← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

قلت: هذا لا يجدي مع ثبوت الخصوصية وتكرر الأمر له هو دون غيره من جميع الصحابة لما مرّ أن هذه القصة لم تثبت عن أحد من الصحابة سواه قال على معنى فيه غيره موجود في غيره إذ لا يمكن أن أحدًا من الصحابة يؤمر بحكم شرعي مرتين ويتمادى، هذا ما ظهو لي والله تعالى أعلم. وأجابوا عن كون التحية تفوت عندهم بالجلوس بأن النووى نقل عن المحققين أن ذلك في العامد العالم، أما الجاهل أو الناسي فلا وحال هذا الداخل محمولة في الأولى على أحدهما، وفي المرتين الأخريين على النسيان. وما قالوه في أمر الصحابي إنما هو تجوز عقلي لا يعول عليه. وأجابوا عمّا مرّ عن ابن العربي بأن المعارضة التي تؤول إلى إسقاط الدليلين إنما يعمل بها عند تعذر الجمع، والجمع هنا ممكن أما الآية فليست الحطبة كلها قرآنًا، وأما ما فيها من القرآن فالجواب عنه كالجواب عن الحديث، وهو تخصيص عمومه بالداخل قلت: مع النهي الصريح للداخل عنها وثبوت الخصوصية وثبوب القاعدة الأصولية المتفق عليها من "تقديم درء المفاسد على جلب المصالح" لا يستقيم هذا الجواب. وأجابوا أيضًا بأن مصلي التحية يجوز أن يطلق عليه أنه منصت، فقد تقدم في افتتاح الصلاة من حديث أبي هريرة أنه قال: "يا رسول الله سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول فيه؟ فأطلق على القول سرًا السكوت". قلت: هذا الجواب ساقط؛ لأن المطلوب في الجمعة اصغاء والاستماع كما مرّ في الباب السابق لا مجرد السكوت، حتى يستدل بالحديث. وأما حديث ابن بشر فهو أيضًا واقعة عين لا عموم فيها فيحتمل أن يكون ترك أمره بالتحية قبل مشروعيتها، ويحتمل أن يجمع بينهما بأن قوله له: "اجلس" أي: بشوطه، وقد عرف قوله للداخل "فلا تجلس حتى تصلي ركعتين" فمعنى قوله: "اجلس" لا تتخط أو ترك أمره بالتحية لبيان الجواز، فإنها ليست واجبة؛ أو لكون دخوله وقع في آخر الخطبة بحيث ضاق الوقت عن التحية. وقد اتفقوا على استثناء هذه الصورة، ويحتمل أن يكون صلى التحية في مؤخر المسجد، ثم تقدم ليقرب من سماع الخطبة فوقع منه التخطي فأنكر عليه والجواب عن حديث ابن عمر بأنه ضعيف فيه أيوب بن نهيك وهو منكر الحديث قاله أبو زرعة وأبو حاتم، والأحاديث الصحيحة لا تعارض بمثله. والجواب عن هذا أنها لم تعارض بهذا الحديث وحده بل عورضت بما هو أقوى منها. وقد أجابوا عن حديث ابن بشر بما مرَّ من الاحتمالات. وقد قال الترمذي: إن قصة سليك هي أصح شيء روي في هذا الباب. وقد مرّ ما تطرقها من الاحتمال والقاعدة الأصولية أن "الدليل إذا تطرقه الاحتمال سقط به الاستدلال".

стр. 4622

وأجيب عنه أيضًا بأنه ﵊ أنصت له حتى فرغ من صلاته، ويدل عليه ما رواه الدارقطني في "سننه" عن أنس قال: "دخل رجل المسجد ورسول الله ﷺ يخطب فقال له النبي ﷺ : "قم فاركع ركعتين، وأمسك عن الخطبة حتى فرغ من صلاته" فعلى هذا، فقد جمع سليك سماع الخطبة وصلاة التحية. فإن قيل إن الدارقطني قال أسنده عبيد بن محمد والصواب أنه مرسل وقد أخرجه أحمد من رواية سليمان التيمي مرسلًا، فالجواب أن المرسل حجة عند المانعين ويؤيد هذا ما أخرجه ابن أبي شيبة عن محمد بن قيس أن النبي ﷺ لما أمره أن يصلي أمسك عن الخطبة حتى فرغ من ركعتيه، ثم عاد إلى خطبته. وأجيب عنه أيضًا بأن ذلك كان قبل شروعه ﵊ في الخطبة. وقد بوّب النسائي في "سننه الكبرى" على حديث سليك فقال باب "الصلاة قبل الخطبة" ثم أخرج حديث سليك عن جابر قال: "جاء سليك الغطفاني ورسول الله ﷺ قاعد على المنبر فقعد سليك قبل أن يصلي" الحديث، ومثله عند مسلم. وأجيب عن هذا بأن القعود على المنبر لا يختص بالابتداء، بل يحتمل أن يكون بين الخطبتين، فيكون كلمه بذلك وهو قاعد فلما قام ليصلي قام النبي ﷺ للخطبة؛ لأن زمن الخطبة لا يطول، ويحتمل أن يكون الراوي تجوّز في قوله وهو قاعد؛ لأن الروايات الصحيحة كلها مطبقة على أنه دخل والنبي ﷺ يخطب. ويرد هذا الجواب أن الأصل ابتداء قعوده وقعوده بين الخطبتين محتمل، فلا يحكم به على الأصل على أن أمره ﷺ إياه بأن يصلي ركعتين وسؤاله إياه هل صليت وأمره للناس بالصدقة وامتثال الناس يضيق عنه القعود بين الخطبتين؛ لأن زمن هذا القعود لا يطول كما مرّ عند ذكره. واحتمال تجوز الراوي احتمال عقلي لا دليل عليه وتوهين للرواية الصحيحة بدون سبب. وأجيب عنه أيضًا بما قاله ابن العربي قال: لما تشاغل النبي ﷺ بمخاطبة سليك سقط فرض الاستماع عنه إذ لم تكن منه حينئذ خطبة؛ لأجل تلك المخاطبة وادعى أنه أقوى الأجوبة قال في "الفتح": وهو من أضعفها؛ لأن المخاطبة لما انقضت رجع النبي ﷺ إلى خطبته وتشاغل سليك بامتثال ما أمره به من الصلاة، فصح أنه صلى في حالة الخطبة. وما قاله مردود، فإن رجوعه ﵊ إلى الخطبة حال صلاة سليك لم يأت عليه بدليل. وما مرّ عن الدارقطني وغيره يبطله. وأجيب عنه أيضًا بأن ذلك كان منه قبل أن ينسخ الكلام في الصلاة ثم لما نسخ في الصلاة نسخ أيضًا في الخطبة؛ لأنها شطر صلاة الجمعة أو شرطها. قال الطحاوي: تواترت الروايات عن النبي ﷺ بأن مَنْ قال لصاحبه "انصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغا" فإذا كان قول الرجل والإمام يخطب لصاحبه أنصت لغوًا كان قول الإمام للرجل قم فصل لغوًا أيضًا، فثبت بذلك أن

стр. 4623

الوقت الذي كان فيه الأمر من رسول الله ﷺ لسليك جاء أمره به إنما كان قبل النهي، وكان الحكم منه في ذلك بخلاف الحكم في الوقت الذي جعل مثل ذلك لغوًا. وقد قال ابن العربي: الصلاة حين ذلك حرام من ثلاثة أوجه: الأول: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ فكيف بترك الفرض الذي شرع الإِمام فيه إذا دخل عليه فيه ويشتغل بغير فرض. وقد مرَّ جوابهم عن هذا. الثاني: صح عنه ﷺ أنه قال: "إذا قلت لصاحبك أنصت فقد لغوت"، فإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الأصلان المفروضان الركنان في الإِسلام يحرمان في حال الخطبة، فالنفل أولى أن يحرم. الثالث: لو دخل والإمام في الصلاة لم يركع والخطبة صلاة إذ يحرم فيها ما يحرم في الصلاة من الكلام والعمل. وأما حديث سليك فلا يعترض به على هذه الأصول من أربعة أوجه: الأول: هو خبر آحاد. الثاني: يحتمل أنه كان في وقت كان الكلام فيه مباحًا في الصلاة؛ لأنا لا نعلم تاريخه، فكان مباحًا في الخطبة فلما حرم في الخطبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو آكد فرضية من الاستماع، فأولى أن يحرم ما ليس بفرض. الثالث: أن النبي ﷺ كلّم سليكاً وقال له: "قم فصل"، فلما كلّمه وأمره يسقط عنه فرض الاستماع إلى آخر ما مرّ. الرابع: أن سليكًا كان ذا بذاذة إلخ. وأجابوا عمّا قيل من أن الكلام كان مباحًا في الصلاة بأن سليكًا متأخر الإِسلام جدًا، وتحريم الكلام متقدم جدًا، فكيف يدعى نسخ المتأخر بالمتقدم مع أن النسخ لا يثبت بالاحتمال؟ هكذا قال في "الفتح". وقد مرَّ قول ابن العربي: إن التاريخ غير معلوم. وقول صاحب "الفتح": إن تحريم الكلام متقدم جدًا غير مُسَلّم لما يأتي عنه في أبواب العمل في الصلاة هل كان التحريم (بمكة) أو (المدينة)؟ والذي يظهر أنه المعتمد كونه (بالمدينة)، وما قاله من تأخير إسلام سليك جدًا لم يذكر هو في "الإصابة" ولا ابن عبد البر في "الاستيعاب" وقت إسلام سليك حتى يكون متقدمًا أو متأخرًا فبان سقوط ما اعترض به، وتعقبوا ما مرّ من كون الداخل والإمام في الصلاة تسقط عنه التحية والخطبة صلاة إلخ بأن الخطبة ليست صلاة من كل وجه، والفرق بينها ظاهر من وجوه كثيرة، والداخل في حال الخطبة مأمور بشغل البقعة بالصلاة قبل الجلوس بخلاف الداخل في حال الصلاة، فإن إتيانه بالصلاة التي أقيمت يحصل المقصود هذا مع تفريق الشارع بينهما. فقال: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوية، وفي بعض طرقه فلا صلاة إلا التي أقيمت،

стр. 4624

ولم يقل ذلك في حال الخطبة بل أمر فيها بالصلاة، وهذا التعقيب متعقب فإن قوله: "إن الخطبة ليست صلاة من كل وجه". يقال فيه: إن القائل لم يدّع أنها صلاة من كل وجه بل قال: إنها صلاة من حيث إنها يحرم فيها ما يحرم في الصلاة من الكلام والعمل وكون الداخل مأمورًا بشغل البقعة بالصلاة مصادرة، فإن هذا هو محل النزاع، فالمانعون قالوا إنه منهي عن الصلاة في ذلك الوقت، وأنه مطلوب بشغل البقعة بالإنصات الواجب عليه كون الشارع فرّق بينهما إلخ. لم يفرق بينهما بل نهى عن الصلاة في الحالتين. وأجيب أيضًا بأن قضية سليك كانت في حال إباحة الأفعال في الخطبة قبل أن ينهى عنها، ألا ترى أن في حديث أبي سعيد الخدري "فألقى الناسُ ثيابَهم". وقد أجمع المسلمون على أن نزع الرجل ثوبه والإمام يخطب غير جائز وكذلك مس الحصى. وقول الرجل لصاحبه: أنصت كل ذلك لا يجوز، فدل ذلك على أن ما أمر به سليكًا، وما أمر به الناس من الصدقة عليه كان في حال إباحة الأفعال في الخطبة، ولما أمر ﷺ بالإنصات عند الخطبة وجعل حكم الخطبة كحكم الصلاة، وجعل الكلام فيها لغوًا كما كان لغوًا في الصلاة، ثبت بذلك أن الصلاة فيها ممنوعة. وأجيب أيضًا بأنا لا نُسَلّم أن المراد بالركعتين المأمور بهما في حديث سليك تحية المسجد، بل يحتمل أن تكون صلاة فائتة كالصبح مثلًا. قال ابن المنير: لعله ﷺ كشف له عن ذلك، وإنما استفهم ملاطفة له في الخطاب. قال: ولو كان المراد بالصلاة التحية لم يحتج إلى استفهامه؛ لأنه قد رآه لما دخل وقد روى هذا ابن حِبّان فقال: لو كان كذلك لم يتكرر أمره له بذلك مرة بعد أخرى، وما استدل به ابن حِبّان غير ظاهر؛ لأنه يقال فيه كذلك لو كان للتحية لم يتكرر أمره له بذلك، ولا يحتاج الصحابي إلى التكرار وكون التكرار واقعًا في الواجب أولى من كونه واقعًا في النفل. وأجيب أيضًا بأنا لا نسلم أن الخطبة المذكورة كانت للجمعة، ويدل على أنها كانت لغيرها قوله للداخل: أصليت؛ لأن وقت الصلاة لم يكن دخل، وهذا ينبني على أن الاستفهام عن صلاة الفرض فيحتاج إلى ثبوت ذلك، وقد وقع في حديث الباب وفي الذي بعده أن ذلك كان يوم الجمعة، فهو ظاهر في أن الخطبةكانت لصلاة. وأقوى ما اعتمده المالكية في هذه المسألة عمل أهل المدينة خلفًا عن سلف من لدن الصحابة إلى عهد مالك أن التنفل في حال الخطبة ممنوع مطلقًا. وقد قال عياض: كان أبو بكر وعمر وعثمان يمنعون من الصلاة عند الخطبة. وقال ابن شهاب: خروج الإِمام يمنع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام. وأخرج الطحاوي عن ثعلبة بن أبي مالك كان عمر -رضي الله تعالى عنه- "إذا خرج للخطبة أنصتنا".

