← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

لأن الخطبتين مقصودتان مع الصلاة في هذه العبادة فيعتبر مقدار الصلاة والخطبتين على أخف ما يجزىء بعد طلوع الشمس، فإذا ذبح بعد ذلك أجزأه الذبح عن الأضحية سواء صلى العيد أم لا، وسواء ذبح الإمام أضحيته أم لا ويستوي في ذلك أهل العصر والحاضر والبادي، وقال الأوزاعي بمثل قول مالك. قال القرطبي: ظواهر الأحاديث تدل على تعليق الذبح بالصلاة، لكن لما رأى الشافعي أن من لا صلاة عيد عليه مخاطب بالتضحية حمل الصلاة على وقتها. وقال أبو حنيفة والليث: "لا ذبح قبل الصلاة، ويجوز بعدها ولو لم يذبح الإمام. وهذا خاص بأهل العصر وأما أهل القرى والبوادي فيدخل وقت الأضحية عندهم إذا طلع الفجر الثاني. وقال مالك: يذبحون إذا نحر أقرب الأئمة إليهم فإن نحروا قبل أجزأهم. وقال عطاء وربيعة: يذبح أهل القرى بعد طلوع الشمس. وقال أحمد وإسحاق: إذا فرغ الإمام من الصلاة جازت الأضحية، وهو وجه للشافعية قوي من حيث الدليل وإن ضعفه بعضهم. ومثله قول الثوري: يجوز بعد صلاة الإمام قبل خطبته وفي أثنائها، ويحتمل أن يكون قوله في بعض روايات حديث البراء، فلا يذبح حتى ينصرف أي من الصلاة كما في الروايات الآخر وأصرح من ذلك ما وقع عند أحمد عن يزيد بن البراء عن أبيه رفعه "إنما الذبح بعد الصلاة". وفي حديث جندب عند مسلم "منْ ذبحَ قبل أن يصلِّيَ فليذبحْ مكانها أخرى". قال ابن دقيق العبد: هذا اللفظ أظهر في اعتبار فعل الصلاة من حيث البراء أي حيث جاء فيه "مَنْ ذبحَ قبلَ الصلاةِ" لكن قال: إن أجريناه على ظاهره اقتضى أن لا تجزىء الأضحية في حق من لم يصل العيد، فإن ذهب إليه أحد فهو أسعد الناس بظاهر هذا الحديث، وإلا وجب الخروج عن هذا الظاهر في هذه الصورة، ويبقى ما عداها في محل البحث وتعقب بأنه قد وقع في "صحيح مسلم" في ش واية أخرى قبل أن يصلي أو نصلي بالشك. قال النووي: الأولى بالياء، والثانية بالنون، وهو شك من الراوي؛ فعلى هذا إذا كان بلفظ يصلي ساوى لفظ حديث البراء في تعليق الحكم بفعل الصلاة. وعند البخاري في حديث جندب في الذبائح بمثل لفظ البراء، وهو خلاف ما يوهمه سياق صاحب "العمدة" فإنه ساقه على لفظ مسلم وهو ظاهر في اعتبار فعل الصلاة، فإن إطلاق لفظ الصلاة وإرادة وقتها خلاف الظاهر، وأظهر من ذلك قوله: "قبل أن نصلي" بالنون وكذا قوله قبل أن ننصرف سواء قلنا من الصلاة أم من الخطبة. وادعى بعض الشافعية أن قوله ﵊: "مَنْ ذبَح قبل أنْ يصلِّي فليذبحْ مكانها أخرى" أي: بعد أن يتوجه من مكان هذا القول؛ لأنه خاطب بذلك من حضره فكأنه قال من ذبح قبل فعل هذا من الصلاة والخطبة فليذبح أخرى أي: فلا يعتد بما ذبحه.

стр. 4727

وأورد الطحاوي ما أخرجه مسلم عن جابر بلفظ "أن النبي ﷺ صلى يوم النحر بالمدينة، فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن النبي ﷺ قد نحر فأمرهم أن يعيدوا". قال ورواه حماد بن سلمة عن جابر بلفظ "أن رجلًا ذبحَ قبلَ أن يصلّي رسول الله ﷺ فنهى أن يذبحَ أحدٌ قبلَ الصلاةِ" وصححه ابن حبان، ويشهد لذلك قوله في حديث البراء: "إنّ أوّلَ ما نصنعُ أنْ نبدأ بالصلاةِ ثم نرجعَ فننحرَ" فإنه دال على أن وقت الذبح يدخل بعد فعل الصلاة، ولا يشترط التأخير إلى نحر الإمام، ويؤيده من طريق النظر أن الإمام لو لم ينحر لم يكن ذلك مسقطًا عن الناس مشروعية النحر. ولو أن الإمام نحر قبل أن يصلي لم يجزئه نحره فدل على أنه هو والناس في وقت الأضحية سواء. وقال المهلب: إنما كره الذبح قبل الإمام لئلا يشتغل الناس بالذبح عن الصلاة. وقوله: "شاتك شاة لحم" أي: ليست أضحية بل هو لحم ينتفع به كما في رواية زبيد الآتية في الضحايا، فإنما هو لحم يقدمه لأهله. وفي رواية فراس عند "مسلم" قال: "ذلك شيءٌ عجلتهُ لأهلِكَ". وقد استشكلت الإضافة في قوله: "شاة لحم" وذلك أن الإضافة قسمان: معنوية، ولفظية. فالمعنوية إما مقدرة (بمنْ) كخاتم حديد أو (باللام) كغلام زيد أو (بقي) كضرب اليوم معناه ضرب في اليوم. وأما اللفظية فهي صفة مضافة إلى معمولها كضارب زيد وحسن الوجه ولا يصح شيء من هذه الأقسام الخمسة في شاة لحم. قال الفاكهاني: والذي يظهر لي أن أبا بردة لما اعتقد أن شاته شاة أضحية أوقع ﷺ الجواب قوله: "شاة لحم" موقع قوله: "شاة غير أضحية". وقوله: "فإن عندنا عَنَاقًا"، وفي رواية "عناق لبن" العَناق بفتح العين وتخفيف النون الأنثى من ولد المعز عند أهل اللغة، ولم يصب الداودي في زعمه أن العَناق هي التي استحقت أن تحمل، وأنها تطلق على الذكر والأنثى، وأنه بيّن بقوله لبن أنها أنثى. قال ابن التين: غلط في نقل اللغة وفي تأويل الحديث فإن معنى "عَناق لبن" أنها صغيرة سن ترضع أمها. وعند الطبراني "أن أبا بردة ذبح ذبيحته بسحر فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال إنما الأضحية ما ذُبحَ بعد الصلاةِ اذهبْ فضحِ. فقال ما عندي إلا جَذَعة مِنَ المعز" الحديث. وقوله: "هي أحب إليّ من شاتين" مرّ الكلام عليه في الحديث الذي قبله. وقوله: "ولن تجزىء عن أحد بعدك" وفي حديث سهل بن أبي حثمة "ليست فيها رخصة لأحد بعدك". وقوله: "تَجزي" بفتح أوله غير مهموز أي: تقضي. يقال جزى عن فلان كذا أي: قضى، ومنه ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ أي: لا تقضي عنها. قال ابن بري: الفقهاء يقولون لا تُجزىء بالضم والهمز في موضع لا تقضي والصواب بالفتح وترك الهمز، لكن يجوز الضم والهمز بمعنى الكفاية يقال أجزأ عنك، وبنو تميم يقولون البدنة تُجزىء عن سبعة بضم أوله وأهل الحجاز تجزي بفتح أوله وبهما

стр. 4728

قرىء ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ وفي هذا تعقب على من نقل الاتفاق على منع ضم أوله. وفي هذا الحديث تخصيص أبي بردة بإجزاء الجذع من المعز في الأضحية عنه، لكن وقع في عدة أحاديث التصريح بنظير ذلك لغير أبي بردة ففي حديث عقبة بن عامر المخرج عند المصنف في الضحايا زيادة، ولا رخصة فيها لأحد بعدك. قال البيهقي: "إن كانت هذه الزيادة محفوظة كان هذا رخصة لعقبة كما رخص لأبي بردة، وفي هذا الجمع نظر؛ لأن في كل منهما صيغة عموم فأيهما تقدم على الآخر اقتضى انتفاء الوقوع للثاني وأقرب ما يقال فيه إن ذلك صدر لكل منهما في وقت واحد أو تكون خصوصية الأول فسخت بثبوت الخصوصية للثاني، ولا مانع من ذلك؛ لأنه لم يقع في السياق استمرار المنع لغيره صريحًا. وقد انفصل ابن التين وتبعه القرطبي عن هذا الإشكال باحتمال أن يكون العتود المذكور في حديث عاقبة كان كبير السنن بحيث يجزىء، لكنه قال ذلك بناء على أن الزيادة التي في آخره لم تقع له، لا يتم مراده عمر وجودها مع مصادمته لقول أهل اللغة في العتود، وتمسك بعض المتأخرين بكلام ابن التين فضعف الزيادة وليس بجيد فإنها خارجة من مخرج الصحيح، فإنها عند البيهقي عن عبد الله البوشنجي أحد الأئمة الكبار في الحفظ والفقه وسائر فنون العلم رواها عن يحيى بن بكير عن الليث بالسند الذي شاقه البخاري، ولكن وقع الحديث في المتفق للجوزقي عن يحيى بن بكير، وليست الزيادة فيه فهذا هو السر في قول البيهقي إن كانت محفوظة فكأنه لما رأى التفرد خشي أن يكون دخل على راويها حديث في حديث. وفي كلام بعضهم أن الذين ثبتت لهم الرخصة أربعة أو خمسة، واستشكل الجمع وليس بمشكل؛ لأن الأحاديث التي ورد فيها ذلك ليس فيها التصريح بالنفي إلا في قصة أبي بردة في "الصحيحين" وفي قصة عاقبة بن عامر في البيهقي، وأما ما عدا ذلك فقد أخرج أبو داود وأحمد، وصححه ابن حبان عن زيد بن خالد "أن النبي ﷺ أعطاه عتودًا جذعًا فقال ضحِ فقلت: إنه جذعٌ أفأضحي به؟ قال: نعم، ضحِ به. فضحيتُ به" لفظ أحمد وفي صحيح ابن حبان وابن ماجه، عن عويمر بن أشاقر "أنه ذبح أضحيته قبل أن يغدو يوم النحر فأمره النبي ﷺ أن يعيدَ أضحية أخرى". وفي "الطبراني "الأوسط" عن ابن عباس "أن النبي ﷺ أعطى سعد بن أبي وقاص جذعًا من المعز فأمره أن يضحي به". وأخرجه الحاكم عن عائشة وفي سنده ضعف، ولأبي يعلى والحاكم عن أبي هريرة "أن رجلًا قال يا رسولَ الله هذا جذعٌ مِنَ الضأنِ مهزولٌ، وهذا جذعٌ من المعزِ سمينٌ وهو خيرُهما أفأضحي به؟ قال: ضح به فإنَّ لله الخيرَ"، وفي سنده ضعف والحق أنه لا منافاة بين هذه الأحاديث وبين حديثي أبي بردة وعقبة لاحتمال أن يكون ذلك في ابتداء الأمر، ثم تقرر الشرع بأن الجذع من المعز لا يجزىء، وأختص أبو بردة وعقبة بالرخصة في ذلك وإنما قيل هذا؛ لأن بعض الناس قالوا: إن هؤلاء شاركوا عقبة وأبا بردة في ذلك، إنما وقعت في مطلق الإجزاء لا في خصوص منع الغير، ومنهم من

стр. 4729

زاد فيهم عويمر بن أشقر وليس في حديثه إلا مطلق الإعادة؛ لكونه ذبح قبل الصلاة. وأما ما أخرجه ابن ماجه عن أبي زيد الأنصاري "أن النبي ﷺ قال لرجل من الأنصار اذبحها ولن تجزىء جذعةٌ عن أحدٍ بعدك" فهذا يحمل على أنه أبو بردة بن نيار؛ لأنه من الأنصار. وكذا ما أخرجه أبو يعلى والطبراني عن أبي جحيفة "أن رجلًا ذبحَ قبلَ الصلاةِ فقال النبيُّ ﷺ لا تجزىء عنكَ. قال إن عندي جَذعةً. قال: تجزىء عنك ولا تجزىء بعد" فلم يثبت الإجزاء لأحد ونفيه عن الغير إلا لأبي بردة وعقبة فإن تعذر الجمع الذي قد مرّ فحديث أبي بردة أصح مخرجًا. قال الفاكهاني: ينبغي النظر في اختصاص أبي بردة بهذا الحكم وكشف السر فيه. وأجاب الماوردي بأن فيه وجهين: أحدهما: أن ذلك كان قبل استقرار الشرع فاستثني. والثاني: أنه علم من طاعته وخلوص نيته ما ميزه عمن سواه. وفي الأول نظر؛ لأنه لو كان سابقًا لامتنع وقوع ذلك لغيره بعد التصريح بعدم الإجزاء لغيره والغرض ثبوت الإجزاء لعدد غيره كما مرّ. قلت الظاهر عندي في الجواب هو أن المرجع في الأحكام إنما هو إلى النبي ﷺ وأنه قد يخص بعض أمته بحكم ويمنع غيره منه. ولو كان بغير عذر وهذا الحكم متقرر عند العلماء أخذوه من هذا الحديث وغيره، وفي الحديث أن خطابه للواحد يعم جميع المكلفين حتى يظهر دليل الخصوصية؛ لأن السياق يشعر بأن قوله لأبي بردة ضح به أي بالجذع ولو كان يفهم منه تخصيصه بذلك لما احتاج إلى أن يقوله له: "ولن تجزىء عن أحد بعدك" ويحتمل أن يكون قائدة ذلك قطع إلحاق غيره به في الحكم المذكور لا أن ذلك مأخوذ من مجرد اللفظ وهو قوي. وفيه أن الإمام يعلم الناس في خطبة العيد أحكام النحر. وفيه جواز الاكتفاء في الضحية بالشاة الواحدة عن الرجل وعن أهل بيته، وبه قال الجمهور وعن أبي حنيفة والثوري يكره. وقال الخطابي: لا يجوز أن يضحي بشاة واحدة عن اثنين، وادعى نسخ ما دل عليه حديث عائشة الآتي في الضحايا في باب (من ذبح ضحية غيره) وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال. قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: وفيه أن العمل وإن وافق نية حسنة لم يصح إلا إذا وقع على وفق الشرع. وفيه جواز أكل اللحم يوم العيد من غير لحم الأضحية لقوله إنما هو لحم قدمه لأهله. وفيه كرم الرب لكونه شرع لعبيده الأضحية مع ما لهم فيها من الشهوة بالأكل والادخار، ومع ذلك فأثبت لهم الأجر في الذبح، ثم من تصدق أثيب وإلا لم يأثم.

