Полный текст (6 753 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.
стр. 4586
باب يجيب الإمام على المنبر إذا سمع النداء
في رواية كريمة يؤذن بدل يجيب، فكأنه سماه أذانًا لكونه بلفظه.
الحديث السابع والثلاثون
حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. قَالَ مُعَاوِيَةُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: وَأَنَا. فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: وَأَنَا. فَلَمَّا أَنْ قَضَى التَّأْذِينَ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى هَذَا الْمَجْلِسِ حِينَ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ يَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ مِنِّي مِنْ مَقَالَتِي.
قوله: "عن أبي أُمامة" في رواية الإسماعيلي: "سمعت أبا أمامة". وقوله: "وأنا" أي: أشهد أو أقوله مثله. وقوله: "فلما أن قضى" أي: فرغ و (أن) زائدة، سقطت في رواية الأصيلي. وللكشميهني "فلما أن انقضى" أي: انتهى.
وفي هذا الحديث من الفوائد: تعلم العلم وتعليمه من الإِمام وهو على المنبر، وأن الخطيب يجيب المؤذن وهو على المنبر، وأن قول المجيب وأنا كذلك ونحوه يكفي في إجابة المؤذن، وفيه إباحة الكلام قبل الشروع في الخطبة، وأن التكبير في أول الأذان غير مرجع. قال في "الفتح": وفيها نظر، ولم أفهم وجه النظر فإن أخذهما من الحديث ظاهر، وفيه الجلوس قبل الخطبة وقد مرّت مباحثه في الأذان في باب (ما يقول إذا سمع المنادي).
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ محمد بن مقاتل في السادس من العلم، ومرَّ معاوية في الثالث عشر منه، ومرّ عبد الله بن المبارك في السادس من بدء الوحي، ومرّ أبو بكر بن عثمان في السادس والعشرين من كتاب مواقيت الصلاة، ومرّ أبو أُمامة في السادس عشر من الإيمان.
لطائف إسناده:
فيه التحديث والإخبار بالجمع والعنعنة والسماع والقول، ورواته ما بين مروزي ومدني. أخرجه البخاري فيما مضى في المواقيت، وتكلمنا عليه هناك. وأخرجه النسائي في الصلاة وفي اليوم والليلة. ثم قال المصنف:
стр. 4587
باب الجلوس على المنبر عند التأذين
أشار الزين بن المنير إلى أن مناسبة هذه الترجمة الإشارة إلى خلاف من قال الجلوس على المنبر عند التأذين غير مشروع، وهو عن بعض الكوفيين. وقد مرَّ في باب (الأذان يوم الجمعة). رد العيني على مَنْ عزاه لأبي حنيفة وهو سنة عند الجمهور، والحكمة فيه سكون اللغط والتهيؤ للإنصات والاستنصات لسماع الخطبة وإحضار الذهن للذكر.
الحديث الثامن والثلاثون
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ أَنَّ التَّأْذِينَ الثَّانِيَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَمَرَ بِهِ عُثْمَانُ حِينَ كَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ التَّأْذِينُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ.
وهذه رواية من حديث السائب، وقد مرّت مباحثه عند الرواية الأولى.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّت الأربعة الأول في الثالث من بدء الوحي بهذا النسق، ومرَّ السائب في الخامس والخمسين من الوضوء. ثم قال المصنف:
стр. 4588
باب التأذين عند الخطبة
أي عند إرادتها.
الحديث التاسع والثلاثون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: إِنَّ الأَذَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَانَ أَوَّلُهُ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ فَلَمَّا كَانَ فِي خِلاَفَةِ عُثْمَانَ ﵁ وَكَثُرُوا، أَمَرَ عُثْمَانُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِالأَذَانِ الثَّالِثِ، فَأُذِّنَ بِهِ عَلَى الزَّوْرَاءِ، فَثَبَتَ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ.
هذه رواية قريبة من الرواية الأولى وقد مرّت مباحثه عند الرواية الأولى.
رجاله خمسة:
وفيه ذكر أبي بكر وعمر وعثمان، وقد مرَّ ذكر محل أكثرهم في الثالث والثلاثين قبله، ومرّ محمد بن مقاتل في السادس من العلم، وابن المبارك في السادس من بدء الوحي، ويونس في متابعة بعد الرابع منه. ثم قال المصنف:
стр. 4589
باب الخطبة على المنبر
أي: مشروعيتها، ولم يقيدها بالجمعة ليتناولها ويتناول غيرها، ثم قال: وقال أنس خطب النبي ﷺ على المِنْبَر، وهذا التعليق طرف من حديث مطول وصله البخاري في الاعتصام وفي الفتن وفي الاستسقاء في قصة الذي قال: "هلك المال"، ويأتي الكلام عليه ثم، وأنس مرّ في السادس من الإيمان.
الحديث الأربعون
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيُّ الْقُرَشِيُّ الإِسْكَنْدَرَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمِ بْنُ دِينَارٍ أَنَّ رِجَالاً أَتَوْا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ، وَقَدِ امْتَرَوْا فِي الْمِنْبَرِ مِمَّ عُودُهُ فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَعْرِفُ مِمَّا هُوَ، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ أَوَّلَ يَوْمٍ وُضِعَ، وَأَوَّلَ يَوْمٍ جَلَسَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى فُلاَنَةَ امْرَأَةٍ قَدْ سَمَّاهَا سَهْلٌ مُرِي غُلاَمَكِ النَّجَّارَ أَنْ يَعْمَلَ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ. فَأَمَرَتْهُ فَعَمِلَهَا مِنْ طَرْفَاءِ الْغَابَةِ ثُمَّ جَاءَ بِهَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ بِهَا فَوُضِعَتْ هَاهُنَا، ثُمَّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى عَلَيْهَا، وَكَبَّرَ وَهْوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ رَكَعَ وَهْوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ نَزَلَ الْقَهْقَرَي فَسَجَدَ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ ثُمَّ عَادَ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا وَلِتَعَلَّمُوا صَلاَتِي.
قوله: "قد امتروا" من المماراة وهي المجادلة، وقيل: من الامتراء وهو الشك ويؤيد الأول قوله في رواية عبد العزيز بن أبي حازم عند مسلم أن تماروا فإن معناه تجادلوا. قال الراغب: الامتراء والمماراة المجادلة ومنه ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ﴾ إلا مراء ظاهرًا" وقال أيضًا: المرية التردد في الشيء، ومنه فلا تكُ في مرية من لقائه.
وقوله: "والله إني لأعرف مما هو" فيه القسم على الشيء لإرادة تأكيده للسامع. وفي قوله: "ولقد رأيته أول يوم وضع وأول يوم جلس عليه" زيادة على السؤال لكن فائدته إعلامهم بقوة معرفته بما سألوه عنه. وقد مرّ في باب (الصلاة في السطوح والمنبر) أن سهلًا قال: ما بقي أحدٌ أعلم به مني.
стр. 4590
وقوله: "أرسل" إلى آخره هو شرح الجواب. وقوله: "إلى فلانة امرأة من الأنصار" في رواية أبي غسان كما سيأتي في الهبة امرأة من المهاجرين، وهو وَهْم من أبي غسان لإطباق أصحاب أبي حازم على قولهم من الأنصار، وكذا قال أيمن عن جابر كما سيأتي في "علامات النبوءة". وقد مرّ الكلام على اسمها في الباب المذكور آنفًا.
وقوله: "مُري غلامَكَ النجار" قد مرَّ في الباب المذكور ما في اسمه من الخلاف. وقوله: "فعملها من طرفاء الغابة" في رواية سفيان عن أبي حازم كما مرَّ في الباب المذكور من "أثل الغاب" ولا مغايرة بينهما فإن الأثل هو الطرفاء، وقيل: يشبه الطرفاء وهو أعظم منه والغابة بالمعجمة وتخفيف الموحدة موضع من عوالي المدينة من جهة الشام، وهي اسم قرية بالبحرين أيضًا، وأصلها كلها شجر ملتف.
وقوله: "فأرسلت" أي: المرأة تعلم بأنه فرغ. وقوله: "فأمر بها فوضعت" أنث لإرادة الدرجات والأعواد ففي رواية مسلم عن عبد العزيز بن أبي حازم فعمل له هذه الدرجات الثلاث.
وقوله: "ثم رأيت رسول الله ﷺ صلّى عليها" أي: على الأعواد، وكانت صلاته على الدرجة العليا من المنبر. وقوله: "وكبِّر وهو عليها ثم ركع وهو عليها ثم نزل القهقرى" لم يذكر في هذه الرواية القراءة بعد التكبيرة ولا القيام بعد الركوع. وقد تبيّن ذلك في رواية سفيان عن أبي حازم الماضية في الباب المذكور. ولفظه: "كبّر فقرأ وركع ثم رفع رأسه ثم رجع القهقرى". والقهقرى بالقصر المشي إلى خلف والحامل عليه المحافظة على استقبال القبلة.
وعند الطبراني عن هشام بن سعد عن أبي حازم: "فخطب الناس عليه ثم أقيمت الصلاة فكبّر وهو على المنبر" فأفادت هذه الرواية تقدم الخطبة على الصلاة.
وقوله: "في أصل المنبر" أي: على الأرض إلى جنب الدرجة السفلى منه. وقوله: "ثم عاد" زاد مسلم من رواية عبد العزيز: "حتى فرغ من صلاته".
وقوله: "ولتعلَّموا" بكسر اللام وفتح المثناة وتشديد اللام أي: لتتعلموا، وعرف منه أن الحكمة في صلاته في أعلى المنبر ليراه مَنْ قد تخفى عليه رؤيته إذا صلّى على الأرض.
ويستفاد منه أن مَنْ فعل شيئًا يخالف العادة يبين حكمته لأصحابه، وفيه مشروعية الخطبة على المنبر لكل خطيب خليفة كان أو غيره، وفيه جواز قصد تعليم المأمومين أفعال الصلاة بالفعل، وجواز العمل اليسير في الصلاة، وكذا الكثير أن تفرق. وقد مرّ البحث فيه عند حديث أُمامة في باب: (إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة). وفيه جواز ارتفاع الإمام في باب (الصلاة في السطوح) وفيه استحباب اتخاذ المنبر؛ لكونه أبلغ في مشاهدة الخطيب والسماع منه، واستحباب لافتتاح بالصلاة في كل شيء جديد إما شكرًا وإما تبركًا.
стр. 4591
وقال ابن بطال: إن كان الخطيب هو الخليفة فسنته أن يخطب على المنبر وإن كان غيره يخير بين أن يقوم على المنبر وعلى الأرض، وتعقبه الزين بن المنير بأن هذا خارج عن مقصود الترجمة؛ ولأنه إخبار عن شيء أحدثه بعض الخلفاء فإن كان من الخلفاء الراشدين فهو سنة، وإن كان من غيرهم فهو بالبدعة أشبه منه بالسنة. قال في "الفتح": ولعل هذا هو حكمة هذه الترجمة أشار بها إلى أن هذا التفضيل غير مستحب، ولعل مراد مَنْ استحبه أن الأصل أن لا يرتفع الإمام على المأمومين ولا يلزم من مشروعية ذلك للنبي ﷺ ثم لمن وليَ الخلافة أن يشرع لمن جاء بعدهم، وحجة الجمهور وجود الاشتراك في وعظ السامعين وتعليمهم بعض أمور الدين.
وهذا الحديث قد مرَّ كثير من مباحثه في باب (الصلاة في السطوح والمنبر).
رجاله أربعة:
قد مرّوا إلا يعقوب، وفيه ذكر رجال وفلانة امرأة من انصار وغلامك. مرّ قتيبة في الحادي والعشرين من الإيمان، ومرّ أبو حازم وسهل بن سعد في الثامن والمئة من الوضوء وأما يعقوب فهو ابن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبدٍ القاري القرشي الإسكندراني ذكره ابن حِبّان في "الثقات"، وقال أحمد وابن معين: ثقة روى عن أبيه وزيد بن أسلم وأبي حازم وسهل بن أبي صالح، وروى عنه ابن وهب وقتيبه بن سعيد ويحيى بن بكير ويحيى بن يحيى وغيرهم. مات سنة إحدى وثمانين ومئة.
والقاري في نسبه نسبة إلى (القارة) قبيلة وهم عضل والديش ابنا الهون بن خزيمة بن كنانة سموا قارة لاجتماعهم والتفاتهم لما أراد ابن الشداخ أن يفرقهم في بني كنانة وقريش، قال الشاعر:
دعونا قارةً لا تذعرونا ... فنجفلَ مثلَ إجفالِ الظليمِ
وهم رماة الحدق في الجاهلية، وهم اليوم في اليمن ينسبون إلى أسد، والنسبة إليهم قاري وفي المثل أنصف القارة من راماها زعموا أن رجلين التقيا أحدهما قاري والآخر أسدي فقال القاري: إن شئت صارعتك وإن شئت سابقتك وإن شئت راميتك. فقال: اخترت المراماة فقال القاري: انصفتني وأنشد:
قد أنصفَ القارةَ من راماها ... إنّا إذا ما فئةٌ نلقاها
نرد أولاها على أُخراها
ثم انتزع له سهمًا وشك فؤاده قال السهيلي: فمعنى المثل أن لا تنفد حجارتنا إذا رمي بها فمن راماها فقد أنصف منهم يعقوب هذا وأخواه إبراهيم ومحمد ابنا عبد الرحمن، ومنهم عبد الرحمن بن عبد القاري سمع عمر وابن أخيه إبراهيم بن عبد الله سمع علياً وإياس بن عبد حليف بني زهرة شهد فتح مصر وعبد الله بن خشيم القاري حدث هو وجده.