стр. 4625

وفي رواية: "إن جلوس الإمام على المنبر يقطع الصلاة". وأخرج ابن أبي شيبة عنه في مصنفه قال: "أدركت عمر وعثمان -رضي الله تعالى عنهما- فكان الإمام إذا خرج تركنا الصلاة، وإذا تكلم تركنا الكلام". وتعقب في "الفتح" هذا بمنع اتفاق أهل المدينة على ذلك. قال: فقد ثبت فعل التحية عن أبي سعيد الخدري، وهو من فقهاء الصحابة من أهل المدينة، وحمله عنه أصحابه من أهل المدينة. فقد روى الترمذي وابن خزيمة وصححاه "أن أبا سعيد الخدري دخل ومروان يخطب فصلّى ركعتين فأراد حرس مروان أن يمنعوه فأبى حتى صلاّهما ثم قال: "ما كنت لأدعهما بعد أن سمعت رسول الله ﷺ يأمر بهما". قال: ولم يثبت عن أحد من الصحابة صريحًا ما يخالف ذلك. وأما ما نقله ابن بطال عن عمر وعثمان وغير واحد من الصحابة من المنع مطلقًا، فاعتماده في ذلك على روايات عنهم فيها احتمال كقول ثعلبة بن أبي مالك: "أدركت عمر وعثمان وكان الإمام إذا خرج تركنا الصلاة". وجه الاحتمال أن يكون ثعلبة عني بذلك من كان داخل المسجد خاصة. وقال الحافظ أبو الفضل في "شرح الترمذي": كل مَنْ نقل عنه من الصحابة منع الصلاة والإمام يخطب محمول على مَنْ كان داخل المسجد؛ لأنه لم يقع عن أحد منهم التصريح بمنع التحية. وقد ورد فيها حديث يخصها فلا يترك بالاحتمال. قلت: هذا التعقب كله متعقب فإن حديث أبي سعيد نفسه دال على أن عملهما في المدينة لم يكن متعارفًا وإلا لما أراد حرس مروان منع أبي سعيد من صلاتهما، فإرادتهما سمعه دليل واضح على أن الأمراء كانوا يوكلون من يمنع من صلاتهما، وانفراد أبي سعيد لا يمنع من الاتفاق كانفراد عبد الله بن مسعود بالقراءة وغيره من الصحابة. وما قاله من الاحتمال في كلام ثعلبة بن أبي مالك بعيد جدًا، فإن تعليقه لترك الكلام على خروج الإمام ظاهر أو صريح في عموم الداخل والسابق، وكذلك الروايات السابقة عنه. وما قاله أبو الفضل من أنها ورد فيها حديث يخصها فلا يترك بالاحتمال يجاب عنه بأن الوارد فيها أقواه حديث سليك كما مرَّ، وفيه من الاحتمالات ما يوجب سقوط الاستدلال به قطعًا وقوله: "أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة صريحًا ما يخالف ذلك" يقال فيه: إنه قد ورد عنهم ما يخالف ذلك، فقد روي عن أبي سعيد الخدري رفعه: "لا تصلُّوا والِإمام يخطب". ودعوى أن عمومه يخص بالأمر بصلاة التحية دعوى لا دليل عليها، ولم لا يقال إن إطلاق الأمر بالتحية يقيد بالنهي وقت الخطبة.

стр. 4626

وأخرج الطحاوي عن عقبة بن عامر أنه قال: الصلاة والإمام على المنبر معصية، فأي تصريح فوق هذا؛ فإن قيل في سنده ابن لهيعة. أُجيب عنه بأنه قد وثّقه أحمد، وروى عنه كثيرًا، ووثّقه ابن وهب وأحمد بن صالح. وأخرج الطحاوي عن عطاء قال: "كان ابن عمر وابن عباس -رضي الله تعالى عنهم- يكرهان الكلام والصلاة إذا خرج الإِمام يوم الجمعة". وأخرج الطحاوي مثل هذا عن الشعبي والزهري وعلقمة وأبي قلابة ومجاهد من التابعين. واحتج المانعون أيضًا بأنهم اتفقوا على أن منع الصلاة في الأوقات المكروهة يستوي فيه مَنْ كان داخل المسجد أو خارجه. وقد اتفقوا على أن مَنْ كان داخل المسجد يمتنع عليه التنفل حال الخطبة، فليكن الآتي كذلك، قاله الطحاوي ووافقه الماوردي من الشافعية على ما نقل من الاتفاق. وتعقب هذا بأنه قياس في مقابلة النص فهو فاسد، ورد هذا بأن الطحاوي لم يبن كلامه على القياس حتى يكون ما قاله قياسًا في مقابلة النص، بل الطحاوي روى أحاديث عن سليمان وأبي سعيد وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص وأوس بن أوس -رضي الله تعالى عنهم- كلها تأمر بالإنصات إذا خطب الإمام، فتدل على أن موضع كلام الإمام ليس بموضع للصلاة، فبالنظر على ذلك يستوي الداخل والآتي. وأيضًا إنما يكون القياس في مقابلة النص فاسدًا إذا كان ذلك النص سالمًا من المعارض، ولم يسلم حديث سليك عن أمور كثيرة مرَّ ذكرها. واحتجوا أيضًا بأنهم اتفقوا على سقوط التحية عن الإِمام مع كونه يجلس على المنبر مع أن له ابتداء الكلام في الخطبة دون المأموم، فيكون ترك المأموم التحية بطريق الأولى، وتعقب بأنه أيضًا قياس في مقابلة النص فهو فاسد؛ ولأن الأمر وقع مقيدًا بحال الخطبة، فلم يتناول الخطيب، وهذا التعقب مردود بما مرّ قريبًا من أن القياس في مقابلة النص إنما يكون فاسدًا إلخ، وبأن الخطيب إذا لم يتناوله الحديث المقيد بحال الخطبة يتناوله الحديث المتفق عليه الذي فيه الأمر للداخل بأن لا يجلس حتى يصلي ركعتين، فلولا أن دخوله هو للمسجد مانع من التحية لكان هو مطالبًا بالتحية. واحتج المانحون بأن عمر لم يأمر عثمان بصلاة التحية مع أنه أنكر عليه الاقتصار على الوضوء. وأجيب باحتمال أن يكون صلاّهما. واحتجوا أيضًا بما أخرجه الطحاوي "عن عبد الله بن صفوان أنه دخل المسجد وابن الزبير يخطب فاستلم الركن، ثم سلم ثم جلس ولم يركع. وعبد الله بن صفوان وعبد الله بن الزبير صحابيان صغيران، فقد استدل به الطحاوي فقال: لما لم ينكر ابن الزبير على ابن صفوان ولا من حضرهما من الصحابة ترك التحية، فدل على صحة ما قلناه. وتعقب بأن تركهم النكير لا يدل على

стр. 4627

تحريمها بل يدل على عدم وجوبها، ولم يقل به مخالفوهم. وهذا التعقيب متعقب؛ لأنه ما ادّعى تحريمها حتى يرد ما استدل به الطحاوي، ولم يقل هو ولا غيره بالحرمة وإنما دعواهم أن الداخل ينبغي أن يجلس ولا يصلي شيئًا، والحال أن الإمام يخطب وهو الذي ذهب إليه الجمهور من الصحابة والتابعين. قال في "الفتح": وهذه الأجوبة التي قد مرّت يندفع من أصلها بعموم قوله ﷺ في حديث أبي قتادة: "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس" متفق عليه. فهذا عام يتناول كل داخل في المسجد سواء كان يوم الجمعة والإمام يخطب أو غيره. ويجاب عن هذا بأن الحديث في حق مَنْ دخل المسجد في حال تحل فيه الصلاة لا مطلقًا ألا ترى أن مَنْ دخل المسجد عند طلوع الشمس وغروبها أو عند قيامها في كبد السماء عند مَنْ منع الصلاة في ذلك الوقت لا يصلّي في هذه الأوقات للنهي الوارد فيه؟ فكذلك لا يمشي والإمام يخطب يوم الجمعة لورود وجوب الإِنصات فيه، والصلاة حينئذ مما يخل بالإنصات. قلت: هذا لا يرد على مَنْ يخص النهي في هذه الأوقات بالنافلة التي لا سبب لها كالشافعية وفي الحديث أن للخطيب أن يأمر في خطبته وينهى، ويبيّن الأحكام المحتاج إليها ولا يقطع ذلك التوالي المشترط فيها، بل لقائل أن يقول كل ذلك يعد من الخطبة. واستدل به على أن المسجد شرط للجمعة للاتفاق على أنه لا تشرع التحية لغير المسجد، واستثنى المحاملي المسجد الحرام؛ لأن تحيته الطواف، وفيه نظر لطول زمان الطواف بالنسبة إلى الركعتين. قال في "الفتح": والذي يظهر من قولهم إن تحية مسجد (مكة) الطواف إنما هو في حق القادم ليكون أول شيء يفعله الطواف، وأما المقيم فحكم المسجد الحرام وغيره في ذلك سواء، ولعل قول مَنْ أطلق أنه يبدأ في المسجد الحرام بالطواف لكون الطواف يعقبه صلاة الركعتين، فيحصل شغل البقعة بالصلاة غالبًا وهو المقصود، ويختص المسجد الحرام بزيادة الطواف. وحاصل مذصب مالك أن مَنْ طلب بالطواف ولو ندبًا كطواف الوداع أوأراده عند دخوله، فتحيته الطواف لا فرق بين كونه آفاقيًا أم لا. وكذا إن لم يرده وهو آفاقي فهذه خمس. وأما إذا كان لم يرده وهو مقيم فتحيته ركعتان. رجاله أربعة: قد مرّوا، وفيه ذكر رجل مبهم، مرَّ أبو النعمان في الحادي والخمسين من الإيمان، ومرّ حمّاد بن زيد في الرابع والعشرين منه، ومرَّ عمرو بن دينار في الرابع والخمسين من "العلم"، ومرّ جابر في الرابع من "بدء الوحي".

стр. 4628

والرجل المبهم صرّح مسلم وغيره بأنه سُليك بضم السين مصغر ابن عمرو، أو ابن هدبة الغطفاني. أخرجه مسلم في "الصلاة" وأبو داود والنسائي والترمذي، وقال حسن صحيح. ثم قال المصنف:

стр. 4629

باب مَنْ جاء والِإمام يخطب صلّى ركعتين خفيفتين لم يقع في الحديث الذي ذكره التقييد بكونهما خفيفتين، لكن المصنف جرى على عادته في الإِشارة إلى ما في بعض طرق الحديث. فقد أخرجه أبو قرة في "السنن" عن أبي سفيان عن جابر بلفظ: "قم فاركع ركعتين خفيفتين". وقد تقدم أنه عند مسلم بلفظ: "فتجوّز فيهما". وقال الزين بن المنير ما ملخصه في الترجمة الأولى: "أن الأمر بالركعتين يتقيد برؤية الإِمام الداخل في حال الخطبة بعد أن يستفسره هل صلّى أم لا". وذلك كله خاص بالخطيب. وأما حكم الداخل، فلا يتقيد بشيء من ذلك، بل يستحب له أن يصلي تحية المسجد. فأشار المصنف إلى ذلك كله بالترجمة الثانية بعد الأولى مع أن الحديث فيهما واحد. الحديث الرابع والخمسون حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو سَمِعَ جَابِرًا قَالَ: "دَخَلَ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِىُّ ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ: أَصَلَّيْتَ؟. قَالَ: لاَ. قَالَ: فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ". قوله: "عن عمرو" وقع التصريح بسماع سفيان منه في هذا الحديث في "مسند الحميدي"، وهو عند أبي نعيم في "المستخرج". وقوله: "صلّيت" كذا للأكثر أيضًا بحذف الهمزة، وثبتت لكريمة وللمستملي. وقوله: "قال: فصلِّ" زاد في رواية أبي ذر "قال: قمْ فصلِّ"، وهذا الحديث هو نفس الحديث السابق، وقد استوفيت مباحثه في السابق. رجاله أربعة: قد مرّوا، مرّ علي بن المديني في الرابع عشر من "العلم"، ومرّ سفيان في الأول من "بدء الوحي"، ومرّ محل عمرو وجابر في الذي قبله، والرجل المبهم. ثم قال المصنف:

стр. 4630

باب رفع اليدين في الخطبة أورد فيه طرفًا من حديث أنس في قصة الاستسقاء، وقد ساقه المصنف بتمامه في "علامات النبوءة" من هذا الوجه وهو مطابق للترجمة، وفيه إشارة إلى أن حديث عمارة بن رويثة أخرجه مسلم في إنكاره ذلك ليس على إطلاقه، لكن قيد مالك الجواز بدعاء الاستسقاء كما في هذا الحديث، ويأتي استيفاء الكلام على هذا في الباب الذي يليه. الحديث الخامس والخمسون حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ. وَعَنْ يُونُسَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَ الْكُرَاعُ، وَهَلَكَ الشَّاءُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا. فَمَدَّ يَدَيْهِ وَدَعَا". قوله: "وعن يونس عن ثابت" يونس هو ابن عبيد وهو معطوف على الإِسناد المذكور والتقدير وحدّثنا مسدد أيضًا عن حماد بن زيد عن يونس، وقد أخرجه أبو داود عن مسدد أيضًا بالإسنادين معًا. وأخرجه البزار أيضًا من طريق مسدد، وقال تفرد به حماد بن زيد عن يونس بن عبيد. وقوله: "بينما" أصله (بين) فزيدت فيه الألف والميم وأضيف إلى الجملة بعده، وجوابه إذ قام وقد مرّ إشباع الكلام عليه في بدء "الوحي" في حديث جابر بن عبد الله. وقوله: "هلك الكُراع" هو بضم الكاف يطلق على الخيل وغيرها. وقوله: "هلك النساء" جمع شاة، وأصل الشاة شاهة لتصغيرها على شويهة، والجمع شياه بالهاء، وجمع شياه شوى. وقوله: "فمدّ يديه ودعا" في الحديث الذي بعده "فرفع يديه" كلفظ الترجمة وكأنه أراد أن يبّين أن المراد بالرفع هنا المدّ لا كالرفع الذي في الصلاة، وسيأتي إن شاء الله تعالى في الحديث الذي بعده صفة رفع اليدين في الاستسقاء وغيره. والرجل السائل يأتي الكلام عليه في الحديث من الاستسقاء. رجاله ستة: قد مرّوا، وفيه ذكر رجل مبهم، مرّ مسدد وأنس في السادس من "الإيمان"، وحمّاد في الرابع والعشرين منه وابن صهيب في الثامن منه، ويونس بن عبيد مع حمّاد وثابت في تعليق بعد الخامس من "العلم". والرجل المبهم يأتي ما قيل فيه في الثامن من "الاستسقاء". أخرجه في "علامات النبوءة" أيضًا في "الاستسقاء" مطولًا ومختصرًا. وأخرجه أبو داود والنسائي ورجال الطريقين كلهم بصريون. ثم قال المصنف:

стр. 4631

باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة أورد فيه الحديث المذكور مطولًا من وجه آخر عن أنس، وهو مطابق للترجمة أيضًا. الحديث السادس والخمسون حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَبَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ الْمَالُ وَجَاعَ الْعِيَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا. فَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا وَضَعَهَا حَتَّى ثَارَ السَّحَابُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ ﷺ فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ، وَمِنَ الْغَدِ، وَبَعْدَ الْغَدِ وَالَّذِى يَلِيهِ، حَتَّى الْجُمُعَةِ الأُخْرَى، وَقَامَ ذَلِكَ الأَعْرَابِيُّ أَوْ قَالَ غَيْرُهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَهَدَّمَ الْبِنَاءُ وَغَرِقَ الْمَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا. فَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا، وَلاَ عَلَيْنَا. فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّحَابِ إِلاَّ انْفَرَجَتْ، وَصَارَتِ الْمَدِينَةُ مِثْلَ الْجَوْبَةِ، وَسَالَ الْوَادِى قَنَاةُ شَهْرًا، وَلَمْ يَجِيءْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلاَّ حَدَّثَ بِالْجَوْدِ". قوله: "أصابت الناس سَنة" أي: بفتح السين أي: شدة جهد من الجدب وهو من قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ وأصل سنة سَنْهَة بوزن جَبْهَة، حذفت اللام ونقلت حركتها إلى النون، وقيل أصلها سنوة بالواو فحذفت كما حذفت الهاء. وقوله: "على عهد النبي ﷺ " أي: على زمنه. وقوله: "فبينا" مرّ في الباب الذي قبله. وقوله: "قام أعرابي" الأعرابي نسبة إلى الأعراب؛ لأنه لا واحد له، وليس هو جمعًا لعرب وإنما الأعراب سكان البادية خاصة، والعرب الجيل المعروف والنسبة إليه عربي، ويأتي في رواية يحيى بن سعيد عن أنس في "الاستسقاء": "أتى رجل من أهل البدو". وأما قوله في رواية ثابت الآتية في باب "الدعاء" (إذا كثر المطر) عن أنس "فقام الناس فصاحوا" فلا يعارض ذلك؛ لأنه يحتمل أن يكونوا سألوه بعد أن سأل، ويحتمل أنه نسب ذلك إليهم لموافقة سؤال السائل ما كانوا يريدونه من طلب دعاء النبي ﷺ لهم. وعند أحمد من رواية ثابت "إذ قال بعض أهل المسجد" وهي ترجح الاحتمال الأول.