стр. 4730

وفيه تأكيد أمر الأضحية وأن المقصود منها طيب اللحم وإيثار الجار على غيره، وأن المفتي إذا ظهرت له من المستفتي أمارة الصدق كان له أن يسهل عليه حتى لو استفتاه اثنان في قضية واحدة جاز أن يفتي كلاً منهما بما يناسب حاله وجواز إخبار المرء عن نفسه بما يستحق به الثناء عليه بقدر الحاجة. رجاله خمسة: وفيه ذكر أبي بردة، وقد مرّ الجميع: مرّ عثمان بن أبي شيبة وجرير ومنصور في الثاني عشر من "العلم"، ومرَّ عامر الشعبي في الثالث من "الإيمان"، ومرّ البراء في الثالث والثلاثين منه، ومرّ أبو بردة في الذي قبله. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواته كلهم كوفيون، وقد مرّ الآن من أخرجه. ثم قال المصنف: باب الخروج إلى المصلى بغير منبر يشير إلى ما ورد في بعض طرق حديث أبي سعيد الذي ساقه في هذا الباب وهو ما أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن الأعمش عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه قال: "أخرج مروان المنبر يوم عيد وبدأ بالخطبة قبل الصلاة، فقام إليه رجل فقال: يا مروان خالفت السُّنة" الحديث.

стр. 4731

الحديث الثامن حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدٌ بن أسلم عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى إِلَى الْمُصَلَّى، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلاَةُ ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ، فَيَعِظُهُمْ وَيُوصِيهِمْ وَيَأْمُرُهُمْ، فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ بَعْثًا قَطَعَهُ، أَوْ يَأْمُرَ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى خَرَجْتُ مَعَ مَرْوَانَ وَهْوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ، فَلَمَّا أَتَيْنَا الْمُصَلَّى إِذَا مِنْبَرٌ بَنَاهُ كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ، فَإِذَا مَرْوَانُ يُرِيدُ أَنْ يَرْتَقِيَهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَجَبَذْتُ بِثَوْبِهِ فَجَبَذَنِي فَارْتَفَعَ، فَخَطَبَ قَبْلَ الصَّلاَةِ، فَقُلْتُ لَهُ: غَيَّرْتُمْ وَاللَّهِ. فَقَالَ: يا أَبَا سَعِيدٍ، قَدْ ذَهَبَ مَا تَعْلَمُ. فَقُلْتُ مَا أَعْلَمُ وَاللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا لاَ أَعْلَمُ. فَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَجْلِسُونَ لَنَا بَعْدَ الصَّلاَةِ فَجَعَلْتُهَا قَبْلَ الصَّلاَةِ". قوله عن أبي سعيد في رواية عبد الرزاق عن عياض قال: "سمعت أبا سعيد"، وكذا أخرجه أبو عوانة عن ابن وهب. وقوله: "إلى المصلى" هو موضع بالمدينة معروف بينه وبين باب المسجد ألف ذراع قاله عمر بن شبة في "أخبار المدينة" عن أبي غسان الكناني صاحب مالك. وقوله: "فيقوم مقابل الناس" في رواية ابن حبان "فينصرفُ إلى الناسِ قائمًا في مُصلاّه". ولابن خزيمة "خطب يوم عيد على رجليه"، وهذا مشعر بأنه لم يكن بالمُصلى في زمانه ﵊ منبر، ويدل على ذلك قول أبي سعيد "فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان" ومعنى ذلك أن أول من اتخذه مروان. وروى عمر بن شبة عن أبي غسان عن مالك قال: "أول من خطب الناس في المصلى على المنبر عثمان بن عفان كلمهم على منبر من طين بناه كثير من الصلت"، وهذا معضل وما في "الصحيحين" أصح ويحتمل أن يكون عثمان فعل ذلك مرة ثم تركه حتى أعاده مروان، ولم يطلع على ذلك أبو سعيد وإنما اختص كثير بن الصلت ببناء المنبر بالمصلى؛ لأن داره كانت مجاورة

стр. 4732

للمصلى إلى آخر ما مرّ في باب (وضوء الصبيان) آخر كتاب "صفة الصلاة" عند حديث ابن عباس. وقوله: "فإن كان يريد ان يقطع بَعْثًا" أي: يخرج طائفة من الجيش إلى جهة من الجهات. وقوله: "خرجت مع مروان" زاد عبد الرزاق "وهو بيني وبين أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري". وقوله: "فجبذته بثوبه" أي: ليبدأ بالصلاة قبل الخطبة على العادة. وقوله: "فقلت له غيرتم والله" صريح في أن أبا سعيد هو الذي أنكر. وعند مسلم عن طارق بن شهاب قال: "أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبْل الصلاة مروان فقام إليه رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة. فقال: قد ترك ما هنالك، فقال أبو سعيد أما هذا فقد قضى ما عليه" وهذا ظاهر في أنه غير أبي سعيد، وكذا في رواية رجاء عن أبي سعيد التي تقدمت في أول الباب فيحتمل أن يكون هو أبا مسعود الذي في رواية عبد الرزاق أنه كان معهما، ويحتمل أن تكون القصة تعددت، ويدل على ذلك المغايرة الواقعة بين روايتي عياض ورجاء. ففي رواية عياض أن المنبر بُني بالمُصلى. وفي رواية رجاء "أن مروان أخرج المنبر معه"، فلعل مروان لما أنكروا عليه إخراج المنبر ترك إخراجه بعد وأمر ببنائه من لبن وطين بالمصلى، ولا بعد في أن ينكر عليه تقديم الخطبة على الصلاة مرة بعد أخرى، ويدل على التغاير أيضًا أن إنكار أبي سعيد وقع بينه وبينه، وإنكار الآخر وقع على رؤوس الناس. وقوله: "إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلتها قبل الصلاة" أي: الخطبة وكون مروان هو أول من جعل الخطبة قبل الصلاة هو الصحيح، فقد مرّ حديث مسلم عن طارق بن شهاب الذي هو صريح في أن مروان هو أول من فعل ذلك. وقيل معاوية رواه عبد الرزاق، وقيل زياد، والظاهر أن مروان وزيادًا فعلا ذلك تبعًا لمعاوية؛ لأن كلًا منهما كان عاملًا له. وقيل بل سبقه إليه عثمان؛ لأنه رأى ناسًا لم يدركوا الصلاة فصار يقدم الخطبة رواه ابن المنذر بإسناد صحيح إلى الحسن البصري وهذه العلة غير التي اعتل بها مروان، فإنه ادعى أنه راعى مصلحتهم باستماع الخطبة لكن قيل إنهم كانوا في زمنه يتعمدون ترك سماع خطبته لما فيها من سب من لا يستحق السب والإِفراط في مدح بعض الناس، فعلى هذا إنما راعى مصلحة نفسه. وأما عثمان فراعى مصلحة الجماعة في إدراكهم الصلاة على أنه يحتمل أن يكون عثمان فعل ذلك أحيانًا بخلاف مروان فواظب على ذلك فنسب إليه. وقيل عمر بن الخطاب رواه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق بسند صحيح، لكن يعارضه حديث ابن عباس المذكور في باب (الخطبة بعد الصلاة) التالي لهذا الباب، وكذا حديث ابن عمر فإن جمع بوقوع ذلك نادرًا وإلا فما في "الصحيحين" أصح واستدل بالحديث على استحباب الخروج إلى الصحراء؛ لأجل صلاة العيد، وأن ذلك أفضل من صلاتها في المسجد لمواظبته عليه الصلاة

стр. 4733

والسلام على ذلك مع فضل مسجده، وهذا مذهب الحنفية. وقالت المالكية والحنابلة تسن بالصحراء إلا بمكة فبالمسجد الحرام لكون نظر الكعبة عبادة فيجمع بين العبادتين. وقال الشافعية: فعلها في المسجد الحرام وبيت المقدس أفضل من الصحراء تبعًا للسلف والخلف؛ ولشرفهما ولسهولة حضورهما ولوسعهما وفعلها في سائر المساجد إن اتسعت أو حصل مطر أو نحره كثلج أولى لشرفها ولسهولة الحضور إليها مع وسعها في الأول ومع العذر في الثاني، فلو صلى في الصحراء كان تاركًا للأولى مع الكراهة في الثاني دون الأول وإن ضاقت المساجد ولا عذر، كره فعلها فيها للمشقة بالزحام وخرج إلى الصحراء واستخلف في المسجد من يصلي بالضعفاء كالشيوخ والمرضى ومن معهم من الأقوياء؛ لأن عليًا رضي الله تعالى عنه استخلف أبا مسعود الأنصاري في ذلك رواه الشافعي بإسناد صحيح. من القسطلاني. وفي الحديث من الفوائد: بنيان المنبر، قال ابن المنير: إنما اختاروا أن يكون من اللبن لا من الخشب؛ لكونه يترك في الصحراء في غير حزر فيؤمن عليه النقل بخلاف منبر الخشب. وفيه أن الخطبة على الأرض عن قيام في المصلى أولى من القيام على المنبر، والفرق بينه وبين المسجد أن المصلي يكون بمكان فيه فضاء فيتمكن من رؤيته كل من حضر بخلاف المسجد فإنه يكون في مكان محصور فقد لا يراه بعضهم. وفيه إنكار العالم على الأمراء إذا صنعوا ما يخالف السنة. وفيه حلف العالم على صدق ما يخبر به، والمباحثة في الأحكام، وجواز عمل العامل بخلاف الأولى إذا لم يوافقه الحاكم على الأولى؛ لأن أبا سعيد حضر الخطبة ولم ينصرف، فيستدل به على أن البداءة بالصلاة فيها ليس بشرط في صحتها. قال ابن المنبر: حمل أبو سعيد فعل النبي ﵊ على التعيين، وحمله مروان على الأولوية، واعتذر عن ترك الأولى بما ذكره من تغير حال الناس فرأى أن المحافظة على أصل السنة وهو إسماع الخطبة أولى من المحافظة على هيئة فيها ليست من شرطها. رجاله خمسة: وفيه ذكر مروان وكثير بن الصلت وقد مرّ الجميع: مرّ سعيد بن أبي مريم في الرابع والأربعين من "العلم" ومرّ محمد بن جعفر وعياض في التاسع من الحيض، ومرّ زيد بن أسلم في الثاني والعشرين من "الإيمان"، ومرّ أبو سعيد في الثاني عشر منه، ومرّ مروان بن الحكم في الرابع والخمسين من "الوضوء"، ومرّ كثير بن الصلت في الثلاثين والمائة من كتاب "صفة الصلاة". ثم

стр. 4734

قال المصنف: باب المشي والركوب إلى العيد والصلاة قبل الخطبة وبغير أذان ولا إقامة في هذه الترجمة ثلاثة أحكام: صفة التوجه إلى الصلاة، وتأخير الخطبة عن الصلاة، وترك النداء فيها. فأما الأخيران فظاهران من أحاديث الباب كما يأتي، وأما الأول فقد اعترض عليه ابن التين فقال ليس فيما ذكره من الأحاديث ما يدل على مشي ولا ركوب، وأجاب ابن التين بأن عدم ذلك مشعر بتسويغ كل منهما وأن لا مزية لأحدهما على الآخر، ولعله أشار بذلك إلى تضعيف ما ورد في الندب إلى المشي. ففي "الترمذي" عن علي قال: "السنة أن يخرج إلى العيد ماشيًا. وفي "ابن ماجه" عن سعد القرظ: "أن النبي ﷺ كان يأتي العيد ماشيًا، وفيه عن أبي رافع نحوه، وأسانيد الثلاثة ضعاف. وقال الشافعي في "الأم" بلغنا عن الزهري قال: "ما ركب رسول الله ﷺ في عيد ولا جنازة". والأحب عند المالكية والشافعية المشي في الذهاب إليها لحديث "إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وأنتم تمشون". ولا بأس بركوب العاجز للعذر؛ وكذا الراجع منها ولو كان قادرًا ما لم يتأذ به أحد لانقضاء العبادة، ويندب أن يرجع في طريق غير الطريق التي ذهب منها.

