← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.

стр. 4761

الحديث العشرون حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ عَاصِمٍ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: "كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ نَخْرُجَ يَوْمَ الْعِيدِ، حَتَّى نُخْرِجَ الْبِكْرَ مِنْ خِدْرِهَا، حَتَّى نُخْرِجَ الْحُيَّضَ فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ، فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ، وَيَدْعُونَ بِدُعَائِهِمْ يَرْجُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَطُهْرَتَهُ". قوله: "حدثنا عمر بن حفص" كذا في بعض النسخ عن أبي ذر، وكذا لكريمة وأبي الوقت حدثنا محمد غير منسوب، وسقط من رواية ابن شبويه وابن السكن وأبي زيد المروزي وأبي أحمد الجرجاني. وفي رواية الأصيلي عن بعض مشايخه "حدثنا محمد البخاري" فعلى هذا لا واسطة بين البخاري وبين عمر بن حفص فيه، وقد حدث البخاري عنه بالكثير بغير واسطة وربما أدخل بينه وبينه الواسطة أحيانًا، والراجح بسقوط الواسطة بينهما في هذا الإِسناد، وبذلك جزم أبو نعيم في "المستخرج" وفي حاشية بعض النسخ لأبي ذر محمد هذا يشبه أن يكون هو الذهلي. وقوله: "كنا نؤمر" في الرواية الآتية "أمرنا نبينا". وقوله: "حتى نُخرج" بضم النون وحتى للغاية، والتي بعدها للمبالغة. وقوله: "من خِدرها" بكسر المعجمة أي سترها. وفي رواية الكشميهني "من خِدرتها" بالتانيث. وقوله: "فيكبرن بتكبيرهم" هذا هو موضع الترجمة؛ لأن ذلك في يوم العيد وهو من أيام (مِنى) ويلتحق به بقية الأيام لجامع ما بينهما من كونهن أيامًا معدودات. وقد ورد الأمر بالذكر فيهن، وذكر التكبير في حديث أم عطية من هذا الوجه من غرائب الصحيح، وقد أخرجه مسلم أيضًا. وقوله: "وطُهْرته" بضم الطاء المهملة وسكون الهاء لغة في الطهارة، والمراد بها التطهر من الذنوب وهذا الحديث استوفيت مباحثه غاية الاستيفاء في باب شهود الحائض العيدين من كتاب الحيض. رجاله ستة: قد مرّوا إلا شيخ البخاري مرّ عمر بن حفص وأبوه حفص في الثاني عشر من "الغسل"، ومرّ

стр. 4762

عاصم الأحول في الخامس والثلاثين من "الوضوء"، ومرّت حفصة بنت سيرين وأم عطية في الثاني والثلاثين منه، وشيخ البخاري محمد غير منسوب والمراد به كما قال الكرماني: محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذويب الذهلي الحافظ أبو عبد الله النيسابوري الإمام. قال محمد بن سهل: كنا عند أحمد بن حنبل فدخل الذهلي فقام إليه أحمد فتعجب الناس منه، ثم قال لبنيه وأصحابه: اذهبوا إلى أبي عبد الله واكتبوا عنه. وقال الجوزجاني: دخلت على أحمد فقال لي: تريد البصرة؟ قلت: نعم، قال: فإذا أتيتها فالزم محمد بن يحيى فليكن سماعك منه فإني ما رأيت خراسانيًا أو قال: ما رأيت أحدًا أعلم بحديث الزهري منه ولا أصح كتابًا منه. وقال محمد بن داود المصيصي: كنا عند أحمد فذكر محمد بن يحيى حديثًا فيه ضعف فقال له أحمد: لا تذكر مثل هذا فخجل، فقال له أحمد: إنما قلت هذا إجلالاً لك يا أبا عبد الله. وقال إبراهيم بن هانىء: سمعت أحمد يقول ما قدم علينا رجل أعلم بحديث الزهري من محمد بن يحيى. قال أبو بكر بن زكرياء: هو عندي أمام في الحديث. وقال عبد الله بن عبد الوهاب الخوارزمي: سألت أحمد عن محمد بن يحيى ومحمد بن رافع فقال: محمد بن يحيى أحفظ ومحمد بن رافع أورع. وقال أبو عمرو المستحلي: سمعت أحمد يقول لو أن محمد بن يحيى عندنا لجعلناه إمامًا في الحديث، وقيل لابن معين: ألا تجمع حديث الزهري؛ فقال كفانا محمد بن يحيى حديث الزهري. وقال زنجويه بن محمد: كنت أسمع مشايخنا يقولون الحديث الذي لا يعرفه محمد بن يحيى لا يُعبأ به. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: محمد بن يحيى إمام زمانه. قال: وكتب عنه أبي (بالري) وهو ثقة صدوق إمام من أئمة المسلمين سئل أبي عنه فقال: ثقة. وقال النسائي: ثقة مأمون، وقال ابن أبي داود: حدثنا محمد بن يحيى النيسابوري وكان أمير المؤمنين في الحديث، وقال ابن خراش: كان محمد بن يحيى من أئمة العلم. وقال الخطيب: كان أحد الأئمة، وقال أبو عمرو الخفاف: رأيت الذهلي في النوم فقلت: ما فعل بك ربك؟ قال: غفر لي. قال فما فعل علمك؟ قال: كتب بماء الذهب ورفع في عليين. وقال النسائي في مشيخته: ثقة ثبت أحد الأئمة في الحديث. وقال ابن خزيمة: حدثنا محمد بن يحيى الذهلي إمام أهل عصره بلا مدافعة، وقال الذهلي: قال لي علي بن المديني: أنت وارث الزهري.

стр. 4763

وقال إبراهيم بن موسى الرازي: من أراد الزهري لم يستغن عن محمد بن يحيى. وقال الدارقطني: من أحب أن يعرف قصور علمه عن علم السلف فلينظر في علل حديث الزهري لمحمد بن يحيى. وكان سعيد بن منصور يقول: حدثني محمد بن يحيى الزهري يعني لشهرته بحديث الزهري. وقال ابن الأخرم: ما أخرجت خراسان مثله. وقال أبو أحمد الفراء: محمد بن يحيى عندنا إمام ثقة مبرز. وقال: فضلك الرازي لم يخطّأ في حديث قط. وقال أبو علي النيسابوري كان أجل من عباس بن عبد العظيم. وقال أحمد بن سيار: كان ثقة، كتب الكثير ودون الكتب. وقال مسلمة: ثقة. وقال صالح جَزْرة: لما خرجت من الري قلت: لفضلك الرازي عمن أكتب، قال: إذا قدمت (نيسابور) فاكتب عن محمد بن يحيى فإنه من قرنه إلى قدمه فائدة. قال: فلما قدمت انتخبت عليه مجلسًا وقرأته عليه فلما فرغت قلت: أفادني الفضل بن عباس حديثًا عنك عند الدراع لأسمعه عن الشيخ. قال: هات، فقلت: حدثكم سعيد بن عامر ثنا شعبة عن عبيد الله بن صبح عن محمد بن سيرين عن أنس أن النبي ﷺ قال: "هذا خالي فليرني امرؤ خاله" فقال: من ينتخب مثل هذه الأصحاب ويقرأ مثل هذه القراءة يعلم أن سعيد بن عامر لا يحدث بمثل هذا. فقال صالح: نعم، حدثكم سعيد بن واصل قال الخطيب: قصد صالح امتحان محمد بن يحيى في هذا الحديث لينظر أيقبل التلقين أم لا فوجده ضابطًا حافظًا. وفي "الزهرة" روى عنه البخاري أربعة وثلاثين حديثًا. روى عن عبد الرحمن بن مهدي ووهب بن جرير وأبي داود الطيالسي ويعقوب بن إبراهيم بن سعد وغيرهم، وروى عنه الجماعة سوى مسلم، ولم يصرح البخاري به بل يقول تارة حدثنا محمد وتارة حدثنا محمد بن عبد الله وتارة محمد بن خالد، وأبو صالح المصري ومحمود بن غيلان وغيرهم. والذهلي في نسبه نسبة إلى ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة قبيلة من بكر بن وائل وفيهم قال الشاعر: لو كنت من مازن لم تستبح إبلي ... بنو اللَّقِيطة من ذُهْل بن شيبانا منهم محمد بن يحيى هذا وأبوه يحيى إماما الحديث (بنيسابور) ومنهم صاحب المذهب الإمام أحمد بن حنبل، وأما القاضي أبو الطاهر الذهلي فسدوسي، وسدوس هو ابن شيبان بن ذهل. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواية تابعية عن صحابية، ورواته نيسابوري وكوفيان

стр. 4764

وبصريان قد مرّ أن بقية الستة أخرجوه. ثم قال المصنف: باب الصلاة إلى الحربة زاد الكشميهني "يوم العيد"، وقد تقدمت هذه الترجمة بهذا الحديث دون زيادة الكشميهني في أبواب السترة. الحديث الحادي والعشرون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ تُرْكَزُ الْحَرْبَةُ قُدَّامَهُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ ثُمَّ يُصَلِّي. هذا الحديث قد مرّ الكلام عليه في أبواب السترة. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرّ محمد بن بشار في الحادي عشر من "العلم"، ونافع في الأخير منه، وعبد الوهاب الثقفي في التاسع من "الإيمان"، وابن عمر فى أوله قبل ذكر حديث منه، وعبيد الله العمري في الرابع عشر من "الوضوء" ثم قال المصنف:

стр. 4765

باب حمل العنزة أو الحربة بين يدي الإِمام يوم العيد أورد فيه حديث ابن عمر المذكور من وجه آخر وكأنه أفرد له ترجمة ليشعر بمغايرة الحكم؛ لأن الأولى تبين أن سترة المصلي لا يشترط فيها أن تواري جسده، والثانية تثبت مشروعية المشي بين يدي الإمام بآلة من السلاح، ولا يعارض ذلك ما تقدم من النهي عن حمل السلاح يوم العيد؛ لأن ذلك إنما هو عند خشية التأذي به كما مرّ قريبًا. الحديث الثاني والعشرون حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَغْدُو إِلَى الْمُصَلَّى، وَالْعَنَزَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، تُحْمَلُ وَتُنْصَبُ بِالْمُصَلَّى بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا. وقد صرّح الوليد هنا بتحديث الأوزاعي وبتحديث نافع للأوزاعي فأمن تدليس الوليد وتسويته، وليس للأوزاعي عن نافع عن ابن عمر موصولًا في "الصحيح" غير هذا الحديث، وهذا الحديث مرّ الكلام عليه مستوفى في باب (سترة الإِمام). رجاله خمسة: قد مرّوا: مرّ إبراهيم بن المنذر في الأول من "العلم"، ومرّ الأوزاعي في العشرين منه، ومرّ الوليد بن مسلم في السادس والثلاثين من "مواقيت الصلاة"، ونافع وابن عمر ذكر محلهما في الذي قبله. ثم قال المصنف:

стр. 4766

باب خروج النساء والحُيّض إلى المُصلّى أى يوم العيد الحديث الثالث والعشرون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الْعَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ. وَعَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ بِنَحْوِهِ. وَزَادَ فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ قَالَ: أَوْ قَالَتِ: الْعَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، وَيَعْتَزِلْنَ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى. قوله: "حدثنا حماد" كذا لكريمة ونسبه الباقون ابن زيد. وقوله: "أَمرنا نبيّنا" ﷺ كذا لأبي ذر عن الحموي والمستملي وللباقين "أمرنا" بالبناء المفعول وحذف لفظ "نبينا". ولمسلم عن حماد "قالت أمرنا" تعني النبي ﷺ وفي رواية سليمان بن حرب عن حماد عند الإسماعيلي قالت "أمرنا بأَبا" بكسر الموحدة بعدها همزة مفتوحة ثم موحدة ممالة وعلى هذا، فكأنه كان في رواية الحجبي كذلك، لكن بإبدال الهمزة تحتانية فيصير صورتها "بيبا" فكأنها تصحيف فصارت "نبينا" وأضاف إليها بعض الكتاب الصلاة بعد التصحيف. وأما رواية مسلم فكأنها كانت "أمرنا" على البناء كما وقع عند الكشميهني وغيره فأفصح بعض الرواة بتسمية الأمر وإنما قيل ذلك؛ لأن سليمان بن حرب أثبت الناس في حماد بن زيد. وقوله: "وعن أيوب" وهو معطوف على الإسناد المذكور والحاصل أن أيوب حدث به حمادًا عن محمد عن أم عطية وعن حفصة عن أم عطية وعن أيوب عن حفصة عن امرأة تحدث عن امرأة أخرى، وزاد أبو الربيع في رواية حفصة ذكر الجلباب وتبين بذلك أن سياق محمد بن سيرين مغاير لسياق حفصة إسنادًا ومتنًا ولم يصب من حمل إحدى الروايتين على الأخرى. وقد مرّت مباحث هذا الحديث في باب شهود الحائضى العيدين من كتاب "الحيض". رجاله ستة: وقد مرّوا: مرّ عبد الله بن عبد الوهاب في السادس والأربعين من "العلم"، ومرَّ حماد بن زيد في الرابع والعشرين من "الإيمان" وأيوب في التاسع منه، وابن سيرين في الأربعين منه وحفصة بنت سيرين وأم عطية في الثاني والثلاثين من "الوضوء". ثم قال المصنف:

