيما لم ينزل عليه في نص؛ لكونه جعل المشقة سببًا لعدم أمره، فلو كان الحكم متوقفًا على النص لكان انتفاء سبب الوجوب عدم ورود النص لا وجود المشقة. وقال ابن دقيق العيد: وفيه بحث ووجهه أنه يجوز أن يكون إخبارًا منه ﷺ بأن سبب عدم ورود النص وجود المشقة، فيكون معنى قوله: "لأمرتهم" أي: عن الله بأنه واجب. واستدل به النسائي لاستحباب السواك للصائم بعد الزوال لعموم قوله: "كل صلاة". واختلف في السواك فقيل هو سُنة من سنن الدين وهو قول أبي حنيفة، وقيل من سُنن الوضوء وقيل من سُنن الصلاة. ووردت أحاديث تدل على أنه من سنن الدين. منها ما رواه أحمد والترمذي عن أبي أيوب "أربع من سنن المرسلين الختان والتعطر والسواك والنكاح". ومنها ما رواه مسلم عن عائشة "عشر من الفطرة فذكر فيها السواك". ومنها ما رواه البزار عن أبي هريرة "الطهارات أربع قص الشارب، وحلق العانة، وتقليم الأظفار والسواك" ووقته وقت الوضوء إلا أن المنقول عند أبي حنيفة أنه من سنن الدين وحينئذ يستوي فيه كل الأحوال. وفي "كفاية المنتهى" أنه يستاك قبل الوضوء. وعند الشافعي هو سنة القيام إلى الصلاة، وعند الوضوء، وعند كل حال يتغير فيها الفم. قال ابن دقيق العيد: الحكمة في استحباب السواك عند القيام إلى الصلاة كونها حالًا تقرب إلى الله تعالى فاقتضى أن يكون حال كمال ونظافة إظهارًا لشرف العبادة، وقد ورد عن علي عند البزار ما يدل على أنه لأمر يتعلق بالملك الذي يستمع القرآن من المصلي، فلا يزال يدنو منه حتى يضع فاه على فيه، لكنه لا ينافي ما تقدم. وروى أبو نعيم عن جابر برواة ثقات "إذا قام أحدكم من الليل يصلي" فليستك فإنه إذا قام يصلي أتاه ملك فيضع فاه على فيه فلا يخرج شيء من فيه إلا وقع في في الملك". وقد مرّ كثير من مباحث السواك في آخر كتاب "الوضوء" في باب (السواك). رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرّ أبو الزناد والأعرج في السابع من الإيمان، ومرّ أبو هريرة في الثاني منه، وأخرج هذا الحديث الترمِذِيّ والنسائي وغيرهم.

стр. 4535

الحديث الثالث عشر حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ الْحَبْحَابِ حَدَّثَنَا أَنَسٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ فِي السِّوَاكِ. قال ابن رشيد: مناسبته للذي قبله من جهة أن سبب منعه من إيجاب السواك واحتياجه إلى الاعتذار عن إكثاره عليهم فيه وجود المشقة، ولا مشقة في فعل ذلك في يوم واحد وهو يوم الجمعة. وقوله: "أكثرت" في رواية الإِسماعيلي "لقد أكثرت" إلخ أي: بالغت في تكرير طلبه منكم أو في إيراد الإخبار في الترغيب. وقال ابن التين: معناه أكثرت عليكم، وحقيق أن أفعل وحقيق أن تطيعوا، وحكى الكرماني أنه روى بضم أوله أي: "بولغت من عند الله بطلبه منكم". في "الفتح": ولم أقف على هذه الرواية إلى الآن صريحة، وذكره ابن المنير بلفظ "عليكم بالسواك" ولم يقع ذلك في شيء من الروايات في "صحيح البخاري". رجاله أربعة: قد مرّوا، إلاَّ شعيبًا، مرّ أبو معمر وعبد الوارث في السابع عشر من العلم، ومرّ أنس في السادس من الإيمان. وأما شعيب فهو ابن الحبحاب الأزدي المعولي مولاهم أبو صالح البصري. ذكره ابن حِبّان في "الثقات" وقال أحمد والنسائي: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث روى عن أنس وأبي العالية وإبراهيم النخعي وغيرهم، وروى عنه أبناه أبو بكر وعبد السلام وعبد الوارث والحمادان وغيرهم. مات سنة ثلاثين أو واحد وثلاثين ومائة وغسله أيوب. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع في كل الإِسناد والقول ورواته كلهم بصريون أخرجه النسائي في "الطهارة".

стр. 4536

الحديث الرابع عشر حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ وَحُصَيْنٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ. وجه مناسبته للترجمة أنه شرع في الليل لتجمل الباطن فيكون في الجمعة أحرى؛ لأنها شرع لها التجمل في الظاهر والباطن، وقد مرّ هذا الحديث في آخر كتاب الوضوء في باب السواك. ومرّ الكلام عليه هناك. رجاله ستة: قد مرّوا، مرّ محمد بن كثير في الثاني والثلاثين من العلم، ومرّ منصور في الثاني عشر منه، ومرّ حذيفة في تعليق بعد الثاني منه، ومرّ الثوري في السابع والعشرين من الإِيمان، ومرّ حصين بن عبد الرحمن في الثالث والسبعين من كتاب مواقيت الصلاة، ومرّ أبو وائل في الحادي والأربعين من الإِيمان. لطائف إسناده: فيه التحديث والإخبار بالجمع والعنعنة والقول، ورواته كلهم كوفيون إلا شيخ البخاري فهو بصريّ، وقد أخرجه البخاري في آخر كتاب الوضوء ومرّ هناك الكلام عليه. ثم قال المصنف: باب مَنْ تسوّك بسواك غيره كأنه يشير بحديث الباب إلى جواز ذلك وطهارة ريق بني آدم، وقد أورد الزين بن المنير على مطابقة الترجمة بأن عائشة أزالت موضع الاستياك بالقطع. وأجاب بأن استعماله بعد أن مضغته واف بالمقصود، وتعقب بأنه إطلاق في موضع التقييد، فينبغي تقييد الغير بأن يكون ممن لا يعاب أثر فيه إذ لولا ذلك ما غيرته عائشة، ولا يقال لم يتقدم فيه استعمال؛ لأن في نفس الخبر يستنُّ به.