стр. 4735

الحديث التاسع حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ بن عياض عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي فِي الأَضْحَى وَالْفِطْرِ، ثُمَّ يَخْطُبُ بَعْدَ الصَّلاَةِ". صرح بتقديم الصلاة على الخطبة فهو مطابق للجزء الثاني من الترجمة، ومرَّ الباب الذي قبله أول من قدم الخطبة على الصلاة، ومذهب الشافعية أنه لا يعتد بالخطبة إذا تقدمت على الصلاة فهو كالسنة الراتبة بعد الفريضة إذا قدمها عليها، فلو لم يعد الخطبة لم تلزمه إعادة ولا كفارة. وقالت المالكية: إن كان قريبًا أمر بالإعادة ندبًا أو سنة، وإن بعد فات التدارك. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرّ إبراهيم بن المنذر في الأول من "العلم"، ومرّ نافع في آخر حديث منه، ومرّ أنس بن عياض، وعبيد الله العمري في الرابع عشر من "الوضوء"، ومرَّ ابن عمر في أول كتاب "الإيمان" قبل ذكر حديث منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، وشيخ البخاري من أفراده ورواته لهم مدنيون، وأخرجه مسلم أيضًا.

стр. 4736

الحديث العاشر حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ الْفِطْرِ، فَبَدَأَ بِالصَّلاَةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي أَوَّلِ مَا بُويِعَ لَهُ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ بِالصَّلاَةِ يَوْمَ الْفِطْرِ، إِنَّمَا الْخُطْبَةُ بَعْدَ الصَّلاَةِ. وَأَخْبَرَنِي عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالاَ: لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَلاَ يَوْمَ الأَضْحَى. وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ فَبَدَأَ بِالصَّلاَةِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ بَعْدُ، فَلَّمَا فَرَغَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ فَأَتَى النِّسَاءَ، فَذَكَّرَهُنَّ وَهْوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ بِلاَلٍ، وَبِلاَلٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ، يُلْقِى فِيهِ النِّسَاءُ صَدَقَةً. قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَتَرَى حَقًّا عَلَى الإِمَامِ الآنَ أَنْ يَأْتِيَ النِّسَاءَ فَيُذَكِّرَهُنَّ حِينَ يَفْرُغُ؟ قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ عَلَيْهِمْ، وَمَا لَهُمْ أَنْ لاَ يَفْعَلُوا". قوله: "قال وأخبرني عطاء" إلخ القائل هو ابن جريج في الموضعين، وهو معطوف على الإِسناد المذكور. وقوله: "في أول ما بويع له" أي: لابن الزبير بالخلافة سنة أربع وستين عقب موت يزيد بن معاوية. وقوله: "إنه لم يكن يؤذن بالصلاة يوم الفطر" ذال يؤذن بالفتح مبنيًا للمفعول خبر (كان) واسمها ضمير الشأن، وكذا اسم (إن) المذكورة قبلها. وقوله: "وإنما الخطبة بعد الصلاة" أي: لا قبلها ولغير أبوي ذر والوقت إنما بغير واو. وللمستملي و"أما" بدل "إنما" قيل إنه تصحيف. وأجيب بأنه لا وجه لادعاء تصحيفه ومعناه، وأما الخطبة فتكون بعد الصلاة. وقوله: "وأخبرني عطاء" الخ القائل أخبرني هو ابن جريج أيضًا بالسند المذكور. وقوله: "وعن جابر بن عبد الله" الخ هو معطوف أيضًا مروي بالسند المتقدم. وقوله: "نزل" يشعر بأنه كان يخطب على مكان مرتفع، وقد مرَّ أنه ﵊ كان يخطب في المصلى

стр. 4737

على الأرض. وأجيب باحتمال أن الراوي ضمن النزول معنى الانتقال أي: انتقل. وقوله: "وهو يتوكأ على يد بلال" جملة حالية. قيل يحتمل أن يكون البخاري استنبط من قوله هذا: "وهو يتوكأ" مشروعية الركوب لمن احتاج إليه، وكأنه يقول الأولى المشي حتى يحتاج إلى الركوب. كما خطب النبي ﷺ قائمًا على رجليه فلما تعب من الوقوف توكأ على بلال والجامع بين الركوب والتوكؤ الارتفاق بكل منهما قاله ابن المرابط، وأما عدم الأذان والإقامة فليس في أحاديث الباب ما يدل عليه إلا حديث ابن عباس في ترك الأذان وأحد طريقي جابر، والذي يظهر أنه أشار إلى ما ورد في بعض طرق الأحاديث التي ذكرها. أما حديث ابن عمر ففي رواية النسائي "خرج رسول الله ﷺ في يوم عيد فصلى بغير أذان ولا إقامة" الحديث. وأما حديث ابن عباس وجابر ففي رواية عطاء عن جابر عند مسلم: "فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة"، وعنده عن جابر أيضًا قال: "لا أذان للصلاة يوم العيد ولا إقامة ولا شيء". وفي رواية يحيى القطان عن ابن جريج عن عطاء أن ابن عباس قال لابن الزبير: "لا تؤذن لها ولا تُقمْ" أخرجه ابن أبي شيبية عنه. ولأبي داود عن ابن عباس "أن رسول الله ﷺ صلّى العيد بلا أذان ولا إقامة" إسناده صحيح. وفي الحديث عن جابر بن سمرة عند مسلم وعن سعد بن أبي وقاص عند البزار وعن البراء عند الطبراني في "الأوسط" وقال مالك في "الموطأ": سمعت غير واحد من علمائنا يقول: لم يكن في الفطر ولا في الأضحى نداء ولا إقامة منذ زمن النبي ﷺ إلى اليوم وتلك السنة التي لا خلاف فيها عندنا وعرف بهذا توجيه أحاديث الباب ومطابقتها للترجمة. واستدل بقول جابر المار "ولا إقامة ولا شيء" على أنه لا يقال أمام صلاتها شيء من الكلام وهذا هو الذي مرَّ قريبًا عن مالك وهو قوله وقول الجمهور فلا يقال قبلها: الصلاة جامعة ولا الصلاة. وذهب الشافعي إلى طلب ذلك قبلها واحتج بما رواه عن الثقة عن الزهري قال: "كان رسول الله ﷺ يأمر المؤذن في العيدين أن يقول الصلاة جامعة". وهذا مرسل يعضده القياس على صلاة الكسوف، لثبوت ذلك فيها كما سيأتي. قال الشافعي: أحب إلى أن يقول الصلاة أو الصلاة جامعة، فإن قال: هلموا إلى الصلاة لم أكرهه وإن قال حيّ على الصلاة أو غيرها من ألفاظ الأذان أو غيرها كرهت له ذلك. واختلف في أول من أحدث الأذان فيها أيضًا فروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيب أنه معاوية، وروى الشافعي عن الثقة عن الزهري مثله، وزاد فأخذ به الحجاج حين أُمر على المدينة. وروى ابن المنذر عن حصين بن عبد الرحمن قال: أول من أحدثه زياد بالبصرة.

стр. 4738

وقال الداودي: أول من أحدثه مروان، وكل هذا لا ينافي أن معاوية أحدثه كما مرَّ في البداءة بالخطبة. وقال ابن حبيب: أول من أحدثه هشام، وروى ابن المنذر عن أبي قلابة قال: أول من أحدثه عبد الله بن الزبير. وفي حديث الباب أن ابن عباس أخبره أنه لم يكن يؤذن لها لكن في رواية يحيى القطان أنه لما ساء ما بينهما أذن ابن الزبير وأقام. وقوله: "في حديث جابر قلت لعطاء: أترى حقًا على الإمام الآن أن يأتي النساء" الخ وقوله: "إنه لحق عليهم" ظاهره أن عطاء كان يرى وجوب ذلك، ولهذا قال عياض: لم يقل بذلك غيره. وأما النووي فحمله على الاستحباب وقال: لا مانع من القول به إذا لم تترتب على ذلك مفسدة. رجاله سبعة: وفيه ذكر بلال، وقد مرّ الجميع: مرّت الثلاثة الأُول بهذا النسق في الثالث "من الحيض"، ومرَّ عطاء بن أبي رباح وبلال في التاسع والثلاثين من "العلم"، ومرّجابر في الرابع من "بدء الوحي" وابن عباس في الخامس منه وعبد الله بن الزبير في الثامن والأربعين من "العلم". لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإخبار بالجمع والإفراد والعنعنة والقول والسماع، ورواته بين رازي ويماني ومكي. أخرجه مسلم في "الصلاة" ثم قال المصنف: باب الخطبة بعد الصلاة أي: صلاة العيد، وهذا مما يرجح رواية الذين أسقطوا قوله: "والصلاة قبل الخطبة" من الترجمة التي قبل هذا وهم الأكثر. وقال ابن رشيد: أعاد هذه الترجمة؛ لأنه أراد أن يخص هذا الحكم بترجمة اعتناء به لكونه وقع في التي قبلها بطريق التبع.

стр. 4739

الحديث الحادي عشر حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃ فَكُلُّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ قَبْلَ الْخُطْبَةِ". والحديث صريح فيما ترجم له، وسيأتي في باب "عظة الإِمام النساء" بأتم مما هنا. رجاله خمسة: وفيه ذكر أبي بكر وعمر وعثمان، وقد مرّ الجميع: مرَّ أبو عاصم في أثر بعد الرابع من العلم، ومرّ ابن جريج في الثالث من "الحيض"، ومرَّ حسن بن مسلم في التاسع والعشرين من"الغسل"، ومرَّ طاووس بعد الأربعين من "الوضوء" في باب (من لم يرَ الوضوء إلا من المخرجين)، ومرَّ ابن عباس في الخامس من "بدء الوحي"، وعمر في الأول منه، وأبو بكر في "الوضوء" في باب (من لم يتوضأ من لحم الشاة) بعد الحادي والسبعين منه، وعثمان في تعليق بعد الخامس من "العلم" لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإخبار بالجمع والإفراد والعنعنة والقول، ورواته بين بصري ومكي ويماني. أخرجه البخاري أيضًا في التفسير ومسلم في "الصلاة" وكذا أبو داود. الحديث الثاني عشر حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ". وهذا أيضًا صريح فيما ترجم له. رجاله خمسة: قد مرّوا، وفيه ذكر أبي بكر وعمر، مرّ يعقوب بن إبراهيم في الثامن من "الإيمان"، ومرّ أبو أسامة في الحادي والعشرين من "العلم"، ومرّ نافع في الأخير منه، ومرَّ عبيد الله العمري في الرابع عشر من "الوضوء"، ومرّ ذكر محل الخلفاء الثلاثة قبله، ومرَّ ابن عمر في أول "الإيمان" قبل ذكر حديث منه. أخرجه مسلم.

