Полный текст (6 753 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.
стр. 4551
الحديث الحادي والعشرون
حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَهَذَا الْيَوْمُ الَّذِى اخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدَانَا اللَّهُ، فَغَدًا لِلْيَهُودِ وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى. فسكت ثُمَّ قَالَ: حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا يَغْسِلُ فِيهِ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ.
وقوله: "فسكت" فاعل سكت النبي ﷺ فقد أورده المصنف في ذكر بني إسرائيل من وجه آخر عن وهيب بهذا الإسناد دون قوله: "فسكت"، ثم قال: ويؤكد كونه مرفوعًا رواية مجاهد عن طاووس المقتصرة على الحديث الثاني؛ ولهذه النكتة أورده بعده فقال: رواه أبان بن صالح إلخ.
وقوله: "في كل سبعة أيام يومًا" أبهم اليوم في هذه الطريق، وعيّنه جابر في حديثه عند النَّسائيّ بلفظ: "الغُسل واجب على كل مسلم في كل أسبوع يومًا وهو يوم الجُمُعة"، وصححه ابن خزيمة، ولسعيد بن منصور وأبي بكر بن أبي شيبة عن البراء بن عازب مرفوعًا نحوه ولفظه: "إن من الحقّ على المسلمِ أن يغتسلَ يومَ الجُمُعة". وروى الطحاوي نحوه مرفوعًا عن رجل من الصحابة أنصاري.
وقوله: "وجسده" أي: يغسل جسده وإنما ذكر الرأس وإن كان ذكر الجسد يشمله للاهتمام به من حيث إنه قِوام البدن والعمدة فيه. وحديث "نحن الآخرون" إلخ قد مرّ في باب (فرض الجمعة)، ومرّ الكلام عليه هناك مستوفى.
رجاله خمسة:
مرّوا، مرّ مسلم بن إبراهيم في السابع والثلاثين من الإيمان" ومرّ أبو هريرة في الثاني منه، ومرّ وهيب في السادس والعشرين من العلم، ومرّ عبد الله بن طاووس في الرابع والثلاثين من الحيض، ومرّ أبوه طاووس بعد الأربعين من الوضوء في باب (مَنْ لم يرَ الوضوء إلا من المخرجين).
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والقول، ورواته ما بين بصريّ ويمانيّ. أخرجه
стр. 4552
البخاري فيما مضى ومسلم والنَّسائيّ في الجُمُعة. ثم قال: رواه أبان بن صالح في مجاهد عن طاووس عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : على كلِّ مسلم حق أن يغتسلَ في كلِّ سبعةِ أيامٍ يومًا"، وهذا التعليق وصله البيهقي عن أبان. وأخرجه الطحاوي من وجه آخر عن طاووس وصرّح فيه بسماعه له من أبي هريرة، وزاد فيه: "ويمسّ طيبًا إن كان لأهله".
رجاله أربعة:
قد مرّوا إلاَّ أبان، مرّ مجاهد في الأثر الخامس أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه، ومرّ ذكر محل طاووس وأبي هريرة في الذي قبله، وأبان هو ابن صالح بن عمير بن عبيد القرشي مولاهم قال ابن معين والعجلي وأبو زرعة وأبو حاتم: ثقة. وقال النَّسائيّ: ليس به بأس، وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وأخرج في "صحيحه" حديثه عن مجاهد عن جابر في النهي عن استقبال القبلة.
قال في "تهذيب التهذيب": فقول ابن عبد البر وابن حزم بضعفه غفلة منهما وخطأ تواردا عليه، فلم يضعف أبانًا هذا أحد قبلهما، ويكفي فيه قول ابن معين ومَنْ معه، روى عن أنس ومجاهد وعطاء والحسن البصري وغيرهم، وروى عنه محمد بن إسحاق وابن جريج وأسامة بن زيد وغيرهم. مات سنة بضع عشرة ومئة وهو ابن خمس وخمسين سنة (بعسقلان).
стр. 4553
الحديث الثاني والعشرون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا شَبَابَةُ حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ائْذَنُوا لِلنِّسَاءِ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسَاجِدِ.
هكذا ذكره مختصرًا، وأورده مسلم مطولًا. وقوله: "بالليل" فيه إشارة إلى أنهم ما كانوا يمنعونهن بالنهار؛ لأن الليل مظنة الريبة فالإذن بالنهار أولى؛ ولأجل ذا قال ابن عبد الله بن عمر: "لا نأذن لهن يتخذنه دَغلا" كما مرّ. وقال الكرماني عادة البخاري إذا ترجم بشيء ذكر ما يتعلق به وما يناسب التعلق؛ فلذلك أورد حديث ابن عمر هذا في ترجمة (هل على مَنْ لم يشهد الجمعة غُسل؟) قال: فإن قيل مفهوم التقييد بالليل يمنع النهار والجُمُعة نهارية، وأجاب بأنه من مفهوم الموافقة؛ لأنه إذا أذن لهن بالليل مع أن الليل مظنة للريبة فالإذن بالنهار بطريق الأولى، وقد عكس هذا بعض الحنفية فجرى على ظاهر الخبر فقال: التقييد بالليل لكون الفساق فيه في شغلهم بفسقهم أو نومهم بخلاف النهار، فإنه ينتشرون فيه. وهذا وإن كان ممكنًا فإنه بعيد جدًا فإن مظنة الريبة بالليل أشد، وليس لكلهم بالليل ما يجد ما يشغله به وأما النهار فالغالب أنه يفضحهم غالبًا ويصدهم عن التعرض لهن ظاهرًا لكثرة انتشار الناس ورؤية من يتعرض فيه لما لا يحل له فينكر عليه.
وهذا الحديث قد مرّ في باب (خروج النساء إلى المساجد) قبيل كتاب الجمعة واستوفى الكلام عليه هناك، وقد مرّ الكلام على خروج النساء إلى المساجد والأعياد في باب (شهود الحائض العيدين) من كتاب الحيض. ومرّ بعض الكلام أيضًا عند حديث عائشة في الباب المذكور آنفًا.
رجاله ستة:
قد مرّوا، مرّ عبد الله بن محمد في الثاني من الإيمان، ومرّ مجاهد وابن عمر في أوله قبل ذكر حديث منه، ومرّ شبابة في الخامس والثلاثين من الحيض، ومرّ ورقاء في التاسع من الوضوء، ومرّ عمرو بن دينار في الرابع والخمسين من العلم.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، وشيخ البخاري من أفراده ورواته ما بين بخاري ومدائني ومكي أخرجه البخاري فيما مضى.
стр. 4554
الحديث الثالث والعشرون
حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَتِ امْرَأَةٌ لِعُمَرَ تَشْهَدُ صَلاَةَ الصُّبْحِ وَالْعِشَاءِ فِي الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ، فَقِيلَ لَهَا: لِمَ تَخْرُجِينَ وَقَدْ تَعْلَمِينَ أَنَّ عُمَرَ يَكْرَهُ ذَلِكَ وَيَغَارُ قَالَتْ: وَمَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْهَانِي؟ قَالَ: يَمْنَعُهُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : لاَ تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ.
قوله: "كانت امرأة لعمر" هي عاتكة بنت زيد، ويأتي تعريفها قريبًا في السند سمّاها الزهري فيما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عنه قال: كانت عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل عند عمر بن الخطاب، وكانت تشهد الصلاة في المسجد، "وكان عمر يقول لها: والله إنك لتعلمين أني لا أحب هذا. قالت: والله لا أنتهي حتى تنهاني. قال: فلقد طُعن عمر وإنها لفي المسجد" كذا ذكره مرسلًا ووصله عبد الأعلى عن معمر يذكر سالم بن عبد الله عن أبيه لكنه أبهم المرأة. أخرجه أحمد عنه وسمّاها أحمد عن سالم من وجه آخر قال: "كان عمر رجلًا غيورًا، وكان إذا خرج إلى الصلاة اتبعته عاتكة بنت زيد" الحديث. وهو مرسل أيضًا، وعرف من هذا أن قوله في حديث الباب فقيل لها: "لِمَ تخرجين؟ " إلى آخره أن قائل ذلك كله هو عمر بن الخطاب، ولا مانع من أن يعبر عن نفسه بقوله: إن عمر إلخ فيكون من باب التجريد وعلى هذا، فالحديث من مسند عمر كما صرّح به في رواية سالم المرسلة، ويحتمل أن تكون المخاطبة دارت بينها وبين ابن عمر أيضًا؛ لأن الحديث مشهور من روايته، ولا مانع أن يعبر عن نفسه بقيل لها، وهذا مقتضى ما صنع الحميدي وأصحاب الأطراف فإنهم أخرجوا هذا الحديث من هذا الوجه في مسند ابن عمر.
أورد البخاري حديث مجاهد عن ابن عمر بلفظ "ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد" وأراد بذلك أن الإِذن إنما وقع لهن بالليل، فلا تدخل فيه الجمعة. ورواية أبي أُسامة التي أوردها بعد ذلك تدل على خلاف ذلك؛ لقوله فيها: "لا تمنعوا إماءَ اللهِ مساجد الله" والذي يظهر أنه جنح إلى أن هذا المطلق يحمل على ذلك المقيد. والحديث مرّ قبيل كتاب "الجمعة" ما هو بمعناه، ومرّ محل الكلام عليه هناك.
رجاله خمسة:
وفيه ذكر عمر ولفظ امرأة مبهم، وقائل مبهم، وقد مرّت رجاله إلا شيخ البخاري، مرّ أبو أُسامة في الحادي والعشرين من العلم، ومرّ نافع في آخر حديث منه، ومرّ عبيد الله العمري في الرابع عشر
стр. 4555
من الوضوء، ومرّ ابن عمر في أول كتاب الإِيمان قبل ذكر حديث منه، ومرّ عمر في الأول من بدء الوحي. وشيخ البخاري يوسف بن موسى بن راشد بن بلال القطان الكوفي أبو يعقوب سكن (الري) فقيل له الرازي، ثم انتقل إلى (بغداد) ومات بها. قال الخطيب: وصفه غير واحد بالثقة، وذكره ابن حِبّان في "الثقات"، وقال مسلمة: كان ثقة. وقال أبو سعيد اليشكري: كتب عنه ابن معين، وكتبت معه عنه، وسئل عنه فقال: صدوق. وقال أبو حاتم: صدوق، وقال النَّسائيّ: لا بأس به. روى عن جرير بن عبد الحميد وابن نمير وابن عُيينة ووكيع وغيرهم. وروى عنه البخاري وأبو داود والتِّرمِذِيّ والنَّسائيّ في مسند علي وابن ماجه وغيرهم. مات في صفر سنة ثلاث وخمسين ومئتين.