стр. 4592
وقد مرّ في التاسع والعشرين من الصلاة الخلاف في اسم الغلام النجار واسم المرأة مولاته. والرجال السائلون قال ابن حجر: لم أقف على أسمائهم.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والقول، وشيخ البخاري بلخي وما عدا ذلك مدني أخرجه مسلم وأبو داود والنَّسائي.
الحديث الحادي والأربعون
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَنَسٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ جِذْعٌ يَقُومُ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا وُضِعَ لَهُ الْمِنْبَرُ سَمِعْنَا لِلْجِذْعِ مِثْلَ أَصْوَاتِ الْعِشَارِ حَتَّى نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ.
قوله: "أخبرني ابن أنس" هو حفص بن عبيد الله بن أنس كما يأتي في الرواية المعلقة ونسب في هذه إلى جده. قال أبو مسعود الدمشقي في "الأطراف": إنما أبهم البخاري حفصًا؛ لأن محمد بن جعفر بن أبي كثير يقول: عبيد الله بن حفص فيقلبه كذا رواه أبو نعيم في "المستخرج" عن ابن أبي مريم شيخ البخاري، لكن أخرجه الإسماعيلي عن ابن أبي مريم فقال عن حفص بن عبيد الله على الصواب، وأخرجه الإسماعيلي عن عبد الله بن يعقوب بن إسحاق عن يحيى بن سعيد مقلوبًا. وقال: الصواب فيه حفص بن عبيد الله وفي "تاريخ البخاري" حفص بن عبيد الله بن أنس، ولا يصح عبيد الله بن حفص.
وقوله: "أصوات العِشار" بكسر المهملة بعدها معجمة، قال الجوهري: العِشار جمع عُشراء بضم ففتح وهي الناقة الحامل التي مضت لها عشرة أشهر، ولا يزال ذلك اسمها إلى أن تلد. وقال الخطابي: العِشار الحوامل من الإبل التي قاربت الولادة، ويقال: اللواتي أتى على حملهن عشرة أشهر، يقال: ناقة عشراء ونوق عُشار على غير قياس. ونقل ابن التين أنه ليس في الكلام (فعلاء) على (فعال) غير عشراء ونُفَساء وتجمع على عشراوات ونفساوات. وفي رواية عبد الواحد بن أيمن في "علامات النبوءة": "فصاحت النخلة صياح الصبي". وفي حديث الزبير عن جابر عند النسائي في الكبير اضطربت تلك السارية كحنين الناقة الخلوج والخلوج كصبور الناقة التي انتزع منها ولدها.
وفي حديث أنس عند ابن خزيمة "فحنت الخشبة حنين الوالد". وفي رواية الأخرى عند الدارمي: "خار ذلك الجذع كخوار الثور". وفي حديث أُبي بن كعب عند أحمد والدارمي وابن
стр. 4593
ماجه: "فلما جاوزه خار الجذع حتى تصدع وانشق". وفي حديثه فأخذ أُبيّ بن كعب: "ذلك الجذع لما هدم المسجد، فلم يزل عنده حتى بلي وصار رفاتًا"، وهذا لا ينافي ما في حديث أنس عند أبي عوانة وابن خزيمة، ثم أمر به فدفن.
وفي حديث أبي سعيد عند الدارمي: "فأمر به أن يحفر له ويدفن" لاحتمال أن يكون ظهر بعد الهدم عند التنظيف، فأخذه أُبي بن كعب وعند الدارمي عن بريدة أن النبي ﷺ قال له: "اختر أن أغرسك في المكان الذي كنت فيه فتكون كما كنت قبل أن تصير جذعًا، وإن شئت أن أغرسك في الجنة فتشرب من أنهارها فيحسن نبتك وتثمر فيأكل منك أولياء الله، قال النبي ﷺ اختار أن أغرسه في الجنة".
وقوله: "فوضع يده عليه". وفي "علامات النبوءة": "فأتاه فمسح يده عليه. وفي رواية الإِسماعيلي: "فأتاه فاحتضنه فسكن فقال: لو لم أفعل لما سكن"، ونحوه عند الدارمي عن ابن عباس بلفظ: "لو لم أحتضنه لحن إلى يوم القيامة". ولأبي عوانة وابن خزيمة وأبي نعيم عن أنس: "والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لما زال هكذا إلى يوم القيامة حزنًا على رسول الله ﷺ ثم أمر به فدفن". وأصله في الترمِذِيّ دون الزيادة، وعند أبي نعيم عن سهل بن سعد: "فقال: ألا تعجبون من حنين هذه الخشبة، فأقبل الناس عليها فسمعوا من حنيها حتى كثر بكاؤهم"، ووقع في حديث الحسن عن أنس: كان الحسن إذا حدّث بهذا الحديث يقول: يا معشر المسلمين الخشبة تحن إلى رسول الله ﷺ شوقًا إلى لقائه فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه.
قال البيهقي: قصة حنين الجذع من الأُمور الظاهرة التي حملها الخلف عن السلف، ورواية الأخبار الخاصة فيها كالتكلف، وفي الحديث دلالة على أن الجمادات قد يخلق الله لها إدراكًا كالحيوان بل كأشرف الحيوان، وفيه تأييد لقول مَنْ يحمل: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ على ظاهره. وقد نقل ابن أبي حاتم في "مناقب الشافعي" عنه أنه قال: ما أعطى الله تعالى نبيًا ما أعطى محمدًا، فقال له عمرو بن سواد: أعطى عيسى إحياء الموتى قال له: أعطى محمدًا حنين الجذع حخى سمع صوته فهذا أكبر من ذلك.
رجاله خمسة:
قد مرّوا إلا ابن أنس، مرَّ سعيد بن أبي مريم في الرابع والأربعين من العلم، ومرَّ محمد بن جعفر في التاسع من الحيض، ومرّ يحيى بن سعيد في الأول من بدء الوحي، ومرّ جابر في الرابع من بدء الوحي، وأما ابن أنس فهو حفص بن عبيد الله بن أنس بن مالك، ذكره ابن حِبّان في "الثقات" وقال أبو حاتم: هو أحب إليَّ من حفص بن عمر، ولا ندري أسمع من جابر وأبي هريرة أم لا. روى عن جده وجابر وابن عمر وأبي هريرة وقال أبو حاتم: لا يثبت له السماع إلا من جده، وروى عنه يحيى بن سعيد ويحيى بن كثير وأُسامة بن زيد الليثي وغيرهم. ومَنْ قال إنه عبيد الله بن
стр. 4594
حفص فقد غلط. وليس له في "البخاري" إلا هذا الحديث كما قاله الحميدي في جمعه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإخبار بالإفراد والقول والسماع، رواته ما بين مصري ومدني وبصري. ثم قال: وقال سليمان عن يحيى: أخبرني حفص بن عبيد الله بن أنس أنه سمع جابر بن عبد الله وسليمان هو ابن بلال، وزعم بعضهم أنه سليمان بن كثير؛ لأنه رواه عن يحيى بن سعيد لكن فيه نظر؛ لأن سليمان بن كثير قال فيه عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن جابر كذلك أخرجه الدارمي، فإن كان محفوظًا فليحيى بن سعيد فيه شيخان. وصله البخاري في علامات النبوءة بهذا الإسناد.
ورجاله أربعة:
مرَّ ذكر محل جابر ويحيى بن سعيد وتعريف حفص في الذي قبله وسليمان الصحيح أن المراد به سليمان بن بلال، وقد مرَّ في الثاني من الإيمان. وقيل: المراد به سليمان بن كثير العبدي أبو داود، ويقال: أبو محمد البصري. قال النسائي: لا بأس به إلا في الزهري فإنه يخطىء عليه. وقال ابن معين: ضعيف، وقال الذهلي والعقيلي: مضطرب الحديث عن الزهري، وفي غيره أثبت. وقال ابن عدي: لم أسمع أحدًا قال شيئًا في روايته عن غير الزهري، وله عن الزهري أحاديث صالحة ولا بأس به. قال في "المقدمة": روى له البخاري من حديث عن حصين وعلّق له عن الزهري متابعة. وروى له مسلم والباقون. روى عن حصين بن عبد الرحمن وحميد الطويل والزهري وعمرو بن دينار ويحيى بن سعيد وغيرهم. وروى عنه أخوه محمد بن كثير وعبد الرحمن بن مهدي وأبو الوليد الطيالسي وغيرهم. مات سنة ثلاث وثلاثين ومئة.
الحديث الثاني والأربعون
حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: مَنْ جَاءَ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ.
قوله: "يخطب على المنبر" هذا القدر هو المقصود إيراده في هذا الباب. وقد مرّ الكلام على المتن في باب (فضل الغُسل يوم الجُمُعة) ويستفاد منه أن للخطيب تعليم الأحكام على المنبر.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ آدم في الثالث من الإيمان، ومرّ سالم بن عبد الله في السابع عشر منه، ومرّ أبوه عبد الله في أوله قبل ذكر حديث منه، ومرَّ ابن أبي ذيب في الستين من العلم، ومرَّ الزهري في الثالث من بدء الوحي. ثم قال المصنف:
стр. 4595
باب الخطبة قائمًا
يأتي الكلام عليه مستوفى عند الحديث ثم قال: وقال أنس: بينا النبي ﷺ يخطب قائمًا، هذا طرف من حديث أنس الآتي في الاستسقاء، وأنس مرّ في السادس من الإيمان.
الحديث الثالث والأربعون
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ قَائِمًا ثُمَّ يَقْعُدُ ثُمَّ يَقُومُ، كَمَا تَفْعَلُونَ الآنَ.
قوله: "يخطب" زاد أحمد والبزار في روايتهما "يوم الجمعة". وقوله: "قائمًا" حال، وللنسائي والدارقطني من هذا الوجه: "كان يخطب خطبتين قائمًا يفصل بينهما بجلوس"، وغفل "صاحب العمدة" فعزا هذا اللفظ "للصحيحين". ورواه أبو داود بلفظ: "كان يخطب خطبتين كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يؤذن المؤذن ثم يقوم فيخطب ثم يجلس فلا يتكلم ثم يقوم فيخطب". واستدل علماء الأمصار بقوله: "قائمًا" على مشروعية القيام في الخطبة وهومن شروطها التسعة عند الشافعية وعند المالكية فيه قولان: بالوجوب، والسنية.
قال القاضي عياض: المذهب وجوبه من غير اشتراط. وقال القاضي عبد الوهاب: السنة القيام فإن خطب جالسًا أساء وصحت والظاهر أنه أراد الكراهة، وأن المتبادر الحرمة، وظاهر عبارة المازري أنه شرط. ومذهب أبي حنيفة أن القيام في الخطبة سنة وليس بواجب، وعند أحمد روايتان: بالشرطية كالشافعي، وبالسنية كأبي حنيفة.
واحتجت الشافعية بما أخرجه مسلم عن جابر بن سمرة أن رسول الله ﷺ "كان يخطب قائمًا ثم يجلس ثم يقوم فيخطب قائمًا فمن نبأك أنه كان يخطب جالسًا فقد كذب". وبما أخرجه مسلم أيضًا عن كعب بن عجرة أنه دخل المسجد وعبد الرحمن بن أبي الحكم يخطب قاعدًا فأنكر عليه وتلا: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾.
وفي رواية ابن خزيمة: "ما رأيت كاليوم قط إمامًا يؤم المسلمين يخطب وهو جالس" يقول ذلك مرتين. وأخرج ابن أبي شيبة عن طاووس: "خطب النبي ﷺ قائمًا وأبو بكر وعمر وعثمان وأوّل مَنْ جلس على المنبر معاوية". وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي أن معاوية إنما خطب جالسًا لما كثر شحم بطنه ولحمه. وأخرج نحوه عند طاووس ويعضد المرسلين ما روى سعيد بن منصور عن الحسن قال: أول مَنْ استراح في الخطبة يوم الجمعة عثمان، وكان إذا أعيى جلس ولم يتكلم حتى يقوم، وأول مَنْ خطب جالسًا معاوية. وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أن النبي ﷺ وأبا بكر
стр. 4596
وعمر وعثمان كانوا يخطبون يوم الجمعة قيامًا حتى شق على عثمان القيام فكان يخطب قائمًا ثم يجلس، فلما كان معاوية خطب الأولى جالساً والأخرى قائمًا، واحتجوا أيضًا بمواظبته ﷺ على القيام.
