← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

السادس من الإيمان، ومرّ عمر في الأول من "بدء الوحي" والاثنان الباقيان: الأول منهما: الحسن بن محمد بن الصبّاح بتشديد الباء الزعفراني أبو علي البغدادي صاحب الشافعي. قال النسائي (ثقة) قال الزعفراني: لما قرأت كتاب "الرسالة" على الشافعي قال لي: من أي العرب أنت؟ فقلت ما أنا بعربي وما أنا إلا من قرية يقال لها (الزعفرانية) قال: أنت سيد هذه القرية. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يحضر أحمد وأبو ثور عند الشافعي وهو الذي يتولى القراءة عليه. وقال ابن أبي حاتم. كتبت عنه مع أبي وهو ثقة، وسئل عنه أبي فقال: صدوق، وقال أبو عمر الصدفي: سألت العقيلي عنه فقال: ثقة من الثقات مشهور لم يتكلم فيه أحد بشيء، قال: وسألت عنه أبا علي صالح الطرابلسي فقال: ثقة ثقة. وقال ابن عبد البر: يقال إنه لم يكن في وقته أفصح منه ولا أبصر باللغة، ولذلك اختاروه لقراءة كتب الشافعي وكان يذهب إلى مذهب أهل العراق فتركه وتفقه بالشافعي، وكان نبيلًا ثقة مأمونًا، وكان يقول أصحاب الحديث كانوا رقودًا حتى أيقظهم الشافعي وما حمل أحد محبرة إلا وللشافعي عليه منة، وهو أحد رواة الأقوال القديمة عن الشافعي رواتها أربعة: هو، وأبو ثور، وأحمد بن حنبل، والكرابيسي، ورواة الأقوال الجديدة ستة المزني، والربيع بن سليمان الجيزي، والربيع بن سليمان المرادي، والبوطي، وحرملة، ويونس بن عبد الأعلى. روى عن ابن عيينة وأبي معاوية وابن علية ووكيع وغيرهم. وروى عنه الجماعة سوى مسلم وابن خزيمة وأبو عوانة وغيرهم. مات يوم الاثنين سنة تسع وخمسين ومائتين وقيل سنة ستين في شهر ربيع الآخر، وقيل في رمضان. والزعفراني في نسبه بفتح الزاي وسكون العين نسبة إلى (الزعفرانية) قرية بقرب (بغداد) والمحلة التي (ببغداد) وتسمى (درب الزعفراني) منسوية إلى هذا الإِمام؛ لأنه أقام بها، وفيها مسجد الشافعي. الثاني: محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن يونس بن مالك الأنصاري أبو عبد الله البصري القاضي. قال أبو حاتم: صدوق، وقال مرة: لم أرَ من الأئمة إلا ثلاثة: أحمد بن حنبل، وسليمان بن داود الهاشمي، ومحمد بن عبد الله الأنصاري. وقال ابن معين: ثقة. وقال مرة: كان محمد بن عبد الله الأنصاري يليق به القضاء فقيل له يا أبا زكرياء فالحديث قال: للحديث رجال. وقال الساجي: رجل جليل عالم لم يكن عندهم من فرسان الحديث مثل يحيى القطان ونظرائه غلب عليه الرأي. وقال الخطيب: كان الأنصاري قد جالس في الفقه سوار بن عبد الله بن الحسن العنبري، وعثمان البتي وولي قضاء البصرة أيام الرشيد بعد معاذ بن معاذ وذكر عمر بن شبة في أخبار البصرة أنه ذكر للقضاء أيام المهدي فقال عثمان بن الربيع للفضل بن الربيع إنه فقيه عفيف، ولكنه يأتم بفقه أبي حنيفة، ولنا في مصرنا أحكام تخالفه فلا يصلحنا إلا من أجاز أحكامنا، فتركوا ولايته إذ ذاك.

стр. 4832

وقال بشر بن آدم: سمعت الأنصاري يقول: قد وليت القضاء مرتين، والله ما حكمت (بالرأي) ولقد بعت مدبَّرًا. وقال محمد بن عبد الله الزيادي سألت الأنصاري عن شيء قضى به علينا معاذ بن معاذ فأفتى بخلافه، فلما ولي القضاء قضى في تلك المسألة بما قضى به معاذ، فسألته فقال لي: كنت انظر في كتب أبي حنيفة فإذا جاء دخول الجنة والنار لم نجد القول إلا ما قال معاذ. وقال ابن سعد: لم يزل الأنصاري يحدث بالبصرة إلى أن مات بها، وكان صدوقًا. وقال معاذ: ما رأيته عند الأشعث قط. وروى محمد بن المثنى عنه أنه كان يقول من زعم من أصحاب أشعث ممن كان يلزمه أنه كان لا يراني إلى جنبه، فهو من الكذابين كأنه يعرض بمعاذ بن معاذ، روى عن أبيه وسليمان التيمي وابن عون وحميد الطويل وابن جريج وغيرهم، وروى عنه البخاري وروى هو والباقون عنه بواسطة وروى عنه أحمد وقتيبة بن سعيد وغيرهم. مات بالبصرة في رجب سنة خمسة عشر ومائتين، وكان يقول: قد أشرفت على أربع وتسعين سنة وفي الحديث ذكر العباس بن عبد المطلب، قد مرّ في الثالث والستين من "الوضوء". لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والقول، وفيه رواية الابن عن الأب، ورواية الرجل عن عمه، ورواية الرجل عن جده هذا الحديث تفرد به البخاري عن الستة. ثم قال المصنف:

стр. 4833

باب تحويل الرداء في الاستسقاء ترجم لمشروعيته خلافًا لمن نفاه، ثم ترجم بعد ذلك لكيفيته. الحديث السادس حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْقَى فَقَلَبَ رِدَاءَهُ. قوله: "عن محمد بن أبي بكر" أي: ابن محمد بن عمرو بن حزم وهو أخو عبد الله بن أبى، بكر المذكور في الطريق الثانية من هذا الباب، وقد حدث به عن عاد أبوهما أو بكر بن محمد بن عمرو كما سيأتي بعد خمسة عشر بابًا. وقوله: "فقلب رداءه" ذكر الواقدي أن طول ردائه ﷺ كان ستة أذرع في ثلاثة أذرع، وطول إزاره أربعة أذرع وشبرين في ذراعين وشبر، وكان يلبسهما في الجمعة والعيدين. وفي "شرح الأحكام" لابن بزيزة ذرع الرداء كالذي ذكره الواقدي في ذرع إلازار، والأول أولى، ولم يتحرر في طول عمامته ﵊ وعرضها شيء، وقد نقل عن عائشة أنها سبعة أذرع في عرض ذراع. وقد ترجم المصنف بلفظ التحويل والذي في الطريق الأولى لفظ "القلب"، ورواية أبي ذر في الطريق الثانية حول وكذا هو في أول حديث في الاستسقاء وكأنه أراد أنهما بمعنى واحد، ووقع بيان المراد من ذلك عن المسعودي عن أبي بكر بن محمد ولفظه "قلبَ رداءَهُ جعلَ اليمينَ على الشمالِ". وزاد فيه ابن ماجه وابن خزيمة "والشمالَ على اليمين" وله شاهد أخرجه أبو داود عن الزهري عن عباد بلفظ "فجعلَ عطافَهُ الأيمنَ على عاتقِهِ الأيسر وعطافَهُ الأيسرَ على عاتِقِه الأيمن". وله عن عمارة بن غزية "استسقى وعليه خميصة سوداءُ فارادَ أنْ يأخذَ بأسفلها فيجعلَهُ أعلاها، فلما ثقلتْ عليه قلبَها على عاتقِهِ". وقد استحب الشافعي في الجديد فعل ما هم به عليه الصلاة السلام من تنكيس الرداء مع التحويل الموصوف. وزعم القرطبي وغيره أن الشافعي اختار في الجديد استحباب تنكيس الرداء لا تحويله، والذي في "الأم" ما ذكرته، والجمهور على التحويل فقط قال في "الفتح": ولا شك أن الذي استحبه الشافعي أحوط قلت: لم أدرِ وجه أحوطيته. ومشهور مذهب مالك أنه بعد تمام الخطبة الثانية يستقبل القبلة ثم يحول رداءه ثم يدعو، ويكون التحويل بلا تنكيس وصفته أن يبدأ بيمينه فيأخذ ما على عاتقه الأيسر، ويمره من ورائه ليضعه على منكبه الأيمن وما على الأيمن على الأيسر، فيصير ما يلي ظهره للسماء وما يليها على