стр. 4740

الحديث الثالث عشر حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى يَوْمَ الْفِطْرِ رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلاَ بَعْدَهَا، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلاَلٌ، فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ، تُلْقِي الْمَرْأَةُ خُرْصَهَا وَسِخَابَهَا. ومطابقة هذا للترجمة من جهة أن أمره للنساء بالصدقة كان من تتمة الخطبة كما يرشد إلى ذلك حديث جابر الذي في الباب قبله، ويحتمل أن يكون ذكره لتعلقه بصلاة العيدين في الجملة فهو كالتتمة للفائدة. وقوله: "ركعتين" قال ابن بزيزة: انعقد الإِجماع على أن صلاة العيد ركعتان لا أكثر إلا ما روي عن علي في الجامع أربع فإن صليت في المصلى فهي ركعتان كقول الجمهور. وقوله: "لم يصل قبلها ولا بعدها" قد اختلف السلف في حكم ما ذكر في الحديث، فذكر ابن المنذر عن أحمد أنه قال: الكوفيون يصلون بعدها لا قبلها، والبصريون يصلون قبلها لا بعدها، والمدنيون لا قبلها ولا بعدها. وبالأول قال الأوزاعي والثوري والحنفية. في "شرح الهداية" كان محمد بن مقاتل يقول: لا بأس بصلاة الضحى قبل الخروج إلى المصلى وإنما يكره في الجبانة وعامة المشايخ على الكراهة مطلقًا. وبالثاني قال الحسن البصري وجماعة. وبالثالث قال الزهري وابن جريج وأحمد، وأما مالك فكرهه في المصلى مطلقًا وعنه في المسجد روايتان الراجح جوازه مطلقًا. وقال ابن حبيب: هي سبحة ذلك اليوم يقتصر عليها إلى الزوال. وقال الشافعي في "الأم"، ونقله البيهقي عنه في "المعرفة" بعد أن روى حديث ابن عباس حديث الباب ما نصه: وهكذا يجب للإمام أن لا يتنفل قبلها ولا بعدها، وأما المأموم فمخالف له في ذلك. وقال الرافعي: يكره للإمام التنتفل قبل العيد وبعدها، وقيده البويطي بالمصلى، وجرى على ذلك الصيمري فقال: لا بأس بالنافلة قبلها وبعدها مطلقًا إلا للإمام في موضع الصلاة. وأما النووي فقد قال في "شرح مسلم" قال الشافعي وجماعة من السلف: لا كراهة في الصلاة

стр. 4741

قبلها ولا بعدها فإن حمل كلامه على المأموم وإلا فهو مخالف لنص الشافعي المذكور، ويؤيد ما في البويطي حديث أبي سعيد "أن النبي ﷺ كان لا يصلّي قبل العيد شيئًا فإذا رجع إلى منزله صلى ركعيتن" أخرجه ابن ماجه بإسناد حسن، وقد صححه الحاكم، وبهذا قال إسحاق ونقل بعض المالكية الإجماع على أن الإمام لا يتنفل في المصلى. وقال ابن العربي: التنفل في المصلى لو فعل لنقل، ومن أجازه رأى أنه وقت مطلق للصلاة، ومن تركه رأى أن النبي ﷺ لم يفعله، ومن اقتدى فقد اهتدى، والحاصل أن صلاة العيد لم تثبت لها سنة قبلها ولا بعدها خلافًا لمن قاسها على الجمعة، وأما مطلق النفل فلم يثبت فيه منع بدليل خاص إلا إن كان ذلك في وقت الكراهة الذي في جميع الأيام. وقوله: "تلقي المرأة خُرصها" بضم المعجمة وحكي كسرها وسكون الراء بعدها صاد مهملة هو الحلقة من الذهب والفضة، وقيل القرط إذا كان بحبة واحدة. وقوله: "وسِخابها" بكسر المهملة ثم معجمة ثم موحدة هو قلادة من عنبر أو قرنفل أو غيره، ولا يكون فيه خرز، وقيل هو خيط فيه خرز، وسمي سِخابًا لصوت خرزه عند الحركة مأخوذ من السَخب وهو اختلاط الأصوات يقال بالصاد والسين. وقد مرّ كثير من مباحث هذا الحديث في باب عظة الإمام النساء من كتاب "العلم". رجاله خمسة: قد مرّوا: مرّ سليمان بن حرب في الرابع عشر من "الإيمان"، ومرّ شعبة في الثالث منه، ومرَّ عدي بن ثابت في الثامن والأربعين منه، ومرَّ سعيد بن جبير وابن عباس في الخامس من "بدء الوحي". أخرجه البخاري أيضًا في "العيدين" وفي "الزكاة". ومسلم في "الصلاة" وكذا أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.

стр. 4742

الحديث الرابع عشر حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا زُبَيْدٌ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبيَّ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: "قَالَ النَّبِيُّ ﷺ إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ نَحَرَ قَبْلَ الصَّلاَةِ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنَ النُّسْكِ فِي شَيْءٍ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَبَحْتُ وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ. فَقَالَ: اجْعَلْهُ مَكَانَهُ، وَلَنْ تُوفِيَ أَوْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ". ظاهر هذا الحديث يخالف الترجمة؛ لأن قوله "أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر" مشعر بأن هذا الكلام وقع قبل إيقاع الصلاة فيستلزم تقديم الخطبة على الصلاة بناء على أن هذا الكلام من الخطبة؛ ولأنه عقب الصلاة بالنحر. والجواب أن المراد أنه ﷺ صلى العيد ثم خطب فقال هذا الكلام، وأراد بقوله "إن أول ما نبدأ" به أي: في يوم العيد تقديم الصلاة في أي عيد كان، والتعقيب بـ (ثم) لا يستلزم عدم تخلل أمر آخر بين الأمرين. قال ابن بطال: غلط النسائي فترجم بحديث البراء فقال: باب الخطبة قبل الصلاة. قال: وخفي عليه أن العرب قد تضع الفعل المستقبل مكان الماضي، وكأنه قال ﵊: أول ما يكون به الابتداء في هذا اليوم الصلاة التي قدمنا فعلها. قال: وهو مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ أي: إلا الإيمان المتقدم، ويؤيد صحة هذا التأويل رواية محمد بن طلحة الآتية في هذا الحديث بعينه بلفظ "خَرجَ النبيُّ ﷺ يوم أضحى إلى البقيع، فصلَّى ركعتين، ثم أقبلَ علينا بوجههِ وقال: إنَّ أولَ نُسكِنَا في يومِنا هذا أنْ نبدأ بالصلاةِ ثم نرجعَ فننحر" الحديث فتبين بهذه الرواية أن ذلك الكلام وقع منه بعد الصلاة وقد مرّ هذا الكلام مع مباحث الحديث بالاستيفاء قبل بابين. رجاله خمسة: قد مرّوا وفيه أبو بردة، وقد مرّ آدم وشعبة في الثالث من "الإيمان"، ومرّ زبيد في الحادي والأربعين منه، ومرّ الشعبي في الثالث منه أيضًا، ومرَّ البراء في الثالث والثلاثين، ومرّ أبو بردة بن نيار في السادس من هذا الكتاب، ومرَّ هناك من أخرجه. ثم قال المصنف:

стр. 4743

باب ما يكره من حمل السلاح في العيد والحرم هذه الترجمة تخالف في الظاهر الترجمة المتقدمة وهي باب (الحراب والدرق يوم العيد)؛ لأن تلك دائرة بين الإباحة والندب على ما دل عليه حديثها، وهذه دائرة بين الكراهة والتحريم لقول ابن عمر في يوم لا يحل فيه حمل السلاح، ويجمع بينهما يحمل الحالة الأولى على وقوعها ممن حملها بالدربة وعهدت منه السلامة من إيذاء أحد من الناس بها. وحمل الحالة الثانية على وقوعها ممن حملها بطرا وأشرًا، ولم يتحفظ حال حملها وتجريدها من أصابتها أحدًا من الناس ولاسيما عند المزاحمة أو في المسالك الضيقة. ثم قال: وقال الحسن: نهوا أن يحملوا السلاح يوم عيد إلا أن يخافوا عدوًا فيه تقييد لإطلاق قول ابن عمر الآتي أنه لا يحمل، وقد ورد مثله مرفوعًا مقيدًا وغير مقيد فروى عبد الرزاق بإسناد مرسل قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يخرج بالسلاح يوم العيد". وروى ابن ماجه بإسناد ضعيف عن ابن عباس أن النبي ﷺ نهى أن يلبس السلاح في بلاد الإِسلام في العيدين إلا أن يكونوا بحضرة العدو". وهذا كله في العيدين، وأما في الحرم فروى مسلم عن أبي الزبير عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ أن يحملَ السلاح بمكة". قال في "الفتح" هذا الأثر لم أقف عليه موصولًا إلا أن ابن المنذر روى نحوه عن الحسن والحسن المراد به البصري، وقد مرّ في الرابع والعشرين من الإيمان.

стр. 4744

الحديث الخامس عشر حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى أَبُو السُّكَيْنِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُوقَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: "كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ حِينَ أَصَابَهُ سِنَانُ الرُّمْحِ فِي أَخْمَصِ قَدَمِهِ، فَلَزِقَتْ قَدَمُهُ بِالرِّكَابِ، فَنَزَلْتُ فَنَزَعْتُهَا وَذَلِكَ بِمِنًى، فَبَلَغَ الْحَجَّاجَ فَجَعَلَ يَعُودُهُ، فَقَالَ الْحَجَّاجُ: لَوْ نَعْلَمُ مَنْ أَصَابَكَ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَنْتَ أَصَبْتَنِي. قَالَ: وَكَيْفَ؟ قَالَ حَمَلْتَ السِّلاَحَ فِي يَوْمٍ لَمْ يَكُنْ يُحْمَلُ فِيهِ، وَأَدْخَلْتَ السِّلاَحَ الْحَرَمَ وَلَمْ يَكُنِ السِّلاَحُ يُدْخَلُ الْحَرَمَ". قوله: "أخمص قدمه" الأخمص بإسكان الخاء المعجمة وفتح الميم بعدها مهملة باطن القدم وما رق أسفلها، وقيل هو خصر باطنها الذي لا يصيب الأرض عند المشي. وقوله: "بالركاب" أي: وهي في راحلته. وقوله: "فنزعتها" أنث الضمير مع أنه عائد على السنان وهو مذكر؛ لأنه أراد الحديدة ويحتمل أنه راجع على القدم ويكون من باب القلب كما في أدخلت الخف في الرجل. وقوله: "فبلغ الحجاج" أي: ابن يوسف الثقفي، وكان إذ ذاك أميرًا على الحجاز ذلك بعد قتل عبد الله بن الزبير. وقوله: "فجعل يعوده" في رواية المستملي "فجاء" ويؤيده رواية الإِسماعيلي "فأتاه". وجعل من أفعال المقاربة الموضوعة للشروع في العمل، ويعوده خبره. وقوله: "لو نعلم من أصابك" في أبي ذر عن الحموي والمستملي "ما أصابك" وحذف الجواب لدلالة السياق عليه، أو هي للتمني فلا حذف، ويرجح الأول أن ابن سعد أخرجه عن أبي نعيم فقال فيه: "لو نعلم من أصابك عاقبناه" وهو يرجح رواية الأكثر أيضًا. وله من وجه آخر قال: "لو أعلم الذي أصابك لضربت عنقه". وقوله: "أنت أصبتني" فيه نسبة الفعل إلى الأمر بشيء يتسبب منه ذلك الفعل وإن لم يعن الأمر ذلك، لكن حكى الزبير في "الأنصاب": "أن عبد الملك لما كتب إلى الحجاج أن لا يخالف ابن عمر شق عليه فأمر رجلًا معه حربة يقال إنها كانت مسمومة، فلصق ذلك الرجل به فأمر الحربة على قدمه فمرض منها أيامًا ثم مات، وذلك في سنة أربع وسبعين". وفي كتاب "الصريفيني": "لما أنكر عبد الله على الحجاج نصب المنجنيق على الكعبة وقتل عبد الله بن الزبير أمر الحجاج بقتله فضربه رجل من أهل الشام ضربة، فلما أتاه الحجاج يعوده قال

стр. 4745

له عبد الله: تقتلني ثم تعودني كفى الله حكمًا بيني وبينك، فصرح بأنه أمر بقتله وأنه قاتله. بخلاف ما حكاه الزبيري فإنه غير صريح، وعلى هذا ففيه نسبة الفعل إلى الأمر به فقط وهو كثير وفي هذه القصة تعقب على المهلب حيث استدل به على سدّ الذرائع؛ لأن ذلك مبني على أن الحجاج لم يقصد ذلك قلت: المهلب بني استدلاله على رواية البخاري التي هي أصح فلا يعترض عليه بما رواه غيره مما لم تثبت عنده صحته. وقولى: "حملت السلاح" أي أمرت بحمله فتبعك أصحابك في حمله. وقوله: "في يوم لم يكن يُحمل فيه" هذا هو موضع الترجمة وهو بالبناء للمجهول وهو مصير من البخاري إلى أن قول الصحابي كان يفعل كذا على البناء لما لم يسَّم فاعله يحكم برفعه. وقوله: "ولم يكن السلاح يُدخل الحرم" بضم المثناة التحتية مبنيا للمفعول أي فخالفت السنة في الزمان والمكان وإنما منع من حمل السلاح في الحرم للأمن الذي جعله الله لجماعة المسلمين فيه، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ وحمل السلاح في المشاهد التي لا يحتاج إلى الحرب فيه مكروه؛ لما يخشى فيها من الأذى والعقر عند تزاحم الناس. وقد قال ﷺ للذي رآه يحمله: "أمسكْ بنصالِها لا تعقرنّ بها مسلمًا" فإن خافوا عدوًا فمباح حملها كما قال الحسن. وقد أباح الله تعالى حمل السلاح في الصلاة عند الخوف. رجاله خمسة: وفيه ذكر الحجاج مرّ منهم زكرياء بن يحيى أبو السكين في الثالث عشر من "الوضوء"، ومرّ سعيد بن جبير في الخامس من "بدء الوحي"، ومرّ ابن عمر في أول "الإيمان" قبل ذكر حديث منه، ومرّ الحجاج بن يوسف في السابع والثلاثين من "مواقيت الصلاة"، ومرّ عبد الرحمن بن محمد المحاربي في الثامن والثلاثين من "العلم" والباقي محمد بن سوقة الغنوي أبو بكر الكوفي العابد. قال محمد بن عبيد: سمعت الثوري يقول حدثني الرضى محمد بن سوقة قال: ولم أسمعه يقول ذلك لعربي ولا لمولى. وقال الثوري: أخرج إليكم كتاب خير رجل بالكوفة، فأخرج كتاب محمد بن سوقة وقال طلحة بن مصرف ما بالكوفة رجلان يزيدان على محمد بن سوقة وعبد الجباربن وائل بن حُجْر، وقال ابن عيينة كان بالكوفة ثلاثة لو قيل لأحدهم إنك تموت غدًا ما كان يقدر أن يزيد في عمله محمد بن سوقة وعمرو بن قيس الملائي وأبو حبان التيمي. قال: وكان محمد بن سوقة لا يحسن أن يعصي الله. وقال العجلي كوفي ثبت، وكان خزازًا جمع من الخز مائة ألف ثم أتى مكة فقال: ما اجتمعت هذه لخير فتصدق بها، وكان صاحب سنة وعبادة وخير كثير في عداد الشيوخ وليس بكثير الحديث. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال النسائي: ثقة مرضي وذكره ابن حبان في "الثقات".