وامرأة عمر المبهمة عيّنها الزهري في رواية عبد الرزاق عن معمر عنه فقال: إنها عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل العدوية أخت سعيد بن زيد أحد العشرة، وأُمها أُم كرز بنت عبد الله بن عمار بن مالك الحضرمية، كانت عاتكة من المهاجرات، تزوجها عبد الله بن أبي بكر الصديق، وكانت حسناء جميلة فأولع بها وشغلته عن مغازيه فأمره أبو بطلاقها فقال:
يقولونَ طلِّقها وخيم مكانها ... مقيمًا تمني النفسَ أحلامُ نائمِ
وإن طلاقيَ أهل بيت جمعتهم ... على كبرة مني لإحدى العظائمِ
ثم عزم عليه أبوه حتى طلَّقها فتبعتها نفسه، فسمعه أبو يومًا يقول:
ولم أرَ مثلي اليومَ طلَّقَ مثلَها ... ولا مثلُها من غير جرمٍ تطلَّقُ
لها خلقٌ جزلٌ ورأيٌ ومنصبٌ ... وخلقٌ سويٌّ في الحَياءِ ومنصبُ
فرّقَ له أبوه فأذن له فارتجعها، ثم لما كان حصار الطائف أصابه سهم فكان فيه هلاكه فمات بالمدينة فقالت ترثيه:
رزيتُ بخير الناسِ بعد نبيِّهم ... وبعد أبي بكر وما كان قصرا
فآليتُ لاتنفكُ عيني حزينةً ... عليكَ ولا ينفك جلدي أغبرا
فلّلهِ عينا مَنْ رأىِ مثلَهُ فتًى ... أكرَّ وأحمى في الهياجِ وأصبرا
إذا شرعتْ فيه الأسنَّةُ خاضها ... إلى الموتِ حتى يتركَ الرمحَ أحمرا
ثم تزوجها زيد بن الخطاب فاستشهد باليمامة. وأخرج ابن سعد بسند حسن قال: كانت عاتكة تحت عبد الله بن أبي بكر فجعل لها طائفة من ماله على أن لا تتزوج بعده ومات، فأرسل عمر إلى عاتكة أن قد حرمت ما أحل الله لك، فردي إلى أهله المال الذي أخذتيه ففعلت، فخطبها عمر وتزوجها، ولما تزوجها أوْلَم عليها ودعا أصحاب رسول الله ﷺ وفيهم علي بن أبي طالب، فقال: يا أميرَ المؤمنين دعني أكلم عاتكة قال: نعم، فأخذ علي بجانب الخِدر ثم قال: يا عدوة نفسها قآليت لا تنفك عيني حزينة البيت، فبكت فقال عمر: ما دعاك إلى هذا يا أبا الحسن كل النساء
стр. 4556
يفعلن هذا، ثم قتل عنها عمر -رضي الله تعالى عنه- فقالت تبكيه:
يا عينُ جودي بعبرةٍ ونحيبِ ... لا تملي على الجوادِ النجيبِ
فجعتني المنونُ بالغارِ المعـ ... ـلمِ يومَ الهياجِ والتثويبِ
قل لأهلِ الضَّرّاء والبؤسِ موِتوا ... قد سقتهُ المنونُ كأسَ شَعوبِ
ثم تزوجها الزبير بن العوام، وشرطت عليه ما شرطت على عمر من أنه لا يضربها ولا يمنعها من الحق ولا من الصلاة في المسجد النبوي، ثم تحيّل الزبير بأن كمن لها لما خرجت إلى صلاة العشاء، فلما مرّت به ضرب على عجيزتها، فلما رجعت قالت: إنا لله فسد الناس، فلم تخرج بعد، ولما مات الزبير قالت أيضًا ترثيه:
غدرَ ابنُ جرموزٍ بفارسِ بهمةٍ ... يومَ اللقاءِ وكانَ غيرَ معددِ
يا عمرو لو نبهتهُ لوَجدتَهُ ... لا طائشًا رعشَ الجَنانِ ولا اليدِ
كم غمرةً قد خاضَها لم يثنهِ ... عنها طراؤكَ يا بنَ فقع القرددِ
يا ويحَ أمكَ إن ظفرتَ بمثله ... فيما مضى ممن يروحُ ويغتدي
واللهِ ربِّك إن قتلتَ لمسلمًا ... حلّتْ عليكَ عقوبةُ المتعمّدِ
ثم خطبها علي بن أبي طالب بعد الزبير فأرسلت إليه إني لأضن بك يا بن عم رسول الله عن القتل، وكان عبد الله بن الزبير بعد أن قتل أبوه أرسل إلى عاتكة يقول: يرحمك الله أنت امرأة من بني عدي، ونحن قوم من بني أسد وإن دخلت علينا في أموالنا أفسدتيها وأضررت بنا فقالت: رأيك يا أبا بكر ما كنت لتبعث إليّ بشيء إلا قبلته، فبعث إليها بثمانين ألف درهم فقبلتها وصالحت عليها. والقائل المبهم في قوله: فقيل لها: قالوا: إنه عمر بن الخطاب، وعمر قد مرّ ذكر محله في هذا الحديث.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، وشيخ البخاري من أفراده، ورواته ما بين كوفيّ ومدنيّ. ثم قال المصنف:
باب الرخصة إنْ لم يَحْضُرْ الجمعة في المطر
بكسر (إنْ) الشرطية ويحضر بفتح أوله أي: الرجل، وضبطه الكرماني بفتح الهمزة وببناء يحضر للمجهول أي: في إن "لم يحضر" والرخصة لغة اللين والسهولة قال الشاعر:
بمخضبِ رخصٍ كان بنانَهُ ... عَنَمٌ يكادُ من اللطافةِ يعقدُ
وشرعًا قال في "جمع الجوامع" الحكم الشرعي إن تغير من صعوبة إلى سهولة لعذر مع بقاء السبب للحكم الأصلي رخصة وإلا فعزومة.
стр. 4557
الحديث الرابع والعشرون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ صَاحِبُ الزِّيَادِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ ابْنُ عَمِّ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ إِذَا قُلْتَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. فَلاَ تَقُلْ حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ. قُلْ صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ. فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا، قَالَ: فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، إِنَّ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ، وَإِنِّيكَرِهْتُ أَنْ أُخْرِجَكُمْ، فَتَمْشُونَ فِي الطِّينِ وَالدَّحْضِ.
قوله: "صلوا في بيوتكم" هذا مذهب ابن عباس أن من جملة الأعذار لترك الجمعة المطر، وهو قول الجمهور. وعند مالك المطر المبيح للتخلف هو الذي يحمل أوساط الناس على تغطية رؤوسهم لا لما كان أقل من ذلك. وكذلك عند الشافعية والحنابلة مقيد بما يؤذي ببل الثوب، فإن كان خفيفًا أو وجد كنًّا يمشي فيه، فلا عذر. وقال الزين بن المنير: الظاهر أن ابن عباس لا يرخص في ترك الجُمُعة.
وأما قوله: "صلوا في بيوتكم" فإشارة منه إلى العصر فرخص لهم في ترك الجماعة فيها وأما الجمعة، فقد جمعهم لها فالظاهر أنه جمع بهم فيها. قال: ويحتمل أن يكون جمعهم للجمعة ليعلمهم بالرخصة في تركها في مثل ذلك ليعملوا به في المستقبل. والذي يظهر أنه لم يجمعهم وإنما أراد بقوله: "صلوا في بيوتكم" مخاطبة مَنْ لم يحضر وتعليم مَنْ حضر.
وقوله: "الجمعة عزمة" استشكله الإِسماعيلي بأن أكثر الروايات بلفظ إنها "عزمة" أي: كلمة المؤذن حيّ على الصلاة؛ لأنها دعاء إلى الصلاة تقتضي لسامعه الإجابة، ولو كان معنى الجمعة عزمة لكانت العزيمة لا تزول بترك بعض الأذان. والذي يظهر أنه لم يترك بقية الأذان وإنما أبدل قوله: "حيّ على الصلاة" بقوله: "صلّوا في بيوتكم" والمراد بقوله: "إن الجمعة عزمة" أي: فلو تركت المؤذن يقول: "حيّ على الصلاة" لبادر مَنْ سمعه إلى المجيء في المطر فيشق عليهم، فأمرته أن يقول: "صلّوا في بيوتكم" لتعلموا أن المطر من الأعذار التي تفسير العزيمة رخصة.
وقوله: "والدَحْض" أي: بفتح الدال المهملة وسكون الحاء المهملة ويجوز فتحها وآخره ضاد معجمة هو الزلق، وعند مالك الطين المبيح للتخلف هو الذي يحمل أوساط الناس على ترك المدارس. وفي رواية القابسي بالراء بدل الدال وهو الغُسل. قال ابن التين: لا معنى له هنا إلا إن
стр. 4558
حمل على أن الأرض حين أصابها المطر صارت كالمغتسل والجامع بينهما الزلق. وهذا الحديث قد مرّ في كتاب الأذان في باب الكلام على الأذان واستوفى الكلام عليه هناك.
رجاله خمسة:
وفيه لفظ مؤذن مبهم وقد مرّوا، مرّ مسدد في السادس من الإيمان، ومرّ إِسماعيل بن علية في الثامن منه، ومرّ عبد الحميد وعبد الله بن الحارث في الثالث عشر من كتاب الأذان، ومرّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي. والمؤذن لم أقف على مَنْ سماه. ثم قال المصنف:
باب من أين تؤتى الجمعة وعلى مَنْ تجب لقول الله : ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .
يعني أن الآية ليست صريحة في وجوب بيان الحكم المذكور فلذلك أتى في الترجمة بصيغة الاستفهام والذي ذهب إليه الجمهور أنها تجب على مَنْ سمع الأذان وكان في قوة السامع سواء كان داخل البلد أو خارجه، ومحله عند الشافعية ما إذا كان المنادي صيتًا والأصوات هادئة والنداء على الأرض، والسامع من طرف قريته الذي يلي بلد الجمعة مع اعتدال السمع وسكون الرياح والمراد أن الوجوب يتعلق بمحل السماع لا بنفس السامع وإلا لسقطت عن الاسم. وقالت المالكية: تجب على من بينه وبين المنار أربعة أميال إذا كان خارج البلد، وأما من هو في البلد فتجب عليه ولو كان من المنارة على ستة أميال أو أزيد، ومذهب أبي حنيفة وهو قول طائفة لا تجب على مَنْ كان خارج العصر سمع النداء أو لم يسمعه. ورجحه القاضي ابن العربي وهو رواية عن أبي يوسف وعنه من ثلاثة فراسخ وعنه إذا شهد الجمعة وأمكنه المبيت في منزله لزمته الجمعة، واختاره كثير من المشايخ.
وعن محمد إذا كان بينه وبين المصر ميل أو ميلان أو ثلاثة أميال فعليه الجمعة. وقول الشافعية: إن الوجوب على مَنْ سمع النداء، قال ابن العربي: تعليق الوجوب بمن سمع النداء يسقطه عمن كان في المصر الكبير إذا لم يسمعه.
قلت: يجاب عن هذا بأن الوجوب متعلق بالمحل لا بنفس السماع كما مرّ، لكن قولهم: سواء كان داخل البلد لا يجاب عنه. واستدلت الشافعية بما رواه أبو داود في "سننه" عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا إنما الجمعة على مَنْ سمع النداء. وقال: إنه اختلف في رفعه ووقفه.
وأخرجه الدارقطني من وجه آخر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا ويؤيده قوله ﷺ لابن أُم مكتوم: "أتسمعُ النداءَ؟ قال: نعم، قال: فأجبْ". وقد تقدم في صلاة الجماعة ذكر مَنْ احتج به على وجوبها فتكون الجمعة أولى لثبوت الأمر بالسعي إليها. وأما حديث الجمعة على أواه الليل إلى أهله فأخرجه الترمذي ونقل عن أحمد أنه لم يره شيئًا. وقال لمن ذكره له: "استغفر ربك". وقد تقدم قبل بباب من قول ابن عمر نحوه. والمعنى أنها تجب على مَنْ يمكنه الرجوع إلى أهله قبل
стр. 4559
دخول الليل، واستشكل بأنه يلزم منه أنه يجب السعي من أول النهار، وهو بخلاف الآية، ثم قال: وقال عطاء: إذا كنت في قرية جامعة نودي بالصلاة من يوم الجمعة فحق عليك أن تشهدها سمعت النداء أو لم تسمعه. وقوله: "سمعت النداء أو لم تسمعه" يعني إذا كنت داخل البلد.
وبهذا صرّح أحمد ونقل النووي أنه لا خلاف فيه، وزاد عبد الرزاق في هذا الأثر عن ابن جريج أيضًا قلت لعطاء: ما القرية الجامعة؟ قال: ذات الجماعة والأمير والقاضي والدور المجتمعة الآخذ بعضها ببعض كجدة.
وهذا التعليق وصله عبد الرزاق عن ابن جريج عنه وعطاء قد مرّ في التاسع والثلاثين من العلم. ثم قال: "وكان أنسٌ -رضي الله تعالى عنه- في قصرِه أحيانًا يجمّعُ وأحيانًا لا يجمّعُ وهو بالزاوِيةِ على فرسخين".
قوله: "يجمع" أي: يصلي بمن معه الجمعة أو يشهد الجمعة بجامع البصرة. وقوله: "هو بالزاوية" أي: القصر، والزاوية موضع ظاهر (البصرة) معروف كانت فيه وقعة كبيرة بين الحجّاج وابن الأشعث وهي بكسر الواو. وقوله: "على فرسخين" أي: من (البصرة). وهذا وصله ابن أبي شيبة من وجه آخر عن أنس أنه كان يشهد الجمعة من الزاوية وهي على فرسخين من البصرة. وهذا يرد على مَنْ زعم أن الزاوية موضع (بالمدينة المنورة) كان فيه قصر لأنس على فرسخين منها وعرف بهذا أن التعليق المذكور ملفق من أثرين، ولا يعارض ذلك ما رواه عبد الرزاق عن معمر عن ثابت قال: كان أنس يكون في أرضه وبينه وبين (البصرة) ثلاثة أميال فيشهد الجمعة بالبصرة لكون الثلاثة أميال فرسخًا واحدًا؛ لأنه يجمع بأن الأرض المذكورة غير القصر، وبأن أنسًا كان لا يرى التجميع حتمًا إن كان على فرسخين أو أكثر، ويراه حتمًا إن كان أقل من ذلك؛ ولهذا لم يقع في رواية ثابت التخيير الذي في رواية حميد. وهذا التعليق وصله مسدد في "مسنده الكبير" عن أبي عوانة عن حميد بهذا. وأنس مرّ في السادس من "الإِيمان".
стр. 4560
الحديث الخامس والعشرون
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَالْعَوَالِي، فَيَأْتُونَ فِي الْغُبَارِ، يُصِيبُهُمُ الْغُبَارُ وَالْعَرَقُ، فَيَخْرُجُ مِنْهُمُ الْعَرَقُ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنْسَانٌ مِنْهُمْ وَهْوَ عِنْدِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا.
قوله: "أحمد بن صالح" كذا في رواية أبي ذر وابن السكن، وعند غيرهما حدّثنا أحمد غير منسوب وجزم أبو نعيم في "المستخرج" بأنه ابن عيسى، والأول أصوب. وقوله: "ينتابون الجمعة" أي: يحضرونها نوبًا أي: نوبة لهذا ونولة لهذا، والانتياب (افتعال) من النوبة. وفي رواية "يتناوبون".
وقوله: "والعوالي" تقدم تفسيرها في "المواقيت" وأنها على أربعة أميال فصاعدًا من المدينة. وقوله: "لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا" (لو) للتمني فلا تحتاج إلى جواب، أو للشرط والجواب محذوف تقديره (لكان حسنًا). وعند أبي داود عن ابن عباس أن هذا كان مبدأ الأمر بالغُسل للجمعة ولأبي عوانة عن ابن عمر نحوه. وقد صرّح في آخره بأنه ﵊ قال: "مَنْ جاءَ مكم الجمعةَ فليغتسلْ" وقد استدلت به عمرة على أن غُسل الجمعة شرع للتنظيف لأجل الصلاة كما سيأتي في الباب الذي بعده. وعلى هذا، فمعنى قوله: "ليومكم هذا" أي في يومكم هذا.
