← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

قال: وكان أبو نُعيم يسألني عن نَسَبِه، فأخبره، فيقول لي: يا أحمد، هذه رُقْيَةُ العقرب. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: ثقة. وقال أبو حاتم الرّازِيّ في حديث مُسَدّد، عن يَحْيى بن سعيد، عن عُقبة، عن نافع، عن ابن عمر: الدنانير، ثم قال: كأنك سمعتها من في النبيّ ﷺ . وقال ابن قانِع: كان ثقة. وقال ابن عَديّ: يقال: إنه أول من صَنَّفَ المسند بالبصرة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". فالخمسة الأولى على لفظ صيغة اسم المفعول وهي عربية، فمُسَدّد من التسديد، ومُسَرْهد من سَرْهَدْتُه: أحسنت غِذاءه، وسمنته، ومُسَرْبل من سَرْبلْتُه، أي: ألبسته القميص، ومُغَرْبل من غربلته، أي: نقيته، ومُرَعْبل من رَعْبَلتُه: أي: مزقته وقطعته، والثلاثة التي تليها عجميات. روى عن عبد الله بن يَحيى بن أبي كثير، وهُشَيم، ويزيد بن زُرَيع، وفُضَيل بن عِياض، وجُوَيرة بن أسماء، وعبد الواحد بن زياد، وعبد الوارث، ومُعتمر بن سليمان، ووكيع، والقطّان، وابن علية، وخلق. وروى عنه: البُخاري، وأبو داود، وروى له أبو داود أيضًا، والترمذي، والنسائي، بواسطة محمَّد بن محمَّد بن خلاد الباهِلِيّ، وأبو زُرعة وأبو حاتم الرّازِيّان، ومحمد بن يحيى الذُّهْليّ، ويعقوب بن سُفيان، ويعقوب بن شَيبَة، وأبو خليفة وغيرهم. وليس في الستة من اسمه مُسَدّد سواه، مات سنة ثمان وعشرين ومئتين. والبَصْريّ في نسبه مر الكلام عليه في ترجمة شُعبة بن الحَجّاج، والأسَديّ في نسبه نسبة إلى أسد بالتحريك، وهو اثنان: أسد بن خُزَيْمة بن مُدْرِكة بن إلياس بن مُضَر أبو قبيلة عظيمة من مُضر، وأسد بن رَبيعة بن نِزار بن مَعد بن عدنان أبو قبيلة أخرى. الثاني: يحيى بن سعيد بن فَرُّوخ -بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة

стр. 492

وفي آخره خاء معجمة غير منصرف للعلمية والعجمةَ- القطان التَّميْميّ ولاءً أبو سعيد البصري الأحول، الحافظ الإِمام الحجة، أحد أئمة الجرح والتعديل المتفق على جلالته وتوثيقه وتميزه في هذا الشأن. قال ابن حِبان في "الثقات": كان من سادات أهل زمانه حفظًا وورعًا وفَهمًا وفَضْلًا ودينًا وعلمًا، وهو الذي مَهَّد لأهل الحديث رسم الحديث، وأمعن في البحث عن الثقات، وترك الضعفاء، ومنه تعلم أحمد ويحيى وعلي وسائر أئمتنا، وكان إذا قيل له في علته: عافاك الله تعالى، قال: أحبه إليّ أحبه إلى الله تعالى. وقال الخَليليُّ: هو إمام بلا مدافعة، وهو أجل أصحاب مالك بالبصرة، وكان الثَّوْريّ يتعجب من حفظه، واحتج به الأئمة كلهم، وقالوا: "من تركه يحيى تركناه. وقال محمَّد بن بشّار: حدثنا يحيى بن سعيد إمام زمانه، وقال فيه ابن مَعين: أقام يحيى بن سعيد عشرين سنة يَخْتِمُ القرآن في كل يوم وليلة، ولم يَفُتْه الزوال أربعين سنة في المسجد، ورأى له زُهير بن نُعيم البَابيّ في المنام أن عليه قميصًا، وبين كتفيه مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب من الله العزيز الحكيم، براءة ليحيى بن سعيد القطان من النار. وقال إسحاق بن إبراهيم بن أبي حبيب الشهيد: كنت أرى يحيى القطان يصلي العصر، ثم يستند إلى أصل منارة مسجده، فيقف بين يديه عَليّ بن المَدِينيّ، والشّاذَكُونِيّ، وعَمرو بن علِيّ، وأحمد بن حَنبل، ويحيى بن مَعين، وغيرهم يسألونه عن الحديث وهم قِيام على أرجلهم إلى أن تحين صلاة المغرب، ولا يقول لأحد منهم: اجلس، ولا يجلِسون هيبةً له. وقال ابن عمّار: كنت إذا نظرت إلى يحيى القطان، قلت: لا يحسن شيئًا، وإذا تكلم أنصت الفقهاء له. وقال بُنْدار: اختلفت إلى يحيى بن سعيد عشرين سنة، فما أظن أنه عصى الله تعالى قطُّ. وقال حفيدُه: لم يكن جَدّي يمزَحُ ولا يضحك إلا تبسمًا، وما دخل حمامًا قطُّ. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا رفيعًا حُجّة. وقال العِجْليّ: بصري ثقة في الحديث كان لا يحدّث إلَّا

стр. 493

عن ثقة. وقال أبو زُرعة: كان من الثقات الحفاظ، وقال أبو حاتم: حجة حافظ. وقال النّسائي: ثقة ثبت مَرْضِيّ. قال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يقول: اختلفت إلى شعبة عشرين سنة، وقال عبد الرحمن بن مَهْدي: اختلفوا يومًا مع شُعبة، فقالوا: اجعل بيننا وبينك حكمًا، فقال: قد رضيتُ بالأحول، يعني: يحيى بن سعيد القَطّان. وقال خالد بن الحارث: غلبنا يحيى بن سعيد بسفيان الثَّوريّ، وقال يحيى بن سَعيد: كنت إذا أخطأت قال لي الثَّوريّ: أخطأت يا يحيى، فحدث يومًا عن عُبيد الله، عن نافع، عن ابن عُمر بحديث الشُّرْب في آنية الذهب والفضة، فقلت: أخطأت يا أبا عبد الله، هذا أهون عليك، إنما حَدّثَنا عبيد الله، عن نافع، عن يزيد بن عَبد الله، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أم سَلَمة، فقال لي: صدقت. وقال عَمرو بن عَليّ، عن يحيى بن سعيد: ما اجتمعت أنا وخالد بن الحارث ومعاذ بن معاذ إلا قَدَّماني. وقال ابن مَهْدي: ما رأيت أحسن أخذًا للحديث ولا أحسن طلبًا له من يَحيى القطّان أو سفيان بن حَبيب. وقال ابن المَدِينيّ: لم يكن ممن طلب، وعُنِي بالحديث، وأقام عليه، ولم يَزَل به إلا ثلاثة: القطان، وسفيان بن حَبيب، ويزيد بن زُرَيع. وقال ابن عَمّار: حدّث عبد الرحمن بن مَهدي عن يحيى بن سعيد بألفي حديث، وهو حي. وقال السّاجيّ: حدثت عن علي بن المَدِيني، قال: ما رأيت أعلم بالرِّجال من يَحيى القَطّان، ولا أعلم بصواب الحديث والخطأ من ابن مَهْدي، فإذا اجتمعا على ترك رجل تركته؛ وإذا أخَذَ عنه أحدهما حدثت عنه. وقال إبراهيم بن محمَّد التَّيْمِيّ: ما رأيت أعلم بالرجال من يحيى القطّان. وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: حدَّثَني يحيى القطان، وما رأت عيناي مثله، قال: فقلت لأبي: من أعلم من رأيت في هذا الشأن؟ قال: ما رأيت مثل يحيى القطان، قلت: فهُشَيْم؟ قال: هشيم شيخ، قلت: فعبد الرحمن بن مَهْدي؟ قال: لم يكن مثل يحيى. وقال أحمد أيضًا: كان إليه المنتهى في التثبت بالبَصْرة، وقال الفضل بن زياد: سمعت أحمد يقول: لا والله ما أدركنا مثله، ثم قال: سمعت ابن مَهْدي وذكره، فقال: لا والله لا

стр. 494

ترى عيناك مثله. وقال الأثرم: سمعت أحمد يقول: رحم الله تعالى يحيى القطان، ما كان أضبطه، وأشد ثقته، كان محدثًا وأثنى عليه، وأحسن الثناء عليه. وقال أبو داود عن أحمد: ما رأيت له كتابًا، كان يحدثنا من حفظه. وقال حَنْبل عن أحمد: ما رأيت أقل خطأ من يحيى، ولقد أخطأ في أحاديث، ثم قال: ومَنْ يَعرى من الخطأ والتصحيف؟ وقال صالح بن أحمد عن أبيه: يحيى بن سعيد أثبت من هؤلاء يعني ابن مَهْدي، ووكيعًا، وغيرهما، وقد روى عن خمسين شَيخًا ممن روى عنه سفيان، قيل له: كان يكتُب عند سُفيان، قال: إنما كان يتسمع ما لم يكُن سمعه، فيكتبه. وقال أبو بكر بن خلّاد: سمعت ابن مَهْدي يقول: لو كنت لقيت ابن أبي خالد لكتبت عن يحيى القطان، عنه، لأعرف صحيحها من سقيمها. قال أبو بكر: وسمعت يحيى يقول: جَهَدَ الثَّوريّ أن يدلس عليَّ رجلًا ضعيفًا فما أمكنه، قال مرة: حدثنا أبو سهل، عن الشَّعْبيّ، فقلت له: أبو سهل محمد بن سالم، فقال: يا يحيى، ما رأيت مثلك، لا يذهَب عليك شيء. وقال أبو زُرعة الدِّمَشْقي: قلت لابن مَعين: يحيى القطّان فوق ابن مَهْدي؟ قال: نعم. روى عن: سليمان التَّيميّ، وحُميد الطّويل، وإسماعيل بن أبي خالد، وهشام بن عُروة، وعِكْرمة بن عَمّار، وابن جُرَيج، والأوْزاعيّ، ومالك، وشعبة، والثَّوريّ، وابن أبي عَروبة، وقُرّة بن خالد، وفُضيل بن غَزْوان، وخلق. وروى عنه ابنه محمَّد، وحفيده أحمد بن مُحمد، وأحمد، وإسحاق، وابن المَدِينيّ، ويَحيى بن مَعين، وعمرو بن عليّ الفَلّاس، ويعقوب الدَّوْرقيّ، وخلق كثير آخرهم موتًا أبو يَعْلى بن شَدّاد المِسْمَعيّ، وحدث عنه من شيوخه شُعبة والسُّفيانان، ومن أقرانه مُعْتَمر بن سُليمان، وعبد الرّحمن بن مَهْدي. ولد سنة عشرين ومئة، ومات في صفر سنة ثمان وتسعين ومائة.

стр. 495

ويحيى بن سعيد في الستة سواه أربعة، ومر الكلام عليهم أول حديث، ومر الكلام على التَّميْميّ في عبد الله بن المُبارك، وعلى البَصْرِي في ترجمة شعبة. الثالث: شُعبة، وقد مر تعريفه في الثالث من كتاب الإِيمان هذا. الرابع: قتادة بن دِعامة -بكسر الدال المهملة وتخفيف العين المهملة- بن قَتَادة بن عَزيز بن عَمْرو بن رَبيعة بن عُمر بن الحارث بن سَدُوس أبو الخطّاب السَّدوسِيّ البَصْرِيّ. ولد أكمه. قال الزَّمَخْشَرِيّ: لم يكن في هذه الأمة أكمه: أي ممسوح العين غير قَتادة. روى مَعْمر عن قَتَادة أنه أقام عند سعيد بنِ المُسَيِّب ثمانية أيام، فقال له في اليوم الثالث: ارتَحِل يا أعمى فقد أنْزَفْتَني. وقال عَمرو ابن عبد الله: لما قَدِمَ قتادة على سعيد بن المُسَيِّب، فجعل يسأله أيامًا وأكثر، فقال له سعيد: أكُلُّ ما سألتني عنه تحفظُه؟ قال: نعم، سألتك عن كذا، فقلت فيه كذا، وسألتك عن كذا فقلت فيه كذا، وقال فيه الحَسن كذا، حتى ردَّد عليه حديثًا كثيرًا، قال: فقال سعيد: ما كنت أظن أن الله خلق مثلك. وقال سعيد بن المُسيِّب: ما أتاني أحسن من قتادة. وقال بُكَير بن عبد الله المُزَنيّ: ما رأيت الذي هو أحفظ منه، ولا أجْدَرُ أن يؤدي الحديث كما سمعه. وقال ابن سِيرين: قتادة هو أحفظ الناس. وقال مَطَرٌ الورّاق: كان قتادة إذا سمع الحديث أخذه العويل والزَّويل حتى يَحْفَظَهُ، أي: القلق والانزعاج، بحيث لا يَسْتَقرُّ على مكان. وقال مَعْمر: قال قَتادة لسعيد بن أبي عَروبة: خذ المُصْحَف، فَعَرضَ عليه سورة البَقَرَة، فلم يُخْطِىء فيها حرفًا واحدًا، فقال له: يا أبا النَّضْر أحْكَمْتُ؟ قال: نعم، قال: لأنا لصحيفة جابر أحفظ مني لسورة البقرة، وكانت قُرئَت عليه. وقال مَطَر الوَرّاق: ما زال قَتَادة متعلمًا حتى مات. وقال رجلٌ لأبي قِلابة: من أسأل؟ أسأل قتادة؟ قال: نعم. وقال شعبة: حدثت سُفيان بحديث عن قتادة، فقال لي: وما كان في الدنيا مثل قَتادة.