стр. 4767

باب خروج الصبيان إلى المُصلّى أي: في الأعياد وإن لم يصلوا قال الزين بن المنير: آثر المصنف في الترجمة قوله: "إلى المصلى" على قوله: "صلاة العيد" ليعم من تتأتى منه الصلاة ومن لا تتأتى. الحديث الرابع والعشرون حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى، فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ. قوله: "يوم فطر أو أضحى" شك من الراوي عن ابن عباس، وسيأتي بعد بابين وجه عن ابن عباس الجزم بأنه يوم الفطر، وليس في هذا السياق بيان كونه كان صبيًا حينئذ ليطابق الترجمة، لكن جرى المصنف على عادته في الإشارة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث الذي يورده، وسيأتي بعد باب ولولا مكاني من الصغر ما شهدته. وهذا الحديث قد مرّ الكلام عليه عند ذكره آخر أبواب صفة الصلاة في باب وضوء الصبيان. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرّ عمرو بن عباس وعبد الرحمن بن مهدي في الأول من أحاديث "استقبال القبلة"، ومرَّ الثوري في السابع والعشرين من "الإيمان"، ومرَّ عبد الرحمن بن عابس في الثلاثين والمائة من "صفة الصلاة"، ومرَّ ابن عباس في الخامس من "بدء الوحي". لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول والسماع، وشيخ البخاري من أفراده والاثنان الأولان من الرواة بصريان والآخران كوفيان. أخرجه البخاري أيضًا في "العيدين" وفي "الاعتصام"، وأبو داود والنسائي في "الصلاة". ثم قال المصنف:

стр. 4768

باب استقبال الإِمام الناس في خطبة العيد قال الزين بن المنير: ما حاصله: إن إعادة هذه الترجمة بعد أن تقدم نظيرها في الجمعة لرفع احتمال من يتوهم أن العيد يخالف الجمعة في ذلك، وأن استقبال الأمام في الجمعة يكون ضروريًا لكونه يخطب على منبر بخلاف العيد فإنه يخطب على رجليه كما تقدم في باب خطبة العيد فأراد أن يبيّن أن الاستقبال سنة على كل حال. ثم قال: قال أبو سعيد: "قام النبي ﷺ مقابل الناس" وهذا وصله البخاري في باب الخروج إلى المصلى بغير منبر قبل عشرة أبواب، وأبو سعيد مرّ في الثاني عشر من "الإيمان". الحديث الخامس والعشرون حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ عَنْ زُبَيْدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أَضْحًى إِلَى الْبَقِيعِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ وَقَالَ إِنَّ أَوَّلَ نُسُكِنَا فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نَبْدَأَ بِالصَّلاَةِ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ وَافَقَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ عَجَّلَهُ لأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ. فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي ذَبَحْتُ وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ. قَالَ اذْبَحْهَا، وَلاَ تَفِي عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ. وهذا الحديث قد مرّ الكلام عليه مستوفى في باب (الأكل يوم النحر). رجاله خمسة: قد مرّوا إلاَّ محمد بن طلحة، مرّ أبو نعيم في الخامس والأربعين من "الإيمان"، ومرَّ زبيد في الحادي والأربعين منه، ومرَّ الشعبي في الثالث منه، ومرّ البراء في الثالث والثلاثين منه. ومحمد بن طلحة بن مُصَرّف باسم الفاعل مع تشديد الراء اليامي الكوفي قال بشر بن الوليد: كان سيدًا كريمًا. وقال العجلي: ثقة إلا أنه سمع من أبيه وهو صغير. وقال ابن سعد: كانت له أحاديث منكرة. قال: وقال عفان: كان يروي عن أبيه وأبوه قديم الموت، وكان الناس كأنهم يكذبونه ولكن من يجترىء أن يقول له أنت تكذب، كان من فضله وكان

стр. 4769

وقال أبو داود: كان يخطىء، ووثقه أحمد بن حنبل قال: إلا أنه لا يكاد يقول حدثنا في شيء من حديثه. وقال أبو كامل مظفر بن مدرك: كان يقال ثلاثة يُتقى حديثهم: محمد بن طلحة، وفليح بن سليمان، وأيوب بن عتبة. وقال ابن معين: صالح، وقال مرة: ضعيف، وقال النسائي: ليس بالقوي، قال في "المقدمة" له في البخاري ثلاثة أحاديث: أحدها: في المغازي عنه عن حميد عن أنس قال: غاب عمى عن قتال بدر الحديث وهو عنده بمتابعة عبد الأعلى السامي وغير واحد عن حميد. ثانيهما: في العيدين عنه عن زبيد عن الشعبي عن البراء في الذبح قبل الصلاة وهو عنده بمتابعة شعبة عن زبيد. ثالثها: في الجهاد عنه عن أبيه عن مصعب بن سعد عن أبيه في الانتصار بالضعفاء وهو فرد إلا أنه في فضائل الأعمال، وروى له الباقون روى عن أبيه وحميد الطويل وزبيد اليامي والأعمش وغيرهم، وروى عنه ابنه عبد الرحمن وعبد الرحمن بن مهدي، وإسماعيل بن عياش وأبو داود الطيالسي وغيرهم. مات سنة سبع وستين ومائة. ثم قال المصنف:

стр. 4770

باب العَلَم الذي بالمصلّى الحديث السادس والعشرون حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَابِسٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قِيلَ لَهُ: أَشَهِدْتَ الْعِيدَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ نَعَمْ، وَلَوْلاَ مَكَانِي مِنَ الصِّغَرِ مَا شَهِدْتُهُ، حَتَّى أَتَى الْعَلَمَ الَّذِي عِنْدَ دَارِ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ، وَمَعَهُ بِلاَلٌ، فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَرَأَيْتُهُنَّ يُهْوِينَ بِأَيْدِيهِنَّ يَقْذِفْنَهُ فِي ثَوْبِ بِلاَلٍ، ثُمَّ انْطَلَقَ هُوَ وَبِلاَلٌ إِلَى بَيْتِهِ. وهذا الحديث مرّ في باب (وضوء الصبيان) آخر أبواب (صفة الصلاة). وقوله: "ومعه بلال" فيه أن الأدب في مخاطبة النساء في الموعظة أو الحكم أن لا يحضر من الرجال إلا من تدعو الحاجة إليه من شاهد ونحوه؛ لأن بلالًا كان خادم النبي ﷺ ومتولي قبض الصدقة. وأما ابن عباس فقد تقدم أن ذلك اغتفر له بسبب صغره. وقوله: "يُهوين" بضم أوله أي يلقين. وقوله: "يقذفنه" أي: يلقين الذي يهوين به. رجاله خمسة: وفيه ذكر كثير بن الصلت، وقد مرّ الجميع. مرّ مسدد ويحيى القطان في السادس من "الإِيمان"، ومرَّ سفيان الثوري في السابع والعشرين منه، ومرَّ عبد الرحمن بن عابس وكثير بن الصلت في الثلاثين والمائة من "صفة الصلاة"، ومرَّ ابن عباس في الخامس من "بدء الوحي". وفي الحديث ذكر بلال وقد مرّ في التاسع والثلاثين من "العلم". ثم قال المصنف:

стр. 4771

باب موعظة الإمام النساء يوم العيد إذا لم يسمعن الخطبة مع الرجال الحديث السابع والعشرون حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْفِطْرِ، فَصَلَّى فَبَدَأَ بِالصَّلاَةِ ثُمَّ خَطَبَ، فَلَمَّا فَرَغَ نَزَلَ فَأَتَى النِّسَاءَ، فَذَكَّرَهُنَّ وَهْوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ بِلاَلٍ وَبِلاَلٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ، يُلْقِي فِيهِ النِّسَاءُ الصَّدَقَةَ. قُلْتُ لِعَطَاءٍ زَكَاةَ يَوْمِ الْفِطْرِ قَالَ لاَ وَلَكِنْ صَدَقَةً يَتَصَدَّقْنَ حِينَئِذٍ، تُلْقِى فَتَخَهَا وَيُلْقِينَ. قُلْتُ أَتُرَى حَقًّا عَلَى الإِمَامِ ذَلِكَ وَيُذَكِّرُهُنَّ قَالَ إِنَّهُ لَحَقٌّ عَلَيْهِمْ، وَمَا لَهُمْ لاَ يَفْعَلُونَهُ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَأَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: شَهِدْتُ الْفِطْرَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃ يُصَلُّونَهَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ يُخْطَبُ بَعْدُ، خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ حِينَ يُجْلِسُ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ يَشُقُّهُمْ حَتَّى جَاءَ النِّسَاءَ مَعَهُ بِلاَلٌ فَقَالَ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ الآيَةَ ثُمَّ قَالَ حِينَ فَرَغَ مِنْهَا آنْتُنَّ عَلَى ذَلِكَ. قَالَتِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ لَمْ يُجِبْهُ غَيْرُهَا نَعَمْ. لاَ يَدْرِي حَسَنٌ مَنْ هِيَ. قَالَ فَتَصَدَّقْنَ فَبَسَطَ بِلاَلٌ ثَوْبَهُ ثُمَّ قَالَ هَلُمَّ لَكُنَّ فِدَاءٌ أَبِي وَأُمِّي، فَيُلْقِينَ الْفَتَخَ وَالْخَوَاتِيمَ فِي ثَوْبِ بِلاَلٍ. قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ الْفَتَخُ الْخَوَاتِيمُ الْعِظَامُ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وقوله: "فلما فرغ نزل" فيه إشعار بأنه ﵊ كان يخطب على مكان مرتفع لما يقتضيه قوله: "نزل"، وقد مرّ في باب (الخروج إلى المُصلّى) أنه ﷺ كان يخطب في المُصلّى على الأرض فلعل الراوي ضمن النزول معنى الانتقال. وزعم عياض أن وعظه للنساء كان في أثناء الخطبة وأن ذلك كان في أول الإِسلام وأنه خاص به ﷺ . وتعقبه النووي بهذه الرواية المصرحة بأن ذلك كان بعد الخطبة وهو قوله: "فلما فرغ أتى النساء". وقوله: "قلت لعطاء" القائل هو ابن جريج وهو موصول بالإسناد المذكور، ودلَّ هذا السؤال على أن ابن جريج فهم من قوله الصدقة أنها صدقة الفطر بقرينة كونها يوم الفطر. وأخذ من قوله: "وبلال باسط ثوبه" لأنه يشعر بأن الذي يلقي فيه شيء يحتاج إلى ضم فهو لائق بصدقة الفطر المقدرة بالكيل، لكن بيّن له عطاء أنها كانت صدقة تطوع وأنها كانت مما لا يجزىء في صدقة