стр. 4834

ظهره، والتحويل خاص بالرجال دون النساء؛ لأن التحويل يؤدي إلى كشفهن، ويكون تحويل الرجال في حال القعود. وقد استحب الجمهور أن يحول الناس بتحويل الإِمام ويشهد له ما رواه أحمد عن عباد في هذا الحديث بلفظ "وحوّل الناسُ معهُ". وقال الليث وأبو يوسف: يحوّل الإِمام وحده. وأما أبو حنيفة، فلا يستحب عنده التحويل؛ لأنه وقع لأجل التفاؤل لا للسنة وظاهر قوله: "فقلب رداءه" أن التحويل وقع عنده فراغ الاستسقاء وليس كذلك بل المعنى فقلب رداءه في أثناء الاستسقاء، وقد بينه مالك في روايته ولفظه "حول رداءه حين استقبل القبلة". ولمسلم عن أبي بكر بن محمد "وأنه لما أراد أن يدعو استقبل القبلة وحوّل رداءه". وأصله للمصنف كما يأتي بعد أبواب وله من رواية الزهري عن عباد "فقام فدعا الله قائمًا ثم توجه قِبل القبلة وحوّله رداءه" فعرف بذلك أن التحويل وقع في أثناء الخطبة عند إرادة الدعاء. واختلف في حكمة التحويل فجزم المهلب بأنه للتفاؤل بتحويل الحال عما هي عليه، وتعقبه ابن العربي بأن من شرط الفأل أن لا يقصد إليه قال: وإنما التحويل أمارة بينه وبين ربه، قيل له حوّلْ رداءك ليتحول حالك، وتعقب بأن الذي جزم به يحتاج إلى نقل والذي رده ورد فيه حديث. رجاله ثقات، أخرجه الحاكم والدارقطني عن جعفر بن محمد بن علي عن أبيه عن جابر بلفظ "حول رداءه ليتحول القحط"، ورجح الدارقطني إرساله. وعلى كل حال، فهو أولى من القول بالظن، وقال بعضهم: إنما حول رداءه ليكون أثبت على عاتقه عند رفع يديه في الدعاء فلا يكون سنة في كل حال. وأجيب بأن التحويل من جهة إلى جهة لا يقتضي الثبوت على العاتق، فالحمل على المعنى الأول أولى فإن الاتباع أولى من تركه لمجرد احتمال الخصوص. رجاله ستة: قد مرّوا إلا محمد بن أبي بكر، مرّ إسحاق بن نصر أو ابن راهويه في تعليق بعد الحادي والعشرين من "العلم"، ومرَّ وهب بن جرير في الخامس والأربعين من الوضوء، ومرَّ عباد وعمه عبد الله بن زيد في الثالث منه، ومرَّ شعبة في الثالث من "الإيمان"، والباقي محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري النجّاري الحزمي أبو عبد الملك المدني القاضي أخو عبد الله بن أبي بكر. ذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أبو حاتم: صالح ثقة، وقال النسائي: ثقة، وقال الواقدي: كان ثقة وله أحاديث، وقال أحمد: ليس به بأس. روى عن أبيه وخالة أبيه عمرة بنت عبد الرحمن وعباد بن تميم، وروى عنه السفيانان ووهيب وأبو أويس وغيرهم. مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، وهذا الحديث مرّ أول الباب ومرَّ هناك الكلام عليه.

стр. 4835

الحديث السابع حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ يُحَدِّثُ أَبَاهُ عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى فَاسْتَسْقَى، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ". قوله: "قال عبد الله بن أبي بكر" أي قال: قال ويجوز أن يكون ابن عيينة حذف الصيغة مرة وجرت عادتهم بحذف إحداهما من الخط، وفي حذفها من اللفظ بحث، وعند الحموي والمستملي بلفظ عن عبد الله، وصرح ابن خزيمة في روايته بتحديث عبد الله به لابن عيينة. وقوله: "يحدث أباه" الضمير في قوله: "أباه" يعود على عبد الله بن أبي بكر لا على عباد، وضبطه الكرماني بضم الهمزة وراء بدل الموحدة أي: أظنه قال في "الفتح": ولم أرَ ذلك في شيء من الروايات التي اتصلت لنا، ومقتضاه أن الراوي لم يجزم بأن رواية عباد له عن عمه. وفي بعض نسخ ابن ماجه "عن عبد الله بن أبي بكر عن عباد بن تميم عن أبيه عن عبد الله بن زيد". وقوله: "عن أبيه" زيادة وهم، والصواب ما وقع في النسخ المعتمدة من ابن ماجه "عن محمد بن الصباح" وكذا لابن خزيمة عن عبد الجبار بن العلاء كلاهما عن سفيان "قال حدثنا المسعودي"، ويحيى هو ابن سعيد عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم. قالَ سفيان: "فقلت لعبد الله بن أبي بكر حديث حدثناه يحيى والمسعودي عن أبيك عن عباد بن تميم، فقال عبد الله بن أبي بكر: سمعته أنا من عباد يحدث أبي عن عبد الله بن زيد" الحديث. وقوله: "خرج إلى المُصلّى فاستسقى" في رواية الزهري المذكورة "خرج بالناس يستسقي". قال في "الفتح": لم أقف في شيء من طرق حديث عبد الله بن زيد على سبب ذلك، ولا على صفته ﷺ حال الذهاب الى المصلى, ولا على وقت ذهابه. وقد وقع ذلك في حديث عائشة عند أبي داود وابن حبان قالت: "شكا الناسُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فوضعَ له بالمُصلّى ووعَدَ الناسَ يخرجونَ فيه، فخرج حينَ بدا حاجبُ الشمس فقعدَ على المنبر فكبَّرَ وحمدَ اللهَ ثم قال: إنْ شكوتُمْ جدبَ ديارِكم واستئخارَ المطر عن إبّان زمانه عليكم، وقد أمرَكُم الله تعالى أن تدعوهُ ووعدَكم أن الله يستجيبُ لكم، ثم قال: الحمدُ للهِ رَب العَالَمِينَ، الرَّحْمَن الرَّحيم، مالِكِ يوْم الدِّين، لا إله إلا الله يفعل ما يريدُ اللَّهُمَّ أنتَ اللهُ لا إله إلا أنت الغنيُّ ونحنُ الفقراءُ أنزِلْ علينا الغيَثَ واجعلْ ما أنزلتَ لنا قوةً وبلاغًا إلى حينٍ، ثم رفعَ يديهِ فلمْ يزلْ في الرفعِ حتى بدا

