Полный текст (6 753 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.
стр. 4796
وأما ما في روايتهما من الفصل والوصل، فرواية سعيد صريحة في الوصل ورواية كريب محتملة، فتحمل على رواية سعيد.
وأما قوله في رواية طلحة بن نافع "يسلم من كل ركعتين" فيحتمل تخصصه بالثمان فيوافق رواية سعيد ويؤيده رواية يحيى بن الجزار الآتية، وليس في شيء من طرق حديث ابن عباس مما يخالف ذلك؛ لأن أكثر الرواة عنه لم يذكروا عددًا ومن ذكر منهم عددًا لم يزد على ثلاث عشرة، ولم ينقص عن إحدى عشرة إلا أن في رواية علي بن عبد الله بن عباس عند مسلم ما يخالفه فإن فيه "فصلّى ركعتين أطالَ فيهما ثم انصرف فنامَ حتى نفخَ ففعلَ ذلكَ ثلاثَ مراتٍ بست ركعاتٍ كلُّ ذلك يستاكُ ويتوضأ ويقرأ هؤلاءِ الآيات يعني آخر آل عمران ثم أوترَ بثلاثٍ فأذَّنَ المؤذن فخرجَ إلى الصلاة".
فزاد على الرواية تكرير الوضوء وما معه ونقص عنه ركعتين أو أربعًا، ولم يذكر ركعتي الفجر أيضًا ولعل ذلك من الراوي عنه حبيب بن أبي ثابت فإن فيه مقالًا، وقد اختلف عليه فيه في إسناده ومتنه اختلافًا تقدم ذكر بعضه، ويحتمل أن يكون لم يذكر الأربع الأول كما لم يذكر حكم الثمان كما مرّ، وأما سنة الفجر فقد ثبت ذكرها من طريق أخرى عن علي بن عبد الله عند أبي داود، والحاصل أن قصة مبيت ابن عباس يغلب على الظن عدم تعددها؛ فلهذا ينبغي الاعتناء بالجمع بين مختلف الروايات فيها, ولا شك بأن الأخذ بما اتفق عليه الأكثر والأحفظ أولى مما خالفهم فيه من هو دونهم ولاسيما إن زاد أو نقص والمحقق من عدد صلاته في تلك الليلة إحدى عشرة ركعة.
وأما رواية ثلاث عشرة فيحتمل أن يكون منها سُنَّة العشاء، ويوافق سُنَّة العشاءِ ويوافق ذلك رواية أبي جمرة عن ابن عباس الآتية في صلاة الليل بلفظ "كانت صلاةُ النبي ﷺ ثلاثَ عشرةَ يعني بالليل، ولم يبين هل سُنة الفجر منها أم لا، وبيّنها يحيى بن الجزار عن ابن عباس عند النسائي بلفظ: "كان يصلِّي ثمانِ ركعاتٍ ويوترُ بثلاثٍ ويصلّي ركعتين قبل صلاةِ الصبح"، ولا يعكر على هذا الجمع إلا ظاهر سياق الباب، فيمكن أن يحمل قوله: "صلّى ركعتين ثم ركعتين" أي: قبل أن ينام ويكون منها سُنة العشاء.
وقوله: "ثم ركعتين بعد أن قام" وسيأتي نحو هذا الجمع في حديث عائشة في أبواب صلاة الليل -إن شاء الله تعالى- وجمع الكرماني بين ما اختلف من روايات قصة ابن عباس هذه باحتمال أن يكون بعض رواته ذكر القدر الذي اقتدى ابن عباس به فيه، وفصله عما لم يقتدِ به فيه وبعضهم ذكر الجميع مجملًا.
وقوله: "ثم اضطجعَ حتى جاءَه المؤذّن فقام فصلَّى ركعتين" المؤذن هو بلال كما مرّ وسيأتي قبيل أبواب التطوع ما قيل في الاضطجاع هل كان قبل ركعتي الفجر أو بعدهما.
وقوله: "ثم خرج فصلّى الصُّبح" أي بالجماعة. وزاد سلمة بن كهيل عن كريب كما يأتي في
стр. 4797
"الدعوات" وكان من دعائه اللهم اجعل في قلبي نورًا الحديث.
وفوائد هذا الحديث باعتبار طرقه المذكورة قد تقدم منها طرف عند ذكره في باب (السمر في العلم) من كتاب "العلم" والباقي منها:
فيه جواز إعطاء بني هاشم من الصدقة، وهو محمول على التطوع ويحتمل أن يكون إعطاؤه العباس ليتولى صرفه في مصالح غيره ممن يحل له أخذ ذلك.
وفيه جواز تقاضي الوعد وإن كان من وعد به مقطوعًا بوفائه.
وفيه مشروعية التنفل بين المغرب والعشاء، وفضل صلاة الليل ولاسيما في النصف الثاني.
والبداءة بالسواك واستحبابه عند كل وضوء وكل صلاة وتلاوة آخر آل عمران عند القيام إلى صلاة الليل.
واستحباب غسل الوجه واليدين لمن أراد النوم وهو محدث ولعله المراد بالوضوء للجُنب قلت: ليس في شيء من طرق هذا الحديث أنه ﵊ كان جُنبًا.
وفيه جواز الاغتراف من الماء القليل؛ لأن الإناء المذكور كان قصعة أو صحفة.
واستحباب التقليل من الماء في التطهير مع حصول الإسباغ وجواز التصغير والذكر بالصفة كما مرّ في باب (السمر في العلم) حيث قال: نام الغليم.
وفيه اتخاذ مؤذن راتب للمسجد وإعلام المؤذن الإمام بحضور وقت الصلاة واستدعاؤه لها، والاستعانة باليد في الصلاة وتكرار ذلك.
فيه مشروعية الجماعة في النافلة الائتمام بمن لم ينو الإمامة، وبيان موقف الإمام والمأموم. وقد مرّ ذلك في أبواب الإمامة، واستدل به على أن الأحاديث الواردة في كراهية قراءة القرآن على غير وضوء ليست على العموم في جميع الأحوال. وأجيب بأن نومه كان لا ينقض وضوءه كما ورد بحثه مستوفى في باب (السمر في العلم) فلا يتم الاستدلال به إلا أن يثبت أنه قرأ الآيات بين قضاء الحاجة والوضوء.
رجاله خمسة:
وفيه ذكر أُمنا ميمونة مرّ الجميع: مرّ عبد الله بن مسلمة في الثاني عشر من "الإيمان"، ومرَّ مالك في الثاني من بدء "الوحي" وابن عباس في الخامس منه، ومرَّ مخرمة بن سليمان في الثامن والأربعين من "الوضوء"، ومرَّ كريب في الرابع من "الوضوء"، ومرّت أُمنا ميمونة في الثامن والخمسين من "العلم"، وهذا الحديث تكرر كثيرًا ومرَّ الكلام عليه في "العلم".
стр. 4798
الحديث الثالث
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ صَلاَةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَنْصَرِفَ فَارْكَعْ رَكْعَةً تُوتِرُ لَكَ مَا صَلَّيْتَ. قَالَ الْقَاسِمُ وَرَأَيْنَا أُنَاسًا مُنْذُ أَدْرَكْنَا يُوتِرُونَ بِثَلاَثٍ، وَإِنَّ كُلاًّ لَوَاسِعٌ أَرْجُو أَنْ لاَ يَكُونَ بِشَيْءٍ مِنْهُ بَأْسٌ.
قوله: "قال القاسم" هو بالإسناد المذكور كذلك أخرجه أبو نعيم في "مستخرجه"، ووهم من زعم أنه معلق.
وقوله: "منذ أدركنا" أي: بلغنا الحلم أو عقلنا، وهذا الحديث قد استوفيت مباحثه عند ذكر حديث ابن عباس في باب (قراءة القرآن بعد الحدث) وغيره من كتاب "الوضوء".
رجاله ستة:
قد مرّوا: مرّ يحيى بن سليمان في الخامس والخمسين من "العلم"، ومرّ عبد الله بن وهب في الثالث عشر منه، ومرّ عمرو بن الحارث في السابع والستين من "الوضوء"، ومرّ عبد الرحمن في السادس عشر من "الغسل" وأبوه القاسم في الحادي عشر منه، ومرّ ابن عمر في أول "الإيمان" قبل حديث منه.
стр. 4799
الحديث الرابع
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، كَانَتْ تِلْكَ صَلاَتَهُ تَعْنِي بِاللَّيْلِ فَيَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاَةِ الْفَجْرِ، ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ لِلصَّلاَةِ.
أراد البخاري بإيراد الحديث هنا بيان أن لا معارضة بينه وبين حديث ابن عباس إذ ظاهر حديث ابن عباس فصل الوتر وهذا محتمل الأمرين. وهذا الحديث أخرجه هنا وأعاده إسنادًا ومتنًا في كتاب "صلاة الليل"، وأخرج هناك حديثها عن مسروق "قال: سألت عائشة عن صلاةِ رسولِ الله ﷺ فقالت: سبعٌ وتسعٌ وإحدى عشرة سوى ركعتي الفجر"، وحديثها عن القاسم قالت: "كانَ يصلِّي من الليلِ ثلاثَ عشرةَ منها الوترُ وركعتا الفجر".
وفي رواية لمسلم من هذا الوجه "كانت صلاتُهُ عشرَ ركعات ويوتُر بسجدةٍ، ويركعُ ركعتي الفجرِ فتلك ثلاث عشرةَ".
فأما ما أجابت به مسروقًا فمرادها أن ذلك وقع منه في أوقات مختلفة فتارة كان يصلي سبعًا، وتارة تسعًا، وتارة إحدى عشرة.
وأما حديث القاسم عنها فمحمول على أن ذلك كان غالب حاله وسيأتي في التهجد عن أبي سلمة عنها أن ذلك كان أكثر ما يصليه في الليل ولفظه: "ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة" الحديث وفيه ما يدل على أن ركعتي الفجر من غيرها فهو مطابق لرواية القاسم.
وأما مارواه الزهري عن عروة عنها كما سيأتي في التهجد في باب ما يقرأ في ركعتي الفجر بلفظ "كان يصلي بالليل ثلاثَ عشرةَ ركعة" ثم يصلي إذا سمعَ النداء بالصُّبحِ ركعتين خفيفتين فظاهره يخالف ما تقدم فيحتمل أن تكون أضافت إلى صلاة الليل سُنّة العشاء، لكونه كان يصليها في بيته أو ما كان يفتتح به صلاة الليل، فقد ثبت عند مسلم عن سعد بن هشام عنها أنه كان يفتتحها بركعتين خفيفتين وهذا أرجح؛ لأن رواية أبي سلمة التي دلت على الحصر في إحدى عشرة جاء في صفتها عند المصنف وغيره يصلي أربعًا ثم أربعًا ثم ثلاثًا، فدل على أنها لم تتعرض للركعتين الخفيفتين وتعرضت لهما في رواية الزهري والزيادة من الحافظ مقبولة، وبهذا يجمع بين الروايات
стр. 4800
وينبغي ان يستحضر ما ذكر من الاختلاف في الركعتين بعد الوتر هل هما الركعتان بعد الفجر أو صلاة مفردة بعد الوتر؟
ويؤيده ما وقع عند أحمد وأبي داود عن عبد الله بن أبي قيس عن عائشة بلفظ "كان يوتر بأربع وثلاثٍ وستٍ وثلاثٍ وثمانٍ وثلاث وعشر وثلاثٍ، ولم يكن يوترُ بأكثر منْ ثلاثَ عشرةَ ولا بأنقصَ مِنْ سبع"، وهذا أصح ما قيل في ذلك وبه يجمع بين ما اختلف عن عائشة من ذلك.
قال القرطبي: أشكلت روايات عائشة على كثير من أهل العلم حتى نسب بعضهم حديثها إلى الاضطراب، وهذا إنما يتم لو كان الراوي عنها واحدًا أو أخبرت عن وقت واحد، والصواب أن كل شيء ذكرته من ذلك محمول على أوقات متعددة وأحوال مختلفة بحسب النشاط وبيان الجواز، ويظهر أن الحكمة في عدم الزيادة على إحدى عشرة أن التهجد والوتر مختص بصلاة الليل وفرائض النهار الظهر وهي أربع والعصر وهي أربع والمغرب وهي ثلاث وتر النهار، فناسب أن تكون صلاة الليل كصلاة النهار في العدد جملة وتفصيلًا. وأما مناسبة ثلاث عشرة فبضم صلاة الصبح لكونها نهارية إلى ما بعدها.
قلت: ما ذكر من جعل المغرب وتر النهار وهي ليلية بعيد جدًا.
وقوله في الحديث: "قدر ما يقرأ أحدكم خمسينَ آية" قد تقدم من حديثها في أبواب صفة الصلاة أنه ﵊ "كان يكثرُ أنْ يقولَ: في ركوعِهِ وسجودِهِ سبحانكَ اللَّهُمَّ وبحمدِكَ، اللَّهُمَّ اغفرْ لي".
وفي "مسند أحمد" عنها قالت: "كان رسولُ اللهِ ﷺ يقولُ في صلاةِ الليل في سجودِهِ: سبحانكَ لا إله إلا أنتَ".