стр. 4537

الحديث الخامس عشر حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ قَالَ: قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَمَعَهُ سِوَاكٌ يَسْتَنُّ بِهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ لَهُ: أَعْطِنِي هَذَا السِّوَاكَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ. فَأَعْطَانِيهِ فَقَصَمْتُهُ ثُمَّ مَضَغْتُهُ، فَأَعْطَيْتُهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَنَّ بِهِ وَهْوَ مُسْتَسْنِدٌ إِلَى صَدْرِي. قوله: "فقصمته" بقاف وصاد مهملة للأكثر أي: كسرته، ولكريمة وابن السكن بضاد معجمة والقضم بالمعجمة الأكل بأطراف الأسنان قال ابن الجوزي وهو أصح، وقد يحمل الكسر على كسر موضع الاستياك، فلا ينافي الثاني. وحكى ابن التين رواية بالفاء والمهملة، والفصم القطع بدون إبانة بخلاف القصم كما مرّ في بدء الوحي. وقوله: "يستن به" أي: يستاك. قال الخطابي: أصله من السَّن بالفتح ومنه المسن الذي يسن عليه الحديد. وفي الرواية الآتية في مرضه ﵊ زيادة ومع عبد الرحمن سواك رطب. وفي رواية وفي يده جريدة رطبة. وفي الرواية المذكورة "فقضمته ونقضته وطيبته ثم دفعته إلى النبي" الخ. وقوله: "ليّنته" أي: بالماء وتحتمل أن يكون طيبته تأكيدًا للينته. وقال المحب الطبري: إن كان بالضاد المعجمة فيكون قوله: فطيبته تكرارًا، وإن كان بالمهملة فلا؛ لأنه يصير بالمعنى كسرته لصوله أو لإزالة المكان الذي تسوك به عبد الرحمن. وقوله: "وهو مستند" جملة اسمية وقعت حالًا ويروى "وهو مستسند" والأول من الاستناد من باب (الافتعال)، والثاني من الاستسناد من باب (الاستفعال) فيه دليل على طهارة ريق بني آدم. وعن النخعي نجاسة البصاق وفيه دليل على جواز الدخول في بيت المحارم وفيه إصلاح السواك وتهيئته وفيه الاستياك بسواك الغير، وفيه العمل بما يفهم عند الإشارة والحركات، وفيه دليل على تأكيد السواك؛ لأنه ﷺ لم يخلّ به مع ما هو فيه من شاغل المرض. رجاله خمسة: وفيه ذكر عبد الرحمن بن أبي بكر، وقد مرّ الجميع، مرّ إسماعيل بن أبي أويس في الخامس عشر من الإِيمان، ومرّ سليمان بن بلال في الثاني منه، ومرّ هشام وعروة وعائشة في الثاني من بدء

стр. 4538

الوحي، ومرّ عبد الرحمن في الرابع من الغُسل. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإِفراد والإخبار بالإفراد والعنعنة والقول، ورواته كلهم مدنيون أخرجه البخاري في "فضائل أبي بكر" وفي "الجنائز" وفي "المغازي" وفي "الخمس" وفي "مرضه ﷺ " وفي "فضل عائشة". ومسلم في "فضل عائشة". ثم قال المصنف: باب ما يُقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة أي: بضم الياء ويجوز فتحها أي: الرجل، ولم يقع قوله يوم الجمعة في أكثر الروايات في الترجمة وهو مراد قال الزين بن المنير: ما في قوله: "ما يقرأ" الظاهر أنها موصولة لا استفهامية، قال: ومناسبة ترجمة الباب لما قبلها أن ذلك من جملة ما يتعلق بفضل يوم الجمعة لاختصاص صبحها بالمواظبة على قراءة هاتين السورتين.

стр. 4539

الحديث السادس عشر حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ هُرْمُزَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْجُمُعَةِ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةَ و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾. قوله: "حدّثنا أبو نعيم" وفي نسخة من رواية كريمة حدّثنا محمد بن يوسف أي: الفريابي وذكرا في بعض النسخ جميعًا. وقوله: ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ أي: بضم اللام على الحكاية زاد في رواية كريمة "السجدة" وهو بالنصب. وقوله: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ زاد الأصيلي: ﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْر﴾ والمراد أن يقرأ في كل ركعة بسورة كما بينه مسلم ولفظه: "الم تنزيل في الركعة الأولى وفي الثانية هل أتى على الإنسان" وفيه دليل على استحباب قراءة هاتين السورتين في هذه الصلاة من هذا اليوم لما تشعر الصيغة به من مواظبته ﷺ على ذلك أو إكثاره منه، بل قد ورد عن ابن مسعود فيما أخرجه الطبراني التصريح بمداومته ﷺ على ذلك. ولفظه: "يديم ذلك" لكن صوب أبو حاتم إرساله والصحيح أن كان لا تقتضي المداومة بدليل ما رواه مسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ الحديث. وروى أيضًا عن الضحاك بن قيس أنه سأل النعمان بن بشير ما كان النبي ﷺ يقرأ به في يوم الجمعة؟ قال: سورة الجمعة، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. وروى الطحاوي عن أبي هريرة عن النَّبيّ ﷺ أنه كان يقرأ في الجمعة بسورة الجمعة ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ فهذه الأحاديث فيها لفظة كان ولم تدل على المداومة، بل كان ﵊ قرأ بهذا مرة وبهذا مرة، فحكى عنه كل فريق ما حضره. ففيه دليل على أن لا توقيت للقراءة في ذلك، وأن للإِمام أن يقرأ في ذلك مع فاتحة الكتاب أي القرآن شاء؛ ولأجل أنها لا تقتضي المداومة. قال ابن دقيق العيد: ليس في الحديث ما يقتضي فعل ذلك دائمًا اقتضاء قويًا. قيل: إن الحكمة في قراءة هاتين السورتين الإشارة إلى ما فيهما من ذكر خلق آدم وأحوال يوم القيامة؛ لأن ذلك كان وسيقع يوم الجمعة. وحكى الباجي أبو الوليد الطعن في سعد بن إبراهيم لروايته لهذا

стр. 4540

الحديث، وأن مالكًا امتنع من الرواية عنه لأجله، وأن الناس تركوا العمل به لاسيما أهل المدينة، لكن سعد لم ينفرد به مطلقًا. فقد أخرجه مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مثله. وكذا ابن ماجه والطبراني عن ابن مسعود وابن ماجه عن سعد بن أبي وقاص والطبراني في "الأوسط" عن علي وقوله: "إن الناس تركوا العمل به" غير صحيح؛ لأن أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين قد قالوا به، كما نقله ابن المنذر وغيره. ومشهور مذهب مالك أن تعمد قراءة سورة فيها (سجدة) في الفريضة أو الخطبة مكروه سواء (ألم السجدة) أو غيرها؛ لأنه إن لم يسجد دخل في الوعيد في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ وإن سجد زاد في أعداد سجودها. وإذا تعمد قراءتها سجدها إن كان في الفريضة دون الخطبة لإِخلاله بنظامه، وهل تبطل الخطبة بالسجود؟ والظاهر عدم البطلان ويسجد في الفريضة ولو في وقت نهي ما لم يتعمد قراءتها عالمًا أنه وقت نهي فلا يسجد والصحيح في علة النهي عند المالكية كونها ليس عليها عمل أهل المدينة. قال ابن العربي: وهو أمر لم يعلم بالمدينة، وقيل النهي عنها خشية التخليط على المصلين، ومن ثم فرّق بعضهم بين الجهرية والسرية؛ لأن الجهرية يؤمن معها التخليط، لكن صح من حديث ابن عمر أنه ﷺ قرأ سورة فيها (سجدة) في صلاة الظهر، فسجد بهم فيها أخرجه أبو داود والحاكم، فبطلت التفرقة. ومنهم مَنْ علّل الكراهة بخشية اعتقاد العوام أنها فرض، قال ابن دقيق العيد: أما القول بالكراهة مطلقًا، فالحديث يأباه لكن إذا انتهى الحال إلى وقوع هذه المفسدة، فينبغي أن تترك أحيانًا لتندفع، فإن المستحب قد يترك لدفع المفسدة المتوقعة وهو يحصل بالترك في بعض الأوقات، وإلى ذلك أشار ابن العربي بقوله: ينبغي أن يفعل ذلك في الأغلب ويقطع أحيانًا؛ لئلا تظنه العامة سُنة. ومذهب الكوفيين كراهة قراءة شيء من القرآن موقتة لشيء من الصلوات، وأن يقرأ سورة (السجدة) و (هل أتى) في الفجر في كل جمعة. وقال الطحاوي: معناه إذا رآه حتمًا واجبًا لا يجزىء غيره أو رأى القراءة بغيرها مكروهة. أما لو قرأها في تلك الصلاة تبركًا أو تأسيًا بالنبي ﵊ أو لأجل التيسير، فلا كراهة. وفي "المحيط" بشرط أن يقرأ غير ذلك أحيانًا؛ لئلا يظن الجاهل أنه لا يجوز غيره، وهل يقرأ فيها (سجدة) غير الم منع منه ابن عبد السلام. وقال: إنه مبطل للصلاة، وقال النووي في "زيادات الروضة": لم أرَ فيه كلامًا لأصحابنا، وقياس مذهبنا أنه يكره في الصلاة إذا قصده ومقتضاه عدم البطلان. وفي "المهمات" مقتضى كلام القاضي الحسين الجواز. وفي "فوائد المهذب" للفارقي: لا تستحب قراءة (سجدة) غير تنزيل، فإن ضاق الوقت عن قراءتها قرأ بما أمكن منها، ولو بآية (السجدة) منها، ووافقه ابن أبي عصرون في كتاب "الانتصار". وعند ابن أبي شيبة بإسناد قوي عن إبراهيم النخعي أنه قال: يستحب أن يقرأ في صبح الجمعة

