← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

وعن ابن أبي ذيب عن أبي هريرة عن كعب الأحبار قوله: وروى ابن أبي خيثمة عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة وأبي هريرة وأبي سعيد، فذكر الحديث وفيه قال أبو سلمة: فلقيت عبد الله بن سلام فذكرت له ذلك، فلم يعرض بذكر النبي ﷺ بل قال: النهار ثنتا عشر ساعة وإنها لفي آخر ساعة من النهار ولابن خزيمة عن أبي سلمة عن عبد الله بن سلام قال: "قلتُ ورسولُ الله ﷺ جالسٌ إنا لنجدُ في كتاب اللهِ أن في الجُمعة ساعة" قال رسولُ اللهِ ﷺ : "أو بعضَ ساعةٍ. قلتُ: نعم أو بعضَ ساعةٍ" الحديث وفيه "قلت أي ساعة" فذكر الحديث، وهذا يحتمل أن يكون القائل، قلت عبد الله بن سلام فيكون مرفوعًا أو يكون أبا سلمة فيكون موقوفًا وهو الأرجح لتصريحه في رواية يحيى بن أبي كثير بأن عبد الله بن سلام لم يذكر النبي ﷺ في الجواب. الثاني والأربعون: من حين يغيب نصف قرص الشمس أو من حين تدلي الشمس للغروب إلى أن يتكامل غروبها، رواه الطبراني في "الأوسط" والدارقطني في "العلل"، والبيهقي في "الشعب" و"فضائل الأوقات" عن زيد بن علي بن الحسين بن علي حدثتني مرجانة مولاة فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالت: حدثتني فاطمة ﵍ عن أبيها فذكر الحديث، وفيه "قلت للنبي ﷺ : أي ساعةٍ هي قال: إذا تدلّى نصفُ الشمس للغروب فكانت فاطمةُ إذا كان يومُ الجمعةِ أرسلت غلامًا لها يُقال له زيدٌ ينظرُ لها الشمسَ فإذا أخبرها أنها تدلتْ أقبلتْ على الدعاءِ إلى أن تغيبَ " في إسناده اختلاف على زيدٌ بن علي، وفي بعض رواته من لا يعرف حاله، وأخرجه إسحاق بن راهويه عن زيد بن علي عن فاطمة لم يذكر فيه مرجانة وقال فيه: "إذا تدلت الشمس للغروب"، وقال فيه "تقول لغلام يقال له: أربد اصعد على الظربِ فإذا تدلتِ الشمسُ للغروبِ فأخبرني" والباقي نحوه، وفي آخره ثم تصلي المغرب. الثالث والأربعون: ما استنبطه الجزري وذكره في "حصن الحصين" في الأدعية لما ذكر الاختلاف في ساعة الجمعة، واقتصر على ثمانية أقوال مما تقدم، ثم قال ما نصه والذي اعتقده أنها وقت قراءة الإمام الفاتحة في صلاة الجمعة إلى أن يقول: آمين جمعًا بين الأحاديث التي صحت كذا قال: ويخدش فيه بأنه يفوت على الداعي حينئذ الإنصات لقراءة الإمام. هذا ما وقفت عليه من الأقوال في ساعة الجمعة مع ذكر أدلتها وبيان حالها في الصحة والضعف والرفع والوقف والإشارة إلى مأخذ بعضها، وليست كلها متغايرة من كل وجه بل كثير منها يمكن أن يتحد مع غيره. قال الزين بن المنير يحسن جمع الأقوال، وكان قد ذكر مما تقدم عشرة أقوال فتكون ساعة الإجابة منها لا بعينها، فيصادفها من اجتهد في الدعاء في جميعها، وليس المراد من أكثرها أنها تستوعب جميع الوقت الذي عين، بل المعنى أنها تكون في أثنائه لقوله فيما مرّ "يقللها". وقوله "وهي ساعة خفيفة" وفائدة ذكر الوقت أنها تنتقل فيه فيكون ابتداء مظنتها ابتداء الخطبة مثلًا، وانتهاؤه انتهاء الصلاة، وكأن كثيراً من القائلين عيّن ما اتفق له وقوعها فيه من ساعة في أثناء وقت من الأوقات المذكورة، فبهذا التقرير يقل الانتشار جدًا.

стр. 4657

وقد مرّ أول الباب أن أرجح الأقوال حديث أبي موسى وعبد الله بن سلام، ومرّ تقرير ذلك مبسوطًا، وقد قال ابن المنير: إذا علم أن فائدة الإبهام لهذه الساعة ولليلة القدر بعث الداعي على الإكثار من الصلاة والدعاء، ولو بيّن لاتكل الناس على ذلك وتركوا ما عداها، فالعجب بعد ذلك ممن يجتهد في طلب تحديدها. وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما مرّ فضل يوم الجمعة لاختصاصه بساعة الإجابة. وفي "مسلم" أنه خير يوم طلعت عليه الشمس، وفيه فضل الدعاء واستحباب الإكثار منه واستدل به على بقاء الإجمال بعد النبي ﷺ ، وتعقب بأن الاختلاف في بقاء الإجمال في الأحكام الشرعية لا في الأمور الوجودية كوقت الساعة؛ فهذا لا خلاف في إجماله والحكم الشرعي المتعلق بساعة الجمعة وليلة القدر، وهو تحصيل الأفضلية يمكن الوصول إليه والعمل بمقتضاه باستيعاب اليوم أو الليلة، فلم يبقَ في الحكم الشرعي إجمال. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرّ عبد الله بن مسلمة في الثاني عشر من "الإيمان"، ومرّ أبو الزناد والأعرج في السابع منه، وأبو هريرة في الثاني منه، ومرّ مالك في الثاني من "بدء الوحي". أخرجه مسلم في الجمعة والنسائي. ثم قال المصنف: باب إذا نفر الناس عن الإِمام في صلاة الجمعة فصلاة الإمام ومَنْ بقي جائزة قوله "جائزة" بالرفع خبر المبتدأ الذي هو فصلاة الإِمام، وللأصيلي تامة وظاهر الترجمة أن استمرار الجماعة الذين تنعقد به الجمعة إلى تمامها ليس بشرط في صحتها، بل يشترط أن تبقى منهم بقية ما، ولم يتعرض المؤلف لعددمن تنعقد بهم الجمعة؛ لأنه لم يجد فيه شيئًا على شرطه. وقد مرّ في باب الجمعة في القرى والمدن أن مذهب الشافعية والحنابلة اشتراط أربعين منهم الإِمام بشروطها المارة في الباب المذكورة، واستدلوا بحديث ابن عباس المذكور هناك، وبحديث كعب بن مالك قال: "أول من جمّع بنا في المدينة أسعد بن زرارة قبل مقدمه ﵊ في نقيع الخضمات، وكنا أربعين رجلًا" رواه البيهقي وغيره وصححوه. وروى البيهقي أيضًا أنه ﷺ جمع بالمدينة وكانوا أربعين رجلًا وعورض بأنه لا يدل على شرطيته، وأجيب بما قاله في "المجمع" من أن وجه الدلالة من حديث كعب بن مالك أن الأمة أجمعوا على اشتراط العدد والأصل الظهر، فلا تصح الجمعة إلا بعدد ثبت فيه توقيت. وقد ثبت جوازها بأربعين، وثبت "صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي" ولم تثبت صلاته لها بأقل من ذلك، فلا تجوز بأقل منه. وقد مرّ في الباب المذكور أن مشهور مذهب مالك عدم التحديد بعدد محصور، ومرّ هناك ما تجب به عندهم، ولكن أقل ما تصح به اثنا عشر باقين إلى سلامها مع الإمام حتى إن بطلت على واحد منهم بطلت على الجميع بشرط أن يكونوا مستوطنين.

стр. 4658

وأما الإِمام فيكفي فيه كونه مقيمًا غير مسافر، واستدلت المالكية بحديث الباب. وقد مرّ في الباب المذكور شرط وجوب الجمعة عند الحنفية، وأقل العدد الذي تصح به ثلاثة مع الإِمام عند أبي حنيفة؛ لأن الجمع الصحيح إنما هو الثلاث؛ لأنه جمع تسمية ومعنى والجماعة شرط على حدة، وكذا الإِمام فلا يعتبر منهم. وقال أبو يوسف ومحمد: ثلاثة بالإمام؛ لأن في الاثنين معنى الاجتماع، وهي منبئة عنه وجملة ما للعلماء في العدد خمسة عشر قولًا: الأول: تصح من الواحد، نقله ابن حزم. الثاني: اثنان كالجماعة، وهو قول النخعي وأهل الظاهر والحسن بن حي. الثالث: اثنان مع الإِمام عند أبي يوسف ومحمد. الرابع: ثلاثة معه عند أبي حنيفة. الخامس: سبعة عند عكرمة. السادس: تسعة عند ربيعة. السابع: اثنا عشر عنه في رواية. الثامن: مثله غير الإِمام عند مالك وإسحاق. التاسع: عشرون في رواية ابن حبيب عن مالك. العاشر: ثلاثون كذلك. الحادي عشر: أربعون بالإمام عند الشافعي وأحمد. الثاني عشر: غير الإِمام عن الشافعي، وبه قال عمر بن عبد العزيز وطائفة. الثالث عشر: خمسون عن أحمد في رواية وحكي عن عمر بن عبد العزيز. الرابع عشر: ثمانون حكاه المازري. الخامس عشر: جمع كثير بغير عدد، ولعل هذا الأخير أرجحها من حيث الدليل، ويمكن أن يزداد العدد باعتبار زيادة شرط كالذكورة والحرية والبلوغ والاستيطان، فيكمل بذلك عشرين قولًا.

стр. 4659

الحديث التاسع والخمسون حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أَقْبَلَتْ عِيرٌ تَحْمِلُ طَعَامًا، فَالْتَفَتُوا إِلَيْهَا حَتَّى مَا بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلاَّ اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ ". قوله "عن حصين" هو ابن عبد الرحمن ومدار هذا الحديث في "الصحيحين" عليه، وقد رواه تارة عن سالم بن أبي الجعد وحده كما هنا وهي رواية أكثر أصحابه، وتارة عن أبي سفيان طلحة بن نافع وحده وهي رواية قيس بن الربيع وإسرائيل عند ابن مردويه، وتارة جمع بينهما عن جابر وهي رواية خالد بن عبد الله عند المصنف في التفسير، وعند مسلم وكذا رواه هشيم عنده أيضًا. وقوله "بينا نحن نصلي" في رواية خالد المذكورة عند أبي نعيم في المستخرج "بينما نحن مع رسول الله ﷺ في الصلاة" وهذا ظاهر في أن انفضاضهم وقع بعد دخولهم في الصلاة، لكن وقع عند مسلم عند عبد الله بن إدريس عن حصين "ورسول الله ﷺ يخطبُ". وله في رواية هشيم: "والنبي ﷺ قائمٌ" زاد أبو عوانة في "صحيحه" والترمذي والدارقطني من طريقه "يخطب". ومثله لأبي عوانة عن عباد بن العوام، ولعبد بن حميد عن سليمان بن كثير كلاهما عن حصين، وكذا في رواية قيس بن الربيع وإسرائيل، ومثله عند البزار عن ابن عباس وعند الطبراني في "الأوسط" عن أبي هريرة وعند الطبراني أيضًا، وغيره من مرسل قتادة فعلى هذا، فقوله "يصلي" أي: ينتظر الصلاة. وقوله "في الصلاة" أي في الخطبة مثلًا، وهو من تسمية الشيء باسم ما قاربه، فبهذا يجمع بين الروايتين. ويؤيده استدلال ابن مسعود على القيام في الخطبة بالآية المذكورة كما أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح، وكذا استدل به كعب بن عُجْرة في "صحيح مسلم"، وحمل ابن الجوزي قوله "يخطب قائمًا" على أنه خبر (لكان) آخر غير خبر كونهم كانوا معه في الصلاة. فقال التقدير (صلينا مع رسول الله ﷺ وكان يخطب قائمًا) الحديث، ولا يخفى تكلفه. وقوله "إذ أقبلت عير" أي بكسر العين المهملة. وهي الإبل التي تحمل التجارة طعامًا كانت أو غيره، وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها، ونقل عبد الحق أن البخاري لم يخرج قوله "إذ أقبلت عير

стр. 4660

تحمل طعامًا" وهو ذهول منه، نعم سقط ذلك في التفسير، وثبت هنا وفي أوائل البيوع. وزاد فيه "أنها أقبلت من الشام". ولمسلم مثله عن جرير عن حصين وعند الطبري عن أبي مالك ومرة فرقهما أن الذي قدم بها من الشام دحية بن خليفة الكلبي، ونحوه عند البزار عن ابن عباس وعند ابن مردويه عن ابن عباس "جاءت عير لعبد الرحمن بن عوف" وجمع بين هاتين الروايتين بأن التجارة كانت لعبد الرحمن، وكان دحية السفير أو كان مشاركًا له وفي رواية ابن وهب عن الليث أنها كانت لوبرة الكلبي، وتجمع بأنه كان رفيق دحية. وقوله "فالتفتوا إليها" وفي رواية ابن فضيل في البيوع "فانفض الناس"، وهو موافق للفظ القرآن ودال على أن المراد بالالتفات الانصراف، وفيه رد على من حمل الالتفات على ظاهره فقال لا يفهم من هذا الانصراف عن الصلاة وقطعها، وإنما يفهم منه التفاتهم بوجوههم أو قلوبهم. وأما هيئة الصلاة المجزئة فباقية، ثم هو مبني على أن الانفضاض وقع في الصلاة، وقد ترجح مما مضى أنه إنما كان في الخطبة. فلو كان كما قيل لما وقع هذا الإنكار الشديد، فإن الالتفات فيها لا ينافي الاستماع وقد غفل قائله عن بقية ألفاظ الخبر. وفي قوله "فالتفتوا" الحديث التفات؛ لأن السياق يقتضي أن يقول التفتنا، وكان الحكمة في عدول جابر عن ذلك أنه هو لم يكن ممن التفت كما سيأتي. وقوله "إلا اثنا عشر" ليس الاستثناء مفرغًا حتى يجب رفعه، بل هو من ضمير بقي الذي يعود على المصلي، فيجوز فيه الرفع على البدل والنصب على الاستثناء، وقد جاءت بها الرواية. وفي "تفسير الطبري" وابن أبي حاتم بإسناد صحيح إلى أبي قتادة قال: "قال لهم رسول الله كم أنتم فعدوا أنفسهم فإذا هم اثنا عشر رجلًا وامرأة". وفي تفسير إسماعيل بن أبي زياد الشامي "وامرأتان". ولابن مردويه عن ابن عباس وسبع نسوة، لكن إسناده ضعيف واتفقت هذه الروايات كلها على اثني عشر رجلًا إلا ما رواه علي بن أبي عاصم عن حصين بالإسناد المذكور. فقال إلا أربعين رجلًا أخرجه الدارقطني، وقال تفرد به علي بن أبي عاصم وهو ضعيف الحفظ. وخالفه أصحاب حصين كلهم ويأتي في السند ما قيل في تسمية الباقين معه وتعريف من لم يمضِ تعريفه منهم، وذكر محل من عرف منهم. وقد اختلف فيما إذا انفضوا فقال الشافعية والحنابلة: لو انفض الأربعون أو بعضهم في أثناء الخطبة أو بينها وبين الصلاة أو في الركعة الأولى ولم يعودوا أو عادوا بعد طول الفصل استأنف الإمام الخطبة والصلاة، ولو انفض السامعون للخطبة بعد إحرام تسعة وثلاثين لم يسمعوا الخطبة أتم بهم الجمعة؛ لأنهم إذا لحقوا والعدد تام صار حكمهم واحدًا فسقط عنهم سماع الخطبة، أو انفضوا قبل إحرامهم استأنف الخطبة بهم، لأنه لا تصح الجمعة بدونها وقال المالكية أن انفضوا وبقي مع

