Полный текст (6 753 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.
стр. 4691
ركعتين" فجعل الأمن قسيم الانكشاف، وبالانكشاف يحصل الأمن فكيف يكون قسيمه؟
وأجيب عن هذا بأن الانكشاف قد يحصل ولا يحصل الأمن لخوف المعاودة، كما أن الأمن يحصل بزيادة القوة واتصال المدد من غير انكشاف، فعلى هذا فالأمن قسيم الانكشاف أيهما حصل اقتضى صلاة ركعتين.
وقوله: "فإن لم يقدروا صلوا ركعة" الخ أي لم يقدروا على صلاة ركعتين بالفعل، أو بالإيماء صلوا واحدة.
وقوله: "فلا يجزيهم التكبير" فيه إشارة إلى خلاف من قال يجزىء كالثوري.
وروى ابن شيبة عن عطاء وسعيد بن جبير وأبي البختري في آخرين قالوا: إذا التقى الزحفان وحضرت الصلاة فقالوا: "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر" فتلك صلاتهم بلا إعادة.
وعن مجاهد والحكم إذا كان عند الطراد والمسايفة يجزىء أن تكون صلاة الرجل تكبيرًا فإن لم يمكن إلا تكبيرة واحدة أجزأته أين كان وجهه.
وقال إسحاق بن راهويه يجزىء عند المسايفة ركعة واحدة يومىء بها إيماء، فإن لم يقدر فسجدة، فإن لم يقدر فتكبيرة.
وهذا الأثر وصله الوليد بن مسلم عنه في كتاب "السير" والأوزاعي قد مرّ في العشرين من "العلم".
ثم قال: وبه قال مكحول، وهذا يحتمل أن يكون بقية من كلام الأوزاعي ويحتمل أن يكون من تعليق البخاري وقد وصله عبد بن حميد في تفسيره عنه من غير طريق الأوزاعي بلفظ "إذا لم يقدر القوم أن يصلوا على الأرض صلوا على ظهر الدواب ركعتين، فإن لم يقدروا فركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا أخروا الصلاة حتى يأمنوا فيصلوا بالأرض".
ومكحول هو الشامي أبو عبد الله، ويقال أبو أيوب، ويقال أبو مسلم ذكر أنه من أهل مصر، ويقال كان لرجل من هذيل من أهل مصر فأعتقه فسكن الشام، ويقال كان من آل فارس ويقال كان اسم أبيه سهراب.
قال أبو وهيب الكلاعي عن مكحول عتقت بمصر فلم أدع فيها علمًا إلا احتويت عليه فيما أدري، ثم أتيت العراق والمدينة والشام وذكر كذلك.
وقال الزهري العلماء أربعة فذكرهم فقال: ومكحول بالشام.
وقال ابن إسحاق: سمعت مكحولًا يقول طفت الأرض كلها في طلب العلم.
وقال سعيد بن عبد العزيز: كان سليمان بن موسى يقول إذا جاء العلم من الشام عن مكحول
стр. 4692
فبلناه. وقال سعيد لم يكن في زمان مكحول أبصر منه بالفتيا.
وقال ابن عمار: كان مكحول إمام أهل الشام. وقال عثمان بن عطاء: كان مكحول أعجميًا، وكل ما قال بالشام قُبل منه.
وقال العجلي: تابعي ثقة.
وقال أبو حاتم ما أعلم بالشام أفقه من مكحول.
وقال ابن يونس: كان مكحول يكنى أبا مسلم، وكان فقيهًا عالمًا رأى أبا أمامة وأنسًا وسمع واثلة.
وقال ابن خراش: شامي صدوق وكان يرى القدر.
وقال ابن سعد: قال بعض أهل العلم: كان مكحول من أهل كابل وكان فيه لكنة، وكان يقول بالقدر، وكان ضعيفا في حديثه ورأيه.
وقال أبو داود: سألت أحمد هل أنكر أهل النظر على مكحول شيئًا؟ قال أنكروا عليه مجالسة علان، ورموه به فبرأ نفسه بأن نحاه عنه. وقال الجوزجاني: يتوهم عليه القدر، وهو سعي عليه.
وقال ابن معين: كان قدريًا ثم رجع.
وقال الأوزاعي لم يبلغنا أن أحدًا من التابعين تكلم في القدر إلا هذين الرجلين الحسن ومكحولًا فكشفنا عن ذلك فإذا هو باطل، وقع ذكره في البخاري ضمنًا في مواضع معلقة روى عن أنس وواثلة وأبي هند الداري ويقال إنه لم يسمع من أحد من الصحابة إلا منهم.
وقال الحاكم أكثر روايته عن الصحابة. روى عن جبير بن نفير وطاوس وخلق، وروى عنه الأوزاعي وثور بن يزيد الحمصي والحجاج بن أرطأة وعكرمة بن عمار وغيرهم.
مات سنة ثماني عشرة ومائة أو اثنتي عشرة أو ثلاث عشرة أو ست عشرة.
ثم قال: وقال أنس بن مالك: "حضرت عند مناهضة حصن تستر عند إضاءة الفجر واشتد اشتعال القتال فلم يقدروا على الصلاة، فلم نصل إلا بعد ارتفاع النهار فصليناها ونحن مع أبي موسى ففتح لنا. وقال أنس: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها".
وقوله "عند مناهضة" أي: مقاومة.
وقوله "تُسْتَر" بضم المثناة الفوقية وسكون المهملة وفتح المثناة أيضًا وهي مدينة مشهورة من كور الأهواز (بخوزستان) هي بلسان العامة (ششتر) بشينين الأولى مضمومة، والثانية ساكنة ثم تاء مفتوحة وقد فتحت مرتين الأولى صلحاً والثانية عنوة. قال ابن جرير كان ذلك في سنة سبع عشرة في قول سيف. وقال غيره سنة ست عشرة.
стр. 4693
قال الواقدي لما فرغ أبو موسى الأشعري من فتح (السوس) صار إلى (تستر) فنزل عليها وبها يومئذ (الهرمزان) وفتحت على يديه ومسك (الهرمزان) وأرسل به إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.
وقوله: "اشتعال القتال" بالعين المهملة.
وقوله: "فلم يقدروا على الصلاة" يحتمل أن يكون للعجز عن النزول، ويحتمل أن يكون للعجز عن الإيماء أيضًا فيوافق ما مرّ عن الأوزاعي وجزم الأصيلي بأن سببه أنهم لم يجدوا إلى الوضوء سبيلًا من شدة الخوف.
قلت: كان من حقه أن يقول ولا للتيمم؛ لأن التيمم قام مقام الماء عند عدمه.
وقوله: "إلا عند ارتفاع النهار" في رواية عمر بن شبة "حتى انتصف النهار".
وقوله: "ما يسرني بتلك الصلاة" أي بدل تلك الصلاة، وللكشمهيني "من تلك الصلاة".
وقوله: "الدنيا وما فيها" في رواية خليفة "الدنيا كلها"، والذي يتبادر إلى الذهن من هذا أن مراده الاغتباط بما وقع، فالمراد بالصلاة على هذا هي المقضية التي وقعت، ووجه اغتباطه كونهم لم يشتغلوا عن العبادة إلا بعبادة أهم منها عندهم، ثم تداركوا ما فاتهم منها فقضوه، وهو كقول أبي بكر الصديق: "لو طلعت لم تجدنا غافلين".
وقيل مراد أنس الأسف على التفويت الذي وقع لهم والمراد بالصلاة على هذا الفائتة، ومعناه لو كانت في وقتها كانت أحب إلي. وممن جزم بهذا ابن المنير فقال: إيثار أنس الصلاة على الدنيا وما فيها يشعر بمخالفة لأبي موسى في اجتهاده المذكور وإن أنسًا كان يرى أن يصلي للوقت وإن فات الفتح.
وقوله: هذا موافق لحديث "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" وكأنه أراد الموافقة في اللفظ وإلا فقصة أنس في المفروضة والحديث في النافلة، ويخدش فيما ذكره عن أنس من مخالفة اجتهاد أبي موسى أنه لو كان كذلك لصلّى أنس وحده ولو بالإِيماء، لكنه وافق أبا موسى ومن معه فكيف يعد مخالفًا؟
وتعليق أنس هذا رواه البخاري بغير لفظ عمر بن شبة، ولفظ عمر سئل قتادة عن الصلاة إذا حضر القتال فقال: "حدثني أنس بن مالك أنهم فتحوا تُسْتَر وهو يومئذ على مقدمة الناس وعبد الله بن قيس يعني أبا موسى الأشعري أميرهم"، وهذا التعليق وصله ابن سعد وابن أبي شيبة من طريق قتادة عنه وذكره خليفة في "تاريخه" وعمر بن شبة في "أخبار البصرة" من وجهين آخرين عن قتادة وأنس.
قد مرَّ في السادس من "الإِيمان" وفيه ذكر أبي موسى، وقد مرَّ في الرابع منه.
стр. 4694
الحديث الرابع
حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُبَارَكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ عُمَرُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ وَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَلَّيْتُ الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَغِيبَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا بَعْدُ. قَالَ فَنَزَلَ إِلَى بُطْحَانَ فَتَوَضَّأَ، وَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَمَا غَابَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ بَعْدَهَا.
هذا الحديث مرّ الكلام عليه مستوفى في آخر المواقيت في باب (مَنْ صلى بالناس جماعة) ومرّ هناك الاختلاف في سبب تأخير الصلاة يوم الخندق هل كان نسيانًا أو عمدًا. وعلى الثاني هل كان للشغل بالقتال أو لتعذر الطهارة أو قبل نزول آية الخوف.
وإلى الأول وهو لشغل جنح البخاري في هذا الموضع، ونزل عليه الآثار التي ترجم لها بالشروط المذكورة، ولا يرده ما مرّ من كون آية الخوف نزلت قبل الخندق؛ لأن وجهه أنه أقر على ذلك. وآية الخوف التي في البقرة لا تخالفه؛ لأن التأخير مشروط بعدم القدرة على الصلاة مطلقًا.
وإلى الثاني جنح المالكية والحنابلة؛ لأن الصلاة لا تبطل عندهم بالشغل الكثير إذا احتيج إليه. وإلى الثالث جنح الشافعية وعكس بعضهم فادعى أن تأخيره ﷺ للصلاة يوم الخندق دال على نسخ صلاة الخوف.
قال ابن القصار وهو قول من لا يعرف السنن؛ لأن صلاة الخوف أنزلت بعد الخندق فكيف ينسخ المتقدم المتأخر؟
قال العيني: وأما القتال في الصلاة فإنه يبطل الصلاة عندنا يعني الحنفية.
رجاله سبعة:
قد مرّوا: فشيخ البخاري يحيى يحتمل أنه يحيى بن جعفر بن أعين وأنه يحيى بن موسى البلخي، وقد مرّ كل منهما في السابع عشر من "الحيض"، ومرّ علي بن المبارك في متابعة بعد الرابع والثلاثين من كتاب الأذان ومرّ يحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من "العلم"، ومرّ وكيع في الحادي والخمسين منه. وأبو سلمة وجابر في الرابع من "بدء الوحي"، ومرّ عمر في الأول منه. ثم قال المصنف:
стр. 4695
باب صلاة الطالب والمطلوب راكبًا وإيماء
كذا للأكثر، وفي رواية الحموي وقائمًا قال ابن المنذر: كل من أحفظ عنه من أهل العلم يقول: إن المطلوب يصلي على دابته يومىء إيماء، وإن كان طالبًا نزل فصلى على الأرض.
قال الشافعي: إلا أن ينقطع عن أصحابه فيخاف عود المطلوب عليه فيجزئه ذلك، وعرف بهذا أن الطالب فيه التفصيل بخلاف المطلوب، ووجه الفرق أن شدة الخوف في المطلوب ظاهرة لتحقق السبب المقتضي لها.
وأما الطالب، فلا يخاف استيلاء العدو عليه وإنما يخاف أن يفوته العدو وما نقله ابن المنذر متعقب بكلام الأوزاعي فإنه قيده بخوف الفوت، ولم يستثن طالبًا من مطلوب.
وذكر أبو إسحاق الفزاري في كتاب "السير" عن الأوزاعي قال: إذا خاف الطالبون إن نزلوا بالأرض فوت العدو صلّوا حيث وجهوا على كل حال؛ لأن الحديث جاء أن النصر لا يرفع ما دام الطلب.
قلت: مشهور مذهب مالك أنهم يصلّون إيماء ولو كانوا طالبين قالوا؛ لأن أمرهم إلى أن مع عدوهم لم ينقص ولا يأمنوا رجوعهم فهم خائفون فوت العدو، ولحصول الخوف في المستقبل.
وقال ابن عبد الحكم: إن كانوا طالبين لا يصلّون إلا بالأرض صلاة أمن وفاقًا للأئمة الثلاثة.
ثم قال: وقال الوليد ذكرت للأوزاعي صلاة شرحبيل بن السمط وأصحابه على ظهر الدابة فقال كذلك الأمر عندنا إذا تخوف الفوت. واحتج الوليد بقول النبي ﷺ "لا يُصَلِّيَنَّ أحدٌ العصرَ إلا في بني قريظة".
قوله: "شُرَحْبيل بن السَّمِط" بضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون الحاء المهملة وكسر الموحدة، والسمط بوزن كتف، ويأتي تعريف شرحبيل قريبًا في السند.
وقوله: "فقال" أي الأوزاعي ولابن عساكر "قال".
كذلك الأمر: أي أداء الصلاة على ظهر الدابة بالإِيماء هو الشأن والحكم.
стр. 4696
وقوله: "إذا تَخوف الفوت" بفتح أول تخوف مبنيًا للفاعل، والفوت نصب على المفعولية وضبط بالبناء للمفعول، ورفع الفوت نائبًا عن الفاعل، وزاد المستملي في الوقت وفي رواية الطبري وابن عبد البر عن الأوزاعي قال: "قال شُرَحْبيل بن السمط لأصحابه لا تصلّوا الصبح إلا على ظهر فنزل الأشتر النخعي فصلّى على الأرض. فقال شرحبيل: مخالف الله به".
وأخرجه ابن أبي شيبة عن رجاء بن حيوة قال: "كان ثابت بن السمط في خوف فحضرت الصلاة، فصلوا ركبانًا فنزل الأشتر فقال: مخالف خولف به فلعل ثابتًا كان مع أخيه شرحبيل في ذلك الوجه".