وحديث جابر بن سمرة المتقدم أصرح في المواظبة من حديث الباب إلا أن إسناده ليس على شرط البخاري، واحتجوا بمشروعية الجلوس بين الخطبتين قالوا: فلو كان القعود مشروعًا في الخطبتين ما احتاج إلى الفصل بالجلوس؛ ولأن الذي نقل عنه الجلوس كان معذورًا كما مرّ قريبًا، نعم تصح خطبة العاجز عنه قاعدًا ثم مضطجعًا كالصلاة، ويجوز الاقتداء بمن خطب من غير قيامٍ سواء قال: لا أستطيع أم سكت؛ لأن الظاهر أنه إنما قعد أو اضطجع لعجزه فإن ظهر أنه كان قادرًا فكإمام ظهر أنه كان جنبًا، وأجاب من لم يشترط القيام عن آية: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ بأنه إخبار عن حالته التي كان عليها عند انفضاضهم، وبأن حديث الباب لا دلالة فيه على الاشتراط، وبأن إنكار كعب على عبد الرحمن إنما كان لتركه السنة ولو كان شرطًا لما صلوا معه مع تركه له.
وأجيب بأنه صلى معه مع تركه القيام الذي هو شرط خوف الفتنة، أو أن الذي قعد إن لم يكن معذورًا فقد يكون قعوده نشأ عن اجتهاد منه كما قالوه في إتمام عثمان الصلاة في السفر وقد أنكر ذلك ابن مسعود ثم أنه صلّى خلفه فأتم معه واعتذر بأن الخلاف شر، وعن مواظبته بأنه ﵊ كان يواظب على الشيء الفاضل مع جواز غيره، ونحن نقول به. واستدل من لم يشترط بحديث أبي سعيد الآتي قريبًا: "أن النبي ﷺ جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله" وبحديث سهل الماضي قبل "مُري غلَامَك يعمل لي أعوادًا أجلس عليها".
وأجيب عن الأول بأنه كان في غير خطبة الجمعة، وعن الثاني باحتمال أن تكون الإشارة إلى الجلوس أول ما يصعد وبين الخطبتين ويأتي بعد بابين الكلام على القعدة بين الخطبتين.
رجاله خمسة:
قد مرّوا إلا عبيد الله القواريري، مرَّ خالد بن الحارث في تعليق بعد الثاني من أحاديث استقبال القبلة، ومرّ عبيد الله العمري في الرابع عشر من الوضوء، ومرّ نافع في الأخير من العلم، ومرَّ محل عبد الله الآن والباقي عبيد الله بن عمر بن ميسرة الجشمي مولاهم القواريري أبو سعيد البصري نزيل بغداد. قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال أحمد بن سيار: لم أرَ في جميع مَنْ رأيت مثل مسدد بالبصرة والقواريري ببغداد وصدقة بمرو. قال أحمد بن يحيى ثعلب: سمعت من عبيد الله القواريري مئة ألف حديث. وقال ابن معين والعجلي والنَّسائيّ ومسلمة: ثقة. وقال صاحب جزرة: ثقة صدوق أوثق من الزهراني وأشهر وأعلم بحديث البصرة.
وذكره ابن حِبّان في "الثقات" قال في "الزهرة": روى عنه البخاري خمسة، ومسلم أربعين. روى عن حماد بن زيد وعبد الوارث بن سعيد وابن عُيينة وخالد بن الحارث وغيرهم. وروى عنه
стр. 4597
البخاري ومسلم وأبو داود وروى عنه بواسطة وأبو حاتم وأبو زُرْعة وغيرهم. مات في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين ومئتين.
والقواريري في نسبه نسبة لمن يعمل القوارير أو يبيعها، والقارورة ما قرّ فيه الشراب ونحوه أو يخص بالزجاج. وقوله تعالى: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ قال بعض أهل العلم: أي من زجاج في بياض الفضة وصفاء القوارير.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول والنصف الأول من رواته بصري، والنصف الآخر مدني أخرجه مسلم والترمِذِي في الصلاة. ثم قال المصنف:
стр. 4598
باب استقبال الناس الإِمام إذا خطب
في رواية كريمة باب يستقبل الإمام القوم واستقبال الناس الإِمام إذا خطب ولم يبت الحكم قال في "الفتح": هو مستحب عند الجمهور وفي وجه يجب جزم به أبو الطيب الطبري من الشافعية. قلت: مشهور مذهب مالك أنه يجب على الناس استقبال الإِمام بوجوههم على أهل الصف الأول وغيرهم ممن يسمعه ومَنْ لا يسمعه ومَنْ يراه ومَنْ لا يراه. وقيل: إن استقباله سنة، وقيل: إن أهل الصف الأول يستقبلون جهته وغيرهم يستقبل ذاته وعلى هذا درج خليل في مختصره، ومن لازم الاستقبال استدبار الإمام القبلة واغتفر ذلك؛ لئلا يصير مستدبر القوم الذين يعظهم، وهو قبيح خارج عن عُرف المخاطبات.
ومن حكمة استقبالهم للإمام التهيؤ لسماع كلامه أو سلوك الأدب معه في استماع كلامه فإذا استقبله بوجهه وأقبل عليه بجسده وقلبه وحضور ذهنه كان أدعى لتفهيم موعظته وموافقته فيما شرع له القيام لأجله. ولو خالف الخطيب فاستدبرهم واستقبل القبلة كره وصحت خطبته. وحكى الشاشي وجهًا شاذًا أنها لا تصح. واستنبط الماوردي وغيره من الحديث أن الخطيب لا يلتفت يمينًا وشمالًا حالة الخطبة.
وفي "شرح المهذب" اتفق العلماء على كراهة ذلك، وهو معدود في البدع المنكرة خلافًا لأبي حنيفة فإنه قال: يلتفت يمنة ويسرة كالأذان. قال العيني في هذا النقل عن أبي حنيفة نظر ولا يصح ذلك منه. قال: ومن السنة عندنا أن يترك الخطيب السلام والكلام من وقت خروجه إلى دخوله في الصلاة، وبه قال مالك وليس كما قال، بل مذهب مالك أنه يندب حين خروجه على الناس ويكره تأخيره إلى انتهاء صعوده على المنبر. وقال الشافعي وأحمد: السنة إذا صعد المنبر أن يسلم على القوم إذا استقبلهم بوجهه، كذا روي عن ابن عمر عن النبي ﷺ وهذا الحديث أورده ابن عدي، وضعفه وكذا ضعفه ابن حِبّان، وروى ابن أبي شيبة عن الشعبي قال: "كان رسول الله ﷺ إذا صعدَ المنبَر يومَ الجمعةِ استقبلَ الناسَ فقال: السلامُ عليكم" الحديث، وهذا مرسل لا يحتج به عندهم.
وقال عبد الحق في "الأحكام": هو مرسل وإن أسنده أحمد عن عبد الله بن لَهِيعة، فهو معروف في الضعفاء فلا يحتج به وقال البيهقي: الحديث ليس بالقوي. ثم قال: واستقبل ابن عمر وأنس الإِمام مطابقته للترجمة ظاهرة أما أثر ابن عمر فرواه البيهقي عن نافع "أن ابن عمر كان يفرغ من سبحته يوم الجمعة قبل خروج الإمام فإذا خرج لم يقعد الإِمام حتى يستقبله". وأما أثر أنس فأخرجه
стр. 4599
ابن أبي شيبة عن المستمر بن ريان قال: "رأيت أنسًا إذا أخذ الإمام يوم الجمعة يستقبله بوجهه حتى يفرغ الإمام من خطبته". ورواه ابن المنذر من وجه آخر "عن أنس أنه جاء يوم الجمعة فاستند إلى الحائط واستقبل الإمام" قال ابن المنذر: ولا أعلم في ذلك خلافًا عن العلماء.
وحكى غيره عن سعيد بن المسيب: "أنه كان لا يستقبل هشام بن إسماعيل إذا خطب، فوكل به شرطيًا يعطفه إليه" وفي "المغني" روى الحسن: "أنه استقبل القبلة ولم ينحرف إلى الإمام". وفي "المبسوط": كان أبو حنيفة إذا فرغ المؤذن من أذانه أدار وجهه إلى الإمام". قال الترمذيِّ: العمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم يستحبون استقبال الإمام إذا خطب، ولا يصح في الباب عن النبي ﷺ شيء.
وابن عمر مرّ في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه، ومرّ أنس في السادس منه.
الحديث الرابع والأربعون
حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ هِلاَلِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى الْمِنْبَرِ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ.
وجه الدلالة منه أن جلوسهم حوله لسماع كلامه يقتضي نظرهم إليه غالبًا، وإذا كان هذا في غير حال الخطبة كما مرّ كان حال الخطبة أولى لورود الأمر بالاستماع لها والإنصات عندها، وهذا الحديث ذكره المصنف مطولًا في "الزكاة" في باب (الصدقة على اليتامى) وسيأتي استيفاء الكلام عليه عند أول ذكره مطولًا في الزكاة.
رجاله ستة:
مرّوا، مرّ معاذ بن فضالة في التاسع عشر من الوضوء، ومرّ هشام الدستوائي في السابع والثلاثين، ومرَّ عطاء بن يسار في الثاني والعشرين منه، وأبو سعيد الخدري في الثاني عشر منه، ومرّ يحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من العلم، ومرّ هلال بن أبي ميمونة في الأول منه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والسماع والقول، ورواته ما بين أهوازيّ ويمانيّ ومدنيّ أخرجه البخاري أيضًا في الجهاد والزكاة ومسلم في الزكاة وكذا الترمِذِيّ والنَّسائيّ وابن ماجه. ثم قال المصنف:
стр. 4600
باب مَنْ قال في الخطبة بعد الثناء "أما بعد "
قال الزين بن المنير: يحتمل أن تكون (من) موصولة بمعنى الذي والمراد به النبي ﷺ كما في أخبار الباب، ويحتمل أن تكون شرطية والجواب محذوف والتقدير (فقد أصاب السنة) وعلى التقديرين فينبغي للخطباء أن يستعملوها تأسياً واتباعًا. ولم يجد البخاري في صفة خطبة النبي ﷺ يوم الجمعة حديثًا على شرطه، فاقتصر على ذكر الئناء واللفظ الذي وضع للفصل بينه وبين ما بعده من موعظة ونحوها قال سيبويه: "أما بعد" معناها (مهما يكُ من شيء بعد). وقال الزجاج: إذا كان الرجل في حديث فأراد أن يأتي بغيره قال: "أما بعد". وقيل التقدير: (أما الثناء على الله فهو كذا وأما بعد فكذا) ولا يلزم في قسمه أن يصرح بلفظ بل يكفي ما يقوم مقامه.
وقد مرّ الكلام على أول مَنْ نطق بها وعلى معناها في الحديث الأخير من كتاب الإيمان. ثم قال: رواه عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ . وهذا التعليق وصله البخاري في آخر هذا الباب، وعكرمة مرّ في السابع عشر من العلم، ومرّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي.
стр. 4601
الحديث الخامس والأربعون
وَقَالَ مَحْمُودٌ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ قُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا إِلَى السَّمَاءِ. فَقُلْتُ آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَىْ نَعَمْ. قَالَتْ: فَأَطَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جِدًّا حَتَّى تَجَلاَّنِي الْغَشْيُ وَإِلَى جَنْبِي قِرْبَةٌ فِيهَا مَاءٌ فَفَتَحْتُهَا فَجَعَلْتُ أَصُبُّ مِنْهَا عَلَى رَأْسِي، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، وَحَمِدَ اللَّهَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ. قَالَتْ: وَلَغِطَ نِسْوَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَانْكَفَأْتُ إِلَيْهِنَّ لأُسَكِّتَهُنَّ فَقُلْتُ لِعَائِشَةَ: مَا قَالَ؟ قَالَتْ: قَالَ: مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلاَّ قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَإِنَّهُ قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ مِثْلَ أَوْ قَرِيبَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، يُؤْتَى أَحَدُكُمْ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوْ قَالَ: الْمُوقِنُ شَكَّ هِشَامٌ فَيَقُولُ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ، هُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى فَآمَنَّا وَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا وَصَدَّقْنَا. فَيُقَالُ لَهُ: نَمْ صَالِحًا، قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ إِنْ كُنْتَ لَتُؤْمِنُ بِهِ. وَأَمَّا الْمُنَافِقُ أَوْ قَالَ الْمُرْتَابُ شَكَّ هِشَامٌ فَيُقَالُ لَهُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ فَيَقُولُ: لاَ أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُ. قَالَ هِشَامٌ: فَلَقَدْ قَالَتْ لِي فَاطِمَةُ فَأَوْعَيْتُهُ، غَيْرَ أَنَّهَا ذَكَرَتْ مَا يُغَلِّظُ عَلَيْهِ.
هذا الحديث قد مرّ في كتاب العلم في باب (مَنْ أجاب الفُتيا بإشارة اليد والرأس) وقد استوفى الكلام عليه هناك غاية الاستيفاء. وأخرجه هناك عن موسى بن إسماعيل وهنا قال: قال محمود وهو ابن غيلان: أحد شيوخه، وكلام أبي نعيم في "المستخرج" يشعر بأنه قال حدّثنا محمود، وذكر هنا ألفاظًا لم تكن في السابق منها: قوله هنا: "أما بعد" قالت: ولغط نسوة من الأنصار، فأنكفأت إليهن لأسكتهن، فقلت لعائشة: ما قال؟ قالت: قال: ... " إلخ.