стр. 4661

الإمام اثنا عشر صحت ويتم بهم جمعة إذا بقوا معه إلى السلام بحيث لو انفض منهم واحد قبل السلام بطلت على الجميع إعطاء للدوام حكم الابتداء. وبهذا قال ربيعة وإسحاق بن راهويه مستدلين بحديث الباب، وتعقبه المخالفون بأنها واقعة عين لا عموم فيها، وبأنه يحتمل أنه تمادى حتى عادوا أو عاد من تجزىء بهم إذ لم يرد في الخبر أنه أتم الصلاة، وتحتمل أيضًا أنه أتمها ظهرًا. وأيضًا قد فرق كثير من العلماء بين الابتداء والدوام فيها فقيل إذا انعقدت لم يضر ما طرأ بعد ذلك ولو بقي الإمام وحده. وقال أبو حنيفة: إذا نفر الناس قبل أن يركع الإِمام ويسجد إلا النساء استقبل الظهر. وقال صاحباه: إذا نفروا عنه بعدما افتتح الصلاة صلى الجمعة، وإن نفروا عنه بعدما ركع وسجد سجدة بني على الجمعة في قولهم جميعًا خلافًا لزفر فإنه قال يتمها ظهرًا. وقيل تصح إن بقي واحد، وقيل اثنان، وقيل ثلاثة، وقيل إن كان صلى بهم الركعة الأولى صحت لمن بقي، وقيل يتمها ظهرًا مطلقًا وهذا الخلاف كله أقوال مخرجة في مذهب الشافعي إلا الأخير فهو قوله في الجديد، قاله في "الفتح" وقد مرَّ عند الترجمة أن ظاهرها يقتضي أن لا يتقيد الجمع الذي يبقى مع الإِمام بعدد معين. وقوله في الترجمة: "فصلاة الإمام ومن بقي جائزة يؤخذ منه أنه يرى أن الجميع لو انفضوا في الركعة الأولى ولم يبق إلا الإِمام وحده أنه لا تصح له، وهو كذلك عند الجمهور كما مرّ. وقوله: "فنزلت هذه الآية" الخ ظاهر في أنها نزلت بسبب قدوم العِير المذكورة. والمراد باللهو على هذا ما ينشأ من رؤية القادمين وما معهم. وعند الشافعي عن جعفر بن محمد عن أبيه مرسلًا "كانَ النبيُّ ﷺ يخطبُ يومَ الجمعةِ وكانتْ لهم سوقٌ كانت بنو سليم يجلبونَ إليها الخيلَ والإبلَ والسمنَ فقدموا، فخرج إليهم الناسُ وتركوهُ وكان لهم لهوٌ يضربونهُ فنزلت". ووصله أبو عوانة في "صحيحه" والطبري بذكر جابر فيه "أنهم كانوا إذا نكحوا تضربُ الجواري بالمزامير، فتشتدُ الناسُ إليهم ويَدَعُون رسول الله ﷺ قائمًا فنزلت هذه الآية". وفي مرسل عبد بن حميد "كان رجالٌ يقومونَ إلى نواضحهم وإلى السفر يقدمون يبتغونَ التجارة واللهو" ولا بعد في أن تنزل في الأمرين معًا وأكثر. وفي تفسير إسماعيل بن أبي زياد الشامي عن أنس: "بينما نحنُ مع رسول اللهِ ﷺ يخطبُ يومَ الجمعةِ إذ سمعَ أهلُ المسجدِ صوتَ الطبول والمزاميرِ وكان أهلُ المدينةِ إذا قدمت عليهم العيرُ من الشامِ بالبُرِّ والزبيب استقبلوها فرحًا بالمعازفِ فقدمت عيرٌ لدحيةَ والنبيُّ ﷺ يخطبُ فتركوا النبيَّ ﷺ وخرجوا، فقال النبىُّ ﵊ مَنْ هنا؟ فقالوا: أبو بكر وعمرُ وعثمانُ وعليُّ وابنُ مسعودٍ وسالمُ مولى أبي حذيفة فإذا اثنا عشر رجلًا وامرأتان، فقال ﵊: لو اتبع آخركُم أولكم لاضطرم الوادي عليكم نارًا، ولكن تطول علي فرفعَ العقوبةَ بكمْ عمن خرجَ فنزلتِ الآيةُ".

стр. 4662

وفي "تفسير النسفي" "بينا رسولُ اللهِ ﷺ يخطبُ يومَ الجمعةِ إذ قَدمَ دحيةُ بنُ خليفةَ الكلبي ثم أحدُ بني الخزرج ثم أحدُ بني زيد بن مناة من الشام بتجارةٍ. وكان إذا قدمَ لم تبقَ بالمدينةِ عاتقٌ، وكان يقدمُ إذا قدمَ بكلِّ ما يحتاجُ إليه من دقيقٍ أو بُرٍّ وغيره، فنزلَ عند أحجارِ الزيتِ وهو مكان بسوق المدينةِ ثم يضربُ الطبلُ ليؤذنَ الناسَ بقدومِه فيخرجَ إليه الناسُ ليبتاعوا منه، فقدمَ ذاتَ يومِ جمعةٍ وكانَ ذلكَ قبلَ أن يسلمَ ورسولُ اللهِ ﷺ قائم على المنبرِ يخطبُ. فخرجَ إليهِ الناسُ فلم يبقَ في المسجدِ إلا اثنا عشر رجلًا وامرأةً، فقال النبيُّ ﷺ لولا هؤلاء لقد سومتْ لهم الحجارةُ من السماءِ وأنزل اللهُ تعالى هذه الآية". وقال في "الفتح": ذكر الحميدي في الجمع أن أبا مسعود الدمشقي ذكر في آخر حديث جابر هذا أنه ﷺ قال: "لو تتابعتم لم يبقَ منكم أحدٌ لسالَ بكُم الوادي نارًا". قال: وهذا لم أجده في الكتابين ولا في مستخرجي الإسماعيلي والبرقي. قال صاحب "الفتح": لم أرَ هذه الزيادة في الأطراف لأبي مسعود ولا هي في شيء من طرق حديث جابر المذكورة وإنما وقعت في مرسل الحسن وقتادة وكذا في حديث ابن عباس عند ابن مردويه، وفي حديث أنس عند إسماعيل بن أبي زياد وسنده ساقط. والنكتة في قوله، انفضوا إليها" دون قوله إليهما أو إليه أن اللهو لم يكن مقصودًا لذاته وإنما كان تبعًا للتجارة أو حذف لدلالة أحدهما على الآخر، وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها، وإذا رأوا لهوًا انفضوا إليه أو أعيد الضمير إلى مصدر الفعل المتقدم وهو الرؤية. أي انفضوا إلى الرؤية الواقعة على التجارة أو اللهو والترديد للدلالة على أن منهم من انفض لمجرد سماع الطبل ورؤيته. واستشكل الأصيلي حديث الباب فقال: إن الله تعالى وصف أصحاب محمد ﷺ بأنهم لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، ثم أجاب باحتمال أن يكون هذا الحديث كان قبل نزول الآية. وهذا الذي يتعيّن المصير إليه مع أنه ليس في آية النور التصريح بنزولها في الصحابة، وعلى تقدير ذلك فلم يكن تقدم لهم نهي عن ذلك، فلما نزلت آية الجمعة وفهموا منها ذم ذلك اجتنبوه في الخطبة لا في الصلاة، وهو اللائق بالصحابة تحسينًا للظن بهم، وعلى تقدير أن يكون في الصلاة حمل على أن ذلك وقع قبل النهي كآية ﴿لَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ وقبل النهي عن الفعل الكثير في الصلاة. ولو ثبت قول مقاتل بن حيان الذي أخرجه أبو داود في المراسيل إن الصلاة كانت حينئذ قبل الخطبة، زال الإشكال لكنه مع شذوذه مفصل ولفظه قال: "كان رسول الله ﷺ يصلي الجمعةَ قبلَ الخطبةِ مثلَ العيدين حتى كان يومَ جمعةٍ والنبيُّ ﷺ يخطبُ وقد صلّى الجمعةَ فدخلَ رجلٌ فقالَ إنّ دحيةَ قدمَ بتجارتِه، وكان دحيةُ إذا قدم تلقاهُ أهلهُ بالدفوفِ فخرجَ الناسُ لم يظنوا إلا أنّه ليس في تركِ الخطبةِ شيء، فأنزلَ اللهُ ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ فقدّمَ النبيُّ ﷺ -

стр. 4663

الخطبةَ يومَ الجمعةِ وأخرَ الصلاةَ فكان أحدٌ لا يخرجُ لرعافٍ أو حدثٍ بعدَ النهي حتى يستأذنَ النبيَّ ﷺ يشيرُ إليه بإصبعهِ التي تلي الإبهامَ فيأذن له ﷺ ثم يشيرُ إليه بيدهِ". قال السهيلي هذا وإن لم ينقل من وجه ثابت، فالظن الجميل بالصحابة يوجب أن يكون صحيحًا، وقال عياض: قد أنكر بعضهم كونه ﷺ خطب قط بعد صلاة الجمعة. وفي هذا الحديث غير ما تقدم أن الخطبة تكون عن قيام كما مرّ، وأنها مشترطة في الجمعة حكاه القرطبي واستبعده، وأن البيع وقت الجمعة ينعقد ترجم عليه سعيد بن منصور وكأنه أخذه من كونه ﷺ لم يأمرهم بفسخ ما تبايعوا فيه من العير المذكورة ولا يخفى ما فيه. رجاله خمسة: قد مرّوا، وفيه إلاَّ اثنا عشر رجلًا بالإبهام. مرّ معاوية بن عمرو في الثاني والسبعين من "الجماعة"، ومرَّ زائدة بن قدامة في الثاني والعشرين من "الغسل"، ومرّ حصين في الثالث والسبعين من "مواقيت الصلاة"، ومرَّ سالم بن أبي الجعد في السابع من "الوضوء"، ومرّ جابر في الرابع من "بدء الوحي". والاثنا عشر التي بقيت مع النبي ﷺ اختلف في تسميتهم فحكى السهيلي أنهم العشرة المبشرة، وبلال وابن مسعود. وفي رواية عمار بدل ابن مسعود. وفي رواية عند "مسلم" أن جابرًا قال: أنا فيهم. وله في رواية فيهم أبو بكر وعمر. وفي "تفسير إسماعيل" بن أبي زياد الشامي أن سالمًا مولى أبي حذيفة منهم، وعند العقيلي أن منهم الخلفاء الأربعة وابن مسعود وأناسًا من الأنصار. هذا حاصل ما قيل في تسميتهم وجميع المسمين قد مرّ تعريفهم إلا ثلاثة من العشرة وهم أبو عبيدة وعبد الرحمن وسعيد، فالسبعة المارة من العشرة: مرّ أبو بكر بعد الحادي والسبعين من "الوضوء" في باب (من لم يتوضأ من لحم الشاة)، ومرّ عمر في الأول من "بدء الوحي"، ومرّ عثمان في تعليق بعد الخامس من "العلم"، وعلي في السابع والأربعين منه، والزبير في الثامن والأربعين منه، وطلحة في التاسع والثلاثين من "الإيمان"، وسعد في العشرين منه، وعمار في تعليق بعد العشرين منه، وابن مسعود في أوله قبل ذكر حديث منه، وجابر مرَّ هنا، وبلال في التاسع والثلاثين من "العلم"، وسالم مولى أبي حذيفة في الخامس والأربعين من "الجماعة والإمامة". هذا ما مرّ وها أنا أذكر تعريف الثلاثة الباقية من العشرة المبشرة الأُول: أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب، ويقال وهيب بن ضبة بن الحارث بن