стр. 4746

وقال: كان من أهل العبادة والفضل والدين والسخاء. وقال يعقوب بن سفيان: محمد بن سوقة من خيار أهل الكوفة وثقاتهم. وقال الدارقطني: كوفي فاضل ثقة، روى عن أنس وسعيد بن جبير وعبد الله بن دينار وجبير بن مطعم وغيرهم. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، وشيخ البخاري من أفراده، ورواته كلهم كوفيون وفيه رواية التابعي عن التابعي أخرجه البخاري في العيدين أيضًا.

стр. 4747

الحديث السادس عشر حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "دَخَلَ الْحَجَّاجُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ وَأَنَا عِنْدَهُ فَقَالَ: كَيْفَ هُوَ؟ فَقَالَ: صَالِحٌ. فَقَالَ: مَنْ أَصَابَكَ؟ فَقَالَ: أَصَابَنِي مَنْ أَمَرَ بِحَمْلِ السِّلاَحِ فِي يَوْمٍ لاَ يَحِلُّ فِيهِ حَمْلُهُ، يَعْنِي الْحَجَّاجَ". وقوله: "أصابني من أمر" هذا فيه تعريض بالحجاج، ورواية سعيد بن جبير التي قبلها مصرحة بأنه الذي فعل ذلك، وتجمع بينهما بتعدد الواقعة أو السؤال فلعله عرض به أولًا، فلما أعاد عليه السؤال صرح. وقد روى ابن سعد من وجه آخر رجاله لا بأس بهم "أن الحجاج دخل على ابن عمر يعوده لما أصيبت رجله، فقال له: يا أبا عبد الرحمن هل تدري من أصاب رجلك؟ قال: لا. قال: أما والله لو علمت من أصابك لقتلته. قال: فأطرق ابن عمر فجعل لا يكلمه ولا يلتفت إليه، فوثب كالمغضب"، وهذا محمول على أمر ثالث كأنه عرض به ثم عاوده فصرح ثم عاوده فأعرض عنه. وقوله: "يعني الحجاج" أي: بالنصب على المفعول به وفاعله القائل وهو ابن عمر. زاد الإسماعيلي في هذه الطريق قال: لو عرفناه لعاقبناه قال وذلك لأن الناس نفروا عشية ورجل من أصحاب الحجاج عارض حربته، فضرب ظهر قدم ابن عمر فأصبح وهنا منها حتى مات. رجاله أربعة: وفيه ذكر الحجاج مرّت منهم ثلاثة: مرّ محل ابن عمر والحجاج في الذي قبله، ومرّ سعيد بن عمرو بن سعيد في الحادي والعشرين من "الوضوء" والباقي اثنان: الأول: أحمد بن يعقوب المسعدي أبو يعقوب، ويقال أبو عبد الله الكوفي. قال العجلي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال الحاكم كوفي قديم جليل، وقال أبو زرعة وأبو حاتم أدركناه ولم نكتب عنه، روى عن عبد الرحمن بن الغسيل وإسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد ويزيد بن المقدام بن شريح، وروى عنه البخاري وهو من قدماء شيوخه ومحمد بن عبد الله بن نمير وأبو سعيد الأشج وغيرهم. مات سنة بضع عشرة ومائتين.

стр. 4748

الثاني: إسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي السعيدي الكوفي. ذكره ابن حبان في "الثقات" في الطبقة الرابعة. قال أحمد والدارقطني: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: وهو أحب إلى من أخيه خالد. وقال النسائي: ثقة. روى عن أبيه وعكرمة بن خالد ويحيى بن الحكم بن أبي العاص، وروى عنه ابن عيينة وأبو داود الطيالسي، ووكيع وغيرهم. مات سنة سبعين ومائة أو ست وسبعين. ثم قال المصنف: باب التبكير للعيد كذا للأكثر بتقديم الموحدة من البكور، وعلى ذلك جرى شارحوه ومن استخرج عليه، وللمستملي التكبير بتقديم الكاف وهو تحريف، ثم قال وقال عبد الله بن بسر: إن كنا فرغنا في هذه الساعة، وذلك حين التسبيح. قوله: "إن كنا فرغنا" إن هذه هي المخففة من الثقيلة، وهذا التعليق وصله أحمد وصرح برفعه وسياقه أتم، أخرجه عن يزيد بن حمير مصغرا قال خرج عبد الله بن بسر صاحب النبي ﷺ مع الناس يوم عيد فطر أو أضحى فأنكر إبطاء الإِمام وقال: "إن كنا مع النبي ﷺ وقد فرغنا ساعتنا هذه"، وكذا رواه أبو داود عن أحمد والحاكم عنه أيضًا وصححه. وقوله: "وذلك حين التسبيح" أي وقت صلاة السبحة وهي النافلة، وذلك إذا مضى وقت الكراهة وفي رواية صحيحة للطبراني وذلك حين تسبيح الضحى. قال ابن بطال: أجمع الفقهاء على أن العيد لا تصلى قبل طلوع الشمس ولا عند طلوعها، وإنما تجوز عند جواز النافلة ويعكر عليه إطلاق من أطلق إن أول وقتها عند طلوع الشمس، واختلف هل يمتد وقتها إلى الزوال أم لا. واستدل ابن بطال على المنع بحديث عبد الله بن بسر وليست دلالته على ذلك بظاهرة. قلت: حديث عبد الله بن بسر فيه دلالة على ما قال ابن بطال؛ لأن قوله وذلك حين التسبيح معناه وقت حل النفل، وهو مراد ابن بطال ووقتها عند المالكية والحنفية والحنابلة من ارتفاع الشمس قيد رمح إلى الزوال ووقتها عند الشافعية ما بين طلوع الشمس وزوالها وإن كان فعلها عقب الطلوع مكروهًا؛ لأن مبنى المواقيت على أنه إذا خرج وقت صلاة دخل وقت غيرها وبالعكس، لكن الأفضل إقامتها من ارتفاعها قِيْدَ رمح للاتباع وليخرج وقت الكراهة وللخروج من الخلاف احتج الأولون بفعله ﵊ ونهيه عن الصلاة وقت طلوع الشمس. وأجابوا عن حديث بسر هذا بأنه أي الإِمام كان قد تأخر عن الوقت، وبأن الأفضل ما عليه الجمهور وهو فعلها بعد الارتفاع قيد رمح، فيكون ذلك الوقت أفضل بالإجماع. واستدلت الشافعية بحديث عبد الله بن بسر هذا حيث قال: "إن كنا قد فرغنا ساعتنا هذه" وذلك حين صلاة التسبيح. ومذهب الشافعية والحنابلة أن المأموم يذهب بعد صلاة الصبح، وأما الإِمام فعند إرادة الإحرام بها للاتباع رواه الشيخان. وقالت المالكية: بعد طلوع الشمس في حق الإِمام والمأموم أما الإِمام

стр. 4749

فلفعله ﵊، وأما المأموم فلفعل رافع بن خديج وعروة بن الزبير وغيرهما. وهذا التعليق وصله أبو داود وابن ماجه. وعبد الله بن بسر بضم الباء المازني أبو بسر، وقيل أبو صفوان السلمي المازني من مازن بن منصور أخو بني سليم، وقيل من مازن الأنصار. له ولأبويه ولأخويه عطية وصماء صحبة. وروى البخاري في "الصحيح" عن حريز بن عثمان سأله عبد الله بن بسر "رأيت رسول الله ﷺ قال كان في عنفقته شعرات بيض". وفي "سنن أبي داود وابن ماجه" عن سليم بن عامر عن عبد الله بن بسر قال: "دخل علينا رسول الله ﷺ فقدمنا له تمراً وزبدًا وكان يحب الزبد والتمر". وفي النسائي عن صفوان بن عمرو عن عبد الله بن بسر قال: "قال أبي لأمي: لو صنعت لرسول الله ﷺ طعامًا" الحديث. وروى مسلم والثلاثة من طريق يزيد بن عمير الرحبي عنه قال: "نزل النبي ﷺ على أبي فقربنا إليه طعامًا". له أحاديث انفرد البخاري بحديث ومسلم بآخر. روى عن النبي ﷺ وعن أبيه وأخيه. وقيل عن عمته وروى عنه أبو الزاهرية وخالد بن معدان وصفوان بن عمرو وجرير بن عثمان وغيرهم. مات بالشام وقيل بحمص منه سنة ثمان وثمانين وهو ابن أربع وتسعين وهو آخر من مات بالشام من الصحابة وقال أبو القيم بن سعد: مات سنة ست وتسعين وهو ابن مائة وكذا قال أبو نعيم وساق ما رواه البخاري في "التاريخ الصغير" عن عبد الله بن بسر أن النبي ﷺ قال له: "يعيش هذا الغلام قرنا" فعاش مائة سنة وفي البخاري في "التاريخ" أيضًا قال علي بن عبد الله سمعت سفيان قلت للأحوص أكان أبو أمامة آخر من مات عندكم من الصحابة قال: كان بعده عبد الله بن بسر.

стр. 4750

الحديث السابع عشر حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ زُبَيْدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ عَجَّلَهُ لأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ. فَقَامَ خَالِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أُصَلِّيَ وَعِنْدِى جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ. قَالَ: اجْعَلْهَا مَكَانَهَا أَوْ قَالَ: اذْبَحْهَا وَلَنْ تَجْزِيَ جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ. مطابقة هذا الحديث للترجمة من جهة قوله: "إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلِّي" فإنه قال على أنه لا ينبغي الاشتغال فى يوم العيد بشيء غير التأهب للصلاة والخروج إليها، ومن لازمه أن لا يفعل قبلها شيء غيرها فاقتضى ذلك التبكير إليها. وهذا الحديث قد مرّ في باب الأكل يوم النحر، ومرَّ الكلام عليه هناك والاختلاف في متنيهما قليل، ففي حديث هذا الباب "ومنْ ذبح" وهناك "ومن نحر" والفرق بينهما أن المشهور أن النحر في الإبل والذبح في غيرها، وقالوا النحر في اللبب مثل الذبح في الحلق وهنا أطلق النحر على الذبح باعتبار أن كلاً منهما إنهار الدم. رجاله خمسة: وفيه ذكر أبي بردة، وقد مرّ الجميع: مرّ سليمان بن حرب في الرابع عشر من "الإيمان"، ومرَّ شعبة والشعبي في الثالث منه، ومرّ زبيد في الحادي والأربعين منه، والبراء في الثالث والثلاثين منه، ومرّ أبو بردة في السادس من هذا الكتاب. ثم قال المصنف: باب فضل العمل في أيام التشريق أيام التشريق عند أهل اللغة والفقه هي ما بعد يوم النحر، واختلف هل هي ثلاثة أو يومان، لكن ما ذكروه من سبب تسميتها بذلك يقتضي دخول يوم العيد فيها، فقد ذكروا قولين في سبب تسميتها بذلك: قيل لأنهم كانوا يشرقون فيها لحوم الأضاحي يقددونها ويبرزونها للشمس.