стр. 4541

بسورة فيها (سجدة). قال: وسألت محمد بن سيرين عنه فقال: لا أعلم به بأسًا، وليس في شيء من طرق حديث الباب التصريح بأنه ﵊ سجد لما قرأ سورة (السجدة) في هذا المحل إلا في كتاب "الشريعة" لابن أبي داود، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "غدوت على النبي ﷺ يوم الجمعة في صلاة الفجر، فقرأ سورة فيها (سجدة) فسجد" الحديث. وفي إسناده من ينظر في حاله. وللطبراني في "الصغير" عن علي أن النبي ﷺ سجد في صلاة الصبح في تنزيل (السجدة) وفي إسناده ضعف. وأما صلاة الجمعة، فقد قال أبو عمر: اختلف الفقهاء فيما يقرأ به في صلاة الجمعة، فقال مالك: أحب إلى أن يقرأ الإِمام في الجمعة ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ مع سورة (الجمعة)، وقال مرة أخرى: أما الذي جاء به الحديث ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ مع سورة (الجمعة) والذي أدركت عليه الناس ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾. قال أبو عمر: مذهب مالك أن كلتا السورتين قراءتهما حسنة مستحبة مع سورة (الجمعة). وقال الشافعي وأبو ثور يقرأ في الركعة الأولى بسورة (الجمعة) وفي الثانية ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾. واستحب مالك والشافعي وأبو ثور أن لا تترك سورة (الجمعة) على كل حال. رجاله ستة: قد مرّوا، مرّ أبو نعيم في الخامس والأربعين من الإِيمان، ومرّ سفيان الثوري في السابع والعشرين منه، ومرّ ابن هرمز في السابع منه، ومرّ أبو هريرة في الثاني منه، ومرّ سعد بن إبراهيم في السابع والأربعين من الوضوء. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، وفيه رواية التابعي عن التابعي، ورواته ما بين مدني وكوفي. أخرجه مسلم في الصلاة أيضًا، وكذا النسائي وابن ماجه. ثم قال المصنف: باب الجمعة في القرى والمدن والقرية واحدة القرى كل مكان اتصلت فيه الأبنية، واتخذ قرارًا ويقع ذلك على المدن وغيرها والأمصار المدن الكبار واحدها مصر، والكفور القرى الخارجة عن المصر واحدها كَفر بفتح الكاف والمُدْن بضم الميم وسكون الدال وقد تضم جمع مدينة. وللأصيلي والمَدَائن بفتح الميم والدال جمع مدينة أيضًا. قال أبو علي الفسوي بالهمز إن كان من مدن وبتركه إن كان من دان أي: ملك وفي هذه الترجمة إشارة إلى خلاف من خص الجمعة بالمدن دون القرى، وهو مذهب الحنفية ويأتي قريبًا استيفاء الكلام على ذلك.

стр. 4542

الحديث السابع عشر حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ بَعْدَ جُمُعَةٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَسْجِدِ عَبْدِ الْقَيْسِ بِجُوَاثَى مِنَ الْبَحْرَيْنِ. كذا رواه الحفاظ من أصحاب إبراهيم بن طهمان عنه وخالفهم المعافى بن عمران فرواه عنه محمد بن زياد عن أبي هريرة أخرجه النَّسائيّ والخطأ فيه من المعافى ولا ذنب فيه على إبراهيم، ويحتمل أن يكون لإبراهيم فيه إسنادان. وقوله: "جُمِّعت" بضم الجيم وتشديد الميم المكسورة، وزاد وكيع عن ابن طهمان "في الإِسلام" أخرجه أبو داود. وقوله: "بعد جمعة" زاد المصنف في أواخر "المغازي" "جمعت". وقوله: "في مسجد رسول الله ﷺ " في رواية وكيع بالمدينة، وفي رواية المعافى المذكورة (بمكة) وهو خطأ. وقوله: "في مسجد عبد القيس" قبيلة كانوا ينزلون البحرين موضع قريب من (عُمان) بقرب (القطيف) و (الأَحساء). وقوله: "بجُواثى من البحرين" بضم الجيم وتخفيف الواو. وقد تهمز ثم مثلثة خفيفة في رواية وكيع قرية من قرى (البحرين) وفي أخرى عنه من قرى عبد القيس. وكذا للإسماعيلي عن ابن طهمان، وبه يتم مراد الترجمة وحكى الجوهري والزمخشري وابن الأثير أن جؤاثى اسم حصن (بالبحرين)، وهذا لا ينافي كونها قرية. وحكى ابن التين عن أبي الحسن اللخمي أنها مدينة، وما ثبت في الحديث من كونها قرية أصح مع احتمال أن تكون في الأول قرية ثم صارت مدينة. واستدل به الشافعي وأحمد على أن الجمعة تقام في القرية إذا كانت فيها أربعون رجلًا أحرارًا بالغين مقيمين لا يظعنون عنها صيفًا ولا شتاء إلا لحاجة سواء كانت أبنيتها من حجر أو طين أو خشب أو قصب أو نحوها، فلو انهدمت أبنيتها فأقام أهلها على العمارة لزمتهم الجمعة فيها؛ لأنها وطنهم سواء كانوا في مظالٍ أم لا، وسواء فيها المسجد والدار والفضاء بخلاف الصحراء ووجه الدلالة منه أن الظاهر أن عبد القيس لم يجمعوا إلا بأمر النبي ﷺ لما عرف من عادة الصحابة من عدم الاستبداد بالأُمور الشرعية في زمن نزول الوحي؛ ولأنه لو كان ذلك لا يجوز لنزل فيه القرآن. كما استدل جابر وأبو سعيد على جواز العزل بأنهم فعلوه، والقرآن ينزل فلم ينهوا عنه، وعند