стр. 4664

فهو القرشي الفهري أبو عبيدة بن الجراح مشهور بكنيته والنسبة إلى جده، ومنهم من لم يذكر بين عامر والجراح عبد الله، والأكثر على إثباته. وأمه أميمة بنت غنم بن جابر بن عبد العزى بن عامر بن عميرة، أحد العشرة السابقين إلى الإِسلام. هاجر الهجرتين، وشهد بدرًا وما بعدها، كان إسلامه هو وعثمان بن مظعون وعبيدة بن الجون بن المطلب وعبد الرحمن بن عوف وأبو سلمة بن عبد الأسد في ساعة واحدة قبل دخول النبي ﷺ (دار الأرقم). وقال الزبير كان أبو عبيدة هو الذي انتزع الحلقتين اللتين دخلتا في وجه النبي ﷺ من المغفر يوم (أُحد) فانتزعت ثنيتاه فحسنتا فاه. فيقال إنه ما رؤي أهتم قط أحسن من هتم أبي عبيدة. وكان أبو عبيدة يدعى في الصحابة القوي الأمين لقول رسول الله ﷺ لأهل نجران "لأُرسلنَّ معهم القوي الأمين"، ولقوله ﵊ كما في "الصحيحين": "لكلِّ أمَّة أمين وأمين أُمتي هذه أبو عبيدة". وأخرج أحمد عن أنس "أن أهل اليمن لما وفدوا على رسول الله ﷺ قالوا: أبعث معنا رجلًا يعلمنا السُّنَّةَ والِإسلام فأخذَ بيدِ أبي عبيدةَ بن الجراحِ وقال: هذا أمينُ هذهِ الأمَّةِ". وقال فيه أبو بكر الصديق يوم السقيفة: قد رضيت لكم أحد الرجلين فبايعوا أيهما شئتم عمر وأبا عبيدة. وأخرج ابن أبي شيبة أن رسولَ اللهِ ﷺ قال ما مِنْ أصحابي أحدٌ إلا لو شئتُ وجدتُ عليه إلا أبا عبيدة". وفي رواية "إلا لو شئتُ لأخذتُ عليه في خلقهِ ليسَ أبا عبيدة". وقد قتل أباه يوم بدر ونزل فيه ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية. فقد خرج الطبراني بسند جيد قال: جعل والد أبي عبيدة يتصدى لأبي عبيدة يوم بدر فيحيد عنه، فلما أكثر قَصَده فقتله فنزلت. وذكر عنه جابر في "الصحيح" قوله للجيش الذين أكلوا من العنبر: "نحن رسل رسول الله وفي سبيل الله فكلوا آخى رسولُ اللهِ ﷺ بينه وبينَ سعدِ بنِ معاذٍ، وهو الذي قال لعمرَ أتفرُّ من قدرِ اللهِ؟ فقال عمر: لو غيرُكَ قالها يا أبا عبيدة، نعم نفرُّ من قضاء إلى قدر الله تعالى". وذلك دال على جلالة أبي عبيدة عند عمر. وقال أبو يعلى عن عبد الله بن شقيق: "سألت عائشةَ مَنْ كان أحبَّ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ؟ قالت: أبو بكرٍ ثم عمرُ ثم أبو عبيدة بن الجراح". وأخرجه أحمد بلفظ: "من كان أحبَّ إليه؟ قالت: أبو بكر، قلت: ثم مَنْ؟ قالت: عمر.

стр. 4665

قلت: ثم مَنْ؟ قالت: أبو عبيدة". وأخرج الطبراني عن عبد الله بن عمرو "قال: ثلاثةٌ من قريشٍ أصبحُ الناسِ وجوهًا وأحسنُهم خلقًا وأشدُّهم حياءً: أبو بكرٍ وعثمانُ وأبو عبيدةَ". وسنده ابن ربيعة. وفي "مغازي موسى بن عقبة": "أمّر النبيُّ ﷺ عمرو بنَ العاصِ في غزوة ذاتِ السلاسلِ وهي مِنْ مشارفِ الشام في بَليّ ونحوهم من قضاعة، فخشيَ عمرو فبعثَ يستمدُّ فندبَ النبي ﷺ الناسَ من المهاجريَنَ الأولينَ فانتدبَ أبو بكرٍ وعمرُ في آخرين، فأَمَّرَ عليهم أبا عبيدة بن الجراح مددًا لعمرو بن العاص، فلما قدموا عليه قال: أنا أميرُكم، فقال المهاجرون: بل أنت أميرُ أصحابكَ، وأبو عبيدة أمير المهاجرينَ. فقال عمرو إنما أنتم مددي فلما رأى ذلك أبو عبيدة وكان حسن الخلق متبعًا لأمر رسول الله ﷺ وعهده قال: تعلم يا عمرو أن رسولَ اللهِ ﷺ قال لي: إذا قدمت إلى صاحبكَ فتطَاوعا وإنّك إنْ عصيتني أطعتُك". وفي فوائد ابن أخي سُمَيٍّ بسند صحيح أن المغيرة قال لأبي عبيدة "إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أمَّرَكَ علينا وأن ابنَ النابغةِ يعني عمرو بنَ العاص ليس لك معه أمرٌ، فقال أبو عبيدة: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أمَرنا أن نطّاوعَ فأنا أطيعه لقوله ﵊". وأخرج ابن سعيد بسند حسن أن معاذ بن جبل بلغه أن بعض أهل الشام استعجز أبا عبيدة أيام حصار الشام، ورجح خالد بن الوليد فغضب معاذ وقال أفبأبي عبيدة يظن، والله إنه لمن خيرة من يمشي على الأرض". ولابن المبارك في كتاب "الزهد" قدم عمر الشام فتلقاه أمراء الأجناد، فقال اين أخي أبو عبيدة؟ فقالوا الآن يأتي فجاء على ناقة مخطومة بحبل فسلم عليه وساءله حتى أتى منزله، فلم ير فيه شيئًا إلا سيفه وترسه ورحله فقال له عمر: لو اتخذت متاعًا فقال: يا أمير المؤمنين، إن هذا يبلغنا المقيل. وأخرج يعقوب بن سفيان أن أبا عبيدة كان يسير في الركب فيقول: ألا ربّ مبيض لثيابه، وهو مدنس لدينه ألا ربّ مكرم لنفسه، وهو مهين لها غدًا ادفعوا السيئات القديمات بالحسنات الحادثات. وأخرج ابن أبي الدنيا بسند جيد، قال كان أبو عبيدة أميرًا على الشام فخطب فقال: والله ما منكم أحد يفضلني بتقى إلاَّ وَدِدت أني في مِسْلاخه. وأخرج الحاكم قال: لما طُعن أبو عبيدة قال: يا معاذ صلّ بالناس، فصلى، ثم مات أبو عبيدة، فخطب معاذ فقال في خطبته: وإنكم فُجعتم برجل ما أزعم، والله إنني رأيت من عباد الله قط أقل حقدًا، ولا أبر صدرًا، ولا أبعد غائلة، ولا أشد حياء للعاقبة، ولا أنصح للعامة منه فترحموا عليه. وأخرج ابن أبي شيبة قال: لما بعث عمر أبا عبيدة على الشام وعزل خالد بن الوليد قال خالد:

стр. 4666

بعث عليكم أمين هذه الأمة، فقال أبو عبيدة: سمعت رسول الله ﷺ يقولُ: خالدٌ سيفٌ مِنْ سيوفِ اللهِ ونعمَ فتى العشيرةِ". وذكر خليفة عن ابن سيرين قال: لما ولي عمر عزل خالدًا وولى أبا عبيدة حين فتح الشام يزيد بن أبي سفيان على فلسطين، وشرحبيل بن حسنة على الأردن، وخالد بن الوليد على دمشق، وحبيب بن مسلمة على حمص، ثم عزله وولى عبد الله بن قرط، ثم وقع طاعون عَمَوَاس فمات أبو عبيدة، واستخلف معاذًا فمات معاذ، واستخلف يزيد بن أبي سفيان فمات يزيد، واستخلف أخاه معاوية فأقره عمر وكان موت أبي عبيدة ومعاذ ويزيد في طاعون عمواس بأرض الأردن وفلسطين سنة ثمان عشرة، مات فيه نحو خمسة وعشرين ألفًا، ويقال: إن عمواس قرية بين الرملة والمقدس، وقيل إن ذلك كان لقولهم عم واس ذكره الأصمعي. وكان عمر أبي عبيدة يوم مات ثمانيًا وخمسين سنة. وقيل عاش إحدى وأربعين سنة. وكان أوصى أن يدفن حيث قضى وذلك بفِحْل من أرض الأردن، وقيل: إن قبره ببيسان. وأخرج ابن سعد في وصفه قال: كان رجلًا نحيفًا معروق الوجه خفيف اللحية طوالًا أجنا أثرم، وقيل إنه كان يخضب بالحناء والكتم، له أربعة عشر حديثًا انفرد له مسلم بحديث. الثاني: عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري يكنى أبا محمد كان اسمه عبد عمرو، وقيل عبد الكعبة فغيره ﷺ وسمّاه عبد الرحمن. أمه الشفا، وقيل صفية بنت عوف بن عبد الحارث بن زهرة. ولد بعد الفيل بعشر سنين، وأسلم قبل دخول النبي ﷺ (دار الأرقم). هاجر الهجرتين، وشهد بدرًا وسائر المشاهد. أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، واحد الستة أصحاب الشورى الذين أخبر عمر أن رسول الله ﷺ مات وهو عنهم راض، وأسند رفقته أمرهم إليه حتى بايع عثمان، ثبت ذلك في "الصحيح". وروى ابن عمر بسند ابن عبد البر أن عبد الرحمن بن عوف قال لأصحاب الشورى: هل لكم أن اختار لكم وأنتهي منها، فقال علي: أنا ممن رضي فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول أنت أمين في أهل السماء أمين في أهل الأرض. وروى عنه ﵊ أنه قال: "عبدُ الرحمنِ سيدٌ من ساداتِ المسلمينَ". وأخرج علي بن حرب في فوائده أن رسول الله ﷺ قال: "إن الذي يحافظُ على أزواجي من بعدي هو الصادق البارُ فكانَ عبد الرحمن يخرج بهنَّ ويحجُّ معهنَّ ويجعلُ على هوادجهنَّ الطيالسةَ، وينزلُ بهنَّ في الشعبِ الذي ليس لهَ منفذٌ". وأخرج الترمذي وابن السراج في "تاريخه" عن نوفل بن إياس قال: كان عبد الرحمن لنا جليسًا

стр. 4667

ونعم الجليس، فانقلب بنا ذات يوم إلى منزله فدخل فاغتسل ثم خرج، فإذا بقصعة فيها خبز ولحم ثم بكى، فقلنا ما يبكيك يا أبا محمد؟ قال مات رسول الله ﷺ ولم يشبع هو وأهله من خبز الشعير ولا أرانا أخذنا لما هو خير لنا. وأخرج ابن المبارك عن الزهري قال: تصدق عبد الرحمن بن عوف على عهد رسول الله ﷺ بشطر ماله، ثم تصدق بعد بأربعين ألف دينار، ثم حمل على خمسمائة فرس وخمسمائة راحلة وكان أكثر ماله من التجارة وكان تاجرًا مجدودًا. وأخرج أبو نعيم في "الحلية" أن عبد الرحمن بن عوف أعتق ثلاثين ألف نسمة، ومن وجه آخر عن حفص بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، قال: كان عبد الرحمن حرم الخمر في الجاهلية. وذكر البخاري في "تاريخه" أن عبد الرحمن أوصى لكل من شهد بدرًا بأربعمائة دينار فكانوا مائة رجل. آخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع كما في "الصحيح" من حديث أنس. وبعثه ﵊ إلى دومة الجندل إلى كلب وعممه بيده وأسدلها بين كتفيه وقال: سر "بسم الله" وأوصاه بوصايا لأمراء سراياه، ثم قال له: إن فتح الله عليك فتزوج بنت ملكهم الأصْبَغ بن ثعلبة الكلبي، ففتح عليه فتزوجها وهي تُمَاضِر أم ابنه أبي سلمة. وأخرج أحمد في "مسنده" عن أنس قال كان بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن كلام فقال خالد: تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها فقال النبي ﷺ : دعوا لي أصحابي الحديث. وروى الزهري أن عبد الرحمن أغمي عليه فصاحت امرأته، فلما أفاق قال أتاني رجلان فقالا انطلق نحاججك إلى العزيز الأمير فلقيهما رجل فقال لا تنطلقا به، فإنه ممن سبقت له السعادة في بطن أمه. وأخرج ابن المبارك في "الزهد" قال: كان عبد الرحمن يصلي قبل الظهر صلاة طويلة، فإذا سمع الأذان شد عليه ثيابه وخرج، وهو الذي رجع عمر بحديثه عن سَرْغ ولم يدخل الشام من أجل الطاعون. وحديثه في "الصحيحين" بتمامه: ورجع عمر إليه في أخذ الجزية من المجوس رواه البخاري. "وصلى رسولُ اللهِ خلفهُ في سفرةٍ سافرها ركعةً "من صلاةِ الصبحِ" أخرجه البخاري عن المغيرة بن شعبة. وذكر خليفة بسند قوي عن ابن عمر قال: استخلف عمر عبد الرحمن بن عوف على الحج سنة ولي الخلافة، ثم حج عمر بقية عمره. جُرح يوم (أُحد) إحدى وعشرين جراحة. وروى ابن عبد البر بسنده عن شقيق عن أم سلمة