وقوله: "لغط نسوة من الأنصار" اللغط بالتحريك الأصوات المختلفة التي لا تفهم. وقوله: "فانكفأت" أي: ملت بوجهي ورجعت إليهن لأسكتهن وأصله من كفأت الإناء إذا أملته وكببته، ومنها قوله قال هشام: فلقد قالت فاطمة فأوعيته غير أنها ذكرت ما يغلظ عليه الأصل في مثل هذا
стр. 4602
أن يقال وعيته. يقال وعيت الحديث أعيه وعيًا فأنا واعٍ له إذا فهمته وحفظته، وفلان أوعى من فلان أي أحفظ وأفهم، وأما أوعيته إن صحت الرواية فمعناها أدخلته في وعاء قلبي يقال أوعيت الشيء في الوعاء أي: أدخلته، وفي بعض النسخ فوعيته على الأصل.
وقوله: "غير أنها ذكرت ما يغلظ عليه" يروى ما يغلظ فيه ولم أفهم حقيقة المراد بهذا اللفظ ولم أجد مَنْ فسره.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرّ محمود بن غيلان في السابع والأربعين من مواقيت، ومرّ حمّاد بن أسامة في الحادي والعشرين من "العلم"، ومرّت فاطمة بنت المنذر وأسماء في الثامن والعشرين منه، ومرّ هشام وعائشة في الثاني من "بدء الوحي".
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإخبار بالإفراد والعنعنة والقول ورواية التابعية عن الصحابية، ورواية الصحابية عن الصحابية، وفيه شيخ البخاري مروزي وشيخ شيخه كوفي والبقية مدنية. وقد مرّ في باب "مَنْ أجاب الفتيا بإشارة اليد من العلم" جميع ما يتعلق به في الثامن والعشرين.
стр. 4603
الحديث السادس والأربعون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِمَالٍ أَوْ سَبْيٍ فَقَسَمَهُ، فَأَعْطَى رِجَالاً وَتَرَكَ رِجَالاً فَبَلَغَهُ أَنَّ الَّذِينَ تَرَكَ عَتَبُوا، فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ أَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ، وَأَدَعُ الرَّجُلَ، وَالَّذِى أَدَعُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الَّذِي أُعْطِي وَلَكِنْ أُعْطِي أَقْوَامًا لِمَا أَرَى فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْجَزَعِ وَالْهَلَعِ، وَأَكِلُ أَقْوَامًا إِلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْغِنَى وَالْخَيْرِ، فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ. فَوَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُمْرَ النَّعَمِ".
قوله: "أتي بمال أو بشيء" بالشين، وروي "بسَبْيٍ" بفتح السين المهملة وسكون الباء الموحدة. ويروى "أو سبي" بدون حرف الباء. وفي رواية الإسماعيلي "أتي بمال من البحرين".
وقوله: "فبلغه أن الذين ترك" وفي رواية "أن الذي ترك" والضمير في ترك راجع إلى النبي ﵊ ومفعوله محذوف تقديره (تركهم) ووجّه أن الذي ترك بإفراد الموصول على تقدير أن الصنف الذي تركه.
وقوله: "عتبوا" حيث حرموا من العطاء. وقوله: "أعطي الرجل وأدع الرجل" بلفظ المتكلم فيهما. وقوله: "من الجزع" بالتحريك ضد الصبر. وقوله: "والهلع" بالتحريك أيضًا وهو أفحش الفزع. وقيل لأحمد بن يحيى ما الهلوع؟ قال: قد فسره الله تعالى حيث قال: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ وقال الحسن: الهلوع الشر.
وقوله: "من الغنى والخير" بالقصر ضد الفقر أي: غنى النفس، فصبروا وتعففوا عن المسألة. وفي رواية من "الغناء" بفتح الغين والمد وهو الكفاية.
وقوله: "بكلمة رسول الله ﷺ " أي: التي قالها في حقه وهي إدخاله إياه في أهل الخير والغناء، وقيل: المراد الكلمة التي قالها في حق غيره، فالمعنى لا أحب أن يكون لي حُمر النَّعَمِ بدلًا من الكلمة المذكورة أو يكون لي ذلك وتقال تلك الكلمة في حق غيري، وكيف لا والآخرة خير وأبقى. والحُمر بضم الحاء المهملة وسكون الميم.
стр. 4604
رجاله خمسة:
وفيه لفظ رجال مبهمة لم يسموا، قد مرّ منهم أبو عاصم الضحاك في أثر بعد الرابع من "العلم"، ومرّ جرير بن حازم في السبعين من أحاديث استقبال الفبلة، ومرّ الحسن البصري في الرابع والعشرين من "الإيمان"، والباقي اثنان الأول محمد بن معمر بن ربعي القيسي أبو عبد الله البصري المعروف بالبحراني. قال أبو داود: صدوق ليس به بأس، وقال النسائي: ثقة، وقال مرَّة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: صدوق، وقال البزار: كان من خيار عباد الله. وقال الخطيب: ثقة وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال أبو عروبة: كبير من أهل الصناعة. وفي الزهرة روى عنه البخاري أربعة ومسلم ثمانية. روى عن روح بن عبادة وأبي عامر العقدي وأبي عاصم وغيرهم، وروى عنه الجماعة وأحمد بن منصور الرمادي وأبو حاتم والبزار وغيرهم.
مات بعد سنة خمسين ومائتين، ويشتبه هذا بمحمد بن معمر الحضرمي. روى عنه أبو داود والنسائي. والبحراني في نسبه نسبة إلى (البحرين) بلد بين (البصرة) و (عُمان) وهو من بلاد (نجد) ويعرب إعراب المثنى ويجوز أن تجعل النون محل الإعراب مع لزوم الياء مطلقًا، وهي لغة مشهورة واقتصر عليها الأزهري، لأنه صار علمًا مفرد الدلالة فأشبه المفردات، والنسبة إليه بحراني؛ لئلا يشتبه بالمنسوب إلى البحر وإنما ثنَّوا البحرين؛ لأن في ناحية قراها بحيرة على باب الأحساء وقرى هجر بينها وبين البحر الأخضر عشرة فراسخ. وقدرت البحيرة بثلاثة أميال في مثلها ولا يفيض ماؤها، وماؤها راكد زعاق وقد ذكرها الفرزدق فقال:
كأن ديارًا بينَ أسنمةِ النقا ... وبين هَذَاليلِ البحيرةِ مصحفُ
والهذاليل جمع هذلول وهو المكان الوطيء في الصحراء لا يشعر به الإنسان حتى يشرف عليه منها محمد بن معمر هذا والعباس بن يزيد بن أبي حبيب حدث عن يزيد بن زريع، روى عنه الباغندي وابن مخلد ومنها زكرياء بن عطية البحراني سمع أبا المنذر سلامًا وهارون بن أحمد بن داود البحراني وعلي بن مقرب وغيرهم.
الثاني: عمرو بن تغلب بفتح المثناة وسكون المعجمة وكسر اللام النمري بفتحتين العبدي الجؤاثي صحابي معروف نزل البصرة روى عن النبي أحاديث منها أنه أثنى على عمرو بن تغلب في إسلامه وذلك في "صحيح البخاري"، ولم يذكر الأكثرون له راويًا غير الحسن البصري وذكر ابن أبي حاتم أن الحكم بن الأعرج روى عنه أيضًا.
عاش إلى خلافة معاوية وقالوا: ما له إلا حديثان رواهما عنه البخاري (والجؤاثي) في نسبه بضم الجيم آخره مثلثة نسبة إلى (جؤاثى) قرية من قرى (البحرين) حصن لعبد القيس ضبطت بالهمز، وبالواو بدل الهمز وهي أول قرية اديت فيها الجمعة بعد (المدينة) كما في "الصحيح" وفيها يقول امرؤ القيس:
стр. 4605
ورحنا كأنا من جُؤاثَى عشية ... نعالي النعاجَ بين عدلٍ ومحقبِ
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والسماع والقول، ورواته كلهم بصريون، وهنا الحديث من أفراد البخاري أخرجه في الخمس أيضًا عن موسى بن إسماعيل وفي "التوحيد". ثم قال تابعه يونس وهذه المتابعة وصلها أبو نعيم بإسناده عنه ويونس المراد به يونس بن عبيد. وقد مرّ في الرابع والعشرين من "الإيمان".
الحديث السابع والأربعون
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : خَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ، فَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلاَتِهِ فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا، فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ فَصَلَّوْا مَعَهُ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا فَكَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّوْا بِصَلاَتِهِ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ الْمَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ حَتَّى خَرَجَ لِصَلاَةِ الصُّبْحِ، فَلَمَّا قَضَى الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ، لَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا".
هذا الحديث قد مرّ استيفاء الكلام عليه في باب (إذا كان بين الإمام وبين القوم حائط أو سترة من أبواب الجماعة)، بحيث لا يحتاج إلى زيادة.
رجاله ستة:
قد مرّوا: مرّت الأربعة الأُوَل في الثالث من "بدء الوحي"، ومرّ عروة وعائشة في الثاني منه. وفيه لفظ رجال لم يسموا. أخرجه فيما مضى، وأخرجه في باب الصوم وفي التهجد، ثم قال تابعه يونس. كلام المزي في الأطراف يدل على أن المتابعة في "أمّا بعد"، فقط والصحيح أنه روى جميع الحديث فلا يختص "بأما بعد"، وقد وصلها مسلم وأخرجه النسائي ويونس المراد به ابن يزيد. وقد مرَّ في متابعة بعد الرابع من "بدء الوحي".
стр. 4606
الحديث الثامن والأربعون
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ عَشِيَّةً بَعْدَ الصَّلاَةِ، فَتَشَهَّدَ وَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ".
وهذا الحديث أورده هنا مختصرًا، وقد ذكره بتمامه في كتاب "الأحكام" وفي "الإيمان" و"النذور" وفيه قصة ابن اللتبية، ويأتي الكلام عليه مستوفى -إن شاء الله تعالى- عند ذكره في الزكاة متوسطًا.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرّ أبو اليمان وشعيب في السابع من "بدء الوحي" والزهري في الثالث منه، وعروة في الثاني منه، وأبو حميد في تعليق أول أبواب استقبال القبلة وهذا طرف من حديث أخرجه في الزكاة وترك الحيل والاعتكاف والنذور ومسلم في المغازي وأبو داود في الجراح. ثم قال تابعه أبو معاوية وأبو أسامة عن هشام عن أبيه عن أبي حميد الساعدي عن النبي ﷺ قال: "أما بعد"، أما متابعة أبي معاوية فأخرجها مسلم في "المغازي" ومتابعة أبي أُسامة أخرجها البخاري في "الزكاة".
رجالهما أربعة:
مرّوا: مرّ أبو معاوية في تعليق بعد الثالث من "الإيمان"، ومرّ أبو أُسامة في الحادي والعشرين من "العلم"، ومرَّ هشام في الثاني من "بدء الوحي"، ومرّ ذكر محل أبي حميد في الذي قبله. ثم قال وتابعه العدني عن سفيان في "أما بعد".
وأخرج مسلم متابعة العدني على أنه محمد بن يحيى وعلى أنه عبد الله بن الوليد فمتابعته وصلها الإسماعيلي وعلى الأول سفيان المراد به ابن عيينة، وقد مرّ الأول من "بدء الوحي" وعلى الثاني المراد به الثوري، وقد مرَّ في السابع والعشرين من "الإيمان" وأما العدني الأول فهو محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني أبو عبد الله الحافظ نزيل (مكة)، وقد ينسب إلى جده قال أبو حاتم: كان رجلًا صالحًا، وكان به غفلة وكان صدوقًا، ورأيت عنده حديثًا موضوعًا حدّث به عن ابن عيينة.
وقال الحسن بن أحمد الرازي كان قد حج سبعًا وسبعين حجة وذكره ابن حِبّان في "الثقات".
стр. 4607
وقال الترمذي في "الجامع": سمعت ابن أبي عمر يقول: كان الحميدي أكبر مني بسنة، واختلفت إلى ابن عيينة ثمانية عشرة سنة، وحججت سبعين حجة ماشيًا. وفي "الزهرة" روى عنه مسلم مائتي حديث وستة عشر حديثًا روى عن أبيه وابن عيينة وعبد الرزاق وفضيل بن عياض وغيرهم، وروى عنه مسلم والترمذي وابن ماجه والنسائي بواسطة وغيرهم.