وفي هذا الحديث من الفوائد رفق العالم بالمتعلم، واستحباب التنظيف لمجالسة أهل الخير، واجتناب أذى المسلم بكل طريق، وحرص الصحابة على امتثال الأمر ولو شق عليهم. وقال القرطبي فيه رد على الكوفيين لم يوجبوا الجمعة على مَنْ كان خارج العصر، وفيه نظر؛ لأنه لو كان واجبًا على أهل العوالي ما تناوبوا، ولكانوا يحضرون جميعًا.
رجاله سبعة:
وفيه لفظ إنسان مبهم، مرّت منهم خمسة: مرّ أحمد بن صالح في الرابع والسبعين من أحاديث استقبال القبلة، ومعه أحمد بن عيسى، ومرّ ابن وهب في الثالث عشر من العلم، ومرّ عمرو بن الحارث في السابع والستين من الوضوء، ومرّ عروة وعائشة في الثاني من بدء الوحي والباقيان اثنان
стр. 4561
الأول عبيد الله بن أبي جعفر المصري أبو بكر الفقيه مولى بني كنانة ويقال مولى بني أُمية، واسم أبي جعفر يسار. قال أحمد: كان يتفقه ليس به بأس، وقال أبو حاتم: ثقة مثل يزيد بن أبي حبيب. وقال النسائي: ثقة، وقال ابن خراش: صدوق، وقال ابن سعد: ثقة فقيه زمانه. وقال ابن يونس: كان عالمًا عابدًا زاهدًا، وقال أبو شريح عن عبيد الله بن أبي جعفر: غزونا القسطنطينية فانكسر بنا مركبنا فألقانا الموج على خشبة في البحر، وكنا خمسة أو ستة فأنبت الله لنا بعددنا ورقة لكل رجل منا، فكنا نمصها فتشبعنا وتروينا، فإذا أفنينا أثبت الله لنا مكانها أخرى حتى مرّ بنا مركب فحملنا.
وقال العجلي عبيد الله بن أبي جعفر: بصري ثقة، وأخوه عبيد الكه لا بأس به، ونقل في "الميزان" عن أحمد أنه قال: ليس بقوي، قال في "المقدمة" إن صح ذلك عن أحمد فلعله في شيء مخصوص. وقد احتج به الجماعة، رأى عبد الله بن الحارث بن جَزْء، وروى عن حمزة بن عبد الله بن عمر ومحمد بن جعفر بن الزبير وأبي سلمة بن عبد الرحمن ونافع وغيرهم. وروى عنه ابن إسحاق وعمرو بن الحارث والليث وحَيْوة بن شُرَيح وغيرهم.
ولد سنة ستين ومات سنة خمس أو ست وثلاثين وهذا مكرر، مرّ في الثامن والثلاثين من الغُسل.
الثاني: محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام الأسدي المدني. قال ابن سعد: كان عالمًا وله أحاديث. وقال ابن إسحاق: كان من فقهاء المدينة وقرائهم. وقال الدارقطني: مدني ثقة روى عن عميه عبد الله ولم يسمع منه وعروة، وعن عبد الله بن عبد الله بن عمر وغيرهم. وروى عنه ابن إسحاق وابن جريج وعبيد الله بن أبي جعفر وغيرهم. قال البخاري في "الأوسط": إنه في عداد مَنْ مات بين عشر ومائة إلى عشرين ومائة.
والإِنسان المذكور في الحديث قال في "الفتح" لم أقف على اسمه وفي الإِسماعيلي أناس.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإِفراد والإِخبار بالإفراد والعنعنة والقول، والأربعة الأولون من رواته بصريون، والباقون مدنيون. أخرجه مسلم في "الصلاة" وكذا أبو داود. ثم قال المصنف:
стр. 4562
باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس
جزم بهذه المسألة مع وقوع الخلاف فيها لضعف دليل المخالف عنده، ويأتي قريبًا من خالف في ذلك. ثم قال وكذا يذكر عن عمر وعلي والنعمان بن بشير وعمرو بن حريث -رضي الله تعالى عنهم- قيل إنما اقتصر على هؤلاء من الصحابة دون غيرهم؛ لأنهم نقل عنهم خلافه وفيه نظر؛ لأنه لا خلاف عن علي ومن بعده في ذلك وأغرب ابن العربي فنقل الإجماع على أنها لا تجب حتى تزول الشمس إلا ما نقل عن أحمد بن حنبل أنه إن صلّاها قبل الزوال أجزأ.
وقد نقل ابن قدامة وغيره عن جماعة من السلف، ويأتي قريبًا من نقل عنه أما أثر عمر، فقد
روى ابن أبي شيبة عن سويد بن غفلة "أنه صلّى مع أبي بكر وعمر حين زالت الشمس" إسناده قوي. وفي "الموطأ" عن مالك بن أبي عامر قال: "كنت أرى طنفسة لعقيل بن أبي طالب تطرح يوم الجمعة إلى جدار المسجد الغربي فإذا غشيها ظل الجدار، خرج عمر" وإسناده صحيح وهو ظاهر في أن عمر كان يخرج بعد زوال. والظاهر أنها كانت تفرش له داخل المسجد، وعليه كان عمر يتأخر بعد الزوال قليلًا.
وفي حديث السقيفة عن ابن عباس قال: "فلما كان يوم الجمعة وزالت الشمس، خرج عمر فجلس على المنبر". وأما علي فروى ابن أبي شيبة عن أبي إسحاق "أنه صلّى خلف علي الجمعة بعدما زالت الشمس" إسناده صحيح.
وروى أيضًا عن أبي رزين قال: "كنا نصلّي مع علي الجمعة أحيانًا نجد فيئًا وأحيانًا لا نجد"، وهذا محمول على المبادرة عند الزوال أو التأخير قليلًا. وأما النعمان بن بشير فرواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن سماك بن حرب قال: "كان النعمان بن بشير يصلّي بنا الجمعة بعدما تزول الشمس" وكان النعمان أميرًا على الكوفة في أول خلافة يزيد بن معاوية، وأما عمرو بن حريث فأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا عن الوليد بن العيزار قال: "ما رأيت إمامًا كان أحسن صلاة للجمعة من عمرو بن حريث، فكان يصلّيها إذا زالت الشمس" إسناده صحيح.
وكان عمرو ينوب عن زياد وولده بالكوفة وأما ما يعارض ذلك من الصحابة، فروى أبو نعيم شيخ البخاري في كتاب "الصلاة" له وابن أبي شيبة عن عبد الله بن سيدان قال: "شهدت الجمعة مع أبي بكر فكانت صلاته وخطبته قبل نصف النهار وشهدتها مع عمر -رضي الله تعالى عنه- فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول قد انتصف النهار".
стр. 4563
ورجاله ثقات إلا عبد الله بن سِيدان وهو بكسر السين المهملة بعدها تحتانية ساكنة، فإنه تابعي كبير إلا أنه غير معروف العدالة. قال ابن عدي: شبه المجهول، وقال البخاري: لا يتابع على حديثه بل عارضه ما هو أقوى منه يعني ما مرّ قريبًا. وروى ابن أبي شيبة عن عبد الله بن سلِمة بكسر اللام قال: "صلّى بنا عبد الله بن مسعود الجمعة ضحى، وقال: خشيت عليكم الحر"، وعبد الله صدوق إلا أنه تغير لما كبر، قاله شعبة.
وعن سعيد بن سويد قال: "صلّى بنا معاوية الجمعة ضحى" وسعيد ذكره ابن عدي في "الضعفاء" واحتج بعض الحنابلة بقوله ﷺ : "إنّ هذا يومَ جعلَه الله عيدًا للمسلمينَ". قال: فلما سماه عيدًا جازت الصلاة فيه في وقت العيد كالفطر والأضحى وتعقب هذا بأنه لا يلزم من تسمية يوم الجمعة عيدًا أن يشتمل على جميع أحكام العيد بدليل أن يوم العيد يحرم صومه مطلقًا سواء صام قبله أو بعده بخلاف يوم الجمعة.
ورجاله قد مرّوا إلا عمرو بن حريث، مرّ عمر في الأول من بدء الوحي، ومرّ علي في السابع والأربعين من العلم، ومرّ النعمان في الخامس والأربعين من الإيمان. وعمرو هو ابن حريث بن عمرو بن عثمان بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي الكوفي له ولأبيه صحبة. قال ابن حِبّان: ولد في أيام بدر، وقال غيره: ولد قبل الهجرة بسنتين، وعند أبي داود عنه: "خط لي رسول الله ﷺ دارًا بالمدينة"، وهذا يدل على أنه كان كبيرًا في زمانه نزل الكوفة وابتنى بها دارًا وسكنها وولده بها. وزعموا أنه أول قرشي اتخذ دارًا وكان له فيها قدر وشرف. وكان قد ولي إمارتها لزياد وولده عبيد الله. له ثمانية عشر حديثًا انفرد مسلم له بحديثين. روى عن النبي ﷺ وأبى بكر وعمر وعلي وابن مسعود وعن أخيه سعيد. وروى عنه ابنه جعفر وآخرون من أهل الكوفة آخرهم فطر بن خليفة. مات بالكوفة سنة خمس وثمانين، وقيل سنة ثمان وتسعين ولم يثبت.
стр. 4564
الحديث السادس والعشرون
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَمْرَةَ عَنِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَتْ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَانَ النَّاسُ مَهَنَةَ أَنْفُسِهِمْ، وَكَانُوا إِذَا رَاحُوا إِلَى الْجُمُعَةِ رَاحُوا فِي هَيْئَتِهِمْ فَقِيلَ لَهُمْ لَوِ اغْتَسَلْتُمْ.
قوله: "كان الناس مهنة" بنون وفتحات جمع ماهن كخادم وخدمة أي: خدمة أنفسهم. وحكى ابن التين أنه روي بكسر الميم وسكون الهاء ومعناه بإسقاط محذوف أي: ذوي مهنة. ولمسلم عن يحيى بن سعيد كان الناس أهل عمل ولم يكن لهم كُفاة أي: لم يكن لهم مَنْ يكفيهم العمل من الخدم.
وقوله: "وكانوا إذا راحوا إلى الجمعة راحوا في هيئتهم" استدل البخاري بقوله راحوا على أن ذلك كان بعد الزوال؛ لأنه حقيقة الرواح كما مرّ عن أكثر أهل اللغة ولا يعارض هنا ما مرّ عن الأزهري أن المراد بالرواح في قوله: "مَنْ اغتسل يوم الجمعة، ثم راح" الذهاب مطلقًا؛ لأنه إما أن يكون مجازًا أو مشتركًا، وعلى كل من التقديرين فالقرينة مخصصة وهي في قوله: "مَنْ راح في الساعة الأولى" قائمة في إيراده مطلق الذهاب.
قلت: هذا إنما هو عند الشافعية كما مرّ لا عندنا معاشر المالكية، فإن الرواح عندنا محمول على حقيقته كما مرّ، وفي هذا قائمة في الذهاب بعد الزوال لما جاء في حديث عائشة المذكور في الطريق التي في آخر الباب الذي قبل هذا حيث قالت: "يصيبهم الغبار والعرق"؛ لأن ذلك غالبًا إنما يكون بعدما، يشتد الحر وهذا في حال مجيئهم من العوالي، فالظاهر أنهم لا يصلون إلى المسجد إلا حين الزوال أو قريبًا من ذلك، وعرف بهذا توجيه إيراد حديث عائشة في هذا الباب. وقد رواه أبو نعيم في الباب الذي قبله، وعليه فلا إشكال فيه أصلًا.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ عبدان وعبد الله في السادس من بدء الوحي، ومرّ يحيى بن سعيد في الأول منه، ومرت عائشة في الثاني منه، ومرّت عمرة في الثاني والثلاثين من الغُسل.
لطائف إسناده:
فيه التحديث والإِخبار بالجمع والسؤال والقول، ورواية تابعي عن تابعية عن صحابية والأولان من رواته مروزيان، والباقون مدنيون. أخرجه مسلم في الصلاة وأبو داود في الطهارة.
стр. 4565
الحديث السابع والعشرون
حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضى الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ.
قوله: "عن أنس" في رواية الإِسماعيلي التصريح عن فليح بسماع عثمان له من أنس. وقوله: "كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس" وفي هذا الحديث رد على ما حكاه ابن التين عن ابن عبد الملك أنه إنما أورد البخاري الآثار عن الصحابة؛ لأنه لم يجد حديثًا مرفوعًا في ذلك؛ لأن حديث أنس هذا مرفوع وفيه إشعار بمواظبته ﷺ على صلاة الجمعة إذا زالت الشمس.