стр. 4668

قالت: دخل عليها عبد الرحمن بن عوف فقال: يا أمه، قد خشيت أن يهلكني كثرة مالي أنا أكثر قريش كلهم مالًا، قالت يا بني: تصدق، فإني سمعت رسولَ اللهِ ﷺ يقول إن مِنْ أصحابي من لا يلقاني بعد أن أفارقَهُ. فلقي عمر فأخبره بما قالت أم سلمة، فجاء عمر فدخل عليها فقال: بالله منهم أنا؟ قالت: لا ولن أبرىء أحدًا بعدك. ولما حضرته الوفاة بكى بكاء شديدًا فسئل عن بكائه فقال: إن مصعب بن عمير كان خيرًا مني توفي على عهد رسول الله ﷺ فلم يكن له ما يكفن به، وأن حمزة بن عبد المطلب كان خيرًا مني لم نجد له كفنًا، وإني أخشى أن أكون ممن عجلت له طيباته في حياته الدنيا، وأخاف أن أحبس عن أصحابي بكثرة المال". وكان عبد الرحمن أبيض أعين أهدب أقنى طويل النابين الأعليين، له جمة، ضخم الكفين غليظ الأصابع رقيق البشرة، حسن الوجه لا يغير لحيته ولا رأسه، جرح في رجله يوم (أُحد) فكان أعرج. روى قبيصة عن جابر قال: دخلت على عمر وعلى يمينه رجل كأنه قُلْب فضة وهو عبد الرحمن بن عوف. له نحو عشرين ولدًا بين ذكر وأنثى. مات سنة اثنتين وثلاثين وقيل سنة ثلاث، وعاش اثنين وسبعين سنة أو خمسًا أو ثمانيًا، ودفن بالبقيع، وصلّى عليه عثمان، وقيل الزبير بن العوام خلف ألف بعير وثلاثة آلاف شاة ومائة فرس ترعى بالبقيع وكان يزرع بالجرف على عشرين ناضحًا، فكان يدخر من ذلك قوت أهله سنة صولحت امرأته التي طلقها في مرضه عن ثلث الثمن أو ربعه بثلاثة وثمانين ألفًا. وأوصى لنساء النبي ﷺ بحديقة قومت بأربعمائة ألف. له خمسة وستون حديثًا اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بخمسة. الثالث: سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى العدوي أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأمه فاطمة بنت بعجة بن مليح الحزاعية، كان من السابقين إلى الإِسلام، أسلم قبل دخول النبي ﷺ (دار الأرقم) وهاجر، وشهد (أُحدًا) وما بعدها من المشاهد، ولم يشهد بدرًا؛ لأنه كان غائبًا بالشام. وضرب له رسول الله ﷺ بسهمه وأجره في أهل بدر. وقال الواقدي "كان رسول الله ﷺ قد بعث قبل أن يخرج من المدينة إلى بدر طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد إلى طريق الشام يتجسسان الأخبار، ثم رجعا إلى المدينة فقدماها يوم وقعة بدر، فضرب لهما رسول الله ﷺ بسهميهما وأجرهما". وقيل إنه شهد بدرًا. كان إسلامه قديمًا قبل عمر، وكان إسلام عمر عنده في بيته؛ لأنه زوج فاطمة. قال سعيد بن حبيب كان مقام أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة وسعد وسعيد والزبير وعبد الرحمن بن عوف مع النبي ﷺ واحدًا كان أمامه في القتال وخلفه في الصلاة أخرجه البخاري ومسلم. وقصته مع أروى بنت أنيس إجابة دعائه مشهورة، وذلك أنها قالت: إنه ظلمها وبنى ضفيرة

стр. 4669

في حقها من الأرض وشكته إلى مروان، فقال سعيد: تروني ظلمتها وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من ظلمَ من الأرض شبرًا طوقهُ اللهُ تعالى من سبعِ أرضين يومَ القيامةِ" ثم أعطاها ما ادعت ولم يرض باليمين. وقال اللهم إنها زعمت أني قد ظلمتها فإن كانت كاذبة فأعْمِ بصرها وألقها في بئرها وأظهر من حقي نورًا بين المسلمين أني لم أظلمها فبينما هم على ذلك إذ سال العقيق سيلًا لم يسل مثله قط فكشف عن الحد الذي كانا يختلفان فيه، فإذا سعيد بن زيد في ذلك قد كان صادقًا ثم لم تلبث إلا يسيرًا حتى عميت، فبينما هي تطوف في أرضها تلك سقطت في بئرها. قال أبو بكر بن حزم فكنا ونحن غلمان نسمع الإنسان يقول للآخر إذا تخاصما أعماك الله عمى أروى، فكنا نظن أنه يريد الوحشية وهو كان يريد ما أصاب أروى بدعوة سعيد بن زيد. وروى البخاري عنه أنه قال لقد رأيتني وإن عمر لموثقي على الإِسلام. شهد سعيد اليرموك وفتح دمشق، وأقطعه عثمان أرضًا بالكوفة فنزلها وسكنها من بعده ابنه الأسود بن سعيد، وكان له أربعة بنين. وأخبار أبيه زيد في تطلب دين إبراهيم ﵊ وعدم أكله لما ذبح للأصنام معلوم. له ثمانية وثلاثون حديثًا اتفقا على حديثين وانفرد البخاري بواحد. روى عنه عمرو بن حريث وعروة وأبو عثمان النهداني وغيرهم. مات سنة إحدى وخمسين بالعقيق، وحمل إلى المدينة وعاش بضعًا وسبعين سنة. وكان طوالاً آدم أشعر، وزعم الهيثم بن عدي أنه مات بالكوفة، صلى عليه المغيرة بن شعبة، وعاش ثلاثًا وسبعين سنة. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع العنعنة والقول، ورواته ما بين بغدادي وكوفي وواسطي. أخرجه البخاري في "البيوع" وفي "التفسير". ومسلم في "الصلاة"، والترمذي في "التفسير" والنسائي فيه وفي "الصلاة". ثم قال المصنف:

стр. 4670

باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها قدم البعد على القبل خلافًا لعادته لورود الحديث في البعد صريحًا دون القبل. الحديث الستون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ، وَبَعْدَ الْعِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ وَكَانَ لاَ يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ. في الحديث أنه لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين، ولم يذكر شيئًا في الصلاة قبلها. قال ابن المنير: كأنه يقول الأصل استواء الظهر والجمعة؛ لأن الجمعة بدل الظهر وكانت عنايته بحكم الصلاة بعدها أكثر لورود الخبر في البعد صريحًا دون القبل. وقال ابن بطال: إنما أعاد ابن عمر ذكر الجمعة بعد الظهر من أجل أنه ﵊ كان يصلي سُنة الجمعة في بيته بخلاف الظهر، والحكمة فيه أن الجمعة لما كانت بدل الظهر واقتصر فيها على ركعتين ترك التنفل بعدها في المسجد خشية أن يظن أنها التي حذفت. وعلى هذا، فينبغي أن لا يتنفل قبلها ركعتين متصلتين بها في المسجد لهذا المعنى. وقال ابن بطال: لم يقع ذكر الصلاة قبل الجمعة في هذا الحديث، فلعل البخاري أراد إثباتها قياسًا على الظهر، وقواه الزين بن المنر بأنه قصد التسوية بين الجمعة والظهر في حكم التنفل كما قصد التسوية بين الإِمام والمأموم في الحكم، وذلك يقتضي أن النافلة لهما سواء، والذي يظهر أن البخاري أشار إلى ما وقع في بعض طرق حديث الباب وهو ما رواه أبو داود وابن حبان عن نافع قال: كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة، ويصلي بعدها ركعتين في بيته ويحدّث أن رسول الله ﷺ ، كان يفعل ذلك احتج به النووي في الخلاصة على إثبات سنة الجمعة التي قبلها، وتعقب بأن قوله "وكان يفعل ذلك" عائد على قوله "ويصلي" بعد الجمعة ركعتين في بيته، ويدل عليه رواية الليث عن نافع عن عبد الله أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فسجد سجدتين في بيته ثم قال: "كان رسول الله ﷺ يصنع ذلك" أخرجه مسلم. وأما قوله "كان يطيل الصلاة قبل الجمعة" فإن كان بعد دخول الوقت فلا يصح أن يكون مرفوعًا؛ لأنه ﷺ كان يخرج إذا زالت الشمس فيشتغل بالخطبة ثم بصلاة الجمعة، وإن كان قبل دخول الوقت فذلك مطلق نافلة لا صلاة راتبة، فلا حجة فيه لسنة الجمعة التي قبلها بل هو تنفل مطلق. وقد ورد الترغيب فيه كما مرّ في حديث سلمان وغيره حيث قال فيه، ثم صلى ما كتب له

стр. 4671

وورد في سنة الجمعة التي قبلها أحاديث أخر ضعيفة منها ما رواه البزار عن أبي هريرة بلفظ: "كان يصلى قبل الجمعة ركعتين وبعدها أربعًا، وفي إسناده ضعف. وعن علي مثله، رواه الأثرم والطبراني في الأوسط بلفظ: "كان يصلي قبل الجمعة أربعًا وبعدها أربعًا" وفيه محمد بن عبد الرحمن السهمي وهو ضعيف. وقال الأثرم: إنه حديث واهٍ. ومنها عن ابن عباس مثله وزاد: "لا يفصل في شيء منهن" أخرجه ابن ماجه بسند واهٍ. وقال النووي في الخلاصة: إنه حديث باطل، وعند الطبراني عن ابن مسعود مثله وفي إسناده ضعف وانقطاع، ورواه عبد الرزاق عن ابن مسعود موقوفًا وهو الصواب. وروى ابن سعد عن صفية زوج النبي ﷺ نحو حديث أبي هريرة موقوفًا، وقد مرَّ في أثناء الكلام على حديث جابر في قصة سليك قبل سبعة أبواب قول مَنْ قال: إن المراد بالركعتين اللتين أمره النبي ﷺ بهما سنة الجمعة والجواب عن ذلك. وقد تقدم نقل المذاهب في كراهة التطوع نصف النهار، ومن استثنى يوم الجمعة دون بقية الأيام في باب (من لم يكره الصلاة إلا بعد العصر والفجر في آخر المواقيت). وأقوى ما يتمسك به في مشروعية ركعتين قبل الجمعة عموم ما صححه ابن حبان من حديث عبد الله ابن الزبير مرفوعًا: "ما من صلاة مفروضة إلا وبين يديها ركعتان". ومثله حديث عبد الله بن مغفل الماضي في وقت المغرب بين كل أذانين صلاة، ومذهب المالكية جواز التنفل قبلها لغير الإِمام وكراهته للإمام إذا جاء وقد حان وقت الخطبة وليرقَ المنبر إلا إن بكر قبل ذلك فلا بأس أن يركع ويجلس مع الناس. قال ابن عبد السلام ويمتد وقت الكراهة بعد الجمعة في الجامع حتى ينصرف أكثر المصلين لا كلهم أو يجيء وقت انصرافهم، وإن لم ينصرفوا أو يحتمل أنه يكره لكل مُصلٍ أن يتنفل بعد الجمعة في الجامع حتى ينصرف، وهذا هو المنصوص، وهو للإمام أشد كراهة. وقال الشافعي ما أكثر المصلي بعد الجمعة من التطوع فهو أحب إلى لكن ينبغي أن يفصل بين الصلاة التي بعد الجمعة وبينها ولو بنحو كلام أو تحول؛ لأن معاوية أنكر على من صلى سنة الجمعة في مقامها، وقال له: إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تخرج أو تتكلم فإن "رسول الله ﷺ أمرنا بذلك أن لا نوصل صلاة حتى نخرج أو نتكلم" رواه مسلم. وقال أبو حنيفة: يصلي بعدها أربعًا لا يفصل بينهن بسلام واستدل بحديث أبي هريرة عند الترمذي قال: "قال رسول الله ﷺ : من كان منكم مصليًا بعد الجمعة فليصل أربعًا". وعند أبي يوسف يصلي أربعًا ثم اثنتين، واستدل بما رواه حرشة بن الحر أن عمر رضي الله تعالى عنه كره أن يصلي بعد صلاة مثلها وعند الحنابلة لا راتبة قبلها نصًا وأقل الراتبة بعدها ركعتان وأكثرها ستة.

стр. 4672

وأما سنة المغرب فقد روى الترمذي عن ابن مسعود أنه قال: ما أحصي ما سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في الركعتين بعد المغرب، وفي الركعتين قبل صلاة الفجر بـ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وأخرج الترمذي عن ابن عمر قال: "حفظت من النبي ﷺ عشر ركعات الحديث، وفيه ركعتين بعد المغرب في بيته" واتفق عليه الشيخان عن ابن عمر وروى أبو الشيخ بن حبان عن عائشة مرفوعًا "ما من صلاة أحب إلى الله من المغرب" الحديث، وفيه فمن صلاها ثم صلى بعدها ركعتين قبل أن يتكلم جليسه رفعت صلاته في أعلى عليين. وروى ابن أبي شيبة عن ابن عمر من صلى بعد المغرب أربعًا كان كالمعقب غزوة بعد غزوة وبالغ بعض التابعين، فروى ابن أبي شيبة عن سعيد ابن جبير قال: لو تركت الركعتين بعد المغرب لخشيت أن لا يغفر لي. وقد شذ الحسن البصري فقال بوجوبهما، وأما سنة العشاء وهما الركعتان بعدها فمن السنن المؤكدة، وقد صح أنه " ﷺ كان لا يدعهما". وعن أنس قال: "قال رسول الله ﷺ : من صلّى ركعتين بعد العشاء الآخرة يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب، وعشرين مرة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ بني الله له قصرًا في الجنة" رواه أبو الشيخ بن حبان. ويأتي إن شاء الله تعالى الكلام على سنة الظهر في أبواب التطوع. رجاله أربعة: قد مرّوا: مرّ عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من "بدء الوحي". ومرّ نافع في الأخير من "العلم"، ومرّ ابن عمر في أول "الإيمان" قبل ذكر حديث منه. أخرجه الخمسة الباقون ثم قال المصنف:

стр. 4673

باب قول الله ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ قيل أراد بهذه الآية الكريمة الإِشارة إلى أن الأمر في قوله "فانتشروا" "وابتغوا" للإباحة لا للوجوب؛ لأنهم منعوا عن الانتشار في الأرض للتكسب وقت النداء يوم الجمعة لأجل إقامة صلاة الجمعة، فلما صلّوا وفرغوا أُمروا بالانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله، وهو رزقه والصارف للأمر هنا عن الوجوب وروده بعد الحظر كقوله تعالى ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾. والإجماع الدال على أنه للإباحة، وجنح الداودي إلى أنه على الوجوب في حق من يقدر على الكسب، وهو قول شاذ نقل عن بعض الظاهرية وقيل وهو في حق من لا شيء عنده ذلك اليوم، فأمر بالطلب بأي صورة اتفقت ليفرح عياله ذلك اليوم؛ لأنه يوم عيد والذي يترجح أن في قوله انتشروا، وابتغوا إشارة إلى استدراك ما فاتكم مما انفضضتم إليه فتنحل إلى أنها قضية شرطية أي من وقع له في حال خطبة الجمعة وصلاتها زمان يحصل فيه ما يحتاج إليه من أمر دنياه ومعاشه، فلا يقطع العبادة لأجله، بل يفرغ منها ويذهب حينئذ لتحصل حاجته. وروي عن أنس مرفوعًا ليس لطلب دنياكم، ولكن عيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله، وقيل صلاة تطوع. وقال الحسن وسعيد بن جبير ومكحول "وابتغوا من فضل الله" هو طب العلم. الحديث الحادي والستون حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ قَالَ: "كَانَتْ فِينَا امْرَأَةٌ تَجْعَلُ عَلَى أَرْبِعَاءَ فِي مَزْرَعَةٍ لَهَا سِلْقًا، فَكَانَتْ إِذَا كَانَ يَوْمُ جُمُعَةٍ تَنْزِعُ أُصُولَ السِّلْقِ فَتَجْعَلُهُ فِي قِدْرٍ، ثُمَّ تَجْعَلُ عَلَيْهِ قَبْضَةً مِنْ شَعِيرٍ تَطْحَنُهَا، فَتَكُونُ أُصُولُ السِّلْقِ عَرْقَهُ، وَكُنَّا نَنْصَرِفُ مِنْ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ فَنُسَلِّمُ عَلَيْهَا، فَتُقَرِّبُ ذَلِكَ الطَّعَامَ إِلَيْنَا فَنَلْعَقُهُ، وَكُنَّا نَتَمَنَّى يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِطَعَامِهَا ذَلِكَ". وجه مطابقته للترجمة من حيث إن في الآية الانتشار بعد الفراغ من الصلاة وهو الانصراف منها. وفي الحديث أيضًا كانوا ينصرفون بعد فراغهم من صلاة الجمعة، وفي الآية الابتغاء من فضل الله الذي هو الرزق، وفي الحديث أيضًا كانوا بعد انصرافهم منها يبتغون ما كانت تلك المرأة