стр. 4836

بياضُ إبطيه ثم حوّلَ إلى الناسِ ظهرَهُ وقلبَ أو حول رداءَه وهو رافعٌ يديه ثم أقبلَ على الناسِ ونزلَ فصلَّى ركعتينَ فانشأ الله سحابةً فرعدتْ وبرقتْ ثم أمطرتْ بإذنِ اللهِ تعالى، فلمْ يأت مسجدَهُ حتي سالتِ السيولُ فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحكَ حتى بدتْ نواجذُهُ فقال أشهدُ أنّ اللهِ على كلِّ شيءٍ قديرٌ وأني عبدُ اللهِ ورسولُه. وبهذا أخذ الحنفية والمالكية والحنابلة فقالوا: إن وقت صلاتها وقت العيد، والراجح عند الشافعية أنه لا وقت لها معين وإن كان أكثر أحكامها كالعيد، لكنها تخالفه بأنها لا تختص بيوم معين، بل جميع الليل والنهار وقت لها؛ لأنها ذات سبب فدارت مع سببها كصلاة الكسوف، لكن وقتها المختار وقت صلاة العيد كما صرح به الماوردي وابن الصلاح لهذا الحديث. وعند أحمد وأصحاب "السنن" عن ابن عباس "خَرجَ ﷺ متبذلًا متواضعًا متضرعًا حتى أتى، المُصلّى فَرَقِيَ المنبرَ لابسًا ثيابَ بذلة" بكسر الموحدة وسكون المعجمة المهنة؛ لأنه اللائق بالحال، وفارق العيد بأنه يوم عيد وهذا يوم مسألة واستكانة، وهل تصنع بالليل استنبط بعضهم من كونه ﷺ جهر بالقراءة فيها بالنهار أنها نهارية كالعيد، وإلا فلو كانت تصلى بالليل لأسرّ فيها بالنهار وجهر بالليل كمطلق النوافل، ونقل ابن قدامة الإجماع على أنها لا تصلّى في وقت الكراهة. وأفاد ابن حبان أن خروجه ﵊ إلى المصلى للاستسقاء كان في رمضان سنة ست من الهجرة. وقوله: "فاستقبل القبلة وحول رداءه" تقدم ما فيه في الحديث الذي قبله. وقوله: "وصلى ركعتين" في رواية يحيى بن سعيد المذكورة عند ابن خزيمة "وصلى بالناس ركعتين"، وفي رواية الزهري الآتية في باب (كيف حول ظهره ثم صلى لنا ركعتين) استدل به على أن الخطبة في الاستسقاء قبل الصلاة وهو مقتضى حديث عائشة وابن عباس المذكورين، لكن وقع عند أحمد في حديث عبد الله بن زيد التصريح بأنه بدأ بالصلاة قبل الخطبة، وكذا في حديث أبي هريرة عند ابن ماجه حيث قال: "فصلى بنا ركعتين بغير أذان ولا إقامة". والمرجح عند المالكية والشافعية والحنابلة الخطبة بعد الصلاة، وليس في شيء من طرق حديث عبد الله بن زيد صفة الصلاة المذكورة ولا ما يقرأ فيها. وقد أخرج الدارقطني عن ابن عباس أنه يكبر فيهما سبعًا وخمسًا كالعيد، وأنه يقرأ فيهما ﴿سبّح﴾ و ﴿هَلْ أتَاكَ﴾ ووفي إسناده مقال لكن أصله في "السنن" بلفظ ثم "صلى ركعتين" كما يصلي في العيد. وأخذ بظاهره الشافعي فقال: يكبر فيهما كما سبق. واستدل أبو إسحاق في "المهذب" له بما رواه الدارقطني "أن مروان أرسل إلى ابن عباس يسأله عن سنة الاستسقاء فقال: سنة الاستسقاء الصلاة كالصلاة في العيدين إلا أنه ﷺ قلب رداءه فجعل يمينه يساره ويساره يمينه، وصلى ركعتين كبر في الأولى سبع تكبيرات وقرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبكَ

стр. 4837

الأعْلَى﴾ وقرأ في الثانية: ﴿هَلْ أتَاكَ﴾ وكبر خمس تكبيرات". لكن قال في "المجموع" إنه ضعيف، وذهب الجمهور إلى أنه يكبر فيهما تكبيرة واحدة للإحرام كسائر الصلوات، وبه قال مالك وأحمد وأبو يوسف ومحمد لحديث الطبراني الأوسط عن أنس "أنه ﷺ استسقى فخطبَ قبلَ الصلاة واستقبل القبلةَ وحوَّلَ رداءَهُ ثم نزل فصلَّى ركعتين ولم يكبِّر فيهما إلا تكبيرة". وأجابوا عن قوله في حديث "السنن" كما يصلي في العيدين يعني في العدد والجهر بالقراءة، وكون الركعتين قبل الخطبة قال في "الفتح": ويمكن الجمع بين ما اختلف من الروايات في تقديم الخطبة أو الصلاة بأنه عليه الصلاة السلام بدأ بالدعاء، ثم صلى ركعتين، ثم خطب فاقتصر بعض الرواة على شيء وبعضهم على شيء. وعبر بعضهم عن الدعاء بالخطبة؛ فلذلك وقع الاختلاف. وأما قول ابن بطال إن رواية أبي بكر بن محمد دالة على تقديم الصلاة على الخطبة وهو أضبط من ولديه عبد الله ومحمد فليس ذلك بالبين من سياق البخاري ومسلم. وقال القرطبي: يعتضد القول بتقديم الصلاة على الخطبة لمشابهتها للعيد، وكذا ما تقرر من تقديم الصلاة أمام الحاجة، وقد ترجم المصنف لهذا الحديث أيضًا الدعاء في الاستسقاء قائمًا واستقبال القبلة فيه، وحمله ابن العربي على حال الصلاة ثم قال: يحتمل أن يكون ذلك خاصًا بدعاء الاستسقاء، ولا يخفى ما فيه. وقد ترجم له المصنف في الدعوات بالدعاء مستقبل القبلة من غير قيد بالاستسقاء وكأنه ألحقه به؛ لأن الأصل عدم الاختصاص، وترجم أيضًا لكونها ركعتين وهو إجماع عند من قال بها. وقد مرّ عند حديث أنس في باب (الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة) من كتاب "الجمعة" أن أبا حنيفة قال: إن الاستسقاء لا صلاة فيه وإنما هو دعاء وتضرع واستغفار، وقد استوفينا الكلام على ذلك هناك. وقد قيل: إنه استدل بقوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ قال: إنه علق نزول الغيث بالاستغفار لا بالصلاة، فكان الأصل فيه الدعاء والتضرع دون الصلاة. واستدل بظواهر أحاديث يجب ردها إلى ما ثبت في الأحاديث الصريحة من الصلاة. وترجم المصنف أيضًا لكونها في المصلى. وقد استثنى الخفاف من الشافعية مسجد مكة كالعيد قلت: وكذلك عند المالكية فإن أهلها يستسقون بالمسجد كالعيد. رجاله خمسة: قد مرّوا وفيه لفظ "أباه": مرّ علي بن المديني في الرابع عشر من "العلم"، ومرّ سفيان بن عيينة في الأول من "بدء الوحي"، ومرّ عبد الله بن أبي بكر في الرابع من الوضوء، ومرَّ في الذي قبله ذكر