رجاله أربعة:
مرّ منهم فليح في الأول من العلم، ومرّ أنس في السادس من الإِيمان وسريج هو ابن النعمان بن مروان الجوهري اللؤلوي أبو الحسين ويقال أبو الحسن البغدادي: أصله من خراسان من كبار شيوخ البخاري، وثقه ابن معين والعجلي وابن سعد والنسائي والدارقطني. وقال أبو داود: ثقة غلط في أحاديث، قال في "المقدمة": لم يكثر عنه البخاري بل أخرج عنه في الجمعة عن فليح، وذلك الحديث قد تابعه عليه عند أحمد أبو عامر العقدي ويونس بن محمد المؤدب وغير واحد هذا ما له عنده بلا واسطة، وله عنه بواسطة ثلاثة أحاديث: أحدها في "المغازي" وفي باب عمرة القضاء، والآخر في باب حجة الوداع، والثالث في باب الرمل في الحج والعمرة. والأحاديث الثلاثة بسند واحد عنه عن فليح عن نافع عن ابن عمر هذا جميع ماله عنده.
وروى له أصحاب السنن الأربعة روى عن فليح بن سليمان والحمادين ونافع بن عمر الجمحي وغيرهم. وروى له الأربعة بواسطة وأبو زرعة وأبو حاتم وأحمد بن حنبل وغيرهم. مات يوم الأضحى سنة سبع عشرة ومائتين.
الرابع: عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن عبد الله التيمي. ذكره ابن حِبّان في "الثقات" وقال أبو حاتم: ثقة روى عن أبيه وله صحبة وعن أخيه معاذ وعن أنس بن مالك وغيرهم، وروى عنه أبو بكر بن أبي مليكة وفليح وسعيد بن زياد المؤذن وغيرهم. أخرجه أبو داود والتِّرمِذِيّ في الصلاة وقال الترمِذِيّ: حسن صحيح.
стр. 4566
الحديث الثامن والعشرون
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا نُبَكِّرُ بِالْجُمُعَةِ، وَنَقِيلُ بَعْدَ الْجُمُعَةِ.
لم يقع التصريح عند المصنف برفع حديث أنس هذا، وقد أخرجه الطبراني في "الأوسط" عن فضيل بن عياض عن حميد فزاد فيه مع النبي ﷺ وكذا أخرجه ابن حِبّان في "صحيحه" وله شاهد في حديث سهل بن سعد يأتي في آخر الجمعة.
وقوله: "كنا نبكر بالجمعة ونقيل بعد الجمعة" ظاهره أنهم كانوا يصلون الجمعة باكر النهار، وهذا يخالف الذي قبله ولكن طريق الجمع أولى من التعارض، وقد تقرر فيما مرّ أن التبكير يطلق على فعل الشيء في أول وقته أو تقديمه على غيره وهو المراد هنا، والمعنى أنهم كانوا يبدؤون بالصلاة قبل القيلولة بخلاف ما جرت به عادتهم في صلاة الظهر في الحر فإنهم كانوا يقيلون ثم يصلون لمشروعية الإبراد؛ ولهذه النكتة أورد البخاري طريق حميد عن أنس عقب طريق عثمان بن عبد الرحمن عنه، وسيأتي في حديث الترجمة التي بعدها التعبير بالتبكير، والمراد به الصلاة في أول الوقت وهو يؤيد ما قلناه.
قال الزين بن المنير: فسر البخاري حديث أنس الثاني بحديثه الأول إشارة منه إلى أنه لا تعارض بينهما. قال في "الفتح" وفيه ردٌ على مَنْ زعم الساعات المطلوبة في الذهاب إلى الجُمُعة من عند الزوال؛ لأنهم كانوا يتبادرون إلى الجمعة قبل القائلة.
قلت: هذا غير صحيح؛ لأن المراد بالساعة عند القائل بذلك اللحظات، فهي مجاز كما مرّ.
رجاله أربعة:
مرّوا، مرّ عبدان وعبد الله في السادس من بدء الوحي، ومرّ حميد في الثاني والأربعين من الإِيمان، ومرّ أنس في السادس منه. ثم قال المصنف:
стр. 4567
باب إذا اشتد الحر يوم الجُمُعة
لما اختلف ظاهر النقل عن أنس وتقرر أن طريق الجمع أن يحمل الأمر على اختلاف الحال بين الظهر والجمعة كما مرّ قريبًا، جاء عن أنس حديث آخر يوهم خلاف ذلك فترجم المصنف هذه الترجمة لأجله.
الحديث التاسع والعشرون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَلْدَةَ هُوَ خَالِدُ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلاَةِ، وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلاَةِ، يَعْنِي الْجُمُعَةَ.
قوله: "يعني الجمعة" لم يجزم المصنف بحكم الترجمة للاحتمال الواقع في قوله: "يعني الجمعة" لاحتمال أن يكون من كلام التابعي أو مَنْ دونه، وهو ظن ممن قاله والتصريح عن أنس في رواية حميد الماضية أنه كان يبكر بها مطلقًا من غير تفصيل، ويؤيده الرواية المعلقة الثانية فإن فيها البيان بأن قوله: "يعني الجمعة" إنما أخذه قائله مما فهم من التسوية بين الظهر والجمعة عند أنس حيث استدل لما سئل عن الجمعة بقوله: "كان يصلي الظهر" وأوضح من ذلك رواية الإسماعيلي عن حرميٌّ ولفظه: "سمعتُ أنسًا وناداه يزيدُ الضبي يومَ جُمعةٍ يا أبا حمزةَ قد شهدتَ الصلاةَ مع رسولِ اللهِ ﷺ فكيفَ كان يصلّي الجُمُعَةَ؟ " فذكره ولم يقل بعده يعني الجمعة.
وقال الزين بن المنير: نحا البخاري إلى مشروعية الإبراد بالجمعة ولم يثبت الحكم بذلك؛ لأن قوله: "يعني الجمعة" يحتمل أن يكون قول التابعي مما فهمه، ويحتمل أن يكون من نقله مرجح عنده إلحاقها بالظهر؛ لأنها إما ظهر أو زيادة أو بدل من الظهر، وأيد ذلك قول أمير البصرة لأنس يوم الجمعة: "كيف كان النبي ﷺ يصلّي الظهر". وجواب أنس من غير إنكار ذلك، وعلم أن الإبراد عند أنس بالجمعة إنما هو بالقياس على الظهر لا بالنص؛ لأن يوم الجمعة يوم اجتماع الناس وازدحامهم، فإذا أخرت يشق عليهم.
قال ابن قدامة؛ ولذلك كان النبي ﷺ يصلّيها إذا زالت الشمس صيفًا وشتاء على ميقات واحد.
стр. 4568
رجاله أربعة:
قد مرّوا إلا أبا خلدة، مرّ محمد بن أبي بكر المقدمي في الرابع والثمانين من أحاديث استقبال القبلة، ومرَّ حرَميُّ في الثامن عشر من الإِيمان، ومرّ أنس في السادس منه.
وأبو خلدة هو خالد بن دينار التميمي البصري الخياط. قال ابن معين: ثقة، وقال مرة: صالح، وقال يزيد بن زريع: حدّثنا أبو خلدة وكان ثقة. وقال رجل لابن مهدي: كان ثقة؟ قال: كان مأمونًا خيارًا، الثقة شعبة وسفيان، وفي رواية عنه كان خيارًا مسلمًا صدوقًا. وقال ابن حِبّان في "الثقات": كان ابن مهدي يحسن الثناء عليه. وقال ابن عبد البر: هو ثقة عند جميعهم وكلام ابن مهدي لا معنى له في اختيار الألفاظ. وقال النسائي: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة وله سن ولقد لقي. وقال العجلي والدارقطني: ثقة، وقال الترمذي: ثقة عند أهل الحديث روى عن أنس والحسن وابن سيرين وأبي العالية وغيرهم. وروى عنه ابن مهدي ويحيى القطان وابن المبارك وحرَميُّ بن عمارة وغيرهم.
مات سنة اثنين وخمسين ومائة. ويشتبه بهذا خالد بن دينار النبلي أبو الوليد روى عنه ابن ماجه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والسماع والقول، ورواته كلهم بصريون والبخاري لم يروِ عن أبي خلدة إلا هذا الحديث. أخرجه النَّسائيّ.
ثم قال: وقال يونس بن بكير: أخبرنا أبو خلدة، وقال: "بالصلاة" ولم يذكر الجمعة وصله المصنف في "الأدب المفرد" ولفظه: "سمعت أنس بن مالك وهو مع الحكم أمير البصرة على السرير يقول: كان النبيّ ﷺ إذا كان الحر أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد بكّر بالصلاة". وأخرجه الإسماعيلي عن يونس وزاد "يعني الظهر". وقد أورد أبو علي قصة يزيد الضبي وإنكاره على الحكم هذا الصنيع الذي يذكر عند ذكره في سند الذي بعد هذا واستشهاده بأنس واعتذار أنس عن الحكم بأنه أخر للإِبراد فساقها مطولة في نحو ورقة.
وسند التعليق اثنان: أبو خلدة مرّ في الذي قبله، ويونس هو ابن بكير بن واصل الشيباني أبو بكر، ويقال أبو بكير الجمال الكوفي الحافظ. قال ابن معين: ثقة، وقال مرة: كان صدوقًا ثقة إلا أنه كان مع جعفر بن يحيى وكان موسرًا فقال له رجل: إنهم يرمونه بالزندقة فقال: كذب، ثم قال يحيى: رأيت ابني أبي شيبة أتياه فأقصاهما وسألاه كتابًا، فلم يعطهما فذهبا يتكلمان فيه.
وسئل أبو زرعة: أي شيء ينكر عليه؟ فقال: أما في الحديث فلا أعلمه. وسئل عنه أبو حاتم فقال: محله الصدق، وقال محمد بن عبد الله بن نمير: ثقة رضي. وقال عبيد بن يعيش: حدّثنا
стр. 4569
يونس بن بكير وكان ثقة، وقال ابن عمار: هو اليوم ثقة عند أصحاب الحديث، وقال الساجي: كان صدوقًا إلا أنه كان يتبع السلطان وكان مرجئًا.
روى عن أبي خلدة خالد بن دينار وهشام بن عروة ومحمد بن إسحاق وأسباط بن نصر وغيرهم. وروى عنه ابنه عبد الله ويحيى بن معين وسعيد بن سليمان وأبو خيثمة وغيرهم.
مات سنة تسع وتسعين ومائة. ثم قال: وقال بشر بن ثابت: حدّثنا أبو خلدة قال: صلّى بنا أمير الجمعة، ثم قال لأنس ﵁ كيف كان النبيّ ﷺ يصلّي الظهر؟ ". وصله الإِسماعيلي والبيهقي بلفظ: "كان إذا كان الشتاء بكّر بالظهر وإذا كان الصيف أبرد بها".
قال ابن المنير: إذا قرر أن الإبراد يشرع في الجمعة أخذ منه أنها لا تشرع قبل الزوال؛ لأنه لو شرع لما كان اشتداد الحر سببًا لتأخيرها، بل كان يستغنى عنه بتعجيلها قبل الزوال. واستدل به ابن بطال على أن وقت الجمعة وقت الظهر؛ لأن أنسًا سوّى بينهما في وجوبه خلافًا لمن أجاز الجمعة قبل الزوال.
وقد مرّ الكلام عليه في الباب الذي قبله، وفيه إزالة التشويش عن المصلي بكل طريق محافظة على الخشوع؛ لأن ذلك هو السبب في مراعاة الإبراد في الحر دون البرد.
رجاله ثلاثة:
وفيه لفظ أمير الجمعة، مرّ أبو خلدة في الحديث الذي قبل هذا بتعليق، ومرّ أنس في السادس من الإيمان. وبشر هو ابن ثابت البصري أبو محمد البزار. ذكره ابن حِبّان في "الثقات" وقال بشر بن آدم الأصغر: كان ثقة، وقال الدارقطني: ثقة وليس من الأثبات من أصحاب شعبة. روى عن أبي خلدة وشعبة وموسى بن علي بن رباح وغيرهم. وروى عنه الدارمي والخلال وأبو داود الحراني وغيرهم. وأمير الجمعة سمّاه البخاري في "الأدب المفرد" الحكم بن أبي عقيل الثقفي كان نائبًا عن ابن عمه الحجاج بن يوسف، وكان على طريقته في تطويل الخطبة يوم الجمعة حتى كاد الوقت أن يخرج. ثم قال المصنف:
стр. 4570
باب المشي إلى الجمعة وقوله الله جلّ ذِكره ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ومَنْ قال السعي العمل والذهاب لقوله تعالى: ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ .
قال ابن المنير: لما قابل الله بين الأمر بالسعي والنهي عن البيع: دلّ على أن المراد بالسعي العمل الذي هو الطاعة؛ لأنه هو الذي يقابل بسعي الدنيا كالبيع والصناعة، والحاصل أن المأمور به سعي الآخرة، والمنهي عنه سعي الدنيا. وفي "الموطأ" عن مالك أنه سأل ابن شهاب عن هذه الآية فقال: كان عمر يقرؤها إذا نودي للصلاة فامضوا وكأنه فسر السعي بالذهاب. قال مالك: وإنما السعي العمل لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ﴾ و ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ فليس المراد بالسعي الاشتداد. ثم قال: وقال ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- يحرم البيع حينئذ أي: إذا نودي بالصلاة. والأثر ذكره ابن حزم من طريق عكرمة عن ابن عباس بلفظ: "لا يصح البيع يوم الجمعة حين ينادى للصلاة، فإذا قضيت الصلاة فاشتِر وبعْ". ورواه ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عباس، وإلى القول بالتحريم ذهب الجمهور وابتداؤه عندهم من حين الأذان بين يدي الإِمام؛ لأنه الذي كان في عهد النبي ﷺ كما يأتي قريبًا.