стр. 496

وقال مَعمر: قلت للزُّهرِيّ: قتادة أعلم عندك أم مَكْحول؟ قال: لا بل قتادة. وقال ابن مَهْدي: قَتادة أحفظ من خمسين مثل حُميد الطّويل. قال أبو حاتم: صَدَق ابنُ مَهْدي. وقال مَعْمر، عن قتادة: ما قُلتُ لمحدثٍ قطُّ أعِد عليَّ، وما سمعت أذناي شيئًا قطُّ إلا وعاه قلبي. وقال أبو حاتم: سمعت أحمد ابن حَنْبل، وذُكِرَ قتادة، فأطْنَبَ في ذكره، فجعل ينشُر من علمه وفقهه ومعرفته بالاختلاف والتفسير، ووصفه بالحفظ والفقه، وقال: قلما تجد من يتقدمه، أما المِثْل فلَعَلَّ. وقال الأثْرم: سمعت أحمد يقول: كان قتادة أحفظ من أهل البصرة، لم يَسْمعَ شيئًا إلا حفظه، وقُرِىء عليه صحيفة جابر مرة واحدة فحفظها، وكان سليمان التَّيْميُّ وأيوب يحتاجون إلى حفظه ويسألونه، وقال ابن حِبان: كان من علماء الناس بالقرآن والفقه، ومن حفاظ أهل زمانه. وقال ابن مَعين: ثقة. وقال أبو زُرعة: قتادة من أعلم أصحاب الحَسَن. وقال أبو حاتم: أثبت أصحاب أنس الزُّهريّ، ثم قتادة، قال: وهو أحب إلي من أيوب ويزيد الرّشك إذا ذَكَرَ الخبر، يعني: إذا صرح بالسماع. وقال ابن سعد: كان ثقة، مأمونًا، حجّةً في الحديث، وكان يقول بشيءٍ من القدر. وقال همام: لم يكن يَلْحَن. وقال أبو عُبيدة: ما كنا نَفْقِد راكبًا من ناحية بني أمية يُنيخُ على باب قَتَادة فيسأله عن خبر أو نسب أو شعر. وقال مَعْمر: سألت أبا عمرو بن العلاء عن قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣]، فلم يُجبْني، فقلت: إني سمعت قتادة يقول: مُطيقين، فسكت، فقلت له: ما تقول يا أبا عَمْرو؟ فقال: حسبُك قَتادة، فلولا كلامُهُ في القدر، وقد قال رسولُ الله ﷺ : "إذا ذُكر القدر فأمسكوا"، لما عدلت به أحدًا من أهل دهره. وكان قتادة من أنسب الناس، وقد أدْرَكَ دَغْفَلًا -بفتح الدال- النسابة، وكان يَدُور البصرة أعلاها وأسفلها بغير قائد، ودخل يومًا مسجد البصرة، فإذا بعمرو بن عُبيد ونفر معه قد اعْتَزَلوا حَلْقة الحسن البَصْريّ، وحَلَّقوا، وارتفعت أصواتهم، فأمَّهم، وهو يظُن أنها حلقة الحسن، فلما صار معهم عرف أنها ليس هي، فقال: إنما هؤلاء المعتزلة، ثم قام

стр. 497

عنهم، فمذ يومئذٍ سُمّوا المعتزلة. وقال حَنْظَلة بن أبي سُفيان: كان طاووس يَفرُّ من قَتادة، وكان قتادة يُرْمَى بالقدر. وقال علي بن المَدِيني: قلت ليحَيى بن سعيد: إن عبد الرحمن يقول: اترك كل من كان رأسًا في بدعة يدعو إليها، قال: كيف تصنع بقتادة، وابن أبي روّاد، وعمر بن ذَرّ؟ وذكر قومًا ثم قال يحيى: إن تركت هذا الضرب تركت ناسًا كثيرًا. وقال أبو عَمْرو بن العّلاء: كان قتادة وعمرو بن شُعيب لا يَغِثُّ عليهما شيء يأخذان عن كل أحد، وقال الشَّعبيّ: قتادة حاطِب ليل. وقال شُعبة: كان قَتادة إذا جاء ما سمع، قال: حدثنا, وإذا جاء ما لم يَسْمَع, قال: قال فلان. وقال شُعبة أيضًا: لم يَسمع قتادةُ من أبي العالية إلا ثلاثة أشياء، قول علي: القضاة ثلاثة، وحديث يونس بن مَتّى، وحديث: لا صلاة بعد العصر. وقال وَكيع عن شُعبة: كان قتادةُ يَغْضبُ إذا أوقفته على الإِسناد، فحدثته يومًا بحديث، فأعجبه، فقال: من حَدَّثك ذا؟ فقلت: فلان عن فلان، فكان بعد ذلك. روى عن: أنس بن مالك، وعبد الله بن سَرجِس، وأبي الطُّّفَيْل، وصَفيّة بنت شَيْبة، وأرسل عن سفينة، وأبي سعيد الخُدري، وعِمران بن حُصَين، وروى عن سعيد بن المُسيِّب، وعِكرمة، وأبي الشَّعثاء جابر بن زَيْد، وحُمَيد بن عبد الرحمن بن عَوْف، والحسن البَصْريّ، وعطاء بن أبي رَباح، والنَّضْر، وأبي بكر ابني أنس بن مالك، وأبي بُردة بن أبي موسى, وحَفصة بنت سيرين، وغيرهم. وروى عنه: أيوب السَّخْتياني، وسليمان التَّيمي، وشُعبة، ومِسْعر، وشَيْبان النَّحْوِي، وسعيد بن أبي عَروبة، وحَمّاد بن سَلَمة، والأوْزاعيّ، وقُرّة بن خالد، وأبو عَوانة، وغيرهم. مات بواسطٍ في الطاعون سنة سبع عشرة ومئة، بعد الحسن البصري بسبع سنين، وهو ابن ست أو سبع وخمسين سنة. وفي الستة قَتادة غيره ثلاثة: ابن الفُضيل بن قَتادة الحَرَشي أبو حُمَيْد

стр. 498

روى عن سليمان الأعمش وغيره. وابن مِلْحان القَيْسيّ الجَريريّ صحابي. وابن النُّعمان بن زَيْد بن عامر الأنْصارِيّ، شهد بدرًا، وسقطت عينه يوم أُحُد فأتى بها النبي ﷺ ، فردها، وكانت من أحسن عينيه، أخوه لأمه أبو سعيد الخُدْريّ. والسَّدُوسي في نسبه نسبة إلى سَدوس بن شَيبْان، وقيل: ابن ثعلبة بن عكابة بن صعب قبيلة كثيرة، كثيرة العلماء، وفي تَميم أيضًا سَدُوس بن دارم بن مالك بن حَنْظلة، قيل: كل سَدُوس في العرب مفتوح السين إلا سدوس طيّء وهو سدوس بن أجمع بن أبي عُبيد بن رَبيعة بن نَضْر بن سَعْد بن نَبْهان ومما هو بالفتح: الحارث بن سَدوس كان له واحد وعشرون ولدًا ذكرًا قال الشاعر: فإنْ شَاءَ رَبّي كَانَ أيْرُ أبِيكُمُ ... طويلًا كأيْرِ الحارِثِ بن سَدُوسِ الخامس: حسين بن ذَكْوان المعلم العَوْذيّ -بفتح فسكون- البَصْريّ المكتب. قال يحيى بن مَعين، وأبو حاتم، والنَّسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: سألت ابن المديني: من أثبت أصحاب يحيى بن أبي كثير؟ قال: هشام الدَّسْتُوائي ثم الأوْزَاعيّ، وحُسين المُعَلِّم. وقال أبو زُرعة: ليس به بأس. وقال الدَّارَقُطنيّ: من الثقات. وذكره ابن حِبّان في "الثقات" وقال ابن سَعْد والعِجليّ وأبو بكر البَزّار: بَصريّ ثقة. وقال ابن المَدِينيّ: لم يرو الحسين المعلم عن ابن بُريدة إلا حرفًا واحدًا، وكلها من رِجال آخرين. وقال العُقَيليّ: ضعيف مضطرب الحديث. روى عن عَطاء، ونافع، وعبد الله بن بُريدة، ويحيى بن أبي كثير، وعمرو بن سعيد، وسليمان الأحْول، وعدة. وروى عنه: إبراهيم بن طَهْمان، وشُعبة، وابن المُبارك، وعبد الوارث بن سَعيد، والقَطّان، وغُندر، ويزيد بن زُرَيع، ويزيد بن هارون.

стр. 499

مات سنة خمس وأربعين ومئة. وليس في الكتب الستة حسين بن ذكوان سواه، وأما حسين فكثير. والعَوْذيُّ في نسبه نسبةً إلى عَوذ بطن من الأزْد، وهو عَوْذ بن سود بن الحجر بن عمران بن عمرو مُزَيقيا، منهم أبو عبد الله هَمّام بن يحيى بن دينارالأزْديّ العَوْذيّ مولاهم. السادس: أنس بن مالك بن النَّضر -بفتح فسكون- بن ضَمْضَم كجعفر حملًا على ما في القاموس بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار أبو حَمْزة الأنْصاري الخزرجي خادم رسول الله ﷺ ، وأحد المكثرين من الصحابة عنه كما مر، وأمه أم سُلَيْم بنت مِلْحان. صح عنه أنه: أتى النبي ﷺ المدينة وهو ابن عشر سنين، وأن أمه أم سُلَيم أتت به النبي ﷺ لما قَدِمَ، فقالت له: هذا أنس غلام يخدِمك، فقَبِلهُ، وأنَّ النبي ﷺ كَنَاه أبا حَمْزة ببقلة كان يَجْتنيها، ومازحه النبي ﷺ ، فقاَل له: يا ذا الأُذُنَيْن. خرج أنس مع النبي ﷺ إلى بدر، وهو غُلام يخدِمه، وسأله مولى له، فقال له: أشهدت بدرًا، قال: وأين أغيب عن بدر لا أمَّ لك؟ قال ابن حَجَر: وإنما لم يَذْكروه في البدريين لأنه لم يَكُن في سِنِّ من يُقاتل. وعن أبي العالية قال: خدم أنس النبي ﷺ عشر سنين، ودعا له النبي ﷺ ، وكان له بستانٌ يحمل الفاكهة في السنة مرتين، وكان فيه رَيْحان، ويجيءُ منه ريح المِسْك، وكانت إقامته بعد النبيّ ﷺ بالمدينة، ثم شهد الفُتوح، ثم قَطَن بالبصرة إلى أن مات بها. وفي "الطَّبَرانيّ" عن أنس، قال: قالت أم سُلَيم يا رسول الله، خُوَيْدِمُكَ أنس، فادعُ الله له، فقال: "اللَّهم أكثر ماله وولده، وأطِل عُمُرَه، وبارك له، واغفر له ذنبه" وفي رواية: "وأدْخِلْه الجنة" فقال: لقد

стр. 500

دفنت من صُلْبي سوى ولد ولدي مئة وخمسة وعشرين، وإن أرضي لَتُثْمِر في السنة مرتين، وفيها رَيْحان يجيء منه ريح المسك، ولقد بقيت حتى سئمت من الحياة، وأنا أرجو الرابعة. وعن ثابت البُناني، قال: كنت عند أنس بن مالِك، فجاء قَهرُمانُه، فقال: يا أبا حمزة، عطِشت أرضُنا، فقام أنس وتوضأ، وخرج إلى البرية، فصلى ركعتين، ثم دعا، فرأيت السحاب تلتئم، ثم مَطَرت حتى ملأت كل شيء، فلما سكن المطر بعث أنس بعض أهله، فقال: انظر أين بلغت السماء؟ فنظر، فلم تَعْدُ أرضه إلا يسيرًا، وذلك في الصيف. وعن ثابت أيضًا، قال: قال أبو هريرة: ما رأيت أحدًا أشبه صلاة بصلاة رسول الله ﷺ من ابن أم سُلَيم. وفي "الأوسط" للطَّبَراني عن أبي هُريرة، قال: أخبرني أنس بن مالك، أن النبي ﷺ كان يُشير في الصلاة. قال عُبَيْد بن عَمْرو الأصْبَحيّ: لا نعلم روى أبو هُريرة عن أنس غير هذا الحديث. وعن موسى بن أنس أن أبا بكر لما استُخْلِف بعث إلى أنس ليوجهه إلى البحرين على السِّعاية، فدخل عليه عُمر، فاستشاره، فقال: ابعثه فإنه لبيب كاتب، فبعثه. وفي البُخاري أن إسحاق بن عُثمان سأل موسى بن أنس كَمْ غَزَا أنس مع النبيّ ﷺ ؟ قال: ثماني غزوات. وعن ثابت البُناني، قال: قال لي أنس: هذه شعرة من شعر رسول الله ﷺ ، فضعها تحت لِساني، قال: فوضعتها تحت لسانه، فدفن وهي تحت لسانه. وقال مَعْمر، عن أبيه: سمعت أنس بن مالِك يقول: لم يَبْق أحدٌ صلى إلى القِبلتين غيري.