وقوله: "ثم يضطجعُ على شقه الأيمن حتى يأتيهِ المنادي للصلاة" قد مرّ استيفاء الكلام على الضجعة بعد ركعتي الفجروعلى تخفيف ركعتي الفجر بما يكفي عند حديث عائشة في باب (منْ انتظر الإِقامة) من كتاب "الأذان".
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرّ أبو اليمان وشعيب في السابع من "بدء الوحي"، والزهري في الثالث منه، وعروة وعائشة في الثاني منه، والمؤذن بلال وقد مرّ في التاسع والثلاثين من "العلم". أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي. ثم قال المصنف:
стр. 4801
باب ساعات الوتر
أي: أوقاته، ومحصل ما ذكره أن الليل كله وقت للوتر، لكن أجمعوا على أن ابتداءه مغيب الشفق بعد صلاة العشاء نقله ابن المنذر، لكن أطلق بعضهم أنه يدخل بدخول العشاء قالوا: ويظهر أثر الخلاف فيمن صلى العشاء وبان أنه كان بغير طهارة ثم صلّى الوتر متطهرًا أو ظن أنه صلّى العشاء فصلَّى الوتر، فإنه يجزىء على هذا القول دون الأول.
ثم قال: "وقال أبو هريرة: أوصاني رسولُ الله ﷺ بالوتر قبلَ النوم". ولا معارضة بين وصية أبي هريرة بالوتر قبل النوم، وبين قول عائشة الآتي قريبًا وانتهى وتره إلى السحر؛ لأن الأول لإرادة الاحتياط والآخرة لمن علم من نفسه قوة لما ورد في حديث جابر عند مسلم ولفظه: "من طمعَ منكم أن يقومَ آخرَ الليل فليوترْ من آخرِهِ فإن صلاة آخر الليلِ مشهودةٌ وذلكَ أفضلُ، ومنْ خافَ منكم أن لا يقومَ مِنْ آخرِ اللَيلِ فليوترْ مِنْ أوله"، ويأتي قريبًا تمام هذا.
وهذا التعليق طرف من حديث أورده البخاري من طريق أبي عثمان عن أبي هريرة في أبواب التطوع، وأخرجه إسحاق بن راهويه في "مسنده" من هذا الوجه، وأخرجه أحمد من وجه آخر عن أبي هريرة، وقد مرّ أبو هريرة في الثاني من "الإيمان".
стр. 4802
الحديث الخامس
حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ: أَرَأَيْتَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاَةِ الْغَدَاةِ أُطِيلُ فِيهِمَا الْقِرَاءَةَ؟ فَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ وَيُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاَةِ الْغَدَاةِ وَكَأَنَّ الأَذَانَ بِأُذُنَيْهِ. قَالَ حَمَّادٌ: أَيْ سُرْعَةً.
قوله: "أرأيت" أي أخبرني.
وقوله: "يصلي من الليل مثنى مثنى" استدل به على فضل الفصل، لكونه أمر بذلك وفعله، وأما الوصل فورد من فعله فقط.
وقوله: "ويوتر بركعة" لم يعين وقتها، وبيّنت عائشة أنه فعل ذلك في جميع أجزاء الليل، والسبب في ذلك ما سيذكر في الباب الذي بعده.
وقوله: "وكأنَّ الأذان" بتشديد نون (كأنّ).
وقوله: "بأذنيه" أي: لقرب صلاته من الأذان، والمراد به هنا الإقامة فالمعنى أنه كان يسرع بركعتي الفجر إسراع من يسمع إقامة الصلاة خشية فوات أول الوقت، ومقتضى ذلك تخفيف القراءة فيهما فيحصل به الجواب عن سؤال أنس بن سيرين عن قدر القراءة فيهما. وفي رواية مسلم أن أنسًا قال لابن عمر: "إني لست عن هذا أسألك، قال: إنك لضخم ألا تدعني أستقري لك" الحديث، ويستفاد من هذا جواب السائل بأكثر مما سأل عنه إذا كان مما يحتاج إليه. ومن قوله: "إنك لضخم" أن السمين في الغالب يكون قليل الفهم.
قوله: "قال حماد" أي: ابن زيد الراوي وهو بالسند المذكور.
وقوله: "بسرعة" كذا لأبوي ذر والوقت وابن شبويه ولغيرهم "سرعة" بغير موحدة وهو تفسير من الراوي لقوله: "كأنَّ الأذان بأذنيه".
رجاله أربعة:
قد مرّوا: مرّ أبو النعمان في الحادي والخمسين من "الإيمان" ومرّ حماد بن زيد في الرابع والعشرين منه، ومرّ ابن عمر في أول كتاب "الإيمان" قبل ذكر حديث منه، ومرّ أنس ابن سيرين في
стр. 4803
الرابع والعشرين من "الجماعة".
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والقول، ورواته كلهم بصريون. أخرجه مسلم في "الصلاة" وكذا الترمذي وابن ماجه.
стр. 4804
الحديث السادس
حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي مُسْلِمٌ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُلَّ اللَّيْلِ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ.
قوله: "كل الليل" بنصب كل على الظرفية وبالرفع على أنه مبتدأ والجملة خبره والتقدير أوتر فيه. ولمسلم عن مسروق "مِنْ كلِّ الليل قد أوترَ رسول الله ﷺ مِنْ أولِ الليلِ وأوسطه وآخرهِ فانتهى وترُهُ إلى السَّحَرِ" والمراد بأول الليل بعد صلاة العشاء كما مرّ.
وقوله: "إلى السحر" زاد أبو داود والترمذي "حين مات" ويحتمل أن يكون اختلاف وقت الوتر باختلاف الأحوال فحيث أوتر في أوله لعله كان وجعًا، وحيث أوتر وسطه لعله كان مسافرًا، وأما وتره في آخره فكأنه كان غالب أحواله لما عرف من مواظبته على الصلاة في أكثر الليل، والسحر قبيل الصبح.
وحكى الماوردي أنه السدس الأخير، وقيل أوله الفجر الأول. وفي رواية طلحة بن نافع عن ابن عباس عند ابن خزيمة "فلما انفجرَ قامَ فأوترَ بركعةٍ" قال ابن خزيمة المراد به الفجر الأول.
وروى أحمد عن معاذ مرفوعًا زادني ربي صلاةً وهي الوترُ ووقتُها من العشاءِ إلى طلوع الفجر" وفي إسناده ضعف إلى آخر ما مرّ في باب (قراءة القرآن بعد الحدث) وغيره من كتاب "الوضوء".
وقد قال ﵊ لأبي بكر: "متى توترُ؟ قال: أولَ الليلِ. وقال لعمر: متى توتر؟ قال آخرَ الليلِ. فقال لأبي بكر: أخذت بالحزم وقال لعمر أخذت بالقوة". واستشكل اختيار الجمهور لفعل عمر في ذلك مع أن أبا بكر أفضل منه. وأجيب بأنهم فهموا من الحديث ترجيح فعل عمر؛ لأن وصفه بالقوة وهي أفضل من الحزم لمن أعطيها. وقد قال المحاملي: وقتها المختار إلى نصف الليل، وقال القاضي أبو الطيب وغيره: إلى نصفه أو ثلثه، والأقرب فيهما أن يقال إلى بعيد ذلك ليجامع وقت العشاء المختار مع أن ذلك منافٍ لقولهم: يُسن جعله آخر صلاة الليل وقد علم أن التهجد في النصف الثاني أفضل فيكون مستحبًا ووقته مختار إلى ما ذكر. وحمل البلقيني ذلك على من لا يريد التهجد.
قلت: ومذهب مالك أن وقته المختار بعد عشاء صحيحة وشفق إلى الفجر الصادق وما بعد ذلك إلى طلوع الشمس ضروري، لكن لابد أن يؤدى قبل صلاة الصبح فانتهاء ضروريه هو
стр. 4805
الشروع في صلاة الصبح.
رجاله ستة:
قد مرّوا: مرّ عمر بن حفص وأبوه حفص في الثاني عشر من "الغسل"، ومرّ الأوزاعي في العشرين من "العلم"، ومرّ أبو الضحى مسلم في الخامس عشر من كتاب "الصلاة"، ومرّ مسروق في السابع والعشرين من "الإيمان"، ومرّت عائشة في الثاني من "بدء الوحي"، ومرّ الأعمش في الخامس والعشرين من "الإِيمان".
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والقول، ورواته كلهم كوفيون وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض. أخرجه مسلم وأبو داود في "الصلاة". ثم قال المصنف:
باب إيقاظ النبي ﷺ أهله بالوتر في رواية الكشميهني للوتر
الحديث السابع
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، وَأَنَا رَاقِدَةٌ مُعْتَرِضَةً عَلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِي فَأَوْتَرْتُ.
قوله: "أيقظني فأوترت" أي: فقمت فتوضأت فأوترت، واستدل به على استحباب جعل الوتر آخر الليل سواء المتهجد وغيره، ومحله إذا وثق أن يستيقظ بنفسه أو بإيقاظ غيره. وهذا الحديث قد مرّ بعينه في باب (الصلاة خلف النائم) من أبواب "سترة المصلّي"، وقد مرّ الكلام عليه هناك وفي باب (الصلاة على الفراش).
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرّ مسدد ويحيى القطان في السادس من "الإيمان"، ومرّ هشام وأبوه عروة وعائشة في الثاني من "بدء الوحي". ثم قال المصنف:
باب ليجعلْ آخر صلاته وترًا
стр. 4806
الحديث الثامن
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قال: حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: اجْعَلُوا آخِرَ صَلاَتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا.
وهذا الحديث قد مرّ الكلام عليه مستوفى في أثناء الحديث الأول في باب (الحلَق في المسجد) عند أول ذكره هناك، وفي باب (قراءة القرآن بعد الحدث) وغيره من كتاب "الوضوء".
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرّ محل مسدد ويحيى في الذي قبله، ومرّ عبيد الله العمري في الرابع عشر من "الوضوء"، ومرّ نافع في الأخير من "العلم"، ومرّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث. أخرجه مسلم وأبو داود في "الصلاة". ثم قال المصنف:
باب الوتر على الدابة
لما كان حديث عائشة في إيقاظها للوتر وحديث ابن عمر في الأمر بالوتر آخر الليل قد تمسك بهما بعض من ادعى وجوب الوتر، عقبهما المصنف بحديث ابن عمر الدال على أنه ليس بواجب فذكره في ترجمتين: إحداهما تدل على كونه نفلًا، والثانية تدل على أنه آكد من غيره.
الحديث التاسع
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ فَقَالَ سَعِيدٌ: فَلَمَّا خَشِيتُ الصُّبْحَ نَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ، ثُمَّ لَحِقْتُهُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَيْنَ كُنْتَ؟ فَقُلْتُ: خَشِيتُ الصُّبْحَ، فَنَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَلَيْسَ لَكَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ؟ فَقُلْتُ: بَلَى وَاللَّهِ. قَالَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُوتِرُ عَلَى الْبَعِيرِ.
قوله: "أما لك في رسول الله أسوة" فيه إرشاد العالم لرفيقه ما قد يخفى عليه من السُّنن.
وقوله: "بلى والله" فيه الحلف على الأمر الذاتيّ أو تأكيده.
وقوله: "كان يوتر على البعير" قال الزين بن المنير ترجم بالدابة تنبيهًا على أن لا فرق بينها وبين البعير في الحكم، والجامع بينهما أن الفرض لا يجزىء على واحد منهما, ولعل البخاري أشار إلى ما في بعض طرقه فسيأتي في قصر الصلاة "عن سالم عن أبيه أنه كان يصلي من الليل على دابته وهو مسافر".
стр. 4807
وروى محمد بن نصر عن ابن جريج قال: "حدثنا نافع أن ابن عمر كان يوتر على دابته". قال وأخبرني "موسى بن عقبة عن نافع أن ابن عمر كان يخبر أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك".
رجاله خمسة:
مرّ منهم إسماعيل بن أبي أويس في الخامس عشر من "الإيمان" ومالك في الثاني من "بدء الوحي"، وابن عمر ذكر الآن محله الرابع أبو بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي المدني. قال الخليلي: لا يوقف له على اسم وهو مدني ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به لا يسمى، وقال القاسم اللالكائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات" له عندهم حديث واحد في الوتر على الدابة. أرسل عن جد أبيه. وروى عن عم أبيه سالم وأبي الحباب سعيد بن يسار ونافع وغيرهم، وروى عنه مالك وإبراهيم بن طهمان وعبيد الله بن عمر العمري وغيرهم الخامس سعيد بن يسار أبو الحُباب بضم الحاء المدني مولى ميمونة وقيل مولى شقران أو مولى الحسن بن علي. وقيل مولى بني النجار والصحيح أنه غير سعيد بن مرجانة.
قال ابن معين وأبو زرعة والنسائي. ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال ابن عبد البر: لا يختلفون في توثيقه.