وقد احتج الوليد لمذهب الأوزاعي في مسألة الطالب بهذه القصة، ووجه الاستدلال من القصة بطريق الأولوية؛ لأن الذين أخروا الصلاة حتى وصلوا إلى بني قريظة لم يُعنفوا مع كونهم فوتوا الوقت، فصلاة من لا يفوت الوقت بالإيماء أو كيف ما يمكن أولى من تأخير الصلاة حتى يخرج وقتها؟
وقال ابن بطال: لو وجد في بعض طرق الحديث أن الذين صلوا في الطريق صلوا ركبانًا، لكان بينا في الاستدلال فإن لم يوجد ذلك فذكر ما حاصله أن وجه الاستدلال يكون بالقياس، فكما ساغ لأولئك أن يؤخروا الصلاة عن وقتها المفترض كذلك يسوغ للطالب ترك إتمام الأركان والانتقال إلى الإيماء.
قال ابن المنير: والأبين عندي أن وجه الاستدلال من جهة أن الاستعجال المأمور به يقتضي ترك الصلاة أصلًا كما جرى لبعضهم أو الصلاة على الدواب كما وقع للآخرين؛ لأن النزول ينافي مقصود الجد الأصول، فالأولون بنوا على أن النزول معصية لمعارضته للأمر الخاص بالإسراع، وكان تأخيرهم لها لوجود المعارض. والأخرون جمعوا بين دليلي وجوب الإسراع ووجوب الصلاة في وقتها فصلوا ركبانًا. فلو فرضنا أنهم نزلوا، لكان ذلك مضادًا للأمر بالإسراع وهو لا يظن بهم لما فيه من المخالفة وهذا الذي حاوله ابن المنير، قد أشار له ابن بطال بقوله السابق: لو وجد في بعض طرق الحديث الخ، فلم يستحسن الجزم في النقل بالاحتمال.
وأما قوله: "لا تظن بهم المخالفة" فمعترض بمثله بأن يقال لا تظن بهم المخالفة بتغيير هيئة الصلاة من غير توقيف والوجه الأول أولى.
وقد أخرج أبو داود في صلاة الطالب حديث عبد الله بن أنيس "إذ بعثه النبي ﷺ إلى سفيان الهذلي قال فرأيته وحضرت العصر فخشيت فوتها فانطلقت أمشي وأنا أصلي أومىء إيماء" وإسناده حسن.
وهذا التعليق ذكر هكذا الوليد في كتاب "السير" له، ورواه الطبراني وابن عبد البر من وجه آخر عن الأوزاعي.
стр. 4697
رجاله ثلاثة:
مرّ الوليد بن مسلم في السادس والثلاثين من "مواقيت الصلاة"، ومرَّ الأوزاعي في العشرين من "العلم":
والثالث: شُرَحْبيلِ بن السَمط على وزن كتف، وقيل بكسر السين وسكون الميم ابن الأسود بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية الأكرمين بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع بن كندة الكندي أبو يزيد، ويقال أبو السمط الشامي مختلف في صحبته. قال ابن سعد: جاهلي إسلامي وقد إلى النبي ﷺ وشهد القادسية وافتتح حمص وقسمها منازل، وجزم البخاري في تاريخه بأن له صحبة.
وذكره ابن حبان في الصحابة وقال: كان عاملًا على حمص، ومات بها ثم أعاده في ثقات التابعين.
وقال الحاكم: أبو أحمد له صحبة. وذكره ابن السكن وابن زبر في الصحابة، وذكره خليفة أنه كان عاملًا لمعاوية على حمص نحوًا من عشرين سنة.
وقال ابن عبد البر: شهد صفين مع معاوية، وله بها أثر عظيم، وثقه النسائي.
قال البغوي: ذكر في الصحابة ولم يذكر له حديث أسنده عن النبي ﷺ ، وذكر له سيف بسنده أن سعد بن أبي وقاص استعمل شرحبيل بن السمط وكان شابًا وكان قاتل في الردة، وغلب الأشعث على الشرف، وكان أبوه قدم الشام مع أبي عبيدة، وشهد اليرموك، وكان شرحبيل من فرسان القادسية روى عن عمر وسلمان وعبادة بن الصامت وغيرهم. وروى عنه جبير بن نفسير وسالم بن أبي الجعد ومحكول وغيرهم.
له في "البخاري" ذكر في "صلاة الخوف" في هذا الأثر المعلق. قال أبو داود: مات بصفين. وقال يزيد بن عبد ربه: مات سنة أربعين. وقال غيره سنة اثنتين وأربعين. وقال صاحب "تاريخ حمص" سنة ست وثلاثين. قال في "الإصابة" وهذا غلط فإنه ثبت أنه شهد صفين وكانت سنة سبع وثلاثين، وفي ذلك يقول النجاشي الشاعر يخاطبه:
شرحبيل ماللدين فارقت أمرنا ... ولكن لبغض المالكي جرير
يعني جرير بن عبد الله البجلي كان الذي بينه وبين شرحبيل متباعدًا.
стр. 4698
الحديث الخامس
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ قَالَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ: لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ. فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمُ الْعَصْرَ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ. فَذُكِرَ لِلنَّبِىِّ ﷺ فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ".
قوله: "لما رجع من الأحزاب" أي من الموضع الذي كان يقاتل فيه الأحزاب إلى منزله بالمدينة، وغزوة الأحزاب هي غزوة الخندق، وقد أنزل الله فيها سورة الأحزاب، وكانت في شوال سنة خمس من الهجرة كما قال ابن إسحاق، وقيل في شوال سنة أربع كما قال موسى بن عقبة، والجمهور على قول ابن إسحاق.
وسميت بالأحزاب؛ لأن الكفار تألفوا من قبائل العرب وهم عشرة آلاف نفس، وكانوا ثلاثة عساكر وجناح والأمر إلى أبي سفيان، وسميت بغزوة الخندق؛ لأن النبي ﷺ لما سمع بهم وما جمعوا، ضرب الخندق على المدينة قال ابن هشام: يقال إن الذي أشار به سلمان الفارسي -رضي الله تعالى عنه-.
وقال الطبري والسهيلي إن أول من حفر الخنادق منوجهر بن أيرج وكان في زمن موسى ﵊.
وذكر ابن إسحاق "لما انصرفَ رسولُ اللهِ ﷺ عن الخندقِ راجعًا إلى المدينةِ والمسلمونَ قد وضعوا السلاح، فلما كان الظهرُ أتى جبريلُ النبيَّ عليهما الصلاة والسلام فقال له: ما وضعت الملائكة السلاح بعدُ وإنّ الله يأمرُك أن تسيرَ إلى بني قريظة، فإنّي عائدٌ إليهم، فأمر رسولُ اللهِ ﷺ بلالًا فأذن في الناس: مَنْ كانَ سامعًا مطيعًا فلا يُصَلِّيَنَّ العصرَ إلا في بني قريظة.
وقال ابن سعد: ثم سار إليهم في ثلاثة آلاف، وكان مع المسلمين ستة وثلاثون فارسًا. وكان ذلك يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي القعدة عقيب الخندق.
وقوله: لا يُصَلِّيَنَ أحد العصر" بالنون الثقيلة المؤكدة، وفي رواية التنصيص على العصر، وكذا في رواية الإسماعيلي. وأصحاب "المغازي" متفقون على أنها العصر كما مرّ عن ابن إسحاق.
стр. 4699
وكذلك أخرجه الطبراني والبيهقي في "الدلائل" بإسناد صحيح إلى عبد الله بن كعب بن مالك "أن رسولَ الله ﷺ لما رجعَ من طلب الأحزاب وجمع عليه اللأمةَ واغتسلَ واستجمرَ تبدّى له جبريلُ فقال: عذيركَ من محارب فوثبَ فزعًا فعزمَ على الناس أنْ لا يصلُّوا العصر حتى يأتوا بني قريظةَ. قال: فلبسَ الناسُ السلاح فلمْ يأتوا قريظةَ حتى غربَتِ الشمسُ. قال: فاختصموا عند غروبِ الشمس، فصلَّتْ طائفةٌ العصرَ، وتركتها طائفةٌ وقالت: إنا في عزمةِ رسول الله ﷺ فليسَ علينا إثمٌ، فلم يعنفْ واحدًا من الفريقين".
وأخرجه الطبراني من هذا الوجه موصولًا بذكر كعب بن مالك فيه، وللبيهقي عن القاسم بني محمد عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- مطولًا "وفيه فصلتْ طائفة إيمانًا واحتسابًا. وتركتْ طائفةٌ إيمانًا واحتسابًا، وهذا كله يؤيد رواية البخاري أنها العصر، وفي جميع النسخ عند "مسلم" أنها الظهر مع اتفاق البخاري ومسلم على روايته من شيخ واحد بإسناد واحد.
وقد وافق مسلمًا أبو يعلى وآخرون، وكذا أخرجه ابن سعد عن أبي عتبان مالك بن إسماعيل عن جويرية بلفظ "الظهر" وابن حبان عن أبي عتبان كذلك. قال في "الفتح": ولم أره من رواية جويرية إلا بلفظ "الظهر" غير أن أبا نعيم في "المستخرج" أخرجه عن أبي حفص السلمي عن جويرية فقال: "العصر".
وقد جمع بعض العلماء بين الروايتين باحتمال أن يكون بعضهم قبل الأمر كان صلى الظهر، وبعضهم لم يصلّها فقيل لمن لم يصلّها لا يصلّينّ أحد الظهر، ولمن صلّاها لا يصلّينَّ أحد العصر.
وجمع بعضهم باحتمال أن تكون طائفة منهم راحت بعد طائفة، فقيل للطائفة الأولى الظهر وللطائفة الأخرى العصر، وكلاهما جمع لا بأس به، لكن يبعده اتحاد مخرج الحديث الذي عند الشيخين بإسناد واحد من مبدئه إلى منتهاه كما مرّ فيبعد أن يكون كل من رجال إسناده قد حدث به على الوجهين إذ لو كان كذلك لحمله واحد منهم عن بعض رواته على الوجهين، ولم يوجد ذلك والذي يتأكد أن الاختلاف في اللفظ المذكور من حفظ بعض رواته، فإن سياق البخاري وحده مخالف لسياق كل من رواه عن عبد الله بن محمد بن أسماء وعن عمه جويرية.
ولفظ البخاري هنا قال النبيُّ ﷺ : لا يُصلِّيَنَّ أحدٌ العصر.
ولفظ مسلم ومن رواه "نادى فينا رسولُ اللهِ ﷺ يومَ انصرف عن الأحزابِ أنْ لا يُصلِّينَّ أحد الظهر إلا في بني قريظةَ فتخوفَ ناسٌ فوتَ الوقتِ فصلَّوا دونَ بني قريظةَ.
وقال آخرون: لا نصلِّي إلا حيث أمرنا رسولُ اللهِ ﷺ وإن فاتنا الوقت. قال: فما عنّفَ واحدًا من الفريقين"، فالذي يظهر من تقارير اللفظين أن عبد الله بن محمد بن أسماء شيخ الشيخين فيه لما حدث به البخاري حدث به على هذا اللفظ، ولما حدث به الباقين حدثهم به على اللفظ الأخير وهو اللفظ الذي حدث به جويرية بدليل موافقة أبي عتبان له عليه، بخلاف اللفظ الذي حدث به
стр. 4700
البخاري أو أن البخاري كتبه من حفظه، ولم يراع اللفظ كما عرف من مذهبه في تجويز ذلك بخلاف مسلم، فإنه يحافظ على اللفظ كثيرًا وإنما لم أجوز عكسه لموافقة من وافق مسلمًا على لفظه بخلاف البخاري، لكن موافقة أبي حفص السلمي له تؤيد الاحتمال الأول، وهذا كله من حيث حديث ابن عمر، أما بالنظر إلى غيره فالاحتمال؛ لأن المتقدم أن في كونه قال الظهر لطائفة والعصر لطائفة متجه فيحتمل أن تكون رواية الظهر هي التي سمعها ابن عمر ورواية العصر هي التي سمعها كعب بن مالك.
وقوله: "إلا في بني قريظة" بضم القاف وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف وفتح الظاء المعجمة وفي آخره هاء، وهم فرقة من اليهود. وقريظة والنضير والنحام وعمرو وهو هدل بنو الخزرج بن الصريح بن تومان بن السمط ينتهي إلى إسرائيل بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام.
وقال ابن دريد: القَرَظ ضرب من الشجر يدبغ به يقال أديم مقروظ، وتصغيره قريظة، وبه سمي البطن من اليهود.
وقوله: "فأدرك بعضهم" الضمير فيه يرجع إلى لفظ أحد وفي بعضهم الثاني والثالث إلى البعض.
وقوله: "لم يرد منا" بالبناء للمجهول أو للفاعل أي المراد من قوله: "لا يصلِّينَّ أحد" لازمه وهو الاستعجال في الذهاب إلى بني قريظة لا حقيقة ترك الصلاة أصلًا. ولم يعنفهم رسول الله ﷺ على مخالفة النهي؛ لأنهم فهموا منه الكناية عن العجلة، ولا التاركين للصلاة المؤخرين عن وقتها لحملهم النهي على ظاهره.
وقال السهيلي وغيره في هذا الحديث من الفقه: أنه لا يعاب على من أخذ بظاهر حديث أو آية، وعلى من استنبط من النص معنى يخصصه وفيه ما استنبطه منه ابن حبان وهو معنى حسن حيث قال: لو كان تأخير المرء للصلاة عن وقتها إلى أن يدخل وقت الصلاة الأخرى يلزمه بذلك اسم الكفر لما أمر المصطفى ﵊ بذلك، وفيه كما قال السهيلي دليل على أن كل مختلفين في الفروع من المجتهدين مصيب إذ لا يستحيل أن يكون الشيء صوابًا في حق إنسان خطأً في حق غيره، وإنما المحال أن تحكم في النازلة بحكمين متضادين في حق شخص واحد، والأصل في ذلك أن الحظر والإباحة صفات أحكام لا أعيان، فكل مجتهد وافق اجتهاده وجهًا من التأويل فهو مصيب، وإنما عسر فهم هذا الأصل على طائفتين: الظاهرية، والمعتزلة.
أما الظاهرية فهم علقوا الأحكام بالنصوص فاستحال عندهم أن يكون النص يأتي بحظر وإباحة معًا إلا على وجه النسخ.
وأما المعتزلة، فإنهم علقوا الأحكام بتقبيح العقل وتحسينه، فصار حسن الفعل عندهم أو قبحه
стр. 4701
صفة عين فاستحال عندهم أن يتصف فعل بالحسن في حق زيد وبالقبح في حق عمرو، كما يستحيل ذلك في الألوان وغيرها من الصفات القائمة بالذوات.