стр. 4632

وفي رواية شريك عن أنس في "الاستسقاء": "أن رجلًا دخل يوم الجمعة من باب وجاه المنبر" أىِ: بكسر واو وجاه، ويجوز ضمها أي: مواجهة. وفي "شرح ابن التين" أن معناه مستدبر القبلة، وهو وهم. وكأنه ظن أن الباب المذكور كان مقابل ظهر المنبر، وليس الأمر كذلك. وفي رواية إسماعيل بن جعفر "من باب كان نحو دار القضاء"، وفسر بعضهم دار القضاء بأنها دار الإمارة وليس كذلك، وإنما هي دار عمر بن الخطاب وسميت (دار القضاء)؛ لأنها بيعت في قضاء دينه فكان يقال لها (دار قضاء دين عمر)، ثم طال ذلك فقيل لها (دار القضاء) ذكره الزبير بن بكار بسنده إلى ابن عمر وذكر عمر بن شبة عن ابن أبي فديك عن عمه كانت (دار القضاء) لعمر فأمر عبد الله وحفصة أن يبيعاها عند وفاته في دين كان عليه فباعوها من معاوية، وكانت تسمى (دار القضاء). قال ابن أبي فديك: سمعت عمي يقول: إن كانت لتسمى (دار قضاء الدين). قال: وأخبرني عمي أن الخوخة الشارعة في (دار القضاء) غربي المسجد، وهرب خوخة أبي بكر الصديق التي قال رسول الله ﷺ : "لا تبقى في المسجدِ خوخةٌ إلا خوخةُ أبي بكرٍ". وقد صارت بعد ذلك إلى مروان وهو أمير المدينة، فلعلها شبهة من قال إنها دار الإمارة، فلا يكون غلطًا كما قال صاحب "المطالع" وغيره وجاء في تسميتها (دار القضاء) قول آخر رواه عمر بن شبة عن أم الحكم بنت عبد الله عن عمتها سهلة بنت عاصم قالت: كانت (دار القضاء) لعبد الرحمن بن عوف وإنما سميت (دار القضاء)؛ لأن عبد الرحمن بن عوف اعتزل فيها ليالي الشورى حتى قضى الأمر فيها فباعها بنو عبد الرحمن من معاوية بن أبي سفيان. قال عبد العزيز بن عمران: فكانت فيها الدواوين وبيت المال، ثم صيّرها السفاح رحبة للمسجد، وزاد أحمد في رواية ثابت عن أنس: "أني لقائم عند المنبر" فأفاد بذلك قوة ضبطه للقصة لقربه، ومن ثم لم يرد هذا الحديث بهذا السياق كله إلا من روايته. وقوله: "فقال: يا رسول الله" هذا يدل على أن السائل كان مسلمًا، فانتفى أن يكون أبا سفيان؛ لأنه حين سؤاله لذلك كان لم يسلم كما يأتي في "الاستسقاء". وقوله: "هلك المال وجاع العيال". وفي رواية شريك: "هلكت الأموال وانقطعت السبل". وفي رواية كريمة وأبي ذر عن الكشميهني: "المواشي" وهو المراد بالأموال هنا لا الصامت. وقد مرّ في الحديث السابق الكُراع والعيال قال الجوهري: عيال الرجل من يعوله، وواحد العيال عيّل والجمع عيايل مثل جيد وجياد وجدايد. وفي رواية يحيى بن سعيد الآتية في "الاستسقاء": "هلكت الماشية، هلك العيال، هلك الناس" وهو من ذكر العام بعد الخاص والمراد بهلاكهم عدم وجود ما يعيشون به من الأقوات

стр. 4633

المفقودة بحبس المطر. "وانقطاع السبل" المراد به أن الإبل ضعفت لقلة القوت عن السفر، أو لكونها لا تجد في طريقها من الكلأ ما يقيم أودها. وقيل: المراد نفاد ما عند الناس من الطعام أو قلته فلا يجدون ما يحملونه ويجلبونه إلى الأسواق. وفي رواية قتادة عن أنس الآتية في "الاستسقاء": "قَحَطَ المطر" أي: قَل وهو بفتح القاف والحاء، وحكي بضم ثم كسر. وفي رواية ثابت عن أنس الآتية أيضًا و"احمرت الشجر" واحمرارها كناية عن يبس ورقها لعدم شربها الماء أو لانتشاره فتصير الشجر أعوادًا بغير ورق. ولأحمد في رواية قتادة: "وأمحلت الأرض" وهذه الألفاظ يحتمل أن يكون الرجل قالها كلها، ويحتمل أن يكون بعض الرواة روى شيئًا مما قاله بالمعنى؛ لأنها متقاربة فلا تكون غلطًا كما قال صاحب "المطالع" وغيره. وقوله: "فادعُ الله لنا"، وفي رواية شريك في الاستسقاء "فادعُ الله يغيثنا" أي: فهو يغيثنا وهذه رواية الأكثر ولأبي ذر "أن يغيثنا". وفي رواية إسماعيل بن جعفر الآتية للكشميهني "يغثنا" بالجزم ويجوز الضم في يغيثنا على أنه من الإغاثة والفتح على أنه من الغيث، ويرجح الأول قوله في رواية إسماعيل بن جعفر "اللهمّ أغثنا". وفي رواية قتادة "فادعُ الله أن يسقينا" وله في "الأدب": "فاستسقِ ربَّك". قال قاسم بن ثابت رواه لنا موسى بن هارون: "اللهمّ أغثنا". وجائز أن يكون من الغَوْث أو من الغَيْث، والمعروف من كلام العرب غِثْنَا؛ لأنه من الغَوْث. وقال ابن القعقاع: غَاثَ الله عباده غَيْثًا وغِيَاثًا سقاهم المطر، وأَغَاثَهم أجاب دعاءهم. ويقال غَاثَ وأَغَاثَ بمعنى والرباعي أعلى. وقال ابن دريد: الأصل غَاثَه الله يَغُوثِه غَوْثًا فأُغِيثَ، واستعمل أغَاثَه ومن فتح أوله فمن الغَيْث، ويحتمل أن يكون معنى "أَغِثْنا" أعطنا غَوْثًا وغَيْثًا. وقوله: "فرفع يديه" زاد النسائي في رواية يحيى بن سعيد: "ورفع الناس أيديهم مع رسول الله ﷺ يدعون". وزاد في رواية شريك "حِذاء وجهه". ولابن خزيمة عن حميد عن أنس: "حتى رأيت بياض إبطيه". وقد مرّ في الحديث الذي قبل هذا "فمدّ يديه ودعا"، زاد في رواية قتادة في "الأدب" "فنظر إلى السماء". وقوله: "وما نرى في السماء قَزَعة". وفي رواية شريك الآتية "اللَّهمَّ اسقنا أعادها ثلاثًا".

стр. 4634

وفي رواية ثابت الآتية عن أنس "اللَّهمَّ اسقنا مرتين" والأخذ بالزيادة أولى ويرجحه ما مرّ في "العلم" من "أنه ﵊ كان إذا دعا دعا ثلاثًا". وفي الرواية المذكورة قال أنس: "ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة ولا شيئًا" والمراد بالسحاب المجتمع والقزعة بالقاف بالتحريك سحاب متفرق رقاق كأنها ظل إذا مرت من تحت السحاب الكثير. قال أبو عبيدة: وأكثر ما يجيء في الخريف. وقوله: "ولا شيئًا" بالنصب عطفًا على موضع الجار والمجرور أي ما نرى شيئًا، والمراد نفي علامات المطر من ريح وغيره، وفي الرواية المذكورة "وما بيننا وبين سَلْع من بيت ولا دار" وسَلْع بفتح المهملة وسكون اللام جبل معروف (بالمدينة المنورة). وقد حكي أنه بفتح اللام. وقوله: "من بيت ولا دار" أي: يحجبنا عن رؤيته وأشار بذلك إلى أن السحاب كان مفقودًا لا مستترًا ببيت ولا غيره. وفي رواية ثابت "في علامات النبوءة" قال أنس: "وإن السماء لفي مثل الزجاجة" أي: لشدة صفائها، وذلك مشعر بعدم السحاب أيضًا. وفي الرواية المذكورة لشريك قال: "فطلعت من ورائه سحابة مثل التُرس". وقوله: "طلعت" أي ظهرت. وقوله: "من ورائه" أي سَلْع وكأنها نشأت من جهة البحر؛ لأنه وضع يقتضي ذلك. وقوله: "مثل التُرس" وهو بضم التاء ما يترس به، والمراد أنها مستديرة ولم يرد أنها مثله في القدر؛ لأن في رواية حفص بن عبيد الله عند أبي عوانة: "فنشأت سحابة مثل رجل الطائر وأنا انظر إليها" فهذا يشعر بأنها كانت صغيرة. وفي رواية ثابت المذكورة: "فهاجت ريح أنشات سحابًا ثم اجتمع". وفي رواية قتادة في "الأدب": "فنشأ السحاب بعضه إلى بعض" وفيها أي رواية شريك "فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت" وهذا يشعر بأنها استمرت مستديرة حتى انتهت إلى الأفق فانبسطت حينئذ، وكان فائدته تعميم الأرض بالمطر. وقوله: "وضعهما حتى ثار السحاب أمثال الجبال" ثار بالثاء المثلثة أي: هاج. يقال: ثار الشيء يثور إذا ارتفع وانتشر. وقوله: "أمثال الجبال" أي: لكثرتها وإطباقها وجه السماء. وقوله: "ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر عن لحيته" أي: ينزل ويقطر، وهو (يتفاعل) من الحدور وهو ضد الصعود وأصل باب (التفاعل) للمشاركة بين قوم وهنا ليس كذلك؛ لأن (تفاعل) قد تجيء بمعنى (فعل) مثل توانيت أي: ونيت، وهذا كذلك ومعناه يحدر، وهذا يدل على أن السقف وكف لكونه كان من جريد النخل. وقوله: "فمُطرنا يومنا ذلك ومن الغد ومن بعد

стр. 4635

الغد والذي يليه حتى الجمعة الأخرى" بضم ميم مطرنا مبنيًا للمفعول، "ويومنا" منصوب على الظرفية يعني في يومنا، وكلمة (من) في قوله: "من الغد" إما بمعنى (في) أي: في الغد، وإما تبعيضية. "وحتى الجمعة" يجوز فيها الحركات الثلاث كما في أكلت السمكة حتى رأسِها. وفي رواية شريك الآتية "ما رأينا الشمس سبتًا" وهو كناية عن استمرار الغيم الماطر، وهذا في الغالب وإلا فقد يستمر المطر والشمس بادية، وقد تحجب الشمس بغير مطر ورواية الباب أصرح من هذه. وقوله: "سبتاً" هو رواية الأكثر والمراد به أحد الأيام والمراد به الأسبوع، وهو من تسمية الشيء باسم بعضه كما يقال جمعة، ويقال أراد قطعة من الزمان. وقال الزين بن المنير: قوله: "سبتًا" أي: من السبت إلى السبت أي جمعة. وقال المحب الطبري مثله، وزاد أن فيه تجوّزًا لأن السبت لم يكن مبدأ ولا الثاني منتهى وإنما عبر أنس بذلك؛ لأنه كان من الأنصار وكانوا قد جاوروا اليهود فأخذوا بكثير من اصطلاحهم، وإنما سموا الأسبوع سبتًا؛ لأنه أعظم الأيام عند اليهود كما أن الجمعة عند المسلمين كذلك. وحكى النووي تبعًا لغيره كثابت في الدلائل أن المراد بقوله: "سبتًا" قطعة من الزمان، ولفظ ثابت يقولون معناه من سبت إلى سبت وإنما السبت قطعة من الزمان، وأن الداودي رواه بلفظ "ستًا" وهو تصحيف، وتعقب بأن الداودي لم ينفرد بذلك. ففي رواية الحموي والمستملي هنا "ستًا"، وكذا رواه سعيد بن منصور عن الدراوردي عن شريك، ووافقه أحمد من رواية ثابت عن أنس، وكان من ادّعى أنه تصحيف استبعاد اجتماع قوله: "ستًا" مع قوله في رواية إسماعيل بن جعفر الآتية سبعًا وليس بمستبعد؛ لأن مَنْ قال: "ستًا" أراد ستة أيام تامة ومَنْ قال سبعًا أضاف أيضًا يومًا ملفقًا من الجمعتين. وفي رواية للنسفي فدامت جمعة، وفي رواية عبدوس والقابسي فيما حكاه عياض سبتنا كما يقال جمعتنا. ووهم من عزى هذه الرواية لأبي ذر وفي رواية قتادة الآتية "فمطرنا فما كدنا نصل إلى منازلنا" أي: من كثرة المطر. وفي رواية "فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا" ولمسلم من رواية ثابت "فأمطرنا حتى رأيت الرجل تهمه نفسه أن يأتي أهله". ولابن خزيمة في رواية حميد "حتى أهم الشاب القريب الدار الرجوع إلى أهله". وللمصنف في "الأدب" عن قتادة "حتى سالت مثاعب المدينة" ومثاعب جمع مثعب بالمثلثة وآخره موحدة مسيل ماء. وقوله: "وقام ذلك الأعرابي أو قال". وفي رواية شريك الآتية "ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة"، وظاهر هذه الرواية أنه غير الأول؛ لأن النكرة إذا تكررت دلت على التعدد.