стр. 501

وعن إسحاق بن يزيد، قال: رأيت أنس بن مالِك مختومًا في عُنُقِهِ ختم الحجَّاج، أراد أن يُذِلّه بذلك. رُوِي له عن رسول الله ﷺ ألفا حديث ومئتان وستة وثمانون حديثًا، اتفقا على مائة وثمانية وستين منها، وانفرد البخاري بثلاثة وثمانين، ومسلم بأحد وتسعين. روى عن: رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعبد الله بن رَوَاحة، وفاطمة الزهراء، وثابت بن قَيْس بن شَمّاس، وعبد الرحمن بن عَوْف، وابن مسعود، وأبي ذَرّ، وأبي بن كعب، وعُبادة بن الصّامِت، ومُعاذ بن جَبَل، وأمه أم سُلَيم، وخالته أم حرام، وجماعة. وروى عنه: الحسن، وسليمان التَّيمي، وأبو قِلابة، وأبو مجلز، وثابت البُناني، وقَتَادة، وحُمَيْد الطّويل، ومحمد بن سيرين، وأخوه أنس، وأبو أُمامة بن سَهْل بن حُنَيف، وخلائق من الآفاق. مات في قصره بالطَّفِّ على فرسخين من البصرة سنة إحدى وتسعين، ودفن هنالك، وعمره مئة سنة إلا سنة. وقيل: مئة وسنة، وقيل: وثلاث، وقيل: وسبع، وهو آخر الصحابة موتًا بالبصرة. وفي الصحابة أنس بن مالك الكَعْبيّ القُشَيْرِيّ أبو أُمَيَّة أو أُمَيْمة، نزل البصرة. وأنس في الصحابة جماعة، وليس في الستة أنس بن مالك غيره سوى الكَعْبيّ هذا. وفي الستة أنس سواه ستة. ولنذكر نظم العراقي هنا في آخر الصحابة موتًا في كل البلدان تتميمًا للفائدة، فقال: آخِرُهُم موتًا بدُون مِرْيَه ... أبُو الطّفَيْل ماتَ عامَ مايه وقَبْلَهُ السّائبُ بَالمدينَةِ ... أوْ سَهلٌ أو جابِرٌ أو بِمَكّةِ وقِيلَ آخِرُهم ابنُ عُمَرَا ... ان لا أبو الطُّفَيْل فِيهَا قُبِرَا وأنَسُ بنُ مَالِكٍ بالبَصرَةِ ... وابنُ أبي أوْفَى قَضَى بالكُوفَةِ

стр. 502

والشّام فابنُ بُسْرٍ أو ذو بَاهِله ... خُلْفٌ وقيلَ بدِمشقَ واثِلَهْ وإنَّ في حِمْصَ ابنُ بُسر قُبضَا ... وإنَّ بالجزيرَةِ العُرْسُ قَضَى وبفِلسْطِين أبو أُبَيِّ ... ومِصرَ فابْنُ الحارث بن جُزَيِّي وقُبِضَ الهرماسُ باليَمامَةِ ... وقَبْلَهُ رُوَيْفعٌ ببَرْقهْ وقِيل أَفْريقيّةٍ وسَلَمَه ... بادِيًا أو بِطَيْبةَ المُكرّمهْ لطائف إسناده: منها أن رواته كلهم بَصْرِيُّونَ، فوقع له من الغرائب أن إسناد هذا كلهم بصريون، وإسناد الباب الذي قبله كلهم مِصريّون، والذي قبله كلُّهُم كوفيون، فوقع له التسلسل في الأبواب الثلاثة على الوَلاء، وفيه التحديث والعَنْعنة، وفيه إسنادان موصولان: أحدهما: عن مُسَدَّد، عن يَحيى، عن شُعبة، عن قَتَادة، عن أنَس، والآخر: عن مُسَدَّد، عن يحيى، عن حُسين، عن قَتَادة، عن أنَس. فقوله: عن حُسين عطف على شُعبة، والتقدير عن شُعبة وحسين كلاهما عن قَتادة، وقال حسين: حدثنا قتادة. وقول البعض: إن طريق حسين مُعَلّقة غير صحيح، والمتن الذي سيق هُنا متن شُعبة، وأما متن حُسين على ما رواه أبو نُعيم، عن إبراهيم الحَرْبي، عن مُسَدّد ... الخ، فهو: "لا يُؤْمِنُ عبدٌ حتى يُحِبَّ لأخيهِ ولجارهِ" فإن قيل: قتادةُ مُدلِّس، ولم يصرِّح بالسماع عن أنس في رواية شعبة، فالجواب: إنه قد صرح أحمد بن حنبل والنَّسائي في روايتهما بسماع قَتادة عن أنس، فانتفت تهمة تدليسه، وقد مر في الحديث الأول أن كل ما في "الصحيحين" عَن المُدَلِّسين، إذا لم يكن مُصَرَّحًا فيه بالسماع فيهما، لا بد أن يكون مصرحًا فيه بالسماع في محل آخر. وهذا الحديث أخرجه البخاري هنا، ومسلم في الإِيمان، عن المُثَنّى وابن بَشّار، وغيرهما والتِّرمذِيّ، والنَّسائي أيضًا ثم قال المصنف: ٨ - باب حُبُّ الرسول ﷺ من الإِيمان باب فيه الرفع مع التنوين على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا باب، وترك التنوين والإِضافة إلى الجملة بعده، واللام في الرسول

стр. 503

للعهد، والمراد به سيدنا محمَّد ﷺ ، بقرينة قوله: "حتى أكون أحبَّ" وإن كانت محبة جميع الرسل من الإِيمان" لكن الأحَبّيِة مختصة بسيدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. الحديث السابع ١٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ». قوله: "والذي نفسي بيده" وفي رواية "فوالذي نفسي بيده" أي: بقدرته، أو هو من المتشابه المفوض علمه إلى الله تعالى، وقال أبو حنيفة: يلزَمُ من تأويلها بالقدرة عين التعطيل، فالسبيل فيه كأمثاله الإِيمان به على ما أراد، ونَكُفُّ عن الخوض في تأويله، فنقول: له يد على ما أراد، لا كَيَدِ المخلوق، وقد استوفيت الكلام على هذه المسألة في كتاب "متشابه الصفات" ويؤخذ منه جواز القسم على الأمر المهم للتأكيد، وإن لم يكن هناك مستحلِف، والمقسم عليه قوله: "لا يُؤْمِنُ أحدكم" أي إيمانا كاملًا. وقوله:"حتى أكون أحب إليه" أفعل التفضيل هنا بمعنى المفعول، وهو كثير غير مقيس، منصوب خبر لأكون، وفصل بينه وبين معموله بقوله: "إليه" لأن الظرف يتوسع فيه ما لا يتوسع في غيره. وقوله: "من والده" أبيه وأمه، أو اكتفى به عنها. وقوله: "وولده" أي ذكرًا وأنثى، وقدم الوالد للأكثرية لأنّ كل أحد له والد من غير عكس، أو نظرًا إلى جانب التعظيم، أو لسبقه في الزمان، وعند النَّسائي تقديم الولد لمزيد الشفقة، وخصهما بالذكر لأنهما أعز على الإنسان غالبًا من غيرهما، وربما كانا أعز على ذي اللُّبِّ من نفسه فالثالثة محبة رحمة وشفقة، والثانية محبة إجلال، والأولى وهي محبة الرسول

стр. 504

صلى الله تعالى عليه وسلم محبة إحسان، وقد ينتهي المحب في المحبة إلى أن يؤثر هوى المحبوب على هوى نفسه، فضلًا عن ولده، بل يحب أعداء نفسه لمشابهتهم محبوبه، قال: أشْبَهْتَ أعْدائي فَصِرْتُ أُحِبُّهُم ... إذْ صَارَ حظّي مِنك حَظّي مِنهُمُ والمراد بالحب هنا حب الاختيار المستند إلى الإِيمان، لا حُب الطبع، فمعناه: لا يؤمن حتى يؤثر رضايَ على رضى الوالدين, وإن كان فيه هلاكهما. وقال النَّوَويّ: فيه تلميح إلى قضية النفس الأمارة والمطمئنة، فمن رَجَّحَ جانب المطمئنة كان حبه للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم راجحًا، ومن رَجَّحَ جَانب الأمارة كان حكمه بالعكس، وإنما وَجَبَ أن يكون ﵊ أحبَّ إلى الإِنسان من غيره, لأن محبوب الإِنسان إما نفسه وإما غيره، أما نَفْسه فهو أن يريدَ دوام بقائها سالمة من الآفات، هذا هو حقيقة المطلوب، وأما غيره، فإذا حقق الأمر فيه فإنما هو بسبب تحصيل نفع ما على وجوهه المختلفة حالًا ومآلًا، فإذا تأمَّل النَّفْعَ الحاصل له من جهة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الذي أخرجه من ظلمات الكفر إلى نور الإِيمان، إما بالمباشرة وإما بالسبب، علم أنه سبب بقاء نفعه البقاء الأبدي في النعيم السَّرمدي، وعلم أن نفعه بذلك أعظم من جميع وجوه الانتفاعات، فاستحق لذلك أن يكون حظه من محبته أوفر من غيره، لأن النفع المثير للمحبة حاصل منه أكثر من غيره، ولكن الناس يتفاوتون في ذلك بحسب استحضار ذلك والغفلة عنه، ولا شك أن حظ الصحابة رضي الله تعالى عنهم من هذا المعنى أتم, لأن هذا ثمرة المعرفة، وهم بقدره ومنزلته أعلم. وقال القُرْطُبِيّ: كل من آمن بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم إيمانًا صحيحًا لا يخلو عن وجدانه شيء من تلك المحبة الراجحة، غير أنهم

стр. 505

متفاوتون، فمنهم من أخذ تلك المرتبة بالحظ الأوفى، ومنهم من أخذ منها بالحظ الأدنى، كمن كان مستغرقًا في الشهوات، محجوبًا في الغَفَلات في أكثر الأوقات، لكن الكثير منهم إذا ذُكِر النبيُّ صلى الله تعالى عليه وسلم اشتاق إلى رؤيته، بحيثُ يؤثِرُها على أهله وولدِهِ ووالدهِ ومالِه ويبذُل نفسه في الأمور الخطيرة، ويجدُ مخبر ذلك من نفسه وُجدانًا لا تردد فيه، وقد شوهد من هذا الجنس من يؤثر زيارة قبره الشريف ورؤية مواضع آثاره على جميع ما ذكر لما وَقَر في قلوبهم من محبته، غير أن ذلك سريع الزوال بتوالي الغَفَلات، وأيضًا المحبة، إما اعتقاد النفع أو ميل يتبع ذلك أو صفة مخصصة لأحد الطرفين بالوقوع، ثم الميل قد يكون لما يَسْتَلِذُّه بحواسه كحسن الصورة، ولما يستلذه بعقله كحب الفضل والجمال، وقد يكون لإِحسانه إليه، ودفع المَضارِّ عنه، ولا يَخْفى أن المعاني الثلاثة كلها موجودة في رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لما جمع من جمال الظاهر والباطن، وكمال أنواع الفضائل، وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايتهم إلى الصراط المستقيم، ودوام النعيم، ولا شَكَّ أن الثلاثة فيه أكمل مما في الوالدين لو كانت فيهما، فيجب كونه أحب منهما، لأن المحبة ثابتة لذلك، حاصلة بحسبها، كاملة بكمالها، ومحبته ﵊ هي إرادة طاعته، وترك مخالفته، وهي من واجبات الإِسلام. وجعل القاضي عِياض معنى المحبة: التعظيم والإِجلال، فجعلها شرطًا في صحة الإِيمان، وتَعَقَّبَه القُرطبيّ قائلًا: إن ذلك ليس مرادًا هنا، لأن اعتقاد الأعظمية ليس مستلزمًا للمحبة التي هي الميل على ما مر، إذ قد يجد الإِنسان إعظام شيءٍ مع خلوه من محبته، قال: فَعَلى هذا من لم يجد من نفسه ذلك الميل لم يَكْمُل إيمانه، وإلى هذا يُومىءُ قول عمر الذي رواه البخاري في الأيْمان والنذور عن عبد الله بن هشام، أن عُمر رضي الله تعالى عنه قال للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم: لَأنْتَ يا رسولَ الله أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال: "لا، والّذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك" فقال له عمر: فإنك والله الآن أحب إلي من نفسي، فقال: "الآن يا عمر".