стр. 4543

المالكية يشترط في صحة الجمعة الاستيطان وهو العزم على الإقامة على نية التأبيد في غير الخيام ولو في الاختصاص، وتكون في جامع مبني بناء معتادًا لأهل ذلك البلد، وإذا تعددت المساجد صحت في العتيق وبطلت في غيره إلا إذا عظم البلد (كمصر) و (بغداد). ويشترط أن يكون في ذلك البلد جماعة يأمن بهم الدفع عن أنفسهم في الأمور الكثيرة لا النادرة، وذلك يختلف بحسب الجهات من كثرة الخوف والفتن وقلتها، وليس للجماعة حدّ محصور من خمسين أو أربعين أو ثلاثين كما قيل بكل، وهذا الشرط هو المعتبر عندهم من غير نظر إلى قرية أو مصر، وكل الأحاديث توافقه ولا ينافيه حديث. قلت: المطلوب دفعه والأمن منه هو المحاربون قطاع الطريق أو الكفار، وهم الذين يطلب عند أهل الإِسلام دفعهم حقيقة فإذا ملكت الكفار بلدًا من بلاد الإِسلام بعد عجز أهله عنهم، وصاروا مالكين له وهم المدافعون عنه لم يوجد هذا الشرط الذي هو المدار في وجوب الجمعة. عند المالكية فلا تجب في ذلك البلد المملوك للكفار الجارية فيه أحكامهم، فيكون حكمه حكم (مكة) حيث لم يصلِّ فيها النبي ﷺ وأصحابه الجمعة قبل الهجرة؛ لكون الحكم فيها للكفار، وعندما هاجروا للمدينة صلّوها لعدم حكم الكفار كما مرّ في أول الجمعة. وجؤاثى أهلها عبد القيس ذابون عن أنفسهم يقاتلون من حولهم من الكفار، هذا ما ظهر لي وما ذكره الدسوقي من كونها تصلى في البلاد المحتلة للكفار غير ظاهر. ومذهب أبي حنيفة لا تصح الجمعة إلا في مصر جامع أو في مصلى العصر، ولا يجوز في القرى وتجوز في (مني) إذا كان الأمير أمير الحاج أو كان الخليفة مسافرًا، وقال محمد: لا جمعة (بمنى) ولا تصح بعرفات في قولهم جميعًا، واختلف أصحابه في العصر الذي تجوز فيه الجمعة فعن أبي يوسف: هو كل موضع يكون فيه كل محترف، ويوجد فيه جميع ما يحتاج إليه الناس من معائشهم عادة، وبه قاض يقيم الحدود، وأمير كذلك. وقيل: إذا بلغ سكانه عشرة آلاف، وقيل عشرة آلاف مقاتل، وقيل بحيث أن لو قصدهم عدو لأمكنهم دفعه. وقيل: كل موضع فيه منبر وقاضٍ يقيم الحدود، وقيل: أن لو اجتمعوا إلى أكبر مساجدهم لم يسعهم. وقيل: أن يكون بحال يعيش كل محترف بحرفته من سنة من غير أن يشتغل بحرفة أخرى. وعن محمد موضع مصّره الإِمام فهو مصر حتى أنه لو بعث إلى قرية نائبًا لإقامة الحدود والقصاص يصير مصرًا، فإذا عزله ودعاه تلحق بالقرى. واستدل أبو حنيفة على أنها لا تجوز في القرى بما رواه عبد الرزاق في مصنفه عن علي -رضي الله تعالى عنه- قال: "لا جمعةَ ولا تشريقَ إلا في مصرٍ جامعٍ" ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن علي أيضًا بلفظ: "لا جمعة ولا تشريق ولا صلاة فطرٍ ولا أضحى إلا في مصرٍ جامعٍ أو مدينة عظيمةٍ". وأجابوا عن قوله في حديث الباب جؤاثى بأنها مدينة كما قاله البكري، وقال امرؤ القيس:

стр. 4544

ورحنا كأنا من جؤاثى عشيةً ... نعالي النعاج بين عدلٍ ومحقب يريد كأنا من تجار جؤاثى لكثرة ما معهم من الصيد، وأراد كثرة أمتعة تجار جؤاثى وكثرة الأمتعة تدل غالبًا على كثرة التجار، وكثرة التجار تدل على أن جؤاثى مدينة قطعًا؛ لأن القرية لا يكون فيها تجار غالبًا. ولئن سلّمنا أنها قرية، فليس في الحديث أنه ﵊ اطلع على ذلك وأقرهم عليه. وقد مرّ ما يرد عليهم، فقد مرّ في نفس الحديث أنها قرية من قرى البحرين، ومرّ أن الظاهر أنهم لم يجمعوا إلا بأمره ﵊ إلى آخر ما مرّ وقال النووي: حديث علي ضعيف متفق على ضعفه، وهوموقوف عليه بسند ضعيف منقطع. وعن عمر "أنه كتب إلى (البحرين) أن جمعوا حيثما كنتم، وهذا يشمل المدن والقرى" أخرجه ابن شيبة بسند صحيح وصححه ابن خزيمة. وروى البيهقي عن الوليد بن مسلم سألت الليث بن سعد فقال: كل مدينة أو قرية فيها جماعة أمروا بالجمعة، فإن أهل مصر وسواحلها كانوا يجمعون الجمعة على عهد عمر وعثمان بأمرهما، وفيهما رجال من الصحابة. وعند عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه كان يرى أهل المياه يجمعون بين (مكة) و (المدينة) فلا يعيب عليهم فلما اختلفت الصحابة وجب المصير إلى المرفوع. وقال أبو بكر الرازي في كتابه "الأحكام" اتفق فقهاء الأمصار على أن الجمعة مخصوصة بموضع لا يجوز فعلها في غيره؛ لأنهم مجمعون على أنها لا تجوز في البوادي ومناهل العرب، وتجوز عند الحنفية في فناء المصر وهو ما أعد لقضاء حوائج المصر من ركض الخيل والخروج للرمي وغيرهما، وفي "الخانية" لابد أن يكون متصلًا بالمصر حتى لو كان بينه وبين المصر فرجة من المزارع والمراعي لا يكون فناء له ومقدار التباعد أربعمائة ذراع، وعند أبي يوسف ميلان. وفي الحديث إشعار بتقديم إسلام عبد القيس على غيرهم من أهل القرى، وهو كذلك كما مرّ في أواخر كتاب الإيمان. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ محمد بن المثنى في التاسع من الإِيمان، ومرّ أبو عامر العقدي في الثاني منه، ومرّ أبو جمرة في السادس والأربعين منه، ومرّ إبراهيم بن طهمان في التاسع والعشرين من الغسل، ومرّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواته بصريون إلا الثالث فهو هروي. أخرجه النَّسائيّ وأبو داود.