стр. 4751

وقيل لأنها كلها أيام تشريق لصلاة يوم النحر، فصارت تبعًا ليوم النحر والمعنى أن أيام التشريق سميت بذلك؛ لأن صلاة العيد إنما تصلى بعد أن تشرق الشمس. وقال ابن السكيت: هو من قول الجاهلية أشْرِقْ ثَبِير كيما نُغير ثبير بوزن أمير جبل (بمنى) أي أدخل أيها الجبل في الشروق كي ما نغير، أي ندفع فننحر. ولعلهم أخرجوا يوم العيد منها لشهرته بلقب يخصه وهو يوم العيد، وإلا فهي في الحقيقة تبع له في التسمية كما تبين من كلامهم، ومن ذلك حديث علي "لا جمعة ولا صلاة عيد". قال وكان أبو حنيفة يذهب بالتشريق في هذا إلى التكبير في دبر الصلاة يقول: لا تكبير إلا على أهل الأمصار. قال: وهذا لم نجد أحدًا يعرفه ولا وافقه عليه صاحباه ولا غيرهما. ومن ذلك حديث من ذبح قبل التشريق أي قبل صلاة العيد "فَلْيعِدْ" رواه أبو عبيد من مرسل الشعبي، ورجاله ثقات. وهذا كله يدل على أن يوم العيد من أيام التشريق. ثم قال: وقال ابن عباس: "ويذكروا اسم الله في أيام معلومات أيام العشر" والأيام المعدودات أيام التشريق. كذا لأبي ذر عن الكشميهني بوفاق التلاوة، وفي رواية كريمة وشبويه وقال ابن عباس: "واذكروا الله" إلى آخره وللحموي والمستملي "ويذكروا الله في أيام معدودات" واعترض على الروايتين الأخيرتين بأن التلاوة "ويذكروا اسم الله في أيام معلومات" أو واذكروا الله في أيام معدودات. وأجيب بأنه لم يقصد التلاوة، وإنما حكى كلام ابن عباس وابن عباس أراد تفسير المعلومات والمعدودات. وقد وصله عبد بن حميد عن عمرو بن دينار عنه وفيه الأيام المعدودات أيام التشريق والأيام المعلومات أيام العشر، وروى ابن مردويه عن ابن عباس قال: الأيام المعلومات التي قبل يوم التروية، ويوم التروية ويوم عرفة، والمعدودات أيام التشريق وإسناده صحيح وظاهره إدخال يوم العيد في أيام التشريق. وقد روى ابن أبي شيبة من وجه آخر عن ابن عباس أن المعلومات يوم النحر وثلاثة أيام بعده ورجح الطحاوي هذا لقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ فإنه مشعر بأن المراد أيام النحر وهذا لا يمنع تسمية أيام العشر معلومات ولا أيام التشريق معدودات، بل تسمية أيام التشريق معدودات متفق عليه لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾. وقد قيل إنها إنما سميت معدودات؛ لأنها إذا زيد عليها شيء عد ذلك حصرًا أي في حكم حصر العدد. وعند مالك المعلومات أيام النحر، والأيام المعدودات أيام (مني) وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، فيوم العيد معلوم غير معدود واليوم الرابع معدود غير معلوم، وهذا هو قول علي وابن عمر، وبهذا قال أبو يوسف ومحمد قيل سميت معدودات لقلتهن، ومعلومات لجزم الناس على علمها؛ لأجل فعل المناسك في الحج.

стр. 4752

وعند أبي حنيفة الأيام المعلومات العشر والمعدودات أيام التشريق، وهي ثلاثه أيام بعد يوم النحر. وقد مرّ ابن عباس في الخامس من "بدء الوحي". ثم قال: وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبّران ويكبّر الناس بتكبيرهما. وقال الطحاوي: كان مشايخنا يقولون بذلك أي بالتكبير في أيام العشر. وقد اعترض على البخاري في ذكر هذا الأثر في ترجمة العمل في أيام التشريق. وأجاب الكرماني بأن عادته أن يضيف إلى الترجمة ما له بها أدنى ملابسة استطرادًا، والذي يظهر أنه أراد تساوي أيام التشريق بأيام العشر لجامع ما بينهما مما يقع فيها من أعمال الحج، ويدل على ذلك أن أثر أبي هريرة وابن عمر صريح في أيام العشر، والذي بعده في أيام التشريق، وهذا الأثر قال فى"الفتح" لم أره موصولًا عنهما. وقد ذكره البيهقي أيضًا معلقًا عنهما، وكذا البغوي وابن عمر مرّ في أول كتاب "الإِيمان" قبل ذكر حديث منه، ومرّ أبو هريرة في الثاني منه. ثم قال: وكبّر محمد بن علي خلف النافلة ولفظ أبي وهنه فريق عند الدارقطني قال رأيت أبا جعفر محمد بن علي يكبر بمنى في أيام التشريق خلف النوافل. وفي سياق هذا الأثر تعقب على الكرماني حيث جعله يتعلق بتكبير أيام العشر كالذي قبله. قال ابن التين: لم يتابع محمدًا على هذا أحد كذا قال والخلاف ثابت عند المالكية والشافعية هل يختص التكبير الذي بعد الصلاة في العيد بالفرائض أو يعم. واختلف الترجيح عند الشافعية، والراجح عند المالكية الاختصاص. ويأتي استيفاء الكلام على هذا في الباب بعد هذا، وهذا الأثر وصله الدارقطني في "المؤتلف". ومرّ محمد بن علي الباقر في الأربعين من "الوضوء" في باب (من لم يرَ الوضوء إلا من المخرجين).

стр. 4753

الحديث الثامن عشر حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ أَفْضَلَ مِنَ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ". قَالُوا: وَلاَ الْجِهَادُ؟ قَالَ: "وَلاَ الْجِهَادُ، إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ". قوله: "عن سليمان" هو الأعمش، وقد رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة فصرح بسماع الأعمش له من مسلم ولفظه عن الأعمش قال: "سمعت مسلمًا"، وهكذا رواه الثوري وأبو معاوية وغيرهما من الحفاظ عن الأعمش. وأخرجه أبو داود عن وكيع عن الأعمش فقال: "عن مسلم ومجاهد وأبي صالح عن ابن عباس". فأما طريق مجاهد فقد رواها أبو عوانة عن موسى بن أبي عائشة عن مجاهد فقال: "عن ابن عمر" بدل "عن ابن عباس". وأما طريق أبي صالح فقد رواها أبو عوانة أيضًا عن موسى بن أعين عن الأعمش فقال: "عن أبي صالح عن أبي هريرة" والمحفوظ في هذا حديث ابن عباس، وفيه اختلاف آخر عن الأعمش رواه أبو إسحاق الفزاري عن الأعمش فقال: "عن أبي وائل عن ابن مسعود" أخرجه الطبراني. وقد وافق الأعمش على روايته له عن مسلم البطين سلمة بن كهيل عن أبي عوانة أيضًا، ورواه عن سعيد بن جبير أيضًا القاسم بن أبي أيوب عند الدارمي وأبو عوانة وأبو جرير السختياني عند أبي عوانة وعدي بن ثابت عند البيهقي، وسيأتي ما في رواياتهم من الفوائد والزوائد. وقوله: "ما العمل في أيام أفضل منه في هذه" كذا لأكثر الرواة بالإبهام. وفي رواية كريمة عن الكشميهني "ما العمل في أيام العشر أفضل من العمل في هذه" وهذا يقتضي نفي أفضلية العمل في أيام العشر على العمل في هذه الأيام إن فسرت بأنها أيام التشريح. وعلى ذلك جرى بعض شراح "البخاري"، وحمله على ذلك ترجمة البخاري المذكورة فزعم أن البخاري فسر الأيام المبهمة في هذا الحديث بأنها أيام التشريق، وفسر العمل بالتكبير، لكونه أورد الآثار المذكورة المتعلقة بالتكبير فقط. وقال ابن أبي جمرة الحديث دال على أن العمل في أيام التشريق أفضل من العمل في غيره.

стр. 4754

قال: ولا يعكر على ذلك كونها أيام عيد كما روي عن عائشة ولا ما صح من قوله ﵊: "أنها أيام أكل وشرب"، كما رواه مسلم؛ لأن ذلك لا يمنع العمل فيها، بل قد شرع فيها أعلى العبادات وهو ذكر الله تعالى، ولم يمنع فيها منه إلا الصيام. قال وسرّ كون العبادة فيها أفضل من غيرها أن العبادة في أوقات الغفلة فاضلة على غيرها وأيام التشريق أيام غفلة في الغالب، فصار للعابد فيها مزيد فضل على العابد في غيرها كمن قام في جوف الليل وأكثر الناس نيام. وفي أفضلية أيام التشريق نكتة أخرى وهي أنها وقعت فيها محنة الخليل بولده، ثم مَنَّ عليه بالفداء فثبت لها الفضل بذلك، وهو توجيه حسن إلا أن المنقول يخالف والسياق الذي في رواية كريمة شاذ مخالف لما رواه أبو ذر، وهو من الحفاظ عن الكشميهني شيخ كريمة بلفظ "ما العمل في أيام أفضل منه في هذا العشر" وكذا أخرجه أحمد وغيره عن شعبة بالإسناد المذكور، ورواه أبو داود الطيالسي في "مسنده" عن شعبة فقال: "في أيام أفضل منه في عشر ذي الحجة" وكذا رواه الدارمي عن شعبة، وفي رواية وكيع المقدم ذكرها ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام يعني أيام العشر، وكذا رواه ابن ماجه عن أبي معاوية عن الأعمش ورواه الترمذي عن أبي معاوية فقال: من هذه الأيام العشر بدون يعني، وقد ظن قوم أن قوله يعني أيام العشر تصير من بعض رواته لكن ما مرّ عن الطيالسي وغيره ظاهر في أنه من نفس الخبر. وكذا في رواية القاسم بن أبي أيوب بلفظ "ما من عمل أزكى عند الله تعالى ولا أعظم أجرًا من خير يعمله في عشر الأضحى". وفي حديث جابر في "صحيحي" أبي عوانة وابن حبان "ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة" فظهر أن المراد بالأيام في حديث الباب أيام عشر ذي الحجة، لكنه مشكل على ترجمة البخاري بأيام التشريق ويجاب عنه بأجوبة: أحدها: أن الشيء يشرف بمجاورته للشيء الشريف، وأيام التشريق تقع تلو أيام العشر، وقد ثبتت الفضيلة لأيام العشر بهذا الحديث فثبتت بذلك الفضيلة لأيام التشريق. ثانيها: أن عشر ذي الحجة إنما شرف لوقوع أعمال الحج فيه، وبقية أعمال الحج تقع في أيام التشريق كالرمي والطواف وغير ذلك من تتماته، فصارت مشتركة معها في أصل الفضل؛ ولذلك اشتركت معها في مشروعية التكبير في كل منها، وبهذا تظهر مناسبة إيراد الآثار المذكورة في صدر الترجمة لحديث ابن عباس. ثالثها: أن بعض أيام التشريق هو بعض أيام العشر وهو يوم العيد، وكما أنه خاتمة أيام العشر فهو مفتتح أيام التشريق فهي ثبت لأيام العشر من الفضل شاركتها فيه أيام التشريق؛ لأن يوم العيد بعض كل منهما بل هو رأس كل منها وشريفه وعظيمه وهو يوم الحج الأكبر كما يأتي في الحج. وقوله: "قالوا: ولا الجهاد" في رواية سَلَمَةَ بنِ كُهَيل المذكورة فقال رجل: ولم يوجد في شيء

стр. 4755

من طرف هذا الحديث تعيين هذا السائل وعند الإسماعيلي قال ولا الجهاد في سبيل الله مرتين. في رواية سلمة بن كهيل أيضًا حتى أعادها ثلاثًا. ودل سؤالهم هذا على تقرر أفضلية الجهاد عندهم وكأنهم استفادوه من قوله ﵊ في جواب من سأله عن عمل يعدل الجهاد فقال: "لا أجده". وقوله: "إلا رجل خرج" كذا للأكثر. والتقدير إلا عمل رجل. وللمستملي "إلا من خرج" وقوله: "يخاطر بنفسه" أي: يقصد قهر عدوه ولو أدى ذلك إلى قتل نفسه. وقوله: "فلم يرجع بشيء" أي: فيكون أفضل من العامل في أيام العشر أو مساويًا له. قال ابن بطال: هذا اللفظ يحتمل أمرين أن لا يرجع بشيء من ماله وإن رجع هو، ولا أن يرجع هو ولا ماله بأن يرزقه الله الشهادة. وتعقبه ابن المنير بأن قوله: "فلم يرجع بشيء" يستلزم أن يرجع بنفسه ولابد، وهو تعقب مردود فإن قوله: "فلم يرجع بشيء" نكرة في سياق النفي فتعم ما ذكر. وفي رواية الطيالسي وغُنْدر وغيرهما عن شعبة "فلم يرجع من ذلك بشيء" والحاصل أن نفي الرجوع بالشيء لا يستلزم إثبات الرجوع بغير شيء؛ بل هو على الاحتمال كما قال ابن بطال، ويدل على الثاني وروده بلفظ تقتضيه فعند أبي عوانة عن شعبة بلفظ "إلاَّ من عقر جواده وأهريق دمه"، وعنده في رواية القاسم بن أبي أيوب "إلا من لا يرجع بنفسه ولا ماله". وفي طريق سلمة بن كهيل فقال: "لا إلا أن لا يرجع". وفي حديث جاير "إلا من عفر وجهه في التراب" فظهر بهذه الطرق ترجيح ما رده. وفي الحديث تعظيم قدر الجهاد وتفاوت درجاته، وأن الغاية القصوى فيه بذل النفس لله، ويجمع بين حديث الباب وحديث أبي هريرة الآتي في أول الجهاد "أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ -فقال دُلّني على عملٍ يعدلُ الجهادَ قال: لا أجدهُ قال: هل تستطيعُ إذا خرجَ المجاهدُ أن تدخلَ مسجدَكَ فتقوم ولا تفترُ وتصومَ ولا تفطر؟ قال: ومن يستطيع ذلك" بأن يكون عموم حديث أبي هريرة خص بما دل عليه حديث ابن عباس هذا، ويحتمل أن يكون الفضل الذي في حديث أبي هريرة مخصوصًا بنفسه وماله فلم يرجع بشيء" فمفهومه أن من رجع بذلك لا ينال الفضيلة المذكورة، لكن يشكل عليه ما وقع في حديث أبي هريرة الآخر وتكفل الله للمجاهد في سبيله. ويمكن أن يجاب بأن الفضل المذكور أولًا خاص بمن لم يرجع، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون لمن يرجع أجر في الجملة. وقد مرّ استيفاء الكلام على هذا في باب (الجهاد من الإيمان) من كتاب "الإيمان" وأشد مما تقدم في الإشكال ما أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد وصححه الحاكم عن أبي الدرداء مرفوعًا "ألا أُنبئُكم بخير أعمالِكُم وأزكاها عندَ مليكِكُم وأرفعها في درجاتِكم، وخيرٌ لكم من إنفاقِ الذهب والوَرِقِ، وخيرٌ لكم من أن تلقوا عَدوكم فتضربوا أعناقَهم ويضربوا أعناقكم. قالوا: بلى، قال: ذكرُ اللهِ". فإنه ظاهر في أن الذكر بمجرده أفضل من أبلغ ما يقع للمجاهد وأفضل