روى عن أبي هريرة وعائشة وابن عباس وابن عمر وغيرهم، وروى عنه سعيد المقبري وسهيل بن أبي صالح ويحيى بن سعيد وأبو طوالة وربيعة وغيرهم.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول ورواته كلهم مدنيون. آخرجه مسلم في "الصلاة" وكذا الترمذي والنسائي وابن ماجه. ثم قال المصنف:
باب الوتر في السفر
أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من قال إنه لا يُسن في السفر، وهو منقول عن الضحاك وأما قول ابن عمر "لو كنت مسبحًا في السفر لأتممت" كما أخرجه مسلم وأبو داود عن حفص بن عاصم عنه فإنما أراد به راتبة المكتوبة لا النافلة المقصودة كالوتر وذلك بين من ساق الحديث المذكور. فقد رواه الترمذي من وجه آخر بلفظ: "سافرتُ مع النبيِّ ﷺ وأبي بكر وعمرَ وعثمانَ فكانوا يصلُّونَ الظهرَ والعصرَ ركعتينِ لا يصلُّون قبلَها ولا بعدها فلو كنت مصلّيًا قبلَها أو بعدَها لأتممتُ". ويحتمل أن تكون التفرقة بين نوافل النهار ونوافل الليل فإن ابن عمر كان يتنفل على راحلته وعلى دابته في الليل وقد قال مع ذلك ما قال.
стр. 4808
الحديث العاشر
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ، يُومِىءُ إِيمَاءً، صَلاَةَ اللَّيْلِ إِلاَّ الْفَرَائِضَ، وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ".
قوله: "إلا الفرائض" أي: لكن الفرائض بخلاف ذلك فكان لا يصلّيها على الراحلة، واستدل به على أن الوتر ليس بفرض إلى آخر ما مرّ في باب (قراءة القرآن بعد الحدث) وغيره.
رجاله أربعة:
قد مرّوا: مرّ موسى بن إسماعيل المنقري في الخامس من "بدء الوحي"، ومرّ جويرية بن أسماء في الأربعين من "الغسل"، ومرّ نافع في الأخير من العلم، ومرّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حيث منه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والقول والعنعنة، والاثنان الأولان من الرواة بصريان والآخران مدنيان وهو من أفراد البخاري ومن الرباعيات أيضًا. ثم قال المصنف:
باب القنوت قبل الركوع وبعده
القنوت يطلق على معان، والمراد به هنا الدعاء في الصلاة في محل مخصوص من القيام، وقد مرّت منظومة مع جميع مباحث القنوت عند ذكر حديث أنس كان القنوت في المغرب والفجر في باب بلا ترجمة بعد باب (فضل اللهم ربنا لك الحمد) من أبواب (صفة الصلاة).
الحديث الحادي عشر
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ بن سيرين قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ بن مالكٍ: "أَقَنَتَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الصُّبْحِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقِيلَ: أَوَقَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ؟ قَالَ: بَعْدَ الرُّكُوعِ يَسِيرًا".
قوله: "سئل أنس" في رواية إسماعيل عن أيوب عن مسلم "قلت لأنس" فعرف بذلك أنه أبهم نفسه.
وقوله: "فقيل أَوَقنت" في رواية الكشميهني "بغير واو"، وللإسماعيلي "هل قنت".
وقوله: "قبل الركوع" زاد الإسماعيلي "أو" بعد الركوع.
وقوله: "بعد الركوع يسيرًا" قد بيّن عاصم في روايته مقدار هذا اليسير حيث قال فيها: "إنما
стр. 4809
قنت بعد الركوع شهرًا، وهذا الحديث والثلاثة بعده قد مرّت مباحثها مستوفاة في الباب المذكور آنفًا.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرّ مسدد في السادس من "الإيمان" وكذلك أنس، ومرّ حماد بن زيد في الرابع والعشرين منه، ومرّ أيوب في التاسع منه، وابن سيرين في الأربعين منه.
الحديث الثاني عشر
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ الْقُنُوتِ. فَقَالَ: قَدْ كَانَ الْقُنُوتُ. قُلْتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ؟ قَالَ: قَبْلَهُ. قَالَ: فَإِنَّ فُلاَنًا أَخْبَرَنِي عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ: بَعْدَ الرُّكُوعِ. فَقَالَ كَذَبَ، إِنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا أُرَاهُ كَانَ بَعَثَ قَوْمًا يُقَالُ لَهُمُ الْقُرَّاءُ زُهَاءَ سَبْعِينَ رَجُلاً إِلَى قَوْمٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ دُونَ أُولَئِكَ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ فَقَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا يَدْعُو عَلَيْهِمْ.
مرّ الكلام عليه.
رجاله أربعة:
قد مرّوا: مرّ محل مسدد وأنس في الذي قبله، ومرّ عبد الواحد في التاسع والعشرين من "الإيمان"، ومرّ عاصم في الخامس والثلاثين من "الوضوء".
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والسؤال والقول، ورجاله كلهم بصريون وهو من الرباعيات أخرجه البخاري أيضًا في "الجنائز" وفي "المغازي" و"الجزية" و"الدعوات" ومسلم في "الصلاة". وفي الحديث لفظ فلان وهذا الفلان لم يعرف، ويحتمل أن يكون محمد بن سيرين؛ لأنه هو السائل في الحديث السابق، وقد مرّ محله فيه.
الحديث الثالث عشر
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنِ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ عَنْ أَنَسٍ بن مالك قَالَ: "قَنَتَ النَّبِيُّ ﷺ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ".
قوله: "على رِعْلٍ وذَكْوَانَ" حيان من بني سُلَيم غدروا بأصحاب بير معونة وتأتي قصتهم في الغزوات.
стр. 4810
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرّ أحمد بن يونس في التاسع عشر من الإيمان، وأنس في السادس منه، وزائدة في الثاني والعشرين من "الغسل"، وسليمان بن طرخان التيمي في التاسع والستين من "العلم"، ومرَّ أبو مجلز في تعليق بعد الثمانين من "الجماعة والإمامة".
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، والأولان من الرواة كوفيان والباقون بصريون، وفيه رواية تابعي عن تابعي أخرجه البخاري أيضًا في "المغازي"، ومسلم والنسائي في "الصلاة".
الحديث الرابع عشر
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "كَانَ الْقُنُوتُ فِي الْمَغْرِبِ وَالْفَجْرِ".
قد مرّ في الباب المذكور آنفًا عند ذكر هذا الحديث توجيه ذكر المغرب والفجر.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرّ مسدد وأنس في السادس من "الإيمان"، ومرّ إسماعيل بن عُلَيَّة في الثامن منه، وأبو قلابة في التاسع منه، وخالد الحذاء في السابع عشر من "العلم".
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإِفراد والعنعنة والقول، ورواته بصريان وواسطي وشامي، أخرجه البخاري في "الصلاة"، ومسلم والترمذي والنسائي.
خاتمة
اشتملت أبواب الوتر من الأحاديث المرفوعة على خمسة عشر حديثًا منها واحد معلق، المكرر منها فيه وفيما مضى ثمانية أحاديث والخالص سبعة، وافقه مسلم على تخريجها وفيه من الآثار ثلاثة موصولة، والله تعالى أعلم. ثم قال المصنف:
стр. 4811
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أبواب الاستسقاء
باب الاستسقاء وخروج النبي ﷺ في الاستسقاء
هكذا في رواية ابن شبويه بإثبات البسملة، وكذا للمستملي دون البسملة، وسقط ما قبل باب من رواية الحموي والكشميهني، وللأصيلي كتاب "الاستسقاء" فقط.
والاستسقاء لغة طلب سقي الماء من الغير للنفس أو الغير. وشرعًا طلبه من الله تعالى عند حصول الجدب أو العطش على وجه مخصوص.
الحديث الأول
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: "خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَسْقِي وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ".
قوله: "عن عبد الله" سيأتي في باب (تحويل الرداء) التصريح بسماع عبد الله له من عباد.
وقوله: "عن عمه" هو عبد الله بن زيد بن عاصم كما سيأتي صريحًا في الباب المذكور وسياقه أتم.
وقوله: "خرج النبي ﷺ " أي: إلى الُمصلّى كما يأتي التصريح به أيضًا فيه، ويأتي الكلام فيه على كيفية تحويل الرداء.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرّ أبو نعيم في الخامس والأربعين من الإيمان، ومرّ سفيان الثوري في السابع والعشرين منه، ومرّ عبد الله بن أبي بكر الأنصاري في الرابع والعشرين من "الوضوء"، ومرّ عباد بن تميم وعمه في الثالث منه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، والأولان من الرواة كوفيان والبقية مدنيون، وفيه رواية الرجل عن عمه ورواية التابعي عن التابعي، أخرجه البخاري في مواضع في "الاستسقاء" وفي "الدعوات"، ومسلم في "الصلاة" وأخرجوه خلا ابن ماجه من رواية عباد، وأخرجه ابن ماجه عن
стр. 4812
محمد بن الصباح. ثم قال المصنف:
باب دعاء النبي ﷺ اجْعَلْها عليهم سنينَ كسني يُوسفَ
أورد فيه حديث أبي هريرة في دعاء النبي ﷺ في القنوت للمؤمنين والدعاء على الكافرين، وفيه معنى الترجمة.
стр. 4813
الحديث الثاني
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قال: حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ. وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ".
وجه إدخال هذا الحديث في أبواب الاستسقاء التنبيه على أنه كما شرع الدعاء بالاستسقاء للمؤمنين كذلك شرع الدعاء بالقحط على الكافرين لما فيه من نفع الفريقين بإضعاف عدو المؤمنين أو رقة قلوبهم؛ ليذلوا للمؤمنين. وقد ظهر من ثمرة ذلك التجاؤهم للنبي ﷺ أن يدعو لهم برفع القحط كما في الحديث الثاني ويمكن أن يقال إن المراد أن مشروعية الدعاء على الكافرين في الصلاة تقتضي مشروعية الدعاء للمؤمنين فيها، فثبت بذلك صلاة الاستسقاء خلافًا لمن أنكرها.
والمراد "بسني يوسف" ما وقع في زمانه ﵇ من القحط في السنين السبع كما وقع في التنزيل، وقد بيّن ذلك في الحديث الثاني حيث قال: سبعًا كسبعِ يُوسُف" وأضيفت إليه، لكونه الذي أنذر بها أو لكونه الذي قام بأمور الناس فيها.
وقوله: "اللَّهُمَّ اجعلْها سنينَ" في الرواية الماضية في باب يهوي بالتكبير من صفة الصلاة "اللهم اجْعلْها عليهم" والضمير في قوله: "اجعلها" يعود على المدة التي تقع فيها الشدة المعبر عنها بالوطأة وزاد بعد قوله فيها: "كسني يوسف" وأهل المشرق من مضر يومئذ مخالفون له.
وقد مرّ الكلام على هذا الطرف من الحديث في الباب المذكور آنفًا.
وقوله: "وأنّ النبي ﷺ قال: غفار غفر الله لها" الخ هذا حديث آخر، وهو عند المصنف بالإسناد المذكور وكأنه سمعه هكذا فأورده كما سمعه. وقد أخرجه أحمد عن قتيبة كما أخرجه البخاري، ويحتمل أن يكون له تعلق بالترجمة من جهة أن الدعاء على المشركين بالقحط ينبغي أن يخص بمن كان محاربًا دون من كان مسالمًا.
وفي قوله: "غفار غفر الله لها" الخ الدعاء بما يشتق من الاسم كان يقول لأحمد أحمدَ الله
стр. 4814
عاقبتك، ولعلي أعلاك الله وهو من جناس الاشتقاق الذي يلذ على السمع لسهولته وانسجامه، وهو من الاتفاقات اللطيفة ولا يختص بالدعاء بل يأتي مثله في الخبر ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ وهذا اللفظ خبر يراد به الدعاء، ويحتمل أن يكون خبرًا على بابه ويؤيده قوله في آخره كما يأتي في أول المناقب وعصية عصت الله ورسوله، وإنما اختصت القبيلتان بهذا الدعاء؛ لأن غفارًا أسلموا قديمًا وأسلم سالموا النبي ﷺ -وعصية بطن من بني سليم، وإنما قال فيهم ذلك، لأنهم عاهدوه فغدروا كما يأتي في غزوة بير معونة.
وحكى ابن التين أن بني غفار كانوا يسرقون الحاج في الجاهلية، فلما أسلموا دعا لهم النبي ﵊ ليمحى عنهم ذلك العار.
رجاله خمسة:
قد مرّوا إلا المغيرة: مرّ قتيبة في الحادي والعشرين من الإيمان، ومرَّ أبو الزناد والأعرج في السابع منه، وأبو هريرة في الثاني منه، وفيه ذكر عياش وسلمة والوليد وقد مرّوا جميعًا في الرابع والسبعين من "صفة الصلاة".
وأما المغيرة فهو ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي الحزامي المدني، لقبه قصي وقيل إنه من ولد حكيم بن حزام، ذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أحمد: ما بحديثه بأس، وقال أبو داود: رجل صالح كان ينزل (بعسقلان) وقال مرة: لا بأس به، وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال ابن عدي: ينفرد بأحاديث عامتها مستقيمة، وقال الخطيب: كان علامة بالنسب يسمى قصيا. وقال أبو زرعة: هو أحب إليّ من ابن أبي الزناد وشعيب في حديث أبي الزناد.