стр. 4545

الحديث الثامن عشر حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: كُلُّكُمْ رَاعٍ. وَزَادَ اللَّيْثُ قَالَ يُونُسُ: كَتَبَ رُزَيْقُ بْنُ حُكَيْمٍ إِلَى ابْنِ شِهَابٍ وَأَنَا مَعَهُ يَوْمَئِذٍ بِوَادِي الْقُرَى هَلْ تَرَى أَنْ أُجَمِّعَ. وَرُزَيْقٌ عَامِلٌ عَلَى أَرْضٍ يَعْمَلُهَا، وَفِيهَا جَمَاعَةٌ مِنَ السُّودَانِ وَغَيْرِهِمْ، وَرُزَيْقٌ يَوْمَئِذٍ عَلَى أَيْلَةَ، فَكَتَبَ ابْنُ شِهَابٍ وَأَنَا أَسْمَعُ يَأْمُرُهُ أَنْ يُجَمِّعَ، يُخْبِرُهُ أَنَّ سَالِمًا حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ: الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ. وجه الاحتجاج بالحديث ومطابقته للترجمة من قوله ﷺ : "كلكم راعٍ"، فإنه دال على أنَّ على مَنْ كان أميرًا إقامة الأحكام الشرعية والجمعة منها، وكان رزيق عاملًا على الطائفة التي ذكرها، وكان عليه أن يراعي حقوقهم، ومن جملتها إقامة الجمعة وقوله: "كلكم راعٍ"، في الرواية الآتية في الأحكام"ألا كلَّكم راعٍ" و (ألا) بتخفيف اللام حرف استفتاح، وسقطت من رواية سالم هنا ورواية نافع، والراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما اؤتمن على حفظه، فهو مطلوب بالعدل فيه والقيام بمصالحه في دينه ودنياه، فإن وفي بما عليه من الرعاية حصل له الحظ الأوفر والجزاء الأكبر، وإن كان غير ذلك طالبه كل أحد من رعيته بحقه. وقوله: "وزاد الليث" فيه إشارة إلى أن رواية الليث متفقة مع ابن المبارك إلا في القصة، فإنها مختصة برواية الليث، ورواية الليث معلقة، وقد وصلها الذهلي عن أبي صالح كاتب الليث عنه، وقد ساق المصنف رواية ابن المبارك بهذا الإِسناد في كتاب "الوصايا" فلم يخالف رواية الليث إلا في إعادة قوله في آخره "وكُلُّكم راعٍ". وقوله: "وكتب رزيق بن حكيم" يأتي ضبطه في السند. وقوله: "وأنا معه" جملة اسمية وقعت

стр. 4546

حالًا. وقوله: "بوادي القرى" هو من أعمال المدينة. وقال ابن السمعاني: وادي القرى مدينة بالحجاز مما يلي الشام، وفتحها النبي ﷺ في جمادى الآخرة سنة سبع من الهجرة منصرفه من خيبر بعد أن امتنع أهلها وقاتلوا. وذكر بعضهم أنه ﵊ قاتل فيها، ولما فتحها عنوة قسّم أموالها وترك الأرض والنخل في أيدي اليهود على مثل ما عامل عليه أهل خيبر، وأقام عليها أربع ليال. وقوله: "أن أجمع" أي: أصلي بمن معي الجمعة. وقوله: "على أرض يعملها" أي: يزرع فيها. وقوله: "ورزيق يومئذ على أيلة" بفتح الهمزة وسكون التحتانية بعدها لام بلدة معروفة في طريق الشام بين المدينة ومصر على ساحل (القلزم) كانت مدينة كبيرة ذات قلعة، وهي الآن خراب يمرّ بها الحاج من مصر فتكون شماليهم، ويمرّ بها الحاج من غزة فتكون أمامهم، ويجلبون إليها إلمبرة من الكرك والشوبك وغيرهما يتلقون بها الحاج ذهابًا وإيابًا وإليها تنسب العقبة المشهورة عند المصريين، وبينها وبين المدينة النبوية نحو الشهر يسير الأثقال إن اقتصروا كل يوم على مرحلة، وإلا فدون ذلك وهي من (مصر) على أكثر من النصف من ذلك. وقال البكري: سميت (بأيلة) بنت مدين بن إبراهيم ﵊ وقد روي أن (أيلة) هى القرية التي كانت حاضرة البحر، وقد ورد صاحب أيلة على النبي ﷺ (بتبوك) وأعطاه الجزية. وكان رزيق أميرًا عليها من قِبَل عمر بن عبد العزيز والذي يظهر أن الأرض التي كان يزرعها من أعمال (أيلة) ولم يسأل عن (أيلة) نفسها؛ لأنها كانت مدينة عظيمة ذات قلعة كما مرّ. وقوله: "فكتب ابن شهاب" فيه تجوز كأن ابن شهاب أملاه على كاتبه فسمعه يونس منه، ويحتمل أن يكون الزهري كتبه بخطه وقرأه بلفظه، فيكون فيه حذف تقديره (فكتب ابن شهاب وقرأه وأنا أسمع). وقوله: "وأنا أسمع" هو قول يونس والجملة حالية، وقوله: "يأمره" حالية أخرى. وقوله: "يخبره" حال من فاعل يأمره، والمكتوب هو الحديث والمسموع المأمور به قاله الكرماني والذي يظهر أن المكتوب هو عين المسموع، وهو الأمر والحديث معًا. وقوله: "الإِمام راعٍ" في رواية "الأحكام" في العتق فالأمير بدل الإِمام، وكذا في رواية موسى بن عقبة في النكاح، ولم يقل على الناس. وقوله: "ومسؤول عن رعيته" أي: بحذف هو وهي مقدرة وكذا في أكثر الروايات، وثبتت في "الأحكام" والاستقراض. وقوله: "والرجل راعٍ في أهله" وفي رواية الأحكام: "والرجل راعٍ على أهلِ بيتهِ". وقوله: "والمرأة راعية في بيت زوجها" وفي رواية "الأحكام": والمرأة راعية على أهلِ بيتِ زوجها وولدِهِ"، وفي رواية عبيد الله بن عمر "على بيتِ بعلِها". وقوله: "والخادم راعٍ في مالِ سيِّده" وفي رواية الأحكام: "وعبدُ الرجلِ راعٍ على مالِ سيدِه"

стр. 4547

وفي رواية عبيد الله "والعبد" بدل الخادم. قال الخطابي: اشتركوا أي: الإِمام والرجل ومن ذكر في التسمية أي: في الوصف بالراعي ومعانيهم مختلفة، فرعاية الإِمام الأعظم حياطة الشريعة بإقامة الحدود والعدل في الحكم. ورعاية الرجل أهله سياسته لأمرهم وإيصالهم حقوقهم. ورعاية المرأة تدبير أمر البيت والأولاد والخدم والنصيحة للزوج في كل ذلك. ورعاية الخادم حفظ ما تحت يده والقيام بما يجب عليه من خدمته. وقوله: "قال وحسبت أن قد قال" جزم الكرماني بأن فاعل قال هنا هو يونس وفيه نظر، والظاهر أن فاعله سالم بن عبد الله الراوي. وكلمة (أن) مخففة من المثقلة والتقدير (وحسبت أنّ النبي ﷺ قال: والرجلُ راعٍ في مال أبيه). إلخ. وقوله: "وكلُّكم راعٍ ومسؤولٌ عن رعيتهِ" وفي رواية الأحكام: "ألا فكلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيتِهِ". وفي رواية أيوب في "النكاح" مثله وفي الاستقراض "فكلُّكم" ومثله في رواية نافع. قال الطيبي في هذا الحديث: إن الراعي ليس مطلوبًا لذاته، وإنما أقيم لحفظ ما استرعاه المالك فينبغي أن لا يتصرف إلا بما أذن الشارع فيه، وهو تمثيل ليس في الباب ألطف ولا أجمع ولا أبلغ منه، فإنه أجمل أولًا ثم فصّل، وأتى بحرف التنبيه مكررًا. قال: (والفاء) في قوله: "ألا فكلُّكم" جواب شرط محذوف. وختم بما يشبه الفذلكة إشارة إلى استيفاء التفصيل. وقال غيره دخل في العموم المنفرد الذي لا زوج له ولا خادم ولا ولد، فإنه يصدق عليه أنه راع على جوارحه حتى يعمل المأمورات ويجتنب المنهيات فعلًا ونطقًا واعتقادًا، فجوارحه وقواه وحواسه رعيته ولا يلزم من اتصافه بكونه راعيًا أن لا يكون مرعيًا باعتبار آخر. وجاء في حديث أنس مثل حديث ابن عمر وزاد في آخره فأعدوا للمسألة جوابًا قالوا: وما جوابها؟ قال: أعمال البر أخرجه ابن عدي والطبراني في "الأوسط" بسند حسن، وله عن أبي هريرة "ما من راعٍ إلا يسأل يوم القيامة أقام أمر الله أم ضيعه؟ ". ولابن عدي بسند صحيح عن أنس أن الله سائل كل راع بما استرعاه حفظ ذلك أو ضيعه. واستدل به على أن المكلف يؤاخذ بالتقصير في أمر من هو في حكمه وترجم له في النكاح باب ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ وعلى أن للعبد أن يتصرف في مال سيده بإذنه. وكذا المرأة والولد وفي هذا الحديث بيان كذب الخبر الذي افتراه بعض المتعصبين لبني أمية ففي كتاب "القضاء" لأبي علي الكرابيسي عن الشافعي عن عمه محمد بن علي قال: دخل ابن شهاب على الوليد بن عبد الملك فسأله عن حديث "إن الله إذا استرعى عبدًا الخلافةِ كتبَ له الحسناتِ، ولم يكتبْ له السيئاتِ" فقال له: هذا كذب، ثم تلا: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ فقال له الوليد: إن الناس ليغروننا عن ديننا. قال الزين بن المنير في هذه القصة -أي قصة رُزَيْق-: إيماء إلى أن الجمعة تنعقد بغير إذن