стр. 4674

تهيئه من أصول السِّلْق وهو رزق ساقه الله إليهم. وقوله "أبو حازم" المراد به سلمة بن دينار ووهم من زعم أنه سلمان مولى عزة صاحب أبي هريرة. وقوله "تجعل" بالجيم وفي رواية الكشميهني "تحقل" بمهملة بعدها قاف أي تزرع. وقوله "على أربعاء" جمع ربيع كأنصباء ونصيب، والربيع الجدول وقيل الصغير، وقيل الساقية، وقيل الصغيرة، وقيل حافات الأحواض والمزرعة بفتح الراء. وحكى ابن مالك جواز تثليثها. والسِّلْق بكسر المهملة معروف منصوب بتجعل أو تحقل. وحكى الكرماني أنه سلق بالرفع وتكلف في توجيهه. وقوله "تطحنها" في رواية المستملي "تطبخها" بتقديم الموحدة بعدها معجمة، وكلاهما صحيح. وقوله "فتكون أصول السِّلق عرقه بفتح المهملة وسكون الراء بعدها قاف ثم هاء ضمير أي عرق الطعام، والعرق اللحم الذي على العظم والمراد أن السلق يقوم مقامه عندهم، وسيأتي في الأطعمة من وجه آخر في آخر الحديث والله ما فيه شحم ولا ودك وفي رواية الكشميهني غَرِقة بفتح المعجمة وكسر الراء وبعد القاف هاء التأنيث، والمراد أن السِّلق يغرق في المرقة لشدة نضجه. وقوله "فنلعقه" من لعق يلعق من باب علم يعلم وفي هذا الحديث جواز السلام على النسوة الأجانب واستحباب التقرب بالخير ولو بالشيء الحقير وبيان ما كان الصحابة عليه من القناعة، وشدة العيش والمبادرة بالطاعة رضي الله تعالى عنهم. رجاله أربعة: قد مرّوا: وفيه لفظ امرأة لم يعلم اسمها، مرّ سعيد بن أبي مريم في الرابع والأربعين من العلم، ومرّ أبو غسان في السادس عشر من الجماعة، ومرَّ أبو حازم وسهل بن سعد في الثامن والمائة من "الوضوء". لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول وفيه راويان مذكوران بالكنية. ورواته مدنيون ما عدا شيخ البخاري فإنه مصري.

стр. 4675

الحديث الثاني والستون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلٍ بِهَذَا، وَقَالَ: مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلاَ نَتَغَدَّى إِلاَّ بَعْدَ الْجُمُعَةِ. قوله بهذا أي: بالحديث الذي قبله وظاهره أن أبا غسان وعبد العزيز بن أبي حازم اشتركا في رواية هذا الحديث عن أبي حازم وزاد عبد العزيز الزيادة المذكورة وهي قوله "ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة" وقد رواها أبو غسان مفردة كما في الباب الذي بعده لكن ليس فيه ذكر الغداء. وقوله "نَقيل". بفتح النون من قال يقيل قيلولة فهو قائل والقيلولة الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن معها نوم، وكذلك المقيل. وقوله "ولا نتغدى" بالغين المعجمة والدال المهملة وهو الطعام الذي يؤكل أول النهار، واستدل بهذا الحديث لأحمد على جواز صلاة الجمعة قبل الزوال. وترجم عليه ابن أبي شيبة باب من كان يقول الجمعة أول النهار، وأورد فيه حديث سهل هذا وحديث أنس الذي بعده وعن ابن عمر مثله وعن عمر وعثمان وسعد وابن مسعود مثل قومهم وتعقب بأنه لا دلالة يه على أنهم كانوا يصلون الجمعة قبل الزوال، بل فيه أنهم كانوا يتشاغلون عن الغداء والقائلة بالتهيؤ للجمعة ثم بالصلاة ثم ينصرفون فيتذاكرون ذلك، بل ادعى الزين بن المنير أنه يؤخذ منه أن الجمعة تكون بعد الزوال؛ لأن العادة في القائلة أن تكون قبل الزوال فأخبر الصحابي أنهم كانوا يشتغلون بالتهيؤ للجمعة عن القائلة، ويؤخرون القائلة حتى تكون بعد صلاة الجمعة. رجاله أربعة: قد مروا: مرَّ عبد الله بن سلمة في الثاني عشر من "الإِيمان"، ومرّ عبد العزيز بن أبي حازم في الخامس والأربعين من أحاديث استقبال القبلة، ومرَّ ذكر محل أبيه وسهل في الذي قبله. ثم قال المصنف:

стр. 4676

باب القائلة بعد الجمعة الحديث الثالث والستون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُقْبَةَ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِىُّ عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: "سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ كُنَّا نُبَكِّرُ إِلَى الْجُمُعَةِ ثُمَّ نَقِيلُ". وهذا الحديث قد مرّ في باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس، ومرَّ الكلام عليه هناك. رجاله أربعة: قد مرَّ منهم حميد الطويل في الثاني والأربعين من "الإيمان" ومرّ أنس في السادس منه ومحمد هو ابن عقبة بن المغيرة، وقيل ابن كثير الشيباني أبو عبد الله ويقال أبو جعفر الكوفي أخو الوليد ذكره ابن حبان في "الثقات"، ووثقه ابن عدي وقال أبو حاتم ليس بالمشهور وما له في البخاري سوى حديثين: أحدهما في الجمعة متابعة، والآخر في الاعتصام مقرونًا وفي الزهرة روى عنه البخاري ثلاثة أحاديث. روى عن أبي إسحاق الفزاري وسوار بن مصعب وعبادة بن أبي روق وغيرهم. وروى عنه البخاري وأبو كريب وعثمان بن أبي شيبة وغيرهم. مات سنة خمس عشرة ومائتين. الثاني: إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري أبو إسحاق الكوفي المصيصي. قال ابن معين: ثقة، ثقة، وقال أبو حاتم: الثقة المأمون الإمام. وقال النسائي: ثقة مأمون أحد الأئمة. وقال العجلي: كان ثقة رجلًا صالحًا صاحب سنة، وهو الذي أدب أهل الثغر وعلمهم السنة، وكان يأمر وينهى وإذا دخل الثغر رجل مبتدع أخرجه وكان كثير الحديث، وكان له فقه. وقال ابن عيينة: كان إمامًا، وقال عطاء الخفاف: كنت عند الأوزاعي فأراد أن يكتب إلى أبي إسحاق فقال للكاتب ابدأ به فإنه والله خير مني. وقال أبو مسهر: قدم علينا أبو إسحاق فاجتمع الناس يستمعون منه فقال لي اخرج إلى الناس فقل لهم من كان يرى القدر، فلا يحضر مجلسنا ففعلت. وقال ابن سعد: كان ثقة صاحب سنة وغزو كثير. وقال إسحاق بن إبراهيم: أخذ الرشيد زنديقًا فأراد قتله. فقال: أين أنت من ألف حديث وضعتها؟ فقال له: أين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق

стр. 4677

وابن المبارك ينخلانها حرفًا حرفًا. وقال ابن مهدي: رجلان من أهل الشام إذا رأيت رجلًا يحبهما فاطمئن إليه الأوزاعي وأبو إسحاق كانا إمامين في السنة. وقال ابن عيينة في قصة: والله ما رأيت أحدًا أقدمه عليه وقال لأبي إسامة أيهما أفضل أبو إسحاق أم فضيل بن عياض؟ قال: كان الفضيل رجل نفسه وأبو إسحاق رجل عامة. وقال الخليلي أبو إسحاق إمام يقتدى به، وهو صاحب كتاب "السير" نظر فيه الشافعي وأملى كتابًا على ترتيبه ورضيه. وقال الحميدي قال لي الشافعي: لم يصنف أحد في "السير" مثله. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ولد (بواسط) وابتدأ بكتابة الحديث وهو ابن ثمانية وعشرين سنة. وكان من الفقهاء والعُبّاد. وذكر ابن النديم في "الفهرست" أنه أول من عمل في الإِسلام إصطرلابًا وله فيه تصنيف. روى عن حميد الطويل وأبي إسحاق السَّبيعي والأعمش ومالك وشعبة والثوري وغيرهم. وروى عنه الأوزاعي وهو من شيوخه ومعاوية بن عمرو الأزدي وابن المبارك وغيرهم. مات سنة خمس أو ست أو ثمان وثمانين ومائة، حدث عنه سفيان الثوري وعلي بن بكار المصيصي وبين وفاتيهما مائة سنة أو أكثر. والمصيصي في نسبه نسبة إلى (مصيص) بلد بالشام ولا تشدد، وقيل ثغور الروم منه هو هذا ومنه الإِمام أبو الفتح نصر الدين محمد بن عبد القوي المصيصي آخر من حدث عن الخطيب السمعاني. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، وشيخ البخاري من أفراده، ورواته ما بين مصيصي وكوفي وبصري.

стр. 4678

الحديث الرابع والستون حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ بن سعد قَالَ: "كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْجُمُعَةَ ثُمَّ تَكُونُ الْقَائِلَةُ". وهذا الحديث قد مرَّ في الباب الذي قبله، ومرّ الكلام عليه. رجاله أربعة: قد مرّوا: مرّ ذكر محلهم في الذي قبله بحديثين. خاتمة اشتمل كتاب "الجمعة" من الأحاديث المرفوعة على تسعة وسبعين الموصول منها أربعة وستون حديثًا، والمعلق والمتابعة خمسة عشر حديثًا، المكرر منها فيها وفيما مضى ستة وثلاثون حديثًا، والخالص ثلاثة وأربعون حديثًا كلها موصولة وافقه مسلم على تخريجها إلا حديث سلمان في الاغتسال والدهن والطيب، وحديث عمر وامرأته في النهي عن منع النساء المساجد، وحديث أنس في صلاة الجمعة حين تميل الشمس، وحديثه في القائلة بعدها، وحديث كان إذا اشتد البرد بكر بالصلاة، وحديث أبي عيسى من اغبرت قدماه، وحديث السائب بن يزيد في النداء يوم الجمعة، وحديث أنس في الجذع، وحيث عمرو بن تغلب إلى أكل أقوامًا، وحديث ابن عباس في الوصية بالإنصات، وحديث سهل بن سعد الأخير في قصة المرأة والقائلة بعد الجمعة. وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين أربعة عشر أثرًا. وانظر قوله "إن الموصول أربعة وستون". وأنا ما رأيت إلا ما ذكرت ستة وخمسين فأين جاء ما ذكره من الزيادة؟ ثم قال المصنف:

стр. 4679

أبواب صلاة الخوف وقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ إلى قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾. ثبت لفظ أبواب للمستملي وأبي الوقت، وفي رواية الأصيلي وكريمة باب بالإفراد وسقط للباقين، وثبت سياق الآيتين بلفظهما إلى قوله ﴿مُهِينًا﴾ في رواية كريمة، واقتصر في رواية الأصيلي على إلى أن تقصروا من الصلاة، وقال إلى "قولهَ ﴿عَذَابًا مُهِينًا﴾. وأما أبو ذر فساق الأولى بتمامها. ومن الثانية إلى قوله معك، ثم قال إلى قوله: ﴿عَذَابًا مُهِينًا﴾. قال الزين بن المنير: ذكر صلاة الخوف إثر صلاة الجمعة؛ لأنها من جملة الخمس، لكن خرج كل منهما عن قياس حكم باقي الصلوات، ولما كان خروج الجمعة أخف قدمه تلو الصلوات الخمس وعقبه بصلاة الخوف؛ لكثرة المخالفة ولاسيما عند شدة الخوف، وساق الآيتين في هذه الترجمة مشيرًا إلى أن خروج صلاة الخوف عن هيئة بقية الصلوات ثبت بالكتاب قولًا وبالسُّنة فعلًا، ولما كانت الآيتان قد اشتملتا على مشروعية القصر في صلاة الخوف وعلى كيفيتها، ساقهما معًا وآثر تخريج حديث ابن عمر لقوة شبه الكيفية التي ذكرها بالآية. ومعنى قوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ﴾ أي سافرتم. ومفهومه أن القصر مختص بالسفر، هو كذلك. وقوله: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ أي: بتنصيف ركعاتها ونفي الحرج فيه يدل على جوازه لا على وجوله، ويؤيده أنه ﵊ أتم في السفر، وإلى كونه جائزًا ذهب الشافعي، وأوجبه أبو حنيفة، واستدل الشافعي بما رواه مسلم والأربعة عن يعلي بن أمية قال: "قلت لعمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- قال الله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ فقد أمن الناس، قال: عجبت مما عجبت منه فسألتُ رسولَ اللهِ ﷺ فقال: صدقةٌ تصدَّقَ اللهُ بها عليكم فاقبلوا صدقتَهُ". فقد علق القصر بالقبول وسماه صدقة والمتصدق عليه غير في قبول الصدقة، فلا يلزمه القبول حتمًا واستدل الحنفية بقول عمر المروي في النسائي وابن ماجه وابن حبان صلاة السفر ركعتان تام غير قصر على لسان نبيكم وبقول عائشة -رضي الله تعالى عنها- المروي عند الشميخين: "أولُ ما فرض الصلاة فُرضتْ ركعتين فأُقرتْ في السفر وزيدتْ في الحضر". وبحديث ابن عباس عند مسلم قال: "فرضَ اللهُ الصلاةَ على لسانِ نبيِّكُم في الحضرِ أربعَ ركعاتٍ، وفي