روى عن أبي الزناد وموسى بن عقبة وربيعة وغيرهم، وروى عنه ابنه عبد الرحمن وأبو عامر العقدي وابن مهدي وغيرهم.
ثم قال: "قال ابنُ أبي الزنادِ عن أبيه هذا كلُّهُ في الصُّبح" يعني أن عبد الرحمن بن أبي الزناد روى هذا الحديث عن أبيه بهذا الإِسناد فبيّن أن الدعاء المذكور كان في الصبح، وهذا ليس بتعليق بل هو رواية للحديث بالإسناد المذكور.
وأبو الزناد مرّ في سند الحديث وولده عبد الرحمن بن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان القرشي مولاهم المدني.
قال مصعب: كاد أبو الزناد أحب أهل المدينة وابنه وابن ابنه، وقال موسى بن سلمة: قدمت المدينة فأتيت مالك بن أنس فقلت له إني قدمت إليك لأسمع العلم منك وممن تأمرني، فقال: عليك بابن أبي الزناد.
وقال أبو داود: كان عالمًا بالقرآن عالمًا بالأخبار. وقال الترمذي والعجلي: ثقة، وصححَ
стр. 4815
الترمذي عدة من أحاديثه وقال في اللباس: ثقة حافظ. وقال الواقدي: كان نبيلًا في علمه وولي خراج المدينة، وكان يستعين بأهل الخير والورع، وكانَ كثير الحديث عالمًا وقال ابن المديني ما حدّث بالمدينة فهو صحيح وما حدّث ببغداد أفسده البغداديون، ورأيت بأن مهدي يخط على أحاديثه.
وقال صالح بن محمد: تكلم فيه مالك لروايته عن أبيه كتاب "السبعة الفقهاء" وكان يقول أين كنا. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق وفي حديثه ضعف. وقال الساجي عن ابن معين: حجة. وقال ابن سعد: قدم في جامعه فسمع منه البغداديون وكان كثير الحديث، وكان يضعف لروايته عن أبيه وكان يفتي. روى عن ابن معين أيضًا ليس ممن يحتج به أصحاب الحديث ليس بشيء، وفي رواية عنه ضعيف يروى عن أبيه وهشام بن عروة وسهيل بن أبي صالح وغيرهم، وروى عنه ابن جريج وزهير بن معاوية وهما أكبر منه، ومعاذ بن معاذ العنبري وأبو داود الطيالسي وغيرهم.
ولد سنة مائة، ومات ببغداد سنة أربع وسبعين ومائة.
стр. 4816
الحديث الثالث
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: "كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا رَأَى مِنَ النَّاسِ إِدْبَارًا قَالَ: اللَّهُمَّ سَبْعٌ كَسَبْعِ يُوسُفَ. فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَكَلُوا الْجُلُودَ وَالْمَيْتَةَ وَالْجِيَفَ، وَيَنْظُرَ أَحَدُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى الدُّخَانَ مِنَ الْجُوعِ، فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ تَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَبِصِلَةِ الرَّحِمِ وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا، فَادْعُ اللَّهَ لَهُمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ فَالْبَطْشَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَدْ مَضَتِ الدُّخَانُ وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ وَآيَةُ الرُّومِ".
قوله: "لما رأى من الناس إدبارًا" أي: عن الإِسلام وسيأتي في تفسير (سورة الدخان) أن قريشًا لما استعصوا على النبي ﷺ .
وقوله: "فأخذتهم سَنَةٌ" أي: بفتح المهملة بعدها نون خفيفة.
وقوله: "حصَّت" بفتح الحاء والصاد المهملتين أي استأصلت النبات حتى خلت الأرض منه، يقال سنة حصاء أي جرداء لا غيث فيها. وقوله: "حتى أكلنا الجلود والميتة والجيف" وفي رواية حتى "أكلوا العظام والجلود" وفي جمهور الروايات الميتة بفتح الميم وبالتحتانية ثم المثناة وضبطها بعضهم بنون مكسورة ثم تحتانية ساكنة وهمزة وهو الجلد أول ما يدبغ، والأول أشهر.
وقوله: "وينظر أحدكم إلى السماء فيرى الدخان من الجوع"، وفي رواية فكان يرى بينه وبين السماء مثل الدخان من الجوع، وفي رواية "وجعل يخرج من الأرض كهيئة الدخان" ولا تدافع بين الروايات؛ لأنه يحمل على أنه كان مبدؤه من الأرض ومنتهاه ما بين السماء والأرض ولا معارضة بين قوله: "يخرج من الأرض" وبين قوله: "كهيئة الدخان" لاحتمال وجود الأمرين بأن يخرج من الأرض بخار كهيئة الدخان من شدة حرارة الأرض ووهجها من عدم الغيث، وكانوا يرون بينهم وبين السماء مثل الدخان من فرط حرارة الجوع أو الذي كان يخرج من الأرض بحسب تخيلهم ذلك من غشاوة أبصارهم من فرط الجوع أو لفظ من الجوع صفة الدخان أي يرون مثل الدخان الكائن من الجوع.
وقوله: "حتى أكلنا" في رواية المستملي والحموي "حتى أكلوا" وهو الوجه، وكذا قوله: "ينظر أحدكم" عند الأكثر "ينظر أحدهم" وهو الصواب.
стр. 4817
وقوله: "وإن قومك قد هلكوا فادع الله لهم" وفي الرواية الآتية في سورة الدخان "استسق الله لمضر فإنها قد هلكت" ولا منافاة بين الروايتين؛ لأن مضر أيضًا قومه، وعلى الرواية الآتية إنما قال لمضر؛ لأن غالبهم كان بالقرب من مياه الحجاز، وكان الدعاء بالقحط على قريش وهم سكان مكة فسرى القحط إلى من حولهم فحسن أن يطلب الدعاء لهم، ولعل السائل عدل عن التعبير بقريش لئلا يذكرهم فيذكر بحرمهم فقال لمضر ليندرجوا فيهم ويشير أيضًا إلى أن غير المدعو عليهم قد هلكوا بجريرتهم، وفي الرواية الآتية فقال رسولُ الله ﷺ : "لمضر، إنك لجريء" أي: أتأمرني أن أستسقي لمضر مع ما هم عليه من المعصية والإشراك، فاللام في قوله: "لمضر" متعلقة بمحذوف كما قرر لك، وجعله الكرماني متعلقًا بقوله فقال: "وقال لمضر" أي: لأبي سفيان فإنه كان كبيرهم في ذلك الوقت هو كان الآتي إلى رسول الله ﷺ المستدعي منه الاستسقاء والعرب يضيفون الأمر إلى القبيلة، والأمر في الواقع مضاف إلى واحد منهم تقول قتلت قريش فلانًا ويريدون شخصًا منهم.
وأفاد الدمياطي أن ابتداء دعاء النبي ﷺ على قريش بما مرّ كان عقب طرحهم على ظهره سلى الجزور الذي تقدمت قصته في "الطهارة" وكان ذلك (بمكة) قبل الهجرة، وقد دعا النبي ﷺ عليهم بذلك بعدها (بالمدينة) كما، في حديث أبي هريرة الذي هنا. ولا يلزم من ذلك اتحاد هذه القصص إذ لا مانع أن يدعو بذلك عليهم مرارًا.
وقوله: "فقد مضت الدخان والبطشة والفزام وآية الروم" وقد جاء في سورة الروم من وجه آخر عن الأعمش ولفظه "عن مسروف قال: بينما رجلٌ يحدث في كندةَ فقال: يجيء دُخانٌ يومَ القيامةِ فيأخذُ بأسماع المنافقينَ وأبصارِهم ويأخذُ المؤمنَ كهيئةِ الزكام ففزعنا فأتيتُ ابنَ مسعودٍ وكانَ متكئًا فغضبَ فجَلسَ فقالَ: مَنْ علمَ فليقلْ ومنْ لم يعلم فليقلْ الله أعْلم". وهذا الذي أنكره ابن مسعود قد جاء عن علي فأخرج عبد الرزاف وابن أبي حاتم عنه "قال: آيةُ الدخانِ لم تمض بعدُ يأخذُ المؤمنَ كهيئةِ الزكام وينفخ الكافر حتى ينفد". ثم أخرج عبد الرزاق عن ابن أبي مليكة قال: "دخلتُ على ابن عباسٍ يوماً فقال لي: لم أنمْ البارحةَ حتىِ أصبحتُ قالوا: طلعَ الكوكبُ ذو الذنبِ فخشينا الدخانَ قد خرجَ" وهذا يخشى أن يكون تصحيفًا، وإنما هو الدجال بالجيم الثقيلة واللام ويؤيد كون آية الدخان لم تمض ما أخرجه مسلم عن أبي شريحة رفعه "لا تقومُ الساعةُ حتى تروا عشرَ آياتٍ: طلوع الشمسِ من مغربها، والدخانَ والدابةَ" الحديث.
وروى الطبري عن ربعي عن حذيفة مرفوعًا في خروج الآيات والدخان قال حذيفة: يا رسول اللهِ وما الدخانُ فتلا هذه الآية، قال أما المؤمنُ فيصيبُهُ منهُ كهيئةِ الزكمةِ وأما الكافرُ فيخرجُ من منخريهِ وأذنيهِ ودبرهِ" وإسناده ضعيف.
وروى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد نحوه وإسناده ضعيف أيضاً، وأخرجه مرفوعًا بإسناد أصلح منه، وللطبري عن أبي مالك الأشعري رفعه: "إنّ ربَّكم أنذرَكم ثلاثًا: الدخانَ يأخذُ المؤمنَ
стр. 4818
كالزكمةِ" الحديث. ومن حديث ابن عمر نحوه وإسنادهما ضعيف أيضًا، لكن تظاهر هذه الأحاديث يدل على أن لذلك أصلًا، ولو ثبت طريق حديث حذيفة لاحتمل أن يكون هو القاص المراد في حديث ابن مسعود.
رجاله ستة:
وفيه ذكر أبي سفيان وقد مرّ الجميع: مرّ عثمان بن أبي شيبة وجرير ومنصور في الثاني عشر من "العلماء، ومرّ أبو الضحى في الخامس عشر من كتاب الصلاة، ومرّ مسروق في السابع والعشرين من "الإيمان"، ومرّ ابن مسعود في أثر أول كتاب "الإيمان"، ومرَّ أبو سفيان في السابع من "بدء الوحي".
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواته كلهم كوفيون ما خلا جريرًا فإنه رازي. أخرجه البخاري في "الاستسقاء" أيضًا وفي التفسير، ومسلم في "التوبة"، والترمذي والنسائي في "التفسير". ثم قال المصنف:
باب سؤال الناس الإِمام الاستسقاء إذا قحطوا
قال ابن رشيد لو أدخل تحت هذه الترجمة حديث ابن مسعود الذي قبله لكان أوضح لما ذكر، ويأتي الجواب عن هذا.
وقوله: "سؤال" مصدر فضاف لفاعله "والإمام" مفعوله وتاليه نصب على نزع الخافض أي عن الاستسقاء يقال سألته الشيء وعن الشيء، قلت: الظاهر أنه مفعول ثان إذ لا معنى (لِعَنْ) هنا إذ يقال سأله كذا فأعطاه السُؤْل.
وقوله: "قَحَطوا" بفتح القاف والحاء مبنيًا للفاعل يقال قحط المطر إذا احتبس، فيكون من باب القلب؛ لأن المحتبس المطر لا الناس أو يقال إذا كان محتبسًا عنهم فهم محبوسون عنه، وحكى الفراء قحط بالكسر وللأصيلي وأبي ذر "قُحطوا" بضم القاف مبنيًا للمفعول، وقد سمع قحط القوم.
стр. 4819
الحديث الرابع
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَتَمَثَّلُ بِشِعْرِ أَبِي طَالِبٍ".
وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ... ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلأَرَامِلِ.
وما مرّ من أن الأولى إدخال حديث ابن مسعود الذي قبله تحت هذه الترجمة أجاب عنه في الفتح بأن الذي يظهر أنه لما كان من سأل قد يكون مسلمًا وقد يكون مشركًا وقد يكون من الفريقين، وكان في حديث ابن مسعود أن الذي سأل كان مشركًا ناسب أن يذكر في الذي بعده ما يدل على ما إذا كان الطلب من الفريقين، ولذلك ذكر لفظ الترجمة عامًا لقوله سؤال الناس، وذلك أن المصنف أورد في هذا الباب حديث تمثل ابن عمر بشعر أبي طالب وقول أنس "إن عمر كان إذا قحطوا استسقى بالعباس" وقد اعترضه الإسماعيلي فقال: حديث ابن عمر خارج عن الترجمة إذ ليس فيه أن أحدًا سأله أن يستسقى له، ولا في قصة العباس التي أوردها أيضًا.