وقد روى عمر بن شبة في أخبار المدينة عن مكحول "أن النداء كان على عهد النبي ﷺ يؤذن يوم الجمعة مؤذن واحد حين يخوج الإِمام وذلك النداء هو الذي يحوم عنده البيع" وهو مرسل يعتضد بشواهد تأتي، وأما الذي عند الزوال فيجوز عندهم البيع فيه مع الكراهة قاله في "الفتح"، لكن مذهب مالك لا كراهة، وهل يصح البيع مع القول بالتحريم؟ قولان مبنيان على أن النهي هل يقتضي الفساد مطلقًا أو لا، ومشهور مذهب مالك أن كل معاملة وقعت في ذلك الوقت تفسخ إلا النكاح والهبة والصدقة، فتمضي مع المنع وتلزم قيمة المبيع عند فواته.
وقد مرّ بعض الكلام على هذا المنزع عند باب فرض الجمعة أول الكتاب، ومرّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي.
ثم قال: وقال عطاء: وتحرم الصناعات كلها وصله عبد بن حميد في تفسيره بلفظ إذا نودي بالأذان حرم اللهو والبيع والصناعات كلها والرقاد، وأن يأتي الرجل أهله، وأن يكتب كتابًا، وبهذا قال الجمهور أيضًا. ومرّ عطاء في التاسع والثلاثين من العلم.
ثم قال: وقال إبراهيم بن سعد عن الزهري إذا أذن المؤذن يوم الجمعة وهو مسافر فعليه أن يشهد قوله وهو مسافر أي: الرجل قال في "الفتح": لم أره من رواية إبراهيم وقد ذكره ابن المنذر عن
стр. 4571
الزهري، وقال: إنه اختلف عليه فيه فقيل عنه هكذا وقيل عنه مثل قول الجماعة: "إنه لا جمعة على مسافر" رواه الأوزاعي عن الزهري. وقال ابن المنذرت وهو كالإِجماع من أهل العلم على ذلك؛ لأن الزهري اختلف عليه فيه، ويمكن حمل كلام الزهري على حالين فحيث قال: "لا جمعة على مسافر" أراد على طريق الوجوب، وحيث قال: "فعليه أن يشهد" أراد على طريق الاستحباب، ويمكن أن تحمل رواية إبراهيم هذه على صورة مخصوصة وهو إذا اتفق حضوره في موضع تقام فيه الجمعة، فسمع النداء لها لا أنها تلزم المسافر مطلقًا حتى يحرم عليه السفر قبل الزوال من البلد الذي يدخلها مجتازًا مثلًا، وكأن ذلك رجح عند البخاري ويتأيد عنده بعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ فلم يخص مقيمًا من مسافر. وأما ما احتج به ابن المنذر على سقوط الجمعة عن المسافر بكونه " ﷺ صلّى الظهر والعصر (بعرفة) وهو يوم جمعة" فدل ذلك من فعله أنه لا جمعة على مسافر، فهو عمل صحيح إلا أنه لا يدفع الصورة التي ذكرت.
وقال الزين بن المنير: قرر البخاري في هذه الترجمة إثبات المشي إلى الجمعة مع معرفته بقول من فسرها بالذهاب الذي يتناول المشي والركوب، وكأنه حمل الأمر بالسكينة والوقار على عمومه في الصلوات كلها، فتدخل الجمعة كما هو مقتضى حديث أبي هريرة، وأما حديث أبي قتادة فيؤخذ من قوله: "وعليكم بالسكينة" فإنه يقتضى عدم الإِسراع في حال السعي إلى الصلاة أيضًا.
قلت: المشي الذي في الترجمة أخذه واضح من قوله في حديث أبي هريرة: "وأتوها تمشون"، فإنه صريح في الترجمة، ويحرم على الذي تلزمه الجمعة السفر بعد الزوال إن لم يخف فوات رفقة، ولم يصل الجمعة في طريقه. وجوّزه أبو حنيفة وسفره قبل الزوال جائز عند عمر وابنه عبد الله والزبير بن العوام وأبي عبيدة بن الجراح، وكرهه مالك كراهة تنزيه من بعد الفجر وفي شرح "المهذب" الأصح تحريمه، وبه قالت عائشة ومعاذ بن جبل وعمر بن عبد العزيز.
وأما السفر ليلة الجمعة قبل الفجر فهو جائز إلا ما رواه ابن أبي شيبة عن عائشة قالت: "إذا أدركتك ليلة الجمعة فلا تخرج حتى تصلي الجمعة". وإبراهيم بن سعد مرّ في السادس عشر من الإيمان، ومرّ الزهري في الثالث من بدء الوحي.
стр. 4572
الحديث الثلاثون
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةَ قَالَ: أَدْرَكَنِي أَبُو عَبْسٍ وَأَنَا أَذْهَبُ إِلَى الْجُمُعَةِ فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ.
قوله: "وأنا أذهب" جملة حالية كذا وقع عند البخاري أن القصة وقعت لعباية مع أبي عبس وعند الإِسماعيلي أن القصة وقعت ليزيد بن أبي مريم مع عباية، وكذا أخرجه النسائي عن الوليد ولفظه: "حدّثني يزيد قال: لحقني عباية بن رفاعة وأنا ماشٍ إلى الجمعة". زاد الاسماعيلي "وهو راكب، فقال: احتسب خطاك هذه". وفي رواية النسائي: "فقال: أبشر فإن خطاك هذه في سبيل الله، سمعت أبا عبس بن جبر" فذكر الحديث فإن كان محفوظًا احتمل أن تكون القصة وقعت لكل منهما. وأورده هنا لعموم قوله: "في سبيل الله فدخلت فيه الجمعة؛ ولكون راويه استدل به على ذلك.
وقال ابن المنير: وجه دخول حديث أبي عبس في الترجمة من قوله: "أدركني أبو عبس"؛ لأنه كان يعدو لما احتمل وقت المحادثة لتعذرها مع الجري؛ ولأن أبا عبس جعل حكم السعي إلى الجمعة حكم الجهاد، وليس العدو من مطالب الجهاد فكذلك الجمعة.
وقوله: "اغبرت قدماه" أي: أصابها الغبار وإنما ذكر القدمين وإن كان الغبار يعم جميع البدن عند ثورانه؛ لأن أكثر المجاهدين في ذلك الزمان كانوا مشاة، والأقدام تتغبر على كل حال سواء كان الغبار قويًا أو ضعيفًا؛ ولأن أساس ابن آدم على القدمين، فإذا سلمت القدمان من النار سلم سائر أعضائه منها، وكذلك الكلام في ذكر الوجه في سبيل الله وفي الرواية الآتية في الجهاد "ما اغبرتْ قدما عبدٍ في سبيل اللهِ فتمسَّهُ النارُ". زاد أحمد عن أبي هريرة "ساعة من نهار". وقوله: "فتمسه النار" بالنصب والمعنى أن المس ينتفي بوجود الغبار المذكور، وفي ذلك إشارة إلى عظيم قدر التصرف في سبيل الله، فإذا كان مجرد مسّ الغبار للقدم يحرم عليها النار فكيف بمن سعى وبذل جهده واستنفد وسعه؟
وللحديث شواهد منها ما أخرجه الطبراني في "الأوسط" عن أبي الدرداء مرفوعًا "من اغبرتْ قدماهُ في سبيلِ اللهِ باعدَ اللهُ منه النارَ مسيرة ألفِ عامٍ للراكبِ المستعجلِ".
стр. 4573
وأخرج ابن حِبّان عن جابر: "أنه كان في غزاة فقال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ" فذكر نحو رواية الجهاد، قال: فتواثب الناس عن دوابهم فما رؤي أكثر ماشيًا من ذلك اليوم. وعند المخلص بسند جيد عن عبادة يرفعه: "لا يجتمعُ غبارٌ في سبيل اللهِ ودخانُ جهنم في جوفِ امرىءٍ مسلمٍ". وعن أبي سعيد الخدري مثله عند أبي نعيم وعند الطبرَاني عن أبي الدرداء: "لا تلثّموا منَ الغبارِ في سبيلِ اللهِ فإنَّه مسكُ الجنَّةِ".
وعن أنس عنده أيضًا: "الغبارُ في سبيلِ اللهِ إسفارُ الوجوه يومَ القيامةِ".
وعند الخلعي عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-: "من اغبرتْ قدماهُ في سبيل اللهِ فلنْ يلجَ النارَ أبدًا". وعند ابن عساكر عن معاذ يرفعه "والذي نفسي بيده ما اغبرتْ قدما عبدٍ ولا وجهُهُ في عملٍ أفضلَ عندَ اللهِ يومَ القيامةِ بعدَ المكتوبةِ من جهادٍ في سبيلِ اللهِ" والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
رجاله خمسة:
مرّ منهم علي بن المديني في الرابع عشر من العلم، ومرّ الوليد بن مسلم في السادس والثلاثين من كتاب المواقيت.
الثالث: يزيد بن أبي مريم، ويقال يزيد بن ثابت بن أبي مريم بن أبي عطاء أبو عبد الله الدمشقي مولى سهل بن الحنظلية الأنصاري إمام الجامع بدمشق، وثقه الأئمة وابن معين ودحيم وأبو زرعة وأبو حاتم. وقال الدارقطني: ليس بذاك، قال في "المقدمة" هذا جرح غير مفسر فهو مردود وليس له في البخاري سوى حديث واحد. أخرجه في الجهاد والجمعة من رواية الوليد بن مسلم عنه. روى عن أبيه وعباية بن رافع بن خَدِيج وقزعة بن يحيى ومجاهد وغيرهم. وروى عنه الأوزاعي والوليد بن مسلم ويحيى بن حمزة وغيرهم. مات سنة أربع أو خمس وأربعين ومئة.
الرابع: عَباية بفتح العين وبعد الألف ياء خفيفة ابن رفاعة بن رافع بن خديج أبو رفاعة الأنصاري الزرقي المدني ذكره ابن حِبّان في "الثقات".
وقال ابن معين والنَّسائيّ: ثقة روى عن جده وعن أبيه عن جده على خلاف في ذلك وعن الحسين بن علي بن أبي طالب وأبي عبس. وروى عنه سعيد بن مسروق الثوري ويزيد بن أبي مريم ومحارب بن دثار وغيرهم.
الخامس: أبو عَبس بفتح المهملة وسكون الموحدة ابن جبر بن عمرو بن زيد بن جشم بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي. قيل: كان اسمه في الجاهلية عبد العزى، وقيل: معبد فسماه النبي ﷺ عبد الرحمن قال ابن الكلبي: هو أحد مَنْ قتل كعب بن الأشرف وكذا قال ابن منده، وذكره موسى بن عقبة وغيره فيمن شهد بدرًا، وقيل كان عمره يومئذ ثمانيًا وأربعين سنة وكان هو وأبو بردة يكسران أصنام بني حارثة حين أسلما.
стр. 4574
وقال الزبير بن بكار: أعطى رسول الله ﷺ أبا عبس بن جبر بعدما ذهب بصره عصا. فقال: "تنّور بهذه، فكانت تضيء له ما بين كذا وكذا". قال ابن سعد: آخى النبي ﷺ بينه وبين حبيش بن حذافة. له خمسة أحاديث انفرد له البخاري بحديث، وليس له عندهما سواه.
روى عنه ولده زيد وحفيده أبو عبس بن محمد بن أبي عبس وعباية بن رفاعة مات سنة أربع وثلاثين وهو ابن سبعين سنة وصلّى عليه عثمان.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والسماع والقول والأولان من رواته مدنيان، والآخران دمشقيان، وفيه رواية تابعي عن تابعي أخرجه البخاري أيضًا في الجهاد وكذلك الترمِذِيّ والنَّسائيّ.
стр. 4575
الحديث الحادي والثلاثون
حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ قَالَ: الزُّهْرِيُّ: عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَحَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَلاَ تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا تَمْشُونَ عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا.
مطابقته للترجمة من حيث وجود لفظ السعي في كل مهما مع الإشارة إلى أن بين لفظي السعي فيهما مغايرة؛ لأن السعي المذكور في قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ المذكور في الترجمة غير السعي المذكور في الحديث، فإن المذكور في الآية المأمور به مُفسر بالمضي والذهاب والمذكور في الحديث مفسر بالعدو وحيث قابله بالمشي في قوله وأتوها تمشون. وهذا الحديث قد مرّ في آخر كتاب "الأذان" في باب (لا يسعى إلى الصلاة وليأتها بالسكينة والوقار). وقد استوفى الكلام عليه هناك.
رجاله ثمانية:
قد مرّوا، مرّ أبو اليمان وشعيب في السابع من بدء الوحي، ومرّ الزهري في الثالث منه وأبو سلمة في الرابع منه وآدم في الثالث من الإيمان وسعيد بن المسيب في التاسع عشر منه وأبو هريرة في الثاني منه، ومرّ ابن أبي ذيب في الستين من العلم. وهذا الحديث مرّ الكلام عليه في آخر كتاب الأذان.
стр. 4576
الحديث الثاني والثلاثون
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِىٍّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قُتَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ لاَ أَعْلَمُهُ إِلاَّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لاَ تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ.