стр. 4680

السفرِ ركعتينِ، وفي الخوفِ ركعة". وأجابوا عن حديث يعلى بأنه أمر بالقبول، والأمر للوجوب، وأجاب الآخرون عن الأحاديث المذكورة بأن الأول مؤول بأنه كالتام في الصحة والإجزاء، وعن الأخيرين بأنهما لا ينفيان جواز الزيادة. وقوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: بالقتال والتعرض لما يكره، وهو شرط باعتبار الغالب في ذلك الوقت وإنما لم يعتبر مفهومه الذي هو اختصاص القصر بالخوف، لحديث يعلي بن أمية السابق، فقد قال فيه: "فاقبلوا صدقته" فثبت القصر في الأمن ببيان السنة، وبأن الإجماع على جواز القصر في السفر من غير خوف. وقوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ﴾ أيها الرسول علمه طريق صلاة الخوف ليقتدي به الأئمة بعده ﵊ وقوله: ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ تمسك بمفهومه أبو يوسف في إحدى الروايتين عنه والحسن بن زياد اللؤلؤي من أصحابه وإبراهيم بن علية. وحكي عن المزني صاحب الشافعي فقالوا: ليس هذا لغيره؛ لأنها إنما شرعت بخلاف القياس لإِحراز فضيلة الصلاة معه ﷺ ، وهذا المعنى انعدم بعده واحتج عليهم بإجماع الصحابة على فعل ذلك بعد النبي ﷺ ، وبقوله ﵊: "صلُّوا كما رأيتموني أُصلّي" فعموم منطوقه مقدم على ذلك المفهوم. وادعى المزني نسخها لتركه ﵊ لها يوم الخندق. وأجيب بتأخر نزولها عنه، لأنها نزلت سنة ست والخندق كانت سنة أربع أو خمس على الصحيح فيهما. وقال ابن العربي وغيره شرط كونه ﵊ فيهم إنما ورد لبيان الحكم لا لوجوده، والتقدير (بيّن لهم بفعلك لكونه أوضح من القول) ثم إن الأصل أن كل عذر طرأ على العبادة فهو على التساوي كالقصر، والكيفية وردت لبيان الحذر من العدو وذلك لا يقتضي التخصيص بقوم دون قوم. وقال الزين بن المنير: الشرط إذا خرج مخرج التعليم لا يكون له مفهوم كالخوف في قوله تعالى ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾. وقال الطحاوي: كان أبو يوسف قد قال مرة: لا تصلى صلاة الخوف بعد النبي ﷺ ، وزعم أن الناس إنما صلوها لفضل الصلاة معه ﵊. قال: وهذا القول ليس بشيء عندنا، وكان محمد بن شجاع يعيبه ويقول: إن الصلاة خلف النبي ﷺ وإن كانت أفضل من الصلاة مع الناس جميعًا إلا أنه يقطعها ما يقطع الصلاة خلف غيره. وقوله: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ أي فاجعلهم طائفتين، فلتقم إحداهما معك يصلون وتقوم الطائفة الأخرى في وجه العدو.

стр. 4681

وقوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ أي: المصلون حزمًا، وقيل الضمير للطائفة الأخرى، وذكر الطائفة الأولى يدل عليهم ﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾ يعني المصلين. وقوله: ﴿فَلْيَكُونُوا﴾ أي: غير المصلين. وقوله: ﴿مِنْ وَرَائِكُمْ يحْرُسُونَكُمْ﴾ يعني النبي ﷺ ومن يصلي معه، فغلب المخاطب على الغائب. وقوله ﴿طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا﴾ لاشتغالهم بالحراسة. وقوله ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ ظاهره أن الإِمام يصلي مرتين بكل طائفة مرة، كما فعله ﵊ ببطن نخل. وقوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ جعل الحذر وهو التحرز والتيقظ آلة يستعملها المغازي، فجمع بينه وبين الأسلحة في الأخذ. وقوله: ﴿أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ رخصة لهم في وضعها إذا ثقل عليهم أخذها بسبب مطر أو مرض، وهذا يؤيد أن الأمر للوجوب دون الاستحباب. وقوله: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ أمرهم مع ذلك بأخذ الحذر كي لا يهجم عليهم العدو. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ وعد للمؤمنين بالنصر وإشارة إلى أن الأمر بالحزم ليس لضعفهم وغلبة عدوهم، بل لأن الواجب في الأمور التيقظ.

стр. 4682

الحديث الأول حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَأَلْتُهُ هَلْ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ يَعْنِى صَلاَةَ الْخَوْفِ؟ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ نَجْدٍ، فَوَازَيْنَا الْعَدُوَّ فَصَافَفْنَاهُمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي لَنَا، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ تُصَلِّي، وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْعَدُوِّ فَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَنْ مَعَهُ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِى لَمْ تُصَلِّ فَجَاءُوا فَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهِمْ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. قوله: "قال سألته" أي: قال شعيب: سألته أي: الزهري بإثبات "قال" كما في بعض النسخ فأثبت قال ظنًا أنها حذفت خطأ على العبادة وهو محتمل، ويكون حذف فاعل قال لا أن الزهري هو الذي قال والمتجه حذفها، وتكون الجملة حالية أي: أخبرني الزهري حال سؤالي إياه. وأخرجه السراج عن أبي اليمان شيخ البخاري فيه ولفظه "سألته هل صلى النبي ﷺ صلاة الخوف أم لا؟ وكيف صلاّها إن كان صلاها؟ وفي أي مغازيه كان ذلك؟ " فأفاد بيان المسؤول عنه وهو صلاة الخوف. وقوله: "قِبَل نجد" بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهة (نجد) و (نجد) كل ما ارتفع من بلاد العرب من (تهامة) إلى (العراق) وكانت الغزوة ذات الرقاع، وأول ما صليت صلاة الخوف فيها سنة أربع أو خمس أو ست أو سبع، وقول الغزالي في "الوسيط" وتبعه عليه الرافعي أن غزوة ذات الرقاع آخر الغزوات غير صحيح، وقد أنكر عليه ابن الصلاح في "مشكل الوسيط" وقال: ليست آخرها ولا من أواخرها وإنما آخر غزواته تبوك وإن أراد أنها آخر غزوة صلّى فيها صلاة الخوف فليس بصحيح أيضًا، فقد صلّى معه صلاة الخوف أبو بكرة وإنما نزل إلى النبي ﷺ في غزوة الطائف تدلى ببكرة فكنى بها، وليس بعد غزوة الطائف إلا غزوة تبوك؛ ولهذا قال ابن حزم: إن صفة صلاة الخوف في حديث أبي بكرة أفضل صلاة الخوف؛ لأنها آخر فعل النبي ﷺ لها. وقوله: "فوازينا" بالزاي أي قابلنا. قال صاحب "الصحاح" يقال آزيت بهمزة ممدودة لا بالواو، والذي يظهر أن أصله الهمزة فقلبت واوًا.

стр. 4683

وقوله: "فصاففناهم" في رواية المستملي والسرخسي "فصاففنا لهم" ويروى "فصففناهم". وقوله: "فصلى لنا" أي: لأجلنا أو بنا. وقوله: "ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصلِّ" أي: فقاموا في مكانهم، وصرح به في رواية بقية عند النسائي ولمالك في "الموطأ" عن ابن عمر "ثم استأخروا مكان الذين لم يصلّوا ولا يسلمون". وقوله: "ركع وسجد سجدتين" زاد عبد الرزاق عن الزهري "مثل نصف صلاة الصبح". وفي قوله: "مثل نصف صلاة الصبح" إشارة إلى أن الصلاة المذكورة كانت غير الصبح، فعلى هذا فهي رباعية ويأتي في "المغازي" ما يدل على أنها كانت العصر، وفيه دليل على أن الركعة المقضية لابد فيها من القراءة لكل من الطائفتين خلافًا لمن أجاز للثانية ترك القراءة. وقوله: "فقام كل واحد فركع لنفسه" لم تختلف الطرق عن ابن عمر في هذا، وظاهره أنهم أتموا لأنفسهم في حالة واحدة، ويحتمل أنهم أتموا على التعاقب وهو الراجح من حيث المعنى، وإلا فيستلزم تضييع الحراسة المطلوبة وإفراد الإمام وحده. ويرجحه ما رواه أبو داود عن ابن مسعود ولفظه: "ثم سلم فقام هؤلاء -أي: الطائفة الثانية- فقضوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا ثم ذهبوا ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا" وظاهره أن الطائفة الثانية والت بين ركعتيها ثم أتمت الطائفة الأولى بعدها. وفي الرافعي تبعًا لغيره من كتب الفقه أن في حديث ابن عمر هذا أن الطائفة الثانية تأخرت وجاءت الأولى فأتموا ركعة، ثم تأخروا وعادت الطائفة الثانية فأتموا. قال في "الفتح": ولم أقف على ذلك في شيء من الطرق. وأخذ أبو حنيفة بحديث الباب وحديث ابن مسعود. وأخذ مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور بحديث صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة المروي عند مسلم والترمذي وعند المصنف في "المغازي" عن صالح بن خوات عمن شهد مع رسول الله ﷺ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف، وفسر المبهم بأبيه خوات. وسهل بن أبي حثمة ولفظه: "أن طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو، فصلى بالتي كانت معه ثم ثبت قائمًا وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلّى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسًا فأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم" أي: بالطائفة الثانية بعد التشهد. قال مالك: هذا أحسن ما سمعت في صلاة الخوف، لكنه خالف في قوله: ثم ثبت جالسًا، فمشهور مذهبه أنه يسلم ولا يتحرى إتمامهم كما في حكم المسبوق، وإنما اختاروا هذه الكيفية لسلامتها من كثرة المخالفة؛ ولأنها أحوط لأمر الحرب، فإنها أخف على الفريقين. واستدل بقوله طائفة على أنه لا يشترط تساوي الفريقين في العدد، لكن لابد أن تكون التي تحرس تحصل الثقة

стр. 4684

بها في ذلك، والطائفة تطلق على الكثير والقليل حتى على الواحد، فلو كانوا ثلاثة ووقع لهم الخوف جاز لأحدهم أن يصلّي بواحد ويحرس واحد ثم يصلّي الآخر وهو أقل ما يتصور في صلاة الخوف جماعة على القول بأقل الجماعة مطلقًا، لكن قال الشافعي: أكره أن تكون كل طائفة أقل من ثلاثة؛ لأنه أعاد عليهم ضمير الجمع في قوله: ﴿أسْلِحَتَهُمْ﴾ وأقله ثلاثة، فأقل الطائفة هنا ثلاثة، وهذا النوع بكيفيتها حيث يكون العدو في غير القبلة أو فيها لكن حال دونهم حائل يمنع رؤيتهم لو هجموا. قال القسطلاني: ويجوز للإِمام أن يصلِّي مرتين كل مرة بفرقة فتكون الثانية له نافلة، وهذه صلاة رسول الله ﷺ ببطن نخل رواها الشيخان، لكن الأولى أفضل من هذه؛ لأنها أعدل بين الطائفتين ولسلامتها عما في هذه من اقتداء المفترض بالمتنفل فيه. قلت: هذه على مذهبه، وأما على مذهبنا معاشر المالكية فصلاة المفترض بالمتنفل باطلة. قال: وتتأتى في تلك أي: الصلاة الأولى صلاة الجمعة بشرط أن يخطب بجميعهم ثم يفرقهم فرقتين أو يخطب بفرقة ثم يجعل منها مع كل من الفرقتين أربعين، فلو خطب بفرقه وصلّى بأخرى لم يجز، وكذا لو نقصت الفرقة الأولى عن الأربعين وإن نقصت الثانية فطريقان أصحهما لا يضر للحاجة والمسامحة في صلاة الخوف، ذكره في "المجموع". وأما إن كانوا في جهة القبلة فيأتي قريبًا في باب (يحرس بعضهم بعضًا) إن شاء الله تعالى، وإن كانت الصلاة رباعية وهم في الحضر أو في السفر وأتموا صلّى بكل فرقة ركعتين وتشهد بهما، وانتظر الثانية في جلوس التشهد أو قيام الثالثة وهو أفضل؛ لأنه محل التطويل بخلاف جلوس التشهد الأول وإن كانت مغربًا صلّى بفرقة ركعتين وبالثانية ركعة وهو أفضل من عكسه لسلامته من التطويل في عكسه بزيادة تشهد في أول الثانية وينتظر الثانية في الركعة الثالثة أي في القيام لها. وهذا كله إذا لم يشتد الخوف، أما إذا اشتد الخوف فيأتي حكمه في الباب التالي إن شاء الله تعالى. واستدل به على عظم الجماعة، بل على ترجيح القول بوجوبها لارتكاب أمور كثيرة لا تغتفر في غيرها، ولو صلّى كل امرىء منفردًا لم يقع الاحتياج إلى معظم ذلك، وقد وردت في كيفية صلاة الخوف صفات كثيرة، ورجح ابن عبد البر الكيفية الواردة في حديث ابن عمر هذا على غيرها لقوة الإِسناد ولموافقة الأصول في أن المأموم لا يتم صلاته قبل سلام إمامه. وعن أحمد قال: ثبت في صلاة الخوف ستة أحاديث أو سبعة أيها فعل المرء جاز، ومال إلى ترجيح حديث سهل بن أبي حثمة المار قريبًا، ولم يختر إسحاق شيئًا على شيء وبه قال الطبري وغير واحد منهم ابن المنذر، وسرد ثمانية أوجه وكذا ابن حبان في "صحيحه" وزاد تاسعًا. وقال ابن حزم: صح فيها أربعة عشر وجهاً وبينها في جزء مفرد. وقال ابن العربي في القبس: جاءت فيها روايات كثيرة أصحها ستة عشر رواية مختلفة، ولم

стр. 4685

يبينها وبينها الحافظ أبو الفضل في "شرح الترمذي" وزاد وجهًا آخر فصارت سبعة عشر وجهًا، لكن يمكن أن تتداخل كما قال هو قال صاحب "الهدى" أصولها ست صفات وبلغها بعضهم أكثر وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصة جعلوا ذلك وجهًا من فعل النبي ﷺ وإنما هو من اختلاف الرواة. قال في "الفتح": وهذا هو المعتمد كما أشار إليه أبو الفضل بقوله السابق يمكن تداخلها. وحكى ابن القصار المالكي أن النبي ﷺ صلاّها عشر مرات. وقال ابن العربي صلاّها أربعًا وعشرين مرة. وقال الخطابي: صلاّها النبي ﷺ في أيام مختلفة بأشكال متباينة يتحرى فيها ما هو الأحوط للصلاة والأبلغ للحراسة فهي على اختلاف صورها متفقة المعنى، ومحل تفاصيل الأوجه كتب الفقه. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرّ أبو اليمان وشعيب في السابع من "بدء الوحي"، والزهري في الثالث منه، وسالم في السابع عشر من "الإيمان" وأبوه في أوله قبل ذكر حديث منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإِخبار بالجمع والإفراد والعنعنة والقول، واثنان من رواته حمصيان وثلاثة مدنيون، أخرجه البخاري في المغازي أيضًا، وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي. تم قال المصنف: باب صلاة الخوف رجالًا وركبانًا راجل قائم قيل مقصوده أن الصلاة لا تسقط عند العجز عن النزول عن الدابة ولا تؤخر عن وقتها بل تصلّى على أي وجه حصلت القدرة عليه بدليل الآية. وقوله: "راجل قائم" يريد به أن قوله رجالًا جمع راجل، والمراد به هنا القائم ويطلق على الماشي وهو المراد في سورة الحج بقوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ أي مشاة. وفي "تفسير الطبري" بسند صحيح عن مجاهد ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ إذا وقع الخوف فليصلِّ الرجل على كل جهة قائمًا أو راكبًا.