وأجاب ابن المنير عن حديث ابن عمر بأن المناسبة تؤخذ من قوله فيه: "يستسقى الغمام"؛ لأن فاعله محذوف وهم الناس، وعن حديث أنس بأن في قول "عمر كنا نتوسل إليك بنبيك" دلالة على أن للإمام مدخلًا في الاستسقاء وتعقب بأنه لا يلزم من كون فاعل يستسقي الناس أن يكونوا سألوا الإمام أن يستسقي لهم كما في الترجمة، وكذلك ليس في قول عمر إنهم كانوا يتوسلون به دلالة على أنهم سألوه أن يستسقي لهم إذ يحتمل أن يكونوا في الحالين طلبوا السقيا من الله مستشفعين به ﵊.
وقال ابن رشيد: يحتمل أن يكونوا أرادوا بالترجمة الاستدلال بطريق الأولى؛ لأنهم إذا كانوا يسألون الله به فيسقيهم فأحرى أن يقدموه للسؤال وهو حسن، ويمكن أن يكون أراد من حديث ابن عمر سياق الطريق الثانية عنه وأن يبين أن الطريق الأولى مختصرة منها وذلك أن لفظ الثانية ربما ذكرت قول الشاعر "وأنا انظر إلى وجه النبي ﷺ يستسقي" فدل ذلك على أنه هو الذي باشر الطلب ﵊ وأن ابن عمر أشار إلى قصة وقعت في الإِسلام حضرها هو لا مجرد ما دل عليه شعر أبي طالب، وقد علم من بقية الأحاديث أنه ﵊ إنما استسقى إجابة لسؤال من سأله في ذلك كما في حديث ابن مسعود الماضي وحديث أنس الآتي وغيرهما من الأحاديث. وأوضح من ذلك ما أخرجه البيهقي في الدلائل عن مسلم الملائي عن أنس قال: "جاء أعرابي إلى
стр. 4820
النبيِّ ﷺ فقال: يا رسولَ اللهِ أتيناكَ وما لنا بعيرٌ يئطُ ولا صبي يغطُ ثم أنشدَ:
أتيناك والعذراء يدمَى لَبانُها ... وقد شغلت أم الصبي عن الطفل
وألقى بكفيه الصبي استكانة ... من الجوع ضعفًا ما يُمر وما يُحلي
ولا شيء مما يأكل الناس عندنا ... سوى الحنظل العاهي والعِلْهَز الفَسل
وليس لنا إلا إليك فرارنا ... وأين فرار الناس إلا إلى الرسل
فقام رسول الله ﷺ يجر رداءَهُ حتى صعدَ المنبرَ فحمدَ الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: اللَّهُمَّ اسقنا" الحديث. وفيه "فجاء أهلُ البطانةِ يصيحونَ الغرقَ الغرقَ فضحك رسولُ اللهِ ﷺ حتى بدتْ نواجذُه ثم قال: لله درُّ أبي طالب لو كان حاضرًا لقرتْ عينُهُ ثم قال من ينشدنا؟ فقال علي: يا رسولَ اللهِ كأنكَ أردتَ قوله:
وأبيضَ يُستسقى الغمامُ بوجههِ .. الأبيات فظهرت بذلك مناسبة حديث ابن عمر للترجمة وإسناد حديث أنس وإن كان فيه ضعف، لكنه يصلح للمتابعة.
وقد ذكره ابن هشام في زوائده في "السير" عمن يثق به تعليقًا.
وقوله: "يئط" بفتح أوله وكسر الهمزة وكذلك"يغط" بالمعجمة. والأطيط صوت البعير المثقل والغطيط صوت النائم، وكنى بذلك عن شدة الجوع؛ لأنهما إنما يقعان غالبًا عند الشبع واللبان بفتح اللام الصدر أي يدمى لامتهانها في الخدمة.
وقوله: "ما يُمر" بضم أوله وكذلك "يُحلى" والأول من المرارة كناية عن الشر، والثاني من الحلاوة كناية عن الخير.
"العاهي" من العاهة وهي الأفة، و"العِلْهَز" بكسر أوله وسكون ثانيه وفتح ثالثه وهو شيء يتخذونه في سني المجاعة يخلطون الدم بأوبار الإبل ثم يشوونه بالنار ويأكلونه.
"والفَسل" بفتح الفاء الردي. وقوله: "يتمثل" أي ينشد شعر غيره. وقوله: "وأبيض" بفتح الضاد وهو مجرور برب مقدرة أو منصوب بإضمار أعني أو أخص، والراجح أنه منصوب عطف على قوله سيدًا في البيت الذي قبله وهو:
وما ترك قومٍ لا أبا لك سيدًا ... يحوط الذمار بين بكر بن وائل
وقوله: "ثمال" بكسر المثلثة وتخفيف الميم هو العماد والملجأ والمطعم والمغيث والمعين والكافي قد أطلق على كل من ذلك قوله: "عصمة للأرامل" أي: يمنعهم مما يضرهم. والأرامل جمع أرملة وهي الفقيرة التي لا زوج لها، وقد يستعمل في الرجل أيضًا مجازًا قال:
هذي الأرامل قد قضّيتَ حاجتَها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر
قال في "الفتح": ومن ثم لو أوصى للأرامل خص النساء دون الرجال. قلت: هذا لعله
стр. 4821
مذهبه، أما مذهب مالك فالأرامل عنده شاملة للذكر والأنثى، وهذا البيت من قصيدة لأبي طالب ذكرها ابن إسحاق في السيرة بطولها وهي مائة بيت وعشرة أبيات قالها لما تمالأت قريش على النبي ﷺ ونفروا عنه من يريد الإِسلام أولها:
ولما رأيت القوم لا ود فيهم ... وقد قطعوا كل العُرى والوسائل
وقد جاهرونا بالعداوة والأذى ... وقد طاوعوا أمر العدو المزايل
يقول فيها:
أعبد مناف أنتم خير قومكم ... فلا تشركوا في أمركم كل واغل
فقد خفت إن لم يصلح الله أمركم ... تكونوا كما كانت أحاديث وائل
ويقول فيها:
أعوذ برب الناس من كل طاعن ... علينا بسوء أو ملح بباطل
وثورٍ ومن أرسى ثَبيرًا مكانه ... وراق لبر في حراء ونازل
وبالبيت حق البيت من بطن مكة ... وبالله إن الله ليس بغافل
ويقول فيها:
كذبتم وبيتِ الله نبزى محمدًا ... ولما نطاعنْ دونَه ونناضل
ونُسْلِمَه حتى نُصرَّع حَوله ... وندهلَ عن أبنائنا والحلائلِ
وما تَرْكُ قوم لا أبا لك سيدًا ... يحوطُ الذمارَ بين بكر بن وائل
وأبيض يَستسقى الغمامُ بوجهِه ... ثِمَالُ اليتامى عصمةٌ للأرامل
يلوذ به الهلّاك من آل هاشم ... فهم عنده في نعمة وفواضل
وقد أتى بها صاحب "خزانة الأدب الكبرى" مشروحة قال السهيلي: فإن قيل كيف قال أبو طالب يستسقى الغمام بوجهه ولم يره قط استسقى إنما كان ذلك منه بعد الهجرة؟ وأجاب بما حاصله أن أبا طالب أشار إلى ما وقع في زمن عبد المطلب حيث استسقى لقريش والنبي ﷺ معه غلام أو أشار بهذا إلى ما أخرجه ابن عساكر عن جلهمة بن عرفطة قال: "قدمتُ مكةَ وهم في قحطٍ فقالت قريشُ: يا أبا طالبٍ أقحطَ الوادي وأجدبَ العيالُ فهلُّمَ فاستسق فخرجَ أبو طالب معه غلامٌ -يعني النبي ﷺ كأنَّه شمسُ دجنٍ تجلتْ في سحابةٍ قتماءَ وحولَهُ أغيَلمةٌ فأخذَهُ أبو طالب فألصقَ ظهرهُ بالكعبة ولاذَ الغلامُ وما في السماءِ قَزَعة فأقبلَ السحابُ من هاهنا وهاهنا، وأغدقَ واغدودقَ وانفجرَ الوادي وأخصبَ النادي والبادي". وفي ذلك يقول أبو طالب: وأبيضَ يُستسقى الغمامُ بوجهه ..
ويحتمل أن يكون أبو طالب مدحه بذلك لما رأى من مخايل ذلك فيه وإن لم يشاهد وقوعه. قال في "الفتح": والظاهر أن مجيء أبي سفيان المذكور في حديث ابن مسعود كان قبل الهجرة؛ لقول ابن مسعود في حديثه الآتي في باب (إذا استشفع المشركون) الخ ثم عادوا فذلك قوله تعالى:
стр. 4822
﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ يوم بدر، ولم ينقل أن أبا سفيان قدم المدينة قبل بدر وعلى هذا، فيحتمل أن يكون أبو طالب كان حاضرًا ذلك، فلذلك قال: وأبيضَ يُستسقى الغمامُ بوجهه .. البيت لكن سيأتي في الباب المذكور ما يدل على أن القصة المذكورة وقعت (بالمدينة) فإن لم يحمل على التعدد، وإلا فهو مشكل جدًا وسيأتي إتمام الكلام على ذلك في الباب المذكور. وقد ذكر ابن التين أن في شعر أبي طالب هذا دلالة على أنه كان يعرف نبوة النبي ﷺ قبل أن يبعث لما أخبره به بحَيْرَى أو غيره من شأنه. وفيه نظر، لما ذكر ابن إسحاق أن إنشاد أبي طالب لهذا الشعر كان بعد المبعث. قال في "الفتح": ومعرفة أبي طالب لنبوة رسول الله ﷺ جاءت في الكثير من الأخبار، وتمسك بها الشيعة في أنه كان مسلمًا، ورأيت لعلي بن حمزة جزأ فيه شعر أبي طالب، وزعم في أوله أنه كان مسلمًا وأنه مات على الإِسلام، وأن الحشوية تزعم أنه مات على الكفر، وأنهم لذلك يستجيزون لعنه وسبه، ثم بالغ في سبهم والرد عليهم واستدل لدعواه بما لا دلالة فيه.
وقد بينت فساد ذلك كله في ترجمة أبي طالب الآتية قريبا في سند هذا الحديث.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرّ عمرو بن علي في السابع والأربعين من "الوضوء"، ومرّ عبد الرحمن بن عبد الله في الثامن والثلاثين منه، ومرّ أبو قتيبة في الثلاثين من الجمعة، ومرّ عبد الله بن دينار في الثاني من "الإيمان"، ومرّ ابن عمر في أوله قبل ذكر حديث منه. وفي الحديث ذكر أبي طالب، وها أنا أذكر تعريفه تبعًا للإصابة فأقول: أبو طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي القرشي الهاشمي عم النبي ﷺ شقيق أبيه، أمهما فاطمة بنت عمرو بن عائذ المخزومية، اشتهر بكنيته واسمه عبد مناف على المشهور، وقيل عمران. وقال الحاكم: أكثر المتقدمين على أن اسمه كنيته، ولد قبل النبي ﷺ بخمس وثلاثين سنة، ولما مات عبد المطلب أوصى بمحمد ﷺ إلى أبي طالب، فكفله وأحسن تربيته وسافر به صحبته إلى الشام وهو شاب ولما بعث قام في نصرته وذبَّ عنه من عاداه ومدحه في عدة مدائح منها قوله لما استسقى لأهل (مكة) فسقوا:
وأبيضَ يُستسقى الغمامُ بوجههِ ... ثمالُ اليتامى عصمةٌ للأراملِ
ومنها قوله من قصيدة:
وشَقَّ له من إسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد
قال ابن عيينة عن علي بن زيد: "ما سمعت أحسن من هذا البيت". وأخرج أحمد من طريق حبة العرني قال: "رأيت عليًا ضحك على المنبر حتى بدت نواجده تذكر قول أبي طالب، وقد ظهر علينا وأنا أصلي مع النبي ﷺ ببطن نخلة فقال: ماذا يصنعان فدعاه إلى الإِسلام، فقال ما بالذي تقول من بأس ولكن والله لا يعلو استي أبدًا".
وأخرج البخاري في "التاريخ" عن عقيل بن أبي طالب قال: "قالت قريش لأبي طالب إن ابن
стр. 4823
أخيك هذا قد آذانا. فقال: يا عقيل ايتني بمحمد. قال: فجئت به في الظهيرة فقال: إن بني عمك هؤلاء زعموا أنك تؤذيهم فانتهِ عن أذاهم. فقال: أترون هذه الشمس؟ فما أنا بأقدر على أن أدع ذلك. فقال أبو طالب والله ما كذب ابن أخي قط".