قوله: "قال أبو عبد الله" هو المصنف، وهذا في رواية المستملي وحده وكأنه وقع عنده توقف في وصله: لكونه كتبه من حفظه أو لغير ذلك وهو في الأصل موصول لا ريب فيه، فقد أخرجه الإسماعيلي عن عمرو بن علي شيخ البخاري فيه عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه ولم يشك، وأصله في رواية ابن عساكر عن عبد الله بن قتادة عن أبيه عن النبي ﷺ قال: "لا تقوموا حتى تروني وعليكم السكينةُ". والحديث قد مرّ في آخر كتاب "الأذان" في باب (متى يقوم الناس إذا رأوا الإِمام عند الإقامة) واستوفيت مباحثه هناك، وموضع الحاجة منه.
قوله هنا: "وعليكم السكينةُ" قال ابن رشيد: كأن البخاري استشعر إيراد الفرق بين الساعي إلى الجمعة وغيرها بأن الساعي إلى الصلاة غير الجمعة منهي؛ لأجل ما يلحق الساعي من التعب وضيق النفس فيدخل في الصلاة وهو منبهر فينافي ذلك خوعه بخلاف الساعي إلى الجمعة فإنه في العادة يحضر قبل إقامة الصلاة، فلا تقام حتى يستريح مما يلحقه من الانبهار وغيره، وكأنه استشعر هذا الفرق فأخذ يستدل على أن كل ما آل إلى إذهاب الوقار منع منه، فاشتركت الجمعة مع غيرها في ذلك.
رجاله ستة:
قد مرّوا إلْا أبا قتيبة، مرّ عمرو بن علي في السابع والأربعين من الوضوء ومرّ عبد الله بن أبي قتادة وأبوه في التاسع عشر منه، ومرّ علي بن المبارك في متابعة بعد الرابع والثلاثين من كتاب الأذان، ومرّ يحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من العلم، وأبو قتيبة هو سَلم بفتح السين بن قتيبة الشعيري الخراساني الفريابي نزيل البصرة، وثقه ابن معين وأبو داود والدارقطني وأبو زرعة وغيرهم. وقال يحيى بن سعيد ليس هو من جمال المحامل، وقال أبو حاتم: كان كثير الوهم، قال في "المقدمة" له في البخاري ثلاثة أحاديث أو أربعة. وروى له أصحاب "السنن" روى عن يونس بن أبي إسحاق وإسرائيل بن يونس، وعلي بن المبارك ومالك وشعبة وغيرهم. وروى عنه
стр. 4577
عمرو بن علي الفلاّس وعقبة بن مكرم وبندار وأبو موسى وغيرهم. مات في جمادى الأولى سنة مائتين والشعيري في نسبه نسبة إلى إقليم الشعيرة بلد بحمص. ثم قال المصنف:
بابٌ لا يفرق بين اثنين
باب بالتنوين ولا ناهية والفعل من التفريق مبني للفاعل والمفعول. قال الزين بن المنير: التفرقة بين اثنين تتناول القعود بينهما وإخراج أحدهما والقعود مكانه، وقد يطلق على مطلق التخطي وفي التخطي زيادة رفع رجليه على رؤوسهما أو أكتافهما، وربما تعلق بثيابهما شيء مما برجليه. وقد نقل ابن المنذر عن الجمهور كراهة التخطي واختار التحريم، وبه جزم النووي في "زوائد الروضة" والأكثر على أنها كراهة تنزيه ونقله الشيخ أبو حامد عن نص الشافعي. والمشهور عند الشافعية الكراهة كما جزم به الرافعي، نعم لا يكره للإِمام إن لم يبلغ المحراب إلا بالتخطي لاضطراره إليه ومَنْ وجد فرجة لا يبلغها إلا بتخطي صف أو صفين لا يكره وإن وجد غيرها؛ لتقصير القوم بإخلاء الفرجة لكن يستحب له إن وجد غيرها أن لا يتخطى.
وعند مالك يجوز التخطي قبل جلوس الخطيب إن كان لفرجة وإلا كره كراهة تنزيه، وبعد جلوسه على المنبر يحرم ولو لفرجة. والتخطي المراد به تخطي الرقاب من صف إلى صف، وأما المشي بين الصفوف فجائز ولو في حال الخطبة. وبقول مالك: قال الأوزاعي: والأحاديث الواردة في الزجر عن التخطي مخرجة في "المسند" و"السنن" وفي غالبها ضعف وأقوى ما ورد فيه ما أخرجه أبو داود والنسائي عن أبي الزاهر قال: "كنا مَع عبدِ اللهِ بن بسرٍ صاحب النبيِّ ﷺ فذكرَ أنَّ رجلًا جاءَ يتخطى، والنَّبيُّ ﷺ يخطبُ فقال: اجلسْ فقد آذيت". وزاد ابن ماجَه والحاكم "وآنيت" أي: تأخرت وأبطأت.
ولأبي داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه: "مَنْ تخطى رقابَ الناس كانتْ له ظهرًا" أي: لا تكون له كفارة لما بينهما.
وفي الطبراني: "أنه ﵊ قال لرجلٍ: رأيتُكَ تخطى رقابَ الناس وتؤذيهمْ، مَنْ آذى مسلمًا فقد آذاني، ومَنْ آذاني فقد آذى اللهَ".
وللتِّرمِذِيّ: "مَنْ تخطى رقابَ الناسِ يومَ الجُمعةِ اتخذَ جسرًا إلى جهنّمَ". قال العراقي المشهور اتخذ مبنيًا للمفعول أي: (ويجعل جسرًا على طريق جهنم) ليوطأ ويتخطى كما تخطى رقاب الناس فإن الجزاء من جنس العمل، ويحتمل أن يكون مبنيًا للفاعل أي: (اتخذ لنفسه جسرًا يمشي عليه إلى جهنم) بسبب ذلك.
ويستدل على ما ذهب إليه مالك من التفرقة بما أخرجه أحمد في "مسنده" عن الأرقم عن النبي ﷺ أنه قال: "إنّ الذي يتخطى رقابَ الناس ويفرّقُ بين خروجِ الإِمام كالجارِّ قُصبهُ في النارِ". والقصب بضم القاف المِعَى جمعه أقصاب. وقيل: اسم للأمعاء كلها، وقيل: اسم لما كان أسفل
стр. 4578
البطن من الأمعاء.
وعند الحنفية لا بأس بالتخطي والدنو من الإِمام إذا لم يؤذِ الناس، وقيل: لا بأس به إذا لم يأخذ الإِمام في الخطبة، ويكره إن أخذ واقتصر أصحاب أحمد على الكراهة فقط. وأما تزحزح رجلين عن مكانهما والجلوس بينهما، فيأتي إن شاء الله تعالى في الباب الثاني.
الحديث الثالث والثلاثون
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ وَدِيعَةَ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَتَطَهَّرَ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، ثُمَّ ادَّهَنَ أَوْ مَسَّ مِنْ طِيبٍ، ثُمَّ رَاحَ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَصَلَّى مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ إِذَا خَرَجَ الإِمَامُ أَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى.
رجاله سبعة:
مرّوا، مرّ عبدان وابن المبارك في السادس من بدء الوحي، ومرّ ابن أبي ذيب في الستين من العلم، ومرّ سعيد المقبريَّ في الثاني والثلاثين من الإيمان، ومرّ أبوه كيسان في السادس والعشرين من صفة الصلاة، ومرّ عبد الله بن وديعة وسلمان الفارسي في الثامن من كتاب الجمعة هذا. ثم قال المصنف:
باب لا يقيم الرجل أخاه يوم الجمعة ويقعد مكانه
(لا) نافية والفعل مرفوع، والخبر في معنى النهي. "ويقعد" بالرفع عطف على يقيم أو على أن الجملة حالية أي: (وهو يقعد) أو بالنصب بتقدير أن، فعلى الأول كل من الإقامة والقعود منهي عنه، وعلى الثاني والثالث النهي عن الجمع بينهما حتى لو أقامة ولم يقعد لم يرتكب النهي.
قلت: بعيد جدًا إذ كيف يسلم من ارتكاب النهي في إقامته لمسلم من مكانه بدون فائدة، وهذه الترجمة المقيدة بيوم الجمعة ورد فيها حديث صحيح لكنه ليس على شرط البخاري. أخرجه مسلم عن جابر بلفظ: "لا يقيمن أحدُكم أخاه يومَ الجمعةِ ثم يخالفُ إلى مقعدِهِ فيقعَد فيه، ولكن يقولُ: "تفسحوا" لكنه أشار إليه بالقيد المذكور في الترجمة على عادته، ويؤخذ منه أن الذي يتخطى بعد الاستئذان خارج عن حكم النهي.
стр. 4579
الحديث الرابع والثلاثون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُقِيمَ الرَّجُلُ أَخَاهُ مِنْ مَقْعَدِهِ وَيَجْلِسَ فِيهِ. قُلْتُ لِنَافِعٍ: الْجُمُعَةَ؟ قَالَ: الْجُمُعَةَ وَغَيْرَهَا.
قوله: "أن يقيم الرجل أخاه" أي: نهى عن إقامة الرجل أخاه (فأن) مصدرية. وقوله: "أخاه" لا مفهوم له، بل ذكر لمزيد التنفير عن ذلك لفتحة؛ لأنه إن فعله من جهة الكبر كان قبيحًا، وإن فعله من جهة الأثرة كان أقبح.
قلت: المراد بأخاه إخوة الإيمان، فلا يحتاج لما ذكر ويكون مفهومه جواز إقامة الكافر ونحوه كما يأتي. وفي نسخة لأبوي ذرٍّ والوقت: "أن يقيم الرجلُ الرجلَ" وقد أخرجه مسلم عن عبيد الله بن عمر بلفظ: "لا يقيم الرجلُ الرجلَ من مقعده ثم يجلس فيه".
وقوله: "ويجلسَ فيه" بالنصب عطفًا على "أن يقيم" أي: (وأن يجلسَ). والمعنى أن كل واحد منهى عنه وظاهر النهي التحريم، فلا يصرف عنه إلا بدليل، فلا يجوز أن يقيم أحدًا من مكانه ويجلس فيه؛ لأن من سبق إلى مباح فهو أحق به. وقيل: النهي للأدب إذ الذي يجب للعالم أن يليه أهل الفهم والنهى.
واحتج الحامل على ظاهره بالحديث الذي أخرجه مسلم عن أبي هريرة رفعه: "إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به" قالوا: فلما كان أحق به بعد رجوعه ثبت أنه حقه قبل أن يقوم، ويتأيد ذلك بفعل ابن عمر الراوي للحديث وهو أعلم بالمراد منه فقد روى البخاري عنه في "الأدب المفرد" بلفظ: "وكان ابن عمر إذا قام له رجل من مجلسه لم يجلس فيه". وأخرجه البخاري في "الاستئذان". وأخرجه مسلم عن ابن عمر، وورد مرفوعًا عن ابن عمر أخرجه أبو داود عنه قال: "جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقام له رجلٌ من مجلسه، فذهب ليجلس فنهاه رسول الله ﷺ ".
وله أيضًا: "عن سعيد بن أبي الحسن جاءنا أبو بكرة فقام له رجلٌ من مجلسه فأبى أنْ يجلس فيه وقال: إن النبي نهى عن هذا"، وأخرجه الحاكم وصححه من هذا الوجه لكن لفظه كلفظ ابن عمر الذي في "الصحيح" وهو: وكان ابن عمر يكره أن يقوم الرجل من مجلسه ثم يجلس مكانه، فكأن أبا بكرة حمل النهي على المعنى الأعم وأجاب من حمله على الأدب بأن الموضع في الأصل
стр. 4580
ليس ملكه قبل الجلوس، ولا بعد المفارقة فدل على أن المراد بالحقية في حالة الجلوس الأولوية، فيكون من قام تاركًا له قد سقط حقه جملة، ومَنْ قام ليرجع يكون أولى.
وقد سئل مالك عن حديث أبي هريرة فقال: ما سمعت به، وإنه لحسن إذا كانت أوبته قريبة وأن بعد فلا أرى ذلك له، ولكنه من محاسن الأخلاق. وقال القرطبي في "المفهم": هذا الحديث يدل على صحة القول بوجوب اختصاص الجالس بموضعه إلى أن يقوم منه، وما احتج به من حمله على الأدب لكونه ليس ملكًا له لا قبل ولا بعد ليس بحجة؛ لأنا نسلّم أنه غير مالك له لكن يختص به إلى أن يفرغ غرضه منه كأنه ملك منفعته، فلا يزاحمه غيره عليه.
قال النووي: قال أصحابنا: هذا في حق مَنْ جلس في موضع من المسجد أو غيره لصلاة مثلًا، ثم فارقه ليعود إليه كإرادة الوضوء مثلًا أو لشغل يسير، ثم يعود لا يبطل اختصاصه به، وله أن يقيم مَنْ خالفه وقعد فيه وعلى القاعد أن يطيعه، واختلف هل يجب عليه؟ على وجهين أصحهما الوجوب. وقيل: يستحب، وهو مذهب مالك. قال أصحابنا: وإنما يكون أحق به في تلك الصلاة دون غيرها.