وأما ما عدا هاتين الطائفتين، فليس الحظر عندهم والإباحة بصفات أعيان، وإنما هي صفات أحكام كما مرّ، والمشهور أن الجمهور ذهبوا إلى أن المصيب في القطعيات واحد، وخالف الجاحظ والعنبري.
وأما ما لا قطع فيه فقال الجمهور أيضًا: المصيب واحد، وقد ذكر ذلك الشافعي وقرره، ونقل عن الأشعري أن كل مجتهد مصيب وأن حكم الله تعالى تابع لظن المجتهد، وقال بعض الحنفية وبعض الشافعية: هو مصيب باجتهاده وإن لم يصب ما في نفس الأمر فهو مخطىء وله أجر واحد، وقد أشبعنا الكلام على هذه المسألة في كتابنا "قمع أهل الزيغ والإلحاد".
وقد قيل إن الاستدلال بهذه القصة أن كل مجتهد مصيب على الإطلاق ليس بواضح، وإنما فيه ترك تعنيف من بذل وسعه واجتهد فيستفاد منه عدم تأثيمه. وحاصل ما وقع في القصة أن بعض الصحابة حملوا النهي على حقيقته ولم يبالوا بخروج الوقت ترجيحًا للنهي الثاني على النهي الأول وهو ترك تأخير الصلاة عن وقتها، واستدلوا بجواز التأخير لمن اشتغل بأمر الحرب بنظير ما وقع في تلك الأيام بالخندق، فقد تقدم حديث جابر المصرح بأنهم صلّوا العصر بعدما غربت الشمس وذلك لشغلهم بأمر الحرب، فجوّزوا أن يكون ذلك عامًّا في كل شغل يتعلق بأمر الحرب ولاسيما والزمان زمان التشريع.
والبعض الآخر حملوا النهي على غير الحقيقة، وأنه كناية عن الحث والاستعجال والإسراع إلى بني قريظة.
وقد استدل به الجمهور على عدم تأثيم من اجتهد؛ لأنه ﵊ لم يعنف أحدًا من الطائفتين، فلو كان هناك إثم لعنف من أثم.
واستدل به على جواز الصلاة على الدواب في شدة الخوف، وفيه نظر لما مرَّ عند احتجاج الوليد السابق من أن الحديث لا يدل على أنهم صلوا ركبانًا؛ ولذا قال العلماء: إن ابن المنير أغرب حيث قال إن الطائفة الذين صلوا العصر لما أدركتهم في الطريق إنما صلوها وهم على الدواب، واستند إلى أن النزول إلى الصلاة ينافي مقصود الإسراع في الوصول، قال: فإن الذين لم يصلّوا عملوا بالدليل الخاص وهو الأمر بالإسراع، فترك عموم إيقاع العصر في وقتها إلى أن فات، والذين صلوا جمعوا بين دليلي وجوب الصلاة ووجوب الإسراع فصلوا ركبانًا؛ لأنهم لو صلوا نزولًا لكان مضادة لما أمروا به من الإسراع، ولا يظن ذلك بهم مع ثقوب إفهامهم، وفيه نظر؛ لأنه لم يصرح لهم بترك النزول فلعلهم فهموا أن المراد بأمرهم أن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة المبالغة في الأمر بالإسراع فبادروا إلى امتثال أمره، وخصوا وقت الصلاة من ذلك لما تقرر عندهم من تأكيد أمرها،
стр. 4702
فلا يمتنع أن ينزلوا فيصلّوا ولا يكون في ذلك مضادة لما أمروا به، ودعوى أنهم صلّوا ركبانًا يحتاج إلى دليل وليس موجودًا صريحًا في شيء من طرق هذه القصة، وقد مرّ بعث ابن بطال قبيل هذا الحدث.
وقال ابن القيم في "الهدي" ما حاصله كل من الفريقين مأجور بقصده إلا أن مَنْ صلّى حاز الفضيلتين: امتثال الأمر في الإسراع، وامتثال الأمر بالمحافظه على الوقت ولاسيما ما في هذه الصلاة بعينها من الحث على المحافظة عليها. وإن من فاتته حبط عمله وإنما لما يعنف الذين أخروها لقيام عذرهم في التمسك بظاهر الأمر؛ ولأنهم اجتهدوا فأخروا لامتثالهم الأمر لكنهم لم يصلوا إلى أن يكون اجتهادهم أصوب من اجتهاد الطائفة الأخرى، وأما من احتج لمن أخر بأن الصلاة حينئذ كانت تؤخر كما في الخندق، وكان ذلك قبل صلاة الخوف فليس بواضح أن يكون التأخير في الخندق كان عن نسيان وذلك بين في قوله ﵊ لعمر لما قال له: "ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب، فقال: والله ما صليتها" لأنه لو كان ذاكرًا لها لبادر إليها كما فعل عمر. وقد مرّ تأخير الصلاة في الخندق في أواخر مواقيت الصلاة بما يغني عن إعادته هنا، واستدل به على أن الذي يتعمد تأخير الصلاة حتى يخرج وقتها يقضيها بعد ذلك؛ لأن الذين لم يصلّوا العصر صلّوها بعد ذلك كما عند ابن إسحاق أنهم صلوها في وقت العشاء، وعند موسى بن عقبة أنهم صلّوها بعد أن غابت الشمس، وكذا في حديث كعب بن مالك وفيه نظر؛ لأنهم لم يؤخروها إلا لعذر تأولوه والنزاع إنما هو فيمن أخر عمدًا بغير تأويل.
رجاله أربعة:
قد مرّوا: مرَّ عبد الله بن محمد بن أسماء في الثالث من "الجمعة"، ومرّ جويرية بن أسماء في السابع والتسعين من أحاديث استقبال القبلة، ومرّ نافع في الأخير من "العلم"، ومرَّ ابن عمر في أول "الإيمان" قبل ذكر حديث منه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، والنصف الأول من الرواة بصري، والثاني مدني أخرجه البخاري في "المغازي" أيضًا ومسلم فيها. ثم قال المصنف:
باب التكبير والغَلَس بالصبح والصلاة عند الإغارة والحرب
قوله: "التكبير" كذا للأكثر وللكشميهني التبكير بتقديم الموحدة وهو أوجه والغَلَس بفتحتين ظلمة آخر الليل، والمراد منه التغليس بصلاة الصبح.
وقوله: "عند الإغارة" بكسر الهمزة بعدها معجمة متعلقة بالصلاة وبالتبكير أيضًا وهي في الأصل الإسراع في العدو والمراد به هنا الهجوم على العدو على وجه الغفلة، ووجه دخول هذه الترجمة في أبواب صلاة الخوف الإشارة إلى أن صلاة الخوف لا يشترط فيها التأخير إلى آخر الوقت
стр. 4703
كما شرطه من شرطه في صلاة شدة الخوف عند التحام المقاتلة، ويحتمل أن يكون للإشارة إلى تعيين المبادرة إلى الصلاة في أول وقتها قبل الدخول في الحرب والاشتغال بأمر الحرب.
وأما التكبير؛ فلأنه ذكر مأثور عند كل أمر مهول وعند كل حادث سار شكرًا لله تعالى وتبرئة له من كل ما نسبه إليه أعداؤه ولاسيما اليهود قبحهم الله تعالى.
الحديث السادس
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ بن زيد عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ وَثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الصُّبْحَ بِغَلَسٍ ثُمَّ رَكِبَ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ. فَخَرَجُوا يَسْعَوْنَ فِي السِّكَكِ وَيَقُولُونَ: مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ. قَالَ: وَالْخَمِيسُ: الْجَيْشُ فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ وَسَبَى الذَّرَارِيَّ، فَصَارَتْ صَفِيَّةُ لِدِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ، وَصَارَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَجَعَلَ صَدَاقَهَا عِتْقَهَا. فَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ لِثَابِتٍ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أَنْتَ سَأَلْتَ أَنَسًا مَا أَمْهَرَهَا؟ قَالَ: أَمْهَرَهَا نَفْسَهَا. فَتَبَسَّمَ.
وهذا الحديث قد مرّ في أوائل الصلاة في باب ما يذكر في الفخذ، واستوفى الكلام عليه هناك.
وقوله: "ويقولون محمد والخميس" فيه حمل لرواية عبد العزيز بن صهيب على رواية ثابت، فقد مرّ في الباب المذكور أن عبد العزيز لم يسمع من أنس قوله والخميس، وأنها في رواية ثابت عند مسلم.
وقوله: "فصارت صفية لدحية الكلبي، وصارت لرسول الله ﷺ " ظاهره أنها صارت لهما معًا، وليس كذلك بل صارت لدحية أولًا ثم صارت بعده لرسول الله ﷺ كما تقدم إيضاحه في الباب المذكور.
رجاله خمسة:
قد مرّوا وفيه ذكر أُمنا صفية، مرَّ مسدد وأنس في السادس من "الإيمان"، ومرّ حماد بن زيد في الرابع والعشرين منه، ومرَّ عبد العزيز بن صهيب في الثامن منه، ومرّ ثابت البناني في تعليق بعد الخامس من العلم، ومرت أُمنا صفية في الثالث والثلاثين من "الحيض".
وهذا الحديث قد مرَّ في باب (ما يذكر في الفخذ).
стр. 4704
خاتمة
اشتملت أبواب صلاة الخوف على ستة أحاديث مرفوعة موصولة تكرر منها فيما مضى حديثان والأربعة خالصة، وافقه مسلم على تخريجها إلا حديث ابن عباس وفيها من الآثار عن الصحابة والتابعين ستة آثار، منها واحد موصول وهو أثر مجاهد والله تعالى أعلم. ثم قال المصنف:
стр. 4705
كتاب العيدين
باب في العيدين والتجمل فيه
كذا في رواية أبي علي شبويه، ونحوه لابن عساكر وسقطت البسملة لأبي ذر وله في رواية المستملي أبواب بدل كتاب، واقتصر في رواية الأصيلي والباقين على قوله باب الخ، والضمير في فيه راجع إلى جنس العبد. وفي رواية الكشميهني فيهما "والعيدان عيد الفطر، والأضحى".
وأصل العيد عِوْد؛ لأنه مشتق من عاد يعود عودًا، وهو الرجوع قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها كالميزان والميقات من الوزن والوقت ويجمع على أعياد وكان من حقه أن يجمع على أعواد؛ لأنه من العود كما ذكرنا، ولكن جمع بالياء للزومها في الواحد، وللفرق بينه وبين أعواد الخشبة وسميا عيدين لكثرة عوائد الله تعالى فيهما.
وقيل: لأنهما يعودان مرة بعد مرة؛ أو لأنهما يعودان على الناس بالفرح والسرور.
الحديث الأول
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: أَخَذَ عُمَرُ جُبَّةً مِنْ إِسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ فِي السُّوقِ، فَأَخَذَهَا فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْتَعْ هَذِهِ تَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ وَالْوُفُودِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لاَ خَلاَقَ لَهُ. فَلَبِثَ عُمَرُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَلْبَثَ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِجُبَّةِ دِيبَاجٍ، فَأَقْبَلَ بِهَا عُمَرُ، فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّكَ قُلْتَ إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لاَ خَلاَقَ لَهُ. وَأَرْسَلْتَ إِلَيَّ بِهَذِهِ الْجُبَّةِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تَبِيعُهَا أَوْ تُصِيبُ بِهَا حَاجَتَكَ.
قوله: "أخذ عمر جبة" كذا للأكثر أخذ بهمزة وخاء وذال معجمتين في الموضعين، وفي بعض النسخ وجد بواو وجيم في الأول وهو أوجه، وكذا أخرجه الإسماعيلي والطبراني في "مسند الشاميين". ووجه الكرماني الأول بأنه أراد ملزوم الأخذ وهو الشراء، وفيه نظر؛ لأنه لم يقع منه ذلك فلعله أراد السوم.
стр. 4706
وقوله: "ابتع هذه تجمل بها" كذا للأكثر بصيغة الأمر مجزومًا، وكذا جوابه. وفي رواية أبي ذر عن المستملي والسرخسي "ابتاع هذه تجمل". وضبط في نسخة معتمدة بهمزة استفهام ممدودة ومقصورة وضم لام تجمل على أن أصله تتجمل، فحذفت إحدى التائين كان عمر استأذن أن يبتاعها ليتجمل بها النبي ﷺ ويحتمل أن يكون بعض الرواة أشبع فتحة التاء فظنت ألفًا. وقال الكرماني: قوله: "هذه" إشارة إلى نوع الجبة والذي يظهر أنها إشارة إلى عينها ويلتحق بها جنسها.
وقوله: "للعيد والوفود تقدم في كتاب "الجمعة" بلفظ للجمعة بدل للعيد، وهي رواية نافع وهذه رواية سالم وكلاهما صحيح. وكأن ابن عمر ذكرهما معًا فاقتصر كل راو على أحدهما.
وقوله: "تبيعها وتصيب بها حاجتك" في رواية الكشميهني أو تصيب، ومعنى الأول وتصيب بثمنها والثاني يحتمل أو بمعنى الواو فهو كالأول أو التقسيم، والمراد المقايضة أو أعم من ذلك. وهذا الحديث تقدم في أوائل الجمعة في باب (يلبس أحسن ما يجد) من رواية نافع. ومرّ الكلام عليه هناك.
رجاله ستة:
قد مرّوا: مرَّ أبو اليمان وشعيب في السابع من "بدء الوحي"، ومرّ الزهري في الثالث منه، ومرّ عمر في الأول منه ومرّ سالم في السابع عشر من "الإيمان"، ومرّ أبو عبد الله في أوله قبل ذكر حديث منه. أخرجه النسائي أيضًا في الزينة، وقد مرّ في كتاب "الجمعة". ثم قال المصنف:
باب الحراب والدرق يوم العيد
الحراب بكسر المهملة جمع حربة، والدَّرَق بالتحريك جمع دَرَقة وهي الترس. قال ابن بطال حمل السلاح في العيد لا مدخل له في سنة العيد ولا في صفة الخروج إليه، ويمكن أن يكون ﷺ كان محاربًا خائفًا فرأى الاستظهار بالسلاح لكن ليس في حديث الباب أنه ﵊ خرج بأصحاب الحراب معه يوم العيد ولا أمر أصحابه بالتأهب بالسلاح فلا يطابق الحديث الترجمة.