стр. 4636

وقد قال شريك في آخر حديثه سألت أنسًا: أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري. وهذا يقتضي أنه لم يجزم بالتغاير فالظاهر أن القاعدة المذكورة كانت أغلبية؛ لأن أنسًا كان من أهل اللسان. وقد تعددت ورواية الباب ومثلها رواية قتادة في "الأدب" تقتضي أنه كان يشك فيه، وسيأتي في "الاستسقاء" من رواية يحيى بن سعيد "فأتى الرجل فقال: يا رسول الله". ومثله لأبي عوانة عن أنسر بلفظ فما زلنا نمطر حتى جاء ذلك الأعرابي في الجمعة الأخرى". وأصله في "مسلم" وهذا يقتضي الجزم بكونه واحدًا، فلعل أنسًا تذكره بعد أن نسيه أو نسيه بعد أن كان تذكره. ويؤيد ذلك رواية البيهقي في "الدلائل" عن يزيد أن عبيدًا السلمي قال: لما قفل رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أتاه وفد بني فزارة وفيه خارجة بن حصن أخو عيينة بن حصن قدموا على إبل عجاف فقالوا: يا رسول الله أدعُ لنا ربك أن يغيثنا" فذكر الحديث وفيه: "اللهمّ اسقِ بلدَكَ وبهيمتَكَ وانشرْ بركتَكَ، اللهمّ اسقِنا غيثًا مغيثًا مريئًا مريعًا طبقًا واسعًا عاجلًا غير آجل نافعًا غير ضار، اللهمّ سقيا رحمةٍ لا سقيا عذاب، اللهمّ اسقنا الغيثَ وانصرنا على الأعداءِ". وفيه: "فقال: واللهِ ما نرى في السماء من قَزَعَةٍ ولا سحاب، وما بين المسجدِ وسَلْعٍ من بناءٍ" فذكر نحو حديث أنس بتمامه. وفيه قال الرجل يعني الذي سأله أن يستسقي لهم: "هلكتِ الأموالُ" الحديث. والظاهر أن السائل هو خارجة المذكور؛ لكونه كان كبير الوفد ولذلك سمي من بينهم، وأفادت هذه الرواية صفة الدعاء المذكور والوقت الذي وقع فيه الدعاء. وقوله: "فقال: يا رسولَ اللهِ تهدَّمَ البناءُ وغرقَ المال فادعُ اللهَ لنا فرفعَ يديهِ" وفي رواية حميد عند ابن خزيمة "واحتبسَ الركبانُ". وفي رواية شريك الآتية "هلكتِ الأموالُ وانقطعتِ السبلُ" أي بسبب غير السبب الأول، والمراد أن كثرة الماء انقطع المرعى بسببها فهلكت المواشي من عدم الرعي؛ أو لعدم ما يكنها من المطر. ويدل على ذلك قوله في رواية شريك عند النسائي "من كثرة الماء"، وأما انقطاع السبل، فلتعذر سلوك الطرق من كثرة الماء. وفي رواية شريك الآتية "فادعُ اللهَ يمسكها" يجوز في يمسكها الضم والسكون، وللكشميهني "أن يمسكَها" والضمير يعود على الأمطار أو على السحاب أو على السماء، والعرب تطلق على المطر سماء. وفي رواية سعيد عن شريك "أن يمسكَ عنا الماء". وعند أحمد عن ثابت "أن يرفعها عنا". وفي رواية قتادة في "الأدب": "فادعُ ربَّك أن يحبسَها عنا، فضحك".

стр. 4637

وفي رواية ثابت "فتبسم". وزاد في رواية حميد "لسرعة ملال بن آدم". وقوله: "فقال: اللَّهُمَّ حوالينا" بفتح اللام. وفي "مسلم": "حولنا" وكلاهما صحيح أي: مطبقين به من جوانبه، وهو ظرف متعلق بمحذوف تقديره (اجعل أو أمطر) والمراد به صرف المطر عن الأبنية والدور، وقد مرّت لغاته في حديث هرقل في "بدء الوحي". وقوله: "ولا علينا" أي: ولا تمطر علينا فيه بيان للمراد بقوله حوالينا؛ لأنها تشمل الطرق التي حولهم فأراد إخراجها بقوله ولا علينا. قال الطيبي في إدخال الواو هنا معنى لطيف، وذلك أنه لو أسقطها لكان مستسقيًا للآكام وما معها المذكورة في رواية شريك الآتي ذكرها قريبًا. ودخول الواو يقتضي أن طلب المطر على المذكورات ليس مقصودًا لعينه، ولكن ليكون وقاية من أذى المطر، فليست الواو مخلصة للعطف ولكنها للتعليل، وهو كقولهم (تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها) فإن الجوع ليس مقصودًا لعينه، ولكن لكونه مانعًا عن الرضاع بأجرة إذ كانوا يكرهون ذلك أنفة. وقوله: "فما يشيرُ بيديهِ إلى ناحيةٍ من السحاب إلا انفرجتْ وصارتْ المدينة مثلَ" وفي رواية مالك: "فانجابتْ عن المدينةِ انجيابَ الثوبِ" أي: خرجت عنها كما يخرج الثوب عن لابسه. وقوله: "إلا انفرجت" أي: إلا انكشفت. وقال ابن القاسم معناه تدورت كما يدور جيب القميص. وقال ابن وهب: معناه انقطعت عن المدينةِ كما ينقطع الثوب. وقوله: "مثلَ الجَوْبَةِ" وهي بفتح الجيم والباء بينهما واو ساكنة الحفرة المستديرة الواسعة والمراد بها هنا الفرجة في السحاب. وقال الخطابي: المراد بالجوبة هنا الترس. وضبطها الزين بن المنير تبعًا لغيره بنون بدل الموحدة، ثم فسرها بالشمس إذا ظهرت في خلال السحاب، لكن جزم عياض بأن من قاله بالنون فقد صحف. وقوله: "وسالَ الوادي قَناةُ شهرًا" وقَناة بفتح القاف والنون الخفيفة علم على أرض ذات مزارع بناحية (أُحد) وواديها أحد أودية المدينة المشهورة، قاله الحازمي. وذكر محمد بن الحسن المخزومي: "في أخبار المدينة" بإسناده "أن أول مَنْ سمّاه وادي قناة تُبَّع اليماني لمّا قدم المدينة قبل الإِسلام. وفي رواية له "أن تُبَّعًا بعث رائدًا ينظر إلى مزارع المدينة فقال: نظرت فإذا قناة حب ولا تبن، والجرف حب وتبن، والحرار جمع حرة بمهملتين لا حب ولا تبن". وأعرب قناة بالرفع على البدل من الوادي على أن قناة اسم الوادي ولعله من تسمية الشيء باسم ما جاوره، وأعرب بالنصب والتنوين فهو بمعنى السير المحفور أي سال الوادي مثل القناة. وفي رواية قناة بالجر بإضافة الوادي إليها. وقوله: "إلا حدّثَ بالجَودِ" بفتح الجيم وسكون الواو وهو المطر الغزير. الواسع، وهذا يدل على

стр. 4638

أن المطر استمر فيما سوى المدينة وقد يشكل بأنه يستلزم أن قول السائل: "هلكت الأموال وانقطعت السبل" لم يرتفع الإهلاك ولا القطع وهو خلاف مطلوبه. ويمكن الجواب بأن المراد أن المطر استمر حول المدينة من الآكام والظِّراب وبطون الأودية لا في الطرق المسلوكة ووقوع المطر في بقعة دون بقعة كثير ولو كانت تجاورها، وإذا جاز ذلك جاز أن يوجد للماشية أماكن تكنها وترعى فيها بحيث لا يضرها ذلك المطر فيزول الإشكال. وفي رواية شريك الآتية زيادة: "اللَّهمُّ على الآكام والجبالِ والظِّرَاب والأوديةِ ومنابتِ الشجر، قال: فانقطعتْ وخرجنا نمشي في الشمس". قوله: "على الآكام" فيه بَيانَ للمراد بقوله حوالينا، والآكام بكسر الهمزة وقد تفتح وتمد جمعَ أكمة بفتحات. قال ابن البرقي: هو التراب المجتمع. وقال الداودي: هي أكبر من الكدية. وقال القزاز: هي التي من حجر واحد. وقال الخطابي: هي الهضبة الضخمة. وقيل الجبل الصغير، وقيل ما ارتفع من الأرض. وقال الثعالبي: الأكمة أعلى من الرابية، وقيل دونها. "والظِّرَاب" بكسر المعجمكة وآخره موحدة جمع ظرِب بكسر الراء وقد تسكن. وقال القزاز: هو الجبل المنبسط ليس بالعالي. وقال الجوهري: الرابية الصغيرة. وقوله: "الأودية"، في رواية مالك "بطون الأودية" والمراد بها ما يتحصل فيه الماء لينتفع به. قالوا ولم نسمع (أفعلة) جمع (فاعل) إلا الأودية جمع وادٍ، وفيه نظر. وزاد مالك في روايته "رؤوس الجبال". وقوله "فانقطعت" أي السماء أو السحابة الماطرة، والمعنى أنها أمسكت عن المطر على المدينة. وفي رواية سعيد عن شريك "فما هو إلا أن تكلمَ رسولُ اللهِ ﷺ بذلك حتى تمزقَ السحابُ حتى ما نرى منه شيئًا" أي: في (المدينة). ولمسلم في رواية حفص "فلقد رأيتُ السحابَ يتمزقُ كأنّه المُلا حينَ تُطوى" والملا بضم الميم والقصر، وقد تمد جمع ملاءة وهو ثوب معروف. وعند المصنف عن قتادة "فلقد رأيتُ السحابَ يتقطعُ يمينًا وشمالًا يمطرون" أي: أهل النواحي "ولا يمطر أهل المدينة". وله في "الأدب": فجعلَ السحابَ يتصدعُ عن المدينةِ يريهمُ الله كرامة نبيِّهِ وإجابةَ دعوتِه".

стр. 4639

وله في رواية ثابت عن أنس فتكشطت" أي: تكشفت فجعلتْ تمطُر حولَ (المدينةِ) ولا تمطُر (بالمدينة) قطرةً فنظرتُ إلى (المدينةِ) وإنها لمثلُ الإكليلِ". ولأحمد "فتقور ما فوق رؤوسنا من السحابِ حتى كأنا في إكليل" والإكليل بكسر الهمزة وسكون الكاف كل شيء دار من جوانبه واشتهر لما يوضع على الرأس فيحيط به. وهو من ملابس الملوك كالتاج. وفي الحديث فوائد جمة غير ما تقدم: فيه جواز مكالمة الإمام في الخطبة للحاجة. وفيه القيام في الخطبة وأنها لا تنقطع بالكلام، ولا تنقطع بالمطر. وفيه قيام الواحد بأمر الجماعة، وإنما لم يباشر ذلك بعض أكابر الصحابة؛ لأنهم كانوا يسلكون الأدب بالتسليم، وترك الابتداء بالسؤال، ومنه قول أنس: "كان يعجبنا أن يجيء الرجل من البادية فيسأل رسول الله ﷺ "، وسؤال الدعاء من أهل الخير ومن يرجى منه القبول وإجابتهم لذلك ومن أدبه بث الحال لهم قبل الطلب لتحصيل الرقة المقتضية لصحة التوجه، فترجى الإجابة. وفيه تكرار الدعاء ثلاثًا وإدخال دعاء الاستسقاء في خطبة الجمعة والدعاء به على المنبر ولا تحويل ولا استقبال، والاجتزاء بصلاة الجمعة عن صلاة الاستسقاء وليس في السياق ما يدل على أنه نواها مع الجمعة. وفيه علم من أعلام النبوءة في إجابة الله دعاء نبيه ﵊ عقبه أو معه ابتداء في الاستسقاء وانتهاء في الاستصحاء وامتثال السحاب أمره بمجرد الإشارة. وفيه الأدب في الدعاء حيث لم يدع برفع المطر مطلقًا لاحتمال الاحتياج إلى استمراره فاحترز فيه بما يقتضي رفع الضرر وإبقاء النفع، واستنبط منه أن من أنعم الله عليه بنعمة لا ينبغي له أن يسخطها لعارض يعرض فيها بل يسأل الله تعالى رفع ذلك العارض وإبقاء النعمة. وفيه أن الدعاء برفع الضرر لا ينافي التوكل، وإن كان مقام الأفضل التفويض؛ لأنه ﷺ كان عالمًا بما وقع لهم من الجدب وأخر السؤال في ذلك تفويضًا لربه ثم أجابهم إلى الدعاء لما سألوه في ذلك بياناً للجواز وتقريرًا لسنة هذه العبادة الخاصة، قاله ابن أبي جمرة. وفيه جواز تبسم الخطيب على المنبر تعجبًا من أحوال الناس، وجواز الصياح في المسجد بسبب الحاجة المقتضية لذلك. وفيه اليمين لتأكيد الكلام ويحتمل أن يكون ذلك جرى على لسان أنس من غير قصد اليمين، واستدل به على الاكتفاء بدعاء الإمام في الاستسقاء، قاله ابن بطال، وتعقب بما مرّ في رواية يحيى بن سعيد "ورفع الناس أيديهم مع رسول الله ﷺ يدعون".

стр. 4640

وفيه جواز الدعاء بالاستصحاء للحاجة وقد ترجم البخاري في "الاستسقاء" واستدل به على جواز الاستسقاء بغير صلاة مخصوصة، وعلى أن الاستسقاء لا تشرع فيه صلاة. أما الأول: فهو قول مالك والشافعي وغيرهما، وكرهه الثوري. وأما الثاني: فقد قال به أبو حنيفة فإنه قال: إن الاستسقاء دعاء واستغفار وليس فيه صلاة مسنونة في جماعة. وقال صاحب "الهداية": فإن صلى الناس وحدانًا جاز، وعند أبي يوسف ومحمد السُّنة أن يصلي الإِمام ركعتين بجماعة كهيئة صلاة العيد، وهو قول مالك والشافعي وأحمد. وذكر في "المحيط" قول أبي يوسف مع أبي حنيفة. وقال النووي: لم يقل أحد غير أبي حنيفة هذا القول. ونقل أبو بكر الرازي عن أبي حنيفة التخيير بين الفعل والترك. وحكى ابن عبد البر الإجماع على استحباب الخروج إلى الاستسقاء والبروز إلى ظاهر العصر، لكن حكى القرطبي عن أبي حنيفة أيضًا أنه لا يستحب الخروج وكأنه اشتبه عليه بقوله في الصلاة. وقال العيني: إن إبراهيم النخعي قائل بقول أبي حنيفة، ولا حجة لأبي حنيفة في الحديث؛ لأن الذي وقع في هذه القصة مجرد دعاء، وذلك لا ينافي مشروعية الصلاة له، وقد بينت في واقعة أخرى وفي الحديث رفع اليدين في الدعاء. وقد استدل به المصنف في "الدعوات" على رفع اليدين في كل دعاء وفي ذلك عدة أحاديث جمعها المنذري في جزء مفرد وأورد منها النووي في "شرح المهذب" في صفة الصلاة قدر ثلاثين حديثًا. وعقد لها البخاري في "الأدب المفرد" بابًا منها ما أخرجه البخاري "عن أبي موسى الأشعري في غزوة حنين دعا النبي ﷺ ثم رفع يديه حتى رأيتُ بياضَ إبطيه". وأخرج أيضًا عن ابن عمر بعد غزوة الفتح "رفعَ النبيُّ ﷺ يديهِ وقال اللَّهُمَّ إني أبراُ إليك مما فعلَ خالدٌ". وأخرج من رواية شريك "عن أنس رفعَ يديه حتى رأيتُ بياضَ إبطيهِ". وأخرج في "الأدب المفرد" حديث أبي هريرة "قدمَ الطفيلُ بنُ عمروٍ على النبيِّ ﷺ فقالَ إنّ دوسًا عصتْ فادعُ اللهَ عليها، فاستقبلَ القبلةَ ورفعَ يديهِ فقالَ: اللَّهمَّ اهدِ دوسًا". وهو في "الصحيحين" دون قوله "ورفع يديه". وحديث "جابر أن الطفيل بن عمرو هاجر فذكر قصة الرجل الذي هاجر معه وفيه فقال النبي ﷺ : اللَّهمَّ وليديه فاغفر ورفع يديه" وسنده صحيح وأخرجه مسلم. وحديث عائشة "أنها رأتِ النبيَّ ﷺ يدعو رافعًا يديه يقول: اللَّهمَّ إنما أنا بشرٌ" الحديث وهو