وقال عياض: اختلف العلماء فيمن اعتاد موضعًا من المسجد للتدريس والفتوى، فحكى عن مالك أنه أحق به إذا عرف به قال: والذي عليه الجمهور أن هذا استحسان وليس بحق واجب، ولعله مراد مالك، وكذا قالوا في مقاعد الباعة من الأفنية والطرق التي هي غير متملكة. قالوا: مَنْ اعتاد الجلوس في شيء منها فهو أحق به حتى يتم غرضه. قال: وحكاه الماوردي عن مالك قطعًا للتنازع. قال القرطبي: الذي عليه الجمهور أنه غير واجب. وقال النووي: استثنى أصحابنا من عموم قوله: "لا يقيمن أحدكم الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه من ألف من المسجد موضعًا يفتي فيه أو يقرىء فيه قرآنًا أو علمًا فله أن يقيم مَنْ سبقه إلى القعود فيه". وفي معناه مَنْ سبق إلى موضع من الشوارع ومقاعد الأسواق لمعاملة ولو قام الجالس باختياره وأجلس غيره، فلا كراهة في جلوس غيره فيه، ولو بعث مَنْ يقعد له في مكان ليقوم عنه إذا جاء هو جاز أيضًا من غير كراهة، ولو فرش له نحو سجادة فلغيره تنحيتها والصلاة مكانها؛ لأن السبق بالأجسام لا بما يفرش، ولا يجوز له الجلوس عليها بغير رضاه نعم لا يرفعها بيده أو غيرها لئلا تدخل في ضمانه.
قال النووي: وأما ما نسب إلى ابن عمر فهو ورع منه وليس قعوده فيه حرامًا إذا كان ذلك برضى الذي قام لكنه تورع منه لاحتمال أن يكون الذي قام لأجله استحيى منه، فقام عن غير طيب نفسه فسد الباب ليسلم من هذا أو رأى أن الإِيثار بالقرب مكروه أو خلاف الأولى، فكان يمتنع لأجل ذلك لئلا يرتكب أحد ذلك بسببه. قال علماؤنا: وإنما يحمد الإِيثار بحظوظ النفس وأُمر الدنيا.
وقال ابن أبي جمرة: هذا اللفظ عام في المجالس، ولكنه مخصوص بالمجالس المباحة إما على العموم كالمساجد ومجالس الحكام والعلم، وإما على الخصوص كمن يدعو قومًا بأعيانهم
стр. 4581
إلى منزله لوليمة ونحوها، وإما المجالس التي ليس للشخص فيها ملك ولا إذن له فيها فإنه يقام ويخرج منها، ثم هو في المجالس العامة وليس عامًا في الناس بل هو خاص بغير المجانين. ومن يحصل منه الأذى كآكل الثوم التي إذا دخل المسجد والسفيه إذا دخل مجلس العلم أو الحكم. قال: والحكمة في هذا النهي منع استنقاص حق المسلم المؤدي للضغائن والحث على التواضع المقتضي للموادة، وأيضًا فالناس في المباح كلهم سواء فمن سبق إلى شيء استحقه، ومن استحق شيئًا فأخذ منه بغير حق فهو غصب، والغصب حرام، فعلى هذا قد يكون بعض ذلك على سبيل الكراهة، وبعضه على سبيل التحريم وفي رواية نافع في الاستئذان زيادة، ولكن تفسحوا وتوسعوا ومعنى الأول أن يتوسعوا فيما بينهم، ومعنى الثاني أن ينضم بعضهم إلى بعض حتى يفضل من الجمع مجلس للداخل.
وقوله: "قلت لنافع: الجمعة؟ قال: الجمعةَ وغيرها" بالنصب في الثلاثة على نزع الخافض أي: في الجمعة وغيرها، ولأبي ذرٍّ بالرفع في الثلاثة على الابتداء وغيرها عطف عليه والخبر محذوف أي: الجمعة وغيرها متساويان في النهي عن التخطي في مواضع الصلوات. قال في "الفتح": كأن البخاري اغتنى عن حديث مسلم المار في الترجمة المصرح فيه بالجمعة بعموم حديث ابن عمر المذكور في الباب وبالعموم المذكور احتج نافع حين سأله ابن جريج عن الجمعة.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ محمد بن سلام في الثالث عشر من الإِيمان، ومرّ مخلد بن يزيد في المئة والعشرين من صفة الصلاة، ومرّ ابن جريج في الثالث من الحيض، ومرَّ نافع في الأخير من العلم، ومرّ ابن عمر في أول كتاب الإِيمان قبل ذكر حديث منه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث والإخبار بالجمع وفيه السماع والقول. وشيخ البخاري من أفراده ورواته ما بين بخاري وحرانيَّ ومكيّ ومدنيّ أخرجه مسلم في الاستئذان ثم قال المصنف:
стр. 4582
باب الأذان يوم الجمعة
أي متى يشرع.
الحديث الخامس والثلاثون
حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كَانَ النِّدَاءُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوَّلُهُ إِذَا جَلَسَ الإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ ﵁ وَكَثُرَ النَّاسُ زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ.
قوله: "عن السائب بن يزيد" في رواية عقيل عن الزهري أن السائب بن يزيد أخبره. وفي رواية يونس عنه سمعت السائب وسيأتيان بعد هذا، وقوله: "كان النداء يوم الجمعة" أي: الأذان في رواية أبي عامر عن ابن أبي ذيب عند ابن خزيمة كان ابتداء النداء الذي ذكره الله في القرآن يوم الجمعة، وله عن وكيع عن ابن أبي ذيب: "كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر أذانين يوم الجمعة" يريد الأذان والإقامة تغليبًا أو لاشتراكهما في الإِعلام كما في الحديث السابق بين كل أذانين صلاة لمن شاء.
وقوله: "أوله" بالرفع بدل من النداء. وقوله: "إذا جلس الإِمام على المنبر" في رواية أبي عامر المذكورة إذا خرج الإِمام وإذا أقيمت الصلاة، وكذا للبيهقي عن ابن أبي فديك عن ابن أبي ذيب وكذا في رواية الماجشون الآتية عن الزهري ولفظه: "وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإِمام على المنبر" وأخرجه الإِسماعيلي عن الماجشون بدون قوله يعني. وللنسائي من رواية سليمان التيمي عن الزهري: "كان بلال يؤذن إذا جلس النبي ﷺ على المنبر فإذا نزل أقام" قال المهلب: الحكمة في جعل الأذان في هذا المحل ليعرف الناس جلوس الإِمام على المنبر فينصتون له إذا خطب وفيه نظر، فإن في سياق ابن إسحاق عند الطبراني وغيره عن الزهري في هذا الحديث: "أن بلالًا كان يؤذن على باب المسجد"، فالظاهر أنه كان لمطلق الإِعلام لا لخصوص الإنصات نعم، لما زيد الأذان الأول كان للإعلام وكان الذي بين يدي الخطيب للإِنصات.
وقوله: "فلما كان عثمان" أي: خليفة. وقوله: "وكثر الناس" أي: بالمدينة صرّح به في رواية الماجشون وظاهره أن عثمان أمر بذلك في ابتداء خلافته لكن عند أبي نعيم في المستخرج أن ذلك كان بعد مضي مدة من خلافته وفي رواية وكيع عن ابن أبي ذيب فأمر عثمان بالأذان الأول ونحوه للشافعي من هذا الوجه ولا منافاة بينهما؛ لأنه باعتبار كونه جعل مقدمًا على الأذان والإقامة يسمى أولًا وباعتبار كونه مزيدًا يسمى ثالثًا، وكانت مشروعية عثمان له باجتهاده وموافقة سائر الصحابة له
стр. 4583
بالسكوت وعدم الإِنكار، فصار إجماعًا سكوتيًا، ولفظ رواية عقيل الآتية بعد بابين أن التأذين بالثاني أمر به عثمان وتسميته ثانيًا أيضًا متجهة بالنظر إلى الأذان الحقيقي لا الإِقامة.
وقوله: "على الزَوراء" أي: بفتح الزاي وسكون الواو بعدها راء ممدودة. وقوله: "قال أبو عبد الله" هو المصنف، وهذا في رواية أبي ذرٍّ وحده وما فسر به الزوراء هو المعتمد وجزم ابن بطال بأنه حجر كبير عند باب المسجد، وفيه نظر لما في رواية ابن إسحاق عن الزهري عند ابن خزيمة وابن ماجه بلفظ زاد النداء الشاك على دار في السوق يقال لها الزوراء.
وفي رواية عند الطبراني: "فأمر بالنداء الأول على دار له يقال لها الزوراء فكان يؤذن له عليها فإذا جلس على المنبر أذن مؤذنه الأول فإذا نزل أقام الصلاة". وفي رواية من هذا الوجه أذن بالزوراء قبل خروجه ليعلم الناس أن الجمعة قد حضرت، وفي مسلم عن أنس "أن نبي الله وأصحابه كانوا بالزوراء، والزوراء بالمدينة عند السوق". زاد أبو عامر عن ابن أبي ذيب "فثبت ذلك حتى الساعة" وسيأتي قريبًا نحوه عن يونس بلفظ: "فثبت الأمر كذلك" والذي يظهر أن الناس أخذوا بفعل عثمان في جميع البلاد إذ ذاك لكونه خليفة مطاع الأمر، لكن ذكر الفاكهاني أن أول مَنْ أحدث الأذان الأول (بمكة) الحجاج و (بالبصرة) زياد قال في "الفتح": بلغني أن أهل (المغرب) الأدنى الآن لا تأذين عندهم سوى مرة. قلت: وهم إلى الآن كذلك، وروى ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: الأذان الأول يوم الجمعة بدعة فيحتمل أن يكون قال ذلك على سبيل الإنكار، ويحتمل أنه يريد أنه لم يكن في زمن النبي ﷺ وكل ما لم يكن في زمنه يسمى بدعة، لكن منها ما يكون حسنًا ومنها ما يكون بخلاف ذلك، وتبيّن بما مضى أن عثمان أحدثه لإِعلام الناس بدخول وقت الصلاة قياسًا على بقية الصلوات فألحق الجمعة بها وأبقى خصوصيتها بالأذان بين يدي الخطيب، وفيه استنباط معنى من الأصل لا يبطله.
وأما ما أحدث قبل وقت الجمعة من الدعاء إليها بالذكر والصلاة على النبي ﷺ فهو في بعض البلاد دون بعض واتباع السلف الصالح أولى، وقد ورد ما يخالف حديث الباب من أن عمر هو الذي زاد الأذان، ففي تفسير جويبر عن مكحول عن معاذ أن عمر أمر مؤذنين أن يؤذنا خارج المسجد للناس الجمعة حتى يسمع الناس، وأمر أن يؤذن بين يديه كما كان في عهد النبي ﷺ وأبي بكر، ثم قال عمر نحن ابتدعناه لكثرة المسلمين وهذا منقطع بين مكحول ومعاذ، ولا يثبت.
وقد تواردت الروايات بأن عثمان هو الذي زاد فهو المعتمد.
وقد أخرج أيضًا عبد الرزاق عن ابن جريج. قال سليمان بن موسى: أول من زاد الأذان بالمدينة عثمان فقال عطاء: كلا إنما كان يدعو الناس دعاء ولا يؤذن غير أذان واحد وعطاء لم يدرك عثمان فرواية مَنْ أثبت ذلك عنه مقدمة على إنكاره، ويمكن الجمع بأن الذي ذكره عطاء هو الذي كان في زمن عمر واستمر على عهد عثمان ثم رأى أن يجعله أذانًا وأن يكون على مكان عالٍ، ففعل
стр. 4584
ذلك فنسب إليه لكونه بألفاظ الأذان، وترك ما كان فعله عمر؛ لكونه مجرد إعلام.
وقد تواردت الشراح على أن معنى قوله الأذان الثالث أن الأولين: الأذان، والإقامة، لكن نقل الداودي أن الأذان أولًا كان في سفل المسجد، فلما كان عثمان جعل من يؤذن على الزوراء، فلما كان هشام بن عبد الملك جعل من يؤذن بين يديه فصاروا ثلاثة، فسمى فعل عثمان ثالثًا لذلك.
وهذا الذي قاله مردود، وليس له فيه سلف وهو خلاف الظاهر فتسمية ما أمر به عثمان ثالثًا يستدعي سبق اثنين قبله، وهشام إنما كان بعد عثمان بثمانين سنة. واستدل البخاري بهذا الحديث أيضًا على الجلوس على المنبر قبل الخطبة خلافًا لبعض الحنفية، قاله في "الفتح" ورده العيني قائلًا: إن مذهبه هو ما ذكره صاحب "الهداية": وإذا صعد الإِمام على المنبر جلس وأذن المؤذنون بين يدي المنبر بذلك جرى التوارث واختلف في جلوس الإِمام على المنبر قبل الخطبة هل هو للأذان أو لراحة الخطيب، فعلى الأول يسن في العيد؛ لأنه لا أذان له، وعلى أن الأذان قبل الخطبة، وعلى أن الخطبة قبل الصلاة؛ لأن الأذان لا يكون إلا قبل الصلاة، وإذا كان يقع حين يجلس الإِمام على المنبر دلّ على سبق الخطبة للصلاة ودلّ على أن الذي يؤذن بين يدي الخطيب واحد.