стр. 506

فهذه المحبة ليست باعتقاد الأعظمية فقط، فإنها كانت حاصلة لعُمر قبل ذلك، وإنما قدم عمر حب نفسه أولًا لأن حب الإِنسان نفسه طبع وحب غيره اختيار بتوسط الأسباب، وإنما أراد ﵊ منه حب الاختيار إذ لا سبيل إلى قلب الطباع عما جُبِلَتْ عليه، فجواب عُمر أولًا كان بحسب الطبع، ثم لما تأمل عرف بالاستدلال أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أحب إليه من نفسه لكونه السبب في نجاتها من الهَلَكات في الدنيا والآخرة، فأخبر بما اقتضاه الاختيار، فلذلك حصل الجواب بقوله: "الآن يا عُمر" أي: الآن عرفت، فنطقت بما يَجِبُ، ومن علامة الحب المذكور أن يعرض على المرء أن لو خُيِّرَ بين فقد غرض من أغراضه، وفقد رؤية النبي ﷺ لو كانت ممكنة يكون فقدها أشد عليه من فقد شيءٍ من أغراضه، فمن كان بهذه الصفة كان متصفًا بالأحَبِّيّة المذكورة، ومن لا فلا، ومن علامتها أيضًا نصرة سنته، والذب عن شريعته، وقمع مخالفيها، ويدخل فيه باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي الحديث إيماء إلى فضيلة التفكر، فإن الأحَبّيَّة المذكورة تعرف به. رجاله خمسة: الأول: أبو اليَمان الحكم بن نافع. والثاني: شُعيب بن أبي حَمْزة، وقد مرّا في الحديث السابع من بدء الوحي. الثالث: عبد الله بن ذَكْوان القُرَشِيّ أبو عبد الرحمن المَدَني المعروف بأبي الزِّناد، مولى رملة، وقيل: عائشة بنت شَيْبة بن ربيعة، وقيل: عائشة بنت عثمان، وقيل: مولى آل عثمان، وقيل: إن أباه كان أخا أبي لُؤلؤة، قاتِل عمر. وقال ابن عُيَيْنة: كان يغضب من أبي الزِّناد. وقال ابن المَدِيني: لم يكن بالمدينة بعد كبار التابعين أعلم منه ومن ابن شِهاب، ويحيى بن

стр. 507

سعيد، وبُكَير بن الأشجّ. وقال أحمد: ثقة، وكان سفيان يُسَمِّيه أمير المؤمنين في الحديث. قال: وهو فوق العلاء بن عبد الرحمن، وسُهَيل بن أبي صالح، ومحمد بن عَمرو، وقال أحمد أيضًا: أبو الزناد أعلم من ربيعة. وقال ابن مَعين: ثقة حجة. وقال العِجْلِيّ: مدني تابعي ثقة، سمع من أنس. وقال أبو حاتم: ثقة فقيه، صالح الحديث، صاحب سنة، وهو ممن تقوم به الحجة إذا روى عن الثقات. وقال البخاري: أصح أسانيد أبي هُريرة أبو الزِّناد عن الأَعْرج عن أبي هُريرة. وقال عبد رَبّه بن سعيد: رأيت أبا الزناد دخل مسجد النبي ﷺ ، ومعه من الأَتْباع مثل ما مع السلطان. وقال أبو حَنيفة: دخلت المدينة، فأتيت أبا الزِّناد، ورأيت ربيعة، فهذا الناس على ربيعة، وأبو الزِّناد أفقه الرجلين، فقلت له: أنت أفقه والعمل على ربيعة، فقال: ويحك كفٌّ من حُظوة خيرٌ من جراب من علم. وقال ابن سَعْد: كان ثقة كثير الحديث فصيحًا بصيرًا بالعربية عالمًا عاقلًا. وقال ابن حِبّان في "الثقات" كان فقيهًا، صاحب كتاب. وقال ابن عَديّ: أحاديثه مستقيمة كلها. وقال النَّسائي والسَّاجيُّ والطَّبريّ: كان ثقة. وقال اللَّيْث: رأيت أبا الزِّناد وخلفه ثلاث مئة تابع من طالب علم وفقه وشِعر وصنوف كثيرة، ثم لم يَلبَث أن بقي وحده وأقبلوا على ربيعة. روى عن أنس، وعائشة بنت سعد، وأبي أُمامة بن سَهْل بن حُنيف، وقال أبو حاتم: روى عن أنس مرسلًا، وعن ابن عمر، ولم يره، وروى عن سعيد بن المُسَيِّب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبان بن عُثمان بن عفان، وعُروة بن الزُّبير، والأعْرج وهو راويته، وعُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود، وغيرهم. وروي عنه: ابناه عبد الرحمن وأبو القاسم، وصالح بن كيسان، وابن أبي مُلَيْكَة، وهما أكبر منه، والأعمش، وهشام بن عروة، وشعيب بن أبي حمزة، ومالك والسفيانان، وغيرهم. مات في رمضان فجأة في مغتسله سنة ثلاثين ومئة، وقيل: سنة إحدى وثلاثين، وقيل: اثنتين وهو ابن ست وستين سنة.

стр. 508

الرابع: عبد الرحمن بن هُرْمُز أبو داود، وقيل: أبو حازِم، وقيل: أبو أحمد المَدَني مولى ربيعة بن الحارث بن عبد المُطَّلب. وقال ابن سَعْد: كان ثقة كثير الحديث، وقال المُقَدَّميّ: سُئل ابن المديني عن أعلى أصحاب أبي هريرة فبدأ بابن المسيِّب، وذكر جماعةً. قيل له: فالأعرج؟ قال: دون هؤلاء، وهو ثقة. وقال العِجْليّ: مدني تابعي ثقة. وقال أبو زُرعة وابن خِراش: ثقة. وقال أبو إسحاق: قال أبو صالح والأعْرج: ليس أحد يُحدِّث عن أبي هُريرة إلا علِمنا أصَادقٌ هُو أم كاذب. وقال أبو النَّضْر: كان الأعْرج عالمًا بالأنساب والعربية. وقال الدّاني: روى عنه نافع بن أبي نُعيم القراءة عرضًا. روى عن: أبي هُريرة، وأبي سعيد، وابن عباس، ومحمد بن مَسْلمة الأنصاري، ومعاوية بن أبي سفيان، ومُعاوية بن عبد الله بن جَعفر، وعبد الله بن كَعب بن مالك، وعُمير مولى ابن عباس، وغيرهم. وروى عنه: زيد بن أسلم، وصالح بن كَيْسان، والزُّهْريّ، وأبو الزُّبير، ويحيى بن سعيد، وأبو الزِّناد، وربيعة، وموسى بن عُقبة، وجعفر بن ربيعة، وسعد بن إبراهيم، ومحمد بن إسحاق، وابن لَهِيعة، وغيرهم. مات بالإِسكندرية سنة سبع عشرة ومئة. وليس في الرواة عبد الرحمن بن هُرمز سواه، وفيهم عبد الله بن يزيد ابن هُرمز روى عنه مالك، وأخذ عنه الفقه، وهو عالم من علماء المدينة، قليل الرواية, وحيث يَذْكر مالكٌ ابن هُرمز راويًا عنه فإنما يريد هذا الفقيه لا عبد الرحمن بن هُرمز، فإن مالكًا لم يرو عنه إلا بواسطة، توفي الفقيه هذا سنة ثمان وأربعين ومئة. الخامس: أبو هُريرة، وقد مرّ في الثاني من هذا الكتاب. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعَنعنة، وفي بعض النسخ:

стр. 509

أخبرنا شُعيب، فيكون فيه على هذا الإِخبار أيضًا، وإسناده مشتمل على حِمْصيين ومَدنيين، وقد وقع في "غرائب مالك" للدارقُطني إدخال أبي سلمة بن عبد الرحمن بن الأعْرج وأبي هُريرة في هذا الحديث، وهي زيادة شاذّة. أخرج البخاري هذا الحديث هنا، وأخرجه مسلم في الإِيمان عن ابن المثنى وغيره، والنّسائي أيضًا. الحديث الثامن ١٥ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .ح. وَحَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ». ذكر هذا الحديث بإسنادين عاطفًا الثاني على الأول قبل أن يسوق المتن، وذلك يوهم استواءهما فيه، وليس الأمر كذلك، فاللفظ المذكور عنده لفظ قَتادة، واقتصر عليه لموافقته لسياق حديث أبي هُريرة المار، إلَّا أن فيه زيادة: "والناس أجمعين" ورواية قَتادة هذه مأمونة من تدليسه, لأن الراوي عنه شعبة، وهو لا يروي عنه إلا ما صرح فيه بالسماع، وقد وقع التصريح به في هذا الحديث في رواية النّسائي. ولفظ عبد العزيز رواه ابن خُزَيْمة ومسلم مثله، إلا أن فيه: "من أهله وماله" بدل من "ولده ووالده" وفيه: "لا يُؤمن الرجل" فبين الروايتين تغاير، وصنيع البخاري يُوهم اتحادهما، ويجاب عن هذا بأن البخاري يصنع مثل هذا نظرًا إلى أصل الحديث لا إلى خصوص ألفاظه، ولفظ: "لا يؤمن الرجل" أشمل من جهة، "وأحدكم" أشمل من جهة، وأشمل منهما رواية الأصِيلِيّ: "لا يؤمن أحد" كذا قال في "الفتح" ولم يبين وجه الأشملية، قال: وذكر الولد والوالد أدخل في المعنى لأنهما أعز على العاقل من الأهل والمال، بل ربما يكونان أعز من نفسه، ولهذا لم يذكر النفس أيضًا.