стр. 4641

صحيح الإسناد. ومن الأحاديث الصحيحة في ذلك ما أخرجه المصنف في جزء "رفع اليدين": "رأيت النبيَّ ﷺ رافعًا يديه يدعو لعثمان". ولمسلم من حديث عبد الرحمن بن سمرة في "قصة الكسوف": "فانتهيت إلى النبيِّ ﷺ هو رافعٌ يديه يدعو". وعنده في حديث عائشة "في الكسوف" أيضًا: "ثم رفع يديه يدعو". وفي حديثها عنده في دعائه لأهل البقيع "فرفع يديه ثلاث مرات" الحديث. ومن حديث أبي هريرة الطويل في (فتح مكة): "فرفع يديه وجعل يدعو". وفي "الصحيحين" من حديث أبي حميد في قصة ابن اللتبية: "ثم رفع يديه حتى رأيت عفرة إبطيه يقول: اللَّهمَّ هل بلّغت؟ ". ومن حديث عبد الله بن عمرو "أن النبيَّ ﷺ ذكرَ قولَ إبراهيمَ وعيسى فرفعَ يديهِ وقال: "اللَّهمَّ أُمتي". وفي حديث عمر: "كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا نزل عليه الوحي يُسمع عند وجههِ كدوي النحلِ فأنزلَ اللهُ عليه يومًا ثم سري عنه، فاستقبلَ القبلةَ ورفعَ يديه ودعا" الحديث. أخرجه الترمذي واللفظ له والنسائي والحاكم. ورفع بديهِ لمّا بعثَ جيشًا فيهم عليٌّ قائلًا: "اللَّهمَّ لا تمتني حتى تريني عليًا" رواه الترمذي. ولما جمع أهل بيته وألقى عليهم الكساءَ قائلًا: "اللَّهمَّ هؤلاء أهلُ بيتي" رواه الحاكم. وفي حديث أسامة كنتُ ردفَ النبيِّ ﷺ بعرفات فرفعَ يديهِ يدعو، فمالتْ به ناقتُهُ فسقطَ خطامُها فتناولَهُ بيدهِ وهو رافعٌ اليدِ الأخرى"، أخرجه النسائي بسند جيد. وفي حديث قيس بن سعد عند أبي داود "ثم رفعَ رسولُ اللهِ ﷺ يديهِ وهو يقولُ: اللَّهمَّ صلواتُكَ ورحمتُكَ على آلِ سعد بن عبادة" الحديث، وسنده جيد. وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه وغيرهما عن سلمان رفعه "إنَّ ربَّكُم حييٌ كريمٌ يستحي من عبدِهِ إذا رفعَ يديه إليه أن يردهَما صِفرًا" أي بكسر المهملة وسكون الفاء أي خالية وسنده جيد. ولمسلم والترمذي عن ابن عباس عن عمر لما كانَ يومُ بدرٍ نظرَ رسولُ اللهِ ﷺ إلى المشركينَ فاستقبلَ القبلةَ ثم مدَّ يديهِ فجعلَ يهتفُ بربهِ" الحديث. وأخرج أبو عوانة في "صحيحه" عن ابن مسعود: "رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ في قبرِ عبد اللهِ ذي البجادين" الحديث، وفيه "فلما فرغ من دفنِهِ استقبلَ القبلةَ رافعًا يديه".

стр. 4642

وهذه الأحاديث وكثير مثلها ترد على من قال لا ترفع اليدان في الدعاء أصلًا إلا في الاستسقاء، وتمسك بحديث أنس "لم يكن النبي ﷺ يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء" وهو صحيح أخرجه البخاري وغيره، لكن يجمع بينه وبين الأحاديث المذكورة وما في معناها بأن المنفي صفة خاصة لا أصل الرفع، وحاصله أن الرفع في الاستسقاء يخالف غيره، إما بالمبالغة إلى أن تصير اليدان في الاستسقاء حذو الوجه مثلًا. وفي الدعاء إلى حذو المنكبين، ولا يعكر على ذلك أنه ثبت في كل منهما حتى يرى بياض إبطيه، بل يجمع بأن تكون رؤية البياض في الاستسقاء أبلغ منها في غيره. ويؤيد هذا أن غالب الأحاديث التي وردت في رفع اليدين في الدعاء إنما المراد به مدّ اليدين وبسطهما عند الدعاء، وكأنه عند الاستسقاء مع ذلك زاد فرفعهما إلى جهة وجهه حتى حاذتاه. وإما في صفة اليدين في ذلك بأن تكون الكفان في الاستسقاء تليان الأرض، وفي الدعاء تليان السماء لما رواه مسلم عن ثابت عن أنس: "أن رسولَ اللهِ ﷺ استسقى فأشارَ بظهر كفيهِ إلى السماءِ". ولأبي داود من حديث أنس "كان يستسقي هكذا ومدّ يديه، وجعلَ بطونهما مما يلي الأرض حتى رأيتُ بياضَ إبطيه". قال النووي: قال العلماء: السُّنة في كل دعاء لرفع البلاء أن يرفع يديه جاعلًا ظهور كفيه إلى السماء، وإذا دعا بسؤال شيء أن يجعل كفيه إلى السماء. وقال غيره الحكمة في الإِشارة بظهور الكفين في الاستسقاء دون غيره للتفاؤل بتقلب الحال ظهرًا لبطن، كما قيل في تحويل الرداء، وقيل هو إشارة إلى صفة المسؤول وهو نزول السحاب إلى الأرض، أو يحمل حديث أنس على نفي رؤيته، وذلك لا يستلزم نفي رؤية غيره. قال المنذري وبتقدير تعذر الجمع فجانب الإثبات أرجح لكثرة الأحاديث الواردة في ذلك. وأما ما أخرجه مسلم عن عمارة بن رويبة براء وموحدة مصغر أنه رأى بشر بن مروان يرفع يديه فأنكر ذلك وقال: "لقد رأيتُ رسولَ الله ﷺ وما يزيدُ على هذا يشيرُ بالسبابة". فقد حكى الطبري عن بعض السلف أنه أخذ بظاهره، وقال: السنة أن الداعي يشير بإصبع واحدة، ورده بأنه إنما ورد في الخطيب حال الخطبة وهو ظاهر في سياق الحديث، فلا معنى للتمسك به في منع رفع اليدين في الدعاء مع ثبوت الأخبار بمشروعيتها. قال الطبري: وكره رفع اليدين في الدعاء ابن عمر وجبير بن مطعم، ورأى شريح رجلًا يرفع يديه داعيًا فقال: من تتناول بهما لا أم لك. وساق الطبري ذلك بأسانيده عنهم. وذكر ابن التين: أنه نقل عن مالك أن رفع اليدين في الدعاء ليس من أمر الفقهاء قال: وقال في "المدونة": ويختص الرفع بالاستسقاء ويجعل بطونهما إلى الأرض. وأما ما نقله الطبري عن

стр. 4643

ابن عمر فإنما أنكر رفعهما إلى حذو المنكبين. وقال ليجعلهما حذو صدره، كذلك أسنده الطبري عنه أيضًا. وعن ابن عباس أن هذه صفة الدعاء. وأخرج أبو داود والحاكم عنه من وجه آخر قال: المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك، والاستغفار أن تشير بإصبع واحدة، والابتهال أن تمدّ يديك جميعًا. وأخرج الطبري عنه من وجه آخر قال: يرفع يديه حتى يجاوز بهما رأسه، وقد صحّ عن ابن عمر خلاف ما تقدم أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" عن القاسم بن محمد رأيت ابن عمر يدعو عند القاضي يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه باطنهما مما يليه، وظاهرهما مما يلي وجهه. وعن مالك بن يسار أن رسول الله ﷺ قال: "إذا سألتم اللهَ فاسألوهُ ببطونِ أكفّكم ولا تسألوهُ بظهورِها. وعن أبي يوسف: إن شاء رفع يديه في الدعاء، وإن شاء أشار بإصبعيه. وفي "المحيط" بإصبعه السبابة. وفي التجريد من يده اليمنى. وقال ابن بطال: رفع اليدين في الخطبة في معنى الضراعة إلى الجليل والتذلل له. وقال الزهري: رفع الأيدي يوم الجمعة محدث. وقال ابن سيرين: أول من رفع يديه في الجمعة عبيد الله بن عبد الله بن معمر. وقال الروياني: يكره رفع اليد النجسة في الدعاء، قال: ويحتمل أن يقال لا يكره بحائل. بحمد الله تعالى وعونه. رجاله خمسة: قد مرّوا، وفيه ذكر أعرابي لم بسم، مرّ إبراهيم بن المنذر في الأول من العلم، ومرّ الأوزاعي في العشرين منه، ومرَّ إسحاق بن عبد الله في الثامن، ومرَّ أنس في السادس من "الإيمان"، ومرّ الوليد بن مسلم في السادس والثلاثين من "مواقيت الصلاة". لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والقول، وشيخ البخاري من أفراده. ورواته ما بين مدني ودمشقي. أخرجه البخاري أيضًا في "الاستسقاء" و"الاستئذان"، ومسلم في "الصلاة" وكذا النسائي. ثم قال المصنف:

стр. 4644

باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب، وإذا قال لصاحبه أنْصِت فقد لغا قيل أشار بهذا إلى الرد على من جعل وجوب الإنصات من خروج الإمام؛ لأن قوله في الحديث والإمام يخطب جملة حالية تخرج ما قبل خطبته من حين خروجه وما بعده إلى أن يشرع في الخطبة. وقد مرَّ الكلام على هذا في باب (الاستماع إلى الخطبة). وقوله "وإذا قال لصاحبه انصتْ فقد لغا" وهذا كلفظ الباب في بعض طرقه في رواية النسائي من الليث بالإِسناد المذكور. ولفظه "من قال لصاحبه يوم الجمعة والإِمام يخطب انصت فقد لغا" والمراد بالصاحب من يخاطبه بذلك مطلقًا، وإنما ذكر الصاحب لكونه الغالب. ثم قال: "وقال سلمانُ عن النبيِّ ﷺ ينصتُ إذا تكلَّمَ الِإمامُ". وقوله "ينصت" بضم أوله على الأفصح ويجوز فيه الفتح. وقال الأزهري: يقال أنْصت ونَصَتَ وانْتَصَتَ. قال ابن خزيمة المراد بالإنصات السكوت عن مكالمة الناس دون ذكر الله، وتعقب بأنه يلزم منه جواز القراءة والذكر حال الخطبة، فالظاهر أن المراد السكوت مطلقًا، ومَنْ فرّق احتاج إلى دليل. قال في "الفتح": ولا يلزم من تجويز التحية لدليلها الخامس جواز الذكر مطلقًا. ومذهب مالك جواز الذكر القليل سرًا وحمد العاطس سرًا ولا يشمته غيره، وهذا التعليق طرف من حديث سلمان المار الحادي والثلاثين من كتاب "الجمعة" هذا، ومرّ هناك تعريف سلمان.

стр. 4645

الحديث السابع والخمسون حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ أَخْبَرَنِي ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ. وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ". قوله "أخبرني ابن شهاب" هكذا رواه يحيى بن بكير عن الليث، ورواه شعيب بن الليث عن أبيه فقال: عن عقيل عن ابن شهاب عن عمر بن عبد العزيز عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ عن أبي هريرة، أخرجه مسلم والنسائي والطريقان صحيحان، وقد رواه أبو صالح عن الليث بالإِسنادين معًا أخرجه الطحاوي، وكذا رواه ابن جريج وغيره عن الزهري بهما أخرجه عبد الرزاق وغيره، ورواه مالك عند أبي داود وابن أبي ذيب عند ابن ماجه كلاهما عن الزهري بالإسناد الأول. وقوله "يوم الجمعة" مفهومه أن غير يوم الجمعة بخلافه، وفيه بحث. وقوله "فقد لغوت" قال الأخفش: اللغو الكلام الذي لا أصل له من الباطل وشبهه. وقال ابن عرفة: اللغو السقط، وقيل الميل عن الصواب، وقيل اللغو الإِثم كقوله تعالى ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾. وقال الزين بن المنير: اتفقت أقوال المفسرين على أن اللغو ما لا يحسن من الكلام، وأغرب أبو عبيد الهروي فقال: معنى لغا تكلم كذا أطلق والصواب التقييد. وقال النضر بن شُمَيل: معنى لغوت خبت من الأجر، وقيل بطلت فضيلة جمعتك، وقيل صارت جمعتك ظهرًا. قال في "الفتح": أقوال أهل اللغة متقاربة المعنى، ويشهد للقول الأخير ما رواه أبو داود وابن خزيمة عن عبد الله بن عمر مرفوعًا "ومنْ لغا وتخطى رقابَ الناس كانت له ظهرًا". قال ابن وهب أحد رواته معناه أجزأت عنه الصلاة وحرم فضيلة الجمعة. ولأحمد عن علي مرفوعًا "مَنْ قال صهْ، فقد تكلمَ ومَنْ تكلمَ فلا جمعة له". ولأبي داود نحوه ولأحمد والبزار عن ابن عباس مرفوعًا "مَنْ تكلمَ يومَ الجمعة والإمامُ يخطبُ فهو كالحمارِ يحملُ أسفارًا. والذي يقولُ له أنصِتْ ليستْ له جمعةٌ"، وله شاهد قوي في "جامع" حماد بن سلمة عن ابن عمر موقوفًا قال العلماء: معناه لا جمعة له كاملة للإِجماع على إسقاط فرض الوقت عنه.