وأجاب ابن المنير: بأن مراد البخاري الاستدلال على أن العيد يغتفر فيه من الانبساط ما لا يغتفر في غيره، وليس في الترجمة أيضًا تقييده بحال الخروج إلى العيد، بل الظاهر أن لعب الحبشة إنما كان بعد رجوعه ﷺ من المصلى؛ لأنه كان يخرج أول النهار فيصلي ثم يرجع.
стр. 4707
الحديث الثاني
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمْرٌو أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَسَدِيَّ حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﵊ فَقَالَ: دَعْهُمَا. فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا. وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَإِمَّا قَالَ: تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟. فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ خَدِّي عَلَى خَدِّهِ، وَهُوَ يَقُولُ: دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ. حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ قَالَ: حَسْبُكِ؟. قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَاذْهَبِي".
قوله: "دخل علي رسول الله" الخ زاد في رواية الزهري عن عروة في أيام مني، وسيأتي بعد نحو ثلاثة وعشرين بابًا. وقوله: "جاريتان" تثنية جارية والجارية في النساء كالغلام في الرجال، ويقال على من دون البلوغ منهما وزاد في الباب الذي بعده من جواري الأنصار.
وللطبراني عن أم سلمة أن إحداهما كانت لحسان بن ثابت، وفي الأربعين للسلمي أنهما كانتا لعبد الله بن سلام.
وفي العيدين لأبي الدنيا عن فليح عن هشام بن عروة "وحمامة وصاحبتها تغنيان" وإسناده صحيح ويأتي في السند زيادة لهذا. وقوله: "تغنيان" جملة في محل الرفع على أنها صفة لجاريتين. زاد في رواية الزهري تدففان بفاءين أي: تضربان بالدف ولمسلم في رواية هشام تغنيان بدف.
وللنسائي "بدفين" والدف بضم الدال على الأشهر، وقد تفتح ويقال له الكِرْبال بكسر الكاف وهو الذي لا جلاجل فيه فإن كانت فيه فهو المِزْهَر.
وفي حديث الباب الذي بعده بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث أي: قال بعضهم لبعض من فخر أو هجاء وللمصنف في الهجرة بما تعازفت بمهملة وزاي وفاء من العزف وهو الصوت الذي له دوي.
وفي رواية تقاذفت بقاف بدل العين وذال معجمة بدل الزاي وهو من القذف وهو هجاء بعضهم لبعض.
стр. 4708
وقوله: "بغناء بعاث" بكسر الغين المعجمة وبالمد، قال الجوهري: الغناء بالكسر من السماع وبالفتح النفع وبُعاث بضم الموحدة وبعدها مهملة وآخره مثلثة.
قال عياض ومن تبعه: أعجمها أبو عبيد وحده. وقال ابن الأثير أعجمها الخليل وحده. وجزم أبو موسى بأنه تصحيف، وتبعه صاحب "النهاية". ولأحمد عن هشام يذكر أن يوم بعاث يوم قتل فيه صناديد الأوس والخزرج.
وقال البكري هو موضع من المدينة على ليلتين.
وقال أبو موسى وصاحب النهاية هو حصن للأوس. وفي كتاب أبي الفرج الأصفهاني هو موضع في دار بني قريظة فيه أموال لهم، وكان موضع الوقعة في مزرعة لهم هناك ولا منافاة بين القولين، والأشهر فيه ترك الصرف.
وقال الخطابي: يوم بعاث يوم مشهور من أيام العرب كانت فيه مقتلة عظيمة للأوس على الخزرج وبقيت الحرب قائمة مائة وعشرين سنة إلى الإِسلام على ما ذكر ابن إسحاق، وتبعه غيره من شراح "الصحيحين". قال في "الفتح": وفيه نظر لإيهامه أن الحرب التي وقعت يوم بعاث دامت هذه المدة، وليس كذلك لما يأتي في أوائل الهجرة عن عائشة قالت: "كانَ يومُ بعاثَ يومًا قدمهُ اللهُ لرسولِه فقدمَ المدينةَ وقد افترقَ ملؤهم وقتلتْ سراتُهم". وكذا ذكره ابن إسحاق وغيره من أصحاب الأخبار. وقد روى ابن سعد بأسانيده أن النفر الستة أو الثمانية الذين لقوا النبي ﵊ (بمِنى) أول من لقيه من الأنصار، وكانوا قد قدموا إلى مكة ليحالفوا قريشًا كان في جملة ما قالوه له لما دعاهم إلى الإِسلام والنصر له أعلم إنما كانت وقعة بعاث عام الأول فموعدك الموسم القابل، فقدموا في السنة التي تليها فبايعوه وهي البيعة الأولى، ثم قدموا الثانية فبايعوه وهم سبعون نفسًا، وهاجر النبي ﷺ في أوائل السنة التي تليها، فدل ذلك على أن وقعة بعاث كانت قبل الهجرة بثلاث سنين وهو المعتمد، وهو أصح من قول ابن عبد البر في ترجمة زيد بن ثابت من "الاستيعاب" أنه كان يوم بعاث ابن ست سنين وحين قدم النبي ﵊ كان ابن إحدى عشرة. فيكون يوم بعاث قبل الهجرة بخمس سنين.
نعم، دامت الحرب بين الحيين: الأوس، والخزرج المدة التي ذكرها في أيام كثيرة شهيرة، وكان أولها فيما ذكره ابن إسحاق وهشام بن الكلبي وغيرهما أن الأوس والخزرج لما نزلوا المدينة وجدوا اليهود مستوطنين لها فحالفوهم وكانوا تحت قهرهم، ثم غلبوا اليهود في قصة طويلة بمساعدة أبي جبيلة ملك غسان، فلم يزالوا على اتفاق بينهم حتى كانت أول حرب وقعت بينهم حرب (سُمَير) بالمهملة مصغر بسبب رجل يقال له كعب من بني ثعلبة نزل على مالك بن عجلان الخزرجي فحالفه فقتله رجل من الأوس يقال له سمير، فكان ذلك سبب الحرب بين الحيين. ثم كانت بينهم وقائع من أشهرها يوم (السرارة) بمهملات ويوم (فارع) بفاء ومهملة، ويوم (الفجار)
стр. 4709
الأول والثاني، وحرب (حصين بن الأسلت)، وحرب (حاطب بن قيس) إلى أن كان آخر ذلك يوم (بعاث) وكان رئيس الأوس فيه حُضَير والد أُسَيد، وكان يقال له حضير الكتائب وجرح يومئذ ثم مات بعد مدة من جراحته، وكان رئيس الخزرج عمرو بن النعمان، وجاءه سهم في القتال فصرعه فهزموا بعد أن كانوا قد استظهروا.
ولحسان وغيره من الخزرج وكذا لقيس بن الحطيم وغيره من الأوس في ذلك أشعار كثيرة مشهورة في دواوينهم.
وقوله: "فاضطجع على الفراش" في رواية الزهري المذكورة أنه "تغَشَّى بثوبه". وعند مسلم "تسجّى" أي التف بثوبه.
وقوله: "وجاء أبو بكر" في رواية هشام بن عروة في الباب الذي بعده "دخل على أبو بكر" وكأنه جاء زائرًا لها بعد أن دخل النبي ﷺ بيته.
وقوله: "فانتهرني" في رواية الزهري "فانتهرهما" أي: الجاريتين، ويجمع بأنه شرك بينهن في الانتهار والزجر، أما عائشة فلتقريرها وأما الجاريتان فلفعلهما.
وقوله: "مِزمارة الشيطان" بكسر الميم يعني الغناء أو الدف، لأن المزمارة والمزمار مشتق من الزمير وهو الصوت الذي له الصفير، ويطلق على الصوت الحسن وعلى الغناء، وسميت به الآلة المعروفة التي يزمر بها. وإضافتها إلى الشيطان من جهة أنها ملهى فقد تشغل القلب عن الذكر.
وفي رواية حماد بن سلمة عند أحمد "فقال: يا عباد الله أبمزمور الشيطان عند رسول الله ﷺ .
قال القرطبي المزمور الصوت ونسبته إلى الشيطان ذم على ما ظهر لأبي بكر. وضبطه عياض بضم الميم، وحكى فتحها.
وقوله: "فأقبل عليه" في رواية الزهري "فكشف النبي ﷺ عن وجهه". وفي رواية فليح "فكشف عن رأسه"، وقد مرّ أنه كان ملتفًا.
وقوله: زاد في رواية هشام "يا أبا بكر إن لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا" ففيه تعليل الأمر بتركهما وإيضاح خلاف ما ظنه الصديق من أنهما فعلتا ذلك بغير علمه ﵊؛ لكونه دخل فوجده مغطى بثوبه فظنه نائمًا، فتوجه له الإنكار على ابنته من هذه الأوجه مستصحبا لما تقرر عنده من منع الغناء واللهو فبادر إلى إنكار ذلك قيامًا عن النبي ﷺ بذلك مستندًا إلى ما ظهر له، فأوضح له النبي ﷺ الحال وعرفه الحكم مقرونًا ببيان الحكمة بأنه يوم عيد أي: يوم سرور شرعي، فلا ينكر فيه مثل هذا، كما لا ينكر في الأعراس، وبهذا يرتفع الإشكال عن من قال كيف ساغ للصديق إنكار شيء أقره النبي ﷺ وتكلف جوابًا لا يخفى تعسفه؟
وقوله: "لكل قوم" أي: من الطوائف.
стр. 4710
وقوله: "عيد" أي: كالنيروز والمهرجان. وفي النسائي وابن حبان بإسناد صحيح عن أنس "قدم النبي ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: قد أبدلكم الله تعالى بهما خيرًا منهما يوم الفطر والأضحى".
واستنبط منه كراهة الفرح في أعياد المشركين والتشبه بهم، وبالغ الشيخ أبو حفص الكبير النسفي من الحنفية فقال من أهدى فيه بيضة إلى مشرك تعظيمًا لليوم فقد كفر بالله تعالى، واستدل جماعة من الصوفية بحديث الباب على إباحة الغناء وسماعه بآلة وبغير آلة، ويكفي في رد ذلك تصريح عائشة في الحديث الذي في الباب بعده بقولها "وليستا بمغنيتين" فنفت عنهما عن طريق المعنى ما أثبته لهما باللفظ؛ لأن الغناء يطلق على رفع الصوت وعلى الترنم الذي تسميه العرب (النَصْب) بفتح النون وسكون المهملة، وعلى (الحداء) ولا يسمى فاعله مغنياً، وإنما يسمى بذلك من ينشد بتمطيط وتكسير وتهييج وتشويق بما فيه تعريض بالفواحش أو تصريح. قال القرطبي قولها "ليستا بمغنيتين" أي: ليستا ممن يعرف الغناء كما يعرفه المغنيات المعروفات بذلك، وهذا منها تحرز عن الغناء المعتاد عند المشتهرين به وهو الذي يحرك الساكن ويبعث الكامن، وهذا النوع إذا كان في شعر فيه وصف محاسن النساء والخمر وغيرهما من الأمور المحرمة لا يختلف في تحريمه. قال: وأما ما ابتدعته الصوفية من ذلك، فمن قبيل ما لا يختلف في تحريمه، لكن النفوس الشهوانية غلبت على كثير ممن ينسب إلى الخير حتى لقد ظهرت من كثير منهم فعلات المجانين والصبيان حتى رقصوا بحركات متطابقة وتقطيعات متلاحقة، وانتهى التواقح بقوم منهم إلى أن جعلوها من باب القرب وصالح الأعمال وأن ذلك يثمر سني الأحوال، وهذا على التحقيق من آثار الزندقة وقول أهل الخرقة وينبغي أن يعكس مرادهم، ويقرأ سيّء عوض النون الخفيفة المكسورة بغير همز بمثناة تحتانية مكسورة ثقيلة مهموزًا.
وأما ما يسلم من المحرمات، فيجوز القليل منه في الأعياد والأعراس.
قال الماوردي: اختلف العلماء فيه فأباحه قوم مطلقًا، ومنعه قوم مطلقًا، وكرهه مالك والشافعي في أصح القولين، ونقل عن أبي حنيفة المنع، وكذا أكثر الحنابلة ونقل ابن طاهر في كتاب "السماع" الجواز عن كثير من الصحابة، لكن لم يثبت من ذلك شيء إلا في النَصْب المشار إليه أولًا وهو ضرب من النشيد بصوت فيه تمطيط.
قال ابن عبد البر: الغناء الممنوع ما فيه تمطيط وإفساد لوزن الشعر طلبًا للضرب، وخروجًا من مذاهب العرب، وإنما وردت الرخصة في الضرب الأول دون ألحان العجم.
قال الماوردي: هو الذي لم يزل أهل الحجاز يرخصون فيه من غير نكير إلا في حالتين: أن يكثر منه جدًا، أو أن يصحبه ما يمنعه منه. واحتج من أباحه بأن فيه ترويحًا للنفس، فإن فعله ليقوى على الطاعة فهو مطيع أو على المعصية فهو عاص، وإلا فهو مثل التنزه في البستان والتفرج على المارة.
стр. 4711
وأطنب الغزالي في الاستدلال، ومحصله أن الحداء بالرجز والشعر لم يزل يفعل بالحضرة النبوية وربما التمس ذلك، وليس هو إلا أشعار توزن بأصوات طيبة وألحان موزونة، وكذلك الغناء أشعار موزونة تؤدى بأصوات مستلذة وألحان موزونة.
وقال الحليمي ما تعين طريقًا للدواء أو شهد به طبيب عدل عارف جاز، ونظم بعض علماء المالكية هذا الفرع فقال:
الفكر في المسائل الصعاب ... يورث داء في الجسوم رابي
دواؤه سماع صوت يحسن ... وذاك في المواق حكم بيّن
ولا يلزم من إباحة الضرب بالدف في العرس ونحوه إباحة غيره من الآلات كالعود ونحوه، وقد حكى قوم الإجماع على تحريم الآلات، وحكى بعضهم عكسه. وفي "العيني" قال بعض مشايخنا: مجرد الغناء والاستماع إليه معصية حتى قالوا استماع القرآن بالألحان معصية والتالي والسامع آثمان. واستدلوا في ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ جاء في التفسير أن المراد به الغناء.