стр. 510

وقوله: "والناس أجمعين" من عطف العام على الخاص، وهل تدخل النفس في عموم قوله: "والناس أجمعين"؟ الظاهر دخوله، وقيل: إضافة المحبة إليه تقتضي خروجه منهم، فإنك إذا قلت: جميع الناس أحب إلى زيد من غلامه يُفْهم منه خروج زيد، وأجيب بأن اللفظ عام، وما ذكر ليس من المخصصات، وحينئذٍ فلا يخرُجُ، وقد وقع التنصيص بذكر النفس في حديث عبد الله بن هِشام المار في الحديث الذي قبل هذا. رجال الإِسناديْن سبعة: الأول: يعقوب بن إبراهيم بن كَثير بن زَيْد بن أفْلح بن منصور بن مُزاحم العَبْديّ مولى عبد القيس أبو يوسف الدَّوْرَقيّ الحافظ البغْدادي. قال أبو حاتم: صدوق. وقال النّسائي: ثقة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات" وقال الخطيب: كان ثقة متقنًا، صنف المسند. وقال مَسْلمة: كان كثير الحديث ثقة، رأى الليث. وروى عن: الدَّرَاوَرْديّ، وابن أبي حَازِم، وأبي مُعاوية، وحَفْص بن غِياث، وهُشَيْم، ويحيى القَطّان، وابن علية، وابن مَهْدي، ومُعتمِر بن سُليمان، ويزيد بن هارون، ورَوْح بن عُبادة، وغيرهم. وروى عنه: الجماعة، وروى النّسائي أيضًا عن أبي بكر بن علي المَرْوَزِيّ، وأبو زُرعة، وأبو حاتم، ومحمد بن هارون، وابن أبي رَوّاد، والبَغَوِيّ، وابن صاعِد، والمَحَامِلِيّ، وابن مَخْلد، وهو آخر من روى عنه في آخرين. ولد سنة ستة وستين ومئة، ومات سنة اثنتين وخمسين ومئتين. والعَبْديّ في نسبه نسبة إلى عبد القيس بن أَفصى بن دعمي ينسب إليه عَبْدي على القياس، وعَبْقَسِيّ على غير القياس، والعَبْديّ في قُريش نسبة إلى عبد بن قُصَي بن كِلاب بن مُرة وفي تميم أيضًا ينسب إلى عبد الله بن دارِم، وقد يقال عَبْدَليّ على غير القياس، وفي خَوْلان ينسب إلى

стр. 511

عبد الله بن الخيار، وفي هَمْدان ينسب إلى عبد بن عليان بن أرحب. والدَّوْرَقيّ في نسبه نسبة إلى دَوْرَق -بفتح الدال وسكون الواو وفتح الراء- قَلانِس كانوا يلبسونها فنُسِبوا إليها. وفي المطالع دورق أراه في بلاد فارس، وقيل: بل لصنعة قلانِس تُعرف بالدَّوْرَقَة، نسبت إلى ذلك، وقيل: دورق من كور الأهواز، قيل: كور الأهواز رامَ هُرْمُز، وإيذج، وعسكر مكرم، وتُستَر، وسوس, وسُرَّق الأهواز إلى دورق في الماء ثمانية عشر فرسخًا، وعلى الظاهر أربعة وعشرون، ومر الكلام على البغدادي في الرابع من هذا الكتاب. الثاني: إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم الأَسَدي مولاهم، أبو بشر البصري المعروف بابن عُلَيّة. قال شعبة: إسماعيل بن عُليّة رَيحانَةُ الفقهاء، وفي رواية عنه: ابن علية سيد المحدثين، وقال أحمد: إليه المنتهى في التثبُّت بالبصرة، وقال أيضًا: فاتني مالك فأخلف الله عليّ سفيان، وفاتني حماد بن زيد فأخلف الله عليّ إسماعيل، وقال أيضًا: كان حماد لا يعبَأ إذا خالفه الشَّعْبي ووُهَيْب، وكان يَفْرَق من إسماعيل بن عُليَّة إذا خالفه، وقال غُنْدَر: نشأت في الحديث يومَ نشأت، وليس أحد يقدم على إسماعيل بن عُلَيَّة، وقال ابن مَعين: كان ثقةً، مأمونًا، وَرِعًا، تقيًّا، صدوقًا، مسلمًا. وقال عَمرو بن زُرارة: صحبت ابن عُلَيّة أربع عشرة سنة، فما رأيته ضحك، وقال ابن المَدِيني: ما أقول إن أحدا أثبت في الحديث من ابن عُلَيَّة، وقال أيضًا: بتُّ عنده ليلة، فقرأ ثلث القرآن، ما رأيته ضحِكَ قط. وقال قُتيبة بن سَعيد: كانوا يقولون الحفاظ أربعة: إسماعيل بن عُلَيّة، وعبد الوارث، ويزيد بن زُرَيْع، ووُهَيب. وقال ابن مَهْدي: ابن عُليّة أثبت من هُشيم. وقال القَطّان: ابن عُليّة أثبت من وُهيب. وقال حمّاد بن سَلَمة: كنا نشبهه بيونس بن عُبيد. وقال عفّان: كنا عند حمّاد بن سَلمة، فأخطأ في حديث، وكان لا يرجع إلى قول أحد، فقيل له: قد خُولفت فيه، قال: من؟ قالوا: حماد بن زيد، فلم يلتفت، فقال له إنسان: إن ابن عُلية

стр. 512

يُخالِفك فيه، فقام، فدخل ثم خرج، فقال: القول ما قال إسماعيل. وقال الهَيْثم بن خالد: اجتمع حفاظ أهل البَصْرة وأهل الكوفة، فقال أهل الكوفة لأهل البَصْرة: نَحُّوا عَنّا إسماعيل، وهاتوا من شئتم. وقال زياد بن أيّوب: ما رأيت لابن عُلَيّة كتابًا قطُّ، وكان يقال: ابنُ علَيّة يَعُدُّ الحروف. وقال أبو داود السِّجسْتانيّ: ما أحد من المحدثين إلا قد أخطأ إلا إسماعيل ابن عُلَيّة، وبِشْر بن المُفَضَّل. وقال النَّسائي: ثقة ثبت. وقال ابن سَعْد: كان ثقة ثبتًا في الحديث حُجّة، وقد ولي صدقات البصْرة، وولي ببغداد المظالم. وقال أحمد بن سعيد الدّارِمِيّ: لا يعرف لابن عُليّة غلط إلا في حديث جابر في المُدَبَّر، جعل اسم الغلام اسم المولى، واسم المولى اسم الغلام. وقال ابن وَضّاح: سألت أبا جعفر البُسْتِيّ عنه، فقال: بَصْريّ ثقة، وهو أحفظ من الثَّّقفي. وقال عُثمان بن أبي شَيْبة: ابن عُليّة أثبت من الحمّادَيْن، ولا أقدم عليه أحدًا من البصريين، لا يحيى ولا ابن مَهْدي، ولا بِشْر بن المُفضل. وقال الحمّادان: إن ابن المُبارك كان يَتَّجِر ويقول: لولا خمسة ما اتَّجَرت؛ السفيانان، وفُضَيل، وابن السماك، وابن عُليّة، فيصلهم، فقَدِم سنة، فقيل له: قد ولي ابن عُليّة القضاء، فلم يأته، ولم يصِله، فركب ابن عُليّة إليه، فلم يرفع به رأسًا، فانصرف، فلما كان من الغد كتب إليه رقعة يقول: قد كنت منتظرًا لبِرِّك، وجئتك فلم تكلمني، فما رأيته مني؟ فقال ابن المُبارك: يأبى هذا الرجل إلا أن تُقْشَر له العصِيّ، ثم كتب إليه: يا جَاعِلَ العِلمِ لَهُ بازِيًا ... يَصْطادُ أمْوَالَ المَسَاكِينِ احْتَلْتَ للدُّنْيا ولَذّاتها ... بحِيْلَةٍ تذْهَبُ بِالدّينِ فَصِرْتَ مَجْنُونًا بِها بَعْدما ... كُنْتَ دَوَاءً لِلمَجَانِينِ أيْنَ رِوَاياتُكَ فِيمَا مَضى ... عن ابن عَوْنٍ وابنِ سِيرينِ أيْنَ رِوَاياتُكَ في سَرْدِها ... في تَرْك أَبْوابِ السَّلَاطِينِ إنْ قُلتَ أُكْرهْتُ فَذَا بَاطِلٌ ... زَلَّ حِمَارُ العِلمِ في الطِّينِ

стр. 513

فلما وقَفَ على هذه الأبيات، قام من مجلس القضاء، فوطِىءَ بساط الرشيد، وقال له: الله الله، ارحم شيبتي، فإني لا أصبر على القضاء، قال: لعل هذا المجنون أغراك، ثم أعفاه، فوجه إليه ابن المبارك بالصُّرّةِ وقيل: إن ابن المُبارك إنما كتب إليه بهذه الأبيات لما وَلِيَ صدقاتِ البصرة، وهو الصحيح. وقال إبراهيم الحَربِيّ: دخل إسماعيل بن عُليّة على الأمين فروى حديث: "تجيء البقرة وآل عمران كأنهما غَمامتان تُحاجّان عن صاحِبهما" فقيل له: ألهما لسانان؟ قال: نعم، فكيف تكلم، فشَنّعوا عليه أن يقول: القرآن مخلوق، وهو لم يقله، وإنما غلط. فقال للأمين: أنا تائب لله. وقال علي بن خَشْرم: قلت لوكيع: رأيت ابن عُلَيَّة يشرب النبيذ حتى يُحْمَل على الحمار، يحتاج من يرده، فقال وكيع: إذا رأيت البَصْري يشرب النبيذ فاتَّهِمْه، وإذا رأيت الكوفي يشربه فلا تتهمه، قلت: وكيف ذلك؟ قال: الكوفي يشربه تدينًا، والبصري يتركه تدينًا. وقال المفضل بن زِياد: سألت أحمد بن حَنْبَل عن وُهيْب وابن عُليّة، قال: وُهَيب أحب إلي، وما زال ابن عُليّة وضيعًا من الكلام الذي تكلم به إلى أن مات. قلت: أليس قد رَجَعَ وتاب على رؤوس الناس؟ قال: بلى إلى أن قال: وكان لا ينصف بحديث بالشفاعات. وكان منصور بن سلمة الخُزَاعيّ يحدث مرة فسبقه لسانه، فقال: حدثنا إسماعيل بن عُليّة، ثم قال: لا, ولا كرامة، بل أردت زُهيرًا، ثم قال: ليس من قارف الذَّنْبَ كمن لم يُقَارِفْه، أنا والله اسْتَتَبْتُ ابن عُليّة. قال الذَّهَبيّ: هذا من الجرح المردود، وقال عبد الصمد بن يزيد مَرْدوَيه: سمعت ابن عُليّة، يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، وذكره ابن حبان في "الثقات". وعلية أمه وكانت امرأة عاقلة نبيلة، وكان صالح المِزِّي وغيره من وجوه أهل البصرة وفقهائها يدخلون عليها، فَتَبْرُزُ لهم، وتحادثهم، وتسألهم،

стр. 514

وكان يكره النسبة إليها، فقد روى أن الإِمام أحمد نهى ابن مَعين أن يقول: حدثنا إسماعيل بن عُلَيّة، حيث قال: قل: إسماعيل بن إبراهيم فإنه بلغني أنه كان يكره أن يُنْسب إلى أمه، فلم يخالِفْه، وقال: قبلناه منك يا مُعَلِّم الخير، وأمه عُليّة هذه مولاة لبني أسد بن خُزَيمْة. روى عن: عبد العزيز بن صُهَيب، وسليمان التَّيْميّ، وعاصم الأحول، وأيوب، وابن عَوْن، وأبي رَيْحانة، وعَوْف الأعْرابي، ويونُس ابن عُبيد، وأبي التَّيّاح حديثًا واحدًا، وخلق كثير. وروى عنه: شعبة، وابن جُرَيج، وهما من شيوخه، وبَقِيّة، وحَمّاد بن زيد، وهما من أقرانه وإبراهيم بن طَهْمان وهو أكبر منه، وابن وَهْب، والشّافعِيّ، وأحمد بن حَنْبل، ويحيى، وعلي، وإسحاق، والفلّاس، وخلق آخرهم أبو عِمران موسى بن سهل بن كَثير الوَشّاء -بتشديد المعجمة-. مات ببغداد، وصلى عليه ابنه إبراهيم، ودفن في مقابر عبد الله بن مالك سنة أربع أو ثلاث وتسعين ومئة، وولد سنة عشر ومئة. وليس في الستة إسماعيل بن عُليّة سواه، وأما إسماعيل بن إبراهيم فنحو ثلاثة عشر. والأسَديّ في نسبه قال العيني نسبة إلى أسد خُزاعة، وقال في "الخلاصة" إنه قُرشي، فيكون نسبة إلى أسد قريش. وقد مرّ قريبًا أن ابن عُلَيّة كان يكره النسبة إلى أمه، وبيان حكم ذلك هو أن العلماء جَوّزوا ذكر مشتهر بشيء به من لقب كغُنْدَر، أو وصفِ نَقْصٍ كالأحْول لعاصم، والأشَلّ لمنصور، والأعْرج لابن هُرْمُز، أو نسب لأم كابن أم مَكْتُوم، وابن بُحَيْنة لقوله ﷺ لما سلَّم من ركعتين من صلاة الظهر "أكَمَا يقول ذو اليَدَيْن" ولأنه يذكر للبيان والتمييز، وهذا ما لم يكن يكرهه، فإن كرهه كابن عُليّة والأصَمّ حَرُم حينئذ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا

стр. 515

بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: ١١] ولما مَرّ قريبًا عن الإِمام أحمد وابن مَعين، قال الشيخ زكريا: قال الناظم: والظاهر أنما قاله أحمد على طريق الأدب لا اللزوم، لكن ابن الصلاح أقرّ التحريم، ومحل هذا فيمن يُعرف بغير ذلك، وإلا فلا تحريم ولا كراهة كما صرح بذلك الإِمام أحمد، قلت: الظاهر حمل النهي على الأدب لقول البخاري هنا: ابن عُليّة، وهو الذي نهى عنه الإِمام أحمد ابن مَعين بنفسه، وقد مرّ قريبًا أن أحمد مصرح بأنه إذا كان لا يُعرف بغيره جائز من غير كَراهة، فيعلم من نهيه أن ابن عُليّة معروف باسم أبيه الذي هو إبراهيم، وإلا لما نَهى، وهذا جواب عما لعله يقال من أن ابن عُليّة من القِسْم الذي لا يُعرف بغيره، فلذلك أتى به البخاري منسوبًا إلى أمه، وأشار العِراقي إلى هذا البحث بقوله: وذِكرُ مَعروفٍ بشيءٍ مِن لقَبْ ... كغُندَرٍ أو وَصفِ نقصٍ أو نسَبْ لأُمه فجائزٌ ما لمْ يكُنْ ... يكْرههُ كابنِ علَيَّةٍ فَصُنْ الثالث: عبد العزيز بن صُهيب البُناني مولاهم البَصْري الأعمى. قال شعبة: عبد العزيز أثبت من قتادة، وهو أحب إلي منه. وقال أحمد: ثقة ثقة، وهو أوثق من يحيى بن أبي إسحاق، وأخطأ فيه مَعْمر فقال: عبد العزيز مولى أنَس، وإنما هو مولى لبُنانة. وقال ابن مَعين: ثقة، وذكره ابن حِبان في "الثقات" وقال: أجاز إياس بن معاوية شهادته وحده، وقال ابن سَعْد: كان ثقة. وقال النّسائي والعِجْلِيّ: ثقة. روى عن: أنس بن مالِك، وأبي نضْرة العَبْديّ، ومحمد بن زِياد الجُمَحيّ، وغيرهم. وروى عنه: إبراهيم بن طَهْمان، وشُعبة، ووُهَيْب، وعبد الوارث، وسعيد بن زَيْد، وحَمّاد بن زَيْد، وهُشَيم، وأبو عَوانة، وغيرهم. مات سنة ثلاثين ومئة. والبُناني -بضم الموحدة ونونين بينهما ألف- في نسبه نسبة إلى بُنانة

стр. 516

ابن سعد بن لؤي بن غالب، وقيل: بُنانة زوجة سعد بن لؤي، نسب إليها بنوها، وقيل: كانت أمة له، حضنت بنيه. وقيل: كانت حاضنة لبنيه فقط. وقال الحازِمِيّ: إنه ليس منسوبًا إلى القبيلة، وإنما قيل له: البُنانيّ, لأنه كان ينزل بنانة، وهي محلة بالبصرة من المحال القديمة. ومرّ آدم بن أبي إياس، وشعبة في الثالث من هذا الكتاب. ومرّ قتادة وأنس في السادس من قبل هذا بحديث واحد. لطائف إسناده: منها: أن هنا إسنادين عُطف أحدهما على الآخر قبل سَوْق الأول، وذلك يقتضي استواءهما، أي: المَتْنَيْن، وليس كذلك، فإن اللفظ هنا لِقَتادة، فإن قيل: إذا كان لفظ عبد العزيز مغايرًا للفظ قتادة فلما ساق البخاري كلامه بما يوهم اتحادهما في اللفظ، فالجواب أن البخاري كثيرًا ما يَفْعل ذلك نظرًا إلى أصل الحديث لا إلى خصوص ألفاظه، فإن قلت: لم اقتصر على لفظ قتادة، وما المرجح له في ذلك؟ فالجواب هو أن لفظ قتادة موافق للفظ أبي هُريرة في الحديث السابق، فإن قلت: قتادة مُدَلِّس، ولم يُصَرِّح بالسماع، فالجواب هو أن رواية شُعبة عنه دليل على السماع، لأنه لا يروي عنه إلا ما سمعه وهذا قد مرّ جميعًا، على أنه قد وقع التصريح بالسماع في هذا الحديث في رواية النّسائي، وقد مر في الحديث الأول أن ما في الصحيحين من عنعنة المدلسين محمول على السماع من وجه آخر، وفيه التحويل، وقد مر الكلام عليه في السادس من بدء الوحي. ٩ - باب حلاوة الإِيمان باب خبر مبتدأ محذوف أي: هذا وهو مضاف إلى حلاوة، ومقصود المصنف أن الحلاوة من ثمرات الإِيمان، ولما قدم أن محبة الرسول من الإِيمان أردفه بما يوجد حلاوة ذلك، وسقط باب في رواية الأصِيلِيّ.

стр. 517

الحديث التاسع ١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ». [الحديث ١٦ - أطرافه في: ٢١، ٦٠٤١، ٦٩٤١] وقوله: "ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه" ثلاث مبتدأ، خبره بالجملة، وساغ الابتداء بالنكرة, لأن التنوين عوض عن المضاف إليه، أي: ثلاث خصال، ويحتمل في إعرابه غير ذلك، وقوله: "كُنَّ" أي: حصلن، فهي تامة. وقوله: "وجد" أي أصاب، ولذلك عَدّاه بمفعول واحد، وهو قوله: "حلاوة الإِيمان" ومعنى حلاوة الإِيمان استلذاذ الطاعات، وتحمل المشاق في الدين، وإيثار ذلك على أعراض الدنيا، وإنما عبر بالحلاوة لأن الله شبه الإِيمان بالشجرة في قوله تعالى: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤] فالكلمة هي كلمة الإِخلاص، والشجرة أصل الإِيمان، وأغصانها اتباع الأمر واجتناب النهي، وورقها ما يَهْتَمُّ به المؤمن من الخير، وثمرها عمل الطاعات، وحلاوة الثمر جني الثمرة، وغاية كماله تناهي نضج الثمرة، وبه تظهر حلاوتها، وهل هذه الحلاوة حسية أو معنوية، وعلى الثاني فهو على سبيل المجاز. وفي قوله: "حلاوة الإِيمان" استعارة تخييلية، واستعارة بالكناية، وذلك أنه شبه رغبة المؤمن في الإِيمان بالعسل، ونحوه، ثم أثبت له لازم ذلك، وهو الحلاوة، وأضافه إليه، فالتشبيه المضمر استعارة بالكناية، وإثبات اللازم استعارة تخييلية،

стр. 518

وفيه تلميح إلى قصة المريض والصحيح, لأن المريض الصَّفراوِيَّ يجد طعم العسل مُرًّا، والصحيح يَذُوق حلاوته على ما هي عليه، وكلما نقصت الصحة شيئًا ما نقص ذَوْقُه بقدر ذلك، فكانت هذه الاستعارة من أوضح ما يُقَوّي استدلال المصنف على زيادة الإِيمان ونقصانه. وقوله: "أحب إليه" منصوب خبر يكون، قال البيضاوي المراد بالحب هنا الحب العَقْلي، الذي هو إيثار ما يقتضي العقل السليم رجحانه، وإن كان على خلاف هوى النفس، كالمريض يَعاف الدواء بطبعه، فينفِر عنه، ويميل إليه بمقتضى عقله، فيهوى تناوله. قلت: وهذا هو المعبر عنه فيما مرّ بالحب الاختياري، ثم قال: فإذا تأمل المرء أن الشارع لا يأمر ولا يَنْهى إلا بما فيه صلاح عاجل، أو خلاص آجل، والعقل يَقْتضي رجحان ذلك، تمرن على الائتمار بأمره، بحيث يصير هواه تبعًا له، ويلتذ بذلك التذاذًا عقليًّا، إذ الالتذاذ العقلي إدراك ما هو كمال وخير من حيث هو كذلك، وعبر الشارع عن هذه الحالة بالحلاوة، لأنها أظهر اللذائذ المحسوسة، قال: وإنما جعل هذه الأمور عنوانًا لكمال الإِيمان , لأن المرء إذا تأمل أن المنعم بالذات هو الله تعالى، وأن لا مانح ولا مانِع في الحقيقة سواه، وأنَّ ما عداه وسائط، وأن الرسول هو الذي يبين له مراد ربه، اقتضى ذلك أن يتوجه بكليته نحوه، فلا يحبُّ إلا ما يُحِبّ، ولا يحب من يحب إلا من أجله، وأن يتيقن أن جملة ما وعدوا وعد حق يقينًا ويخيل إليه الموعود كالواقع، فيحسب أن مجالس الذكر رياض الجنة، وأن العَوْد إلى الكفر إلقاء في النار، وشاهد الحديث من القرآن قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى أن قال: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] ثم هدد على ذلك وتوعد بقوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ [التوبة: ٢٤] ومحبة العبد لله تعالى تحصل بفعل طاعته، وترك مخالفته، وكذلك الرسول، وكل من المحبتين على قسمين: فرض وندب، وهما متلازمتان، لا تحصُلُ إحداهما دون الأخرى، فالغرض فيهما هو المحبة التي تَبْعث على امتثال الأوامر،

стр. 519

واجتناب المعاصي، والرضى بما قدره الله تعالى، فمن وَقَعَ في معصية من فعل محرم أو ترك واجب فلتقصيره في المحبتين، حيث قَدَّمَ هوى نفسه، والتقصير يكون مع الاسترسال في المباحات، والاستكثار منها، فيورث الغفلة المقتضية للتوسع في الرجاء، فيقدم على المعصية، أو تستمر الغفلة فيقع، وهذا الثاني يُسْرِع إلى الإِقلاع مع الندم، وإلى الثاني يشير حديث: "لا يَزْني الزْاني حينَ يَزْني وهُو مؤمن" والندب أن يواظب على النوافل، ويتجنب الوقوع في الشبهات، والمتصف بذلك نادر، ويزاد في محبة الرسول ﵊ أن لا يَتَلَقّى شيئًا من المأمورات والمنهيات إلا من مشكاته، ولا يَسْلُك إلا طريقه، ويرضى بما شرعه، حتى لا يَجِدَ في نفسه حرجًا مما قضاه، ويتخلق بأخلاقه في الجود والإِيثار والحلم والتواضع وغيرهما، فمن جاهد نفسه على ذلك وجد حلاوة الإِيمان، وتتفاوت مراتب المؤمنين بحسب ذلك. وقوله: "مما سواهما" إنما قال: مما, ولم يقل: ممن لِيَعُمَّ من يعقل ومن لا يعقل، وفيه دليل على أن لا بأس بهذه التثنية، وأما قوله للذي خطب حيث قال: ومن يعصِهما فقد غوى: "بئس الخطيب أنت" فليس من هذا لأن المراد في الخطب الإِيضاح، وأما هُنا فالمراد الإِيجاز في اللفظ لِيُحْفَظَ، ويَدُلُّ عليه ما في سنن أبي داود من أن النبي ﷺ قال في موضع آخر: "ومن يعصِهما فلا يَضُرُّ إلا نفسه" واعترض هذا الجواب بأن هذا الحديث إنما ورد في خطبة النكاح، وأجيب بأن المقصود في خطبة النكاح أيضًا الإِيجاز، فلا نقض، ومن محاسن الأجوبة في الجمع بين حديث الباب وقصة الخطيب أنَّ تثنية الضمير هنا للإِيماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين، لا كل واحدة منهما، فإنها وحدها لاغية إذا لم ترتبط بالأخرى، فمن يدعي حب الله مثلا ولا يُحِبُّ رسوله لا ينفعه ذلك، ويشير إليه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] فأوقع متابعة مكتنفة بين قطري محبة العباد ومحبة الله تعالى للعباد، وأما أمر الخطيب بالإِفراد فلأن كل واحد

стр. 520

من العصيانين مستقل باستلزام الغِواية إذ العطفُ في تقدير التكرير، والأصل استقلال كل من المعطوفين في الحكم، ويشير إليه قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] فأعاد أطيعوا في الرسول ولم يُعده في أولي الأمر, لأنهم لا استقلال لهم في الطاعة، كاستقلال الرسول. قلت: عندي في هذه التفرقة نظر, لأن طاعة الرسول لا استقلال لها أيضًا دون طاعة الله تعالى، الَّلهم إلا أن يقال: إن طاعته طاعة لله تعالى، لقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] ولا كذلك طاعة أولي الأمر، فقد لا تكون طاعة للرسول ﵊، لعدم عصمتهم، ولكن على هذا أيضًا لا توجد مستقلة، فتأمل، ومن الأجوبة أيضًا أن الجمع من خصائصه ﵊، فيمتنع من غيره، لأن غيره إذا اجَمَع أوهَم التسوية، بخلافه هو ﵊، فإن مَنْصِبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك، ومنها أجوبة أخرى. قوله: "وأن يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّه إلا لله" حقيقة الحب في الله أن لا يزيد بالبر، ولا ينقُص بالجفاء، كما قاله يحيى بن مُعاذ. وقوله: "وأن يكره أن يعودَ في الكُفْر" زاد أبو نُعيم في "المستخرج" بعد: "إذْ أنْقَذَهُ الله مِنه" وكذا هو في طريق أخرى للمصنف، والإنقاذ أعم من أن يكون بالعصمة منه ابتداء بأن يولد على الإِسلام ويستمر، أو بالإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإِيمان, كما وقع للصحابة، وعلى الأول يحمل قوله: "يعود" على معنى الصيرورة كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨] بخلاف الثاني، فإن العود فيه على ظاهره، وإنما عَدّى العَوْد بفي ولم يُعَدِّه بإلى لأنه ضمنه معنى الاستقرار، فكأنه قال: يستقر فيه، على حد قوله تعالى: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا﴾ [الأعراف: ٨٩].