стр. 4838

محل عبّاد وعمه. ولفظ: "أباه" الضمير فيه راجع إلى عبد الله بن أبي بكر لا إلى عباد أي أبي عبد الله وهو أبو بكر، وقد مرّ أبو بكر في تعليق بعد الأربعين من "العلم". ثم قال: "قال أبو عبدِ الله كان ابنُ عيينةَ يقولُ: هو صاحبُ الأذانِ ولكنَّه وَهم؛ لأنَّ هذا عبدُ الله بنُ زيد بن عاصمٍ المازنى مازنِ الأنصارِ". وقوله: "كان ابن عيينة" يحتمل أن يكون تعليقًا، ويحتمل أن يكون سمعه من شيخه علي بن عبد الله المذكور، ويرجح الثاني أن الإسماعيلي أخرجه عن جعفر الفريابي عن علي بن عبد الله بهذا الإسناد، وكذا أخرجه النسائي. وقوله: "لأن هذا" أي: راوي حديث الاستسقاء عبد الله بن زيد بن عاصم أي: وذاك الذي هو عبد الله بن زيد رائي الأذان عبد الله بن زيد بن عبد ربه. وقد اتفقا في الاسم واسم الأب والنسبة إلى الأنصار ثم إلى الخزرج والصحبة والرواية وافترقا في الجد والبطن الذي من الخزرج؛ لأن حفيد عاصم من مازن وحفيد عبد ربه من بلحارث بن الخزرج. وقد بينا هذا وأوضحناه، غاية عند تعريف عبد الله بن عاصم في كتاب "الوضوء" في الحديث الثالث منه. وقوله: "مازن الأنصار" احتراز من مازن غير الأنصار كمازن تميم ومازن قيس بن عيلان ومازن بكر بن هوازن ومازن شبة ومازن شيبان ومازن في القبائل كثير، والمازن في اللغة بيض النمل، وأبو عبد الله هو البخاري نفسه، وابن عيينة قد مرَّ الآن. ثم قال المصنف: باب انتقام الرّب من خلقه بالقحط إذا انتهكت محارمه هكذا وقعت هذه الترجمة في رواية الحموي وحده خالية من حديث ومن أثر قال ابن رشيد: كأنها كانت في رقعة مفردة فاهملها الباقون، وكأنه وضعها ليدخل تحتها حديثًا وأليق شيء بها حديث ابن مسعود المذكور في ثاني باب من "الاستسقاء"، وأخر ذلك ليقع له تغيير في بعض سنده كما جرت عادته غالبًا بذلك فعاقه عن ذلك عائق. ثم قال المصنف: باب الاستسقاء في المسجد الجامع أشار بهذه الترجمة إلى أن الخروج إلى المُصلّى ليس بشرط في الاستسقاء؛ لأن الملحوظ في الخروج المبالغة في اجتماع الناس وذلك حاصل في المسجد الأعظم بناء على المعهود في ذلك الزمان من عدم تعدد الجامع بخلاف ما حدث في هذه الأعصار في بلاد مصر والشام وغيرهما. وقد ترجم له المصنف بعد هذا باب من اكتفى بصلاة الجمعة في خطبة الاستسقاء، وترجم له أيضًا الاستسقاء وصلاتها في الجمعة، ومدار الطرق الثلاثة على شريك فالأولى عن أبي حمزة، والثانية عن مالك، والثالثة عن إسماعيل بن جعفر ثلاثتهم عن شريك، وفيه طرق أخرى عن أنس وقع التنبيه عليها في أثناء تفسير الحديث.

стр. 4839

الحديث الثامن حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو ضَمْرَةَ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَذْكُرُ أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ كَانَ وُجَاهَ الْمِنْبَرِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ الْمَوَاشِي وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا. قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا. قَالَ أَنَسٌ: وَلاَ وَاللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلاَ قَزَعَةً وَلاَ شَيْئًا، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلاَ دَارٍ، قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ. قَالَ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتًّا، ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ الأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالْجِبَالِ وَالآجَامِ وَالظِّرَابِ وَالأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ. قَالَ: فَانْقَطَعَتْ وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ. قَالَ شَرِيكٌ: فَسَأَلْتُ أَنَسًا أَهُوَ الرَّجُلُ الأَوَّلُ؟ قَالَ: "لاَ أَدْرِي". وقد استوفى الكلام على حديث أنس هذا عند حديثه في كتاب "الجمعة" في باب (الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة)، ومرّ هناك استيفاء الكلام على رفع الأيدي في الدعاء فراجعه. رجاله أربعة: قد مرّوا، وفيه لفظ رجل مبهم: مرّ محمد بن سلام في الثالث عشر من الإيمان, ومرَّ أنس في السادس منه، ومرَّ أبو ضمرة أنس بن عياض في الرابع عشر من الوضوء، ومرّ شريك بن عبد الله في الخامس من العلم. والرجل المبهم قال في "الفتح": لم أقف على تسميته، ويحتمل عندي أنه كعب بن مُرّة لما جاء في حديث أحمد مما يمكن أن يفسره، ويحتمل أنه خارجة بن حصن بن حذيفة، وها أنا أذكر تعريف الاثنين المحتملين لتتم الفائدة. الأول: كعب بن مرة البَهْزي، وقيل مرة بن كعب البهزي السُّلَمي بضم المهملة والأول أصح،