مات في ذي الحجة سنة ثلاث وأربعين ومائتين. وعلى أنه الثاني فهو عبد الله بن الوليد بن ميمون الأُموي مولاهم أبو محمد المكي المعروف بالعدني. ذكره ابن حِبّان في "الثقات"، وقال مستقيم الحديث. وقال الدارقطني: ثقة مأمون. وقال العجلي: ثقة معروف، وقال حرب عن أحمد: سمع من سفيان وجعل يصحح سماعه، ولكن لم يكن صاحب حديث وحديثه حديث صحيح، وربما أخطأ في الأسماء. كتب عنه أبي كثيراً وقال ابن معين: لا أعرفه، لم أكتب عنه شيئًا. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال الأزدي: يهم في أحاديث، وهو عندي وسط.
وقال ابن عدي: روى عن الثوري "جامعه"، وروى عن الثوري غرائب غير "الجامع" وعن غير الثوري وما رأيت في حديثه شيئًا منكرًا فاذكره. روى عن الثوري وإبراهيم بن طهمان والقاسم بن معن وغيرهم، وروى عنه أحمد بن حنبل والحسن بن عمر والسدوسي وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي وغيرهم. والعدني في نسبيهما نسبة إلى (عدن) بالتحريك جزيرة (باليمن) تضاف إلى أبين رجل من حمير نسبت إليه؛ لأنه أقام بها وقيل أبين اسم قصبة بينها وبين عدن ثمانية فراسخ أضيفت إليها لأدنى ملابسة، وقيل: إن (عدنا) نسبت إلى عدن بن سبأ بن نغثان أو نغيشان بن إبراهيم أوّل مَنْ نزلها قال في "تاج العروس": (وعدن) اليوم فرضة اليمن ومقر كل فضل مستحسن. قلت لعل هذا كان قبل احتلال النصارى لها وإلا فلا يمكن أن يبقى لها فضل بعد الاحتلال وطوله.
стр. 4608
الحديث التاسع والأربعون
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ يَقُولُ: "أَمَّا بَعْدُ".
وهذا طرف من حديثه في قصة خطبة علي بن أبي طالب بنت أبي جهل وسيأتي بتمامه في "المناقب"، ويأتي الكلام عليه هناك، وإنما خطب ﷺ ليشيع الحكم المذكور بين الناس ويأخذوا به إما على سبيل الإيجاب، وإما على سبيل الأولوية وغفل الشريف المرتضى عن هذه النكتة، فزعم أن هذا الحديث موضوع؛ لأنه من رواية المسور وكان فيه انحراف عن علي وجاء من رواية ابن الزبير وهو أشد في ذلك. ورد كلامه بإطباق أصحاب "الصحيح" على تخريجه.
رجاله خمسة:
مرّوا: مرّ أبو اليمان وشعيب في السابع من "بدء الوحي" ومرَّ الزهري في الثالث منه، ومرّ علي بن الحسين في الخامس من "الغسل"، ومرّ المسوّر في الرابع والخمسين من "الوضوء".
وهذا الحديث سيأتي بتمامه في "المناقب" وأخرجه مسلم أيضًا، ثم قال: تابعه الزبيدي عن الزهري وهذه المتابعة وصلها الطبراني في مسند الشاميين والزيدي وهو محمد بن الوليد، وقد مرّ في التاسع عشر من "العلم".
стр. 4609
الحديث الخمسون
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْغَسِيلِ قَالَ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ الْمِنْبَرَ وَكَانَ آخِرَ مَجْلِسٍ جَلَسَهُ مُتَعَطِّفًا مِلْحَفَةً عَلَى مَنْكِبَيْهِ، قَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ بِعِصَابَةٍ دَسِمَةٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ إِلَيَّ". فَثَابُوا إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنَ الأَنْصَارِ يَقِلُّونَ، وَيَكْثُرُ النَّاسُ، فَمَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَاسْتَطَاعَ أَنْ يَضُرَّ فِيهِ أَحَدًا أَوْ يَنْفَعَ فِيهِ أَحَدًا، فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيِّهِمْ".
قوله: "وكان آخر مجلس جلسه" وفي حديث أنس في "المناقب" "ولم يصعده بعد ذلك اليوم" وعرف منه أن ذلك كان في مرض موته ﷺ وصرّح به في "علامات النبوءة".
وقوله: "متعطفًا ملحفة على منكبيه" وفي رواية "المناقب" "وعليه ملحفة متعطفًا بها على منكبيه" المِلحفة بكسر أوله، وقوله: متعطفًا أي: متوشحًا مرتديًا، والعطاف الرداء سُمي بذلك لوضعه على العطفين وهما ناحيتا العنق، ويطلق على الأردية معاطف.
وقوله: "بعصابة" بكسر أوله وهي ما يشد به الرأس وغيرها وقيل في الرأس بالتاء وفي غير الرأس يقال عصاب فقط، وهذا يرده قوله في حديث مسلم عصب بطنه بعصابة.
وقوله: "دَسِمَة" أي: بكسر السين وفي رواية دسماء أي: لونها كون الدسم وهو الدهن، وقيل المراد أنها سوداء لكن ليست خالصة السواد، ويحتمل أن تكون اسودّت من العرق أو من الطيب كالغالية وقد تبين من حديث أنس أنها كان حاشية برد حيث قال: وقد عصب على رأسه حاشية برد والحاشية غالبًا تكون من لون غير لون الأصل، وقيل: المراد بالعصابة العمامة ومنه حديث "مسح على العصائب".
وقوله: "فإن هذا الحي من الأنصار يقلّون ويكثر الناس. قوله: "من الأنصار" من بيانية أي: الذي هو الأنصار وفي قوله: "يقلّون" إشارة إلى دخول قبائل العرب والعجم في الإِسلام، وهم أضعاف أضعاف قبيلة الأنصار فمهما فرض في الأنصار من الكثرة كالتناسل فرض في كل طائفة من أولئك فهم أبدا بالنسبة إلى غيرهم قليل، ويحتمل أن يكون ﷺ اطلع على أنهم يقلّون مطلقًا فأخبر بذلك، فكان كما أخبر؛ لأن الموجودين الآن من ذرية علي بن أبي طالب ممن يتحقق نسبه إليه
стр. 4610
أضعاف مَنْ يوجد من قبيلتي الأوس والخزرج ممن يتحقق نسبه، وقسْ على ذلك ولا التفات إلى كثرة مَنْ يدعي أنه منهم بغير برهان، وفي رواية "المناقب" حتى يكونوا كالملح في الطعام وفي "علامات النبوءة" بمنزلة الملح في الطعام أي في القلة؛ لأنه جعل غاية قلتهم الانتهاء إلى ذلك والملح بالنسبة إلى جملة الطعام جزء يسير منه والمراد بذلك المعتدل.
وقوله: "فاستطاع أن يضر فيه أحدًا أو ينفع فيه أحدًا" قيل فيه إشارة إلى أن الخلافة لا تكون في الأنصار؛ لأن مَنْ فيهم الخلافة يوصون ولا يوصى بهم. قال في "الفتح": ليس صريحًا في ذلك إذ لا تمتنع التوصية على تقدير أن يقع الجور ولا التوصية للمتبوع سواء كان منهم أو من غيرهم.
وقوله: "ويتجاوز عن مسيئهم" أي: في غير الحدود وحقوق الناس وفي حديث أنس في "المناقب" زيادة "أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم". وقوله: "كرشي وعيبتي" أي: بطانتي وخاصتي. قال القزاز: ضرب المثل بالكرش؛ لأنه مستقر غذاء الحيوان الذي يكون فيه نماؤه، ويقال لفلان كرش منثورة أي عيال كثيرة. والعيبة بفتح المهملة وسكون المثناة التحتية بعدها موحدة ما يخرز فيه الرجل أنفس ما عنده، يريد أنهم موضع سره وأمانته قال ابن دريد: هذا من كلامه ﷺ الموجز الذي لم يسبق إليه.
قال غيره ة الكرش بمنزلة المعدة للإنسان والعيبة مستودع الثياب، والأول أمر باطن والثاني أمر ظاهر فكأنه ضرب المثل بهما في إرادة اختصاصهم بأموره الظاهرة والباطنة. والأول أولى وكل من الأمرين مستودع لما يخفى فيه.
قلت: لم يظهر لي فرق بين التفسيرين حتى يكون الأول أولى.
وقوله: "وقد قضوا الذي عليهم" إلخ يشير به إلى ما وقع لهم ليلة العقبة من المبايعة فإنهم بايعوا على أن يؤووا النبي ﷺ وينصروه على أن لهم الجنة، فوفوا بذلك. وفي الحديث الإخبار بالغيب؛ لأن الناس كثروا وقلت الأنصار، فهو من معجزاته ﵊، وإخباره بالمغيبات، وفيه من جوامع الكلم أن الحال منحصر في الضر والنفع والمحسن والمسيء، وفي الحديث مما لم يذكره عن عائشة في قصة الإفك وعن أبي سفيان في الكتاب إلى هرقل متفق عليها، وعن جابر قال: "كان رسول الله ﷺ إذا خطب أحمرّت عيناه وعلا صوته" الحديث وفيه فيقول: "أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله تعالى" أخرجه مسلم وفي رواية له عنه "كانت خطبة النبي ﷺ يوم الجمعة يحمد الله ويثني عليه، ثم يقول على إثر ذلك، وقد علا صوته" فذكر الحديث. وفيه يقول: "أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله تعالى" وهذا أليق بمراد المصنف للتنصيص فيه على الجمعة لكنه ليس على شرطه كما تقدم ويستفاد من هذه الأحاديث أن "أما بعد" لا تختص بالخطب بل تقال أيضًا في صدور الرسائل والمصنفات، ولا اقتصار عليها في إرادة الفصل بين الكلامين، بل ورد في القرآن في ذلك لفظ هذا، وإن وقد كثر استعمال المصنفين لها
стр. 4611
بلفظ ولعد ومنهم مَنْ صدر بها كلامه فيقوله: في أوله كتابه "أما بعد حمد الله فإن الأمر كذا"، ولا حجر في ذلك، وقد تتبع طرق الأحاديث التي وقع فيها "أما بعد" الحافظ عبد القادر الرهاوي في خطبة الأربعين المتباينة له فأخرجه عن اثنين وثلاثين صحابيًا منها ما أخرجه عن ابن جريج عن ابن سيرين عن المسور بن مخرمة "كان النبي ﷺ إذا خطب خطبة قال: أما بعد". ورجاله ثقات وظاهره المواظبة على ذلك.
رجاله أربعة:
مرّ منهم عكرمة في السابع عشر من "العلم" وابن عباس في الخامس من "بدء الوحي" والباقي اثنان الأول إسماعيل بن أبان الوراق الأزدي أبو إسحاق، ويقال أبو إبراهيم الكوفي قال أحمد بن حنبل وأبو داود وابن معين ومطين ثقة وزاد ابن معين وإسماعيل بن أبان الغنوي كذاب. وقال البخاري: صدوق. وقال الجوزجاني: إسماعيل الوراق كان مائلًا عن الحق، ولم يكن يكذب في الحديث، قال ابن عدي: يعني ما عليه الكوفيون من التشيع، وأما الصدق فهو صدوق في الحديث قال البزار: إنما كان عيبه شدة تشيعه لا أنه غير عليه في السماع. وقال الدارقطني: ثقة مأمون، وقال في سؤالات الحاكم عنه: أثنى عليه أحمد وليس هو عندي بالقوي. وقال عثمان بن أبي شيبة: إسماعيل الوراق ثقة صحيح الحديث، قيل له فإن إسماعيل بن أبان عندنا غير محمود فقال: كان هاهنا إسماعيل آخر يقال له ابن أبان غير الوراق، وكان كذابًا.
وقال الحاكم: ثقة، وذكره ابن حِبّان في "الثقات" قال في "المقدمة" من شيوخ البخاري، ولم يكثر عنه والجوزجاني القائل أنه مائل عن الحق كان ناصبيًا منحرفًا عن علي فهو ضد الشيعي المنحرف عن عثمان والصواب موالاتهما جميعًا ولا ينبغي أن يسمع قول مبتدع في مبتدع، وأما قول الدارقطني فيه فقد اختلف ولهم شيخ يقال له إسماعيل بن أبان الغنوي أجمعوا على تركه، فلعله اشتبه به.
روى عن عبد الرحمن بن الغسيل وإسرائيل ومسعر وابن المبارك وغيرهم. وروى عنه البخاري وروى له أبو داود والترمذي بواسطة وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهم.
مات سنة ستة عشرة ومائتين.
الثاني: عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الله بن حنظلة الأنصاري الأوس في أبو سليمان المعروف بابن الغسيل والغسيل جد أبيه حنظلة بن أبي عامر غسلته الملائكة يوم أحد؛ لأنه استشهد وهو جُنب من صغار التابعين وثقه ابن معين والنسائي وأبو زرعة والدارقطني وقال النسائي مرة: ليس به بأس، ومرة: ليس بالقوي. وقال ابن حِبّان: كان يهم ويخطىء كثيرًا مرض القول فيه أحمد ويحيى وقالا: صالح. وقال الأزدي: ليس بالقوي عندهم، وقال ابن عدي: هو ممن يعتبر حديثه ويكتب، قال في "المقدمة": تضعيفهم له بالنسبة إلى غيره ممن هو أثبت منه من أقرانه، وقد احتج به
стр. 4612
الجماعة سوى النسائي.