стр. 4772

الفطر من خاتم ونحوه. وقوله: "تلقي" أي: المرأة، والمراد جنس النساء؛ لذلك عطف عليه بصيغة الجمع فقال ويلقين أو المعنى تلقي الواحدة وكذلك الباقيات يلقين. وقوله: "فتَخَهَا" بالتحريك آخره خاء معجمة، وللمستملي والحموي "فَتَخَتَها" بتاء التأنيث ويأتي تفسيره عن قريب حذف مفعول يلقين اكتفاء وكرر الفعل المذكور في رواية مسلم إشارة إلى التنويع، وسيأتي في حديث ابن عباس "فيلقين الفَتَخَ والخواتيم". وقوله: "قلت" القائل هو ابن جريج أيضًا والمسؤول هو عطاء. وقوله: "إنه لحق عليهم" ظاهره أن عطاء كان يرى وجوب ذلك؟ ولهذا قال عياض: لم يقل بهذا غيره. وأما النووي فحمله على الاستحباب وقال: لا مانع من القول به إذا لم يترتب على ذاك مفسدة. وقوله: "قال ابن جريج وأخبرني الحسن بن مسلم" هو معطوف على الإِسناد الأول، وقد أفرد مسلم الحديث من طريق عبد الرزاق وساق الثاني قبل الأول فقدم حديث ابن عباس على حديث جابر، وقد تقدم من وجه آخر عن ابن جريج مختصرًا في باب (الخطبة). وقوله: "خرج النبي ﷺ " كذا فيه بغير أداة عطف، وسيأتي في تفسير الممتحنة من وجه آخر عن ابن جريج بلفظ "فنزل نبي الله ﷺ " وكذا المسلم من طريق عبد الرزاق هذه. وقوله: "ثم يُخطبُ" بضم أوله على البناء للمفعول. وقوله: "حين يجلِّس" بتشديد اللام المكسورة وحذف مفعوله، وهو ثابت في رواية مسلم بلفظ "يجلس الرجال بيده" وكأنهم لما انتقل من محل خطبته أرادوا الانصراف فأمرهم بالجلوس حتى يفرغ من حاجته ثم ينصرفوا جميعًا، أو لعلهم أرادوا أن يتبعوه فمنعهم. وقوله: "فقالت امرأة واحدة منهن لم يجبْه غيرها: نعم"، زاد مسلم "يا نبي الله" وفيه دلالة على الاكتفاء في الجواب بنعم وتنزيلها منزلة الإِقرار، وأن جواب الواحد عن الجماعة كاف إذا لم ينكروا ولم يمنع مانع من إنكارهم. وقوله: "لا يدري حسن من هي" حسن هو الراوي له عن طاووس. وفي مسلم وحده "لا يدرى حينئذ" وجزم جمع من الحفاظ بأنه تصحيف، ووجهه النووي بأمر محتمل لكن اتحاد المخرج قال على ترجيح رواية الجماعة، والفرق بين الروايتين أن في رواية الجماعة تعيين الذي لم يدر مَنْ المرأة بخلاف رواية مسلم، ويحتمل أن تكون هذه المرأة هي أسماء بنت يزيد بن السكن؛ لأنها روت أصل هذه القصة في حديث أخرجه البيهقي والطبراني عنها "أن رسول الله ﷺ خرجَ إلى النساءِ وأنا معهنَّ فقال يا معشرَ النساءِ إنكنَّ أكثرُ حطب جهنمَ، فناديتُ رسولَ اللهِ ﷺ وكنتُ عليه جريئة لمَ

стр. 4773

يا رسول الله؟ قال: لأنكنَّ تُكثرنَ اللعنَ وتكفرَنَ العشيرَ"، فلا يبعد أن تكون هي التي أجابته أولاً بنعم فإن القصة واحدة فلعل بعض الرواة ذكر ما لم يذكره الآخر. وقد روى الطبراني من وجه آخر عن أم سلمة الأنصارية وهي أسماء المذكورة أنها كانت في النسوة اللاتي أخذ عليهن رسول الله ﷺ أن لا نشرك بالله شيئًا ولا نسرق" الآية. ويأتي تعريفها قريبًا في السند. وقوله: "قال فتصدقن" هو فعل أمر لهن بالصدقة والفاء سببية أو داخلة على جواب شرط محذوف تقريره إن كنتن على ذلك فتصدقن، ومناسبته للآية من قوله: "ولا يعصينك في معروف" فإن ذلك من جملة المعروف الذي أمرن به. وقوله: "ثم قال هلمّ" القائل هو بلال وهو على اللغة الفصحى في التعبير بها للمفرد والجمع. وقوله: "لكن فدى" بضم الكاف وتشديد النون، وفدى بكسر الفاء والقصر. وقوله: "قال عبد الرزاق الفَتَخ الخواتيم العظام كانت في الجاهلية" لم يذكر عبد الرزاق في أي شيء كانت تلبس، وقد ذكر ثعلب أنهن كن يلبسنها في أصابع الأرجل ولهذا عطف عليها الخواتيم؛ لأنه عند الإطلاق تنصرف إلى ما يلبس في الأيدي، وفي بعض طرقه عند مسلم هنا ذكر الخلاخيل، وحكى في الأصمعي أن الفَتَخ الخواتيم التي لا فصوص لها. فعلى هذا، هو من عطف الأعم على الأخص. وفي الحديث جواز التفدية بالأب والأم وملاطفة العامل على الصدقة بمن يدفعها إليه. وفيه بذل النصيحة والإغلاظ لمن احتيج فيه حقه إلى ذلك، والعناية بذكر ما يحتاج إليه لتلاوة آية الممتحنة، لكونها خاصة بالنساء. وقد تقدمت فوائد هذا الحديث عند ذكره في باب (عظة الإمام النساء) من كتاب "العلم". رجاله ثمانية: وفيه ذكر أبي بكر وعمر وعثمان وبلال، وقد مرّ الجميع وفيه لفظ امرأة مبهمة، مرّ إسحاق بن نصر في تعليق بعد الحادي والعشرين من "العلم"، ومرَّ عطاء بن أبي رباح وبلال في التاسع والثلاثين منه، ومرَّ عثمان في تعليق بعد الخامس منه، ومرَّ ابن جريج في الثالث من الحيض، ومرَّ الحسن بن مسلم في التاسع والعشرين من الغسل، ومرَّ جابر في الرابع من بدء الوحي، وعمر في الأول مه، وعبد الله بن عباس في الخامس منه، وعبد الرزاق في الخامس والثلاثين من "الإيمان"، ومرَّ طاووس في باب (من لم ير الوضوء إلا من المخرجين) بعد الأربعين من "الوضوء"، ومرَّ أبو بكر في باب (من لم يتوضأ من لحم الشاة) بعد الحادي والسبعين منه. والمرأة المبهمة في الحديث نفسه أن الراوي قال لا يدرى من هي، لكن قال في "الفتح"

стр. 4774

يحتمل أنها أسماء بنت يزيد بن السكن بن رافع الأنصارية الأوسية ثم الأشهلية، وكانت تعرف بخطيبة النساء؛ لأنها روت أصل هذه القصة في حديث أخرجه البيهقي والطبراني عن شهر بن حوشب عنها "أن رسول الله ﷺ خرجَ إلى النساءِ وأنا معهنَّ فقال: يا معشرَ النساءِ إنكنَّ أكثرَ حطب جهنمَ فناديتُ رسولَ اللهِ ﷺ وكنتُ عليه جريئة لِمَ يا رسولَ اللهِ؟ قال: لأنكنَّ تكثرنَ اللعنَ وتكفرن العشيرَ" الحديث فلا يبعد أن تكون هي التي أجابته أولًا بنعم، فإن القصة واحدة فلعل بعض الرواة ذكر ما لم يذكره الآخر. وهي بنت عم معاذ بن جبل وكانت تُكنّى أم سلمة روى الترمذي عن شهر بن حوشب قال: حدثتنا أم سلمة الأنصارية قالت: "قالت امرأة من النسوة اللاتي بايعن رسول الله ﷺ : ما هذا المعروف الذي لا ينبغي لنا أن نعصيك فيه" الحديث. وعند أحمد وابن سعد أنها بايعت النبي ﷺ ، وفيه أنه لا يصافح النساء. وروى ابن عبد البر أنها أتت النبي ﷺ فقالت إني رسول مَنْ ورائي مِنْ جماعةِ نساءِ المؤمنين كلُّهنَّ يقلنَ بقولي وعلى رأي مثلِ رأي إنّ اللهَ بعثكَ إلى الرجالِ والنساءِ فآمنا بك واتبعناك ونحنُ معشرَ النساءِ مقصوراتٌ مخدراتٌ قواعد بيوتٍ وموضعُ شهواتِ الرجالِ وحاملات أولادِهم، وإنَّ الرجالَ فضلوا بالجماعاتِ وشهودِ الجنائز والجهادِ، وإذا خرجوا للجهاد حفظنا لهم أموالَهم، افنشاركهم يا رسولَ الله؟ فالتفتَ رسول اللهِ ﷺ بوجههِ إلى أصحابه وقال سمعتُم مقالَ امرأةٍ ما أحسنَ سؤالًا عن دينِها من هذه. قالوا: بلى واللهِ يا رسولَ اللهِ، فقال رسولُ الله ﷺ انصرفي يا أسماءُ وأعلمي من وراءَك من النساءِ أنّ حسن ما تفعلُ إحداكُنَّ لزوجها وطلبَها لرضائه واتباعها لموافقته يعدل كل ما ذكرتِ للرجالِ، فانصرفتْ أسماء وهي تهلّلُ وتكبّرُ استبشارًا بما قال لها رسولُ الله ﷺ ". شهدت اليرموك وقتلت يومئذ تسعة من الروم بعمود فسطاطها، وعاشت بعد ذلك دهرًا، لها أحاديث انفرد لها البخاري بحديثين. روى عنها ابن أخيها محمود بن عمرو الأنصاري ومهاجر بن أبي أسلم مولاها وشهر بن حوشب وهو أروى الناس عنها. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإخبار بالجمع والإفراد والعنعنة والسماع والقول، وشيخ البخاري من أفراده ورواته بين بخاري ويماني ومكي وأخرجه البخاري أيضًا في "التفسير" ومسلم في "الصلاة" وكذا أبو داود وابن ماجه. ثم قال المصنف:

стр. 4775

باب إذا لم يكن لها جلباب في العيد بكسر الجيم وسكون اللام وموحدتين، وقد تقدم تفسيره في كتاب "الحيض" في باب شهود الحائض العيدين. قال الزين بن المنير: لم يذكر جواب الشرط في الترجمة حوالة على ما ورد في الخبر. الحديث الثامن والعشرون حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ قَالَتْ: كُنَّا نَمْنَعُ جَوَارِيَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ يَوْمَ الْعِيدِ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ فَأَتَيْتُهَا فَحَدَّثَتْ أَنَّ زَوْجَ أُخْتِهَا غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثِنْتيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً فَكَانَتْ أُخْتُهَا مَعَهُ فِي سِتِّ غَزَوَاتٍ. فَقَالَتْ فَكُنَّا نَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى وَنُدَاوِي الْكَلْمَى، فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَنْ لاَ تَخْرُجَ فَقَالَ لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا فَلْيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَتْ حَفْصَةُ فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ أَتَيْتُهَا، فَسَأَلْتُهَا أَسَمِعْتِ فِي كَذَا وَكَذَا قَالَتْ نَعَمْ، بِأَبِي وَقَلَّمَا ذَكَرَتِ النَّبِيَّ ﷺ إِلاَّ قَالَتْ بِأَبِي قَالَ لِيَخْرُجِ الْعَوَاتِقُ ذَوَاتُ الْخُدُورِ أَوْ قَالَ الْعَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الْخُدُورِ شَكَّ أَيُّوبُ وَالْحُيَّضُ، وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى، وَلْيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَتْ فَقُلْتُ لَهَا الْحُيَّضُ قَالَتْ نَعَمْ، أَلَيْسَ الْحَائِضُ تَشْهَدُ عَرَفَاتٍ وَتَشْهَدُ كَذَا وَتَشْهَدُ كَذَا. قوله: قالت نعم بأبا بموحدتين بينهما همزة مفتوحة والثانية خفيفة والحديث قد مرّ استيفاء الكلام عليه في الباب المذكور آنفًا. رجاله خمسة: قد مرّوا وفيه لفظ امرأة مبهمة، قال في "الفتح": لم أقف على اسمها. مرّ أبو معمر وعبد الوارث في السابع عشر من "العلم" وأيوب في التاسع من "الإيمان" وحفصة وأم عطية في الثاني والثلاثين من "الوضوء". ثم قال المصنف:

стр. 4776

باب اعتزال الحُيَّض المُصلَّى مضمون هذه الترجمة بعض ما تضمنه الحديث الذي في الباب الماضي وكأنه أعاد هذا الحكم للاهتمام به. وقد تقدم مضمومًا إلي الباب المذكور في كتاب "الحيض". الحديث التاسع العشرون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ قَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: أُمِرْنَا أَنْ نَخْرُجَ فَنُخْرِجَ الْحُيَّضَ وَالْعَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ. قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: أَوِ الْعَوَاتِقَ ذَوَاتِ الْخُدُورِ، فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَدَعْوَتَهُمْ، وَيَعْتَزِلْنَ مُصَلاَّهُمْ. وهذا الحديث قد تقدمت مباحثه مستوفاة عند ذكره في باب (شهود الحائض العيدين). رجاله خمسة: قد مرّوا: مرّ محمد بن المثنى في التاسع من"الإيمان" وابن سيرين في الأربعين منه، وابن أبي عدي في العشرين من "الغسل"، وعبد الله بن عون في التاسع من "العلم"، ومرّ محل أم عطية في الذي قبله. ثم قال المصنف:

стр. 4777

باب النحر والذبح بالمصلى يوم النحر أورد فيه حديث ابن عمر في ذلك قال الزين بن المنير: عطف الذبح على النحر في الترجمة وإن كان حديث الباب ورد (بأو) المقتضية للتردد إشارة إلى أنه لا يمتنع أن يجمع يوم النحر بين تسكين أحدهما مما ينحر والآخر مما يذبح، وليفهم اشتراكهما في الحكم. ويحتمل أنه أشار إلى أنه ورد في بعض طرقه (بواو) الجمع كما سيأتي في كتاب "الأضاحي". الحديث الثلاثون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ فَرْقَدٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْحَرُ أَوْ يَذْبَحُ بِالْمُصَلَّى. قوله: "كان ينحر أو يذبح بالمُصلى" يوم العيد للإعلام؛ ليترتب عليه ذبح الناس؛ ولأن الأضحية من القرب العامة فإظهارها أفضل إحياء لسنتها. قال ابن التين: مذهب مالك أن الإمام يبرز أضحيته للمُصلّى فيذبح هناك، وبالغ بعض أصحابه وهو أبو مصعب فقال: من لم يفعل ذلك لم يُؤْتم به. وقال ابن العربي: قال مالك وأبو حنيفة: لا يذبح حتى يذبح الإمام إن كان ممن يذبح، قال: ولم أر له دليلًا. وأجمعوا على أن الإِمام لو لم يذبح حل الذبح للناس إذا دخل وقت الذبح، فالمدار على الوقت لا الفعل، ومرّ وقت الذبح عند الأئمة في الكلام على حديث البراء. رجاله خمسة: قد مرّوا إلا كثير: مرّ عبد الله بن يوسف في الثاني من "بدء الوحي"، والليث في الثالث منه ونافع في الأخير من "العلم" وابن عمر في أول "الإيمان" قبل ذكر حديث منه، وكثير هو ابن فرقد المدني سكن مصر قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح كان من أقران الليث وكان ثبتا. وقال مالك: كان يؤكد لهذا الأمر أربعة بعد ربيعة فذكره فيهم، وذكره ابن حبان في "الثقات" روى عن نافع مولى ابن عمر وعبد الله بن مالك بن حذافة وعبيد بن السابق وغيرهم. وروى عنه عمرو بن الحارث ومالك والليث وغيرهم. أخرجه البخاري أيضًا في "الأضاحي" والنسائي في "الصلاة" وفي "الأضاحي". ثم قال المصنف:

стр. 4778

باب كلام الإمام والناس في خطبة العيد وإذا سئل الإِمام عن شيء وهو يخطب في هذه الترجمة حكمان، وظن بعضهم أن فيها تكرارًا وليس كذلك بل الأول أعم من الثاني ولم يذكر المصنف الجواب استغناء بما في الحديث. الحديث الحادي والثلاثون حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ قَالَ حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الصَّلاَةِ فَقَالَ مَنْ صَلَّى صَلاَتَنَا وَنَسَكَ نُسْكَنَا فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلاَةِ فَتِلْكَ شَاةُ لَحْمٍ. فَقَامَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ لَقَدْ نَسَكْتُ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ إِلَى الصَّلاَةِ، وَعَرَفْتُ أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ فَتَعَجَّلْتُ وَأَكَلْتُ وَأَطْعَمْتُ أَهْلِي وَجِيرَانِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ شَاةُ لَحْمٍ. قَالَ فَإِنَّ عِنْدِي عَنَاقَ جَذَعَةٍ، هِىَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ، فَهَلْ تَجْزِي عَنِّي قَالَ نَعَمْ، وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ. وجه مطابقة حديث الباب للترجمة الصادرة بين أبي بردة وبين النبي ﷺ دالة على الحكم الأول، وسؤال أبي بردة عن حكم العَنَاق قال على الحكم الثاني، والحديث مرّ الكلام عليه في باب (الأكل يوم النحر) مستوفى. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرّ مسدد في السادس من "الإيمان"، ومرّ الشعبي في الثالث منه، ومرَّ البراء في الثالث والثلاثين منه، ومرّ منصور بن المعتمر في الثاني عشر من "العلم"، ومرّ أبو الأحوص في العشرين من "صفة الصلاة"، وقد مرّ هذا الحديث مرارًا ومرّ ما فيه.

стр. 4779

الحديث الثاني والثلاثون حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ خَطَبَ فَأَمَرَ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاَةِ أَنْ يُعِيدَ ذَبْحَهُ فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِيرَانٌ لِي إِمَّا قَالَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ، وَإِمَّا قَالَ بِهِمْ فَقْرٌ، وَإِنِّي ذَبَحْتُ قَبْلَ الصَّلاَةِ وَعِنْدِي عَنَاقٌ لِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ. فَرَخَّصَ لَهُ فِيهَا". قوله: "أن يعيد ذبحه" أي: بفتح الذال المعجمة قصد ذَبَحَ، وفي نسخة بكسر الذال: اسم للشيء المذبوح. وقوله: "بهم خصاصة" بالتخفيف جوع. وقوله: "وإما قال فقر" ولأبوي ذر والوقت والأصيلي عن الكشميهني "وإما قال بهم فقر". والحديث مرّ استيفاء الكلام عليه في الباب المذكور آنفًا. رجاله خمسة: قد مرّوا وفيه رجل مبهم، مرّ حماد بن زيد في الرابع والعشرين من "الإيمان"، ومرّ أيوب في التاسع منه، ومرّ محمد بن سيرين في الأربعين منه، وأنس في السادس منه، وحامد هذا مرّ في الحادي الثمانين من "استقبال القبلة"، والرجل المبهم أبو بردة وقد مرّ في السادس من هذا الكتاب.

стр. 4780

الحديث الثالث والثلاثون حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ جُنْدَبٍ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ ذَبَحَ فَقَالَ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيَذْبَحْ أُخْرَى مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ. قوله: "وقال من ذبح" هو من جملة الخطبة وليس معطوفًا على قوله: "ثم ذبح"، لئلا يلزم تخلل الذبح بين الخطبة وهذا القول، وليس الواقع ذلك على ما بينه حديث البراء الذي قبله. وقوله: "باسم الله" أي: لله (فالباء) بمعنى (اللام) أو متعلقة بمحذوف أي: بسنة أو تبركًا باسم الله. رجاله أربعة: مرّ منهم مسلم بن إبراهيم في السابع والثلاثين من الإيمان، ومرّ شعبة في الثالث منه. والثالث: الأسود بن قيس العبدي وقيل البجلي أبو قيس الكوفي، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال العجلي: ثقة حسن الحديث، وقال شريك بن عبد الله النخعي: إن كان لصدوق الحديث عظيم الأمانة مكرمًا للضيف. وقال الفسوي في "تاريخه": كوفي ثقة. وقال أبو حاتم: ثقه. وذكره ابن حبان في "الثقات" فجعله اثنين، فالذي يروي عن جندب جعله في التابعين، والذي يروي عن نبيح ذكر في أتباع التابعين وهذا غلط. روى عن أبيه وثعلبة بن عباد وجندب بن عبد الله البجلي وغيرهم. وروى عنه شعبة والثوري وابن عيينة وشريك وغيرهم. الرابع جندب بضم الجيم وسكون النون وفتح الدال وضمها ابن عبد الله بن سفيان البجلي ثم العلقي وقد ينسب إلى جده، ويقال له جندب الخير وجندب الفاروق وجندب بن أم جندب، وقيل إنه جندب بن خالد بن سفيان والأول أصح سكن الكوفة ثم البصرة قدمها مع مصعب بن الزبير وروى عنه أهل المصرين، وفي الطبراني عن أبي عمران الجوني قال: قال لي جندب؛ كنت على عهد رسول الله ﷺ غلامًا حزورًا. وفي "صحيح مسلم" عن صفوان بن محرز أن جندب بن عبد الله البجلي بعث إلى عسعس بن سلامة زمن فتنة ابن الزبير قال: اجمع لي نفرًا من إخوانك، له ثلاثة وأربعون حديثًا اتفقا على سبعة

стр. 4781

وانفرد مسلم بخمسة روى عنه الحسن وابن سيرين وأبو مِجْلَز. مات بعد المائتين، والعَلَقي في نسبه نسبة إلى عَلَقَة بالتحريك بن عَبْقَر بن أنمار بن أراش بن عمرو بن الغوث بطن من بجيلة من ولده جندب هذا. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواته بصري وواسطي وكوفي، أخرجه البخاري أيضًا في "الأضاحي" وفي "النذور" وفي "التوحيد"، ومسلم في "الأضاحي" وفي "القنوت"، وابن ماجه في "الأضاحي". ثم قال المصنف:

стр. 4782

باب من خالف الطريق إذا رجع يوم العيد أي التي توجه منها إلى المصلى الحديث الرابع والثلاثون حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نُمَيْلَةَ يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ عَنْ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ. قوله: "حدثنا محمد" كذا للأكثر غير منسوب، وفي رواية أبي علي بن السكن "حدثنا محمد بن سلام" وهذا هو المعتمد وفي نسخة من أطراف خلف أنه محمد بن مقاتل، وأبو نميلة قيل إن البخاري ذكره في الضعفاء ولم يوجد ذلك له مع أنه لم ينفرد به كما يأتي، لكن تفرد به شيخه فليح وهو مضعف عند ابن معين والنسائي وأبي داود ووثقه آخرون، فحديثه من قبيل الحسن، لكن له شواهد من حديث ابن عمر وسعد القرظ وأبي رافع وعثمان بن عبيد الله التيمي وغيرهم يعضد بعضها بعضًا. فعلى هذا، فهو من القسم الثاني من قسمي الصحيح. قوله: "إذا كان يوم عيد خالف الطريق" كان تامة أي: إذا وقع، وللإسماعيلي كان "إذا خرج إلى العيد رجع من غير الطريق التي ذهب فيها". قال الترمذي أخذ بهذا بعض أهل العلم فاستحبه للإمام، وبه يقول الشافعي. والذي في "الأم" له أنه يستحب للإمام والمأموم، وبه قال أكثر الشافعية. وقال الرافعي: لم يتعرض في "الوجيز" إلا للإمام وبالتعميم قال أكثر أهل العلم، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد من غير فرق بين إمام ومأموم، ومنهم من قال إن علم المعنى وبقيت العلة بقي الحكم وإلا انتفى بانتفائها وإن لم يعلم المعنى بقي الاقتداء. وقال الأكثر: يبقى الحكم ولو انتفت العلة للاقتداء كما في الرَّمَل أي: في الطواف وغيره. وقد اختلف في معنى ذلك على أقوال كثيرة قال القاضي عبد الوهاب المالكي: ذكر في ذلك فوائد بعضها قريب وبعضها دعاوى فارغة، فمن ذلك أنه فعل ذلك ليشهد له الطريقان وقيل سكانهما من الإنس الجن، وقيل ليسوي بينهما في مزية الفضل بمروره وفي التبرك به، أو ليشم رائحة المسك من الطريق التي يمر بها, لأنه كان معروفًا بذلك، وقيل؛ لأن طريقه للمصلَّى كانت على اليمين فلو رجع منها لرجع على جهة الشمال فرجع من غيرها، وهذا يحتاج إلى دليل. وقيل لإظهار شعار الإِسلام فيهما، وقيل لإظهار ذكر الله، وقيل ليغيظ المنافقين أو اليهود. وقيل ليرهبهم بكثرة من معه ورجحه ابن بطال. وقيل حذرًا من كيد الطائفتين أو إحداهما وفيه نظر؛ لأنه لو كان كذلك لم يكرره قاله ابن التين وتعقب بأنه لا يلزم من مواظبته على مخالفة الطريق المواظبة على