وأخرج عبد الرزاق عن حبيب بن أبي ثابت عن من سمع ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ قال نزلت في أبي طالب كان ينهى عن أذى النبي ﷺ وينأى عما جاء به. وأخرج ابن عدي عن أنس قال: "مرض أبو طالب فعاده النبي ﵊ فقال: يا ابن أخي ادعُ ربك الذي بعثك يعافيني. فقال: اللهم اشفِ عمي فقام كأنما نشط من عقال، فقال يا ابن أخي إن ربك ليطيعك فقال وأنت يا عماه لو أطعته ليطيعك". وفي زيادات يونس بن بكير عن أبي السفر قال: بعث أبو طالب إلى النبي ﷺ فقال أطعمني من عنب جنتك. فقال إن الله حرمها على الكافرين". وذكر جمع من الرافضة أنه مات مسلمًا وتمسكوا بما نسب إليه قوله:
ودعوتني وعلمت أنك صادق ... ولقد صدقت وكنت قبل أمينا
ولقد علمت بأنّ دين محمد ... من خير أديان البرية دينا
ولا دلالة لهم في هذين البيتين، فإن العلم وحده لا يثبت به الإيمان فلابد معه من الإذعان فقد قال الله تعالى إخبارًا عن اليهود ﴿يَعْرفونَهُ كلمَا يَعْرفُونَ أبْنَاءَهُمْ﴾ وقال تعالى في مخاطبة موسى ﵇ لفرعون ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فلو كان العلم وحده كافيًا في الإيمان كانت اليهود وفرعون مسلمين، فكفره كفر عناد لا كفر إنكار.
وقال ابن عساكر في ترجمته قيل إنه أسلم ولا يصح إسلامه، وألف بعض الروافض تأليفًا أثبت فيه إسلام أبي طالب مستدلًا على ذلك بأحاديث منها: ما رواه يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق عن العباس بن عبد الله بن سعيد بن العباس عن بعض أهله عن ابن عباس قال: "لما أتى رسول الله ﷺ أبا طالب في مرضه قال: يا عم "قلْ لا إله إلا الله كلمة استحل لك بها الشفاعة يوم القيامة. قال يا ابن أخي: والله لولا أن تكون مشقة عليّ وعلى أهلي من بعدي يرون أني قلتها جزعًا عند الموت لقلتها لا أقولها إلا لأسرك بها، فلما ثقل أبو طالب رؤي يحرك شفتيه فأصغى إليه العباس فسمع قوله، فرفع رأسه فقال قد قال والله الكلمة التي سأل عنها" وهذا الحديث سنده واهٍ جدًا وفيه الجهالة في قوله عن بعض أهله، وهذا كاف في بطلانه وعلى تقدير ثبوته فقد عارضه ما هو أصح منه ففي "الصحيحين" عن سعيد بن المسيب عن أبيه "أن أبا طالب لما حضرتْهُ الوفاة دخلَ عليه النبيُّ ﷺ وعندَهُ أبو جهل وعبدُ الله بنُ أبي أميةَ فقال: يا عمُّ قلْ لا إله إلاَّ الله كلمةً أُحاج لكَ بها عندَ الله، فقال له أبو جهل وعبدُ الله بنُ أبي أميةَ: أترغبُ عن ملةِ عبدِ المطلب، فلم يزالا به حتى قال آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب. فقال النبيُّ ﷺ لأستغفرنَّ لك ما لم أُنْهَ عنك، فنزلت ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿إنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أحْبَبْتَ﴾ الخ الآية، فهذا الصحيح يرد الرواية التي ذكرها ابن إسحاق إذ لو كان قال كلمة التوحيد ما نهى الله تعالى نبيه
стр. 4824
عن الاستغفار له، ويرده أيضًا ما أخرجه الشيخان عن أبي سعيد الخدري "أنه سمعَ رسولَ اللهِ ﷺ وذكرَ عندَهُ عمُّهُ فقال: لعلَّه تنفعُهُ شفاعتي يوم القيامة فيجعلَ في ضحضاحٍ من النارِ يبلغُ كعبيه يغلي منه أمُ دماغِهِ" وما أخرجه البخاري في "صحيحه" عن العباسٍ نفسه المزور عليه الحديث السابق "أنه أي العباس قال للنبيِّ ﷺ ما أغنيتَ عن عمِّكَ أبي طالب فإنَّه كان يحوطك ويغضبُ لكَ فقال: هو في ضحضاحٍ منَ النارِ ولولا أنا لكان في الدركِ الأسفلِ"، فهذا شأن من مات على الكفر فلو كان مات على التوحيد لنجا من النار أصلًا، ولو كان العباس رضي الله تعالى عنه سمع نطقه بالشهادة ما احتاج إلى سؤاله ﵊ بما ينفعه.
وأجاب الرافضي المذكور عن قوله: "هو على ملة عبد المطلب" بأن عبد المطلب مات على الإِسلام واستدل بأثر مقطوع عن جعفر الصادق وما أجاب به جهل وحماقة وسهو عن الحديث نفسه، فإن القائل له "أترغب عن ملة عبد المطلب" أبو جهل، فلو كانت ملة عبد المطلب إسلامًا منجيه من النار كان أبو جهل الطالب منه الثبوت عليها مسلمًا ناجيًا من النار، وكذلك جميع أهل القليب؛ لأن كل واحد منهم يقول إنه على ملة عبد المطلب وبطلان هذا واضح لا يحتاج معه إلى بطلان الأثر المذكور، الأثر المذكور هو ما ذكره الرافضي عن راشد الحماني قال: "سئل أبو عبد الله يعني جعفر الصادق عن أهل الجنة فقال: الأنبياء في الجنة، والصالحون في الجنة، والأسباط في الجنة، وأجمل العالمين مجدًا محمد ﷺ يقدم آدم فمن بعده من آبائه، وهذه الأصناف يحدثون به، ويحشر عبد المطلب به نور الأنبياء وجمال الملوك، ويحشر أبو طالب في زمرته فإذا ساروا بحضرة الحساب وتبوأ أهل الجنة منازلهم ودخل أهل النار، ارتفع شهاب عظيم لا يشك من رآه أنه غيم من النار فيحضر كل من عرف ربه ولم يعرف نبيه، والشيخ الفاني والطفل فيقال لهم: إن الجبار ﵎ يأمركم أن تدخلوا هذه النار، فكل من اقتحمها خلص من النار إلى أعلى الجنان، ومن كع عنها غشيته"، أخرجه عن أبي بشر أحمد بن إبراهيم بن يعلي بن أسد عن صالح الحمادي عن أبيه عن جده سمعت راشد الحماني فذكره. وهذه سلسلة من غلاة الروافض.
قلت: الأثر ظاهر الوضع فإن فيه إبطال وجوب التصديق بالأنبياء؛ لقوله فيه كل من عرف ربه بصيغة العموم، فكل من كذب الأنبياء وصدق بالله لا يقطع بدخوله في النار ولا مزية فيه لأبي طالب على أبي جهل، وأي خصوصية له عليه في التصديق بملة عبد المطلب حتى يكون هو الذي في زمرته، فجميع كفار قريش كلهم على ملته، وأيضًا هذا الأثر المزور ليس فيه تصريح بأن عبد المطلب ومن تبعه ممن اقتحمها أو كع عنها مزورا، ولم يأتوا بمرادهم وأبطلوا بتزويرهم وجوب التصديق بعذاب من كذب الرسل.
قال في "الإصابة": قد ورد في عدة طرق استوفيتها في حق الشيخ الهرم، ومن مات في الفترة ومن ولد أكمه أعمى أصم، ومن ولد مجنونًا أو طرأ عليه الجنون قبل البلوغ ونحو ذلك أن كلاً منهم يدلي بحجة لو عقلت أو ذكرت لآمنت فترفع لهم نار، ويقال لهم: ادخلوها، فمن دخلها كانت عليه
стр. 4825
بردًا وسلامًا، ومن امتنع أُدخلها كرهًا، فأي حجة لأبي طالب مع طول دعاء النبي ﷺ آناء الليل وأطراف النهار. ومما يرد حديث العباس أيضًا افتخار أبي جعفر المنصور في كتابته لمحمد بن عبد الله الحسن لما خرج عليه (بالمدينة) ففي كتابه له "قد بعث النبي ﷺ وله أربعة أعمام فآمن به اثنان أحدهما أبي وكفر به اثنان أحدهما أبوك". ومن شعر عبد الله بن المعتز يخاطب الفاطميين:
وأنتم بنو بنته دوننا ... ونحن بنو عمه المسلم
ومما استدل به الرافضي ما رواه عن إسحاق بن عيسى الهاشمي بسنده إلى أبي رافع قال: "سمعت أبا طالب يقول: سمعت ابن أخي يقول: إن ربه بعثه بصلة الرحم وأن يعبد الله وحده لا يعبد معه غيره ومحمد الصدوق الأمين" وهذا مع ضعف سنده لا دلالة فيه على إيمان أبي طالب فيجاب عنه وعما ورد في إشعاره بأن علمه بصدقه من غير إذعان وقبول لما جاء به لا يكون إيمانًا، وهو نظير ما قاله تعالى في كفار قريش ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ فكان كفرهم عناداً ومنشؤه من الأنفة والكِبر، وإلى ذلك أشار أبو طالب بقوله: "لولا أن تعيرني قريش".
ومما استدل به أيضًا ما رواه عن أبي عامر الهوازني بسند ضعيف جدًا "أن رسول الله ﷺ خرج معارضًا جنازة أبي طالب وهو يقول: وصلتك رحم" فهذا مع ضعفه وإرساله لا حجة فيه إذ لو كان مسلمًا لمشى معه وصلى عليه ولا يكتفى بالمعارضة، وقد ورد ما هو أصح منه مما يبطله وهو ما أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة عن ناجية بن كعب عن علي "لما مات أبو طالب أتيت النبي ﷺ فقلت إن عمك الضال قد مات. قال: اذهب فوارِهِ قلت: إنه مات مشركًا فقال: اذهب فوارِهِ ولا تحدث شيئًا حتى تأتيني ففعلت فأتيته، فدعا لي بدعوات".
وقد أخرج الرافضي هذا الحديث بدون قوله: "الضال" لمنافاتها لغرضه. وقد أخرج هذا الرافضي قصة وفاة أبي طالب عن علي رضي الله تعالى عنه قال: "تبع أبو طالب عبد المطلب في كل أحواله حتى خرج من الدنيا وهو على ملته، وأوصاني أن أدفنه في قبره فأخبرت النبي ﷺ فقال اذهب فوارِهِ وأتيته لما أنزل به فغسلته وكفنته وحملته إلى الحجون، فنبشت عن قبر عبد المطلب فوجدته متوجهًا إلى القبلة فدفنته معه. قال متيم ما عبد علي ولا أحد من آبائه إلا الله إلى أن ماتوا" أخرجه عن أبي بشر المتقدم بسلسلة من غلاة الروافض. وقد مرّ قريبًا ما هو أصح منه وأقوى فهو المعتمد.
ومما استدل به أيضًا ما رواه عن علي أنه لما أسلم قال له أبو طالب: "الزم ابن عمك"، وبما رواه أيضًا عن عمران بن حصين "أن أبا طالب قال لجعفر بن أبي طالب لما أسلم: صِلْ جناح ابن عمك فصلّى جعفر مع النبي ﷺ ". وهذان الحديثان مع شدة ضعف سندهما لا حجة فيهما؛ لأن أمره لولديه من حسن نصرته له وذبَّه عنه ومعاداته لقومه بسببه، وتركه هو للإسلام إنما هو من باب العناد كما مرّ.
стр. 4826
واستدل أيضًا بما رواه عن ابن عباس قال: "جاء أبو بكر بأبي قحافة هو شيخ قد عمي فقال رسول الله ﷺ : ألا تركت الشيخ حتى آتيه. قال أردت أن يأجره الله، والذي بعثك بالحق لأنا كنت أشد فرحًا بإسلام أبي طالب مني بإسلام أبي ألتمس بذلك قرة عينك" والسند الذي أخرج به هذا الحديث واهٍ جدًا، وعلى تقدير ثبوته ليس معناه ما أراد، بل معناه إني كنت أشد فرحًا بإسلام أبي طالب لو أسلم مني بإسلام أبي.
ويبيّن ذلك ما أخرجه أبو قرة موسى بن طارق عن ابن عمر قال: "جاء أبو بكر بأبي قحافة يقوده يوم فتح مكة فقال رسول الله ﷺ : ألا تركت الشيخ حتى آتيه. قال أبو بكر أردت أن يأجره الله، والذي بعثك بالحق لأنا كنت أشد فرحًا بإسلام أبي طالب لو كان أسلم مني بإسلام أبي". وأخرج عمر بن شيبة في كتاب مكة وأبو يعلى وأبو بشر بسند صحيح والحاكم وقال على شرط الشيخين عن أنس في قصة إسلام أبي قحافة قال: فلما مد يده يبايعه بكى أبو بكر فقال النبي- ﷺ : ما يبكيك؟ قال: لئن تكون يد عمك مكان يده ويسلم ويقر الله عينك أحب إلى من أن يكون".
وذكر ابن إسحاق "أن عمر لما عارض العباس في أبي سفيان لما أقبل به ليلة الفتح فقال له العباس: "لو كان من بني عدي ما أحببت أن يقتل. فقال عمر: أنا بإسلامك إذا أسلمت أفرح مني بإسلام الخطاب" يعني لو أسلم.
واستدل الرافضي أيضًا بقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ قال: وقد عزره أبو طالب بما اشتهر وعلم ونابذ قريشًا وعاداهم بسببه مما لا يدفعه أحد من نقلة الأخبار فيكون مفلحًا.