стр. 4548

الإِمام إذا كان في القوم من يقوم بمصالحهم، وهذا هو مشهور مذهب مالك فإن استئذان الإمام عنده مستحب، وتجب عليهم إن منع منها وأمنوا منه على أنفسهم وأموالهم وإلا لم تُجْزِ، ولم تَجُزْ. ومذهب الشافعية أيضًا أن إذن السلطان ليس شرطًا لصحتها اعتبارًا بسائر الصلوات، وهو رواية عن أحمد. وقالت الحنفية وهو رواية عن أحمد أيضًا أن إذنه شرط لقوله ﵊: "مَنْ تركَ الجُمُعة وله إمام جائرٌ أو عادلٌ لا جمعَ اللهُ شملَه" رواه ابن ماجه والبزار وفي سنديهما مقال. فشرط فيه أن يكون له إمام ويقوم مقامه نائبه، وهو الأمير أو القاضي، وحينئذ فلا دلالة في حديث الباب؛ لأن رزيقًا كان نائب الإِمام واستدل من لم يشترط إذنه بما روي أن عثمان -رضي الله تعالى عنه- لما كان محصورًا بالمدينة صلّى علي -رضي الله تعالى عنه- الجمعة بالناس، ولم يرو أنه صلّى بأمر عثمان وكان الأمر بيده. وأجيب عن هذا باحتمال أن عليًا فعل ذلك بأمر عثمان، أو لم يتوصل إلى إذنه واجتمع الناس على تقديمه، وهذا يجيزه المشترط لإِذن السلطان. وقد قال ابن المنذر: مضت السنة بأن الذي يقيم الجمعة السلطان أو من قام بها بأمره، فإذا لم يكن ذلك صلوا الظهر. وقال يحيى بن عمر المالكي باشتراطه، فقال الذي أجمع عليه مالك وأصحابه أنها لا تقام إلا بثلاثة شروط: العصر، والجماعة، والإِمام الذي تخاف مخالفته، فإذا عدم شيء من ذلك لم تكن جمعة، وذكر صاحب البيان قولًا قديمًا للشافعي أنها لا تقام إلا خلف السلطان أو من إذن له وفيه إقامة الجمعة في القرى خلافًا لمن شرط المدن وتعقب بأنه لا دليل فيه؛ لأن الموضع المذكور صار حكمه حكم المدينة بوجود المتولي عليهم من جهة الإِمام. وقد مرّ أن الإِمام إذا بعث إلى قرية نائبًا لإِقامة الأحكام تفسير مصرًا مع أن قول المجتهد ليس بحجة على مجتهد آخر. رجاله سبعة: وفيه ذكر رُزَيق بن حكيم، وقد مرّوا إلا رزيقًا، مرّ عبد الله بن المبارك وبشر في السادس من بدء الوحي، ومرّ يونس في متابعة بعد الرابع منه، ومرّ الزهري والليث في الثالث منه، ومرّ سالم في السابع عشر من الإِيمان، ومرّ أبوه عبد الله في أوله قبل ذكر حديث منه. رزيق بن حكيم أبو حكيم ووهم من قدم الزاي على الراء، مولى بني فَزَارة الأيْلي والي أيلة لعمر بن عبد العزيز وقال ابن الحذاء: كان حاكمًا بالمدينة. ذكره ابن حِبّان في "الثقات"، وقال: النسائيّ: ثقة، وقال ابن ماكولا: كان عبدًا صالحًا، وذكره البخاري في باب (الجمعة في القرى). وأخرج له النَّسائيّ حديثًا واحدًا في القطع في ربع دينار، ووثقه العجلي وابن سعد. روى عن سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد وعمر بن عبد العزيز وعمرة بنت عبد الرحمن. وروى عنه مالك وابن عُيينة ويونس بن يزيد وعقيل وغيرهم.

стр. 4549

لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإخبار بالجمع والإفراد والسماع والعنعنة والقول، وشيخ البخاري من أفراده ورواته ما بين مروزي وأيلي ومدني ومصري أخرجه البخاري أيضًا في "الوصايا"، ومسلم في "المغازي"، وأخرج مسلم والترمِذِيّ أيضًا حديث "كلُّكم راعٍ" بغير هذه القصة. ثم قال المصنف: باب هل على مَنْ لم يشهد الجمعة غسل من النساء والصبيان وغيرهم ؟ تقدم التنبيه على ما تضمنته هذه الترجمة في باب (فضل الغُسل) ويدخل في قوله وغيرهم العبد والمسافر والمعذور، وكأنه استعمل الاستفهام في الترجمة للاحتمال الواقع في حديث أبي هريرة "حق على كلّ مسلم أن يغتسل" فإنه شامل للجميع. والتقييد في حديث ابن عمر بمن جاء منكم يخرج من لم يجىء. والتقييد في حديث أبي سعيد بالمحتلم يخرج الصبيان. والتقييد في النهي عن منع النساء المساجد بالليل يخرج الجمعة، وعرف بهذا وجه إيراد هذه الأحاديث في هذه الترجمة. ثم قال: وقال ابن عمر: "انما الغُسل على مَنْ تجب عليه الجمعة" وصله البيهقي بإسناد صحيح عنه، وزاد "والجمعة على مَنْ يأت أهله" ومعنى هذه الزيادة أن الجمعة عنده تجب على مَنْ يمكنه الرجوع إلى موضعه قبل دخول الليل، فمن كان فوق هذه المسافة لا تجب عليه عنده وسيأتي البحث فيه بعد باب. وقد تقرر أن الآثار التي يوردها البخاري في التراجم تدل على اختيار ما تضمنته عنده، فهذا مصير منه إلى أن الغسل للجمعة لا يشرع إلا لمن وجبت عليه. وابن عمر مرّ في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه.