стр. 4783

طريق منها معين، لكن في رواية الشافعي عن المطلب بن عبد الله بن حنطب مرسلا "أنه ﷺ كان يغدو يومَ العيد إلى المُصلَّى من الطريق الأعظم ويرجعُ من الطريق الأخرى" وهذا لو ثبت قوي بحث ابن التين، وقيل فعل ذلك ليعمهم في المرور به أو التبرك بمروره وبرؤيته والانتفاع به في قضاء حوائجهم في الاستفتاء أو التعلم والاقتداء والاسترشاد أو الصدقة أو السلام عليهم أو غير ذلك. وقيل ليزور أقاربه الأحياء والأموات، وقيل ليصلَ رحمه، وقيل ليتفاءل بتغير الحالة إلى المغفرة والرضى، وقيل كان في ذهابه يتصدق فإذا رجع لم يبق معه شيء فيرجع في طريق أخرى؛ لئلا يرد من يسأله وهذا ظاهر الفساد ويحتاج إلى دليل، وقيل فعل ذلك لتخفيف الزحام وهذا رجحه أبو حامد وأيده المحب الطبري بما رواه البيهقي في حديث ابن عمر فقال فيه "ليسع الناس" وتعقب بأنه ضعيف وبأن قوله: "ليسع الناس" يحتمل أن يفسر ببركته وفضله وهذا هو الذي رجحه ابن التين. وقيل كان طريقه التي يتوجه منها أبعد من الطريق التي يرجع فيها فأراد تكثير الأجر بتكثير الخُطا في الذهاب وأما في الرجوع فأراد السرعة إلى منزله وهذا اختيار الرافعي وتعقب بأنه يحتاج إلى دليل وبأن أجر الخطى يكتب في الرجوع أيضًا كما ثبت في حديث أبي بن كعب عند الترمذي وغيره، فلو عكس ما قال لكان له اتجاه فيكون سلوك الطريق القريب للمبادرة إلى فعل الطاعة وإدراك فضيلة أول الوقت، وقيل لأن الملائكة تقف في الطرقات فأراد أن يشهد له فريقان منهم وقال ابن أبي جمرة هو في معنى قول يعقوب لبنيه لا تدخلوا من باب واحد فأشار إلى أنه فعل ذلك حذر إصابة العين. وقيل إنه فعل ذلك بجميع ما ذكر من الأشياء المحتملة القريبة. رجاله خمسة: قد مرّوا إلا أبا نُمَيلة، مرّ محمد بن سلام في الثالث عشر من "الإيمان"، وقيل إنه محمد بن مقاتل وقد مرّ في السابع من كتاب "العلم"، مرّ سعيد بن الحارث في الثالث عشر من كتاب "الصلاة"، ومرّ فليح في الأول من "العلم"، ومرّ جابر في الرابع من "بدء الوحي". وأبو نميلة بالتصغير هو يحيى بن واضح الأنصاري مولاهم الحافظ قال ابن سعد والنسائي: ثقة وكذا قال أحمد. وقال صالح جزرة: ثقة في الحديث وكان محمود الرواية. وقال أبو حاتم: ثقة في الحديث أدخله البخاري في الضعفاء فحقه أن يحول من هنا. قال صاحب "الميزان" لم أرَ له في الضعفاء للبخاري ذكرًا وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال العباس بن مصعب المروزي كان أبو نميلة عالمًا بأيام الناس، وقال زنيج عن أبي نميلة كان أبي والمبارك والد عبد الله تاجرين وكانا قد جعلا لنا من حفظ منا قصيدة فله درهم قال أبو غسان فخرجا شاعرين، وقال ابن خراش: صدوق، وقال ابن معين مرة: ثقة ومرة ليس به بأس ومرة لا يحسن شيئًا. روى عن حسين بن واقد وأبي ظبية عبد الله بن مسلم ومحمد بن إسحاق والأوزاعي وغيرهم. وروى عنه أحمد وإسحاق ومحمد بن سلام البيكندي وغيرهم.

стр. 4784

لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول والإخبار بالجمع، ورواته ما بين مروزي ومدني. ثم قال "تابعه يونس بن محمد عن فليح وحديث جابر أصح" كذا عند جمهور رواة البخاري عن الفربري وهو مشكل؛ لأن قوله: "أصح" يباين قوله: "تابعه"؛ لأن المتابعة تقتضي المساواة فكيف تتجه الأصَحِّية الدالة على عدم المساواة. وذكر أبو علي الجياني أنه سقط قوله، وحديث جابر أصح من رواية إبراهيم بن معقل النسفي عن البخاري فلا إِشكال فيها. وفي رواية ابن السكن "تابعه يونس بن محمد عن فليح عن سعيد عن أبي هريرة" وفي هذا توجيه قوله: "أصح" ويبقى الإشكال في قوله: "تابعه" فإنه لم يتابعه بل خالفه، وقد أزال الإشكال أبو نعيم في "المستخرج" فقال: أخرجه البخاري "عن محمد عن أبي نميلة وقال تابعه يونس بن محمد عن فليح"، وقال محمد بن الصلت: "عن فليح عن أبي هريرة" وحديث جابر أصح؛ وبهذا جزم أبو مسعود في "الأطراف" فيكون معنى قوله: "وحديث جابر أصح" أي: من حديث من قال فيه عن أبي هريرة وذكر أبو مسعود أن الهيثم بن جميل رواه عن فليح كما قال ابن الصلت عن أبي هريرة، والذي يغلب على الظن أن الاختلاف فيه من فليح فلعل شيخه سمعه من جابر ومن أبي هريرة، ويقوي هذا اختلاف اللفظين، وقد رجح البخاري أنه عن جابر وخالفه أبو مسعود والبيهقي فرجحا أنه عن أبي هريرة. قال في "الفتح" ولم يظهر لي في ذلك ترجيح. وهذه المتابعة وصلها الإسماعيلي من طريق ابن أبي شيبة، ورجالها قد مرّوا: مرّ محل سعد وفليح في الذي قبله، ومرّ يونس بن محمد في الرابع والعشرين من "الوضوء"، ومرّ أبو هريرة في الثاني من "الإيمان". ثم قال المصنف:

стр. 4785

باب إذا فاته العيد يصلّي ركعتين وكذلك النساء ومن كان في البيوت والقرى لقول النبي ﷺ "هذا عيدنا أهل الإِسلام". قوله: "فاته العيد"، أي: مع الإمام، وفي هذه الترجمة حكمان: مشروعية استدراك صلاة العيد إذا فاتت مع الجماعة سواء كانت بالاضطرار أو بالاختيار. والثاني كونها تقضى ركعتين كأصلها. وخالف في الأول جماعة منهم المزني فقال: لا تقضى أصلًا، وعند الحنفية كما في قاضيخان إذا تركها بغير عذر لا يقضيها أصلًا وبعذر يقضيها في اليوم الثاني في وقتها، وبه قال الأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق. قال ابن المنذر وبه أقول فإن تركها في اليوم الثاني بعذر أو بغير عذر لا يصليها وقال الشافعي من فاتته صلاة العيد يصلي وحده كما يصلي مع الإمام، وهذا بناء عنده على أن المنفرد يصلي صلاة العيد. وقال السروجي للشافعي قولان: الأصح قضاؤها. وأما الوجه الثاني فقالت طائفة إذا فاتت صلاة العيد يصلي ركعتين وهو قول مالك والشافعي وأبي ثور إلا أن مالكًا استحب له ذلك من غير إيجاب. وقال أحمد والثوري إن صلى وحده صلى أربعًا ولهما في ذلك سلف. قال ابن مسعود: مَنْ فاته العيد مع الإِمام فليصل أربعًا أخرجه سعيد بن منصور بإسناد صحيح. وقال إسحاق: إن صلاّهما في الجماعة فركعتين، وإلا فأربعًا. قال الزين بن المنير: كأنهم قاسوها على الجمعة لكن الفرق ظاهر؛ لأن من فاتته الجمعة يعود لفرضه من الظهر بخلاف العيد. وقال أبو حنيفة يتخير بين القضاء والترك وبين الثنتين والأربع. وقوله: "وكذلك النساء" أي اللاتي لم يحضرن المُصلَّى مع الإمام يصلين صلاة العيد. وقوله: "ومن كان في البيوت" أي وكذلك يصلي العيد من كان في البيوت من الذين لا يحضرون المُصلّى. وقوله: "والقرى" أي: وكذلك يصلي العيد من كان في القرى وكأنه يشير إلى مخالفة ما روي عن علي: "لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع" وقد تقدم في فضل العمل في أيام التشريق عن الزهري ليس على المسافر صلاة عيد. ووجه مخالفته كون عموم الحديث المذكور يخالف ذلك. وقوله: "لقول النبي ﷺ هذا عيدنا أهل الإِسلام" قال في "الفتح" هذا الحديث لم أره هكذا وإنما

стр. 4786

أوله في حديث في قصة المغنيتين، وقد تقدم في ثالث الترجمة من كتاب "العيد" بلفظ "إنَّ لكلِّ قوم عيدًا وهذا عيدُنا" وأما باقيه فلعله مأخوذ من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا "أيامُ (مني) عيدُنا أهلَ الإِسلام" وهو في "السنن" وصححه ابن خزيمة. وقوله: "أهل الإِسلام" بالنصب على أنه منادى مضاف حذف منه حرف النداء أو بإضمار أعني أو أخص، وجوز فيه الجر على أنه بدل من الضمير في عيدنا، قيل وجه الدلالة منه على الترجمة أن قوله هذا إشارة إلى الركعتين وعمم بأهل من كان مع الإِمام أو لم يكن كالنساء وأهل القرى وغيرهم. ثم قال: "وأمر أنس بن مالك مولاهُمُ ابنَ أبي عتبة بالزاوية فجمعَ أهله وبنيه وصلَّى كصلاة أهل المصر وتكبيرهم". قوله: "مولاهم" في رواية "مولاه". وقوله: "ابن أبي عتبة" بضم المهملة وسكون التاء المثناة للأكثر، ولأبي ذر بالمعجمة والنون بعدها تحتانية مثقلة. وقوله: "بالزاوية" أي: بالزاي موضع على فرسخين من البصرة كان به لأنس قصر وأرض وكان يقيم هناك كثيرًا، وكانت بالزاوية وقعة عظيمة بين الحجاج وابن الأشعث. وقوله: "وصلى" أي: بهم وهذا وصله ابن أبي شيبة والبيهقي في "السنن" وابن أبي عتبة عبد الله الأنصاري مولى أنس. ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو بكر البزار: ثقة مشهور له في الكتب حديثان: أحدهما عند البخاري في "الحج" بعد يأجوج ومأجوج، والآخر عندهم في "الحياء" روى عن أنس وأبي سعيد الخدري وأبي الدرداء وعائشة، وروى عنه ثابت البناني وقتادة وحميد وغيرهم. ثم قال "وقال عكرمة: أهلُ السَّوادِ يجتمعون في العيدِ يصلُّون ركعتين كما يصنعُ الإِمام"، يعني أنهم يؤمهم أحدهم ويصلّون كصلاة الحضر، وهذا وصله ابن أبي شيبةَ عن غندر. وعكرمة مرّ في السابع عشر من العلم. ثم قال: "وقال عطاء: إذا فاتهُ العيدُ صلَّى ركعتين" في رواية الكشميهني "وكان عطاءُ والأول" وزاد ابن جريج في روايته "ويكبر"، وهذه الزيادة تشير إلى أنها تقضى كهيئتها إلاَّ أن الركعتين مطلق نفل، وهذا وصله الفريابي في مصنفه وابن أبي شيبة. وقد مرّ عطاء في التاسع والثلاثين من "العلم".