стр. 521

وأخرجه في "الأدب المفرد" من هذا الوجه بلفظ: "وحتى أن يُقذف في النار أحبّ إليه من أن يرجِع في الكفر بعدَ إذ أنقذه الله منه" وهي أبلغ من لفظ حديث الباب، لأنه سوى فيه بين الأمرين، وهُنا جعل الوقوع في نار الدنيا أولى من الكفر الذي أنقذه الله بالخروج منه من نار الأخرى. قلت: وهذا هو الواجب على كل عاقل, لأن عذاب نار الدنيا غير مستمر، منقطع بالموت، وحَرّ نار الدنيا جزء من مئة جزء من نار الآخرة كما في الحديث الصحيح، وصرح النّسائي والإسماعيلي في روايتيهما لهذا الحديث بسماع قَتادة له من أنس، فانتفت تهمة تدليسه، واستدل به على فضل من أكره على الكفر، فترك البتّة إلى أن قُتِل. قال الشيخ مُحي الدين: هذا حديث عظيم، أصل من أصول الدين. قال في "الفتح" فيه إشارة إلى التَّحَلّي بالفضائل، والتخلي عن الرَّذائل، فالأول من الأول، والأخير من الثاني، وفي الثاني حث على التحابب في الله. رجاله خمسة: الأول: محمَّد بن المُثَنّى بلفظ المفعول من التثنية بالمثلثة ابن عُبيد ابن قَيْس بن دِينار أبو موسى البَصْريّ الحافظ المعروف بالزَّمِن. قال الخطيب: كان ثقة ثبتًا احتج سائر الأئمة بحديثه. وقال محمَّد بن يَحْيى: حجة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، صدوق. وقال النَّسائي: لا بأس به. وقال ابن مَعين: ثقة. وقال أبو سعيد الهَرَوِيّ: سألت الذُّهليّ عنه، فقال: حجة. وقال صالح بن مُحمد: صدوق اللهجة، وكان في عَقله شيء، وكنت أقدمه على بُندار. وقال أبو عَروبة: ما رأيت بالبصرة أثبت من أبي موسى ويَحْيى بن حَكيم. وقال أبو الحسن السِّمناني: كان أهل البصرة يقدمون أبا موسى على بُندار، والغرباء يقدمون بُنْدارًا. وقال ابن خِراش: حدثنا محمَّد بن المُثنى وكان من الأثبات. وذكره ابن حبان

стр. 522

في "الثقات" وقال: كان صاحب كتاب، لا يقرأ إلا من كتابه. وقال الدَّارَقُطني: كان أحد الأثبات، وقدمه على بُندار، قال: وقد سئل عمرو ابن علي عنهما، فقال: ثقتان، يُقْبَل منهما كل شي إلا ما تَكَلَّم فيه أحدهما في الآخر، قال: وكان في أبي موسى سلامة، وقال مسلمة: ثقة مشهور من الحفاظ. روى عنه البخاري مئة حديث وثلاثة أحاديث، ومسلم سبع مئة حديث واثنين وسبعين حديثًا. روى عن: عبد الله بن إدريس، وأبي مُعاوية، ويزيد بن زُرَيْع، ومُعْتَمر، وحَفْص بن غياث، وحَمّاد بن سَهْل، والقَطّان، وغُنْدَر، ورَوْح ابن عُبادة، ومعاذ بن معاذ، ومعاذ بن هشام، وعبد الوهاب الثَّقَفيّ، وخلق. وروى عنه: الجماعة، وروى النّسائي أيضًا عن زكريا السِّجْزِيّ، عنه. وأبو زُرعة، وأبو حاتم، والذُّهليّ، وبَقِيّ بن مَخْلد، وأبو يَعْلى، وجعفر الفِرْيابي، وأبو عَروبة، والحسين بن إسماعيل المَحَامِلِيّ، وغيرهم. ولد سنة سبع وستين ومئة، ومات سنة اثنتين وخمسين ومئتين في ذي القعدة. والعَنَزِيّ في نسبه نسبة إلى عَنَزة بالتحريك بن أسد بن ربيعة بن نزار ابن معد بن عدنان أبو حي من ربيعة، وقيل: ابن عمرو بن عوف بن عدي ابن عمرو بن مازن بن الأزد أبو حي من الأزد، وفي خُزاعة عَنَزَة بن عمرو ابن أفصى بن حارثة الخُزَاعِيّ والبَصْريّ، مر الكلام عليه. وفي الستة محمَّد بن المُثنى اثنان: هذا، ومحمد بن المثنى الذي هُو محمَّد بن إبراهيم بن مُسلم بن مِهران بن المُثَنّى، ويقال: محمَّد بن مُسلم بن مِهران بن المُثَنّى، ويقال له: ابن أبي المُثنى، وأبو المُثَنى كنية

стр. 523

جده مسلم، ويقال: كنية مِهْران القُرشي مولاهم أبو جعفر. الثاني: عبد الوهاب بن عبد المجيد بن الصَّلْت بن أبي عُبيد بن الحكم بن أبي العاص الثَّقَفي أبو محمَّد البَصْريّ. قال وَهْب: لما مات عبد المجيد قال لنا أيوب: الزموا هذا الفتى عبد الوهاب. وعده ابن مَهْدي فيمن كان يحدث من كتب الناس ولا يحفظ ذلك. وقال أحمد: الثَّقَفيّ أثبت من عبد الأعلى السامي. وقال عثمان: سألت ابن مَعين، فقلت: ما حالُ وُهَيْب في أيوب؟ فقال: ثقة، قلت: هو أحب إليك أو عبد الوهاب؟ قال: ثقة وثقة. وقال التِّرمذي: سمعت قُتيبة يقول: ما رأيت مثل هؤلاء الأربعة: مالك، والليث، وعبد الوهاب الثَّقفيّ، وعبّاد بن عبّاد. وقال ابن المَدِيني: ليس في الدنيا كتاب عن يحيى بن سعيد الأنصاري أصح من كتاب عبد الوهاب، وكل كتاب عن يحيى فهو عليه كَلٌّ. وقال ابن سَعْد: كان ثقة وفيه ضَعْف. وقال ابن مَعين: اختلط بآخِرِه، وقال عُقبة بن مُكْرَم: اختلط قبل موته بثلاث سنين أو أربع. وقال العِجّليّ: بصري ثقة، وقال عمرو بن عَلي: اختلط حتى كان لا يعقِل، وسمعته وهو مختلط، يقول: حدثنا محمَّد بن عبد الرحمن بن ثَوْبان باختلاط شديد. روى عن: حُميد الطّويل، وأيوب السَّخْتِياني، وابن عَوْن، وخالد الحذّاء, وداود بن أبي هِند، وعوف الأعرابي، وابن جُرَبْج، وغيرهم. وروى عنه: أحمد، والشَّافعيّ، وعلي، ويحيى، وإسحاق، وابنا أبي شَيْبه، وأبو خَيْثمة، وبُندار، ومُسدّد، وقُتيبة بن سعيد، وإبراهيم بن محمَّد بن عَرْعَرة، وسويد بن سعيد، والحسن بن عَرَفة، وآخرون. ولد سنة عشر ومئة، ومات سنة أربع وتسعين ومئة. وليس في الستة عبد الوهاب بن عبد المجيد سواه، وفيهم عبد الوهاب نحو اثني عشر. والثَّقَفيّ في نسبه بالتحريك نسبة إلى ثَقيف كأمير أبو قبيلة من

стр. 524

هوازِن، واسمه قيس بن مُنَبِّه بن بكر بن هوازِن بن منصور بن عِكرمة بن حفصة بن قيس عَيْلان وقد يكون ثقيف اسمًا للقبيلة، والأول أكثر، قال سيبَويه: أما قولهم: هذه ثَقيف، فعلى إرادة الجماعة، وإنما قال ذلك لغلبة التذكير عليه، وهو مما لا يقال فيه من بني فُلان، ومن استعماله في القبيلة: قول الشاعر: تؤمل أن تلاقي أم وهب ... محلّفة إذا اجتمعت ثقيف ومرّ قريبا أن عبد الوهاب من المختلطين، والاختلاط هو فساد العقل بأن لم تَنْتَظِم أقواله وأفعاله، وحكم روايته هو أن ما رواه المختلط في حال اختلاطه، أو اشْتُبِه فلم يُدْرَ أحدَّث بالحديث قبل اختلاطه أو بعده يكون مردودًا إذا كان مما اعتمد فيه على حفظه، بخلاف ما اعتمد فيه على كتاب، وما حدث به قبل اختلاطه، وإن حدث به ثانيًا بعد اختلاطه فلا يكون مردودًا، ويتميز ذلك بالراوي عنه فإنه قد يكون سمع منه قبله فقط، أو بعده فقط، أو فيهما مع التمييز كما هو مبين في المُطوّلات ونَظَم العراقيُّ المختلطين بقوله: وفي الثِّقات مَنْ أخيرًا اخْتَلط ... فما رَوَى فيه أو أُبْهِمَ سَقَط نَحوُ عطاءٍ وَهْوَ ابْنُ السّائِبِ ... وكَالْجريْريّ سَعِيدٍ وأَبي إسحَاقَ ثُمَّ ابن أبي عَرُوبةِ ... ثُمَّ الرَّقَاشِيِّ أبي قِلَابِةِ كَذَا حُصَيْنُ السُّلَميُّ الكُوفِي ... وعَارِمٌ محمّدٌ والثَّقَفِيّ كذا ابنُ هَمّام لِصَنعَا إذْ عَمِي ... والرَّأَيُ فيما زَعَموا وَالتَّوأمِي وابنُ عُيَيْنَةَ مَع المَسْعُودي ... وآخرًا حَكَوْهُ في الحَفِيدِ ابن خُزَيْمَةَ مَعَ الغِطْرِيفِي ... معَ القَطِيعِي أحْمَدَ المعْروفِ والمراد بقوله: الثقفي عبد الوهاب هذا، والرّأي المرادُ به ربيعة الرّأي، والتَّوْأميّ المراد به صالح بن نَبْهان المعروف بمولى التَّوْأمَة. الثالث: أيوب بن أبي تَميمة كَيْسان السَّخْتِياني أبو بكر البَصْريّ مولى عَنَزَة، ويقال: مولى جُهَينْة.