стр. 4550

الحديث التاسع عشر حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ. مطابقته للترجمة من حيث المفهوم؛ لأن مفهومه عدم وجوب الغُسل على مَنْ لم يجىء الجمعة ومَنْ لم يجىء لم يشهدها. وهذا الحديث مرّ في باب (فضل الغُسل يوم الجمعة) ومرّ استيفاء الكلام عليه هناك. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ أبو اليمان وشعيب في السابع من بدء الوحي، والزهري في الثالث منه، وسالم في السابع عشر من الإِيمان، وأبوه أوله قبل ذكر حديث منه. الحديث العشرون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ. مطابقته للترجمة من حيث المفهوم؛ لأن مفهومه عدم وجوب الغُسل على كل من لم يحتلم، ومَنْ لم يحتلم لا يشهد الجمعة. وقد مرّ الحديث في باب (وضوء الصبيان)، ومرّ الكلام عليه هناك. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ عبد الله بن مسلمة وأبو سعيد في الثاني عشر من الإيمان؛ ومرّ عطاء في الثاني والعشرين منه، ومرّ مالك في الثاني من بدء الوحي، ومرّ صفوان بن سليم في التاسع والعشرين من الغُسل. اهـ

стр. 4551

الحديث الحادي والعشرون حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَهَذَا الْيَوْمُ الَّذِى اخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدَانَا اللَّهُ، فَغَدًا لِلْيَهُودِ وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى. فسكت ثُمَّ قَالَ: حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا يَغْسِلُ فِيهِ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ. وقوله: "فسكت" فاعل سكت النبي ﷺ فقد أورده المصنف في ذكر بني إسرائيل من وجه آخر عن وهيب بهذا الإسناد دون قوله: "فسكت"، ثم قال: ويؤكد كونه مرفوعًا رواية مجاهد عن طاووس المقتصرة على الحديث الثاني؛ ولهذه النكتة أورده بعده فقال: رواه أبان بن صالح إلخ. وقوله: "في كل سبعة أيام يومًا" أبهم اليوم في هذه الطريق، وعيّنه جابر في حديثه عند النَّسائيّ بلفظ: "الغُسل واجب على كل مسلم في كل أسبوع يومًا وهو يوم الجُمُعة"، وصححه ابن خزيمة، ولسعيد بن منصور وأبي بكر بن أبي شيبة عن البراء بن عازب مرفوعًا نحوه ولفظه: "إن من الحقّ على المسلمِ أن يغتسلَ يومَ الجُمُعة". وروى الطحاوي نحوه مرفوعًا عن رجل من الصحابة أنصاري. وقوله: "وجسده" أي: يغسل جسده وإنما ذكر الرأس وإن كان ذكر الجسد يشمله للاهتمام به من حيث إنه قِوام البدن والعمدة فيه. وحديث "نحن الآخرون" إلخ قد مرّ في باب (فرض الجمعة)، ومرّ الكلام عليه هناك مستوفى. رجاله خمسة: مرّوا، مرّ مسلم بن إبراهيم في السابع والثلاثين من الإيمان" ومرّ أبو هريرة في الثاني منه، ومرّ وهيب في السادس والعشرين من العلم، ومرّ عبد الله بن طاووس في الرابع والثلاثين من الحيض، ومرّ أبوه طاووس بعد الأربعين من الوضوء في باب (مَنْ لم يرَ الوضوء إلا من المخرجين). لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والقول، ورواته ما بين بصريّ ويمانيّ. أخرجه

стр. 4552

البخاري فيما مضى ومسلم والنَّسائيّ في الجُمُعة. ثم قال: رواه أبان بن صالح في مجاهد عن طاووس عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : على كلِّ مسلم حق أن يغتسلَ في كلِّ سبعةِ أيامٍ يومًا"، وهذا التعليق وصله البيهقي عن أبان. وأخرجه الطحاوي من وجه آخر عن طاووس وصرّح فيه بسماعه له من أبي هريرة، وزاد فيه: "ويمسّ طيبًا إن كان لأهله". رجاله أربعة: قد مرّوا إلاَّ أبان، مرّ مجاهد في الأثر الخامس أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه، ومرّ ذكر محل طاووس وأبي هريرة في الذي قبله، وأبان هو ابن صالح بن عمير بن عبيد القرشي مولاهم قال ابن معين والعجلي وأبو زرعة وأبو حاتم: ثقة. وقال النَّسائيّ: ليس به بأس، وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وأخرج في "صحيحه" حديثه عن مجاهد عن جابر في النهي عن استقبال القبلة. قال في "تهذيب التهذيب": فقول ابن عبد البر وابن حزم بضعفه غفلة منهما وخطأ تواردا عليه، فلم يضعف أبانًا هذا أحد قبلهما، ويكفي فيه قول ابن معين ومَنْ معه، روى عن أنس ومجاهد وعطاء والحسن البصري وغيرهم، وروى عنه محمد بن إسحاق وابن جريج وأسامة بن زيد وغيرهم. مات سنة بضع عشرة ومئة وهو ابن خمس وخمسين سنة (بعسقلان).

стр. 4553

الحديث الثاني والعشرون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا شَبَابَةُ حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ائْذَنُوا لِلنِّسَاءِ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسَاجِدِ. هكذا ذكره مختصرًا، وأورده مسلم مطولًا. وقوله: "بالليل" فيه إشارة إلى أنهم ما كانوا يمنعونهن بالنهار؛ لأن الليل مظنة الريبة فالإذن بالنهار أولى؛ ولأجل ذا قال ابن عبد الله بن عمر: "لا نأذن لهن يتخذنه دَغلا" كما مرّ. وقال الكرماني عادة البخاري إذا ترجم بشيء ذكر ما يتعلق به وما يناسب التعلق؛ فلذلك أورد حديث ابن عمر هذا في ترجمة (هل على مَنْ لم يشهد الجمعة غُسل؟) قال: فإن قيل مفهوم التقييد بالليل يمنع النهار والجُمُعة نهارية، وأجاب بأنه من مفهوم الموافقة؛ لأنه إذا أذن لهن بالليل مع أن الليل مظنة للريبة فالإذن بالنهار بطريق الأولى، وقد عكس هذا بعض الحنفية فجرى على ظاهر الخبر فقال: التقييد بالليل لكون الفساق فيه في شغلهم بفسقهم أو نومهم بخلاف النهار، فإنه ينتشرون فيه. وهذا وإن كان ممكنًا فإنه بعيد جدًا فإن مظنة الريبة بالليل أشد، وليس لكلهم بالليل ما يجد ما يشغله به وأما النهار فالغالب أنه يفضحهم غالبًا ويصدهم عن التعرض لهن ظاهرًا لكثرة انتشار الناس ورؤية من يتعرض فيه لما لا يحل له فينكر عليه. وهذا الحديث قد مرّ في باب (خروج النساء إلى المساجد) قبيل كتاب الجمعة واستوفى الكلام عليه هناك، وقد مرّ الكلام على خروج النساء إلى المساجد والأعياد في باب (شهود الحائض العيدين) من كتاب الحيض. ومرّ بعض الكلام أيضًا عند حديث عائشة في الباب المذكور آنفًا. رجاله ستة: قد مرّوا، مرّ عبد الله بن محمد في الثاني من الإيمان، ومرّ مجاهد وابن عمر في أوله قبل ذكر حديث منه، ومرّ شبابة في الخامس والثلاثين من الحيض، ومرّ ورقاء في التاسع من الوضوء، ومرّ عمرو بن دينار في الرابع والخمسين من العلم. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، وشيخ البخاري من أفراده ورواته ما بين بخاري ومدائني ومكي أخرجه البخاري فيما مضى.