стр. 4840

وأخرج البغوي عن شرحبيل بن السمط قال: قلت لكعب: حدثنا عن رسول الله ﷺ يا كعبُ قال: كنا عندَ رسولِ الله ﷺ فجاءَهُ رجلٌ فقالَ: يا رسولَ الله استسقِ لمضر. قال: فرفعَ يديهِ وقال: اللَّهُمَّ اسقنا غيثًا مُغيثًا، وفيه فأتوه فشكوا إليه المطر فقالوا: انهدمتِ البيوتُ. قال فى "الفتح": فهذا الحديث يدل على أن السائل في حديث البخاري غير كعب سكن كعب (البصرة) ثم (الأردن) ويقال إن الذي سكن (البصرة) وروى عنه أهلها غير الذي سكن (الشام) وروى عن النبي ﷺ فهما اثنان روى عنه شرحبيل لما قال له: "يا كعب حدثنا واحذر" قال: سمعت النبي ﷺ يقول مَنْ شابَ شيبةً في الإِسلام كانت له نورًا يوم القيامة" أخرجه الترمذي. روى عنه أبو الأشعث وشرحبيل بن السمط. مات (بالأردن) سنة سبع أو تسع وخمسين. الثاني: خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر أخو عيينة بن حصن وهو والد أسماء بن خارجة الذي كان بالكوفة، له وفادة ذكر ابن شاهين عن يزيد بن رومان قال قدم خارجة بن حصن وجماعة إلى النبي ﷺ فشكوا الجدب والجهد وقالوا: اشفع لنا إلى ربك فقال: "اللهم اسقنا" الحديث، وفيه: "فأسلموا ورجعوا". وذكر الواقدي في الردة أنه كان ممن منع صدقة قومه، وأورد الحطيئة في ذلك شعرًا ومدحه به وأنه لقي نوفل بن معاوية الدؤلي فاستعاد منه الصدقة فردها على من أخذها منهم. قال ثم مات خارجة بعد ذلك، وورى الواقدي أنه قدم على أبي بكر حين فرغ خالد بن الوليد من قتال بني أسد فقال أبو بكر: اختاروا إما سلمًا مخزية وإما حربًا مجلية. فقال له خارجة بن حصن هذه الحرب قد عرفناها فما السلم؟ ففسرها له فقال: رضيت يا خليفة رسول الله. وقال المرزباني هو مخضرم وأنشد له أبياتًا قالها في الجاهلية يفتخر بها على الطائيين يوم عوارض، وذكر أن زيد الخيل أجابه عنها. لطائف إسناده: فيه التحديث والإخبار بالجمع والسماع والقول وهو من الرباعيات وشيخ البخاري من أفراده. أخرجه البخاري في "الاستسقاء" أيضًا، ومسلم وأبو داود والنسائي فيه. ثم قال المصنف:

стр. 4841

باب الاستسقاء في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة ذكر فيه حديث أنس المذكور عن إسماعيل بن جعفر. الحديث التاسع حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الجُمُعَةٍ مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ الْقَضَاءِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتِ الأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا. قَالَ أَنَسٌ: وَلاَ وَاللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ، وَلاَ قَزَعَةً، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلاَ دَارٍ. قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ، فَلاَ وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتًّا، ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتِ الأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا عَنَّا. قَالَ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ. قَالَ: فَأَقْلَعَتْ وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ. قَالَ شَرِيكٌ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَهُوَ الرَّجُلُ الأَوَّلُ؟ فَقَالَ: مَا أَدْرِي. وهذا الحديث مرّ الكلام عليه في الباب المذكور من الجمعة. رجاله أربعة: مرّ شريك وأنس في الذي قبله، ومرّ قتيبة في الحادي والعشرين من "الإيمان"، وإسماعيل بن جعفر مرّ في السادس والعشرين من "الإيمان". وهذا الحديث أيضًا من الرباعيات. ثم قال المصنف:

стр. 4842

باب الاستسقاء على المنبر الحديث العاشر حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَحَطَ الْمَطَرُ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا. فَدَعَا فَمُطِرْنَا، فَمَا كِدْنَا أَنْ نَصِلَ إِلَى مَنَازِلِنَا فَمَا زِلْنَا نُمْطَرُ إِلَى الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ. قَالَ: فَقَامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَوْ غَيْرُهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَصْرِفَهُ عَنَّا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا. قَالَ فَلَقَدْ رَأَيْتُ السَّحَابَ يَتَقَطَّعُ يَمِينًا وَشِمَالاً يُمْطَرُونَ وَلاَ يُمْطَرُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ". وهذا هو الحديث السابق. رجاله أربعة: قد مرّوا: مرّ مسدد وقتادة وأنس في السادس من "الإيمان"، ومرَّ أبو عوانه فى الخامس من "بدء الوحي"، ومرَّ الكلام على الرجل السائل في الذي قبله بحديث. ثم قال المصنف:

стр. 4843

باب من اكتفى بصلاة الجمعة في الاستسقاء الحديث الحادي عشر حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ هَلَكَتِ الْمَوَاشِي وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ. فَدَعَا، فَمُطِرْنَا مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ تَهَدَّمَتِ الْبُيُوتُ وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ، وَهَلَكَتِ الْمَوَاشِي فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا. فَقَامَ ﷺ فَقَالَ: اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالظِّرَابِ وَالأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ. فَانْجَابَتْ عَنِ الْمَدِينَةِ انْجِيَابَ الثَّوْبِ. وهذه رواية من الحديث السابق. وقد مرّ الكلام عليه في الباب المذكور. وقوله فيه: "فدعا فمطرنا" في رواية الأصيلي "فادع الله" بدل فدعا وكل من اللفظين مقدر فيما لم يذكر فيه وفيه تعقب على من استدل به لمن يقول لا تشرع الصلاة للاستسقاء؛ لأن الظاهر ما تضمنته الترجمة. رجاله أربعة: مرّوا مرّ عبد الله بن مسلمة في الثاني عشر من "الإيمان"، ومرَّ مالك في الثاني من "بدء الوحي"، ومرَّ شريك في الخامس من "العلم"، ومرَّ أنس الآن، والحديث من الرباعيات أيضًا. ثم قال المصنف:

стр. 4844

باب الدعاء إذا انقطعت السبل من كثرة المطر قوله: "من كثرة المطر" أي وسائر ما ذكر في الحديث مما يشرع الاستصحاء عند وجوده وظاهره أن الدعاء بذلك متوقف على سبق السقيا، وكلام الشافعي في "الأم" يوافقه، وزاد أنه لا يسن الخروج للاستصحاء ولا الصلاة ولا تحويل الرداء، بل يدعى بذلك في خطبة الجمعة أو في أعقاب الصلاة وفي هذا تعقب على من قال من الشافعية إنه ليس قول الدعاء المذكور في أثناء خطبة الاستسقاء؛ لأنه لم ترد به السنة. الحديث الثاني عشر حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ الْمَوَاشِي وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمُطِرُوا مِنْ جُمُعَةٍ إِلَى جُمُعَةٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَهَدَّمَتِ الْبُيُوتُ وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ وَهَلَكَتِ الْمَوَاشِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اللَّهُمَّ عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ وَالآكَامِ وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ. فَانْجَابَتْ عَنِ الْمَدِينَةِ انْجِيَابَ الثَّوْبِ. وهذا الحديث أيضًا طريق من السابق، ومرَّ الكلام عليه في الباب المذكور. رجاله أربعة: مرّوا: مرّ إسماعيل بن أبي أويس في الخامس عشر من الإيمان، وأنس في السادس منه، وذكر مالك وشريك في الذي قبله. ثم قال المصنف:

стр. 4845

باب ما قيل إن النبي ﷺ لم يحوّل رداءه في الاستسقاء يوم الجمعة إنما عبر عنه بلفظ قيل مع صحة الخبر؛ لأن الذي قال في الحديث ولم يذكر أنه حول رداءه يحتمل أن يكون هو الراوي عن أنس أو من دونه فلأجل هذا التردد لم يجزم بالحكم وأيضًا فسكوت الراوي عن ذلك لا يقتضي نفي الوقوع، وأما تقييده بقوله: "يوم الجمعة" فليبين أن قوله فيما مضى باب تحويل الرداء في الاستسقاء أي: الذي يقام في المُصلّى. الحديث الثالث عشر حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بن أبي طلحة عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلاً شَكَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ هَلاَكَ الْمَالِ وَجَهْدَ الْعِيَالِ، فَدَعَا اللَّهَ يَسْتَسْقِي، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ حَوَّلَ رِدَاءَهُ وَلاَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ. أي في استسقائه يوم الجمعة وتعقب الإِسماعيلي المؤلف فقال: لا أعلم أحدًا ذكر في حديث أنس تحويل الرداء وإذا قال المحدّث لم يذكر أنه حوّل لم يجز أن يقال إنّ النبي ﷺ لم يحوّل؛ لأن عدم ذكر الشيء لا يوجب عدم ذلك الشيء، فكيف يقول البخاري: لم يحوّل؟ وأجيب عنه بما مرّ في الترجمة من أنه لم يجزم بعدم التحويل لما ذكر، وتمسك بهذا الحديث أبو حنيفة لما ذهب إليه من أنه لا صلاة ولا تحويل في الاستسقاء، ولعله لم تبلغه الأحاديث المصرحة بذلك وهذا السياق الذي أورده المصنف بهذا الحديث في هذا الباب مختصر جدًا، وسيأتي مطولًا من الوجه المذكور بعد اثني عشر بابًا، وفيه يخطب على المنبر يوم الجمعة. رجاله خمسة: مرّ منهم الأوزاعي في العشرين من "العلم"، ومرَّ إسحاق بن عبد الله في الثامن منه، ومرَّ أنس في السادس من "الإيمان" والباقي اثنان: الأول الحسن بن بشر بن سلم بن المسيب الهمداني البجلي أبو علي الكوفي قال أحمد: ما أرى كان به بأس، وروى عن زهير أشياء مناكير، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال ابن عدي: ليس هو بمنكر الحديث، وقال النسائي: ليس بالقوي قال في المقدمة روى عنه البخاري موضعين لا غير أحدهما في الصلاة، والآخر في المناقب. أما الذي في الصلاة فحديثه في الاستسقاء عن معافى بن عمران وهو عنده من غير وجه عن إسحاق بن عبد الله.

стр. 4846

والثاني حديثه أنه أوتر بركعة عن معافى أيضًا، وهذا عنده أيضًا من حديث نافع فلم يخرج له شيئًا من أفراده ولا من أحاديثه عن زهير التي استنكرها أحمد. روى عن المعافى بن عمران وأبي خيثمة الجعفي وشريك القاضي وغيرهم، وروى عنه البخاري، وروى عنه الترمذي والنسائي بواسطة. مات سنة إحدى وعشرين ومائتين. الثاني: معافى باسم المفعول بن عمران بن نفيل بن جابر بن جبلة بن عبيد بن لبيد بن مجاشع بن سلمة بن فهم الأزدي الفهمي أبو مسعود النفيلي الموصلي الفقيه الزاهد. قال أبو زكرياء: إلا الأزدي رحل في طلب العلم إلى الآفاق وجالس العلماء، ولزم الثوري وتأدب بآدابه وتفقه به وأكثر عنه وعن غيره، وصنف حديثه في "السنن" وغير ذلك وكان زاهدًا فاضلًا شريفًا كريمًا عاقلًا. وقال: كان من العباد المتقشفين في الزهد، وقال ابن سعد: كان ثقة خيرًا فاضلًا صاحب سنة. قال وكيع: حدثنا المعافى وكان ثقة، وكان ابن المبارك يقول: حدثنا ذاك الرجل الصالح يعني المعافى، وكان الثوري يقول للمعافى: أنت معافى كاسمك وكان يسميه الياقوتة. وقال بشر بن الحارث: كان المعافى محشوًا بالعلم والفهم والخير، قال: وكان المعافى لا يأكل وحده وذكر من سخائه ومناقبه، وفضائله كثيرة جدًا. وقال ابن عمار: لم أر بعده أفضل منه قال، وكنت عند عيسى بن يونس فقال لي: رأيت المعافى؟ قلت: نعم، ما أحسب أحدًا رأى المعافى وسمع من غيره يريد الله تعالى بعلمه. وقال الثوري امتحنوا أهل الموصل بالمعافى، وقال: أهدى إلى المعافى كتبًا فقبلت منه وكان المعافى أهلًا لذلك، وقال أحمد شيخ له قدر وحال وجعل يعظم أمره وكان رجلًا صالحًا. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: كان صادق اللهجة، وقال ابن معين وأبو حاتم والعجلي وأبو خراش: ثقة، وقال أبو زرعة: كان عبدًا صالحًا. وقال إبراهيم بن جنيد: قلت لابن معين أيما أحب إليك؟ أكتب جامع سفيان عن فلان أو فلان أو عن رجل عن المعافى؟ فقال عن رجل عن رجل حتى عد خمسة أو ستة عن المعافى أحب إلى. روى عن ابن جريج ومالك بن مِغْوَل والثوري والأوزاعي وخلف، وروى عنه بقية وموسى بن أعين وابن المبارك وهم أكبر منه ووكيع وهو من أقرانه وابناه أحمد وعبد الكبير وبشر الحافي وغيرهم. مات سنة أربع ومائتين أو خمس وثمانين ومائة. والنفيلي في نسبه نسبة إلى جده نفيل المذكور والموصلي في نسبه نسبة إلى (الموصل) كمجلس بلد، ويسمى أثور بالمثلثة وهو إلى الجانب الغربي من دجلة بناه محمد بن مروان إذ ولي الجزيرة في خلافة أخيه عبد الملك أو أرض بين العراق والجزيرة وزعم ابن الأنباري أنها سميت بذلك؛ لأنها وصلت بين الفرات ودجلة. وقال ابن الأثير:

стр. 4847

(الموصل) من الجزيرة قيل لها الجزيرة؛ لأنها بين دجلة والفرات، وتسمى (الموصل) الحديثة وبينها وبين القديمة فراسخ والموصلان في قول الشاعر: وبصرة الأزد منا والعراق لنا ... والموصلان ومنا العصر والحرم هي والجزيرة وقد نسب إليها كثير من المحدثين قديمًا وحديثًا. أخرج البخاري هذا الحديث أيضًا في "الاستسقاء" وفي "الاستئذان"، ومسلم في "الصلاة" وكذا النسائي. ثم قال المصنف:

стр. 4848

باب إذا استشفعوا إلى الإِمام ليستسقي لهم لم يردهم قال الزين بن المنير: تقدم له باب سؤال الناس الإمام إذا قحطوا، والفرق بين الترجمتين أن الأولى لبيان ما على الناس أن يفعلوه إذا احتاجوا إلى الاستسقاء، والثانية لبيان ما على الإِمام من إجابة سؤالهم. الحديث الرابع عشر حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتِ الْمَوَاشِي، وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ. فَدَعَا اللَّهَ، فَمُطِرْنَا مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَهَدَّمَتِ الْبُيُوتُ وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ وَهَلَكَتِ الْمَوَاشِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اللَّهُمَّ عَلَى ظُهُورِ الْجِبَالِ وَالآكَامِ وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ. فَانْجَابَتْ عَنِ الْمَدِينَةِ انْجِيَابَ الثَّوْبِ". وهذا الحديث هو المذكور في السابق أورده من وجه آخر عن مالك، وأجاب ابن المنير عن السر في كونه ﵊ لم يبدأ بالاستسقاء حتى سألوه مع أنه ﵊ أشفق عليهم منهم وأولى بهم من أنفسهم بأن مقامه ﵊ التوكل على البأساء والضراء، وكذلك كان أصحابه الخواص يقتدون به، وهذا المقام لا تصل إليه العامة وأهل البوادي، ولهذا والله أعلم كان السائل في الاستسقاء بدويًا، فلما سألوه أجاب رعاية لهم وإقامة لسنة هذه العبادة فيمن بعده من أهل الأزمنة التي يغلب على أهلها الجزع وقلة الصبر على اللأواء أو بسفينة الصبر والتسليم للقضاء؛ لأنه ﵊ قبل السؤال فوض ولم يستسق. رجاله أربعة: قد مرّوا: مرّ عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من "بدء الوحي"، ومرّ شريك في الخامس من "العلم"، ومرّ أنس في السادس من "الإيمان"، وقد مرّ هذا الحديث كثيرًا. ثم قال المصنف:

стр. 4849

باب إذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط قال الزين بن المنير: ظاهر هذه الترجمة منع أهل الذمة من الاستبداد بالاستسقاء، ولا يظهر وجه المنع من هذا اللفظ. قلت: ما قاله هو مذهب مالك فإن الذمي عنده لا يمنع من الاستسقاء وينفرد بمكان عن المسلمين لا بيوم، وأخذه من هذه الترجمة بعيد جدًا، واستشكل بعض الشيوخ مطابقة حديث ابن مسعود للترجمة؛ لأن الاستشفاع إنما وقع عقب دعاء النبي ﷺ عليهم بالقحط، ثم سئل أن يدعو برفع ذلك ففعل فنظيره أن يكون إمام المسلمين هو الذي دعا على الكفار بالجدب فجاءه الكفار يسألونه الدعاء بالسُّقيا، ومحصله أن الترجمة أعم من الحديث ويمكن أن يقال هي مطابقة لما وردت فيه، ويلحق بها بقية الصور إذ لا يظهر الفرق بين ما إذا استشفعوا بدعائه أو بابتلاء الله لهم بذلك فإن الجامع بينهما ظهور الخضوع منهم والذلة للمؤمنين في التماسهم الدعاء لهم منهم، وذلك من مطالب الشرع. ويحتمل أن يكون ما ذكره بعض الشيوخ هو السبب في حذف المصنف جواب إذا من الترجمة ويكون التقدير في الجواب مثلًا أجابهم مطلقًا أو أجابهم بشرط أن يكون هو الذي دعا عليهم، أو لم يجبهم إلى ذلك أصلًا ولا دلالة فيما وقع من النبي ﷺ في هذه القصة على مشروعية ذلك لغيره إذ الظاهر أن ذلك من خصائصه لاطلاعه على المصلحة في ذلك بخلاف من بعده من الأئمة ولعل حذف جواب إذا لوجود هذه الاحتمالات. قلت: الاحتمالان الأولان ممكنان في تقدير كلام البخاري، وأما الثالث الذي هو عدم الإجابة أصلًا فلا يمكن في كلامه؛ لأن البخاري استدل على الترجمة بالحديث، والحديث فيه الإجابة قطعًا فعلم أن مراده الإجابة إما مطلقًا أو على الشرط المذكور. ويمكن أن يقال إذا رجا إمام المسلمين رجوعهم عن الباطل أو وجود نفع عام للمسلمين شرع دعاؤه لهم.

стр. 4850

الحديث الخامس عشر حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ وَالأَعْمَشُ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ إِنَّ قُرَيْشًا أَبْطَئُوا عَنِ الإِسْلاَمِ، فَدَعَا عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَتَّى هَلَكُوا فِيهَا وَأَكَلُوا الْمَيْتَةَ وَالْعِظَامَ، فَجَاءَهُ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، جِئْتَ تَأْمُرُ بِصِلَةِ الرَّحِمِ، وَإِنَّ قَوْمَكَ هَلَكُوا، فَادْعُ اللَّهَ. فَقَرَأَ ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ الآية ثُمَّ عَادُوا إِلَى كُفْرِهِمْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ يَوْمَ بَدْرٍ. قوله: "قال: أتيت ابن مسعود" قد مرّ عند هذا الحديث في أول الاستسقاء أن في تفسير سورة (الروم) بينما رجل يحدث في كندة الخ، ومرَّ الكلام عليه هناك، ومرَّ الكلام على ما قيل في (الدخان) هناك. وقوله: "فدعا عليهم" قد مرّ عند الحديث المذكور صفة ما دعا به عليهم وهو "اللَّهُمَّ سبعًا كسبعِ يُوسُفَ" وهو منصوب بفعل تقديره أسألك أو سلط عليهم ويأتي في تفسير سورة (يوسف) بلفظ "اللَّهُمَّ اكفنيهم بسبع كسبع يُوسُفَ". وفي سورة (الدخان) "اللَّهُمَّ أعني عليهم إلى آخره"، ومرّ عند الحديث المذكور ابتداء دعائه ﵊ عليهم. قوله: "فجاء أبو سفيان" قد مرّ عند حديث ابن عمر في تمثله بشعر أبي طالب ما قيل في وقت مجيء أبي سفيان إليه ﷺ . وقوله: "تأمر بصلة الرحم" أي والذين هلكوا بدعائك من ذوي رحمك فينبغي أن تصل رحمك بالدعاء لهم، ولم يقع في هذا السياق التصريح بأنه دعا لهم وسيأتي هذا الحديث في تفسير سورة (ص) بلفظ "فكشف عنهم ثم عادوا". وفي سورة (الدخان) من وجه آخر بلفظ "فاستسقى لهم فسقوا" ونحوه في رواية أسباط المعلقة. رجاله سبعة: وفيه ذكر أبي سفيان وقد مرّ الجميع: مرّ محمد بن كثير في الثاني والثلاثين من "العلم"، ومرَّ منصور في الثاني عشر منه، ومرّ الأعمش في الخاص والعشرين من "الإيمان"، ومرَّ سفيان ومسروق في السابع والعشرين منه، ومرّ ابن مسعود أوله قبل ذكر حديث منه، ومرَّ أبو الضحى في