رأى أنس بن مالك وسهل بن سعد وروى عن حمزة والمنذر والزبير وعاصم بن عمر بن قتادة وغيره وروى عنه وكيع بن الجراح وأبو عامر العقدي وإسماعيل بن أبان الوراق، وأبو الوليد الطيالسي وغيرهم.
مات سنة اثنتين وسبعين ومائة، وقد أتى عليه مائة وسنة أو سنتان.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول وشيخ البخاري من أفراده، ورواته مدنيون إلا شيخ البخاري فإنه كوفي. أخرجه البخاري أيضًا في "علامات النبوءة" وفي "فضائل الأنصار" والترمذي في "الشمائل". ثم قال المصنف:
стр. 4613
باب القعدة بين الخطبتين
قال الزين بن المنير: لم يصرح بحكم الترجمة؛ لأن مستند ذلك الفعل ولا عموم له ولا اختصاص بذلك لهذه الترجمة فإنه لم يصرح بحكم غيرها من أحكام الجمعة، وظاهر صنيعه أنه يقول بوجوبها كما يقول في أُصول الخطبة.
الحديث الحادي والخمسون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا.
قوله: "يخطب خطبتين يقعد بينهما" مقتضاه أنه كان يخطبهما قائمًا. وقد مرّ في باب (الخطبة قائمًا) الأحاديث المصرّح فيها بالقعود مثل هذا، وفيها حديث أبي داود وفيه: "ثم يجلس فلا يتكلم ثم يقوم فيخطب" واستفيد منه أن حال الجلوس بين الخطبتين لا كلام فيه، لكن ليس فيه نفي أن يذكر الله أو يدعوه سرًا. ودلّ هذا الحديث وغيره على مشروعية الجلوس بين الخطبتين، ولكن هل هو على سبيل الوجوب أو على سبيل الندب؟ فذهب الشافعي إلى أن ذلك على سبيل الوجوب. وذهب أبو حنيفة ومالك في مشهور مذهبه إلى أنها سُنة وليست بواجبة وقيل ندب.
واستدل الشافعي على وجوبها بمواظبته ﷺ عليها مع قوله: "صلّوا كما رأيتموني أُصلي". قال ابن دقيق العيد: يتوقف ذلك على ثبوت أن إقامة الخطبتين داخلة تحت كيفية الصلاة، وإلا فهو استدلال بمجرد الفعل، وزعم الطحاوي إلى أن الشافعي تفرد بذلك وتعقب بأنه محكي عن مالك أيضًا في رواية، وهو المشهور عن أحمد نقله العراقي في "شرح الترمذي". وحكى ابن المنذر أن بعض العلماء عارض الشافعي بأنه ﷺ واظب على جلوس قبل الخطبة الأولى فإن كانت مواظبته دليلًا على شرطية الجلسة الوسطى، فلتكن دليلًا على شرطهية الجلسة الأولى، وهذا متعقب بأن كل الروايات عن ابن عمر ليست فيها هذه الجلسة الأولى وهي من رواية عبد الله العمري المضعف فلم تثبت المواظهبة عليها بخلاف التي بين الخطبتين.
وقال صاحب "المغني" لم يوجبها أكثر أهل العلم؛ لأنها جلسة ليس فيها ذكر مشروع فلم
стр. 4614
تجب، وقدّرها مَنْ قال بها بقدر جلسة الاستراحة أو الجلسة بين السجدتين أو بقدر ما يقرأ سورة الإخلاص، واختلف في حكمتها فقيل للفصل بين الخطبتين، وقيل للراحة. وعلى الأول وهو الأظهر يكفي السكوت بقدرها ويظهر أثر الخلاف أيضًا فيمن خطب قاعدا لعجزه عن القيام، وقد ألزم الطحاوي من قال بوجوب الجلوس بين الخطبتين أن يقول بوجوب القيام في الخطبتين؛ لأن كلًا منهما اقتصر على فعل شيء واحد وتعقبه ابن المنير.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرّ مسدد في السادس من "الإيمان"، ومرّ عبد الله بن عمر في أوله قبل ذكر حديث منه، مرّ بشر بن المفضل في التاسع من "العلم"، وعكرمة في السابع منه، ونافع في آخر حديث منه، وعبيد الله العمري في الرابع عشر من "الوضوء". رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه. ثم قال المصنف:
стр. 4615
باب الاستماع إلى الخطبة
أي: الإصغاء للسماع، فكل مستمع سامع من غير عكس.
الحديث الثاني والخمسون
حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَقَفَتِ الْمَلاَئِكَةُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ، وَمَثَلُ الْمُهَجِّرِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي بَدَنَةً، ثُمَّ كَالَّذِى يُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ كَبْشًا، ثُمَّ دَجَاجَةً، ثُمَّ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ طَوَوْا صُحُفَهُمْ، وَيَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ".
هذا الحديث مرّ الكلام عليه مستوفى عند حديث أبي هريرة المشابه له في باب (فضل الجمعة) وموضع الاستشهاد منه على الترجمة قوله: "ويستمعون الذكر" قال التيمي: في استماع الملائكة حض على استماعها والإنصات إليها، وعبّر بصيغة المضارع في "ويستمعون" لاستحضار صورة الحال اعتناء بهذه المرتبة وحملًا علي الاقتداء بالملائكة. وقد ذكر كثير من المفسرين أن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ ورد في الخطبة، وسميت قرآنًا لاشتمالها عليه. والانصات السكوت والاستماع شغل السمع بالسماع فبينهما عموم وخصوص من وجه. وقد مرّ عند حديث سلمان في باب (الدهن للجمعة) الكلام على هذا المعنى، وعلى الكلام في حال الخطبة ولكن لابد من إعادته هنا لاستيفاء الناقص منه.
وقد اختلف العلماء في الكلام حال الخطبة فعند الشافعية يكره الكلام حال الخطبة من ابتدائها لظاهر الآية. وحديث مسلم عن أبي هريرة: "إذا قلتَ لصاحبك أنصتْ والإمامُ يخطبُ فقد لغوت" ولا يحرم عندهم للأحاديث الدالة على ذلك كحديث أنس عند "الصحيحين" "بينما النبيُّ ﷺ يخطبُ الجُمعَة قامَ أعرابيٌ فقال: يا رسولَ اللهِ هلَك المالُ وجاعَ العيالُ فادعُ اللهَ لنا، فرفعَ يديهِ ودعا" الحديث. وحديث أنس المروي بسند صحيح عند البيهقي "أن رجلًا دخلَ والنبيُّ ﷺ يخطبُ يومَ الجُمعةِ فقال: متى الساعةُ؟ فأومأ الناسُ إليه بالسكوتِ فلم يقبلْ وأعاد الكلامَ. فقال له النبيُّ ﷺ في الثالثةِ ما أعددتَ لها؟ قال: حُبُّ اللُهِ وحُبُّ رسولهِ. قال: إنك مَع مَنْ أحببت". وجه الدلالة منه أنه لم ينكر عليه الكلام، ولم يبين له وجه السكوت والأمر في الآية للندب. ومعنى لغوت تركت الأدب جمعًا بين الأدلة.
وقالت المالكية والحنفية والحنابلة بالمنع لحديث إذا قلت لصاحبك أنصت، وأجابوا عن حديث أنس السابق وما في معناه بأنه غير محل النزاع؛ لأن محل النزاع الإنصات والإمام يخطب، وأما سؤال الإِمام وجوابه فهو قاطع لكلامه فيخرج عن ذلك. وقد بني بعضهم القولين على الخلاف
стр. 4616
في أن الخطبتين بدل من الركعتين، وبه صرّح الحنابلة وعزوه لنص إمامهم أو هي صلاة على حيالها لقول عمر -رضي الله تعالى عنه-: "الجمعةُ ركعتانِ تمامٌ غيرُ قصر على لسانِ نبيِّكم ﷺ وقد خابَ مَنْ افترى" رواه أحمد وغيره وهو حديث حسن كما قاله في "المجموع"، فعلى الأول يحرم لا على الثاني، ومن ثم أطلق من أطلق منهم إباحة الكلام ولو كان به صمم أو بُعد عن الإِمام بحيث لا يسمع.
وقال المالكية: يحرم عليه أيضًا لعموم وجوب الإنصات، ولما روي عن عثمان -رضي الله تعالى عنه-: "مَنْ كان قريبًا استمع وأنصت، ومَنْ كان بعيدًا أنصت". وقال الحنفية: الأحوط السكوت. واختلف في وقت الإنصات فعند مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد بن الحسن والأوزاعي والثوري عند ابتداء الخطبة.
واستدلوا بقوله ﵊: "خروجُ الإمام يقطعُ الصلاةَ وكلامُهُ يقطعُ الكلامَ" وعند أبي حنيفة خروج الإِمام يقطع الكلام والصلاة جميعًا لقوله ﵊ في حديث الباب: "فإذا خرج الإِمام طووا صحفهم ويستمعون الذكر" والحديث إذا خرج الإِمام لا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الإمام أخرجه الطبراني عن ابن عمر، وهذا ضعيف.
وأما الكلام بعد الخطبة وفي جلوسه بينهما وللداخل في أثنائها ما لم يجلس، فعند الحنابلة والشافعية وأبي يوسف يجوز من غير كراهة. وقال المالكية: يحرم بينهما لا في جلوسه قبل الشروع فيها ولو سلم داخل على مستمع الخطبة وجب الرد عليه بناء على أن الإنصات سُنّة. وصرّح في "المجموع" وغيره مع ذلك بكراهة السلام، ونقلها عن النص وغيره لكن إذا قلنا لا يشرع السلام فكيف يجب الرد؟
وعند المالكية قال في "المدونة": لا يسلم الداخل وإن سلم فلا يرد عليه؛ لأنه سكوت واجب فلا يقطع بسلام ولا برده كالسكوت في الصلاة، وكذا قال الحنفية.
قلت: عند المالكية يكره الرد بعد تمام الخطبة مع بقاء المسلم وحاصل ما يكره عندهم فيه السلام والرد وما يطلب جمعه بعضهم بقوله:
على المؤذنِ مقيم والملبّ ... وواطىءٍ وسامعٍ لمن خَطَبْ
والقاضي للحاجةِ يكرهُ السلامْ ... كردِّ الآخرين لو بعد التمامْ
وردُّ الاولينِ شرعًا يلزمُ ... إن تمّموا وبقي المسلّم
وهو على غيرهم استنانُ ... إلا لذي البدع فالهجرانُ
ولو مصليًا وبالإشارةِ ... ردوا ولا كل كغَيرِ السُّنَّةِ
رجاله خمسة:
قد مرّوا إلا الأغر: مرّ آدم بن أبي إياس في الثالث من "الإيمان"، وأبو هريرة في الثاني منه،
стр. 4617
وابن أبي ذيب في الستين من "العلم"، والزهري في الثالث من "بدء الوحي".
والأغر هو سلمان الأغر أبو عبد الله المدني مولى جهينة، أصله من (أصبهان). قال شعبة: كان الأغر قاصًا لأهل المدينة وكان رضي. وقال الواقدي: سمعت ولده يقولون لقي عمر بن الخطاب ولا أثبت ذلك عن أحد غيرهم، وكان ثقة قليل الحديث. وذكره ابن حِبّان في "الثقات"، وقال ابن عبد البر: هو من ثقات تابعي الكوفة، ووثقه الذهلي، وهو غير الأغر بن سليك وغير الأغر أبي مسلم الذي يروي عنه أهل الكوفة.
روى عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص وعمّار وأبي أيوب وغيرهم. روى عنه بنوه عبيد الله وعبد والزهري وبكير بن الأشج وغيرهم.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول وأحد الرواة مذكور بكنيته، ولقبه، والآخر بنسبته إلى جده، والآخر بنسبته إلى قبيلته. ورواته مدنيون إلا شيخ البخاري خراساني سكن عسقلان وهو من أفراده. أخرجه البخاري أيضًا في "بدء الخلق"، ومسلم في "الجمعة"، والنسائي في "الصلاة" وفي "الملائكة". ثم قال المصنف:
стр. 4618
باب إذا رأى الإِمام رجلًا وهو يخطب أمره أن يصلي ركعتين
أي: إذا كان لم يصلهما قبل أن يراه.
الحديث الثالث والخمسون
حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِىُّ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: أَصَلَّيْتَ يَا فُلاَنُ؟. قَالَ: لاَ. قَالَ: قُمْ فَارْكَعْ ركعتين".
قوله: "عن جابر بن عبد الله" صرّح في الباب الذي يليه بسماع عمرو بن دينار من جابر. وقوله: "جاء رجل" هو سُلَيْك بن هُدْبَة الغَطَفاني كما وقع مسمى في هذه القصة عند مسلم عن أبي الزبير عن جابر بلفظ: "جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة ورسول الله ﷺ قائم على المنبر فقعد سليك قبل أن يصلي فقال له: أصليت ركعتين: قال: لا، فقال: قمْ فاركعهما". ومن طريق أبي سفيان عن جابر نحوه وفيه: "فقال له: يا سليك قم فاركع ركعتين" وتجوز فيهما هكذا رواه أصحاب الأعمش عنه ووهم منصور بن أبي الأسود عنه، فقال: جاء النعمان بن نوفل أخرجه الطبراني. وأخرج الطبراني عن أبي أنه: "أتى النبي ﷺ وهو يخطب، فقال لأبي ذر: صلّيت ركعتين: قال: لا"، الحديث. وفي إسناده ابن لهيعة وشذ بقوله يخطب فإن الحديث مشهور عن أبي ذر أنه "جاء إلى النبي ﷺ وهو جالس في المسجد" أخرجه ابن حِبّان وغيره.