стр. 4646

وحكى ابن التين عن بعض من جوز الكلام في الخطبة أنه تأول قوله: فقد لغوت أي أمرت بالإنصات من لا يجب عليه، وهو جمود شديد؛ لأن الإصات لم يختلف في مطلوبيته، فكيف يكون من أمر بما طلبه الشرع لاغيًا؛ بل النهي عن الكلام مأخوذ من حديث الباب بدلالة الموافقة؛ لأنه إذا جعل قوله "أنصِتْ" مع كونه أمرًا بمعروف لغوًا فغيره من الكلام أولى أن يسمى لغوًا. وعند أحمد من رواية الأعرج عن أبي هريرة آخر هذا الحديث بعد قوله فقد لغوت "عليك بنفسك"، واستدل به على منع جميع الكلام حال الخطبة، وبه قال الجمهور وفي حق من سمعها وكذا الحكم في حق من لم يسمعها عند الأكثر قالوا: وإذا أراد الأمر بالمعروف، فليجعله بالإِشارة. قلت: قد مرّ وجوب الإنصات وحرمة الكلام على من لم يسمع عند المالكية، ويحرم عندهم نهي اللاغي بالكلام أو رميه بالحصى والإِشارة إليه بما يفهم النهي حسمًا للمادة. وعند الشافعية لغير السامع أن يشتغل بالتلاوة والذكر، وكلام المجموع يقتضي أن الاشتغال بهما أولى. وأغرب ابن عبد البر فنقل الإجماع على وجوب الإنصات على من سمعها إلا عن قليل من التابعين، ولفظه لا خلاف علمته بين فقهاء الأمصار في وجوب الإنصات في الخطبة على من سمعها في الجمعة، وأنه غير جائز أن يقول لمن سمعه من الجهال يتكلم والإمام يخطب أنصت ونحوها أخذا بهذا الحديث، وروي عن الشعبي وناس قليل أنهم كانوا يتكلمون حين الخطبة إلا حين القراءة في الخطبة خاصة قال وفعلهم في ذلك مردود عند أهل العلم، وأحسن أحوالهم أن يقال إنهم لم يبلغهم الحديث. وقد مرّ باب "الاستماع" إلى الخطبة حكم الكلام ساعة الخطبة عند الشافعية وما بنوا عليه الخلاف عندهم. وروي عن الشافعية والحنابلة أيضًا التفرقة بين من يسمع الخطبة ومن لا يسمعها، ولبعض الشافعية التفرقة بين من تنعقد بهم الجمعة، فيجب عليهم الإنصات دون من زاد فجعله شبيهًا بفروض الكفاية. واختلف السلف إذا خطب بما لا ينبغي من القول، وعلى ذلك يحمل ما نقل عن السلف من كلام حال الخطبة، والذي يظهر أن من نفى وجوبه أراد أنه لا يشترط في صحة الجمعة بخلاف غيره. ويدل على الوجوب في حق السامع أن في حديث علي المشار إليه آنفًا "ومن دنا فلم ينصت كان عليه كفلان من الوزر"؛ لأن الوزر لا يترتب على من فعل مباحًا، ولو كان مكروهًا كراهة تنزيه. ونقل صاحب "المغني" الاتفاق على أن الكلام الذي يجوز في الصلاة يجوز في الخطبة كتحذير الضرير من البئر وعبارة الشافعي وإذا خاف على أحد لم أر بأسًا إذا لم يفهم عنه بالإيماء أن يتكلم، وقد استثني من الإنصات في الخطبة ما إذا انتهى الخطيب إلى كل ما لم يشرع مثل

стр. 4647

الدعاء للسلطان مثلًا، بل جزم صاحب "التهذيب" بأن الدعاء للسلطان مكروه. وقال النووي: محله إذا جازف، وإلا فالدعاء لولاة الأمور مطلوب. ومحل الترك إذا لم يخف الضرر وإلا فيباح للخطيب إذا خشي على نفسه. وقد نصّت المالكية على جواز الكلام إذا لغا الخطيب كدعائه للسلطان، أو مدح من لا يستحق المدح. وقد مرّت بقية مباحث هذا الحديث في باب (الاستماع إلى الخطبة). رجاله ستة: قد مرّوا: مرّ الأربعة الأول بهذا النسق في الثالث من "بدء الوحي"، ومرّ سعيد في التاسع عشر من الإِيمان، وأبو هريرة في الثاني منه. أخرجه الخمسة الباقون. ثم قال المصنف:

стр. 4648

باب الساعة التي في يوم الجمعة أي التي يجاب فيها الدعاء. الحديث الثامن والخمسون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ فِيهِ سَاعَةٌ لاَ يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهْوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ. وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا. قوله "عن أبي الزناد" كذا رواه أصحاب مالك في "الموطأ"، ولهم فيه إسناد آخر إلى أبي هريرة وفيه قصة له مع عبد الله بن سلام. وقوله "فيه ساعة" كذا فيه مبهمة وعينت في أحاديث أخر كما سيأتي. وقوله "لا يوافقها" أي: يصادفها، وهو أعم من أن يقصد لها أو يتفق له وقوع الدعاء فيها. وقوله "وهو قائم يصلي يسأل الله" هي صفات لمسلم أعربت حالًا، ويحتمل أن يكون يصلي حالًا منه لاتصافه بقائم. ويسأل حال مترادفة أو متداخلة، وأفاد ابن عبد البر أن قوله "وهو قائم" سقط من رواية أبي مصعب وابن أبي أويس ومطرف والتنيسي وقتيبة وأثبتها الباقون. قال: وهي زيادة محفوظة عن أبي الزناد من رواية مالك وورقاء وغيرهما عنه. وحكى أبو محمد بن السيد عن محمد بن وضاح أنه كان يأمر بحذفها من الحديث، وكان السبب في ذلك أنه يشكل على أصح الأحاديث الواردة في تعيين هذه الساعة وهما حديثان: أحدهما: حديث مخرمة بن بكير عن أبيه عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه مرفوعًا "أنها ما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن يقضي الصلاة" رواه مسلم وأبو داود. والثاني: قول عبد الله بن سلام المروي عند مالك وأبي داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة وابن حبّان من حديث أبي هريرة أنه قال لعبد الله بن سلام: أخبرني ولا تضنَّ عليّ فقال عبد الله بن سلام: هي آخر ساعة في يوم الجمعة. قال أبو هريرة: فقلت: كيف تكون آخرَ ساعةٍ في يوم الجمُعة وقد قال رسولُ اللهِ ﷺ لا يصادفها عبدٌ مسلمٌ وهو يصلي فيها؟ فقال عبدُ الله بن سلامٍ ألمْ يقلْ رسولُ اللهِ ﷺ مَنْ جَلَس مجلسًا ينتظرُ الصلاةَ فهو في صلاة حتى يصلي، فلو كان قوله وهو قائم ثابتًا عند أبي هريرة لاحتج عليه به، لكنه سلم له الجواب وارتضاه وصار يفتي به بعده. وأما إشكاله على الحديث الأول فمن جهة أنه يتناول حال الخطبة كله وليست صلاة عل الحقيقة وقد أجيب عن هذا الإشكال يحمل الصلاة على الدعاء أو الانتظار وبحمل القيام على الملازمة والمواظبة، ويؤيد

стр. 4649

ذلك أن حال القيام في الصلاة غير حال السجود والركوع والتشهد مع أن السجود مظنة إجابة الدعاء، فلو كان المراد بالقيام حقيقته لأخرجه فدل على أن المراد فجاز القيام وهو المواظبة ونحوها، ومنه قوله تعالى ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ فعلى هذا يكون التعبير عن المصلي بالقائم من باب التعبير عن الكل بالجزء. والنكتة فيه أنه أشهر أحوال الصلاة، واختلف السلف في أي القولين المذكورين أرجح فروى البيهقي أن مسلمًا قال: حديث أبي موسى أجود شيء في هذا الباب وأصحه، وبذلك قال البيهقي وابن العربي وجماعة، وقال القرطبي: هو نص في موضع الخلاف، فلا يلتفت إلى غيره. وقال النووي "هو الصحيح وجزم في "الروضة" بأنه الصواب، ورجحه أيضًا بكونه مرفوعًا صريحًا، وفي أحد "الصحيحين". وذهب آخرون إلى ترجيح قول عبد الله بن سلام، فحكى الترمذي عن أحمد أنه قال أكثر الأحاديث على ذلك، وقال ابن عبد البر: إنه أثبت شيء في هذا الباب. وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن ناسًا من الصحابة اجتمعوا فتذاكروا ساعة الجمعة، ثم افترقوا فلم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة، ورجحه كثير من الأئمة كأحمد وإسحاق، ومن المالكية الطرطوشي. وكان ابن الزملكاني شيخ الشافعية في وقته يختاره ويحكيه عن نص الشافعي ميلًا إلى أن هذه رحمة من الله تعالى للقائمين بحق هذا اليوم فأوان إرسالها عند الفراغ من تمام العمل، وأجابوا عن كونه ليس في أحد "الصحيحين" بأن الترجيح بما في "الصحيحين" أو أحدهما إنما هو حيث لا يكون مما انتقده الحفاظ كحديث أبي موسى هذا، فإنه أعل بالانقطاع والاضطراب أما الانقطاع؛ فلأنّ مخرمة بن بكير لم يسمع من أبيه كما قاله أحمد عن مخرمة نفسه. وكذا قال سعيد بن أبي مريم وزاد "إنما هي كتب كانت عندنا". ولا يقال مسلم يكتفي في المعنعن بإمكان اللقاء مع المعاصرة وهو كذلك هنا؛ لأنا نقول وجود التصريح من مَخْرمة بأنه لم يسمع من أبيه كاف في دعوى الانقطاع. وأما الاضطراب فقد رواه أبو إسحاق وواصل الأحدب ومعاوية بن قرة وغيرهم عن أبي بردة من قوله وهؤلاء كوفيون وأبو بردة كوفي فهم أعلم بحديثه من بكير المدني وهم عدد وهو واحد، وأيضًا فلو كان عند أبي بردة مرفوعًا لم يفت فيه برأيه بخلاف المرفوع كما يأتي عنه في القول الثاني والعشرين وفي الثالث والثلاثين؛ ولهذا جزم الدارقطني بأن الموقوف هو الصواب الهدى مسلكًا آخر فاختار أن ساعة الإجابة منحصرة في أحد الوقتين المذكورين، وأن أحدهما لا يعارض الآخر لاحتمال أن يكون ﷺ دل على أحدهما في وقت وعلى الآخر في وقت، أو هذا كقول ابن عبد البر الذي ينبغي الاجتهاد في الدعاء في الوقتين المذكورين. وسبق إلى نحو ذلك الإمام أحمد وهو أولى

стр. 4650

في طريق الجمع. قال المحب الطبري: أصح الأحاديث فيها حديث أبي موسى وأشهر الأقوال فيها قول عبد الله بن سلام وما عداهما إما موافق لهما أو لأحدهما أو ضعيف الإِسناد أو موقوف استند قائله إلى اجتهاد دون توقيف، ولا يعارضهما حديث أبي سعيد الآتي في كونه ﵊ أنسيها بعد أن علمها لاحتمال أن يكونا سمعا ذلك منه قبل أن أنسي قاله البيهقي وغيره، ويأتي ما فيها من الأقوال. وقوله "يسأل الله شيئاً" أي مما يليق أن يدعو به المسلم، ويسأل ربه تعالى. وفي رواية سلمة بن علقمة عن ابن سيرين عن أبي هريرة عند المصنف في الطلاق، ولمسلم عن أبي هريرة مثله، وعند ابن ماجه عن أبي لبابة "ما لم يسأل حرامًا". وعند أحمد عن سعد بن عبادة "ما لم يسأل إثمًا أو قطيعةَ رحمٍ" وهو نحو الأول، وقطيعة الرحم من جملة الإثم وهو من عطف الخاص على العام للاهتمام به. وقوله "وأشار بيده" كذا هنا بإبهام الفاعل. وفي رواية مصعب عن مالك "وأشارَ رسولُ اللهِ ﷺ ". وفي رواية سلمة بن علقمة المشار إليها "ووضع أنملته على بطن الوسطى أو الخنصر قلنا يزهدها". وبيّن أبو مسلم الكجي أن الذي وضع هو بشر بن المفضَّل رواية عن سلمة بن علقمة، وكأنه فسر الإشارة بذلك وأنها ساعة لطيفة تنتقل ما بين وسط النهار إلى قرب آخره، وبهذا يحصل الجمع بينه وبين قوله يزهدها أي يقللها. ولمسلم عن محمد بن زياد عن أبي هريرة "وهي ساعة خفيفة". وللطبراني في "الأوسط" عن أنس "وهي قدر هذا يعني قبضة". قال الزين بن المنير: الإشارة لتقليلها هو للترغيب فيها والحض عليها ليسارة وقتها وغزارة فضلها، واستشكل حصول الإجابة لكل داع بشرطه المتقدم مع اختلاف الزمان باختلاف البلاد والمصلي، فيتقدم بعض على بعض وساعة الإجابة متعلقة فكيف يتفق مع الاختلاف؟ وأجيب باحتمال أن تكون ساعة الإجابة متعلقة بفعل كل فصل قبل نظيره في ساعة الكراهة، ولعل هذا فائدة جعل الوقت الممتد مظنة لها وإن كانت هي خفيفة، ويحتمل أن يكون عبر بالوقت عن الفعل فيكون التقدير وقت وقوع الخطبة أو الصلاة ونحو ذلك. واختلف أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم هل باقية أو رفعت وعلى البقاء هل هي في كل جمعة أو في جمعة واحدة من كل سنة؟ وعلى الأول هل هي وقت من اليوم معين أو مبهم؟ وعلى

стр. 4651

التعيين هل تستوعب الوقت أو تبهم فيه؟ وعلى الإبهام ما ابتداؤه وما انتهاؤه؟ وعلى كل ذلك، هل تستمر أو تنتقل؟ وعلى الانتقال، هل تستغرق اليوم أو بعضه؟ وها أنا أذكر ما روى فيها من الأقوال مع أدلتها والجمع بينهما والترجيح. الأول أنها رفعت حكاه ابن عبد البر عن قوم وزيفه. وقال عياض: رده السلف على قائله. وروى عبد الرزاق عن عبد الله بن نخس مولى معاوية قال: "قلت لأبي هريرة: إنهم زعموا أن الساعة التي في يوم الجمعة يستجاب فيها الدعاء رفعت، فقال كذب من قال ذلك، فقلت: هي في كل جمعة؟ قال: نعم"، إسناده قوي قال: صاحب "الهدى": إن أراد قائله إنها كانت معلومة فرفع علمها عن الأمة فصارت مبهمة، احتمل، وإن أراد حقيقتها فهو مردود على قائله. قلت: هذا الاحتمال بعيد لا فائدة فيه؛ لأن الكلام في رفعها من أصلها والذي قاله راجع إلى كونها مبهمة. القول الثاني: إنها موجودة لكن في جمعة واحدة من كل سنة قاله كعب الأحبار لأبي هريرة، ورده عليه فرجع لما راجع التوراة إليه رواه مالك وأصحاب "السنن". الثالث: إنها مخفية في جميع اليوم كما أخفيت ليلة القدر في العشر، والاسم الأعظم، والرجل الصالح حتى تتوفر الدواعي على مراقبة ذلك اليوم، وقد روي "أنّ لربِّكم في أيام دهرِكم نفحات، ألا فتعرضوا لها" ويوم الجمعة من جملة تلك الأيام فينبغي أن يكون العبد في جميع نهَاره متعرضًا لها بإحضار القلب وملازمة الذكر والدعاء والنزوع عن وساوس الدنيا، فعساه يحظى بشيء من تلك النفحات. روى ابن خزيمة والحاكم عن أبي سلمة سألت أبا سعيد عن ساعة الجمعة فقال: سألتُ النبيَّ ﷺ عنها فقال: قد أُعْلِمْتُها ثم أُنْسِيتها لما أُنْسِيتُ ليلةَ القدر". وروى عبد الرزاق عن معمر أنه سأل الزهري فقال: لم أسمع فيها بشيء إلا أن كعبًا كان يقول: إن إنسانًا قسم جمعة في جمع لأتى على تلك الساعة. قال ابن المنذر معناه أنه يبدأ فيدعو في جمعة من أول النهار إلى وقت معلوم، ثم في جمعة أخرى يبتدىء من ذلك الوقت إلى وقت آخر حتى يأتي على آخر النهار. قال: وروينا عن ابن عمر أنه قال: "إن طلب الحاجة في يوم ليسير" قال معناه إنه ينبغي المداومة على الدعاء يوم الجمعة كله ليمر بالوقت الذي يستجاب فيه الدعاء، والذي قاله ابن عمر يصلح لمن يقوى عليه، وإلا فالذي قاله كعب سهل على كل أحد وقضية ذلك أنهما كانا يريان أنها غير معينة، وهو قضية كلام جمع من العلماء كالرافعي وصاحب "المغني" وغيرهما حيث قالوا: يستحب أن يكثر من الدعاء يوم الجمعة رجاء أن يصادف ساعة الإجابة، ومن حجة هذا القول تشبيهها بليلة القدر والاسم الأعظم في الأسماء الحسنى، والحكمة في ذلك بعث العباد على الاجتهاد في الطلب واستيعاب الوقت