стр. 4787

الحديث الخامس والثلاثون حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ فِي أَيَّامِ مِنًى تُدَفِّفَانِ وَتَضْرِبَانِ، وَالنَّبِىُّ ﷺ مُتَغَشٍّ بِثَوْبِهِ، فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ فَكَشَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ وَجْهِهِ وَقَالَ دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ. وَتِلْكَ الأَيَّامُ أَيَّامُ مِنًى. وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْتُرُنِي، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ دَعْهُمْ، أَمْنًا بَنِي أَرْفِدَةَ. يَعْنِي مِنَ الأَمْنِ. أشكلت على جماعة مطابقة هذا الحديث للترجمة، وأجاب ابن المنير بأن ذلك يؤخذ من قوله ﵊: "إنها أيام عيد" فأضاف نسبة العيد إلى اليوم فيستوي في إقامتها الفذ والجماعة والنساء والرجال. قال ابن رشيد: وتتمته أن يقال "إنها أيام عيد لأهل الإِسلام" بدليل قوله في الحديث الماضي: "عيدنا أهل الإِسلام"؛ ولذا ذكره البخاري في صدر الباب، وأهل الإِسلام شامل لجميعهم فردًا وجمعًا، وهذا يستفاد منه الحكم الثاني لا مشروعية القضاء، والذي يظهر أن مشروعية القضاء تؤخذ من قوله: "فإنها أيام عيد" أي أيام (مِنى) فلما سماها أيام عيد كانت محلًا لأداء هذه الصلاة؛ لأنها شرعت ليوم العيد، فيستفاد من ذلك أنها تقع أداء وأن لوقت الأداء آخر وهو آخر أيام (مِنى). وفي خط أبي القاسم بن الورد لما سوغ النبي ﷺ للنساء راحة العيد المباحة كان آكد أن يندبهن إلى صلاته في بيوتهن فيلتئم قوله في الترجمة: "وكذلك النساء" مع قوله في الحديث: "دعهما فإنها أيام عيد". وقوله: "وقالت عائشة" معطوف على الإسناد المذكور. وقوله: "فزجرهم فقال النبي ﷺ دعهم" كذا في الأصول بحذف فاعل فزجرهم. وفي رواية كريمة "فزجرهم عمر" كذا هنا. وسيأتي هذا الإسناد في أوائل المناقب بحذفه للجميع وضبب النسفي بين زجرهم وبين فقال إشارة إلى الحذف، وقد ثبت بلفظ عمر في طرق أخرى كما تقدم في أوائل العيدين. وقوله: "أمْنًا بني أَرفِدة" أي بسكون الميم من الأمن يشير إلى أن المعنى اتركهم من جهة أنا أمناهم أمنًا أو أراد أنه مشتق من الأمن لا من الأمان الذي للكفار.

стр. 4788

وهذا الحديث مرّ الكلام عليه مستوفى في أوائل كتاب "العيدين". رجاله ستة: وفيه ذكر أبي بكر وعمر وجاريتين، وقد مرّ الجميع مرّت الأربعة الأول بهذا النسق في الثالث من "بدء الوحي"، ومرّ عروة وعائشة في الثاني منه، ومرّ عمر في الأول منه، ومرَّ أبو بكر في باب (من لم يتوضأ من لحم الشاة) بعد الحادي والسبعين من "الوضوء" ومرّ الكلام على الجاريتين في الثاني من كتاب "العيدين" هذا. ثم قال المصنف: باب الصلاة قبل العيد وبعدها ثم قال: وقال أبو المعلى: سمعت سعيدًا عن ابن عباس كره الصلاة قبل العيد قال فى "الفتح" لم أقف على هذا الأثر موصولًا. رجاله ثلاثة: مرّ سعيد بن جبير وابن عباس في الخامس من "بدء الوحي". وأبو المعلَّى هو يحيى بن ميمون الضبي العطار الكوفي قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وزعم ابن الجوزي أن ابن حبان قال فيه يروي عن الثقات ما ليس من أحاديثهم وإنما قال ذلك في أيوب، وقال يحيى والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث وقال ابن معين: ليس به بأس روى عن أبي عثمان النهدي وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وغيرهم، وروى عنه شعبة ووهيب بن سالم وحماد بن زيد وابن علية وغيرهم وليس له في البخاري سوى هذا الموضع. مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة.

стр. 4789

الحديث السادس والثلاثون حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ الْفِطْرِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلاَ بَعْدَهَا وَمَعَهُ بِلاَلٌ. وحديث ابن عباس هذا قد تقدم بأتم من هذا السياق في باب الخطبة بعد العيد ومرّ الكلام هناك مستوفى على ما ترجم له المصنف. رجاله خمسة: وفيه ذكر بلال وقد مرّ الجميع: مرّ أبو الوليد في العاشر من الإيمان, ومرّ شعبة في الثالث منه، ومرّ عدي بن ثابت في الثامن والأربعين منه، ومرّ سعيد بن جبير وابن عباس في الخامس من "بدء الوحي" ومرّ بلال في التاسع والثلاثين من "العلم". خاتمة قال في "الفتح" اشتمل كتاب العيدين من الأحاديث المرفوعة على خمسة وأربعين حديثًا المعلق منها أربعة، والبقية موصولة المكرر منها فيه وفيما مضى ستة وعشرون، والبقية خالصة وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث أنس في أكل التمر قبل صلاة عيد الفطر، وحديث ابن عمر في قصته مع الحجاج، وحديث ابن عباس في العمل في ذي الحجة، وحديث ابن عمر في الذبح بالمُصلّى، وحديث جابر في مخالفة الطريق. وأما حديث عقبة بن عامر المشار إليه في الباب الماضي فإن كان مرادًا زادت العدة واحدًا معلقًا وليس هو في "مسلم"، وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين ثلاثة وعشرون معلقة إلا أثر أبي بكر وعمر وعثمان في الصلاة قبل الخطبة فإنها موصولة في حديث ابن عباس والله الهادي للصواب. وانظر ما ذكره في عدد الموصول من الأحاديث فإنه مخالف لما ذكرناه مع تحرير ما ذكرناه فلعله ينقل هذا اعتمادًا على غيره. ثم قال المصنف:

стр. 4790

أبواب الوِتر كذا عند المستملي وعند الباقين باب ما جاء فى الوتر وسقطت البسملة عند ابن شبويه والأصيلي وكريمة، والوتر بالكسر الفرد وبالفتح الثأر، وفي اللغة مترادفان وقرىء: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ بالوجهين ولم يتعرض البخاري لحكمه لكن أفرده بترجمة عن أبواب التطوع والتهجد يقتضي أنه غير ملحق بها عنده، ولولا أنه أورد الحديث الذي فيه إيقاعه على الدابة، لكان في ذلك إشارة إلى أنه يقول بوجوبه. واختلف في الوتر في أشياء في وجوبه وعدده واشتراط النية فيه واختصاصه بقراءة واشتراط شفع قبله، وفي آخر وقته وصلاته في السفر على الدابة، وفي قضائه والقنوت فيه، وفي محل القنوت منه، وفيما يقال فيه وفي فصله ووصله، وهل تسن ركعتان بعده وفي صلاته من قعود لكن هذا الأخير ينبني على كونه مندوبًا أو لا. واختلفوا في أول وقته أيضًا، وفي كونه أفضل صلاة التطوع والرواتب أفضل منه، أو خصوص ركعتي الفجر. وقد ترجم البخاري لبعض ما ذكرناه، ويأتي الكلام على ما لم يترجم له في أثناء الكلام على أحاديث الباب وما بعدها. الحديث الأول حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَلاَةِ اللَّيْلِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : صَلاَةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً، تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى. هذا الحديث أخرجه في "الموطأ" ولم يختلف على مالك في إسناده إلا أن في رواية مكي بن إبراهيم عن مالك أن نافعًا وعبد الله بن دينار أخبراه كذا في "الموطآت" للدارقطني، وأورده الباقون بالعنعنة. وقوله: "إن رجلًا" يأتي في السند ما قيل فيه. وقوله عن "صلاة الليل" في رواية أيوب عن نافع في باب (الحلق في المسجد) أن رجلًا جاء إلى النبيِّ ﷺ وهو يخطبُ فقال كيفَ صلاةُ الليل؟ " ونحوه في رواية سالم في أبواب (التطوع) وقد

стр. 4791

تبين من الجواب أن السؤال وقع عند عددها أو عن الفصل والوصل. وفي رواية محمد بن نصر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رجلٌ يا رسولَ اللهِ كيف تأمرنا أن نصليَ من الليل". وأما قول ابن بزيزة جوابه بقوله: "مثنى" يدل على أنه فهم من السائل طلب كيفية العدد لا مطلق الكيفية، ففيه نظر وأولى ما فسر الحديث من الحديث، واستدل بمفهومه على أن الأفضل في صلاة النهار أن تكون أربعًا وهو قول أبي حنيفة وإسحاق وتعقب بأنه مفهوم لقب وليس بحجة على الراجح وعلى تقدير الأخذ به فليس بمنحصر في أربع وبأنه خرج جوابًا للسؤال عن صلاة الليل فقيد الجواب بذلك مطابقة للسؤال، وبأنه قد تبين من رواية أخرى أن حكم المسكوت عنه حكم المنطوق به ففي "السنن" وصححه ابن خزيمة وغيره عن علي الأزدي عن ابن عمر مرفوعًا "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى". وقد تعقب هذا الأخير بأن أكثر أئمة الحديث أعلوا هذه الزيادة وهي قوله: "والنهار" بأن الحفاظ من أصحاب ابن عمر لم يذكروها عنه، وحكم النسائي على راويها بأنه أخطأ فيها. وقال يحيى بن معين: مَنْ علي الأزدي حتى أقبل منه؟ وادعى يحيى بن سعيد الأنصاري عن نافع "أن ابن عمر كان يتطوع بالنهار أربعًا لا يفصل بينهن"، ولو كان حديث الأزدي صحيحًا لما خالفه ابن عمر مع شدة اتباعه رواه عنه محمد بن نصر في سؤالاته. لكن روى ابن وهب بإسناد قوي عن ابن عمر قال: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" موقوف أخرجه ابن عبد البر، فلعل الأزدي اختلط عليه الموقوف بالمرفوع، فلا تكون هذه الزيادة صحيحة على طريقة من يشترط في الصحيح أن لا يكون شاذًا. وقد روى ابن أبي شيبة من وجه آخر عن "ابن عمر أنه كان يصلي بالنهار أربعًا أربعًا وهذا موافق لما قاله ابن معين. وعند أبي حنيفة صلاة الليل والنهار أربعًا أربعًا. وعند صاحبيه: الليل مثنى مثنى والنهار أربعًا أربعًا. وقوله: "مثنى مثنى" أي: اثنين اثنين وهو غير منصرف لتكرار العدل فيه قاله صاحب "الكشاف". وقال الآخرون للعدل والوصف، وأما إعادة "مثنى" فللمبالغة في التأكيد، وقد فسره ابن عمر راوي الحديث فعند مسلم عن عقبة بن حريث قال: "قلت لابن عمرما معنى مثنى مثنى؟ قال تسلم من كل ركعتين". وفيه رد على من زعم من الحنفية أن معنى "مثنى" أن يتشهد بين كل ركعتين؛ لأن راوي الحديث أعلم بالمراد منه، وما فسره به هو المتبادر إلى الفهم؛ لأنه لا يقال في الرباعية مثلًا إنها مثنى، واستدل بهذا على تعيين الفصل بين كل ركعتين من صلاة الليل قال ابن دقيق العيد: وهو ظاهر السياق لحصر المبتدأ في الخبر، وحمله الجمهور على أنه لبيان الأفضل لما صح من فعله

стр. 4792

- ﷺ بخلافه، ولم يتعين أيضًا كونه لذلك بل يحتمل أن يكون للإرشاد إلى الأخف إذ السلام بين كل ركعتين أخف على المصلي من الأربع فما فوقها لما فيه من الراحة غالبًا وقضاء ما يعرض من أمرهم ولو كان الوصل لبيان الجواز فقط لم يواظب عليه ﷺ . ومن ادعى اختصاصه به فعليه البيان، وقد صح عنه ﵊ كما صح عنه الوصل فعند أبي داود ومحمد بن نصر عن الأوزاعي وابن أبي ذيب كلاهما عن الزهري عن عروة عن عائشة "أن النبي ﷺ كان يصلّي ما بينَ أن يفرغَ من العشاءِ إلى الفجر إحدى عشرةَ ركعة يسلّمُ من كل ركعتين" وإسنادهما على شرط الشيخين. وقد مرّت مباحث هذا الحديث مستوفاة غاية عند ذكره في باب (الحلق في المسجد)، وحديث ابن عباس في باب (قراءة القرآن بعد الحدث) وغيره من كتاب "الوضوء"، وذكرت هناك مباحث الوتر جميعًا فراجعه. رجاله خمسة: قد مرّوا وفيه رجل مبهم. مرّ عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من "بدء الوحي"، ومرّ نافع في الأخير من "العلم"، ومرَّ عبد الله بن دينار في الثاني من "الإيمان"، ومرَّ ابن عمر في أوله قبل ذكر حديث منه. والرجل المبهم في "معجم الطبراني" أنه ابن عمر، ولكن يعكر عليه رواية عبد الله بن شقيق عن "ابن عمر أن رجلًا سأل النبيّ ﷺ وأنا بينه وبين السائل" فذكر الحديث وفيه "ثم سأله رجل على رأس الحول وأنا بذلك المكان منه فما أدري أهو ذلك الرجل أو غيره. وعند النسائي أن السائل المذكور من أهل البادية، وفي رواية "أن أعرابيًا سأل" فيحتمل أن يجمع بتعدد من سأل، وقد سبق في باب الحلق في المسجد، أن السؤال المذكور وقع في المسجد والنبى ﷺ على المنبر. أخرجه مسلم في "الصلاة" وكذا أبو داود والنسائي. ثم قال: "وعن نافع أن عبد الله بن عمر كان يسلّم بين الركعة والركعتين في الوتر حتى يأمر ببعض حاجته" هو معطوف على الإِسناد الأول وهو في "الموطأ" كذلك إلا أنه ليس مقرونًا في سياق واحد بل بين المرفوع والموقوف عدة أحاديث، ولذا فصله البخاري عنه. وقوله: "حتى يأمر ببعض حاجته" ظاهره أنه كان يصلي الوتر موصولًا فإن عرضت له حاجة فصل ثم بني على ما مضى وما في هذا الأثر من المباحث قد مرت في البابين المذكورين آنفًا، وهذا الأثر قيل إنه معطوف على الإِسناد الأول، وقيل إنه معلق، وهذا الأثر رواه مالك وأخرجه الطحاوي.