وأما ما رواه الدارقطني عن أنس "قال: دخل رجل من قيس المسجد" فذكر نحو قصة سليك فلا يخالف كونه سليكًا؛ لأن غطفان من قيس، وأما تجويز أن الواقعة تعددت فغير ظاهر. وقد اختلف فيه على الأعمَش اختلافًا آخر، فقد رواه الثوري عنه عن جابر عن سليك فجعل الحديث من مسند سليك، وهذا لم يقله أحد عن الثوري غير الفريابي وإبراهيم بن خالد. وقد قاله عنه أيضًا عبد الرزاق أخرجه في مصنفه هكذا وأحمد عنه وأبو عوانة والدارقطني من طريقه.
وروى ابن عدي عن النسائي أنه قال: هذا خطأ، والذي يظهر أنه ما عني أن أحمل القصة عن سليك وإنما معناه أن جابراً حدّثهم عن قصة سليك؟ ولهذا نظير سيذكر إن شاء الله تعالى في كتاب "البيوع" في قصة أبي شعيب اللحام، فإنه هناك روى عن أبي مسعود "جاء رجل من الأنصار يكنى أبا شعيب فقال لغلام له قصاب: اجعل لي طعامًا يكفي خمسة" إلخ، فقد اتفقت الطرق على أنه من مسند أبي مسعود إلا ما روى عن أحمد عن الأعمَش بسنده فقال: "فيه عن رجل من الأنصار يكنى أبا شعيب قال: أتيت رسول الله ﷺ فعرفت في وجهه الجوع" إلخ.
стр. 4619
ومن المستغربات ما حكاه ابن بشكوال في "المبهمات" أن الداخل المذكور يقال له: "أبو هدبة" فإن كان محفوظًا فلعلها كنية سليك صادفت اسم أبيه.
وقوله: "فقال صليت؟ " كذا للأكثر بحذف همزة الاستفهام، وثبتت في رواية الأصيلي. وقوله: "قم فاركع" زاد المستملي والأصيلي "ركعتين"، وكذا في رواية سفيان في الباب بعد فصل ركعتين. وذهب الشافعي وأحمد وإسحاق إلى أنه إذا دخل الجامع يوم الجمعة والإمام يخطب يستحب أن يصلي ركعتين تحية المسجد، ويكره الجلوس قبل أن يصليهما. وذهب مالك وأبو حنيفة والليث والثوري وجمهور السلف من الصحابة والتابعين وقال الأولون: يندب صلاتهما إلا إذا كان في آخر الخطبة، فلا يصلي لئلا يفوته أول الجمعة قال في "المجموع": إن غلب على ظنه إن صلاّهما فاتته تكبيرة الإحرام مع الإمام لم يصلهما بل يقف حتى تقام الصلاة ولا يقعد، لئلا يكون جالسًا في المسجد قبل التحية. قال ابن الرفعة: ولو صلاّها في هذه الحال استحب للإمام أن يزيد في كلام الخطبة بقدر ما يكمل التحية، فإن لم يفعل ذلك قال في "الأم": كرهته له، فإن صلاّها وقد أقيمت الصلاة كرهت ذلك له، ويخففها وجوبًا ليسمع الخطبة.
قال الزركشي: والمراد بالتخفيف فيما ذكر الاقتصار على الواجبات لا الإسراع. قال: ويدل له ما ذكروه من أنه إذا ضاق الوقت وأراد الوضوء اقتصر على الواجبات. واستدلت الشافعية والحنابلة لما ذهبوا إليه بحديث الباب وبما أخرجه الشيخان عن جابر قال: "قال رسول الله ﷺ وهو يخطب: إذا جاء أحدكم والإمام يخطب أو قد خرج فليصلِ ركعتين".
ولمسلم عن أبي سفيان عن جابر أنه قال ذلك في قصة سليك ولفظه بعد قوله: "فاركعهما وتجوز فيهما"، ثم قال: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإِمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما".
قال النووي: هذا نص لا يتطرق إليه التأويل، ولا أظن عالمًا يبلغه هذا اللفظ ويظنه صحيحًا ويخالفه. وقال ابن أبي جمرة: هذا الحديث لم يقل بتأويله وإنما عمل بمعارضته؛ لكونه أقوى عنده منه فقد تمسك القائلون بالمنع بما قاله ابن العربي قصة سليك ما هو أقوى منها كقوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ وقوله ﷺ : "إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت" متفق عليه.
قال: فإذا امتنع الأمر بالمعروف وهو أمر اللاغي بالإِنصات مع قصر زمنه فمنع التشاغل بالتحية مع طول زمنها أولى، وعارضوا أيضًا بقوله ﵊ وهو يخطب للذي دخل يتخطى رقاب الناس: "اجلس فقد آذيت" أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة. وغيره عن عبد الله بن بشر قالوا: "فأمره بالجلوس ولم يأمره بالتحية". وبما أخرجه الطبراني عن ابن عمر رفعه "إذا دخل أحدكم والإمام على المنبر فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الإِمام" وتأولوا حديث سليك بأنه
стр. 4620
واقعة عين لا عموم فيها فيحتمل اختصاصها بسليك لما رأى من بذاذته لتتفطن له الناس فتتصدق عليه.
ويدل على هذا التأويل حديث أبي سعيد الذي أخرجه أصحاب "السنن" وغيرهم "جاء رجل والنبي ﷺ يخطب والرجل في هيئة بذة فقال له: أصليت؟ قال: لا، قال: صلِ ركعتين وحضِ الناس على الصدقة" الحديث، فأمره أن يصلي ليراه الناس وهو قائم فيتصدقون عَليه، ويؤيده أن في هذا الحديث عند أحمد أن النبي ﷺ قال: "إن هذا الرجل دخل المسجد في هيئة بذة فأمرته أن يصلي ركعتين وأنا أرجو أن يفطن له رجل فيتصدق عليه" وعرف بهذه الرواية الرد على مَنْ طعن في هذا التأويل فقال: لو كان كذلك لقال لهم: إذا رأيتم ذا بذة فتصدقوا عليه أو إذا كان أحد ذا بذة فليقم فليركع حتى يتصدق الناس عليه، والذي يظهر أنه ﷺ كان يعتني في مثل هذا بالإجمال دون التفصيل كما كان يصنع عند المعاتبة.
ومما يضعف الاستدلال به أيضًا على جواز التحية في تلك الحالة أنهم أطلقوا أن التحية تفوت بالجلوس، وورد ما يؤكد الخصوصية أيضًا وهو قوله ﷺ لسليك في آخر الحديث: "لا تعودن لمثل هذا" أخرجه ابن حِبّان. وأجابوا عن هذا التأويل بأن الأصل عدم الخصوصية، والتعليل بكونه ﵊ قصد التصدق عليه لا بمنع القول بجواز التحية، فإن المانعين منها لا يجيزون التطوع لعلة التصدق.
وقال ابن المنير: لو ساغ ذلك لساغ مثله في التطوع عند طلوع الشمس وسائر الأوقات المكروهة ولا قائل به.
قلت: هذا الجواب كله غفلة من قائله أما أن الأصل عدم الخصوصية فمحله عند عدم القرينة، وهنا قامت القرينة على الخصوصية بما تقدم من تصريحه ﵊ بأنه أمره أن يصلي رجاء أن يفطن له رجل فيتصدق. وبقوله له: "لا تعودن لمثل هذا" وبما دل عليه الحديث الذي كاد أن يكون متواترًا "إذا قلت لصاحبك أنصت" إلخ فإذا منعه من الأمر بالمعروف الذي هو فرض في هذه الحالة فمنعه من إقامة السُّنة أو الاستحباب بطريق الأول، وإذا ثبتت الخصوصية لسليك بطل بديهة قول القائل المار: لا يمنع القول بجواز التحية، فإن المانع هو النهي الوارد عنها في هذا الوقت. والحديث لكونه خصوصية لا يعارض النهي لا يرفعه.
وقول الآخر: "لساغ مثله في التطوع عند طلوع الشمس" إلخ فإن هذا خصوصية من الشارع والشارع لا يلزم بشيء والخصوصية لا يقاس عليها. وأجابوا أيضًا بأن أحمد وابن حِبّان أخرجا بأنه كرر أمره بالصلاة ثلاث مرات في ثلاث جُمع، وكان ذلك كما أخرجه النسائي وابن خزيمة بعد أن حصل له في الجمعة الأولى ثوبين فدخل بهما في الثانية فتصدق بأحدهما فنهاه النبي ﷺ عن ذلك. قالوا: فدل على أن قصد التصدق عليه جزء علة لا علة كاملة.
стр. 4621
قلت: هذا لا يجدي مع ثبوت الخصوصية وتكرر الأمر له هو دون غيره من جميع الصحابة لما مرّ أن هذه القصة لم تثبت عن أحد من الصحابة سواه قال على معنى فيه غيره موجود في غيره إذ لا يمكن أن أحدًا من الصحابة يؤمر بحكم شرعي مرتين ويتمادى، هذا ما ظهو لي والله تعالى أعلم.
وأجابوا عن كون التحية تفوت عندهم بالجلوس بأن النووى نقل عن المحققين أن ذلك في العامد العالم، أما الجاهل أو الناسي فلا وحال هذا الداخل محمولة في الأولى على أحدهما، وفي المرتين الأخريين على النسيان. وما قالوه في أمر الصحابي إنما هو تجوز عقلي لا يعول عليه. وأجابوا عمّا مرّ عن ابن العربي بأن المعارضة التي تؤول إلى إسقاط الدليلين إنما يعمل بها عند تعذر الجمع، والجمع هنا ممكن
أما الآية فليست الحطبة كلها قرآنًا، وأما ما فيها من القرآن فالجواب عنه كالجواب عن الحديث، وهو تخصيص عمومه بالداخل قلت: مع النهي الصريح للداخل عنها وثبوت الخصوصية وثبوب القاعدة الأصولية المتفق عليها من "تقديم درء المفاسد على جلب المصالح" لا يستقيم هذا الجواب.
وأجابوا أيضًا بأن مصلي التحية يجوز أن يطلق عليه أنه منصت، فقد تقدم في افتتاح الصلاة من حديث أبي هريرة أنه قال: "يا رسول الله سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول فيه؟ فأطلق على القول سرًا السكوت".
قلت: هذا الجواب ساقط؛ لأن المطلوب في الجمعة اصغاء والاستماع كما مرّ في الباب السابق لا مجرد السكوت، حتى يستدل بالحديث. وأما حديث ابن بشر فهو أيضًا واقعة عين لا عموم فيها فيحتمل أن يكون ترك أمره بالتحية قبل مشروعيتها، ويحتمل أن يجمع بينهما بأن قوله له: "اجلس" أي: بشوطه، وقد عرف قوله للداخل "فلا تجلس حتى تصلي ركعتين" فمعنى قوله: "اجلس" لا تتخط أو ترك أمره بالتحية لبيان الجواز، فإنها ليست واجبة؛ أو لكون دخوله وقع في آخر الخطبة بحيث ضاق الوقت عن التحية.
وقد اتفقوا على استثناء هذه الصورة، ويحتمل أن يكون صلى التحية في مؤخر المسجد، ثم تقدم ليقرب من سماع الخطبة فوقع منه التخطي فأنكر عليه والجواب عن حديث ابن عمر بأنه ضعيف فيه أيوب بن نهيك وهو منكر الحديث قاله أبو زرعة وأبو حاتم، والأحاديث الصحيحة لا تعارض بمثله.
والجواب عن هذا أنها لم تعارض بهذا الحديث وحده بل عورضت بما هو أقوى منها. وقد أجابوا عن حديث ابن بشر بما مرَّ من الاحتمالات. وقد قال الترمذي: إن قصة سليك هي أصح شيء روي في هذا الباب. وقد مرّ ما تطرقها من الاحتمال والقاعدة الأصولية أن "الدليل إذا تطرقه الاحتمال سقط به الاستدلال".
стр. 4622
وأجيب عنه أيضًا بأنه ﵊ أنصت له حتى فرغ من صلاته، ويدل عليه ما رواه الدارقطني في "سننه" عن أنس قال: "دخل رجل المسجد ورسول الله ﷺ يخطب فقال له النبي ﷺ : "قم فاركع ركعتين، وأمسك عن الخطبة حتى فرغ من صلاته" فعلى هذا، فقد جمع سليك سماع الخطبة وصلاة التحية. فإن قيل إن الدارقطني قال أسنده عبيد بن محمد والصواب أنه مرسل وقد أخرجه أحمد من رواية سليمان التيمي مرسلًا، فالجواب أن المرسل حجة عند المانعين ويؤيد هذا ما أخرجه ابن أبي شيبة عن محمد بن قيس أن النبي ﷺ لما أمره أن يصلي أمسك عن الخطبة حتى فرغ من ركعتيه، ثم عاد إلى خطبته.