стр. 4652

بالعبادة بخلاف ما لو تحقق الأمر في شيء من ذلك لكان مقتضيًا للاقتصار عليه وإهمال ما عداه. الرابع: أنها تنتقل في يوم الجمعة ولا تلزم ساعة معينة لا ظاهرة ولا مخفية. قال الغزالي: وهذا أشبه الأقوال، وذكره الأثرم احتمالًا، وجزم به ابن عساكر وغيره. وقال المحب الطبري: إنه الأظهر. وعلى هذا، لا يتأتى ما قاله كعب في الجزم بتحصيلها. الخامس: إذا أذن المؤذن لصلاة الغداة، ذكره أبو الفضل الحافظ في شرح الترمذي وسراح الدين بن الملقن في "شرح البخاري" ونسباه لتخريج ابن أبي شيبة عن عائشة، وقد رواه الروياني في "مسنده" عنها فأطلق الصلاة ولم يقيدها، ورواه ابن المنذر فقيدها "بصلاة الجمعة". السادس: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس رواه ابن عساكر عن مجاهد عن أبي هريرة، وحكاه القاضي أبو الطيب الطبري وأبو نصر بن الصباغ وعياض والقرطبي وغيرهم. وعبارة بعضهم ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. السابع: مثله، وزاد ومن العصر إلى الغروب رواه سعيد بن منصور عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن أبي هريرة تابعه فضيل بن عياض عن ليث عند ابن المنذر وليث ضعيف. الثامن: مثله، وزاد وما بين أن ينزل الإمام من المنبر إلى أن يكبر. رواه حميد بن زنجويه في "الترغيب" له عن أبي هريرة: "قال التمسوا الساعة التي يجاب فيها الدعاء يوم الجمعة في هذه الأوقات الثلاثة" فذكرها. التاسع: أنها أول ساعة بعد طلوع الشمس حكاه الجبلي في "شرح التنبيه"، وتبعه المحب الطبري في شرحه. العاشر: عند طلوع الشمس حكاه الغزالي في "الإحياء". وعبر عنه الزين بن المنير بقوله: "هي ما بين أن ترتفع الشمس شبرًا إلى ذراع". وعزاه لأبي ذر. الحادي عشر: أنها في آخر الساعة الثالثة من النهار، حكاه صاحب "المغني"، وهو في "مسند الإمام أحمد" عن علي بن طلحة عن أبي هريرة مرفوعًا "يوم الجمعة فيه طبعت طينة آدم وفي آخر ثلاث ساعات منه ساعة من دعا الله فيها استجيب له". وفي إسناده فَرَج بن فضالة ضعيف وعلي لم يسمع من أبي هريرة، قال المحب الطبري: "قوله في آخر ثلاث ساعات" يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون المراد الساعة الأخيرة من الثلاثة الأُول ثانيهما: أن يكون المراد أن في آخر كل ساعة من الثلاثة ساعة إجابة، فيكون فيه تجوّز لإطلاق الساعة على بعض الساعة.

стр. 4653

الثاني عشر: من الزوال إلى أن يصير الظل نصف ذراع حكاه المحب الطبري في "الأحكام" وقبله الزكي المنذري. الثالث عشر: مثله، لكن قال: إلى أن يصير الظل ذراعًا حكاه عياض والقرطبي والنووي. الرابع عشر: بعد زوال الشمس بشبر إلى ذراع. رواه ابن المنذر وابن عبد البر بإسناد قوي عن أبي ذر أن امرأته سألته عنه فقال ذلك، ولعله مأخذ القولين اللذين قبله. الخامس عشر: إذا زالت الشمس، حكاه ابن المنذر عن أبي العالية، وورد نحوه في أثناء حديث عن علي. وروى عبد الرزاق عن الحسن أنه كان يتحراها عند زوال الشمس بسبب قصة وقعت لبعض أصحابه في ذلك. وروى ابن عساكر عن قتادة قال: كانوا يرون الساعة المستجاب فيها الدعاء إذا زالت الشمس وكان مأخذهم في ذلك أنها وقت اجتماع الملائكة، وابتداء دخول وقت الجمعة وابتداء الأذان ونحو ذلك. السادس عشر: إذا أذن المؤذن لصلاة الجمعة، رواه ابن المنذر عن عائشة قالت: "يومُ الجمعَة مثلُ يوم عرفةَ تُفتحُ فيه أبوابُ السماءِ، وفيه ساعةٌ لا يسألُ اللهَ فيها العبدُ شيئاً إلا أعطاهُ قيل: أي ساعةٍ؟ قالت إذا أذّنَ المؤذنُ لصلاةِ الجمعة" وهذا يغاير الذي قبله من حيث إن الأذان قد يتأخر عن الزوال. وقال الزين بن المنير: ويتعين حمله على الأذان الذي بين يدي الخطيب. السابع عشر: من الزوال إلى أن يدخل الرجل في الصلاة، حكاه ابن المنذر عن أبي السوار العدوي، وحكاه ابن الصباغ بلفظ إلى أن يدخل الإمام. الثامن عشر: من الزوال إلى خروج الإمام، حكاه القاضي أبو الطيب الطبري. التاسع عشر: من الزوال إلى غروب الشمس، حكاه العباس أحمد بن علي بن كشاسب الدزماري بزاي ساكنة وقبل ياء النسب راء مهملة في نكته على التنبيه عن الحسن وهو في عصر ابن الصلاح. العشرون: ما بين خروج الإمام إلى أن تقام الصلاة، رواه ابن المنذر عن الحسن. الحادي والعشرون: عند خروج الإمام، رواه حميد بن زنجويه في كتاب "الترغيب" عن الحسن أن رجلًا مرت به وهو ينعس في ذلك الوقت. الثاني والعشرون: ما بين خروج الإمام إلى أن تنقضي الصلاة، رواه ابن جرير عن الشعبي قوله، وعن أبي بردة عن أبي موسى قوله وفيه أن ابن عمر استصوب ذلك.

стр. 4654

الثالث والعشرون: ما بين أن يحرم البيع إلى أن يحل، رواه سعيد بن منصور وابن المنذر عن الشعبي قوله أيضًا. قال الزين بن المنير: وجهه أنه أخص أحكام الجمعة؛ لأن العقد باطل عند الأكثر، فلو اتفق ذلك في غير هذه الساعة بحيث ضاق الوقت فتشاغل اثنان بعقد البيع فخرج وفاتت تلك الصلاة لأثما ولم يبطل البيع. الرابع والعشرون: ما بين الأذان إلى انقضاء الصلاة، رواه حميد بن زنجويه عن ابن عباس وحكاه البغوي في "شرح السنة" عنه. الخامس والعشرون: ما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن تنقضي الصلاة، رواه مسلم وأبو داود من حديث أبي موسى عن مخرمة بن بكير، قد مرّ ما فيه وهو يمكن أن يتخذ من القولين اللذين قبله. السادس والعشرون: عند التأذين وعند تذكير الإِمام وعند الإِقامة، رواه حميد بن زنجويه عن عوف بن مالك الأشجعي الصحابي. السابع والعشرون: مثله، لكن قال إذا أذن وإذا رقيَ المنبر وإذا أقيمت الصلاة، رواه ابن أبي شيبة وابن المنذر عن أبي أمامة الصحابي قوله، قال الزين بن المنير: ما ورد عند الأذان من إجابة الدعاء فيتأكد يوم الجمعة، وكذلك الإقامة وأما زمان جلوس الإمام على المنبر، فلأنه وقت اجتماع الذكر والابتداء في المقصود من الجمعة. الثامن والعشرون: من حين يفتتح الإمام الخطبة حتى تفرغ، رواه ابن عبد البر عن ابن عمر مرفوعًا وإسناده ضعيف. التاسع والعشرون: إذا بلغ الخطيب المنبر وأخذ في الخطبة، حكاه الغزالي في "الإحياء". الثلاثون: عند الجلوس بين الخطبتين، حكاه الطيبي عن بعض شراح المصابيح. الحادي والثلاثون: أنها عند نزول الإِمام من المنبر، رواه ابن أبي شيبة وحميد بن زنجويه وابن جرير وابن المنذر بإسناد صحيح عن أبي بردة قوله، وحكاه الغزالي قولًا بلفظه: إذا قام الناس إلى الصلاة. الثاني والثلاثون: حين تقام الصلاة حتى يقوم الإِمام في مقامه، حكاه ابن المنذر عن الحسن أيضًا، وحكى الطبري من حديث ميمونة بنت سعد نحوه مرفوعًا بإسناد ضعيف. الثالث والثلاثون: من إقامة الصف إلى تمام الصلاة، رواه الترمذي وابن ماجه مرفوعًا، وفيه "قالوا أية ساعة يا رسولَ اللهِ؟ قال حينَ تُقامُ الصلاةُ إلى الانصرافِ" وقد ضعف كثير رواية هذا الحديث؛ لكونه عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، ورواه البيهقي في الشعب من هذا الوجه بلفظ ما بين أن ينزل الإمام من المنبر إلى أن تنقضي الصلاة، ورواه ابن أبي شيبة عن مغيرة عن واصل الأحدب عن أبي بردة قوله. وإسناده قوي إليه وفيه أن ابن عمر استحسن ذلك منه وبرك عليه

стр. 4655

ومسح على رأسه، وروى ابن جرير وسعيد بن منصور عن ابن سيرين مثله. الرابع والثلاثون: هي الساعة التي كان النبي ﷺ يصلي فيها الجمعة، رواه ابن عساكر بإسناد صحيح عن ابن سيرين، وهذا يغاير الذي قبله من جهة إطلاق ذاك وتقييد هذا، وكأنه أخذه من جهة أن صلاة الجمعة أفضل صلوات ذلك اليوم، وأن الوقت الذي يصلي فيه النبي ﷺ أفضل الأوقات. وأن جميع ما تقدم من الأذان والخطبة وغيرهما وسائل، وصلاة الجمعة هي المقصودة بالذات، ويؤيده ورود الأمر في القرِآن بتكثير الذكر حال القتال. وذلك في قوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلى أن ختم الآية بقوله تعالى ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وليس المراد إيقاع الذكر بعد الانتشار وإن عطف عليه، وإنما المراد تكثير الذكر المشار إليه أول الآية. الخامس والثلاثون: من صلاة العصر إلى غروب الشمس، رواه ابن جرير عن ابن عباس موقوفًا وعن أبي سعيد مرفوعًا بلفظ: "فالتمسوها بعد العصر"، وذكر ابن عبد البر أن قوله "فالتمسوها" إلى آخره مدرج في الخبر من قول أبي سلمة، ورواه ابن منده من هذا الوجه أغفل ما يكون الناس، ورواه أبو نعيم في "الحلية" عن عون بن عبد الله بن عتبة عن أخيه عبيد الله كقول ابن عباس. ورواه الترمذي عن أنس مرفوعًا بلفظ "بعد العصر إلى غيبوبة الشمس" وإسناده ضعيف. السادس والثلاثون: في صلاة العصر، رواه عبد الرزاق عن يحيى بن إسحاق بن أبي طلحة عن النبي ﷺ مرسلًا وفيه قصة. السابع والثلاثون: بعد العصر إلى آخر وقت الاختيار، حكاه الغزالي في الإحياء". الثامن والثلاثون: بعد العصر كما مرّ عن أبي سعيد مطلقًا، ورواه ابن عساكر عن أبي هريرة وأبي سعيد مرفوعًا بلفظ: وهي بعد العصر، وروى عبد الرزاق عن ابن طاووس عن أبيه أنه كان يتحراها بعد العصر، وعن ابن جريج عن بعض أهل العلم قال: لا أعلمه إلا عن ابن عباس مثله، فقيل له لا صلاة بعد العصر فقال: بلى لكن من كان في مصلاه لم يقم منه فهو في صلاة. التاسع والثلاثون: من وسط النهار إلى قرب آخر النهار كما مرّ أول الباب عن سلمة بن علقمة. الأربعون: من حين تصفر الشمس إلى أن تغيب، رواه عبد الرزاق عن طاووس قوله وهو قريب من الذي بعده. الحادي والأربعون: آخر ساعة بعد العصر، رواه أبو داود والنسائي والحاكم بإسناد حسن عن أبي سلمة عن جابر مرفوعًا في أوله أن النهار اثنتا عشر ساعة، ورواه مالك وأصحاب "السنن" فيما مرّ أول الباب عن أبي هريرة عن عبد الله بن سلام من قوله وفيه مناظرة أبي هريرة له، ورواه ابن جرير عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا، ولم يذكر عبد الله بن سلام قوله ولا القصة