وفي "فردوس الأخبار" عن جابر رضي الله تعالى عنه أنه قال: احذروا الغناء فإنه من قبل الشيطان إبليس، وهو شرك عند الله لا يغني إلا الشيطان، وقد كرهه في غير العرس مثل المرأة في منزلها والصوت قال لا كراهة وأما الذي يجيء منه اللعب الفاحش والغناء فإني أكرهه، وقد أشبعت الكلام على الغناء بما لا مزيد عليه في كتابي "تصوف السعادة والفلاح"، وأما التفافه عليه الصلاة السلام بثوبه ففية إعراض عن ذلك؛ لكون مقامه يقتضي أن يرتفع عن الإصغاء إلى ذلك، لكن عدم إنكاره قال على تسويغ مثل ذلك على الوجه الذي أقره إذ لا يقر على باطل، والأصل التنزه عن اللعب واللهو فيقتصر على ما ورد فيه النص وقتًا وكيفية تقليلًا لمخالفة الأصل، وقوله: "غمزتهما" جواب "لما"، والغمز بمعنى الإشارة بالعين والحاجب أو اليد والرمز كذلك.
في الحديث مشروعية التوسعة على العيال في أيام الأعياد بأنواع ما يحصل لهم:
بسط النفس، وترويح البدن من كلف العبادة. وأن الإعراض عن ذلك أولى.
وفيه أن إظهار السرور في الأعياد من شعار الدين.
وفيه جواز دخول الرجل على ابنته وهي عند زوجها إذا كان له بذلك عادة، وتأديب الأب بحضرة الزوج وإن تركه الزوج إذ التأديب وظيفة الآباء، والعطف مشروع من الأزواج للنساء.
وفيه الرفق بالمرأة واستجلاب مودتها، وأن مواضع أهل الخير تنزه عن اللهو واللغو وإن لم يكن فيه إثم إلا بإذنهم.
وفيه أن التلميذ إذا رأى عند شيخه ما يستكره مثله بادر إلى إنكاره، ولا يكون في ذلك افتيات
стр. 4712
على شيخه بل أدب منه ورعاية لحرمته وإجلال لمنصبه.
وفيه فتوى التلميذ بحضرة شيخه بما يعرف من طريقته، ويحتمل أن يكون أبو بكر ظن أن النبي ﵊ نام فخشي أن يستيقظ فيغضب على ابنته فبادر إلى سد هذه الذريعة، وفي قول عائشة: "فلما غفل غمزتهما" دلالة على أنها مع ترخيص النبي ﷺ لها في ذلك راعت خاطر أبيها وخشيت غضبه عليها فأخرجتهما واقتناعها في ذلك بالإشارة فيما يظهر للحياء من الكلام بحضرة من هو أكبر منها. واستدل به على جواز سماع صوت الجارية بالغناء ولو لم تكن مملوكة؛ لأنه ﷺ لم ينكر على أبي بكر سماعه بل أنكر إنكاره واستمرتا حتى أشارت لهما عائشة بالخروج ولا يخفى أن محل الجواز ما إذا أمنت الفتنة بذلك.
وقوله: "وكان يوم عيد" هذا حديث آخر، وقد جمعهما بعض الرواة وأفردهما بعضهم، وقد تقدم هذا الحديث.
الثاني من وجه آخر عن الزهري عن عروة في أبواب المساجد ووقع عند الجوزقي، وحديث الباب هنا "وقالت" أي: عائشة "كان يوم عيد" فتبين بهذا أنه موصول كالأول، وقد استوفي الكلام على هذا الحديث في باب (أصحاب الحراب في المسجد) من أبواب المساجد.
رجاله ستة:
قد مرّوا، وفيه ذكر أبي بكر ولفظ جاريتان مبهمتان، وأحمد شيخ البخاري يحتمل أن يكون أحمد بن صالح المصري وأن يكون أحمد بن عيسى، وقد مرّ كل منهما في الرابع والسبعين من أحاديث استقبال القبلة، ومرّ ابن وهب في الثالث عشر من "العلم"، ومرَّ عمرو بن الحارث في السابع والستين من "الوضوء"، ومرَّ محمد بن عبد الرحمن الأسدي في الثامن والثلاثين من "الغسل"، ومرَّ عروة وعائشة في الثاني من "بدء الوحي"، ومرَّ أبو بكر في باب (من لم يتوضأ من لحم الشاة) بعد الحادي والسبعين من "الوضوء".
والجاريتان المبهمتان قيل إن اسم إحداهما حمامة ولم يذكر أحد من مصنفي أسماء الصحابة حمامة هذه، وقيل اسم الأخرى زينب احتمالًا عند صاحب "الفتح"، ولم يذكر لها تعريفًا ولا نسبًا ولعله أخذه من حديث ابن طاهر في كتاب "الصفوة" أن في الأنصار امرأة يقال لها زينب كانت تغني بالمدينة.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع وإِفراد والإخبار بالجمع والعنعنة والقول، والشطر الأول من الرواة مصريون والثاني مدنيون، أخرجه البخاري في سبعة أبواب في "الجهاد" وفي "حسن العشرة مع الأهل" وفي غير ذلك ومسلم في الصلاة. ثم قال المصنف:
стр. 4713
باب سنة العيدين لأهل الإِسلام
كذا للأكثر، وقد اقتصر عليه الإِسماعيلي في "المستخرج" وأبو نعيم، وزاد أبو ذر عن الحموي في أول الترجمة الدعاء في العيد قال ابن رشيد: أراه تصحيفًا، وكأنه كان فيه اللعب في العيد يعني فيناسب حديث عائشة وهو الثاني من حديثي الباب، ويحتمل أن يوجه بأن الدعاء بعد صلاة العيد يؤخذ حكمه من جواز اللعب بعدها بطريق الأولى. وقد روى ابن عدي عن واثلة أنه لقي رسول الله ﷺ ، يوم عيد فقال: "تقبّل اللهُ منا ومنك، فقال: نعم تقبّل اللهُ منا ومنك" وفي إسناده محمد بن إبراهيم الشامي وهو ضعيف. وقد تفرد به مرفوعًا وخولف فيه فروى البيهقي عن عبادة بن الصامت أنه سأل رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "ذلك فعلُ أهلِ الكتابين" وإسناده ضعيف أيضًا وكأنه أراد أنه لم يصح فيه شيء لكن في المحامليات عن جبير بن نفير قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: تقبّل الله منا ومنك.
الحديث الثالث
حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي زُبَيْدٌ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ: "إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ مِنْ يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا".
وهذا الحديث طرف من حديث سيأتي بتمامه بعد باب، واستشكل الزين بن المنير مناسبته للترجمة من حيث إنه قال فيها العيدين بالتثنية مع أنها لا تتعلق إلا بعيد النحر. وأجاب بأن في قوله: "إن أول ما تبدأ به في يومنا هذا أن نصلي" إشعارًا بأن الصلاة ذلك اليوم هي الأمر المهم، وأن ما سواها من الخطبة والنحر والذكر وغير ذلك من أعمال البر يوم النحر فبطريق التبع، وهذا القدر مشترك بين العيدين فحسن أن لا تفرد الترجمة بعيد النحر.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرّ حجاج بن منهال في الثامن والأربعين من "الإيمان"، ومرّ شعبة في الثالث منه، ومرّ زبيد في الحادي والأربعين منه، ومرّ عامر الشعبي في الثالث منه، ومرّ البراء في الثالث والثلاثين منه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإخبار بالإفراد والعنعنة والسماع والقول.
والأول من الرواة بصري، والثاني واسطي والباقيان كوفيان. أخرجه البخاري في "العيدين" أيضًا وفي "الأضاحي" وفي "النذور"، ومسلم في "الذبائح". وأبو داود والترمذي في "الأضاحي" والنسائي في "الأضاحي" وفي "الصلاة".
стр. 4714
الحديث الرابع
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الأَنْصَارِ تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتِ الأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ قَالَتْ: وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَمَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وَهَذَا عِيدُنَا.
ومناسبة هذا الحديث للترجمة التي اقتصر عليها أنها من قوله، "وهذا عيدنا" لإشعاره بالندب إلى ذلك وفيه نظر؛ لأن اللعب لا يوصف بالندبية لكن يقربه أن المباح قد يرتفع بالنية إلى درجة ما يثاب عليه. ويحتمل أن يكون المراد أن تقديم العبادة على اللعب سنة، أو تحمل السنة في الترجمة على المعنى اللغوي. وقد تقدم الكلام على حديث عائشة مستوفى في الباب الذي قبله.
رجاله خمسة:
قد مرّوا. مرّ عبيد بن إسماعيل في الثاني والعشرين من "الحيض"، ومرّ أبو أسامة في الحادي والعشرين من "العلم"، ومرَّ هشام وعروة وعائشة في الثاني من "بدء الوحي"، ومرّ الكلام على الجاريتين وعلى أبي بكر في الثاني قبل هذا بحديث. ثم قال المصنف:
стр. 4715
باب الأكل يوم الفطر قبل الخروج
أي: إلى صلاة العيد.
الحديث الخامس
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسٍ بن مالك قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لاَ يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ.
قوله: "أخبرنا عبيد الله" في نسخة الصغاني حدثنا عبيد الله هكذا رواه سعيد بن سليمان عن هشيم وتابعه أبو الربيع الزهراني عند الإسماعيلي جبارة بن المغلس عند ابن ماجه، ورواه عن هشيم قتيبة عند الترمذي، وأحمد بن منيع عند ابن خزيمة، وأبو بكر بن أبي شيبة عند ابن حبان، والإسماعيلي وعمر بن عون عند الحاكم، وقالوا كلهم عن هشيم عن محمد بن إسحاق عن حفص بن عبيد الله بن أنس عن أنس قال الترمذي: صحيح غريب. وأعله الإسماعيلي بأن هشيمًا مدلس، وقد اختلف عليه فيه وابن إسحاق من شرط البخاري وهذه علة غير قادحة، لأن هشيمًا قد صرح فيه بالإخبار فأمن من تدليسه؛ ولهذا أنزل فيه البخاري درجة؛ لأن سعيد بن سليمان من شيوخه وقد أخرجه، وقد أخرج هذا الحديث عنه بواسطة لكونه لم يسمعه منه ولم يلق من أصحاب هشيم مع كثرة من لقيه منهم من يحدث به مصرحًا عنه بالإخبار.
وقد جزم أبو مسعود الدمشقي بأنه كان عند هشيم على الوجهين، وأن أصحاب هشيم القدماء كانوا يروونه عنه على الوجه الأول، فلا تضر طريق ابن إسحاق المذكورة.
قال البيهقي: ويؤكد ذلك أن سعيد بن سليمان قد رواه عن هشيم على الوجهين، ثم ساقه من رواية معاذ بن المثنى عنه عن هشيم بالإسنادين المذكورين، فرجح صنيع البخاري هنا.
وقوله: "حتى يأكل تمرات" عند الإسماعيلي وابن حبان والحاكم عن عبيد الله بن أبي بكر بلفظ "ما خرج يوم فطر حتى يأكل تمرات ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا أو أقل من ذلك أو أكثر وترًا" وهي أصرح في المداومة على ذلك. وأخرجه أحمد عن مُرَجّي بلفظ "ويأكلهن إفرادًا"، وعن هذا الوجه أخرجه البخاري في "تاريخه"، قال المهلب: الحكمة في الأكل قبل الصلاة أن لا يظن ظان لزوم الصوم حتى يصلي العيد، فكأنه أراد سدّ هذه الذريعة، وقال غيره: لما وقع وجوب الفطر عقب وجوب الصوم استحب تعجيل الفطر مبادرة إلى امتثال أمر الله تعالى ويشعر بذلك اقتصاره على القليل من ذلك، ولو كان لغير الامتثال لأكل قدر الشبع.
стр. 4716
وقال بعض المالكية: لما كان المعتكف لا يتم اعتكافه حتى يغدو إلى المصلى قبل انصرافه إلى بيته خشي أن يعتمد في هذا الجزء من النهار باعتبار استصحاب الصائم ما يعتمد من استصحاب الاعتكاف ففرق بينهما بمشروعية الأكل قبل الغدو. وقيل: لأن الشيطان الذي يحبس في رمضان لا يطلق إلا بعد صلاة العيد، فاستحب تعجيل الفطر بدارًا إلى السلامة من وسوسته. وقال ابن قدامة: لا نعلم في استحباب تعجيل الأكل يوم الفطر اختلافًا. وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود التخيير فيه، وعن النخعي أيضًا مثله، والحكمة في استحباب التمر لما في الحلو من تقوية البصر الذي يضعفه الصوم؛ ولأن الحلو مما يوافق الإيمان ويعبر به المنام ويرق به القلب وهو أيسر من غيره، ومن ثم استصحب بعض التابعين أنه يفطر على الحلو مطلقًا كالعسل رواه ابن أبي شيبة عن معاوية بن قرة وابن سيرين وغيرهما. وروى فيه معنى آخر عن ابن عون أنه سئل عن ذلك فقال: إنه يحبس البول هذا كله في حق من يقدر على ذلك، وإلا فينبغي أن يفطر ولو على الماء ليحصل له شبه ما من الاتباع أشار إليه ابن أبي جمرة.
وأما جعلهن وترًا فقال المهلب: فللإِشارة إلى وحدانية الله تعالى، وكذلك كان ﷺ يفعله في جميع أموره تبركًا بذلك.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرّ محمد بن عبد الرحيم في السادس من "الوضوء"، ومرّ سعيد بن سليمان في السادس والثلاثين منه، ومرّ هشيم في الثاني من التيمم، ومرّ عبيد الله بن أبي بكر في الثالث والعشرين من "الحيض" ومرّ أنس في السادس من "الإيمان".
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإخبار به والعنعنة والقول وشيخ البخاري من أفراده، ورواته بين بغدادي وواسطيين ومدني قيل إن هذا الحديث من أفراده. وقال العيني: رواه ابن ماجه. ثم قال: وقال مرجي بن رجاء: حدثني عبيد الله قال: حدثني أنس عن النبي ﷺ "ويأكلهن وترًا" ومتابعة مرجي بن رجاء هذه لهشيم على روايته له عن عبيد الله بن أبي بكر تؤيد ما مرّ من عدم القدح في رواية هشيم، وأفادت هذه المتابعة ثلاث فوائد:
الأولى: هذه.
والثانية: تصريح عبيد الله فيه بالإخبار عن أنس.
والثالثة: تقييد الأكل بكونه وترًا.