وأجيب عنه أيضًا بأن ذلك كان قبل شروعه ﵊ في الخطبة.
وقد بوّب النسائي في "سننه الكبرى" على حديث سليك فقال باب "الصلاة قبل الخطبة" ثم أخرج حديث سليك عن جابر قال: "جاء سليك الغطفاني ورسول الله ﷺ قاعد على المنبر فقعد سليك قبل أن يصلي" الحديث، ومثله عند مسلم.
وأجيب عن هذا بأن القعود على المنبر لا يختص بالابتداء، بل يحتمل أن يكون بين الخطبتين، فيكون كلمه بذلك وهو قاعد فلما قام ليصلي قام النبي ﷺ للخطبة؛ لأن زمن الخطبة لا يطول، ويحتمل أن يكون الراوي تجوّز في قوله وهو قاعد؛ لأن الروايات الصحيحة كلها مطبقة على أنه دخل والنبي ﷺ يخطب. ويرد هذا الجواب أن الأصل ابتداء قعوده وقعوده بين الخطبتين محتمل، فلا يحكم به على الأصل على أن أمره ﷺ إياه بأن يصلي ركعتين وسؤاله إياه هل صليت وأمره للناس بالصدقة وامتثال الناس يضيق عنه القعود بين الخطبتين؛ لأن زمن هذا القعود لا يطول كما مرّ عند ذكره. واحتمال تجوز الراوي احتمال عقلي لا دليل عليه وتوهين للرواية الصحيحة بدون سبب.
وأجيب عنه أيضًا بما قاله ابن العربي قال: لما تشاغل النبي ﷺ بمخاطبة سليك سقط فرض الاستماع عنه إذ لم تكن منه حينئذ خطبة؛ لأجل تلك المخاطبة وادعى أنه أقوى الأجوبة قال في "الفتح": وهو من أضعفها؛ لأن المخاطبة لما انقضت رجع النبي ﷺ إلى خطبته وتشاغل سليك بامتثال ما أمره به من الصلاة، فصح أنه صلى في حالة الخطبة. وما قاله مردود، فإن رجوعه ﵊ إلى الخطبة حال صلاة سليك لم يأت عليه بدليل. وما مرّ عن الدارقطني وغيره يبطله.
وأجيب عنه أيضًا بأن ذلك كان منه قبل أن ينسخ الكلام في الصلاة ثم لما نسخ في الصلاة نسخ أيضًا في الخطبة؛ لأنها شطر صلاة الجمعة أو شرطها. قال الطحاوي: تواترت الروايات عن النبي ﷺ بأن مَنْ قال لصاحبه "انصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغا" فإذا كان قول الرجل والإمام يخطب لصاحبه أنصت لغوًا كان قول الإمام للرجل قم فصل لغوًا أيضًا، فثبت بذلك أن
стр. 4623
الوقت الذي كان فيه الأمر من رسول الله ﷺ لسليك جاء أمره به إنما كان قبل النهي، وكان الحكم منه في ذلك بخلاف الحكم في الوقت الذي جعل مثل ذلك لغوًا.
وقد قال ابن العربي: الصلاة حين ذلك حرام من ثلاثة أوجه:
الأول: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ فكيف بترك الفرض الذي شرع الإِمام فيه إذا دخل عليه فيه ويشتغل بغير فرض. وقد مرَّ جوابهم عن هذا.
الثاني: صح عنه ﷺ أنه قال: "إذا قلت لصاحبك أنصت فقد لغوت"، فإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الأصلان المفروضان الركنان في الإِسلام يحرمان في حال الخطبة، فالنفل أولى أن يحرم.
الثالث: لو دخل والإمام في الصلاة لم يركع والخطبة صلاة إذ يحرم فيها ما يحرم في الصلاة من الكلام والعمل. وأما حديث سليك فلا يعترض به على هذه الأصول من أربعة أوجه:
الأول: هو خبر آحاد.
الثاني: يحتمل أنه كان في وقت كان الكلام فيه مباحًا في الصلاة؛ لأنا لا نعلم تاريخه، فكان مباحًا في الخطبة فلما حرم في الخطبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو آكد فرضية من الاستماع، فأولى أن يحرم ما ليس بفرض.
الثالث: أن النبي ﷺ كلّم سليكاً وقال له: "قم فصل"، فلما كلّمه وأمره يسقط عنه فرض الاستماع إلى آخر ما مرّ.
الرابع: أن سليكًا كان ذا بذاذة إلخ.
وأجابوا عمّا قيل من أن الكلام كان مباحًا في الصلاة بأن سليكًا متأخر الإِسلام جدًا، وتحريم الكلام متقدم جدًا، فكيف يدعى نسخ المتأخر بالمتقدم مع أن النسخ لا يثبت بالاحتمال؟ هكذا قال في "الفتح". وقد مرَّ قول ابن العربي: إن التاريخ غير معلوم. وقول صاحب "الفتح": إن تحريم الكلام متقدم جدًا غير مُسَلّم لما يأتي عنه في أبواب العمل في الصلاة هل كان التحريم (بمكة) أو (المدينة)؟ والذي يظهر أنه المعتمد كونه (بالمدينة)، وما قاله من تأخير إسلام سليك جدًا لم يذكر هو في "الإصابة" ولا ابن عبد البر في "الاستيعاب" وقت إسلام سليك حتى يكون متقدمًا أو متأخرًا فبان سقوط ما اعترض به، وتعقبوا ما مرّ من كون الداخل والإمام في الصلاة تسقط عنه التحية والخطبة صلاة إلخ بأن الخطبة ليست صلاة من كل وجه، والفرق بينها ظاهر من وجوه كثيرة، والداخل في حال الخطبة مأمور بشغل البقعة بالصلاة قبل الجلوس بخلاف الداخل في حال الصلاة، فإن إتيانه بالصلاة التي أقيمت يحصل المقصود هذا مع تفريق الشارع بينهما.
فقال: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوية، وفي بعض طرقه فلا صلاة إلا التي أقيمت،
стр. 4624
ولم يقل ذلك في حال الخطبة بل أمر فيها بالصلاة، وهذا التعقيب متعقب فإن قوله: "إن الخطبة ليست صلاة من كل وجه". يقال فيه: إن القائل لم يدّع أنها صلاة من كل وجه بل قال: إنها صلاة من حيث إنها يحرم فيها ما يحرم في الصلاة من الكلام والعمل وكون الداخل مأمورًا بشغل البقعة بالصلاة مصادرة، فإن هذا هو محل النزاع، فالمانعون قالوا إنه منهي عن الصلاة في ذلك الوقت، وأنه مطلوب بشغل البقعة بالإنصات الواجب عليه كون الشارع فرّق بينهما إلخ. لم يفرق بينهما بل نهى عن الصلاة في الحالتين.
وأجيب أيضًا بأن قضية سليك كانت في حال إباحة الأفعال في الخطبة قبل أن ينهى عنها، ألا ترى أن في حديث أبي سعيد الخدري "فألقى الناسُ ثيابَهم". وقد أجمع المسلمون على أن نزع الرجل ثوبه والإمام يخطب غير جائز وكذلك مس الحصى. وقول الرجل لصاحبه: أنصت كل ذلك لا يجوز، فدل ذلك على أن ما أمر به سليكًا، وما أمر به الناس من الصدقة عليه كان في حال إباحة الأفعال في الخطبة، ولما أمر ﷺ بالإنصات عند الخطبة وجعل حكم الخطبة كحكم الصلاة، وجعل الكلام فيها لغوًا كما كان لغوًا في الصلاة، ثبت بذلك أن الصلاة فيها ممنوعة.
وأجيب أيضًا بأنا لا نُسَلّم أن المراد بالركعتين المأمور بهما في حديث سليك تحية المسجد، بل يحتمل أن تكون صلاة فائتة كالصبح مثلًا.
قال ابن المنير: لعله ﷺ كشف له عن ذلك، وإنما استفهم ملاطفة له في الخطاب.
قال: ولو كان المراد بالصلاة التحية لم يحتج إلى استفهامه؛ لأنه قد رآه لما دخل وقد روى هذا ابن حِبّان فقال: لو كان كذلك لم يتكرر أمره له بذلك مرة بعد أخرى، وما استدل به ابن حِبّان غير ظاهر؛ لأنه يقال فيه كذلك لو كان للتحية لم يتكرر أمره له بذلك، ولا يحتاج الصحابي إلى التكرار وكون التكرار واقعًا في الواجب أولى من كونه واقعًا في النفل.
وأجيب أيضًا بأنا لا نسلم أن الخطبة المذكورة كانت للجمعة، ويدل على أنها كانت لغيرها قوله للداخل: أصليت؛ لأن وقت الصلاة لم يكن دخل، وهذا ينبني على أن الاستفهام عن صلاة الفرض فيحتاج إلى ثبوت ذلك، وقد وقع في حديث الباب وفي الذي بعده أن ذلك كان يوم الجمعة، فهو ظاهر في أن الخطبةكانت لصلاة.
وأقوى ما اعتمده المالكية في هذه المسألة عمل أهل المدينة خلفًا عن سلف من لدن الصحابة إلى عهد مالك أن التنفل في حال الخطبة ممنوع مطلقًا.
وقد قال عياض: كان أبو بكر وعمر وعثمان يمنعون من الصلاة عند الخطبة.
وقال ابن شهاب: خروج الإِمام يمنع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام.
وأخرج الطحاوي عن ثعلبة بن أبي مالك كان عمر -رضي الله تعالى عنه- "إذا خرج للخطبة أنصتنا".
стр. 4625
وفي رواية: "إن جلوس الإمام على المنبر يقطع الصلاة".
وأخرج ابن أبي شيبة عنه في مصنفه قال: "أدركت عمر وعثمان -رضي الله تعالى عنهما- فكان الإمام إذا خرج تركنا الصلاة، وإذا تكلم تركنا الكلام".
وتعقب في "الفتح" هذا بمنع اتفاق أهل المدينة على ذلك. قال: فقد ثبت فعل التحية عن أبي سعيد الخدري، وهو من فقهاء الصحابة من أهل المدينة، وحمله عنه أصحابه من أهل المدينة.
فقد روى الترمذي وابن خزيمة وصححاه "أن أبا سعيد الخدري دخل ومروان يخطب فصلّى ركعتين فأراد حرس مروان أن يمنعوه فأبى حتى صلاّهما ثم قال: "ما كنت لأدعهما بعد أن سمعت رسول الله ﷺ يأمر بهما".
قال: ولم يثبت عن أحد من الصحابة صريحًا ما يخالف ذلك.
وأما ما نقله ابن بطال عن عمر وعثمان وغير واحد من الصحابة من المنع مطلقًا، فاعتماده في ذلك على روايات عنهم فيها احتمال كقول ثعلبة بن أبي مالك: "أدركت عمر وعثمان وكان الإمام إذا خرج تركنا الصلاة". وجه الاحتمال أن يكون ثعلبة عني بذلك من كان داخل المسجد خاصة.
وقال الحافظ أبو الفضل في "شرح الترمذي": كل مَنْ نقل عنه من الصحابة منع الصلاة والإمام يخطب محمول على مَنْ كان داخل المسجد؛ لأنه لم يقع عن أحد منهم التصريح بمنع التحية. وقد ورد فيها حديث يخصها فلا يترك بالاحتمال.
قلت: هذا التعقب كله متعقب فإن حديث أبي سعيد نفسه دال على أن عملهما في المدينة لم يكن متعارفًا وإلا لما أراد حرس مروان منع أبي سعيد من صلاتهما، فإرادتهما سمعه دليل واضح على أن الأمراء كانوا يوكلون من يمنع من صلاتهما، وانفراد أبي سعيد لا يمنع من الاتفاق كانفراد عبد الله بن مسعود بالقراءة وغيره من الصحابة. وما قاله من الاحتمال في كلام ثعلبة بن أبي مالك بعيد جدًا، فإن تعليقه لترك الكلام على خروج الإمام ظاهر أو صريح في عموم الداخل والسابق، وكذلك الروايات السابقة عنه. وما قاله أبو الفضل من أنها ورد فيها حديث يخصها فلا يترك بالاحتمال يجاب عنه بأن الوارد فيها أقواه حديث سليك كما مرَّ، وفيه من الاحتمالات ما يوجب سقوط الاستدلال به قطعًا
وقوله: "أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة صريحًا ما يخالف ذلك" يقال فيه: إنه قد ورد عنهم ما يخالف ذلك، فقد روي عن أبي سعيد الخدري رفعه: "لا تصلُّوا والِإمام يخطب". ودعوى أن عمومه يخص بالأمر بصلاة التحية دعوى لا دليل عليها، ولم لا يقال إن إطلاق الأمر بالتحية يقيد بالنهي وقت الخطبة.
следующие страницы →