стр. 4756

من الإِنفاق مع ما في الجهاد والنفقة مع النفع المتعدي، وفيه أيضًا تفضيل بعض الأزمنة على بعض كالأمكنة وفضل أيام عشر ذي الحجة على غيرها من أيام السنة. وتظهر فائدة ذلك فيمن نذر الصيام أو علق عملًا من الأعمال بأفضل الأيام، فلو أفرد يومًا منها تعين يوم عرفة؛ لأنه على الصحيح أفضل أيام العشر المذكور فإن أراد أفضل أيام الأسبوع تعين يوم الجمعة جمعًا بين حديث الباب وبين حديث أبي هريرة مرفوعًا "خيرُ يوم طلعتْ فيه الشمسُ يومُ الجمعةِ" رواه مسلم قاله النووي. وقال الداودي لم يرد ﵇ أن هذه الأيام خير من يوم الجمعة؛ لأنه قد يكون فيها يوم الجمعة فيلزم تفضيل الشيء على نفسه وتعقب بأن المراد أن كل يوم من أيام العشر أفضل من غيره من أيام السنة سواء كان يوم الجمعة أم لا، ويوم الجمعة فيه أفضل من يوم الجمعة في غيره. لاجتماع الفضلين فيه. واستدل به على فضل صيام عشر ذي الحجة لاندراج الصوم في العمل، واستشكل بتحريم الصوم يوم العيد. وأجيب بأنه محمول على الغالب، ولا يرد على ذلك ما رواه أبو داود وغيره عن عائشة قالت: "ما رأيت رسولَ اللهِ ﷺ صائمًا العشرَ قط" لاحتمال أن يكون ذلك لكونه كان يترك العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يفرض على أمته" كما رواه "الصحيحان" عن عائشة أيضًا والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج ولا يتأتى ذلك في غيره وعلى هذا، فهل يختص الفضل بالحاج أو يعم المقيم فيه احتمال. وقال ابن بطال وغيره: المراد بالعمل في أيام التشريق التكبير فقط؛ لأنه ثبت أنها أيام أكل وشرب وبِعَال وثبت تحريم صومها، وورد فيه إباحة اللهو بالحراب ونحو ذلك، فدل على تفريغها لذلك مع الحض على الذكر أن المشروع منه فيها التكبير فقط، ومن ثم اقتصر المصنف على إيراد الآثار المتعلقة بالتكبير وتعقبه الزين بن المنير بأن العمل إنما يفهم منه عند إطلاق العبادة وهي لا تنافي استيفاء حظ النفس من الأكل وسائر ما ذكر، فإن ذلك لا يستغرق اليوم والليلة. وقال الكرمانيّ: الحث على العمل في أيام التشريق لا ينحصر في التكبير، بل المتبادر إلى الذهن منه أنه المناسك من الرمي وغيره الذي يجتمع مع الأكل والشرب. قال: مع أنه لو حمل على التكبير وحده لم يبق لقول المصنف بعده باب التكبير أيام (مني) معنى، ويكون تكرارًا محضًا. والذي يجتمع مع الأكل والشرب لكل أحد من العبادة هو الذكر المأمور به. وقد فسر بالتكبير كما قال ابن بطال وأما المناسك فمختصة بالحاج وجزمه بأنه تكرار متعقب؛ لأن الترجمة الأولى لفضل التكبير والثانية لمشروعيته وصفته أو أراد تفسير العمل المجمل في الأولى بالتكبير المصرح في الثانية فلا تكرار. وفي رواية ابن عمر من الزيادة في آخره "أكثروا فيهن من التهليل والتحميد". وللبيهقي في الشعب عن عدي بن ثابت عن ابن عباس "فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير"،

стр. 4757

وهذا يؤيد ما ذهب إليه ابن بطال. وفي رواية عدي من الزيادة "وأن صيام يوم منها يعدل صيام سنة والعمل بسبعمائة ضعف". وللترمذي عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة "يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر" لكن إسناده ضعيف، وكذا الإسناد إلى عدي بن ثابت. رجاله ستة: قد مرّوا: مرّ محمد بن عرعرة في الحادي والأربعين من "الإيمان" ومرّ شعبة في الثالث منه، ومرَّ سليمان الأعمش في الخامس والعشرين منه، ومرّ مسلم البطين في الخامس عشر من كتاب "الصلاة"، ومرّ سعيد بن جبير وابن عباس في الخامس من "بدء الوحي". لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة، ورواته بين بصري وبسطامي وكوفيين. أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه في "الصلاة". ثم قال المصنف: باب التكبير أيام مِنى وإذا غدا إلى عرفة أيام (مِنى) أي: يوم العيد والثلاثة بعده. وقوله: "وإذا غدا إلى عرفة" أي: صبح يوم التاسع قال الخطابي: حكمة التكبير في هذه الأيام أن الجاهلية كانوا يذبحون لطواغيتهم فيها فشرع التكبير فيها إشارة إلى تخصيص الذبح له وعلى اسمه . ثم قال: "وكان عمر ﵁ يكبر في قُبَّتِهِ (بمِنى) فيسمعهُ أهلُ المسجدِ فيكبرونَ ويكبِّرُ أهلُ الأسواقِ حتى ترتجَّ (مِنى) تكبيرًا. وهذا لفظ أبي عبيد ومن طريقه البيهقي، ولفظ سعيد بن منصور "كان عمر يكبر في قبته (بمِنى) ويكبّر أهل المسجد، ويكبّر أهل السوق حتى ترتجّ (مِنى) تكبيرًا" والقبة بضم القاف وتشديد الموحدة من الخيام بيت صغير مستدير، وهو من بيوت العرب. وقوله: "ترتج" بتثقيل الجيم أي تضطرب وتتحرك وهي مبالغة في رفع الأصوات، وهذا التعليق وصله سعيد بن منصور من رواية عبيد بن عمير. وعمر مرّ في الأول من "بدء الوحي". ثم قال: "وكان ابن عمر يكبّر (بمِنى) تلك الأيام وخلفَ الصلوات، وعلى فراشِه وفي فُسْطَاطِهِ وممشاهُ تلك الأيام جميعًا" وفي الفسطاط ست لغات بضم الفاء ويجوز كسرها وهو بطاءين وبتاء بدل الطاء الأولى وبإبدال التاء سينًا وإدغام السين في السين. قال الكرماني: بيت من الشعر. وقال الزمخشري: هو ضرب من الأبنية في السفر دون السرادق وبه سميت المدينة التي فيها مجتمع الناس وكل مدينة فسطاط، ويقال لمصر والبصرة الفسطاط، ويقال الفسطاط الخيمة الكبيرة. وقوله: "تلك الأيام جميعًا" أراد بذلك التأكيد وفي رواية أبي ذر بدون واو على أنها ظرف لما تقدم ذكره، وهذا الأثر وصله ابن المنذر والفاكهاني في أخبار مكة.

стр. 4758

وابن عمر مرّ في أول كتاب "الإيمان" قبل ذكر حديث منه. ثم قال: "وكانت ميمونة تكبّرُ يومَ النحر" قال فى "الفتح": لم أقف على أثرها هذا موصولاً. قال العيني: وقد روى البيهقي أيضًا تكبير ميمونة، وقد مرّت ميمونة في الثامن والخمسين من "العلم". ثم قال: "وكان النساءُ يكبّرنَ خلف أبان بن عثمانَ وعمرَ بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجالِ في المسجدِ". في رواية غير أبي ذر "وكنّ النساء" على اللغة القليلة وأبان المذكور كان أميرًا على المدينة في زمن ابن عم أبيه عبد الملك بن مروان، وحديث أم عطية الآتي في الباب سلفهن في ذلك، وقد اشتملت هذه الآثار على وجود التكبير في تلك الأيام عقب الصلوات وغير ذلك من الأحوال. وفيه اختلاف بين العلماء في مواضع: فمنهم مَنْ قصر التكبير على أعقاب الصلوات. ومنهم مَنْ خص ذلك بالمكتوبات دون النوافل. ومنهم من خصه بالرجال دون النساء وبالجماعة دون المنفرد وبالوقتية دون المقضية وبالمقيم دون المسافر وبساكن المصر دون القرية. وظاهر اختيار البخاري شمول ذلك للجميع، والأثار التي ذكرها تساعده. وللعلماء اختلاف أيضًا في ابتدائه وانتهائه: فقيل من صبح يوم عرفة، وقيل من ظهره، وقيل من عصره، وقيل من صبح يوم النحر، وقيل من ظهره، وقيل في الانتهاء إلى ظهر يوم النحر، وقيل إلى عصره، وقيل إلى ظهر ثانية، وقيل إلى صبح آخر أيام التشريق، وقيل إلى ظهره، وقيل ولم يثبت في شيء من ذلك عن النبي ﷺ حديث. وأصح ما ورد فيه عن الصحابة قول علي وابن مسعود "أنه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام (مني) " أخرجهما ابن المنذر وغيره. والصحيح من مذهب الشافعية أن استحبابه يعم الصلاة فرضًا ونفلًا ولو جنازة ومنذورة ومقضية في زمن استحبابه لكل مصلٍّ حاج أو غيره مقيم أو مسافر ذكر أو أنثى منفرد أو غيره من صبح عرفهَ إلى عقب عصر آخر أيام التشريق للاتباع رواه الحاكم وصححه لكن ضعفه البيهقي. قال في "المجموع": البيهقي أتقن من شيخه الحاكم وأشد تحريًا، وهذا في غير الحج وعليه العمل كما قال النووي وصححه في "الأذكار". وقال في "الروضة": إنه الأظهر عن المحققين، لكن صحح في "المنهاج" كأصله أن غير الحاج كالحاج يكبر من ظهر يوم النحر إلى صبح آخر أيام التشريق. وخص المالكية استحبابه بالفرائض الحاضرة وهو عندهم من ظهر يوم النحر إلى عقب صبح اليوم الرابع. وقال أبو حنيفة: يجب من صلاة صبح يوم عرفة، وينتهي بعصر يوم النحر.

стр. 4759

وقال صاحباه: يختم عقيب صلاة العصر من آخر أيام التشريق وهو عنده واجب على المقيمين بالمصر خلف الفرائض في جماعة مستحبة، فلا يجب على أهل القرى ولا بعد النوافل والوتر ولا على منفرد ونساء إذا صلين في جماعة. وقال صاحباه: يجب على من يصلي المكتوبة مقيمًا كان أو مسافرًا أو نساء؛ لأنه شرع تبعًا لها. وعند الحنابلة، يسن عقب كل فريضة صلاها في جماعة حتى الفائتة في عام ذلك العيد إذا صلّاها جماعة من صلاة فجر عرفة إلى آخر عصر أيام التشريق إلا المحرم، فإنه يكبر من صلاة ظهر النحر إلى آخر أيام التشريق. وأما صفة التكبير، فقال المالكية: "الله أكبر ثلاثًا" وإن قال بعد تكبيرتين "لا إله إلا الله"، ثم تكبيرتين "ولله الحمد" كان حسنًا، وهذا هو مذهب الإمام أحمد ومذهب الحنفية، وقالوا: هذا هو المأثور عن الخليل. وقال الشافعية "يكبر ثلاثًا" نسقًا اتباعًا للخلف والسلف ويزيد "لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد". قال الشافعي: وما زاد من ذكر الله فحسن واستحسن في "الأم" أن تكون زيادته "الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلًا، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، لا إله إلا الله وحده صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله والله أكبر"، وأن يرفع بذلك صوته. وأصح ما ورد في صفته ما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن سليمان قال: "كبروا الله الله أكبر الله أكبر كبيرًا" وقد وصل هذا الأثر أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب "العيدين". وقد مرّ عمر بن عبد العزيز في الأثر الأول من كتاب "الإيمان" وأبان هو ابن عثمان بن عفان الأموي أبو سعيد، ويقال أبو عبد الله. قال عمرو بن شعيب: ما رأيت أعلم بحديث ولا فقه منه، وعده يحيى القطان في فقهاء المدينة. وقال العجلي: ثقة من كبار التابعين. وقال ابن سعد: مدني تابعي ثقة وله أحاديث، وكان به صممٌ واضح وأصابه الفالج قبل أن يموت بسنة. وقال مالك: إنه "قد علم أشياء من قضاء أبيه وكان معلم عبد الله بن أبي بكر. أُمه أُم عمرو بنت جندب الدوسية. روى عن أبيه كما صرح به مسلم وزيد بن ثابت وأسامة بن زيد، وروى عنه ابنه عبد الرحمن وعمر بن عبد العزيز والزهري وغيرهم. مات قبل يزيد بن عبد الملك سنة خمس ومائة.