وهذا مبلغهم من العلم ونحن نسلم أنه نصره وبالغ في ذلك، لكنه لم يتبع النور الذي أنزل معه، وهو الكتاب العزيز الداعي إلى التوحيد، ولا يحصل الفلاح إلا بحصول ما رتب عليه من الصفات كلها كما حصل لأبي بكر وعمر اللذين تبغضونهما وتؤذونهما أذية له ﷺ . ومما لم يذكره الرافضي من الأحاديث في هذا الباب ما أخرجه تمام الرازي في فوائده من طريق الوليد بن مسلم عن عبد الله بن عمر رفعه "أنه إذا كان يوم القيامة شفعت لأبي وأمي وعمي أبي طالب وأخ لي كان في الجاهلية" قال تمام الوليد منكر الحديث.
وأخرج الخطيب في كتاب "رواية الآباء عن الأبناء" عن "الحسن بن علي أن عليًا قال: سمعت أبا طالب يقول حدثني محمد ابن أخي وكان والله صدوقًا قال: قلت له: بمَ بعثت يا محمد؟ قال بصلة الرحم وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة". قال الخطيب لم أكتبه بهذا الإِسناد إلا عن دبيس وهو صاحب غرائب وكثير الرواية للمناكير.
وأخرج الخطيب أيضًا عن أبي رافع أنه سمع أبا طالب يقول حدثني محمد أن الله أمره بصلة الأرحام وأن يعبد الله وحده لا يعبد معه أحدًا وهو عندي الصدوق الأمين. قال الخطيب: لا يثبت
стр. 4827
هذا الحديث عند أهل العلم بالنقل، وفي إسناده غير واحد من المجهولين وجعفر ذاهب الحديث، وروى ابن سعد في "الطبقات" عن عمرو بن سعيد "أن أبا طالب قال: كنت بذي المجاز مع ابن أخي فأدركني العطش فشكوت إليه ولا أرى عنده شيئًا، قال: فثنى وركه فنزل فأهوى بعصاه إلى الأرض فإذا بالماء فقال اشرب يا عمّ فشربت".
فهذه الأحاديث قيل إنها رويت عن أبي طالب، ولا غرابة في تسميته له بالصادق الأمين فإن كفار قريش كانوا يسمونه بالأمين ويقرون له بالصدق كما ثبت في الأحاديث الصحاح، وإنما كتبت ما كتبت إثباتًا لما هو الحق في هذه الشريعة المحمدية من عدم إسلام أبي طالب مع أني أود أن كل من كان بينه مع النبي ﷺ قرابة يدخل الجنة بلا حساب ولا عقاب، ولكن الشرع لابد من تبيينه.
مات أبو طالب في نصف شوال من السنة العاشرة، وكان له يوم مات بضع وثمانون سنة.
ثم قال: "وقال عمرُ بنُ حمزةَ حدثنا سالمٌ عن أبيه ربّما ذكرتُ قولَ الشاعرِ وأنا أنظرُ إلى وجهِ النبيِّ ﷺ يستسقي حتى يجيشَ كلُّ ميزاب".
وأبيضَ يُسْتَسقى الغمامُ بوجهِهِ ... ثِمَالُ اليتامى عِصمةٌ للأراملِ
وهو قولُ أبي طالبٍ".
قوله: "يَستسقي" بفتح أوله زاد ابن ماجه في روايته "على المنبر" وفي روايته أيضًا "في المدينة".
وقوله: "يَجِيش" بفتح أوله وكسر الجيم وآخره شين معجمة يقال جاش الوادي إذا زخر بالماء، وجاشت القدر إذا غلت، وجاش الشيء إذا تحرك وهو كناية عن كثرة المطر.
وقوله: "كل ميزاب" بكسر الميم وبالزاي معروف وهو ما يسيل منه الماء من موضع عال. وفي رواية الحموي "حتى يجيش لك" بتقديم لام الجر على الكاف وهو تصحيف.
وعمر بن حمزة المذكور في هذا التعليق وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار المذكور في الطريق السابقة الموصولة مختلف في الاحتجاج بهما, ولكن اعتضدت إحدى الطريقين بالأخرى، وهذا من أمثلة أحد قسمي "الصحيح" كما تقرر في علوم الحديث. وهذا التعليق وصله أحمد وابن ماجه والإسماعيلي من رواية أبي عَقِيل عبد الله بن عَقِيل الثقفي عنه بالتكبير فيهما.
ورجاله ثلاثة:
مرّ سالم في السابع عشر من "الإيمان" وذكر أبيه الآن، وأما عمر فهو ابن حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي العمري المدني. ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: كان ممن يخطىء، وقال ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه وأخرج الحاكم حديثه في "المستدرك" وقال: أحاديثه كلها مستقيمة. وقال أحمد: أحاديثه مناكير، وقال النسائي ضعيف. وقال ابن معين: عمر بن حمزة
стр. 4828
أضعف من عمر بن محمد بن زيد. روى عن عمه سالم بن عبد الله وحصين بن مصعب ومحمد بن كعب القرظي وغيرهم. وروى عنه مروان بن معاوية وأحمد بن بشير الكوفي وأبو عقيل الثقفي وغيرهم.
стр. 4829
الحديث الخامس
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسٍ "أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا. قَالَ فَيُسْقَوْنَ.
قوله: "الحسن بن محمد" هو الزعفراني والأنصاري شيخه يروي عنه البخاري كثيرًا، وربما أدخل بينهما واسطة كهذا الموضع، ووهم من زعم أن البخاري أخرج هذا الحديث عن الأنصاري نفسه.
وقوله: "كانوا إذا قُحطوا" أي: بضم القاف وكسر المهملة أي: أصابهم قحط، وأشار المصنف بحديث أنس هذا عن عمر إلى ما ورد في بعض طرقه، وهو عند الإسماعيلي عن محمد بن المثنى عن الأنصاري بإسناد البخاري إلى أنس قال: "كانوا إذا قُحطوا على عهد النبي ﷺ استسقوا به فيستسقي لهم فيُسقون، فلما كان في إمارة عمر" فذكر الحديث. وقد أشار إلى ذلك الإسماعيلي فقال: هذا الذي رويته يحتمل المعنى الذي ترجمه بخلاف ما أورده هو وليس ذلك بمبتدع لما عرف بالاستقراء من عادته من الاكتفاء بالإشارة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث الذي يورده.
وقد روى عبد الرزاق عن عبد الله بن عباس "أن عمر استسقى بالمُصلّى فقال للعباس: قمْ فاستسقِ فقامَ العباسُ" فذكر الحديث فتبين بهذا أن في القصة المذكورة أن العباس كان مسؤولًا، وأنه ينزل منزلة الإِمام إذا أمره الإِمام بذلك وهذا جواب عما مرّ من اعتراض الإسماعيلي أن قصة العباس خارجة عن موضع الترجمة.
وقد بيّن الزبير بن بكار صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة والوقت الذي وقع فيه ذلك فأخرج بإسناد له "أن العباس لما استسقى به عمر قال: اللَّهُمَّ انه لم ينزلْ بلاءٌ إلا بذنبٍ ولمْ يكشفْ إلا بتوبةٍ وقد توجه القومُ بي إليكَ لمكاني من نبيكَ وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيثَ فأرختِ السماءُ مثلَ الجبالِ حتى اخصبتِ الأرضُ وعاشَ الناسُ".
وأخرج أيضًا عن زيد بن أسلم عن ابن عمر قال: "استسقى عمرُ بنُ الخطاب عامَ الرمادةِ
стр. 4830
بالعباس بن عبدِ المطلب" فذكر الحديث وفيه "فخطبَ الناسَ عمرُ فقال: إن رسوَل اللهِ ﷺ كان يرى للعباسِ ما يرى الولَدُ للوالدِ فاقتدوا أيُّها الناسُ برسول اللهِ ﷺ في عمّه العباسِ واتخذوهُ وسيلةً إلى اللهِ، وفيه فما برحوا حتى سقاهمُ الله".
وأخرجه البلاذري عن زيد بن أسلم فقال عن أبيه بدل ابن عمر، فيحتمل أن يكون لزيد فيه شيخان، وذكر ابن سعد وغيره أن عام الرمادة كان سنة ثمان عشرة وكان ابتداؤه مصدر الحاج منها، ودام تسعة أشهر، والرمادة بفتح الراء وتخفف الميم سمي العام بها لما حصل من شدة الجدب فاغبرت الأرض جدًا من عدم المطر، وعن كعب الأحبار أن بني إسرائيل كانوا إذا قحطوا استسقوا بأهل بيت نبيهم.
وذكر سيف في كتاب "الرّدة" عن أبي سلمة "كان أبو بكر الصديق إذا بعث جندًا إلى أهل الردة خرج ليشيعهم، وخرج بالعباس معه قال يا عباس استنصر وأنا أؤمن. قال أرجو أن لا تخيب دعوتك لمكانك من نبي الله ﷺ ". وذكر أبو القاسم بن عساكر في كتاب "الاستسقاء" عن ابن عباس أن العباس قال ذلك اليوم: "اللهم إنَّ عندَكَ سحابًا وإنَّ عندَك ماءً فانشر السحابَ ثم أنزلْ منه الماءَ ثم أنزلْه علينا واشدُدْ بهِ الأصلَ وأطلْ به الفرعَ وأدرَّ به الضرعَ، اللَّهمَّ شفعنا إليك عمن لا منطقَ له من بهائمنا وأنعَامِنا، اللَّهُمَّ اسقنا سقيًا وادعةً بالغةً طبقًا مجيبًا، اللَّهُمَّ لا نرغبُ إلا إليكَ وحدَكَ لا شريكَ لكَ، اللَّهُمَّ إنا نشكو إليك سغبَ كلِّ ساغبٍ وعُدْم كلِّ عادمٍ وجوعَ كلِّ جائعٍ وعري كلِّ عارٍ وخوفَ كلِّ خائفٍ".
وقد ذكرت ما يتعلق باستسقاء العباس في ترجمته في كتاب "الوضوء" وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن أبي صالح السمان عن مالك الداري وكان خازن عمر قال: "أصابَ الناسَ قحطٌ في زمنِ عمرَ فجاءَ رجلٌ إلى قبرِ النبيِّ ﷺ فقال: يارسولُ اللهِ استسقِ لأمتكَ فإنهم قد هلكوا فأتي الرجلُ في المنامِ فقيل لهُ إئتِ عمر، فقل له يستسقي للناس" الحديث.
وقد روى سيف في "الفتوح" أن الذي رأى المنام المذكور بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة، وظهر بهذا كله مناسبة الترجمة لأصل هذه القصة.
ويستفاد من قصة العباس استحباب الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوة، وفيه فضل العباس وفضل لتواضعه للعباس ومعرفته بحقه.
قال ابن بطال: وفيه أن الخروج إلى الاستسقاء والاجتماع لا يكون إلا بإذن الإمام لما في الخروج والاجتماع من الآفات الداخلة عل السلطان، وهذه سنن الأمم السالفة قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ﴾.
رجاله ستة:
مرّ منهم عبد الله بن المثنى وثمامة بن عبد الله في السادس والثلاثين من "العلم"، ومرَّ أنس في
стр. 4831
السادس من الإيمان، ومرّ عمر في الأول من "بدء الوحي" والاثنان الباقيان:
الأول منهما: الحسن بن محمد بن الصبّاح بتشديد الباء الزعفراني أبو علي البغدادي صاحب الشافعي. قال النسائي (ثقة) قال الزعفراني: لما قرأت كتاب "الرسالة" على الشافعي قال لي: من أي العرب أنت؟ فقلت ما أنا بعربي وما أنا إلا من قرية يقال لها (الزعفرانية) قال: أنت سيد هذه القرية. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يحضر أحمد وأبو ثور عند الشافعي وهو الذي يتولى القراءة عليه. وقال ابن أبي حاتم. كتبت عنه مع أبي وهو ثقة، وسئل عنه أبي فقال: صدوق، وقال أبو عمر الصدفي: سألت العقيلي عنه فقال: ثقة من الثقات مشهور لم يتكلم فيه أحد بشيء، قال: وسألت عنه أبا علي صالح الطرابلسي فقال: ثقة ثقة.
وقال ابن عبد البر: يقال إنه لم يكن في وقته أفصح منه ولا أبصر باللغة، ولذلك اختاروه لقراءة كتب الشافعي وكان يذهب إلى مذهب أهل العراق فتركه وتفقه بالشافعي، وكان نبيلًا ثقة مأمونًا، وكان يقول أصحاب الحديث كانوا رقودًا حتى أيقظهم الشافعي وما حمل أحد محبرة إلا وللشافعي عليه منة، وهو أحد رواة الأقوال القديمة عن الشافعي رواتها أربعة: هو، وأبو ثور، وأحمد بن حنبل، والكرابيسي، ورواة الأقوال الجديدة ستة المزني، والربيع بن سليمان الجيزي، والربيع بن سليمان المرادي، والبوطي، وحرملة، ويونس بن عبد الأعلى.