стр. 4793

الحديث الثاني حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ كُرَيْبٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ، وَهْىَ خَالَتُهُ، فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ وِسَادَةٍ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَنَامَ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ، فَاسْتَيْقَظَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ قَرَأَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ، فَتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي فَصَنَعْتُ مِثْلَهُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ بِأُذُنِي يَفْتِلُهَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ، خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ. هذا الحديث قد تقدم للبخاري في مواضع في "العلم" و"الطهارة" و"المساجد" و"الإمامة"، وتقدم شرحه مستوفى في باب (السمر في العلم) من كتاب "العلم"، وفي باب (تخفيف الوضوء) وباب (قراءة القرآن بعد الحدث) وغيره من كتاب "الوضوء"، وأذكر هنا ما لم يذكر من مباحثه فيما مضى. وقوله: "إنه بات عند ميمونة" زاد شريك بن أبي نمر عن كريب عند مسلم "فرقبت رسول الله ﷺ كيف يصلّي. زاد أبو عوانة في "صحيحه" من هذا الوجه "بالليل". ولمسلم عن عطاء عن ابن عباس قال: "بعثني العباس إلى النبي ﷺ " زاد النسائي عن حبيب بن أبي ثابت عن كريب "في إبلٍ أعطاهُ إياها من الصدقةِ". ولأبي عوانة عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه "أن العباس بعثه إلى النبيِّ ﷺ في حاجة، قال: فوجدته جالسًا في المسجد فلم استطعْ أنْ أُكلمهُ، فلما صلى المغربَ قامَ فركعَ حتى أُذِّنَ بصلاةِ العشاءِ". ولابن خزيمة عن طلحة بن نافع عنه "كان رسولُ الله ﷺ وعدَ العباسَ ذودًا من الإبل فبعثني إليه بعدَ العشاء وكان في بيت ميمونة". ولمحمد بن نصر عن محمد بن الوليد عن كريب من الزيادة "فقال لي: يا بنيّ بتْ الليلةَ عندنا" وفي رواية حبيب المذكورة "فقلت: لا أنامُ حتى انظر ما يصنعَ في صلاة الليل". ولمسلم عن الضحاك بن عثمان بن مخرمة "فقلت لميمونة إذا قامَ رسولُ الله ﷺ فأيقظيني وكان

стр. 4794

عزمَ في نفسه على السهر ليطَّلعَ على الكيفية التي أرادها ثم خشيَ أن يغلبَة النومُ فوصَّى ميمونةَ أن توقظهُ. وقوله: "في عَرْض وسادة" في رواية محمد بن نصر المذكورة "وسادة من أدم حشوها ليف". وفي رواية طلحة بن نافع المذكورة "ثم دخل على امرأتِه في فراشِها وزاد أنها كانت ليلتئذٍ حائضًا". وفي رواية شريك عن كريب في التفسير "فتحدث رسول الله ﷺ مع أهله ساعة". وقد سبقت الإشارة إليه في كتاب "العلم" في باب (السمر في العلم) وتقدم الكلام على الاضطجاع والعرض ومسح النوم والعشر الآيات في باب (قراءة القرآن بعد الحدث) وكذا على الشن. وقوله: "حتى انتصف الليل أو قريبًا منه" جزم شريك بن أبي نمر في روايته المذكورة "بثلث الليل الأخير" ويجمع بينهما بأن الاستيقاظ وقع مرتين ففي الأولى "نظر إلى السماء ثم تلا الآيات ثم عاد إلى مضجعه فنام". وفي الثانية "أعاد ذلك ثم توضأ وصَلّى". وقد بيَن ذلك محمد بن نصر في روايته المذكورة. وفي رواية الثوري عن سلمة بن كهيل عن كريب في "الصحيحين": "فقام رسولُ الله ﷺ من الليل فأتى حاجَتَه ثم غسلَ وَجهَهُ ويديه ثم نامَ ثم قامَ فأتى القربة" الحديث. وفي رواية سعيد عن مسروق عن سلمة عن مسلم "ثم قامَ قومة أخرى"، وعنده من رواية شعبة عن سلمة "فبال" بدل "فأتى حاجته". وقوله: "ثم قام إلى شن" زاد محمد بن الوليد "ثم استفرغ من الشن في إناء ثم توضأ". وقوله: "فاحسنَ الوضوء" في رواية محمد بن الوليد وطلحة بن نافع جميعًا "ثم أسبغَ الوضوءَ". وفي رواية عمرو بن دينار عن كريب "فتوضأ وضوءًا خفيفًا"، وقد تقدمت في باب (تخفيف الوضوء) ويجمع بين هاتين الروايتين برواية الثوري فإن لفظه "فتوضأ وضوءاً بين وضؤين لم يكثر وقد أبلغ" ولمسلم عن مخرمة "فأسبغَ الوضوءَ ولم يمسَّ من الماءِ إلا قليلًا". وزاد فيها "فتسوَّكَ" وكذا لشريك عن كريب "فاستنَّ" كما تقدمت الإشارة إليه قبل كتاب "الغسل". وقوله: "ثم قامَ يصلّي" في رواية محمد بن الوليد "ثم أخذَ بُردًا له حضرميًا فتوشحة ثم دخلَ البيتَ فقامَ يصلّي". وقوله: "فصنعتُ مثلَهُ" يقتضي أنه صنع جميع ما ذكر من القول والنظر والوضوء والسواك والتوشح، ويحتمل أن يحمل على الأغلب. وزاد سلمة عن كريب في "الدعوات" في أوله "فقمتُ فتمطيتُ كراهيةَ أن يرى أني كنتُ أرقبُه" وكأنه خشي أن يترك بعض عمله لما جرى من عادته ﷺ أنه كان يترك بعض العمل خشية أن يفرض على أمته. وقوله: "وقمتُ إلى جنبهِ" تقدم الكلام عليه مستوفى في أبواب الإمامة.

стр. 4795

وقوله: "وأخذ بأذني" زاد محمد بن الوليد في روايته "فعرفتُ أنه إنما صنع ذلك ليؤنسني بيدهِ في ظلمة الليل". وفي رواية الضحاك بن عثمان "فجعلتُ إذا أغفيتُ أخذ بشحمة أذني" وفي هذا رد على من زعم أن أخذ الأذن إنما كان في حالة إدارته له من اليسار إلى اليمين متمسكًا برواية سلمة بن كهيل الآتية في التفسير حيث "قال: فأخذ بأذني فأدارني عن يمينه" لكن لا يلزم من إدارته على هذه الضفة أن لا يعود إلى مسك أذنه لما ذكره من تأنيسه وإيقاظه؛ لأن حاله كانت تقتضي ذلك لصغر سنه. وقوله: "فصلّى ركعتين ثم ركعتين" الخ كذا في هذه الرواية" وظاهره أنه فصل بين كل ركعتين، ووقع التصريح بذلك في رواية طلحة بن نافع حيث قال فيها "يسلِّمُ مِنْ كلِّ ركعتين". ولمسلم عن علي بن عبد الله بن عباس التصريح بذكر الركعتين ست مرات. ثم قال: "ثم أوتر" ومقتضاه أنه صلّى ثلاث عشرة ركعة، وصرح بذلك في رواية سلمة الآتية في "الدعوات" حيث قال:"فتتامت". ولمسلم "فتكاملتْ صلاتُه ثلاثَ عشرةَ ركعة" وفي رواية محمد بن الوليد المذكورة مثله وزاد وركعتين بعد طلوع الفجر قبل صلاة الصبح، وهي موافقة لرواية الباب, لأنه قال بعد قوله: "ثم أوترَ فقامَ فصلَّى ركعتين" فاتفق هؤلاء على الثلاث عشرة، وصرح بعضهم بأن ركعتي الفجر من غيرهما، لكن رواية شريك بن أبي نمر الآتية في التفسير عن كريب تخالف ذلك ولفظه: "فصلّى إحدى عشرة ركعة ثم أذَّنَ بلالٌ فصلّى ركعتين ثم خرجَ" فهذا ما في رواية كريب من الاختلاف. وقد عرف أن الأكثر خالفوا شريكًا فيها وروايتهم مقدمة على روايته لما معهم من الزيادة؟ ولكونهم أحفظ منه، وقد حمل بعضهم هذه الزيادة على سنة العشاء ولا يخفى بعده ولاسيما في رواية مخرمة في حديث الباب إلا إن حمل على أنه أخر سنة العشاء حتى استيقظ لكن يعكر عليه رواية المنهال الآتية قريبًا. وقد اختلف على سعيد بن جبير أيضًا ففي التفسير عن شعبة عن الحكم عنه "فصلى أربع ركعاتٍ ثم نامَ ثم صلى خمسَ ركعاتٍ". وقد حمل محمد بن نصر هذه الأربعة على أنها سنة العشاء، لكونها وقعت قبل النوم، لكن يعكر عليه ما رواه هو عن المنهال بن عمرو عن علي بن عبد الله بن عباس فإن فيه "فصلى العشاءَ ثم صلّى بعدَه أربعَ ركعاتٍ حتى لم يبق في المسجدِ غيرهُ ثم انصرف" فإنه يقتضي أن يكون صلّى الأربع في المسجد لا في البيت. ورواية سعيد بن جبير أيضًا تقتضي الاقتصار على خمس ركعات بعد النوم، وفيه نظر، وقد رواها أبو داود من وجه آخر عن الحكم وفيه "فيصلي سبعًا أو خمسًا أوتَر بهن لم يسلِّمْ إلا في آخرهن". وقد ظهر من رواية أخرى عن سعيد بن جبير ما يرفع هذا الإشكال ويوضح أن رواية الحاكم وقع فيها تقصير، فعند النسائي عن يحيى بن عباد عن سعيد بن جبير "فصلّى ركعتين ركعتين حتى صلّى ثمانِ ركعاتٍ ثم أوتَر بخمس لم يجلس بينهن". فبهذا يجمع بين رواية سعيد ورواية كريب.