стр. 4656

وعن ابن أبي ذيب عن أبي هريرة عن كعب الأحبار قوله: وروى ابن أبي خيثمة عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة وأبي هريرة وأبي سعيد، فذكر الحديث وفيه قال أبو سلمة: فلقيت عبد الله بن سلام فذكرت له ذلك، فلم يعرض بذكر النبي ﷺ بل قال: النهار ثنتا عشر ساعة وإنها لفي آخر ساعة من النهار ولابن خزيمة عن أبي سلمة عن عبد الله بن سلام قال: "قلتُ ورسولُ الله ﷺ جالسٌ إنا لنجدُ في كتاب اللهِ أن في الجُمعة ساعة" قال رسولُ اللهِ ﷺ : "أو بعضَ ساعةٍ. قلتُ: نعم أو بعضَ ساعةٍ" الحديث وفيه "قلت أي ساعة" فذكر الحديث، وهذا يحتمل أن يكون القائل، قلت عبد الله بن سلام فيكون مرفوعًا أو يكون أبا سلمة فيكون موقوفًا وهو الأرجح لتصريحه في رواية يحيى بن أبي كثير بأن عبد الله بن سلام لم يذكر النبي ﷺ في الجواب. الثاني والأربعون: من حين يغيب نصف قرص الشمس أو من حين تدلي الشمس للغروب إلى أن يتكامل غروبها، رواه الطبراني في "الأوسط" والدارقطني في "العلل"، والبيهقي في "الشعب" و"فضائل الأوقات" عن زيد بن علي بن الحسين بن علي حدثتني مرجانة مولاة فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالت: حدثتني فاطمة ﵍ عن أبيها فذكر الحديث، وفيه "قلت للنبي ﷺ : أي ساعةٍ هي قال: إذا تدلّى نصفُ الشمس للغروب فكانت فاطمةُ إذا كان يومُ الجمعةِ أرسلت غلامًا لها يُقال له زيدٌ ينظرُ لها الشمسَ فإذا أخبرها أنها تدلتْ أقبلتْ على الدعاءِ إلى أن تغيبَ " في إسناده اختلاف على زيدٌ بن علي، وفي بعض رواته من لا يعرف حاله، وأخرجه إسحاق بن راهويه عن زيد بن علي عن فاطمة لم يذكر فيه مرجانة وقال فيه: "إذا تدلت الشمس للغروب"، وقال فيه "تقول لغلام يقال له: أربد اصعد على الظربِ فإذا تدلتِ الشمسُ للغروبِ فأخبرني" والباقي نحوه، وفي آخره ثم تصلي المغرب. الثالث والأربعون: ما استنبطه الجزري وذكره في "حصن الحصين" في الأدعية لما ذكر الاختلاف في ساعة الجمعة، واقتصر على ثمانية أقوال مما تقدم، ثم قال ما نصه والذي اعتقده أنها وقت قراءة الإمام الفاتحة في صلاة الجمعة إلى أن يقول: آمين جمعًا بين الأحاديث التي صحت كذا قال: ويخدش فيه بأنه يفوت على الداعي حينئذ الإنصات لقراءة الإمام. هذا ما وقفت عليه من الأقوال في ساعة الجمعة مع ذكر أدلتها وبيان حالها في الصحة والضعف والرفع والوقف والإشارة إلى مأخذ بعضها، وليست كلها متغايرة من كل وجه بل كثير منها يمكن أن يتحد مع غيره. قال الزين بن المنير يحسن جمع الأقوال، وكان قد ذكر مما تقدم عشرة أقوال فتكون ساعة الإجابة منها لا بعينها، فيصادفها من اجتهد في الدعاء في جميعها، وليس المراد من أكثرها أنها تستوعب جميع الوقت الذي عين، بل المعنى أنها تكون في أثنائه لقوله فيما مرّ "يقللها". وقوله "وهي ساعة خفيفة" وفائدة ذكر الوقت أنها تنتقل فيه فيكون ابتداء مظنتها ابتداء الخطبة مثلًا، وانتهاؤه انتهاء الصلاة، وكأن كثيراً من القائلين عيّن ما اتفق له وقوعها فيه من ساعة في أثناء وقت من الأوقات المذكورة، فبهذا التقرير يقل الانتشار جدًا.

стр. 4657

وقد مرّ أول الباب أن أرجح الأقوال حديث أبي موسى وعبد الله بن سلام، ومرّ تقرير ذلك مبسوطًا، وقد قال ابن المنير: إذا علم أن فائدة الإبهام لهذه الساعة ولليلة القدر بعث الداعي على الإكثار من الصلاة والدعاء، ولو بيّن لاتكل الناس على ذلك وتركوا ما عداها، فالعجب بعد ذلك ممن يجتهد في طلب تحديدها. وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما مرّ فضل يوم الجمعة لاختصاصه بساعة الإجابة. وفي "مسلم" أنه خير يوم طلعت عليه الشمس، وفيه فضل الدعاء واستحباب الإكثار منه واستدل به على بقاء الإجمال بعد النبي ﷺ ، وتعقب بأن الاختلاف في بقاء الإجمال في الأحكام الشرعية لا في الأمور الوجودية كوقت الساعة؛ فهذا لا خلاف في إجماله والحكم الشرعي المتعلق بساعة الجمعة وليلة القدر، وهو تحصيل الأفضلية يمكن الوصول إليه والعمل بمقتضاه باستيعاب اليوم أو الليلة، فلم يبقَ في الحكم الشرعي إجمال. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرّ عبد الله بن مسلمة في الثاني عشر من "الإيمان"، ومرّ أبو الزناد والأعرج في السابع منه، وأبو هريرة في الثاني منه، ومرّ مالك في الثاني من "بدء الوحي". أخرجه مسلم في الجمعة والنسائي. ثم قال المصنف: باب إذا نفر الناس عن الإِمام في صلاة الجمعة فصلاة الإمام ومَنْ بقي جائزة قوله "جائزة" بالرفع خبر المبتدأ الذي هو فصلاة الإِمام، وللأصيلي تامة وظاهر الترجمة أن استمرار الجماعة الذين تنعقد به الجمعة إلى تمامها ليس بشرط في صحتها، بل يشترط أن تبقى منهم بقية ما، ولم يتعرض المؤلف لعددمن تنعقد بهم الجمعة؛ لأنه لم يجد فيه شيئًا على شرطه. وقد مرّ في باب الجمعة في القرى والمدن أن مذهب الشافعية والحنابلة اشتراط أربعين منهم الإِمام بشروطها المارة في الباب المذكورة، واستدلوا بحديث ابن عباس المذكور هناك، وبحديث كعب بن مالك قال: "أول من جمّع بنا في المدينة أسعد بن زرارة قبل مقدمه ﵊ في نقيع الخضمات، وكنا أربعين رجلًا" رواه البيهقي وغيره وصححوه. وروى البيهقي أيضًا أنه ﷺ جمع بالمدينة وكانوا أربعين رجلًا وعورض بأنه لا يدل على شرطيته، وأجيب بما قاله في "المجمع" من أن وجه الدلالة من حديث كعب بن مالك أن الأمة أجمعوا على اشتراط العدد والأصل الظهر، فلا تصح الجمعة إلا بعدد ثبت فيه توقيت. وقد ثبت جوازها بأربعين، وثبت "صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي" ولم تثبت صلاته لها بأقل من ذلك، فلا تجوز بأقل منه. وقد مرّ في الباب المذكور أن مشهور مذهب مالك عدم التحديد بعدد محصور، ومرّ هناك ما تجب به عندهم، ولكن أقل ما تصح به اثنا عشر باقين إلى سلامها مع الإمام حتى إن بطلت على واحد منهم بطلت على الجميع بشرط أن يكونوا مستوطنين.

стр. 4658

وأما الإِمام فيكفي فيه كونه مقيمًا غير مسافر، واستدلت المالكية بحديث الباب. وقد مرّ في الباب المذكور شرط وجوب الجمعة عند الحنفية، وأقل العدد الذي تصح به ثلاثة مع الإِمام عند أبي حنيفة؛ لأن الجمع الصحيح إنما هو الثلاث؛ لأنه جمع تسمية ومعنى والجماعة شرط على حدة، وكذا الإِمام فلا يعتبر منهم. وقال أبو يوسف ومحمد: ثلاثة بالإمام؛ لأن في الاثنين معنى الاجتماع، وهي منبئة عنه وجملة ما للعلماء في العدد خمسة عشر قولًا: الأول: تصح من الواحد، نقله ابن حزم. الثاني: اثنان كالجماعة، وهو قول النخعي وأهل الظاهر والحسن بن حي. الثالث: اثنان مع الإِمام عند أبي يوسف ومحمد. الرابع: ثلاثة معه عند أبي حنيفة. الخامس: سبعة عند عكرمة. السادس: تسعة عند ربيعة. السابع: اثنا عشر عنه في رواية. الثامن: مثله غير الإِمام عند مالك وإسحاق. التاسع: عشرون في رواية ابن حبيب عن مالك. العاشر: ثلاثون كذلك. الحادي عشر: أربعون بالإمام عند الشافعي وأحمد. الثاني عشر: غير الإِمام عن الشافعي، وبه قال عمر بن عبد العزيز وطائفة. الثالث عشر: خمسون عن أحمد في رواية وحكي عن عمر بن عبد العزيز. الرابع عشر: ثمانون حكاه المازري. الخامس عشر: جمع كثير بغير عدد، ولعل هذا الأخير أرجحها من حيث الدليل، ويمكن أن يزداد العدد باعتبار زيادة شرط كالذكورة والحرية والبلوغ والاستيطان، فيكمل بذلك عشرين قولًا.

стр. 4659

الحديث التاسع والخمسون حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أَقْبَلَتْ عِيرٌ تَحْمِلُ طَعَامًا، فَالْتَفَتُوا إِلَيْهَا حَتَّى مَا بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلاَّ اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ ". قوله "عن حصين" هو ابن عبد الرحمن ومدار هذا الحديث في "الصحيحين" عليه، وقد رواه تارة عن سالم بن أبي الجعد وحده كما هنا وهي رواية أكثر أصحابه، وتارة عن أبي سفيان طلحة بن نافع وحده وهي رواية قيس بن الربيع وإسرائيل عند ابن مردويه، وتارة جمع بينهما عن جابر وهي رواية خالد بن عبد الله عند المصنف في التفسير، وعند مسلم وكذا رواه هشيم عنده أيضًا. وقوله "بينا نحن نصلي" في رواية خالد المذكورة عند أبي نعيم في المستخرج "بينما نحن مع رسول الله ﷺ في الصلاة" وهذا ظاهر في أن انفضاضهم وقع بعد دخولهم في الصلاة، لكن وقع عند مسلم عند عبد الله بن إدريس عن حصين "ورسول الله ﷺ يخطبُ". وله في رواية هشيم: "والنبي ﷺ قائمٌ" زاد أبو عوانة في "صحيحه" والترمذي والدارقطني من طريقه "يخطب". ومثله لأبي عوانة عن عباد بن العوام، ولعبد بن حميد عن سليمان بن كثير كلاهما عن حصين، وكذا في رواية قيس بن الربيع وإسرائيل، ومثله عند البزار عن ابن عباس وعند الطبراني في "الأوسط" عن أبي هريرة وعند الطبراني أيضًا، وغيره من مرسل قتادة فعلى هذا، فقوله "يصلي" أي: ينتظر الصلاة. وقوله "في الصلاة" أي في الخطبة مثلًا، وهو من تسمية الشيء باسم ما قاربه، فبهذا يجمع بين الروايتين. ويؤيده استدلال ابن مسعود على القيام في الخطبة بالآية المذكورة كما أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح، وكذا استدل به كعب بن عُجْرة في "صحيح مسلم"، وحمل ابن الجوزي قوله "يخطب قائمًا" على أنه خبر (لكان) آخر غير خبر كونهم كانوا معه في الصلاة. فقال التقدير (صلينا مع رسول الله ﷺ وكان يخطب قائمًا) الحديث، ولا يخفى تكلفه. وقوله "إذ أقبلت عير" أي بكسر العين المهملة. وهي الإبل التي تحمل التجارة طعامًا كانت أو غيره، وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها، ونقل عبد الحق أن البخاري لم يخرج قوله "إذ أقبلت عير

стр. 4660

تحمل طعامًا" وهو ذهول منه، نعم سقط ذلك في التفسير، وثبت هنا وفي أوائل البيوع. وزاد فيه "أنها أقبلت من الشام". ولمسلم مثله عن جرير عن حصين وعند الطبري عن أبي مالك ومرة فرقهما أن الذي قدم بها من الشام دحية بن خليفة الكلبي، ونحوه عند البزار عن ابن عباس وعند ابن مردويه عن ابن عباس "جاءت عير لعبد الرحمن بن عوف" وجمع بين هاتين الروايتين بأن التجارة كانت لعبد الرحمن، وكان دحية السفير أو كان مشاركًا له وفي رواية ابن وهب عن الليث أنها كانت لوبرة الكلبي، وتجمع بأنه كان رفيق دحية. وقوله "فالتفتوا إليها" وفي رواية ابن فضيل في البيوع "فانفض الناس"، وهو موافق للفظ القرآن ودال على أن المراد بالالتفات الانصراف، وفيه رد على من حمل الالتفات على ظاهره فقال لا يفهم من هذا الانصراف عن الصلاة وقطعها، وإنما يفهم منه التفاتهم بوجوههم أو قلوبهم. وأما هيئة الصلاة المجزئة فباقية، ثم هو مبني على أن الانفضاض وقع في الصلاة، وقد ترجح مما مضى أنه إنما كان في الخطبة. فلو كان كما قيل لما وقع هذا الإنكار الشديد، فإن الالتفات فيها لا ينافي الاستماع وقد غفل قائله عن بقية ألفاظ الخبر. وفي قوله "فالتفتوا" الحديث التفات؛ لأن السياق يقتضي أن يقول التفتنا، وكان الحكمة في عدول جابر عن ذلك أنه هو لم يكن ممن التفت كما سيأتي. وقوله "إلا اثنا عشر" ليس الاستثناء مفرغًا حتى يجب رفعه، بل هو من ضمير بقي الذي يعود على المصلي، فيجوز فيه الرفع على البدل والنصب على الاستثناء، وقد جاءت بها الرواية. وفي "تفسير الطبري" وابن أبي حاتم بإسناد صحيح إلى أبي قتادة قال: "قال لهم رسول الله كم أنتم فعدوا أنفسهم فإذا هم اثنا عشر رجلًا وامرأة". وفي تفسير إسماعيل بن أبي زياد الشامي "وامرأتان". ولابن مردويه عن ابن عباس وسبع نسوة، لكن إسناده ضعيف واتفقت هذه الروايات كلها على اثني عشر رجلًا إلا ما رواه علي بن أبي عاصم عن حصين بالإسناد المذكور. فقال إلا أربعين رجلًا أخرجه الدارقطني، وقال تفرد به علي بن أبي عاصم وهو ضعيف الحفظ. وخالفه أصحاب حصين كلهم ويأتي في السند ما قيل في تسمية الباقين معه وتعريف من لم يمضِ تعريفه منهم، وذكر محل من عرف منهم. وقد اختلف فيما إذا انفضوا فقال الشافعية والحنابلة: لو انفض الأربعون أو بعضهم في أثناء الخطبة أو بينها وبين الصلاة أو في الركعة الأولى ولم يعودوا أو عادوا بعد طول الفصل استأنف الإمام الخطبة والصلاة، ولو انفض السامعون للخطبة بعد إحرام تسعة وثلاثين لم يسمعوا الخطبة أتم بهم الجمعة؛ لأنهم إذا لحقوا والعدد تام صار حكمهم واحدًا فسقط عنهم سماع الخطبة، أو انفضوا قبل إحرامهم استأنف الخطبة بهم، لأنه لا تصح الجمعة بدونها وقال المالكية أن انفضوا وبقي مع
следующие страницы →