وهذه المتابعة وصلها ابن خزيمة والإسماعيلي عن أبي النضر عن مرجي بلفظ "يخرج" بدل "يغدو" والباقي مثل لفظ هشيم، وفيه الزيادة وأخرجه الإِمام أحمد والبخاري في "تاريخه". وأخرجه
стр. 4717
أبو نعيم وعبيد الله وأنس، مرّ محلهما في الذي قبله، ومُرَجّي بضم الميم وفتح الراء وتشديد الجيم ابن رجاء اليشكري، ويقال العدوي البصري قال ابن معين مرة ضعيف، وقال مرة: ليس حديثه بشيء.
وقال أبو داود: مرة ضعيف، ومرة صالح. وذكره العقيلي في الضعفاء، وذكره عن ابن معين أنه قال مرجي بن وداع ضعيف، ومرجي بن رجاء أصلح حديثًا. وقال أبو زرعة: ثقة وهو خال أبي عمر الحوضي. وقال الدارقطني: ثقة وليس له في البخاري سوى هذا التعليق روى عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس وحميد الطويل وهشام بن عروة وغيرهم وروى عنه أبو النضر وأبو عمر الضرير وأبو عمر الحوضي وشبابة بن سوار وغيرهم. ثم قال المصنف:
باب الأكل يوم النحر
قال الزين بن المنير ما محصله: لم يقيد المصنف الأكل يوم النحر بوقت معين كما قيده في الفطر، ووجه ذلك من حديث أنس قول الرجل هذا يوم يشتهى فيه اللحم. وقوله في حديث البراء: "إن اليوم يوم أكل وشرب" ولم يقيد ذلك بوقت، ولعل المصنف أراد الإشارة إلى تضعيف ما ورد في بعفر طرق الحديث الذي قبله من مغايرة يوم الفطر ليوم النحر من استحباب البداءة بالصلاة يوم النحر قبل الأكل؛ لأن في حديث البراء أن أبا بردة أكل قبل الصلاة يوم النحر فبيّن له ﷺ أن التي ذبحها لا تجزىء عن الأضحية، وأقره على الأكل منها.
وأما ما ورد في الترمذي والحاكم عن بريدة قال: "كان النبي ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي" ونحوه عند البزار عن جابر بن سمرة.
وروى الطبراني والدارقطني عن ابن عباس قال: من السنة أن لا يخرج يوم الفطر حتى تخرج الصدقة ويطعم شيئاً قبل أن يخرج، وفي كل من الأسانيد الثلاثة مقال. وقد أخذ أكثر الفقهاء بما دلت عليه قال الزين بن المنير: وقع أكله ﷺ في كل من العيدين في الوقت المشروع لإخراج صدقتهما الخاصة بهما، فإخراج صدقة الفطر قبل الغدو إلى المصلى، وإخراج صدقة الأضحية بعد ذبحها فاجتمعا من جهة، وافترقا من جهة واختار بعضهم تفصيلًا آخر فقال: من كان له ذبح استحب له أن يبدأ بالأكل يوم النحر منه، ومن لم يكن له ذبح تخير.
стр. 4718
الحديث السادس
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ بن سيرين عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاَةِ فَلْيُعِدْ. فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ. وَذَكَرَ مِنْ جِيرَانِهِ فَكَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَدَّقَهُ، قَالَ: وَعِنْدِي جَذَعَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ، فَرَخَّصَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلاَ أَدْرِي أَبَلَغَتِ الرُّخْصَةُ مَنْ سِوَاهُ أَمْ لاَ.
قوله: "من ذبح قبل الصلاة فليعد" أي قبل صلاة العيد.
وقوله: "فقام رجل" هو أبو بردة بن نيار كما يأتي التصريح به قريبًا في حديث البراء.
وقوله: "هذا يوم يشتهى فيه اللحم" في رواية داود بن أبي هند عند مسلم "فقال: يا رسول الله إن هذا يوم اللحم فيه مكروه". وفي لفظ "مقروم" بسكون القاف. قال عياش: رويناه في "مسلم" عن الفارسي والسجزي "مكروه"، وعن العذري "مقروم". وقد صوب بعضهم الرواية الثانية، وقال معناه يشتهى فيه اللحم يقال: قَرَمْتُ إلى اللحم، وَقَرَمْتُه إذا اشتهيته فهو موافق للرواية الأولى "هذا يوم يشتهى فيه اللحم" قال: وقال بعض الشيوح: صواب الرواية "اللحم فيه مكروه" بفتح وهو اشتهاء اللحم، والمعنى ترك الذبح والتضحية وإبقاء أهله فيه بلا لحم حتى يشتهوه مكروه.
قال: وقيل معناه ذبح ما لا يجزىء في الأضحية مما هو لحم، وبالغ ابن العربي فقام: إن الرواية بسكون الحاء هنا غلط، وإنما هو اللحم بالتحريك يقال، لحم الرجل بكسر الحاء يلحم بفتحها إذا كان يشتهي اللحم.
وقال القرطبي: تكلف بعضهم ما لا يصح رواية أي اللحم بالتحريك ولا معنى، وهو قول الآخر معنى المكروه أنه مخالف للسنة وهو كلام من لم يتأمل سياق الحديث، فإن هذا التأويل لا يلائمه إذ لا يستقيم أن يقول إن هذا اليوم اللحم فيه مخالف للسنة وإني عجلت لأطعم أهلي. قال: وأقرب ما يتكلف لهذه الرواية أن معناه اللحم فيه مكروه التأخير فحذف لفظ التأخير لدلالة قوله عجلت. وقال النووي: معناه هذا يوم طلب اللحم فيه مكروه شاق يعني طلبه من الناس كالصديق والجار فاختار هو أن لا يحتاج أهله إلى ذلك فأغناهم بما ذبحه عن الطلب، وهذا معنى حسن، ويؤيد هذا ما يأتي قريبًا في رواية البراء فعرفت "أن اليوم يوم أكل وشرب، فأحببت أن تكون شاتي أول ما يذبح في بيتي"، ويظهر أن بهذه الرواية يحصل الجمع بين الروايتين المتقدمتين وأن وصفه
стр. 4719
اللحم بكونه مشتهى وبكونه مكروهًا لا تناقض فيه، وإنما هو باعتبارين: فمن حيث إن العادة جرت فيه بالذبائح فالنفس تتشوق له يكون مشتهى، ومن حيث توارد الجميع عليه حتى يكثر يصير مملولًا فاطلقت عليه الكراهة، لذلك فحيث وصفه بكونه مشتهى أراد ابتداء حاله، وحيث وصفه بأنه مكروه أراد انتهاءه، ومن ثم استعجل بالذبح ليفوز بتحصيل الصفة الأولى.
وعند مسلم عن الشعبي فقال خالي: "يا رسول الله قد نسكت عن ابن لي" وقد استشكل هذا والظاهر أن مراده أنه ضحى لأجله للمعنى الذي ذكره في أهله وجيرانه فخص ولده بالذكر؛ لأنه أخص بذلك عنده حتى يستغنى ولده بما عنده عن التشوف إلى ما عند غيره.
وقوله: "وذكر جيرانه" وفي رواية "وذكر هَنَة من جيرانه" وهي بفتح الهاء والنون الخفيفة بعدها هاء تأنيث حاجة من جيرانه إلى اللحم.
وقوله: "فكأنه ﷺ صدّقه" وفي رواية "عذره" بتخفيف الذال المعجمة من العُذْر أي قبل عذره، ولكن لم يجعل ما فعله كافيًا، وكذلك أمره بالإعادة قال ابن دقيق: فيه دليل على أن المأمورات إذا وقعت على خلاف مقتضى الأمر لم يعذر فيها بالجهل، والفرق بين المأمورات والمنهيات أن المقصود من المأمورات إقامة مصالحها وذلك لا يحصل بالفعل، والمقصود من المنهيات الكف عنها بسبب مفاسدها، ومع الجهل والنسيان لم يقصد المكلف فعلها فيعذر.
وفي رواية عند مسلم "وإني عجلت فيه نسيكتي لأطعم أهلي وجيراني وأهل داري".
وقوله: "فقال وعندي جَذَعة أحبّ إلى من شاتي لحم" وعندي جذعة معطوف على كلام الرجل الذي عني الراوي بقوله، وذكر "هنة من جيرانه" تقديره هذا يوم يشتهى فيه اللحم ولجيراني حاجة فذبحت قبل الصلاة، وعندي جذعة أي بالتحريك، والجذعة المذكورة من المعز كما هو مصرح به في حديث البراء في "الأضاحي" فقال: "عندي داجنًا جذعة من المعز" والداجن التي تألف البيوت وتستأنس، وليس لها سن معين ولما صار هذا الاسم علمًا على ما تألف البيوت اضمحل الوصف عنه فاستوى فيه المذكر والمؤنث.
والجَذَعة بالتحريك وصف لسن معين من بهيمة الأنعام. فمن الضأن ما أكمل السنة وهو قول الجمهور، وهو قول مالك، والأصح عند الشافعي والأشهر عند أهل اللغة. وقيل دونها ثم اختلف في تقديره فقيل نصف سنة وهو قول الحنفية والحنابلة.
وقيل سبعة أشهر وحكاه صاحب "الهداية" من الحنفية عن الزعفراني.
وقيل ستة أو سبعة حكاه الترمذي عن وكيع.
وقيل بالتفرقة بين ما تولد بين شابين فيكون له نصف سنة أو بين هرمين فيكون ابن ثمانية.
سادسها ابن عشرة.
стр. 4720
سابعها لا يجزىء حتى يكون عظيمًا حكاه ابن العربي وقال: إنه مذهب باطل. وقد قال صاحب "الهداية": إنه إذا كانت عظيمة بحيث لو اختلطت بالثنيات اشتبهت على الناظر من بعيد أجزأت.
وقال العبادي من الشافعية: لو أجذع قبل السنة أي سقطت أسنانه أجزأ كما لو تمت السنة قبل أن يجذع ويكون ذلك كالبلوغ. إما بالسن وإما بالاحتلام.
وهكذا قال البغوي: الجذع ما استكمل السنة أو أجذع قبلها. وأما الجذع من المعز فهو ما دخل في السنة الثانية، ومن البقر ما أكمل الثالثة، ومن الإبل ما دخل في الخامسة.
ودلت الرواية المذكورة أن الجذع من المعز لا يجزىء وهو قول الجمهور، وعن عطاء والأوزاعي تجوز مطلقًا وهو وجه لبعض الشافعية حكاه الرافعي وقال النووي وهو شاذ أو غلط. وأغرب عياض فحكى الإجماع على عدم الإجزاء قيل: والإجزاء مصادر للنص ولكن يحتمل أن يكون قائله قيد ذلك بمن لم يجد غيره، ويكون معنى نفي الإجزاء عن غير من أذن له في ذلك محمولًا على من وجد.
وأما الجذع من الضأن فقال الترمذي: إن العمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، لكن حكى غيره عن ابن عمر والزهري أن الجذع لا يجزىء مطلقًا كان من الضأن أو من غيره، وممن حكاه عن ابن عمر ابن المنذر، وبه قال ابن حزم وعزاه لجماعة من السلف، وأطنب في الرد على من أجازه. ويحتمل أن يكون ذلك أيضاً مقيدًا بمن لم يجد، وقد صح فيه حديث جابر رفعه "لا تذبحوا إلا مُسِنَّة إلا أن يعسرَ عليكم فتذبحوا جَذَعةً من الضأن" أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم. لكن نقل النووي عن الجمهور أنهم حملوه على الأفضل والتقدير يستحب لكم أن لا تذبحوا إلاَّ مسنّة فإن عجزتم فاذبحوا جذعة من الضأن. قال: وليس فيه تصريح بمنع الجذعة من الضأن وأنها لا تجزىء. قال: وقد أجمعت الأمة على أن الحديث ليس على ظاهره؛ لأن الجمهور يجوزون الجذع من الضأن مع وجود غيره وعدمه وابن عمر والزهري يمنعانه مع وجود غيره وعدمه فتعين تأويله.
ويدل للجمهور ما أخرجه ابن ماجه عن أم هلال بنت هلال عن أبيها رفعه "يجوز الجذع من الضأن أضحية".
وبما أخرجه أبو داود وابن ماجه عن رجل من بني سليم يقال له مجاشع أن النبي ﷺ قال: "إن الجذع يُوفي ما يُوفي منه الثني".
وأخرجه النسائي من وجه آخر لكن لم يسم الصحابي، بل وقع عنده "أنه رجل من مزينة". وبما أخرجه النسائي بسند قوي عن عقبة بن عامر قال: "ضحّينا مع رسول الله ﷺ بجذاع من الضأن".
стр. 4721
وبما أخرجه الترمذي عن أبي هريرة رفعه "نعمت الأضحية الجذعة من الضأن" وفي سنده ضعف.
وقوله: "أحب إلى من شاتي لحم" المعنى أنها أطيب لحمًا وأنفع للآكلين لسمنها ونفاستها، وقد استشكل هذا بما ذكر في العتق أن عتق نفسين أفضل من عتق نفس واحدة، ولو كانت أنفس منهما وأجيب بالفرق بين العتق والأضحية أن الأضحية يطلب فيها كثرة اللحم فتكون الواحدة السمينة أولى من الهزيلتين والعتق يطلب فيه التقرب إلى الله تعالى بفك الرقبة، فيكون عتق الاثنين أولى من عتق الواحدة. نعم، إن عُرض للواحد وصف يقتضي رفعته على غيره كالعلم وأنواع الفضل المتعدي، فقد جزم بعض المحققين بأنه أولى لعموم نفعه للمسلمين.
وفي رواية شعبة في حديث البراء الآتي هي خير من مسنة التي سقطت أسنانها للبدل. وقال أهل اللغة: المسن الثني الذي يلقي سنه ويكون في ذات الخف في السنة السادسة، وفي ذات الظلف والحافر في السنة الثالثة. وقال ابن فارس: إذا دخل ولد الشاة في السنة الثالثة فهو ثني وحسن.
وقوله: "فلا أدري أبلغت الرخصة من سواه أم لا" قد وقع في حديث البراء الآتي قريبًا اختصاصه بذلك، ويأتي الكلام عليه. وكأن أنسًا لم يسمع ذلك، وقد روى ابن عون عن الشعبي حديث البراء وعن ابن سيرين حديث أنس، فكان إذا حدث حديث البراء يقف عند قوله: ولن تجزىء عن أحد بعدك ويحدث بقول أنس "لا أدري أبلغت الرخصة من سواه أم لا"، ولعله استشكل الخصوصية بذلك لما جاء من ثبوت ذلك لغير أبي بردة كما يأتي بيانه في الحديث الذي بعده.