ونقله ابن عبد الحكم عن مالك، ونص عليه الشافعي، ويشهد له حديث السائب الآتي قريبًا
"لم يكن لرسول الله ﷺ غير مؤذن واحد". وروى ابن القاسم عن مالك ما يدل على التعدد، وحكاه الطحاوي. وعن أبي حنيفة وأصحابه ويشهد له ما في حديث ثعلبة بن أبي مالك القرظي أنهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب يصلّون يوم الجمعة حتى يخرج عمر ﵁ ويجلس على المنبر ويؤذن المؤذنون.
رجاله أربعة:
وفيه ذكر أبي بكر وعمر وعثمان، وقد مرّ الجميع، ومرّ ابن أبي ذيب في الستين من العلم، ومرّ عثمان في تعليق بعد الخامس منه، ومرّ السائب في الخامس والخمسين من الوضوء وأبو بكر بعد الحادي والسبعين منه في باب (من لم يتوضأ من لحم الشاة). أخرجه البخاري في الجمعة أيضًا عن أبي نعيم وأبو داود في الصلاة، وكذا الترمِذِيّ والنَّسائيّ وابن ماجه. ثم قال المصنف:
стр. 4585
باب المؤذن الواحد يوم الجمعة
أشار بهذه الترجمة إلى الرد على ما ذكره ابن حبيب أنه كان ﷺ إذا رَقِيَ المنبر وجلس أذّنَ المؤذنونَ وكانوا ثلاثةً واحدًا بعد واحد فإذا فرغ الثالث قام فخطب فإنه دعوى تحتاج لدليل ولم يَر ذلك صريحًا في طريق متصلة يثبت مثلها. قال في "الفتح" ثم وجدته في مختصر البويطي عن الشافعي.
الحديث السادس والثلاثون
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّ الَّذِي زَادَ التَّأْذِينَ الثَّالِثَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ حِينَ كَثُرَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّبِىِّ ﷺ مُؤَذِّنٌ غَيْرَ وَاحِدٍ، وَكَانَ التَّأْذِينُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ، يَعْنِي عَلَى الْمِنْبَرِ.
زاد في هذه الرواية عن التي قبلها "ولم يكن للنبي ﷺ مؤذن غير واحد". ومثله للنسائي وأبي داود من رواية صالح بن كيسان، ولأبي داود وابن خزيمة من رواية ابن إسحاق كلاهما عن الزهري وهو ظاهر في إرادة نفي تأذين اثنين معًا، والمراد أن الذي كان يؤذن هو الذي كان يقيم، والمؤذن الراتب هو بلال وأما أبو مَحْذورة وسعد القرظ فكان كل منهما بمسجده الذي رتب فيه، فكان سعد القرظ مؤذنًا (بقباء)، وأبو مَحْذورة مؤذنًا (بمكة)، وأما ابن أم مكتوم فلم يرد أنه كان يؤذن إلا في الصبح، وأما الحارث الصدائي فإنه تعلم الأذان ليؤذن لقومه.
رجاله أربعة:
وفيه ذكر عثمان وقد مرّوا، مرّ ذكر محل الزهري والسائب وعثمان في الذي قبله، ومرّ أبو نعيم في الخامس والأربعين من الإيمان، ومرّ عبد العزيز الماجشون في الأربعين من العلم. ثم قال المصنف:
стр. 4586
باب يجيب الإمام على المنبر إذا سمع النداء
في رواية كريمة يؤذن بدل يجيب، فكأنه سماه أذانًا لكونه بلفظه.
الحديث السابع والثلاثون
حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. قَالَ مُعَاوِيَةُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: وَأَنَا. فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: وَأَنَا. فَلَمَّا أَنْ قَضَى التَّأْذِينَ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى هَذَا الْمَجْلِسِ حِينَ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ يَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ مِنِّي مِنْ مَقَالَتِي.
قوله: "عن أبي أُمامة" في رواية الإسماعيلي: "سمعت أبا أمامة". وقوله: "وأنا" أي: أشهد أو أقوله مثله. وقوله: "فلما أن قضى" أي: فرغ و (أن) زائدة، سقطت في رواية الأصيلي. وللكشميهني "فلما أن انقضى" أي: انتهى.
وفي هذا الحديث من الفوائد: تعلم العلم وتعليمه من الإِمام وهو على المنبر، وأن الخطيب يجيب المؤذن وهو على المنبر، وأن قول المجيب وأنا كذلك ونحوه يكفي في إجابة المؤذن، وفيه إباحة الكلام قبل الشروع في الخطبة، وأن التكبير في أول الأذان غير مرجع. قال في "الفتح": وفيها نظر، ولم أفهم وجه النظر فإن أخذهما من الحديث ظاهر، وفيه الجلوس قبل الخطبة وقد مرّت مباحثه في الأذان في باب (ما يقول إذا سمع المنادي).
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ محمد بن مقاتل في السادس من العلم، ومرَّ معاوية في الثالث عشر منه، ومرّ عبد الله بن المبارك في السادس من بدء الوحي، ومرّ أبو بكر بن عثمان في السادس والعشرين من كتاب مواقيت الصلاة، ومرّ أبو أُمامة في السادس عشر من الإيمان.
لطائف إسناده:
فيه التحديث والإخبار بالجمع والعنعنة والسماع والقول، ورواته ما بين مروزي ومدني. أخرجه البخاري فيما مضى في المواقيت، وتكلمنا عليه هناك. وأخرجه النسائي في الصلاة وفي اليوم والليلة. ثم قال المصنف:
стр. 4587
باب الجلوس على المنبر عند التأذين
أشار الزين بن المنير إلى أن مناسبة هذه الترجمة الإشارة إلى خلاف من قال الجلوس على المنبر عند التأذين غير مشروع، وهو عن بعض الكوفيين. وقد مرَّ في باب (الأذان يوم الجمعة). رد العيني على مَنْ عزاه لأبي حنيفة وهو سنة عند الجمهور، والحكمة فيه سكون اللغط والتهيؤ للإنصات والاستنصات لسماع الخطبة وإحضار الذهن للذكر.
الحديث الثامن والثلاثون
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ أَنَّ التَّأْذِينَ الثَّانِيَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَمَرَ بِهِ عُثْمَانُ حِينَ كَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ التَّأْذِينُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ.
وهذه رواية من حديث السائب، وقد مرّت مباحثه عند الرواية الأولى.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّت الأربعة الأول في الثالث من بدء الوحي بهذا النسق، ومرَّ السائب في الخامس والخمسين من الوضوء. ثم قال المصنف:
стр. 4588
باب التأذين عند الخطبة
أي عند إرادتها.
الحديث التاسع والثلاثون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: إِنَّ الأَذَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَانَ أَوَّلُهُ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ فَلَمَّا كَانَ فِي خِلاَفَةِ عُثْمَانَ ﵁ وَكَثُرُوا، أَمَرَ عُثْمَانُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِالأَذَانِ الثَّالِثِ، فَأُذِّنَ بِهِ عَلَى الزَّوْرَاءِ، فَثَبَتَ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ.
هذه رواية قريبة من الرواية الأولى وقد مرّت مباحثه عند الرواية الأولى.
رجاله خمسة:
وفيه ذكر أبي بكر وعمر وعثمان، وقد مرَّ ذكر محل أكثرهم في الثالث والثلاثين قبله، ومرّ محمد بن مقاتل في السادس من العلم، وابن المبارك في السادس من بدء الوحي، ويونس في متابعة بعد الرابع منه. ثم قال المصنف:
стр. 4589
باب الخطبة على المنبر
أي: مشروعيتها، ولم يقيدها بالجمعة ليتناولها ويتناول غيرها، ثم قال: وقال أنس خطب النبي ﷺ على المِنْبَر، وهذا التعليق طرف من حديث مطول وصله البخاري في الاعتصام وفي الفتن وفي الاستسقاء في قصة الذي قال: "هلك المال"، ويأتي الكلام عليه ثم، وأنس مرّ في السادس من الإيمان.
الحديث الأربعون
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيُّ الْقُرَشِيُّ الإِسْكَنْدَرَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمِ بْنُ دِينَارٍ أَنَّ رِجَالاً أَتَوْا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ، وَقَدِ امْتَرَوْا فِي الْمِنْبَرِ مِمَّ عُودُهُ فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَعْرِفُ مِمَّا هُوَ، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ أَوَّلَ يَوْمٍ وُضِعَ، وَأَوَّلَ يَوْمٍ جَلَسَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى فُلاَنَةَ امْرَأَةٍ قَدْ سَمَّاهَا سَهْلٌ مُرِي غُلاَمَكِ النَّجَّارَ أَنْ يَعْمَلَ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ. فَأَمَرَتْهُ فَعَمِلَهَا مِنْ طَرْفَاءِ الْغَابَةِ ثُمَّ جَاءَ بِهَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ بِهَا فَوُضِعَتْ هَاهُنَا، ثُمَّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى عَلَيْهَا، وَكَبَّرَ وَهْوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ رَكَعَ وَهْوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ نَزَلَ الْقَهْقَرَي فَسَجَدَ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ ثُمَّ عَادَ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا وَلِتَعَلَّمُوا صَلاَتِي.
قوله: "قد امتروا" من المماراة وهي المجادلة، وقيل: من الامتراء وهو الشك ويؤيد الأول قوله في رواية عبد العزيز بن أبي حازم عند مسلم أن تماروا فإن معناه تجادلوا. قال الراغب: الامتراء والمماراة المجادلة ومنه ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ﴾ إلا مراء ظاهرًا" وقال أيضًا: المرية التردد في الشيء، ومنه فلا تكُ في مرية من لقائه.
وقوله: "والله إني لأعرف مما هو" فيه القسم على الشيء لإرادة تأكيده للسامع. وفي قوله: "ولقد رأيته أول يوم وضع وأول يوم جلس عليه" زيادة على السؤال لكن فائدته إعلامهم بقوة معرفته بما سألوه عنه. وقد مرّ في باب (الصلاة في السطوح والمنبر) أن سهلًا قال: ما بقي أحدٌ أعلم به مني.
стр. 4590
وقوله: "أرسل" إلى آخره هو شرح الجواب. وقوله: "إلى فلانة امرأة من الأنصار" في رواية أبي غسان كما سيأتي في الهبة امرأة من المهاجرين، وهو وَهْم من أبي غسان لإطباق أصحاب أبي حازم على قولهم من الأنصار، وكذا قال أيمن عن جابر كما سيأتي في "علامات النبوءة". وقد مرّ الكلام على اسمها في الباب المذكور آنفًا.
وقوله: "مُري غلامَكَ النجار" قد مرَّ في الباب المذكور ما في اسمه من الخلاف. وقوله: "فعملها من طرفاء الغابة" في رواية سفيان عن أبي حازم كما مرَّ في الباب المذكور من "أثل الغاب" ولا مغايرة بينهما فإن الأثل هو الطرفاء، وقيل: يشبه الطرفاء وهو أعظم منه والغابة بالمعجمة وتخفيف الموحدة موضع من عوالي المدينة من جهة الشام، وهي اسم قرية بالبحرين أيضًا، وأصلها كلها شجر ملتف.
وقوله: "فأرسلت" أي: المرأة تعلم بأنه فرغ. وقوله: "فأمر بها فوضعت" أنث لإرادة الدرجات والأعواد ففي رواية مسلم عن عبد العزيز بن أبي حازم فعمل له هذه الدرجات الثلاث.
وقوله: "ثم رأيت رسول الله ﷺ صلّى عليها" أي: على الأعواد، وكانت صلاته على الدرجة العليا من المنبر. وقوله: "وكبِّر وهو عليها ثم ركع وهو عليها ثم نزل القهقرى" لم يذكر في هذه الرواية القراءة بعد التكبيرة ولا القيام بعد الركوع. وقد تبيّن ذلك في رواية سفيان عن أبي حازم الماضية في الباب المذكور. ولفظه: "كبّر فقرأ وركع ثم رفع رأسه ثم رجع القهقرى". والقهقرى بالقصر المشي إلى خلف والحامل عليه المحافظة على استقبال القبلة.
وعند الطبراني عن هشام بن سعد عن أبي حازم: "فخطب الناس عليه ثم أقيمت الصلاة فكبّر وهو على المنبر" فأفادت هذه الرواية تقدم الخطبة على الصلاة.
وقوله: "في أصل المنبر" أي: على الأرض إلى جنب الدرجة السفلى منه. وقوله: "ثم عاد" زاد مسلم من رواية عبد العزيز: "حتى فرغ من صلاته".
وقوله: "ولتعلَّموا" بكسر اللام وفتح المثناة وتشديد اللام أي: لتتعلموا، وعرف منه أن الحكمة في صلاته في أعلى المنبر ليراه مَنْ قد تخفى عليه رؤيته إذا صلّى على الأرض.
ويستفاد منه أن مَنْ فعل شيئًا يخالف العادة يبين حكمته لأصحابه، وفيه مشروعية الخطبة على المنبر لكل خطيب خليفة كان أو غيره، وفيه جواز قصد تعليم المأمومين أفعال الصلاة بالفعل، وجواز العمل اليسير في الصلاة، وكذا الكثير أن تفرق. وقد مرّ البحث فيه عند حديث أُمامة في باب: (إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة). وفيه جواز ارتفاع الإمام في باب (الصلاة في السطوح) وفيه استحباب اتخاذ المنبر؛ لكونه أبلغ في مشاهدة الخطيب والسماع منه، واستحباب لافتتاح بالصلاة في كل شيء جديد إما شكرًا وإما تبركًا.
следующие страницы →