روى عن ابن عيينة وأبي معاوية وابن علية ووكيع وغيرهم. وروى عنه الجماعة سوى مسلم وابن خزيمة وأبو عوانة وغيرهم.
مات يوم الاثنين سنة تسع وخمسين ومائتين وقيل سنة ستين في شهر ربيع الآخر، وقيل في رمضان. والزعفراني في نسبه بفتح الزاي وسكون العين نسبة إلى (الزعفرانية) قرية بقرب (بغداد) والمحلة التي (ببغداد) وتسمى (درب الزعفراني) منسوية إلى هذا الإِمام؛ لأنه أقام بها، وفيها مسجد الشافعي.
الثاني: محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن يونس بن مالك الأنصاري أبو عبد الله البصري القاضي. قال أبو حاتم: صدوق، وقال مرة: لم أرَ من الأئمة إلا ثلاثة: أحمد بن حنبل، وسليمان بن داود الهاشمي، ومحمد بن عبد الله الأنصاري. وقال ابن معين: ثقة. وقال مرة: كان محمد بن عبد الله الأنصاري يليق به القضاء فقيل له يا أبا زكرياء فالحديث قال: للحديث رجال. وقال الساجي: رجل جليل عالم لم يكن عندهم من فرسان الحديث مثل يحيى القطان ونظرائه غلب عليه الرأي. وقال الخطيب: كان الأنصاري قد جالس في الفقه سوار بن عبد الله بن الحسن العنبري، وعثمان البتي وولي قضاء البصرة أيام الرشيد بعد معاذ بن معاذ وذكر عمر بن شبة في أخبار البصرة أنه ذكر للقضاء أيام المهدي فقال عثمان بن الربيع للفضل بن الربيع إنه فقيه عفيف، ولكنه يأتم بفقه أبي حنيفة، ولنا في مصرنا أحكام تخالفه فلا يصلحنا إلا من أجاز أحكامنا، فتركوا ولايته إذ ذاك.
стр. 4832
وقال بشر بن آدم: سمعت الأنصاري يقول: قد وليت القضاء مرتين، والله ما حكمت (بالرأي) ولقد بعت مدبَّرًا.
وقال محمد بن عبد الله الزيادي سألت الأنصاري عن شيء قضى به علينا معاذ بن معاذ فأفتى بخلافه، فلما ولي القضاء قضى في تلك المسألة بما قضى به معاذ، فسألته فقال لي: كنت انظر في كتب أبي حنيفة فإذا جاء دخول الجنة والنار لم نجد القول إلا ما قال معاذ.
وقال ابن سعد: لم يزل الأنصاري يحدث بالبصرة إلى أن مات بها، وكان صدوقًا. وقال معاذ: ما رأيته عند الأشعث قط.
وروى محمد بن المثنى عنه أنه كان يقول من زعم من أصحاب أشعث ممن كان يلزمه أنه كان لا يراني إلى جنبه، فهو من الكذابين كأنه يعرض بمعاذ بن معاذ، روى عن أبيه وسليمان التيمي وابن عون وحميد الطويل وابن جريج وغيرهم، وروى عنه البخاري وروى هو والباقون عنه بواسطة وروى عنه أحمد وقتيبة بن سعيد وغيرهم.
مات بالبصرة في رجب سنة خمسة عشر ومائتين، وكان يقول: قد أشرفت على أربع وتسعين سنة وفي الحديث ذكر العباس بن عبد المطلب، قد مرّ في الثالث والستين من "الوضوء".
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والقول، وفيه رواية الابن عن الأب، ورواية الرجل عن عمه، ورواية الرجل عن جده هذا الحديث تفرد به البخاري عن الستة. ثم قال المصنف:
стр. 4833
باب تحويل الرداء في الاستسقاء
ترجم لمشروعيته خلافًا لمن نفاه، ثم ترجم بعد ذلك لكيفيته.
الحديث السادس
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْقَى فَقَلَبَ رِدَاءَهُ.
قوله: "عن محمد بن أبي بكر" أي: ابن محمد بن عمرو بن حزم وهو أخو عبد الله بن أبى، بكر المذكور في الطريق الثانية من هذا الباب، وقد حدث به عن عاد أبوهما أو بكر بن محمد بن عمرو كما سيأتي بعد خمسة عشر بابًا.
وقوله: "فقلب رداءه" ذكر الواقدي أن طول ردائه ﷺ كان ستة أذرع في ثلاثة أذرع، وطول إزاره أربعة أذرع وشبرين في ذراعين وشبر، وكان يلبسهما في الجمعة والعيدين.
وفي "شرح الأحكام" لابن بزيزة ذرع الرداء كالذي ذكره الواقدي في ذرع إلازار، والأول أولى، ولم يتحرر في طول عمامته ﵊ وعرضها شيء، وقد نقل عن عائشة أنها سبعة أذرع في عرض ذراع.
وقد ترجم المصنف بلفظ التحويل والذي في الطريق الأولى لفظ "القلب"، ورواية أبي ذر في الطريق الثانية حول وكذا هو في أول حديث في الاستسقاء وكأنه أراد أنهما بمعنى واحد، ووقع بيان المراد من ذلك عن المسعودي عن أبي بكر بن محمد ولفظه "قلبَ رداءَهُ جعلَ اليمينَ على الشمالِ". وزاد فيه ابن ماجه وابن خزيمة "والشمالَ على اليمين" وله شاهد أخرجه أبو داود عن الزهري عن عباد بلفظ "فجعلَ عطافَهُ الأيمنَ على عاتقِهِ الأيسر وعطافَهُ الأيسرَ على عاتِقِه الأيمن".
وله عن عمارة بن غزية "استسقى وعليه خميصة سوداءُ فارادَ أنْ يأخذَ بأسفلها فيجعلَهُ أعلاها، فلما ثقلتْ عليه قلبَها على عاتقِهِ".
وقد استحب الشافعي في الجديد فعل ما هم به عليه الصلاة السلام من تنكيس الرداء مع التحويل الموصوف. وزعم القرطبي وغيره أن الشافعي اختار في الجديد استحباب تنكيس الرداء لا تحويله، والذي في "الأم" ما ذكرته، والجمهور على التحويل فقط قال في "الفتح": ولا شك أن الذي استحبه الشافعي أحوط قلت: لم أدرِ وجه أحوطيته.
ومشهور مذهب مالك أنه بعد تمام الخطبة الثانية يستقبل القبلة ثم يحول رداءه ثم يدعو، ويكون التحويل بلا تنكيس وصفته أن يبدأ بيمينه فيأخذ ما على عاتقه الأيسر، ويمره من ورائه ليضعه على منكبه الأيمن وما على الأيمن على الأيسر، فيصير ما يلي ظهره للسماء وما يليها على
стр. 4834
ظهره، والتحويل خاص بالرجال دون النساء؛ لأن التحويل يؤدي إلى كشفهن، ويكون تحويل الرجال في حال القعود. وقد استحب الجمهور أن يحول الناس بتحويل الإِمام ويشهد له ما رواه أحمد عن عباد في هذا الحديث بلفظ "وحوّل الناسُ معهُ".
وقال الليث وأبو يوسف: يحوّل الإِمام وحده. وأما أبو حنيفة، فلا يستحب عنده التحويل؛ لأنه وقع لأجل التفاؤل لا للسنة وظاهر قوله: "فقلب رداءه" أن التحويل وقع عنده فراغ الاستسقاء وليس كذلك بل المعنى فقلب رداءه في أثناء الاستسقاء، وقد بينه مالك في روايته ولفظه "حول رداءه حين استقبل القبلة".
ولمسلم عن أبي بكر بن محمد "وأنه لما أراد أن يدعو استقبل القبلة وحوّل رداءه". وأصله للمصنف كما يأتي بعد أبواب وله من رواية الزهري عن عباد "فقام فدعا الله قائمًا ثم توجه قِبل القبلة وحوّله رداءه" فعرف بذلك أن التحويل وقع في أثناء الخطبة عند إرادة الدعاء.
واختلف في حكمة التحويل فجزم المهلب بأنه للتفاؤل بتحويل الحال عما هي عليه، وتعقبه ابن العربي بأن من شرط الفأل أن لا يقصد إليه قال: وإنما التحويل أمارة بينه وبين ربه، قيل له حوّلْ رداءك ليتحول حالك، وتعقب بأن الذي جزم به يحتاج إلى نقل والذي رده ورد فيه حديث.
رجاله ثقات، أخرجه الحاكم والدارقطني عن جعفر بن محمد بن علي عن أبيه عن جابر بلفظ "حول رداءه ليتحول القحط"، ورجح الدارقطني إرساله. وعلى كل حال، فهو أولى من القول بالظن، وقال بعضهم: إنما حول رداءه ليكون أثبت على عاتقه عند رفع يديه في الدعاء فلا يكون سنة في كل حال.
وأجيب بأن التحويل من جهة إلى جهة لا يقتضي الثبوت على العاتق، فالحمل على المعنى الأول أولى فإن الاتباع أولى من تركه لمجرد احتمال الخصوص.
رجاله ستة:
قد مرّوا إلا محمد بن أبي بكر، مرّ إسحاق بن نصر أو ابن راهويه في تعليق بعد الحادي والعشرين من "العلم"، ومرَّ وهب بن جرير في الخامس والأربعين من الوضوء، ومرَّ عباد وعمه عبد الله بن زيد في الثالث منه، ومرَّ شعبة في الثالث من "الإيمان"، والباقي محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري النجّاري الحزمي أبو عبد الملك المدني القاضي أخو عبد الله بن أبي بكر. ذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أبو حاتم: صالح ثقة، وقال النسائي: ثقة، وقال الواقدي: كان ثقة وله أحاديث، وقال أحمد: ليس به بأس.
روى عن أبيه وخالة أبيه عمرة بنت عبد الرحمن وعباد بن تميم، وروى عنه السفيانان ووهيب وأبو أويس وغيرهم.
مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، وهذا الحديث مرّ أول الباب ومرَّ هناك الكلام عليه.
стр. 4835
الحديث السابع
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ يُحَدِّثُ أَبَاهُ عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى فَاسْتَسْقَى، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ".
قوله: "قال عبد الله بن أبي بكر" أي قال: قال ويجوز أن يكون ابن عيينة حذف الصيغة مرة وجرت عادتهم بحذف إحداهما من الخط، وفي حذفها من اللفظ بحث، وعند الحموي والمستملي بلفظ عن عبد الله، وصرح ابن خزيمة في روايته بتحديث عبد الله به لابن عيينة. وقوله: "يحدث أباه" الضمير في قوله: "أباه" يعود على عبد الله بن أبي بكر لا على عباد، وضبطه الكرماني بضم الهمزة وراء بدل الموحدة أي: أظنه قال في "الفتح": ولم أرَ ذلك في شيء من الروايات التي اتصلت لنا، ومقتضاه أن الراوي لم يجزم بأن رواية عباد له عن عمه. وفي بعض نسخ ابن ماجه "عن عبد الله بن أبي بكر عن عباد بن تميم عن أبيه عن عبد الله بن زيد".
وقوله: "عن أبيه" زيادة وهم، والصواب ما وقع في النسخ المعتمدة من ابن ماجه "عن محمد بن الصباح" وكذا لابن خزيمة عن عبد الجبار بن العلاء كلاهما عن سفيان "قال حدثنا المسعودي"، ويحيى هو ابن سعيد عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم. قالَ سفيان: "فقلت لعبد الله بن أبي بكر حديث حدثناه يحيى والمسعودي عن أبيك عن عباد بن تميم، فقال عبد الله بن أبي بكر: سمعته أنا من عباد يحدث أبي عن عبد الله بن زيد" الحديث.
وقوله: "خرج إلى المُصلّى فاستسقى" في رواية الزهري المذكورة "خرج بالناس يستسقي". قال في "الفتح": لم أقف في شيء من طرق حديث عبد الله بن زيد على سبب ذلك، ولا على صفته ﷺ حال الذهاب الى المصلى, ولا على وقت ذهابه. وقد وقع ذلك في حديث عائشة عند أبي داود وابن حبان قالت: "شكا الناسُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فوضعَ له بالمُصلّى ووعَدَ الناسَ يخرجونَ فيه، فخرج حينَ بدا حاجبُ الشمس فقعدَ على المنبر فكبَّرَ وحمدَ اللهَ ثم قال: إنْ شكوتُمْ جدبَ ديارِكم واستئخارَ المطر عن إبّان زمانه عليكم، وقد أمرَكُم الله تعالى أن تدعوهُ ووعدَكم أن الله يستجيبُ لكم، ثم قال: الحمدُ للهِ رَب العَالَمِينَ، الرَّحْمَن الرَّحيم، مالِكِ يوْم الدِّين، لا إله إلا الله يفعل ما يريدُ اللَّهُمَّ أنتَ اللهُ لا إله إلا أنت الغنيُّ ونحنُ الفقراءُ أنزِلْ علينا الغيَثَ واجعلْ ما أنزلتَ لنا قوةً وبلاغًا إلى حينٍ، ثم رفعَ يديهِ فلمْ يزلْ في الرفعِ حتى بدا
следующие страницы →