واستدل من قال بوجوب الأضحية بقوله في هذا الحديث: "فَلْيُعِدْ"، وبقوله في حديث جندب بن سفيان: "فَلْيُعِدْ مكانها أخرى". وفي رواية "اذبحْ مكانها أخرى"، وفي لفظ "أَعِدْ نسكًا" وغير ذلك من الألفاظ المصرحة بالأمر بالضحية والقائل بوجوبها أبو حنيفة فإنه قال: إنها تجب على الموسر المقيم. وقال مالك إنها سنة عين على كل حر لا تجحف به وإن يتيمًا. وعند الشافعية والجمهور سُنّة مؤكدة على الكفاية، وفي وجه للشافعية من فروض الكفاية. وقال أحمد يكره تركها مع القدرة، وعنه واجبة، وعن محمد بن الحسن هي سُنّة غير مرخص في تركها. قال الطحاوي: وبه نأخذ، وليس في الآثار ما يدل على وجوبها، وأقرب ما يتمسك به للوجوب بحديث أبي هريرة رفعه "مَنْ وجد سعة فلم يُضحِ فلا يَقْرَبَنَّ مصلانا" أخرجه ابن ماجه وأحمد، ورجاله ثقات لكن اختلف في رفعه ووقفه، والموقوف أشبه بالصواب قاله الطحاوي وغيره ومع ذلك فليس صريحًا في الإيجاب.
وأما الاستدلال بالألفاظ المتقدمة، فقد قال القرطبي: لا حجة في شيء من ذلك وإنما
стр. 4722
المقصود بيان كيفية مشروعية الأضحية، لمن أراد أن يفعلها أو من أوقعها على غير الوجه المشروع خطأ أو جهلًا، فبين له وجه تدارك ما فرط منه، وهذا معنى قوله الآتي: "لا تجزىء عن أحد بعدك" أي: لا يحصل له مقصود القربة ولا الثواب كما يقال في صلاة النفل لا تجزىء إلا بطهارة وستر عورة قال: وقد استدل بعضهم للوجوب بأن الأضحية من شريعة إبراهيم الخليل وقد أمرنا باتباعه ولا حجة فيه لأنا نقول بموجبه ويلزمهم الدليل على أنها كانت في شريعة إبراهيم واجبة ولا سبيل إلى علم ذلك، ولا دلالة في قصة الذبح للخصوصية التي فيها.
وأجيب أيضًا بأن الأمر بالإعادة لا دليل فيه على الوجوب؛ لأنه ولو كان ظاهر الأمر الوجوب إلا أن قرينة إفساد الأولى تقتضي أن يكون الأمر بالإعادة لتحصيل المقصود وهو أعم من أن يكون في الأصل واجبًا أو مندوبًا. وقال الشافعي يحتمل أن يكون الأمر بالإعادة للوجوب، ويحتمل أن يكون للإشارة إلى أن التضحية قبل الصلاة لا تقع أضحية، فأمره بالإعادة ليكون في عداد من ضحى، فلما احتمل ذلك وجدنا الدلالة على عدم الوجوب في حديث أم سلمة المرفوع "إذا دخل العشر فأراد أحدكم أن يضحي" قال فلو كانت الأضحية واجبة لم يكل ذلك إلى الإرادة. وأجاب من قال بالوجوب بأن التعليق على الإرادة لا يمنع القول بالوجوب فهو كما لو قيل من أراد الحج فليكثر من الزاد فإن ذلك لا يدل على أن الحج لا يجب، وتعقب بأن كونه لا يدل على الوجوب لا يلزم منه ثبوت الوجوب بمجرد الأمر بالإعادة لما مرَّ من احتمال إرادة الكمال، وهو الظاهر.
وقال ابن دقيق العيد: صيغة (مَنْ) في قوله: "مَنْ ذبح قبل أن يصلي فَلْيُعِدْ مكانها أخرى" صيغة العموم إذا وردت لذلك على الصورة النادرة يستنكر، فإذا بعد تخصيصه بمن نذر أضحية معينة بقي التردد هل الأول حمله على من سبقت له أضحية معينة أو حمله على ابتداء أضحية من غير سبق تعيين، فعلى الأول يكون حجة لمن قال بالوجوب على من اشترى الأضحية كالمالكية، فإن الأضحية عندهم تجب بالتزام اللسان وبنية الشراء وبنية الذبح، وعلى الثاني يكون حجة لمن أوجب الضحية مطلقًا لكن حصل الانفصال ممن لم يقل بالوجوب بالأدلة الدالة على عدم الوجوب، فيكون الأمر للندب قاله في "الفتح".
قلت لكن قوله: "إنها عند المالكية تجب بنية الشراء وبنية الذبح" غير صحيح فإنها عندهم لا تجب إلا بالذبح خاصة وفي النذر قولان: هل تجب به أو لا تجب.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، وفيه لفظ رجل مبهم مرّ مسدد وأنس في السادس من الإِيمان، ومرَّ ابن علية في الثامن منه، ومرّ أيوب في التاسع منه، ومحمد بن سيرين في الأربعين منه. والرجل المبهم هو أبو بردة بن نيار كما جاء في الحديث الآتي بعده واسمه هاني، وقيل اسمه مالك، وقيل الحارث بن نيار بن عمرو بن عبيد بن كلاب بن دهمان بن غنم بن ذئبان بن هميم بن كاهل بن ذهل بن بلي البلوي
стр. 4723
حليف الأنصار خال البراء بن عازب مشهور بالكنية، شهد بدرًا وما بعدها، له عشرون حديثًا اتفقا على حديث روى عنه البراء وجابر بن عبد الله وكعب بن عمير. مات في أول خلافة معاوية بعد أن شهد مع علي رضي الله تعالى عنه حروبه كلها ثم قيل سنة إحدى، وقيل اثنتين، وقيل خمس وأربعين ولم يعقب.
أخرجه البخاري أيضًا في "العيدين" وفي "الأضاحي" ومسلم في "الذبائح" والنسائي في "الصلاة" وفي "الأضاحي" وابن ماجه في "الأضاحي".
стр. 4724
الحديث السابع
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الأَضْحَى بَعْدَ الصَّلاَةِ فَقَالَ: مَنْ صَلَّى صَلاَتَنَا وَنَسَكَ نُسُكَنَا فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلاَةِ، فَإِنَّهُ قَبْلَ الصَّلاَةِ، وَلاَ نُسُكَ لَهُ. فَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ خَالُ الْبَرَاءِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنِّي نَسَكْتُ شَاتِي قَبْلَ الصَّلاَةِ، وَعَرَفْتُ أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونَ شَاتِي أَوَّلَ مَا يُذْبَحُ فِي بَيْتِي، فَذَبَحْتُ شَاتِي وَتَغَدَّيْتُ قَبْلَ أَنْ آتِيَ الصَّلاَةَ. قَالَ: شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ عِنْدَنَا عَنَاقًا لَنَا جَذَعَةً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْنِ، أَفَتَجْزِي عَنِّي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ.
قوله: "خطبنا النبيُّ ﷺ يوم الأضحى بعد الصلاة. فقال مَنْ صلّى صلاتنا ونسكَ نُسكَنا فقد أصابَ النُسكَ، ومَنْ نَسكَ قبلَ الصلاةِ فإنَّهُ قبلَ الصلاةِ، ولا نُسكَ له" وفي الرواية التي قبل هذا بباب "يخطبُ. فقال: إنَّ أولَ ما نبدأ به في يومنا هذا أنْ نَصليَ ثم نرجعَ فننحرَ فَمَنْ فعلَ فقد أصابَ سنتُنا".
وقوله: "ومَنْ نسكَ قبل الصلاةِ فإنه قبلَ الصلاةِ ولا نُسكَ له" أي: بإثبات الواو في ولا نسك له، وحذفها النسائي وهو أوجه، ويمكن توجيه إثباتها بتقدير لا يجزىء ولا نسك له، وهو قريب من حديث "فَمَنْ كانت هجرتُهُ إلى اللهِ ورسولِه فهجرتُهُ إلى اللهِ ورسولِه"، وقد أخرجه مسلم عن عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم عن جرير بلفظه، وأخرجه الإسماعيلي عن أبي خيثمة عن جرير بلفظ "ومَنْ نسكَ قبلَ الصلاةِ فشاتُهُ شاةُ لحم". وأخرجه أبو يعلى عن أبي خيثمة بهذا اللفظ، والظن أن التصرف فيه من عثمان رواه بالمعنى، ومعنى "من نسك نسكنا" ضحى مثل ضحيتنا، والنُسكة الذبيحة، والنُسك العبادة.
وقد قيل لثعلب هل يسمى الصوم نسكًا؟ قال كل حق لله يسمى نُسكًا.
وقوله: "أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلّي ثم نرجع" إلخ وقد وقع هذا منه في الخطبة بعد الصلاة، وعلى هذا فمعنى قوله: "أن نصلّي صلاة العيد" أي أول ما يكون الابتداء به في هذا اليوم الصلاة التي بدأنا بها، فعبر بالمستقبل عن الماضي وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا
стр. 4725
أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ المعنى إلا الإيمان المتقدم منهم. وفي رواية محمد بن طلحة الآتية إن شاء الله تعالى في هذا الحديث بعينه "خرجَ ﵊ يومَ أضحى إلى البقيعِ فصلّى ركعتين، ثم أقبلَ علينا بوجههِ الشريفِ وقال: إن أولَ نُسكِنا في يومِنا هذا أن نبدأ بالصلاةِ ثم نرجعَ فننحرَ". وأول عيد صلاّه النبي ﷺ عيد الفطر في السنة الثانية من الهجرة.
وقد اختلف في حكم صلاة العيد بعد إجماع الأمة على مشروعيتها فقال أبو حنيفة وأصحابه: واجبة على الأعيان. قال صاحب "الهداية": تجب صلاة العيد على من تجب عليه الجمعة.
وقالت المالكية والشافعية: سُنة مؤكدة. وقال أحمد وجماعة: فرض على الكفاية.
واستدل الأولون بمواظبته ﷺ عليها من غير ترك. واستدل المالكية والشافعية في حديث الأعرابي في "الصحيحين" هل عليَّ غيرها؟ قال: لا إلا أن تطّوّع"، وحديث "خمس صلوات كتبهنّ الله في اليوم والليلة" وحملوا ما نقله المزني عن الشافعي أن من وجبت عليه الجمعة وجب عليه حضور العيدين على التأكيد فلا إثم ولا قتال بتركها.
واستدلت الحنابلة بقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ وهو يدل على الوجوب، وحديث الأعرابي يدل على أنها لا تجب على كل أحد فتعين أن تكون فرضًا على الكفاية.
وأجيب بأنا لا نسلم أن المراد بقوله: فصل صلاة العيد سلمنا ذلك لكن ظاهره يقتضي وجوب النحر وأنتم لا تقولون به سلمنا أن المراد من النحر ما هو أعم، لكن وجوبه خاص به فيختص وجوب صلاة العيد به سلمنا الكل وهو أن الأمر الأول غير خاص به، والأمر الثاني خاص، لكن لا نسلم أن الأمر للوجوب فنحمله على الندب جمعًا بينه وبين الأحاديث الآخر سلمنا جميع ذلك، لكن صيغة صلّ خاصة به فإن حملت عليه وعلى أمته وجب إدخال الجميع، فلما دل الدليل على إخراج بعضهم كما زعمتم كان ذلك قادحًا في القياس قاله البساطي. من القسطلاني.
واختلف فيمن يخاطب بصلاة العيد فمشهور مذهب مالك: ليس ذلك إلا على من تجب عليه الجمعة وهو قول الليث وأكثر أهل العلم فيما حكاه ابن بطال. وقال ربيعة: كانوا يرون الفرسخ وهو ثلاثة أميال. وقال الأوزاعي: من آواه الليل إلى أهله فعليه الجمعة والعيد. وقال ابن القاسم وأشهب: إن شاء من لا تلزمهم الجمعة أن يصلوها بإمام فعلوا ولكن لا خطبة، فإن خطب فحسن.
وقوله: "ولا نسك له" استدل به من اشترط تقدم الذبح من الإمام بعد صلاته وخطبته؛ لأن قوله: "من ذبحَ قبلَ أن يصلِّي فليذبح مكانها أخرى" إنما صدر منه بعد صلاته وخطبته وذبحه فكأنه قال: من ذبح قبل فعل هذه الأمور فليعد أي: فلا يعتد بما ذبحه، وهذا هو قول مالك. واختلف أصحابه في الإمام الذي لا يجوز أن يضحى قبل تضحيته فقيل هو أمير المؤمنين، وقيل هو الإِمام الذي يصلي بالناس صلاة العيد.
وعند الشافعية إن أول وقت الأضحية قدر فراغ الصلاة والخطبة وإنما شرطوا فراغ الخطيب؛
стр. 4726
لأن الخطبتين مقصودتان مع الصلاة في هذه العبادة فيعتبر مقدار الصلاة والخطبتين على أخف ما يجزىء بعد طلوع الشمس، فإذا ذبح بعد ذلك أجزأه الذبح عن الأضحية سواء صلى العيد أم لا، وسواء ذبح الإمام أضحيته أم لا ويستوي في ذلك أهل العصر والحاضر والبادي، وقال الأوزاعي بمثل قول مالك.
قال القرطبي: ظواهر الأحاديث تدل على تعليق الذبح بالصلاة، لكن لما رأى الشافعي أن من لا صلاة عيد عليه مخاطب بالتضحية حمل الصلاة على وقتها. وقال أبو حنيفة والليث: "لا ذبح قبل الصلاة، ويجوز بعدها ولو لم يذبح الإمام. وهذا خاص بأهل العصر وأما أهل القرى والبوادي فيدخل وقت الأضحية عندهم إذا طلع الفجر الثاني.
وقال مالك: يذبحون إذا نحر أقرب الأئمة إليهم فإن نحروا قبل أجزأهم. وقال عطاء وربيعة: يذبح أهل القرى بعد طلوع الشمس. وقال أحمد وإسحاق: إذا فرغ الإمام من الصلاة جازت الأضحية، وهو وجه للشافعية قوي من حيث الدليل وإن ضعفه بعضهم. ومثله قول الثوري: يجوز بعد صلاة الإمام قبل خطبته وفي أثنائها، ويحتمل أن يكون قوله في بعض روايات حديث البراء، فلا يذبح حتى ينصرف أي من الصلاة كما في الروايات الآخر وأصرح من ذلك ما وقع عند أحمد عن يزيد بن البراء عن أبيه رفعه "إنما الذبح بعد الصلاة". وفي حديث جندب عند مسلم "منْ ذبحَ قبل أن يصلِّيَ فليذبحْ مكانها أخرى".