стр. 4760

الحديث التاسع عشر حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الثَّقَفِيُّ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا وَنَحْنُ غَادِيَانِ مِنْ (مِنًى) إِلَى (عَرَفَاتٍ) عَنِ التَّلْبِيَةِ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: "كَانَ يُلَبِّي الْمُلَبِّي لاَ يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ الْمُكَبِّرُ فَلاَ يُنْكَرُ عَلَيْهِ". قوله: "سألت أنسًا" ولأبي ذر "سألت أنس بن مالك". وقوله: "ونحن غاديان" أي: والحال أنا سائران. وقوله: "فلا ينكر عليه" هذا موضع الجزء الأخير من الترجمة وهو قوله: "وإذا غدا إلى عرفة"، وظاهره أن أنسًا احتج به على جواز التكبير في موضع التلبية، أو المراد أنه يدخل شيئًا من التكبير خلال التلبية لا أنه يترك التلبية بالكلية؛ لأن السنة أن لا يقطع التلبية إلا عند رمي جمرة العقبة عند أبي حنيفة والشافعي. وقال مالك: إذا زالت الشمس من يوم عرفة. وقوله: "يُنكر" مبني للمفعول في الموضعين، وروي بالبناء للفاعل فيهما والضمير فيهما يرجع إلى النبي ﷺ وقوله: "لا ينكر" الأول بغير فاء، والثاني فلا ينكر بإثباتها. رجاله أربعة: قد مرّوا إلا ابن أبي بكر، مرّ أبو نعيم في الخامس والأربعين من "الإيمان"، ومرّ أنس في السادس منه، ومرّ مالك في الثاني من "بدء الوحي"، ومحمد هو ابن أبي بكر بن عوف بن رياح الثقفي حجازي، ذكره ابن حبان في الثقات وقال النسائي: ثقة. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة. روى عن أنس في التهليل والتكبير في الغدو من (مِنى) إلى (عرفات). وروى عنه أبو بكر ابنه وموسى بن عقبة وأخوه محمد بن عقبة وشعبة ومالك وغيرهم. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإفراد والسؤال والقول. أخرجه البخاري في "الحج" أيضًا ومسلم في "المناسك" وكذا النسائي وابن ماجه.

стр. 4761

الحديث العشرون حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ عَاصِمٍ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: "كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ نَخْرُجَ يَوْمَ الْعِيدِ، حَتَّى نُخْرِجَ الْبِكْرَ مِنْ خِدْرِهَا، حَتَّى نُخْرِجَ الْحُيَّضَ فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ، فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ، وَيَدْعُونَ بِدُعَائِهِمْ يَرْجُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَطُهْرَتَهُ". قوله: "حدثنا عمر بن حفص" كذا في بعض النسخ عن أبي ذر، وكذا لكريمة وأبي الوقت حدثنا محمد غير منسوب، وسقط من رواية ابن شبويه وابن السكن وأبي زيد المروزي وأبي أحمد الجرجاني. وفي رواية الأصيلي عن بعض مشايخه "حدثنا محمد البخاري" فعلى هذا لا واسطة بين البخاري وبين عمر بن حفص فيه، وقد حدث البخاري عنه بالكثير بغير واسطة وربما أدخل بينه وبينه الواسطة أحيانًا، والراجح بسقوط الواسطة بينهما في هذا الإِسناد، وبذلك جزم أبو نعيم في "المستخرج" وفي حاشية بعض النسخ لأبي ذر محمد هذا يشبه أن يكون هو الذهلي. وقوله: "كنا نؤمر" في الرواية الآتية "أمرنا نبينا". وقوله: "حتى نُخرج" بضم النون وحتى للغاية، والتي بعدها للمبالغة. وقوله: "من خِدرها" بكسر المعجمة أي سترها. وفي رواية الكشميهني "من خِدرتها" بالتانيث. وقوله: "فيكبرن بتكبيرهم" هذا هو موضع الترجمة؛ لأن ذلك في يوم العيد وهو من أيام (مِنى) ويلتحق به بقية الأيام لجامع ما بينهما من كونهن أيامًا معدودات. وقد ورد الأمر بالذكر فيهن، وذكر التكبير في حديث أم عطية من هذا الوجه من غرائب الصحيح، وقد أخرجه مسلم أيضًا. وقوله: "وطُهْرته" بضم الطاء المهملة وسكون الهاء لغة في الطهارة، والمراد بها التطهر من الذنوب وهذا الحديث استوفيت مباحثه غاية الاستيفاء في باب شهود الحائض العيدين من كتاب الحيض. رجاله ستة: قد مرّوا إلا شيخ البخاري مرّ عمر بن حفص وأبوه حفص في الثاني عشر من "الغسل"، ومرّ

стр. 4762

عاصم الأحول في الخامس والثلاثين من "الوضوء"، ومرّت حفصة بنت سيرين وأم عطية في الثاني والثلاثين منه، وشيخ البخاري محمد غير منسوب والمراد به كما قال الكرماني: محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذويب الذهلي الحافظ أبو عبد الله النيسابوري الإمام. قال محمد بن سهل: كنا عند أحمد بن حنبل فدخل الذهلي فقام إليه أحمد فتعجب الناس منه، ثم قال لبنيه وأصحابه: اذهبوا إلى أبي عبد الله واكتبوا عنه. وقال الجوزجاني: دخلت على أحمد فقال لي: تريد البصرة؟ قلت: نعم، قال: فإذا أتيتها فالزم محمد بن يحيى فليكن سماعك منه فإني ما رأيت خراسانيًا أو قال: ما رأيت أحدًا أعلم بحديث الزهري منه ولا أصح كتابًا منه. وقال محمد بن داود المصيصي: كنا عند أحمد فذكر محمد بن يحيى حديثًا فيه ضعف فقال له أحمد: لا تذكر مثل هذا فخجل، فقال له أحمد: إنما قلت هذا إجلالاً لك يا أبا عبد الله. وقال إبراهيم بن هانىء: سمعت أحمد يقول ما قدم علينا رجل أعلم بحديث الزهري من محمد بن يحيى. قال أبو بكر بن زكرياء: هو عندي أمام في الحديث. وقال عبد الله بن عبد الوهاب الخوارزمي: سألت أحمد عن محمد بن يحيى ومحمد بن رافع فقال: محمد بن يحيى أحفظ ومحمد بن رافع أورع. وقال أبو عمرو المستحلي: سمعت أحمد يقول لو أن محمد بن يحيى عندنا لجعلناه إمامًا في الحديث، وقيل لابن معين: ألا تجمع حديث الزهري؛ فقال كفانا محمد بن يحيى حديث الزهري. وقال زنجويه بن محمد: كنت أسمع مشايخنا يقولون الحديث الذي لا يعرفه محمد بن يحيى لا يُعبأ به. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: محمد بن يحيى إمام زمانه. قال: وكتب عنه أبي (بالري) وهو ثقة صدوق إمام من أئمة المسلمين سئل أبي عنه فقال: ثقة. وقال النسائي: ثقة مأمون، وقال ابن أبي داود: حدثنا محمد بن يحيى النيسابوري وكان أمير المؤمنين في الحديث، وقال ابن خراش: كان محمد بن يحيى من أئمة العلم. وقال الخطيب: كان أحد الأئمة، وقال أبو عمرو الخفاف: رأيت الذهلي في النوم فقلت: ما فعل بك ربك؟ قال: غفر لي. قال فما فعل علمك؟ قال: كتب بماء الذهب ورفع في عليين. وقال النسائي في مشيخته: ثقة ثبت أحد الأئمة في الحديث. وقال ابن خزيمة: حدثنا محمد بن يحيى الذهلي إمام أهل عصره بلا مدافعة، وقال الذهلي: قال لي علي بن المديني: أنت وارث الزهري.

стр. 4763

وقال إبراهيم بن موسى الرازي: من أراد الزهري لم يستغن عن محمد بن يحيى. وقال الدارقطني: من أحب أن يعرف قصور علمه عن علم السلف فلينظر في علل حديث الزهري لمحمد بن يحيى. وكان سعيد بن منصور يقول: حدثني محمد بن يحيى الزهري يعني لشهرته بحديث الزهري. وقال ابن الأخرم: ما أخرجت خراسان مثله. وقال أبو أحمد الفراء: محمد بن يحيى عندنا إمام ثقة مبرز. وقال: فضلك الرازي لم يخطّأ في حديث قط. وقال أبو علي النيسابوري كان أجل من عباس بن عبد العظيم. وقال أحمد بن سيار: كان ثقة، كتب الكثير ودون الكتب. وقال مسلمة: ثقة. وقال صالح جَزْرة: لما خرجت من الري قلت: لفضلك الرازي عمن أكتب، قال: إذا قدمت (نيسابور) فاكتب عن محمد بن يحيى فإنه من قرنه إلى قدمه فائدة. قال: فلما قدمت انتخبت عليه مجلسًا وقرأته عليه فلما فرغت قلت: أفادني الفضل بن عباس حديثًا عنك عند الدراع لأسمعه عن الشيخ. قال: هات، فقلت: حدثكم سعيد بن عامر ثنا شعبة عن عبيد الله بن صبح عن محمد بن سيرين عن أنس أن النبي ﷺ قال: "هذا خالي فليرني امرؤ خاله" فقال: من ينتخب مثل هذه الأصحاب ويقرأ مثل هذه القراءة يعلم أن سعيد بن عامر لا يحدث بمثل هذا. فقال صالح: نعم، حدثكم سعيد بن واصل قال الخطيب: قصد صالح امتحان محمد بن يحيى في هذا الحديث لينظر أيقبل التلقين أم لا فوجده ضابطًا حافظًا. وفي "الزهرة" روى عنه البخاري أربعة وثلاثين حديثًا. روى عن عبد الرحمن بن مهدي ووهب بن جرير وأبي داود الطيالسي ويعقوب بن إبراهيم بن سعد وغيرهم، وروى عنه الجماعة سوى مسلم، ولم يصرح البخاري به بل يقول تارة حدثنا محمد وتارة حدثنا محمد بن عبد الله وتارة محمد بن خالد، وأبو صالح المصري ومحمود بن غيلان وغيرهم. والذهلي في نسبه نسبة إلى ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة قبيلة من بكر بن وائل وفيهم قال الشاعر: لو كنت من مازن لم تستبح إبلي ... بنو اللَّقِيطة من ذُهْل بن شيبانا منهم محمد بن يحيى هذا وأبوه يحيى إماما الحديث (بنيسابور) ومنهم صاحب المذهب الإمام أحمد بن حنبل، وأما القاضي أبو الطاهر الذهلي فسدوسي، وسدوس هو ابن شيبان بن ذهل. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواية تابعية عن صحابية، ورواته نيسابوري وكوفيان

стр. 4764

وبصريان قد مرّ أن بقية الستة أخرجوه. ثم قال المصنف: باب الصلاة إلى الحربة زاد الكشميهني "يوم العيد"، وقد تقدمت هذه الترجمة بهذا الحديث دون زيادة الكشميهني في أبواب السترة. الحديث الحادي والعشرون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ تُرْكَزُ الْحَرْبَةُ قُدَّامَهُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ ثُمَّ يُصَلِّي. هذا الحديث قد مرّ الكلام عليه في أبواب السترة. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرّ محمد بن بشار في الحادي عشر من "العلم"، ونافع في الأخير منه، وعبد الوهاب الثقفي في التاسع من "الإيمان"، وابن عمر فى أوله قبل ذكر حديث منه، وعبيد الله العمري في الرابع عشر من "الوضوء" ثم قال المصنف:

стр. 4765

باب حمل العنزة أو الحربة بين يدي الإِمام يوم العيد أورد فيه حديث ابن عمر المذكور من وجه آخر وكأنه أفرد له ترجمة ليشعر بمغايرة الحكم؛ لأن الأولى تبين أن سترة المصلي لا يشترط فيها أن تواري جسده، والثانية تثبت مشروعية المشي بين يدي الإمام بآلة من السلاح، ولا يعارض ذلك ما تقدم من النهي عن حمل السلاح يوم العيد؛ لأن ذلك إنما هو عند خشية التأذي به كما مرّ قريبًا. الحديث الثاني والعشرون حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَغْدُو إِلَى الْمُصَلَّى، وَالْعَنَزَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، تُحْمَلُ وَتُنْصَبُ بِالْمُصَلَّى بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا. وقد صرّح الوليد هنا بتحديث الأوزاعي وبتحديث نافع للأوزاعي فأمن تدليس الوليد وتسويته، وليس للأوزاعي عن نافع عن ابن عمر موصولًا في "الصحيح" غير هذا الحديث، وهذا الحديث مرّ الكلام عليه مستوفى في باب (سترة الإِمام). رجاله خمسة: قد مرّوا: مرّ إبراهيم بن المنذر في الأول من "العلم"، ومرّ الأوزاعي في العشرين منه، ومرّ الوليد بن مسلم في السادس والثلاثين من "مواقيت الصلاة"، ونافع وابن عمر ذكر محلهما في الذي قبله. ثم قال المصنف:
следующие страницы →