стр. 4796

وأما ما في روايتهما من الفصل والوصل، فرواية سعيد صريحة في الوصل ورواية كريب محتملة، فتحمل على رواية سعيد. وأما قوله في رواية طلحة بن نافع "يسلم من كل ركعتين" فيحتمل تخصصه بالثمان فيوافق رواية سعيد ويؤيده رواية يحيى بن الجزار الآتية، وليس في شيء من طرق حديث ابن عباس مما يخالف ذلك؛ لأن أكثر الرواة عنه لم يذكروا عددًا ومن ذكر منهم عددًا لم يزد على ثلاث عشرة، ولم ينقص عن إحدى عشرة إلا أن في رواية علي بن عبد الله بن عباس عند مسلم ما يخالفه فإن فيه "فصلّى ركعتين أطالَ فيهما ثم انصرف فنامَ حتى نفخَ ففعلَ ذلكَ ثلاثَ مراتٍ بست ركعاتٍ كلُّ ذلك يستاكُ ويتوضأ ويقرأ هؤلاءِ الآيات يعني آخر آل عمران ثم أوترَ بثلاثٍ فأذَّنَ المؤذن فخرجَ إلى الصلاة". فزاد على الرواية تكرير الوضوء وما معه ونقص عنه ركعتين أو أربعًا، ولم يذكر ركعتي الفجر أيضًا ولعل ذلك من الراوي عنه حبيب بن أبي ثابت فإن فيه مقالًا، وقد اختلف عليه فيه في إسناده ومتنه اختلافًا تقدم ذكر بعضه، ويحتمل أن يكون لم يذكر الأربع الأول كما لم يذكر حكم الثمان كما مرّ، وأما سنة الفجر فقد ثبت ذكرها من طريق أخرى عن علي بن عبد الله عند أبي داود، والحاصل أن قصة مبيت ابن عباس يغلب على الظن عدم تعددها؛ فلهذا ينبغي الاعتناء بالجمع بين مختلف الروايات فيها, ولا شك بأن الأخذ بما اتفق عليه الأكثر والأحفظ أولى مما خالفهم فيه من هو دونهم ولاسيما إن زاد أو نقص والمحقق من عدد صلاته في تلك الليلة إحدى عشرة ركعة. وأما رواية ثلاث عشرة فيحتمل أن يكون منها سُنَّة العشاء، ويوافق سُنَّة العشاءِ ويوافق ذلك رواية أبي جمرة عن ابن عباس الآتية في صلاة الليل بلفظ "كانت صلاةُ النبي ﷺ ثلاثَ عشرةَ يعني بالليل، ولم يبين هل سُنة الفجر منها أم لا، وبيّنها يحيى بن الجزار عن ابن عباس عند النسائي بلفظ: "كان يصلِّي ثمانِ ركعاتٍ ويوترُ بثلاثٍ ويصلّي ركعتين قبل صلاةِ الصبح"، ولا يعكر على هذا الجمع إلا ظاهر سياق الباب، فيمكن أن يحمل قوله: "صلّى ركعتين ثم ركعتين" أي: قبل أن ينام ويكون منها سُنة العشاء. وقوله: "ثم ركعتين بعد أن قام" وسيأتي نحو هذا الجمع في حديث عائشة في أبواب صلاة الليل -إن شاء الله تعالى- وجمع الكرماني بين ما اختلف من روايات قصة ابن عباس هذه باحتمال أن يكون بعض رواته ذكر القدر الذي اقتدى ابن عباس به فيه، وفصله عما لم يقتدِ به فيه وبعضهم ذكر الجميع مجملًا. وقوله: "ثم اضطجعَ حتى جاءَه المؤذّن فقام فصلَّى ركعتين" المؤذن هو بلال كما مرّ وسيأتي قبيل أبواب التطوع ما قيل في الاضطجاع هل كان قبل ركعتي الفجر أو بعدهما. وقوله: "ثم خرج فصلّى الصُّبح" أي بالجماعة. وزاد سلمة بن كهيل عن كريب كما يأتي في

стр. 4797

"الدعوات" وكان من دعائه اللهم اجعل في قلبي نورًا الحديث. وفوائد هذا الحديث باعتبار طرقه المذكورة قد تقدم منها طرف عند ذكره في باب (السمر في العلم) من كتاب "العلم" والباقي منها: فيه جواز إعطاء بني هاشم من الصدقة، وهو محمول على التطوع ويحتمل أن يكون إعطاؤه العباس ليتولى صرفه في مصالح غيره ممن يحل له أخذ ذلك. وفيه جواز تقاضي الوعد وإن كان من وعد به مقطوعًا بوفائه. وفيه مشروعية التنفل بين المغرب والعشاء، وفضل صلاة الليل ولاسيما في النصف الثاني. والبداءة بالسواك واستحبابه عند كل وضوء وكل صلاة وتلاوة آخر آل عمران عند القيام إلى صلاة الليل. واستحباب غسل الوجه واليدين لمن أراد النوم وهو محدث ولعله المراد بالوضوء للجُنب قلت: ليس في شيء من طرق هذا الحديث أنه ﵊ كان جُنبًا. وفيه جواز الاغتراف من الماء القليل؛ لأن الإناء المذكور كان قصعة أو صحفة. واستحباب التقليل من الماء في التطهير مع حصول الإسباغ وجواز التصغير والذكر بالصفة كما مرّ في باب (السمر في العلم) حيث قال: نام الغليم. وفيه اتخاذ مؤذن راتب للمسجد وإعلام المؤذن الإمام بحضور وقت الصلاة واستدعاؤه لها، والاستعانة باليد في الصلاة وتكرار ذلك. فيه مشروعية الجماعة في النافلة الائتمام بمن لم ينو الإمامة، وبيان موقف الإمام والمأموم. وقد مرّ ذلك في أبواب الإمامة، واستدل به على أن الأحاديث الواردة في كراهية قراءة القرآن على غير وضوء ليست على العموم في جميع الأحوال. وأجيب بأن نومه كان لا ينقض وضوءه كما ورد بحثه مستوفى في باب (السمر في العلم) فلا يتم الاستدلال به إلا أن يثبت أنه قرأ الآيات بين قضاء الحاجة والوضوء. رجاله خمسة: وفيه ذكر أُمنا ميمونة مرّ الجميع: مرّ عبد الله بن مسلمة في الثاني عشر من "الإيمان"، ومرَّ مالك في الثاني من بدء "الوحي" وابن عباس في الخامس منه، ومرَّ مخرمة بن سليمان في الثامن والأربعين من "الوضوء"، ومرَّ كريب في الرابع من "الوضوء"، ومرّت أُمنا ميمونة في الثامن والخمسين من "العلم"، وهذا الحديث تكرر كثيرًا ومرَّ الكلام عليه في "العلم".

стр. 4798

الحديث الثالث حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ صَلاَةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَنْصَرِفَ فَارْكَعْ رَكْعَةً تُوتِرُ لَكَ مَا صَلَّيْتَ. قَالَ الْقَاسِمُ وَرَأَيْنَا أُنَاسًا مُنْذُ أَدْرَكْنَا يُوتِرُونَ بِثَلاَثٍ، وَإِنَّ كُلاًّ لَوَاسِعٌ أَرْجُو أَنْ لاَ يَكُونَ بِشَيْءٍ مِنْهُ بَأْسٌ. قوله: "قال القاسم" هو بالإسناد المذكور كذلك أخرجه أبو نعيم في "مستخرجه"، ووهم من زعم أنه معلق. وقوله: "منذ أدركنا" أي: بلغنا الحلم أو عقلنا، وهذا الحديث قد استوفيت مباحثه عند ذكر حديث ابن عباس في باب (قراءة القرآن بعد الحدث) وغيره من كتاب "الوضوء". رجاله ستة: قد مرّوا: مرّ يحيى بن سليمان في الخامس والخمسين من "العلم"، ومرّ عبد الله بن وهب في الثالث عشر منه، ومرّ عمرو بن الحارث في السابع والستين من "الوضوء"، ومرّ عبد الرحمن في السادس عشر من "الغسل" وأبوه القاسم في الحادي عشر منه، ومرّ ابن عمر في أول "الإيمان" قبل حديث منه.

стр. 4799

الحديث الرابع حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، كَانَتْ تِلْكَ صَلاَتَهُ تَعْنِي بِاللَّيْلِ فَيَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاَةِ الْفَجْرِ، ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ لِلصَّلاَةِ. أراد البخاري بإيراد الحديث هنا بيان أن لا معارضة بينه وبين حديث ابن عباس إذ ظاهر حديث ابن عباس فصل الوتر وهذا محتمل الأمرين. وهذا الحديث أخرجه هنا وأعاده إسنادًا ومتنًا في كتاب "صلاة الليل"، وأخرج هناك حديثها عن مسروق "قال: سألت عائشة عن صلاةِ رسولِ الله ﷺ فقالت: سبعٌ وتسعٌ وإحدى عشرة سوى ركعتي الفجر"، وحديثها عن القاسم قالت: "كانَ يصلِّي من الليلِ ثلاثَ عشرةَ منها الوترُ وركعتا الفجر". وفي رواية لمسلم من هذا الوجه "كانت صلاتُهُ عشرَ ركعات ويوتُر بسجدةٍ، ويركعُ ركعتي الفجرِ فتلك ثلاث عشرةَ". فأما ما أجابت به مسروقًا فمرادها أن ذلك وقع منه في أوقات مختلفة فتارة كان يصلي سبعًا، وتارة تسعًا، وتارة إحدى عشرة. وأما حديث القاسم عنها فمحمول على أن ذلك كان غالب حاله وسيأتي في التهجد عن أبي سلمة عنها أن ذلك كان أكثر ما يصليه في الليل ولفظه: "ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة" الحديث وفيه ما يدل على أن ركعتي الفجر من غيرها فهو مطابق لرواية القاسم. وأما مارواه الزهري عن عروة عنها كما سيأتي في التهجد في باب ما يقرأ في ركعتي الفجر بلفظ "كان يصلي بالليل ثلاثَ عشرةَ ركعة" ثم يصلي إذا سمعَ النداء بالصُّبحِ ركعتين خفيفتين فظاهره يخالف ما تقدم فيحتمل أن تكون أضافت إلى صلاة الليل سُنّة العشاء، لكونه كان يصليها في بيته أو ما كان يفتتح به صلاة الليل، فقد ثبت عند مسلم عن سعد بن هشام عنها أنه كان يفتتحها بركعتين خفيفتين وهذا أرجح؛ لأن رواية أبي سلمة التي دلت على الحصر في إحدى عشرة جاء في صفتها عند المصنف وغيره يصلي أربعًا ثم أربعًا ثم ثلاثًا، فدل على أنها لم تتعرض للركعتين الخفيفتين وتعرضت لهما في رواية الزهري والزيادة من الحافظ مقبولة، وبهذا يجمع بين الروايات

стр. 4800

وينبغي ان يستحضر ما ذكر من الاختلاف في الركعتين بعد الوتر هل هما الركعتان بعد الفجر أو صلاة مفردة بعد الوتر؟ ويؤيده ما وقع عند أحمد وأبي داود عن عبد الله بن أبي قيس عن عائشة بلفظ "كان يوتر بأربع وثلاثٍ وستٍ وثلاثٍ وثمانٍ وثلاث وعشر وثلاثٍ، ولم يكن يوترُ بأكثر منْ ثلاثَ عشرةَ ولا بأنقصَ مِنْ سبع"، وهذا أصح ما قيل في ذلك وبه يجمع بين ما اختلف عن عائشة من ذلك. قال القرطبي: أشكلت روايات عائشة على كثير من أهل العلم حتى نسب بعضهم حديثها إلى الاضطراب، وهذا إنما يتم لو كان الراوي عنها واحدًا أو أخبرت عن وقت واحد، والصواب أن كل شيء ذكرته من ذلك محمول على أوقات متعددة وأحوال مختلفة بحسب النشاط وبيان الجواز، ويظهر أن الحكمة في عدم الزيادة على إحدى عشرة أن التهجد والوتر مختص بصلاة الليل وفرائض النهار الظهر وهي أربع والعصر وهي أربع والمغرب وهي ثلاث وتر النهار، فناسب أن تكون صلاة الليل كصلاة النهار في العدد جملة وتفصيلًا. وأما مناسبة ثلاث عشرة فبضم صلاة الصبح لكونها نهارية إلى ما بعدها. قلت: ما ذكر من جعل المغرب وتر النهار وهي ليلية بعيد جدًا. وقوله في الحديث: "قدر ما يقرأ أحدكم خمسينَ آية" قد تقدم من حديثها في أبواب صفة الصلاة أنه ﵊ "كان يكثرُ أنْ يقولَ: في ركوعِهِ وسجودِهِ سبحانكَ اللَّهُمَّ وبحمدِكَ، اللَّهُمَّ اغفرْ لي". وفي "مسند أحمد" عنها قالت: "كان رسولُ اللهِ ﷺ يقولُ في صلاةِ الليل في سجودِهِ: سبحانكَ لا إله إلا أنتَ". وقوله: "ثم يضطجعُ على شقه الأيمن حتى يأتيهِ المنادي للصلاة" قد مرّ استيفاء الكلام على الضجعة بعد ركعتي الفجروعلى تخفيف ركعتي الفجر بما يكفي عند حديث عائشة في باب (منْ انتظر الإِقامة) من كتاب "الأذان". رجاله خمسة: قد مرّوا: مرّ أبو اليمان وشعيب في السابع من "بدء الوحي"، والزهري في الثالث منه، وعروة وعائشة في الثاني منه، والمؤذن بلال وقد مرّ في التاسع والثلاثين من "العلم". أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي. ثم قال المصنف:
следующие страницы →