стр. 4686

الحديث الثاني حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوًا مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ: إِذَا اخْتَلَطُوا قِيَامًا. وَزَادَ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلْيُصَلُّوا قِيَامًا وَرُكْبَانًا. قوله: "نحوًا من قول مجاهد" الموقوف عليه مما صدر منه عن رأيه لا عن روايته عن ابن عمر. وقوله "إذا اختلطوا" أي: اختلط المسلمون بالكفار يصفون حال كونهم قيامًا أي قائمين. أورد البخاري هذا الحديث مختصرًا وأحال على قول مجاهد، ولم يذكره هنا ولا في موضع آخر. وقد رواه الطبري عن سعيد بن يحيى شيخ البخاري فيه بإسناده المذكور عن ابن عمر قال: "إذا اختلطوا" يعني في القتال فإنما هو الذكر وإشارة الرأس. قال ابن عمر "قال النبي ﷺ ": فإن كانوا أكثر من ذلك فيصلون قيامًا وركبانًا" هكذا اقتصر على حديث ابن عمر وأخرجه الإِسماعيلي عن سعيد المذكور مثل ما ساقه البخاري سواء، وزاد بعد قوله "اختلطوا" "فإنما هو الذكر وإشارة الرأس" فتبّين من هذا أن قول البخاري قيامًا الأولى تصحيف من قوله "فإنما"، وقد ساقه الإسماعيلي عن ابن جريج عن عبد الله بن كثير عن مجاهد قال: "إذا اختلطوا فإنما هو الإشارة بالرأس". قال ابن جريج عن ابن عمر بمثل قول مجاهد "إذا اختلطوا فإنما هو الذكر وإشارة الرأس"، وزاد عن "النبي ﷺ فإن كثروا فليصلُّوا ركبانًا أو قيامًا على أقدامهم". وأخرج مسلم حديث ابن عمر عن موسى بن عقبة وقال في آخره قال ابن عمر: "فإذا كان خوف أكثر من ذلك فليصلّ راكبًا أو قائمًا يومىء إيماء". وزاد مالك في "الموطأ" في آخره "مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها". وقال: قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي ﷺ وأخرجه المصنف في تفسير البقرة عن ابن عمر مرفوعًا كله بغير شك. وأخرجه ابن ماجه بسند جيد مرفوعًا وقال في آخره "فإن كان خوف أشد من ذلك فرجالًا وركبانًا" والحاصل أنه اختلف في قوله فان كان خوف أشد من ذلك هل هو مرفوع أو موقوف على ابن عمر، والراجح رفعه. وقوله: "وإن كانوا أكثر من ذلك" أي: إن كان العدو أكثر من ذلك أي من الخوف الذي

стр. 4687

لا يمكن معه القيام في موضع ولا إقامة صف. وقوله: "فليصلوا قيامًا وركبانًا" أي على أقدامهم وعلى دوابهم؛ لأن فرض النزول قد سقط، والمعنى أن الخوف إذا اشتد والعدو إذا كثر فخيف من الانقسام لذلك جازت الصلاة حينئذ بحسب الإمكان، جاز ترك مراعاة ما لا يقدر عليه من الأركان فينتقل عن القيام إلى الركوع وعن الركوع والسجود إلى الإيماء، ويكون السجود أخفض من الركوع ليتميز، أو لهم ترك الاستقبال إذا كان بسبب القتال، ويعذر في العمل الكثير كالركض والطعن وفي الكلام لحاجة كتحذير وتشجيع لا في الصياح لعدم الحاجة إليه، وبهذا قال الجمهور، لكن المالكية قالوا: لا يصنعون ذلك حتى يخشى فوات الوقت الاختياري، وسيأتي مذهب الأوزاعي بعد باب. وقالت الشافعية: لو انحرف عن القبلة لجماح الدابة وطال الزمان بطلت صلاته، ويجوز اقتداء بعضهم ببعض مع اختلاف الجهة كالمصلين حول الكعبة قاله القسطلاني، والتأخير عند المالكية إلى آخر الاختياري إنما هو على جهة الاستحباب مع رجاء انكشاف العدو وإلا صلّوا في أول الوقت. وظاهر نصوصهم أنهم في هذه الحالة لا يجوز اقتداء بعضهم ببعض، وحكم الخوف على نفس أو منفعة من سبع أو حية أو حرق أو غرق أو على مال ولو لغيره كالخوف في القتال ولا إعادة في الجميع قاله القسطلاني نقلًا عن المجموع. والحكم عند المالكية كالمذكور عند الشافعية. رجاله سبعة: قد مروا: مرّ سعيد بن يحيى بن سعيد وأبوه في الرابع من "الإيمان"، ومرّ مجاهد وابن عمر في آثار أوله قبل ذكر حديث منه، ومرّ ابن جريج في الثالث من "الحيض"، ومرّ موسى بن عقبة في الخامس من الوضوء، ومرَّ نافع في الأخير من "العلم". لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإفراد والقول والعنعنة، ورواته ما بين بغدادي وكوفي ومكي ومدني. أخرجه مسلم والنسائي. ثم قال المصنف: باب يحرس بعضهم بعضًا في صلاة الخوف قال ابن بطال: محل هذه الصورة إذا كان العدو في جهة القبلة، فلا يفترقون والحالة هذه بخلاف الصورة الماضية في حديث ابن عمر. وقال الطحاوي: ليس هذا بخلاف القرآن لجواز أن يكون قوله تعالى ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى﴾ إذا كان العدو في غير القبلة وذلك ببيانه ﷺ ثم بين كيفية الصلاة إذا كان العدو في جهة القبلة.

стр. 4688

الحديث الثالث حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "قَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَكَبَّرَ وَكَبَّرُوا مَعَهُ، وَرَكَعَ وَرَكَعَ نَاسٌ مِنْهُمْ، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدُوا مَعَهُ، ثُمَّ قَامَ لِلثَّانِيَةِ فَقَامَ الَّذِينَ سَجَدُوا وَحَرَسُوا إِخْوَانَهُمْ، وَأَتَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى فَرَكَعُوا وَسَجَدُوا مَعَهُ، وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ فِي صَلاَةٍ، وَلَكِنْ يَحْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا". قوله: "عن الزبيدي" في رواية الإسماعيلي حدثنا الزبيدي وهذا الحديث لم يوجد عن الزبيدي إلا من رواية محمد بن حرب عنه، وقد وافقه عليه النعمان بن راشد عن الزهري أخرجه البزار وقال: لا نعلم رواه عن الزهري إلا النعمان ولا عنه إلا وهيب بن خالد. ورواية الزبيدي ترد عليه. وقوله: "وركع ناس منهم" زاد الكشميهني "معه". وقوله: "ثم للثانية فقام الذين سجدوا معه" في رواية النسائي والإسماعيلي، "ثم قام إلى الركعة الثانية فتأخر الذين سجدوا معه". وقوله: "فركعوا وسجدوا" في روايتهما أيضًا "فركعوا مع النبي ﷺ ". وقوله: "كلهم في صلاة" زاد الإسماعيلي "يكبِّرُون". وقوله: "ولكن يحرس بعضهم بعضًا هذا موضع الترجمة ولم يقع في رواية الزهري هذه هل أكملوا الركعة الثانية أم لا؟. وقد رواه النسائي عن عبيد الله فزاد في آخره "ولم يقضوا" وهذا كالصريح في اقتصارهم على ركعة. ولمسلم وأبي داود والنسائي عن مجاهد عن ابن عباس قال: "فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعًا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة وبالاقتصار في الخوف على ركعة واحدة". قال به إسحاق والثوري ومن تبعهما، وقال به أبو هريرة وأبو موسى الأشعري وغير واحد من

стр. 4689

التابعين ومنهم من قيد ذلك بشدة الخوف، وسيأتي عن بعضهم في شدة الخوف أسهل من ذلك. وقال الجمهور: قصر الخوف قصر هيئة لا قصر عدد، وتأولوا رواية مجاهد السابقة على أن المراد به ركعة مع الإِمام وليس فيه نفي الثانية. وقالوا: يحتمل أن يكون قوله في الحديث السابق لم يقضوا أي لم يعيدوا الصلاة بعد الأمن. وقال القسطلاني عند قوله "ولكن يحرس بعضهم بعضًا": هذا السياق صادق بأن تسجد الطائفة الأولى معه في الركعة الأولى والثانية في الثانية كما في رواية الباب وعكسه بأن تسجد الثانية معه في الأولى والأولى في الثانية مع تحول كل منهما إلى مكان الأخرى، فتكون صفتين والذي في "مسلم" و"أبي داود" وهو الصفة الأولى مع التحول أيضًا. ولفظ أبي داود عن أبي عياش الزُرَقي قال: "صلينا مع النبي ﷺ العصر بعسفان فقام رسول الله ﷺ والمشركون أمامه واصطفوا صفًا خلفه وخلف الصف صف آخر، فركع رسول الله ﷺ وركعوا جميعًا، ثم سجد فسجد الصف الذي يليه، وقام الآخرون يحرسونهم فلما جلس رسول الله ﷺ سجد الآخرون وجلسوا جميعًا فسلم بهم"، ولمسلم نحوه. وهذا السياق مغاير لحديث الباب فإن فيه أن الصفين ركعوا معه عليه الصلاة السلام وسجدت معه الأولى وقامت الأخرى من الركوع تحرس، ثم سجدت الحارسة بعد فراغ أولئك. وفي حديث الباب أنه ركع طائفة منهم وسجدوا معه، ثم جاءت الطائفة الأخرى كذلك. وقد مرّ قريبًا أن رواية الباب لم يقع فيها هل أكملوا الركعة الثانية أم لا؟ الخ. رجاله ستة: قد مرّوا إلاَّ اثنين: مرّ محمد بن الوليد الزبيدي في التاسع عشر من "العلم"، ومرّ ابن شهاب في الثالث من "بدء الوحي"، وعبيد الله المسعودي في السادس منه، وابن عباس في الخامس منه، والباقيان: الأول منهما: حَيْوَة بفتح الحاء والواو وسكون الياء ابن شُريح بضم الشين مصغر بن يزيد أبو العباس الحضرمي الحمصي وهو حيوة الأصغر، ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال يعقوب بن شيبة: ثقة. روى عن أبيه وبقية ومحمد بن حرب الأبرش وغيرهم. وروى عنه البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه عنه بواسطة. مات سنة أربع وعشرين ومائتين. الثاني: محمد بن حرب الخولاني أبو عبد الله المعروف بالأبرش، ذكره ابن حبان في "الثقات". قال ابن سعد ولي قضاء دمشق. وقال عثمان الدارمي قلت: لابن معين فبقية كيف حديثه؟ قال: ثقة، قلت: هو أحب إليك أم محمد بن حرب؟ قال: ثقة وثقة.