стр. 525

قال علي بن المَدِيني: له نحو ثمان مئة حديث، وأما ابن عُليّة، فكان يقول: حديثه ألفا حديث، فما أقل ما ذهب علي منها. وقال مَيْمون، عن الحسن وقد رأى أيوب: هذا سيد الفتيان، وفي رواية عنه: سيد شباب أهل البصرة. وقال شُعبة: حدثنا أيوب، وكان والله سيد الفقهاء، وسأله يومًا عن حديث فقال له: أشك فيه، قال: شَكُّكَ أحب إلي من يقين غيرك. وقال حَمّاد بن زَيْد: أيوب أفضل منْ جالسته، وأشده اتّباعًا للسنة. وقال ابن عُيَيْنة: ما لقيت مثله في التابعين. وقال ابن سَعْد: كان ثقة، ثبتًا، حجة، جامعًا، كثير العلم، عدلًا. وقال النَّسائي: ثقة ثبت. وقال هِشام بن عُروة: ما رأيت بالبَصْرة مثله. وقال مالك: كان من العلماء العاملين الخاشِعين وقال أيضًا: كتبت عنه لما رأيت من إجلاله للنّبي ﷺ ، وقال أيضًا: كان من عُبّاد الناس وخيارهم. وقال ابن مَهْدي: أيوب حجة أهل البصرة. وقال الدَّارَقُطْنيّ: أيوب من الحفاظ الأثبات، وقال نافع: اشترى لي هذا الطَّيلَسان خير مَشْرقِيّ أيوب. وسُئل ابن المَديني: من أثبت أصحاب نافع؟ قال: أيوب وفَضْلُه، ومالك وإتقانُه، وعبيد الله وحِفْظُه. وقال أيضًا أيوب في ابن سيرين أثبت من خالد الحذّاء، وقال أبو حاتم: هو أحب إلي في كل شيء من خالد الحذّاء، وهو ثقة لا يُسأل عن مثله، وهو أكبر من سُليمان. وقيل لابن مَعين: أيوب عن نافع أحب إليك أو عبيد الله؟ قال كلاهما. ولم يُفَضِّل. وقال ابن خَيْثمة عنه: ثقة، وهو أثبت من ابن عَوْن. وقيل لأحمد: تقدم أيوب على مالك؟ فقال: نعم وقال صَاعِقة: سمعت عليًّا يقول: أثبت الناس في نافع أيوب، وعبيد الله، زاد غير صاعَقة عنه: ومالك، وقال وَهْب: قلت لمالك: ليس أحدٌ أحفظ عن نافع من أيوب، فتبسم، وقال يحيى القَطّان: أصحاب نافع أيوب، وعُبيد الله، ومالِك، وليس ابن جُريج بدونهم فيما سمع من نافع. ورأى أنس بن مالك ولم يَسْمع منه، وقيل: سمع منه، ولم يَصِحَّ. وروى عن: عَمرو بن سلمة الجَرْميّ، وحُميد بن هِلال، وأبي

стр. 526

قِلابة، والقاسم بن محمَّد، وعبد الرحمن بن القاسم، وعِكرمة، وعَطاء، والأعرج، وعمرو بن دينار، وحَفْصة بنت سيرين، وغيرهم. وروى عنه: الأعمش من أقرانه، وقَتادة وهو من شيوخه، والحَمّادان، والسُّفيانان، وشعبة، وعبد الوارِث، ومالك، وسعيد بن أبي عَروبة، وابن عُليّة، وخلق كثير. ولد سنة ست وستين، ومات بالبصرة سنة إحدى وثلاثين ومئة. والسَّخْتِياني -بفتح السين المهملة على الصحيح، وحكي كسرها، ثم خاء معجمة ساكنة، ثم تاء مفتوحة أو مكسورة- في نسبه نسبة إلى عمل السَّخْتِيان وبيعه، وهو جُلود الضَّأن، وقيل: جلد الماعز إذا دُبِغ، نسب إلى ذلك لعمله فيها وبيعها. وهو فارسي مُعرب، وفي الفارسية السَّخْت -بفتح الأول- يأتي لمعان، منها: الخشن، والصعب، والفرس يراعون المناسبة في تسمية الأشياء، فسَمَّوا الجلد المدبوغ سَخْتيانًا لصعوبة دبغ الجلد الرطب، فهو فارسي جذبته العرب إلى طرف الاستعمال بينهم، وإليه يُنْسب أبو إسحاق عِمران بن موسى السَّخْتياني محدث جُرجان ثقة، روى عن أبي الربيع الزَّهراني، ويُنسب إليه أيضًا أحمد بن عبد الله السَّخْتِياني روى عن السُّرِّي بن يحيى، وروى عنه أبو طاهِر. وليس في الستة أيوب بن أبي تَميمة سواه، وأما أيوب فكثير. الرابع: أبو قِلابة -بكسر القاف- عبد الله بن زَيْد بن عمرو، ويقال: ابن عامر بن نابِل بن مالك بن عبيد بن عَلقمة بن سَعد الجَرْميّ البَصْريّ أحد الأعلام. ذكره ابن سَعْد في الطبقة الثانية من أهل البصرة، وكان ثقة كثير الحديث، وكان ديوانه بالشام. وقال عَلِيّ بن أبي حملة: قلنا لمُسلم بن يسار: لو كان بالعراق أفضل منك لجاءنا الله به، قال: كيف لو رأيتم أبا قِلابة؟ وقال مسلم أيضًا: لو كان أبو قلابة من العجم لكان موبذ موبذان،

стр. 527

يعني: قاضي القضاة. وقال ابن سيرين: ذلك أخي حقًّا، وقال ابن عَوْن ذكر أيوب لمحمد حديثًا عن أبي قلابة، فقال: أبو قلابة إن شاء الله ثقة، رجل صالح، ولكن عَمَّن ذكره أبو قلابة؟ وقال أيوب: كان والله من الفقهاء ذوي الألباب، ما أدركت بهذا المصر رجلًا كان أعلم بالقضاء من أبي قِلابة، ما أدري ما محمَّد؟ وقال العِجليّ: بصري تابعي ثقة، وكان يَحْمِلُ على علي ولم يَرْوِ عنه شيئًا. وقال عُمَر بن عبد العزيز: لن تزالوا بخير يا أهل الشام ما دام فيكم هذا. وقال ابن خِراش: ثقة. وقال القابِسي فيما حكاه عنه ابن التين شارح "البخاري" في الكلام على القسامة بعد أن نقل قصة أبي قِلابة مع عمر بن عبد العزيز: العجب من عمر بن عبد العزيز على مكانه في العلم كيف لم يعارض أبا قِلابة في قوله، وليس أبو قِلابة من فقهاء التابعين وهو عند الناس معدود في البله. وقال ابن مَعين: أرادوه للقضاء فهرب إلى الشام، فمات بها. روى عن: ثابت بن الضَّحاك الأنصاري، وسَمُرة بن جُندب، وأبي زيد بن عمرو بن أخطب، وعمرو بن سَلِمة الجَرْميّ، وأنس بن مالك، وابن عباس، وابن عُمر، وقيل: لم يسمع منهما، ومعاوية، وهشام، وغيرهم، وروى أيضًا عن التابعين كأبي المُهلب الجَرْميّ عمه، وزَهْدَم بن مُضِّرس وعبد الله بن يزيد رضيع عائشة. وروى عنه: أيوب، وخالد الحذّاء، وأبو رجاء سلمان مولى أبي قِلابة، ويحيى بن أبي كَثير، وأشعث بن عبد الرحمن الجَرْمي، وعاصم الأحول، وغيرهم. مات بالشام سنة سبع أو ست ومئة. وفي الستة عبد الله بن زيد سواه خمسة، وليس فيهم من يكنى بأبي قلابة. والجَرْمي في نسبه -بفتح الجيم- نسبة إلى جَرْم أبو بطن من طيء،

стр. 528

وهو ثعلبة بن عمرو بن الغوث بن جلهمة وهو طيء، مساكنهم صعيد مصر، ومنهم بقية في نواحي غزة، ومنهم حيان بن ثعلبة، وإليه ينسب أبو عبد الله محمَّد بن مالك النَّحوي المِصْري، وعَمرو بن سلمة الجَرْمي له صحبة، وأبو عُمر صالح بن إسحاق الجَرْمي لغوي مشهور أخذ عن الأخفش، وأبي عُبيدة، وأبي ذَرّ، والأصمعي، وفي قُضاعة جَرْم بن زَبّان ابن حُلوان بن عِمران بن الحافي بن قُضاعة منهم شهاب بن المَجْنون صحابي، وأخوه عامر مدرج الريح شاعر، وهوذة بن عمر، وله وفادة، وفي بجيلة جَرْم بن علقمة بن عَبْقر، وفي عاملة جَرْم بن شعَل بن معاوية. الخامس: أنس بن مالك، وقد مر في السادس من هذا الكتاب. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته كلهم بَصْريون، وهم أئمة أجلاء، أخرجه البُخاريّ هنا، وفي هذا الكتاب بعد ثلاثة أبواب من طريق شُعبة، وفي الأدب، ومسلم عن محمَّد بن المُثَنّى وأخرجه الترمذي والنّسائي. ١٠ - باب علامة الإِيمان حب الأنصار وبابٌ بالتنوين، وسقط عند الأصيلي، فتجر حينئذ علامة بالإِضافة، ولما ذكر في الحديث السابق أنه لا يحب إلا لله، عَقَّبه بما يشير إليه من أن حب الأنصار كذلك, لأن محبة من يحبهم من حيث هذا الوصف وهو النصرة إنما هو لله تعالى، فهم وإن دخلوا في عموم قوله: "لا يحبه إلا لله" لكن في التنصيص بالتخصيص دليل العناية، وقال ابن المُنير: علامة الشيء لا يخفى أنها غير داخلة في حقيقته، فكيف تفيد هذه الترجمة مقصوده من أن الأعمال داخلة في مسمى الإِيمان, وجوابه أن المستفاد منها كون مجرد التصديق بالقلب لا يكفي حتى تنصب عليه علامة من الأعمال الظاهرة التي هي مؤازرة الأنصار وموادتهم.

стр. 529

الحديث العاشر ١٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ». [الحديث ١٧ - طرفه في: ٣٧٨٤] قوله: "آية الإِيمان" بالهمزة الممدودة والمثناة المفتوحة، أي: علامة الإِيمان الكامل. وقوله: "حب الأنصار" وهم الأوس والخزرج، وهو جمع قلة على وزن أفعال، جمع نصير، كشريف وأشراف، أو جمع ناصر كصاحب وأصحاب، واستشكل هذا الجمع بأنه لا يكون لما فوق العشرة، وهم ألوف، وأجيب بأن القلة والكثرة إنما يعتبران في نكرات الجُموع، وأما المعارف فلا فرق بينهما، وقد مر الكلام مستوفىً على الأنصار في الحديث الأول: "إنما الأعمال بالنيات". وقوله: "وآية النفاق بغض الأنصار" النفاق هو إظهار الإِيمان وإبطان الكفر، وظاهر اللفظ أن بغُضْهم نفاق، وإن صَدَق وأقَرَّ، لكنه غير مراد، فيحمل على تقييد البغض بالجهة، فمن أبغضهم من جهة هذه الصفة، وهي كونهم نَصَروا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، أثَّر ذلك في تصديقه، فيصِحُّ أنه منافق، لأنه لا يجتمع مع التصديق، ويقرب هذا العمل زيادة أبي نُعيم في "المستخرج" من حديث البراء بن عازِب: "من أحبَّ الأنصار فبحبي أحبهم، ومن أبغض الأنصار فببغضي أبغضهم" وأخرج مسلم من حديث أبي سعيد رفعه: "لا يُبْغِضُ الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر" ولأحمد: "حبُّ الأنصار إيمان، وبغضُهم نفاقٌ" وإنما خُصّوا بهذه المنقبة العظيمة، والمنحة الجسيمة، لما فازوا به من نصره

стр. 530

عليه الصلاة والسلام، والسعي في إظهاره وإيوائه وأصحابه ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم وقيامهم بحقهم حق القيام مع معاداتهم جميع من وجد من قبائل العرب والعجم، فمن ثَمَّ كان حبهم علامة الإِيمان، وبغضهم علامة النفاق، مجازاة لهم علي عملهم، وتنويهًا بعظيم فضلهم، وإن كان من شاركهم في ذلك مشاركًا لهم في الفضل المذكور، وكلٌّ بقسطه، وقد ثبت في مسلم عن علي أن النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قال له: "لا يُحِبُّكَ إلا مؤمن، ولا يُبْغِضُك إلا منافق" وهذا جارٍ باطِّراد في أعيان الصحابة، لتحقق مشترك الإِكرام لما لهم من حسن العناء في الدين. قال صاحب "المفهم": "وأما الحروب الواقعة بينهم، فإن وقع من بعضهم بغض لبعض فذلك من غير هذه الجهة، بل للأمر الطارىء الذي اقتضى المخالفة، ولذلك لم يحكم بعضهم على بعض بالنفاق، وإنما كان حالهم في ذلك حال المجتهدين في الأحكام، للمُصيب أجران، وللمُخطىء أجر واحد، وإنما عدل عن لفظ الكفر إلى لفظ النفاق، لأن الكلام فيمن ظاهره الإِيمان وباطنه الكفر، فميزهم عن ذوي الإِيمانُ الحقيقي، فلم يقُل وآية الكفر كذا، إذ هو ليس بكافر ظاهرًا، وأما من يظهر الكفر فلا يخاطب بهذا الترهيب, لأنه مرتكب ما هو أشد من ذلك. رجاله أربعة: الأول: هشام بن عبد الملك الباهِلِي مولاهم أبو الوليد الطَّيالِسِيّ البَصْري الحافظ الإِمام الحجة. قال أحمد بن حَنْبل: متقن، وهو اليوم شيخ الإِسلام، وما أُقَدِّم عليه أحدًا من المحدثين، وهو أسن من عبد الرحمن بن مَهدي بثلاث سنين. وقال ابن دارة: قلت لأحمد: أبو الوليد أحب إليك في شعبة أو أبو النَّضْر؟ فقال: إن كان أبو الوليد يكتب عند شعبة فأبو الوليد. قلت له: فإني سمعته يقول: بينا أنا أكتب عند شعبة إذ بَصُرَ بي، فقال: وتكتب؟ فوضعت الألواح. وقال أبو حاتم: كان إمامًا فقيهًا عاملًا ثقة حافظًا ما رأيت في يده
следующие страницы →