стр. 4554

الحديث الثالث والعشرون حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَتِ امْرَأَةٌ لِعُمَرَ تَشْهَدُ صَلاَةَ الصُّبْحِ وَالْعِشَاءِ فِي الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ، فَقِيلَ لَهَا: لِمَ تَخْرُجِينَ وَقَدْ تَعْلَمِينَ أَنَّ عُمَرَ يَكْرَهُ ذَلِكَ وَيَغَارُ قَالَتْ: وَمَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْهَانِي؟ قَالَ: يَمْنَعُهُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : لاَ تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ. قوله: "كانت امرأة لعمر" هي عاتكة بنت زيد، ويأتي تعريفها قريبًا في السند سمّاها الزهري فيما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عنه قال: كانت عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل عند عمر بن الخطاب، وكانت تشهد الصلاة في المسجد، "وكان عمر يقول لها: والله إنك لتعلمين أني لا أحب هذا. قالت: والله لا أنتهي حتى تنهاني. قال: فلقد طُعن عمر وإنها لفي المسجد" كذا ذكره مرسلًا ووصله عبد الأعلى عن معمر يذكر سالم بن عبد الله عن أبيه لكنه أبهم المرأة. أخرجه أحمد عنه وسمّاها أحمد عن سالم من وجه آخر قال: "كان عمر رجلًا غيورًا، وكان إذا خرج إلى الصلاة اتبعته عاتكة بنت زيد" الحديث. وهو مرسل أيضًا، وعرف من هذا أن قوله في حديث الباب فقيل لها: "لِمَ تخرجين؟ " إلى آخره أن قائل ذلك كله هو عمر بن الخطاب، ولا مانع من أن يعبر عن نفسه بقوله: إن عمر إلخ فيكون من باب التجريد وعلى هذا، فالحديث من مسند عمر كما صرّح به في رواية سالم المرسلة، ويحتمل أن تكون المخاطبة دارت بينها وبين ابن عمر أيضًا؛ لأن الحديث مشهور من روايته، ولا مانع أن يعبر عن نفسه بقيل لها، وهذا مقتضى ما صنع الحميدي وأصحاب الأطراف فإنهم أخرجوا هذا الحديث من هذا الوجه في مسند ابن عمر. أورد البخاري حديث مجاهد عن ابن عمر بلفظ "ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد" وأراد بذلك أن الإِذن إنما وقع لهن بالليل، فلا تدخل فيه الجمعة. ورواية أبي أُسامة التي أوردها بعد ذلك تدل على خلاف ذلك؛ لقوله فيها: "لا تمنعوا إماءَ اللهِ مساجد الله" والذي يظهر أنه جنح إلى أن هذا المطلق يحمل على ذلك المقيد. والحديث مرّ قبيل كتاب "الجمعة" ما هو بمعناه، ومرّ محل الكلام عليه هناك. رجاله خمسة: وفيه ذكر عمر ولفظ امرأة مبهم، وقائل مبهم، وقد مرّت رجاله إلا شيخ البخاري، مرّ أبو أُسامة في الحادي والعشرين من العلم، ومرّ نافع في آخر حديث منه، ومرّ عبيد الله العمري في الرابع عشر

стр. 4555

من الوضوء، ومرّ ابن عمر في أول كتاب الإِيمان قبل ذكر حديث منه، ومرّ عمر في الأول من بدء الوحي. وشيخ البخاري يوسف بن موسى بن راشد بن بلال القطان الكوفي أبو يعقوب سكن (الري) فقيل له الرازي، ثم انتقل إلى (بغداد) ومات بها. قال الخطيب: وصفه غير واحد بالثقة، وذكره ابن حِبّان في "الثقات"، وقال مسلمة: كان ثقة. وقال أبو سعيد اليشكري: كتب عنه ابن معين، وكتبت معه عنه، وسئل عنه فقال: صدوق. وقال أبو حاتم: صدوق، وقال النَّسائيّ: لا بأس به. روى عن جرير بن عبد الحميد وابن نمير وابن عُيينة ووكيع وغيرهم. وروى عنه البخاري وأبو داود والتِّرمِذِيّ والنَّسائيّ في مسند علي وابن ماجه وغيرهم. مات في صفر سنة ثلاث وخمسين ومئتين. وامرأة عمر المبهمة عيّنها الزهري في رواية عبد الرزاق عن معمر عنه فقال: إنها عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل العدوية أخت سعيد بن زيد أحد العشرة، وأُمها أُم كرز بنت عبد الله بن عمار بن مالك الحضرمية، كانت عاتكة من المهاجرات، تزوجها عبد الله بن أبي بكر الصديق، وكانت حسناء جميلة فأولع بها وشغلته عن مغازيه فأمره أبو بطلاقها فقال: يقولونَ طلِّقها وخيم مكانها ... مقيمًا تمني النفسَ أحلامُ نائمِ وإن طلاقيَ أهل بيت جمعتهم ... على كبرة مني لإحدى العظائمِ ثم عزم عليه أبوه حتى طلَّقها فتبعتها نفسه، فسمعه أبو يومًا يقول: ولم أرَ مثلي اليومَ طلَّقَ مثلَها ... ولا مثلُها من غير جرمٍ تطلَّقُ لها خلقٌ جزلٌ ورأيٌ ومنصبٌ ... وخلقٌ سويٌّ في الحَياءِ ومنصبُ فرّقَ له أبوه فأذن له فارتجعها، ثم لما كان حصار الطائف أصابه سهم فكان فيه هلاكه فمات بالمدينة فقالت ترثيه: رزيتُ بخير الناسِ بعد نبيِّهم ... وبعد أبي بكر وما كان قصرا فآليتُ لاتنفكُ عيني حزينةً ... عليكَ ولا ينفك جلدي أغبرا فلّلهِ عينا مَنْ رأىِ مثلَهُ فتًى ... أكرَّ وأحمى في الهياجِ وأصبرا إذا شرعتْ فيه الأسنَّةُ خاضها ... إلى الموتِ حتى يتركَ الرمحَ أحمرا ثم تزوجها زيد بن الخطاب فاستشهد باليمامة. وأخرج ابن سعد بسند حسن قال: كانت عاتكة تحت عبد الله بن أبي بكر فجعل لها طائفة من ماله على أن لا تتزوج بعده ومات، فأرسل عمر إلى عاتكة أن قد حرمت ما أحل الله لك، فردي إلى أهله المال الذي أخذتيه ففعلت، فخطبها عمر وتزوجها، ولما تزوجها أوْلَم عليها ودعا أصحاب رسول الله ﷺ وفيهم علي بن أبي طالب، فقال: يا أميرَ المؤمنين دعني أكلم عاتكة قال: نعم، فأخذ علي بجانب الخِدر ثم قال: يا عدوة نفسها قآليت لا تنفك عيني حزينة البيت، فبكت فقال عمر: ما دعاك إلى هذا يا أبا الحسن كل النساء
следующие страницы →