стр. 4690

وقال عثمان: وهو الأبرش الحمصي ثقة. وقال العجلي ومحمد بن عوف والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال خشنام بن الصديق: كان من خيار الناس روى عن محمد بن الوليد وكان كاتبًا له، وعن الأوزاعي وابن جريج وعبيد الله العمري وغيرهم. وروى عنه أبو مسهر وحيوة بن شريح وإسحاق بن راهويه وكثير بن عبيد وغيرهم. مات سنة اثنين وتسعين ومائة. ويشتبه هذا بمحمد بن حرب بن حرمان النشائى بكسر النون والمد. روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواته بين حمصي ومدني، أخرجه النسائي في "الصلاة" ثم قال المصنف: باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو أي: عند إمكان فتحها وغلبة الظن على القدرة على ذلك. وقوله "ولقاء العدو" وهو من عطف الأعم على الأخص. قال الزين بن المنير: كان المصنف خص هذه الصورة لاجتماع الرجاء والخوف في تلك الحالة فإن الخوف يقتضي مشروعية صلاة الخوف والرجاء بحصول الظفر يقتضي اغتفار التأخير لأجل احتمال مصلحة الفتح؛ ولهذا خالف الحكم في هذه الصورة الحكم في غيرها عند من قال به. ثم قال: وقال الأوزاعي: إن كان تهيأ الفتح ولم يقدروا على الصلاة صلّوا إيماء كل امرىء لنفسه، فإن لم يقدروا على الإيماء أخروا الصلاة حتى ينكشف القتال أو يأمنوا فيصلوا ركعتين، فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين فلا يجزيهم التبكير ويؤخروها حتى يناموا. قوله: "إن كان تهيأ الفتح" أي تمكن. وللقابسي "إن كان بها الفتح" بموحدة وهاء ضمير وهو تصحيف. وقوله: "فإن لم يقدروا على الإيماء" الخ فيه إشكال؛ لأن العجز عن الإيماء لا يتعذر مع حصول العقل إلا أن تقع الدهشة فيعزب استحضار ذلك وتعقب بما قاله ابن رشيد قال: من باشر الحرب واشتغال القلب والجوارح إذا اشتغلت عرف كيف يتعذر الإيماء. وأشار ابن بطال إلى أن عدم القدرة على ذلك يتصور بالعجز عن الوضوء أو التيمم للاشتغال بالقتال، ويحتمل أن يكون الأوزاعي كان يرى استقبال القبلة شرطًا في الإيماء فيتصور العجز عن الإيماء إليها حينئذ. وقوله: "حتى ينكشف القتال أو يأمنوا" استشكل كونه جعل الإيماء مشروطًا بتعذر القدرة والتأخير مشروطًا بتعذر الإيماء وجعل غاية التأخير انكشاف القتال، ثم قال "أو يأمنوا فيصلوا

стр. 4691

ركعتين" فجعل الأمن قسيم الانكشاف، وبالانكشاف يحصل الأمن فكيف يكون قسيمه؟ وأجيب عن هذا بأن الانكشاف قد يحصل ولا يحصل الأمن لخوف المعاودة، كما أن الأمن يحصل بزيادة القوة واتصال المدد من غير انكشاف، فعلى هذا فالأمن قسيم الانكشاف أيهما حصل اقتضى صلاة ركعتين. وقوله: "فإن لم يقدروا صلوا ركعة" الخ أي لم يقدروا على صلاة ركعتين بالفعل، أو بالإيماء صلوا واحدة. وقوله: "فلا يجزيهم التكبير" فيه إشارة إلى خلاف من قال يجزىء كالثوري. وروى ابن شيبة عن عطاء وسعيد بن جبير وأبي البختري في آخرين قالوا: إذا التقى الزحفان وحضرت الصلاة فقالوا: "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر" فتلك صلاتهم بلا إعادة. وعن مجاهد والحكم إذا كان عند الطراد والمسايفة يجزىء أن تكون صلاة الرجل تكبيرًا فإن لم يمكن إلا تكبيرة واحدة أجزأته أين كان وجهه. وقال إسحاق بن راهويه يجزىء عند المسايفة ركعة واحدة يومىء بها إيماء، فإن لم يقدر فسجدة، فإن لم يقدر فتكبيرة. وهذا الأثر وصله الوليد بن مسلم عنه في كتاب "السير" والأوزاعي قد مرّ في العشرين من "العلم". ثم قال: وبه قال مكحول، وهذا يحتمل أن يكون بقية من كلام الأوزاعي ويحتمل أن يكون من تعليق البخاري وقد وصله عبد بن حميد في تفسيره عنه من غير طريق الأوزاعي بلفظ "إذا لم يقدر القوم أن يصلوا على الأرض صلوا على ظهر الدواب ركعتين، فإن لم يقدروا فركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا أخروا الصلاة حتى يأمنوا فيصلوا بالأرض". ومكحول هو الشامي أبو عبد الله، ويقال أبو أيوب، ويقال أبو مسلم ذكر أنه من أهل مصر، ويقال كان لرجل من هذيل من أهل مصر فأعتقه فسكن الشام، ويقال كان من آل فارس ويقال كان اسم أبيه سهراب. قال أبو وهيب الكلاعي عن مكحول عتقت بمصر فلم أدع فيها علمًا إلا احتويت عليه فيما أدري، ثم أتيت العراق والمدينة والشام وذكر كذلك. وقال الزهري العلماء أربعة فذكرهم فقال: ومكحول بالشام. وقال ابن إسحاق: سمعت مكحولًا يقول طفت الأرض كلها في طلب العلم. وقال سعيد بن عبد العزيز: كان سليمان بن موسى يقول إذا جاء العلم من الشام عن مكحول

стр. 4692

فبلناه. وقال سعيد لم يكن في زمان مكحول أبصر منه بالفتيا. وقال ابن عمار: كان مكحول إمام أهل الشام. وقال عثمان بن عطاء: كان مكحول أعجميًا، وكل ما قال بالشام قُبل منه. وقال العجلي: تابعي ثقة. وقال أبو حاتم ما أعلم بالشام أفقه من مكحول. وقال ابن يونس: كان مكحول يكنى أبا مسلم، وكان فقيهًا عالمًا رأى أبا أمامة وأنسًا وسمع واثلة. وقال ابن خراش: شامي صدوق وكان يرى القدر. وقال ابن سعد: قال بعض أهل العلم: كان مكحول من أهل كابل وكان فيه لكنة، وكان يقول بالقدر، وكان ضعيفا في حديثه ورأيه. وقال أبو داود: سألت أحمد هل أنكر أهل النظر على مكحول شيئًا؟ قال أنكروا عليه مجالسة علان، ورموه به فبرأ نفسه بأن نحاه عنه. وقال الجوزجاني: يتوهم عليه القدر، وهو سعي عليه. وقال ابن معين: كان قدريًا ثم رجع. وقال الأوزاعي لم يبلغنا أن أحدًا من التابعين تكلم في القدر إلا هذين الرجلين الحسن ومكحولًا فكشفنا عن ذلك فإذا هو باطل، وقع ذكره في البخاري ضمنًا في مواضع معلقة روى عن أنس وواثلة وأبي هند الداري ويقال إنه لم يسمع من أحد من الصحابة إلا منهم. وقال الحاكم أكثر روايته عن الصحابة. روى عن جبير بن نفير وطاوس وخلق، وروى عنه الأوزاعي وثور بن يزيد الحمصي والحجاج بن أرطأة وعكرمة بن عمار وغيرهم. مات سنة ثماني عشرة ومائة أو اثنتي عشرة أو ثلاث عشرة أو ست عشرة. ثم قال: وقال أنس بن مالك: "حضرت عند مناهضة حصن تستر عند إضاءة الفجر واشتد اشتعال القتال فلم يقدروا على الصلاة، فلم نصل إلا بعد ارتفاع النهار فصليناها ونحن مع أبي موسى ففتح لنا. وقال أنس: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها". وقوله "عند مناهضة" أي: مقاومة. وقوله "تُسْتَر" بضم المثناة الفوقية وسكون المهملة وفتح المثناة أيضًا وهي مدينة مشهورة من كور الأهواز (بخوزستان) هي بلسان العامة (ششتر) بشينين الأولى مضمومة، والثانية ساكنة ثم تاء مفتوحة وقد فتحت مرتين الأولى صلحاً والثانية عنوة. قال ابن جرير كان ذلك في سنة سبع عشرة في قول سيف. وقال غيره سنة ست عشرة.

стр. 4693

قال الواقدي لما فرغ أبو موسى الأشعري من فتح (السوس) صار إلى (تستر) فنزل عليها وبها يومئذ (الهرمزان) وفتحت على يديه ومسك (الهرمزان) وأرسل به إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. وقوله: "اشتعال القتال" بالعين المهملة. وقوله: "فلم يقدروا على الصلاة" يحتمل أن يكون للعجز عن النزول، ويحتمل أن يكون للعجز عن الإيماء أيضًا فيوافق ما مرّ عن الأوزاعي وجزم الأصيلي بأن سببه أنهم لم يجدوا إلى الوضوء سبيلًا من شدة الخوف. قلت: كان من حقه أن يقول ولا للتيمم؛ لأن التيمم قام مقام الماء عند عدمه. وقوله: "إلا عند ارتفاع النهار" في رواية عمر بن شبة "حتى انتصف النهار". وقوله: "ما يسرني بتلك الصلاة" أي بدل تلك الصلاة، وللكشمهيني "من تلك الصلاة". وقوله: "الدنيا وما فيها" في رواية خليفة "الدنيا كلها"، والذي يتبادر إلى الذهن من هذا أن مراده الاغتباط بما وقع، فالمراد بالصلاة على هذا هي المقضية التي وقعت، ووجه اغتباطه كونهم لم يشتغلوا عن العبادة إلا بعبادة أهم منها عندهم، ثم تداركوا ما فاتهم منها فقضوه، وهو كقول أبي بكر الصديق: "لو طلعت لم تجدنا غافلين". وقيل مراد أنس الأسف على التفويت الذي وقع لهم والمراد بالصلاة على هذا الفائتة، ومعناه لو كانت في وقتها كانت أحب إلي. وممن جزم بهذا ابن المنير فقال: إيثار أنس الصلاة على الدنيا وما فيها يشعر بمخالفة لأبي موسى في اجتهاده المذكور وإن أنسًا كان يرى أن يصلي للوقت وإن فات الفتح. وقوله: هذا موافق لحديث "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" وكأنه أراد الموافقة في اللفظ وإلا فقصة أنس في المفروضة والحديث في النافلة، ويخدش فيما ذكره عن أنس من مخالفة اجتهاد أبي موسى أنه لو كان كذلك لصلّى أنس وحده ولو بالإِيماء، لكنه وافق أبا موسى ومن معه فكيف يعد مخالفًا؟ وتعليق أنس هذا رواه البخاري بغير لفظ عمر بن شبة، ولفظ عمر سئل قتادة عن الصلاة إذا حضر القتال فقال: "حدثني أنس بن مالك أنهم فتحوا تُسْتَر وهو يومئذ على مقدمة الناس وعبد الله بن قيس يعني أبا موسى الأشعري أميرهم"، وهذا التعليق وصله ابن سعد وابن أبي شيبة من طريق قتادة عنه وذكره خليفة في "تاريخه" وعمر بن شبة في "أخبار البصرة" من وجهين آخرين عن قتادة وأنس. قد مرَّ في السادس من "الإِيمان" وفيه ذكر أبي موسى، وقد مرَّ في الرابع منه.

стр. 4694

الحديث الرابع حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُبَارَكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ عُمَرُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ وَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَلَّيْتُ الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَغِيبَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا بَعْدُ. قَالَ فَنَزَلَ إِلَى بُطْحَانَ فَتَوَضَّأَ، وَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَمَا غَابَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ بَعْدَهَا. هذا الحديث مرّ الكلام عليه مستوفى في آخر المواقيت في باب (مَنْ صلى بالناس جماعة) ومرّ هناك الاختلاف في سبب تأخير الصلاة يوم الخندق هل كان نسيانًا أو عمدًا. وعلى الثاني هل كان للشغل بالقتال أو لتعذر الطهارة أو قبل نزول آية الخوف. وإلى الأول وهو لشغل جنح البخاري في هذا الموضع، ونزل عليه الآثار التي ترجم لها بالشروط المذكورة، ولا يرده ما مرّ من كون آية الخوف نزلت قبل الخندق؛ لأن وجهه أنه أقر على ذلك. وآية الخوف التي في البقرة لا تخالفه؛ لأن التأخير مشروط بعدم القدرة على الصلاة مطلقًا. وإلى الثاني جنح المالكية والحنابلة؛ لأن الصلاة لا تبطل عندهم بالشغل الكثير إذا احتيج إليه. وإلى الثالث جنح الشافعية وعكس بعضهم فادعى أن تأخيره ﷺ للصلاة يوم الخندق دال على نسخ صلاة الخوف. قال ابن القصار وهو قول من لا يعرف السنن؛ لأن صلاة الخوف أنزلت بعد الخندق فكيف ينسخ المتقدم المتأخر؟ قال العيني: وأما القتال في الصلاة فإنه يبطل الصلاة عندنا يعني الحنفية. رجاله سبعة: قد مرّوا: فشيخ البخاري يحيى يحتمل أنه يحيى بن جعفر بن أعين وأنه يحيى بن موسى البلخي، وقد مرّ كل منهما في السابع عشر من "الحيض"، ومرّ علي بن المبارك في متابعة بعد الرابع والثلاثين من كتاب الأذان ومرّ يحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من "العلم"، ومرّ وكيع في الحادي والخمسين منه. وأبو سلمة وجابر في الرابع من "بدء الوحي"، ومرّ عمر في الأول منه. ثم قال المصنف:

стр. 4695

باب صلاة الطالب والمطلوب راكبًا وإيماء كذا للأكثر، وفي رواية الحموي وقائمًا قال ابن المنذر: كل من أحفظ عنه من أهل العلم يقول: إن المطلوب يصلي على دابته يومىء إيماء، وإن كان طالبًا نزل فصلى على الأرض. قال الشافعي: إلا أن ينقطع عن أصحابه فيخاف عود المطلوب عليه فيجزئه ذلك، وعرف بهذا أن الطالب فيه التفصيل بخلاف المطلوب، ووجه الفرق أن شدة الخوف في المطلوب ظاهرة لتحقق السبب المقتضي لها. وأما الطالب، فلا يخاف استيلاء العدو عليه وإنما يخاف أن يفوته العدو وما نقله ابن المنذر متعقب بكلام الأوزاعي فإنه قيده بخوف الفوت، ولم يستثن طالبًا من مطلوب. وذكر أبو إسحاق الفزاري في كتاب "السير" عن الأوزاعي قال: إذا خاف الطالبون إن نزلوا بالأرض فوت العدو صلّوا حيث وجهوا على كل حال؛ لأن الحديث جاء أن النصر لا يرفع ما دام الطلب. قلت: مشهور مذهب مالك أنهم يصلّون إيماء ولو كانوا طالبين قالوا؛ لأن أمرهم إلى أن مع عدوهم لم ينقص ولا يأمنوا رجوعهم فهم خائفون فوت العدو، ولحصول الخوف في المستقبل. وقال ابن عبد الحكم: إن كانوا طالبين لا يصلّون إلا بالأرض صلاة أمن وفاقًا للأئمة الثلاثة. ثم قال: وقال الوليد ذكرت للأوزاعي صلاة شرحبيل بن السمط وأصحابه على ظهر الدابة فقال كذلك الأمر عندنا إذا تخوف الفوت. واحتج الوليد بقول النبي ﷺ "لا يُصَلِّيَنَّ أحدٌ العصرَ إلا في بني قريظة". قوله: "شُرَحْبيل بن السَّمِط" بضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون الحاء المهملة وكسر الموحدة، والسمط بوزن كتف، ويأتي تعريف شرحبيل قريبًا في السند. وقوله: "فقال" أي الأوزاعي ولابن عساكر "قال". كذلك الأمر: أي أداء الصلاة على ظهر الدابة بالإِيماء هو الشأن والحكم.
следующие страницы →