قال ابن دقيق العبد: هذا اللفظ أظهر في اعتبار فعل الصلاة من حيث البراء أي حيث جاء فيه "مَنْ ذبحَ قبلَ الصلاةِ" لكن قال: إن أجريناه على ظاهره اقتضى أن لا تجزىء الأضحية في حق من لم يصل العيد، فإن ذهب إليه أحد فهو أسعد الناس بظاهر هذا الحديث، وإلا وجب الخروج عن هذا الظاهر في هذه الصورة، ويبقى ما عداها في محل البحث وتعقب بأنه قد وقع في "صحيح مسلم" في ش واية أخرى قبل أن يصلي أو نصلي بالشك. قال النووي: الأولى بالياء، والثانية بالنون، وهو شك من الراوي؛ فعلى هذا إذا كان بلفظ يصلي ساوى لفظ حديث البراء في تعليق الحكم بفعل الصلاة.
وعند البخاري في حديث جندب في الذبائح بمثل لفظ البراء، وهو خلاف ما يوهمه سياق صاحب "العمدة" فإنه ساقه على لفظ مسلم وهو ظاهر في اعتبار فعل الصلاة، فإن إطلاق لفظ الصلاة وإرادة وقتها خلاف الظاهر، وأظهر من ذلك قوله: "قبل أن نصلي" بالنون وكذا قوله قبل أن ننصرف سواء قلنا من الصلاة أم من الخطبة.
وادعى بعض الشافعية أن قوله ﵊: "مَنْ ذبَح قبل أنْ يصلِّي فليذبحْ مكانها أخرى" أي: بعد أن يتوجه من مكان هذا القول؛ لأنه خاطب بذلك من حضره فكأنه قال من ذبح قبل فعل هذا من الصلاة والخطبة فليذبح أخرى أي: فلا يعتد بما ذبحه.
стр. 4727
وأورد الطحاوي ما أخرجه مسلم عن جابر بلفظ "أن النبي ﷺ صلى يوم النحر بالمدينة، فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن النبي ﷺ قد نحر فأمرهم أن يعيدوا". قال ورواه حماد بن سلمة عن جابر بلفظ "أن رجلًا ذبحَ قبلَ أن يصلّي رسول الله ﷺ فنهى أن يذبحَ أحدٌ قبلَ الصلاةِ" وصححه ابن حبان، ويشهد لذلك قوله في حديث البراء: "إنّ أوّلَ ما نصنعُ أنْ نبدأ بالصلاةِ ثم نرجعَ فننحرَ" فإنه دال على أن وقت الذبح يدخل بعد فعل الصلاة، ولا يشترط التأخير إلى نحر الإمام، ويؤيده من طريق النظر أن الإمام لو لم ينحر لم يكن ذلك مسقطًا عن الناس مشروعية النحر. ولو أن الإمام نحر قبل أن يصلي لم يجزئه نحره فدل على أنه هو والناس في وقت الأضحية سواء.
وقال المهلب: إنما كره الذبح قبل الإمام لئلا يشتغل الناس بالذبح عن الصلاة.
وقوله: "شاتك شاة لحم" أي: ليست أضحية بل هو لحم ينتفع به كما في رواية زبيد الآتية في الضحايا، فإنما هو لحم يقدمه لأهله. وفي رواية فراس عند "مسلم" قال: "ذلك شيءٌ عجلتهُ لأهلِكَ". وقد استشكلت الإضافة في قوله: "شاة لحم" وذلك أن الإضافة قسمان: معنوية، ولفظية.
فالمعنوية إما مقدرة (بمنْ) كخاتم حديد أو (باللام) كغلام زيد أو (بقي) كضرب اليوم معناه ضرب في اليوم.
وأما اللفظية فهي صفة مضافة إلى معمولها كضارب زيد وحسن الوجه ولا يصح شيء من هذه الأقسام الخمسة في شاة لحم. قال الفاكهاني: والذي يظهر لي أن أبا بردة لما اعتقد أن شاته شاة أضحية أوقع ﷺ الجواب قوله: "شاة لحم" موقع قوله: "شاة غير أضحية".
وقوله: "فإن عندنا عَنَاقًا"، وفي رواية "عناق لبن" العَناق بفتح العين وتخفيف النون الأنثى من ولد المعز عند أهل اللغة، ولم يصب الداودي في زعمه أن العَناق هي التي استحقت أن تحمل، وأنها تطلق على الذكر والأنثى، وأنه بيّن بقوله لبن أنها أنثى.
قال ابن التين: غلط في نقل اللغة وفي تأويل الحديث فإن معنى "عَناق لبن" أنها صغيرة سن ترضع أمها. وعند الطبراني "أن أبا بردة ذبح ذبيحته بسحر فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال إنما الأضحية ما ذُبحَ بعد الصلاةِ اذهبْ فضحِ. فقال ما عندي إلا جَذَعة مِنَ المعز" الحديث.
وقوله: "هي أحب إليّ من شاتين" مرّ الكلام عليه في الحديث الذي قبله. وقوله: "ولن تجزىء عن أحد بعدك" وفي حديث سهل بن أبي حثمة "ليست فيها رخصة لأحد بعدك". وقوله: "تَجزي" بفتح أوله غير مهموز أي: تقضي. يقال جزى عن فلان كذا أي: قضى، ومنه ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ أي: لا تقضي عنها. قال ابن بري: الفقهاء يقولون لا تُجزىء بالضم والهمز في موضع لا تقضي والصواب بالفتح وترك الهمز، لكن يجوز الضم والهمز بمعنى الكفاية يقال أجزأ عنك، وبنو تميم يقولون البدنة تُجزىء عن سبعة بضم أوله وأهل الحجاز تجزي بفتح أوله وبهما
стр. 4728
قرىء ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ وفي هذا تعقب على من نقل الاتفاق على منع ضم أوله. وفي هذا الحديث تخصيص أبي بردة بإجزاء الجذع من المعز في الأضحية عنه، لكن وقع في عدة أحاديث التصريح بنظير ذلك لغير أبي بردة ففي حديث عقبة بن عامر المخرج عند المصنف في الضحايا زيادة، ولا رخصة فيها لأحد بعدك.
قال البيهقي: "إن كانت هذه الزيادة محفوظة كان هذا رخصة لعقبة كما رخص لأبي بردة، وفي هذا الجمع نظر؛ لأن في كل منهما صيغة عموم فأيهما تقدم على الآخر اقتضى انتفاء الوقوع للثاني وأقرب ما يقال فيه إن ذلك صدر لكل منهما في وقت واحد أو تكون خصوصية الأول فسخت بثبوت الخصوصية للثاني، ولا مانع من ذلك؛ لأنه لم يقع في السياق استمرار المنع لغيره صريحًا.
وقد انفصل ابن التين وتبعه القرطبي عن هذا الإشكال باحتمال أن يكون العتود المذكور في حديث عاقبة كان كبير السنن بحيث يجزىء، لكنه قال ذلك بناء على أن الزيادة التي في آخره لم تقع له، لا يتم مراده عمر وجودها مع مصادمته لقول أهل اللغة في العتود، وتمسك بعض المتأخرين بكلام ابن التين فضعف الزيادة وليس بجيد فإنها خارجة من مخرج الصحيح، فإنها عند البيهقي عن عبد الله البوشنجي أحد الأئمة الكبار في الحفظ والفقه وسائر فنون العلم رواها عن يحيى بن بكير عن الليث بالسند الذي شاقه البخاري، ولكن وقع الحديث في المتفق للجوزقي عن يحيى بن بكير، وليست الزيادة فيه فهذا هو السر في قول البيهقي إن كانت محفوظة فكأنه لما رأى التفرد خشي أن يكون دخل على راويها حديث في حديث.
وفي كلام بعضهم أن الذين ثبتت لهم الرخصة أربعة أو خمسة، واستشكل الجمع وليس بمشكل؛ لأن الأحاديث التي ورد فيها ذلك ليس فيها التصريح بالنفي إلا في قصة أبي بردة في "الصحيحين" وفي قصة عاقبة بن عامر في البيهقي، وأما ما عدا ذلك فقد أخرج أبو داود وأحمد، وصححه ابن حبان عن زيد بن خالد "أن النبي ﷺ أعطاه عتودًا جذعًا فقال ضحِ فقلت: إنه جذعٌ أفأضحي به؟ قال: نعم، ضحِ به. فضحيتُ به" لفظ أحمد وفي صحيح ابن حبان وابن ماجه، عن عويمر بن أشاقر "أنه ذبح أضحيته قبل أن يغدو يوم النحر فأمره النبي ﷺ أن يعيدَ أضحية أخرى".
وفي "الطبراني "الأوسط" عن ابن عباس "أن النبي ﷺ أعطى سعد بن أبي وقاص جذعًا من المعز فأمره أن يضحي به".
وأخرجه الحاكم عن عائشة وفي سنده ضعف، ولأبي يعلى والحاكم عن أبي هريرة "أن رجلًا قال يا رسولَ الله هذا جذعٌ مِنَ الضأنِ مهزولٌ، وهذا جذعٌ من المعزِ سمينٌ وهو خيرُهما أفأضحي به؟ قال: ضح به فإنَّ لله الخيرَ"، وفي سنده ضعف والحق أنه لا منافاة بين هذه الأحاديث وبين حديثي أبي بردة وعقبة لاحتمال أن يكون ذلك في ابتداء الأمر، ثم تقرر الشرع بأن الجذع من المعز لا يجزىء، وأختص أبو بردة وعقبة بالرخصة في ذلك وإنما قيل هذا؛ لأن بعض الناس قالوا: إن هؤلاء شاركوا عقبة وأبا بردة في ذلك، إنما وقعت في مطلق الإجزاء لا في خصوص منع الغير، ومنهم من
стр. 4729
زاد فيهم عويمر بن أشقر وليس في حديثه إلا مطلق الإعادة؛ لكونه ذبح قبل الصلاة.
وأما ما أخرجه ابن ماجه عن أبي زيد الأنصاري "أن النبي ﷺ قال لرجل من الأنصار اذبحها ولن تجزىء جذعةٌ عن أحدٍ بعدك" فهذا يحمل على أنه أبو بردة بن نيار؛ لأنه من الأنصار. وكذا ما أخرجه أبو يعلى والطبراني عن أبي جحيفة "أن رجلًا ذبحَ قبلَ الصلاةِ فقال النبيُّ ﷺ لا تجزىء عنكَ. قال إن عندي جَذعةً. قال: تجزىء عنك ولا تجزىء بعد" فلم يثبت الإجزاء لأحد ونفيه عن الغير إلا لأبي بردة وعقبة فإن تعذر الجمع الذي قد مرّ فحديث أبي بردة أصح مخرجًا.
قال الفاكهاني: ينبغي النظر في اختصاص أبي بردة بهذا الحكم وكشف السر فيه. وأجاب الماوردي بأن فيه وجهين:
أحدهما: أن ذلك كان قبل استقرار الشرع فاستثني.
والثاني: أنه علم من طاعته وخلوص نيته ما ميزه عمن سواه.
وفي الأول نظر؛ لأنه لو كان سابقًا لامتنع وقوع ذلك لغيره بعد التصريح بعدم الإجزاء لغيره والغرض ثبوت الإجزاء لعدد غيره كما مرّ.
قلت الظاهر عندي في الجواب هو أن المرجع في الأحكام إنما هو إلى النبي ﷺ وأنه قد يخص بعض أمته بحكم ويمنع غيره منه. ولو كان بغير عذر وهذا الحكم متقرر عند العلماء أخذوه من هذا الحديث وغيره، وفي الحديث أن خطابه للواحد يعم جميع المكلفين حتى يظهر دليل الخصوصية؛ لأن السياق يشعر بأن قوله لأبي بردة ضح به أي بالجذع ولو كان يفهم منه تخصيصه بذلك لما احتاج إلى أن يقوله له: "ولن تجزىء عن أحد بعدك" ويحتمل أن يكون قائدة ذلك قطع إلحاق غيره به في الحكم المذكور لا أن ذلك مأخوذ من مجرد اللفظ وهو قوي.
وفيه أن الإمام يعلم الناس في خطبة العيد أحكام النحر.
وفيه جواز الاكتفاء في الضحية بالشاة الواحدة عن الرجل وعن أهل بيته، وبه قال الجمهور وعن أبي حنيفة والثوري يكره.
وقال الخطابي: لا يجوز أن يضحي بشاة واحدة عن اثنين، وادعى نسخ ما دل عليه حديث عائشة الآتي في الضحايا في باب (من ذبح ضحية غيره) وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال. قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: وفيه أن العمل وإن وافق نية حسنة لم يصح إلا إذا وقع على وفق الشرع.
وفيه جواز أكل اللحم يوم العيد من غير لحم الأضحية لقوله إنما هو لحم قدمه لأهله.
وفيه كرم الرب لكونه شرع لعبيده الأضحية مع ما لهم فيها من الشهوة بالأكل والادخار، ومع ذلك فأثبت لهم الأجر في الذبح، ثم من تصدق أثيب وإلا لم يأثم.
стр. 4730
وفيه تأكيد أمر الأضحية وأن المقصود منها طيب اللحم وإيثار الجار على غيره، وأن المفتي إذا ظهرت له من المستفتي أمارة الصدق كان له أن يسهل عليه حتى لو استفتاه اثنان في قضية واحدة جاز أن يفتي كلاً منهما بما يناسب حاله وجواز إخبار المرء عن نفسه بما يستحق به الثناء عليه بقدر الحاجة.
رجاله خمسة:
وفيه ذكر أبي بردة، وقد مرّ الجميع: مرّ عثمان بن أبي شيبة وجرير ومنصور في الثاني عشر من "العلم"، ومرَّ عامر الشعبي في الثالث من "الإيمان"، ومرّ البراء في الثالث والثلاثين منه، ومرّ أبو بردة في الذي قبله.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواته كلهم كوفيون، وقد مرّ الآن من أخرجه. ثم قال المصنف:
باب الخروج إلى المصلى بغير منبر
يشير إلى ما ورد في بعض طرق حديث أبي سعيد الذي ساقه في هذا الباب وهو ما أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن الأعمش عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه قال: "أخرج مروان المنبر يوم عيد وبدأ بالخطبة قبل الصلاة، فقام إليه رجل فقال: يا مروان خالفت السُّنة" الحديث.
следующие страницы →