стр. 4851

الخامس من كتاب "الصلاة"، ومرّ أبو سفيان في السابع من "بدء الوحي". ثم قال: قال وزادَ أسباطٌ عن منصور فدعا رسولُ اللهِ ﷺ فسُقُوا الغيثَ فأطبقَتْ عليهم سبعًا، وشكا الناسُ كثرة المطر. فقال: اللَّهُمَّ حوالينا ولا علينا فانحدرت السحابةُ عن رأسِه فسُقوا الناسُ حولهم". قوله: "قال" أي البخاري، ولابن عساكر "قال أبو عبد الله"، وسقط ذلك كله لأبي ذر واقتصر على قوله: "وزاد أسباط" وأسباط هو ابن نصر، ووهم من زعم أنه أسباط بن محمد ويأتي تعريفهما قريبًا في السند. وقوله: "عن منصور" يعني بإسناده المذكور قبله إلى ابن مسعود، وقد وصله الجوزقي والبيهقي عن علي بن ثابت عن أسباط بالسند المذكور عن ابن مسعود قال: "لما رأى رسولُ الله ﷺ مِنَ الناس إدبارًا" فذكر نحو الذي قبله، وزاد "فجاء أبو سفيانَ وناسٌ من أهل مكةَ فقالوا: يا محمدُ إنّكَ تزَعمُ أنّكَ بُعثت رحمةً، وإنّ قومَكَ قد هلَكُوا فادعُ اللهَ لهم، فدعا رسولُ الله ﷺ فسُقوا الغيث" الحديث. وأشاروا بقولهم: "بعثت رحمة" إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا أرْسَلْناكَ إلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. وقوله: "فسقوا الناس حولهم" كذا في جميع الروايات في "الصحيح" بضم السين والقاف وهو على لغة بني الحارث، وفي رواية البيهقي المذكورة: "فأسقي الناس حولَهم". وزاد بعد هذا فقال؛ يعني ابن مسعود لقد مرّت آية (الدخان) وهو الجوع الخ، وتعقب الداودي وغيره هذه الزيادة ونسبوا أسباط بن نصر إلى الغلط في قوله: "وشكا الناس كثرة المطر" الخ، وزعموا أنه أدخل حديثًا في حديث وأن الحديث الذي فيه شكوى كثرة المطر. وقوله: "اللهم حوالينا ولا علينا" لم يكن في قصة قريش وإنما هو في القصة التي رواها أنس، وهذا التعقب مردود بأنه لا مانع من أن يقع ذلك مرتين والدليل على أن أسباط بن نصر لم يغلط ما أخرجه البيهقي في الدلائل عن شرحبيل بن السمط عن كعب بن مرة أو مرة بن كعب قال: دعا رسولُ الله ﷺ على مضرَ فأتاهُ أبو سفيانَ فقال ادعُ اللهَ لقومِكَ فإنَّهم قد هَلكُوا. ورواه أحمد وابن ماجه عن الأعمش عن عمر بن مرة عن كعب بن مرة، ولم يشك فأبهم أبا سفيان، قال: "جاءَهُ رجلٌ فقال: استسق اللهِ لمضرَ، فقال إنَّكَ لجريء ألمضر. قال: يا رسولَ الله استنصرت الله فنصركَ، ودعوتَ اللهَ فأجابَكَ فرفعَ يديهِ فقال: اللَّهُمَّ اسقنا غيثًا مغيثًا مريعًا مريئًا طبقًا عاجلًا غيرَ رائثٍ نافعًا غيرَ ضارٍ قال: فأجيبوا فما لبثوا أن أتوه فشكوا إليه كثرةَ المطر فقالوا: قد تهدمتِ البيوت فقال: اللَّهُمَّ حوالينا ولا علينا فجعلَ السحابُ ينقطعُ يمينًا وشمالًا". فظهر بذلك أن هذا الرجل المبهم المقول له إنك لجريء هو أبو سفيان، لكن الظاهر أن فاعل "قال: يا رسول الله استنصرت الله" الخ هو كعب بن مرة راوي هذا الخبر؛ لما أخرجه أحمد أيضًا والحاكم عن شعبة عن عمرو بن مرة بالإسناد إلى كعب قال: "دعا رسولُ الله ﷺ على مضرَ فأتيتهُ فقلتُ: يا رسولَ الله

стр. 4852

إن اللهَ قد نصركَ وأعطاكَ واستجابَ لكَ وإنَّ قومَكَ قد هلَكُوا" الحديث. فعلى هذا كأن أبا سفيان وكعبًا حضرا جميعًا فكلمه أبو سفيان بشيء وكعب بشيء، فدل ذلك على اتحاد قصتهما، وقد ثبت في هذه ما ثبت في تلك من قوله: "إنك لجريء" ومن قوله: "فقال: اللهم حوالينا ولا علينا" وغير ذلك، وظهر بذلك أن أسباط بن نصر لم يغلط في الزيادة المذكورة ولم ينتقل من حديث إلى حديث وسياق كعب بن مرة يشعر بأن ذلك وقع في المدينة، لقوله: "استنصرت الله فنصرك"؛ لأن كلًا منهما كان بالمدينة بعد الهجرة، لكن لا يلزم من ذلك اتحاد هذه القصة مع قصة أنس بن مالك بل قصة أنس واقعة أخرى؛ لأن في رواية أنس "فلم يزل على المنبر حتى مطروا" وفي هذه فما كان إلا جمعة أو نحوها حتى مطروا، والسائل في هذه غير السائل في تلك فهما قصتان وفي كل منهما طلب الدعاء بالاستسقاء ثم طلب الدعاء بالاستصحاء وإن ثبت أن كعب بن مرة أسلم قبل الهجرة حمل قوله: "استنصرت الله فنصرك" على النصر بإجابة دعائه عليهم، وزال الإشكال المتقدم. ومنصور مرّ الآن ذكر محله وأسباط قيل إنه أسباط بن نصر، وقيل أسباط بن محمد وعلى كل حال لابد من تعريف الاثنين الأول، والصحيح أنه هو المراد عند البخاري أسباط بن نصر الهمداني أبو يوسف أو أبو نصر. ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال البخاري في "تاريخه الأوسط": صدوق، وقال ابن معين مرة: ثقة، وقال مرة: ليس بشيء، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال موسى بن هارون: لم يكن به بأس. وقال أبو حاتم سمعت أبا نعيم يضعفه علق له البخاري حديثًا في الاستسقاء لا غير. وقال الساجي في الضعفاء ,وروى أحاديث لا يتابع عليها روى عن سِمَاك بن حرب ومنصور بن المعتمر وإسماعيل السدي وغيرهم، وروى عنه عمرو بن حماد القناد وأبو غسان النهدي ويونس بن بكير وغيرهم. الثاني: أسباط بن محمد بن عبد الرحمن بن خالد بن ميسرة القرشي مولاهم أبو محمد قال محمد بن عبد الله بن عمار، قال لنا وكيع: اسمعوا منه فسمعنا منه وكان حديثه ثلاثة آلاف. وقال ابن معين: ثقة، وقال مرة: ليس به بأس وكان يخطىء عن سفيان، وقال أبو حاتم: صالح. وقال يعقوب بن شيبة: كوفي ثقة صدوق، وقال النسائي والعجلي: ليس به بأس، وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا إلا أن فيه بعض الضعف. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال البرقي عن ابن معين: الكوفيون يضعفونه وهو عندنا ثبت فيما يروي عن مطرف والشيباني، وقد سمعت أنا منه قال في المقدمة له في "صحيح البخاري" حديث واحد في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ في سورة (النساء). روى عن الأعمش ومطرف بن طريف والثوري وغيرهم، وروى عنه أحمد بن حنبل وابنه

стр. 4853

عبيد بن أسباط وابن أبي شيبة وابن نمير وغيرهم. مات بالكوفة في المحرم سنة مائتين، وقيل في أيام أبي السرايا سنة تسع وتسعين ومئة وولد سنة خمس ومائة. ثم قال المصنف:

стр. 4854

باب الدعاء إذا كثر المطر حوالينا ولا علينا كان التقدير أن يقول حوالينا وتكلف له الكرماني إعرابًا آخر. الحديث السادس عشر حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ جُمُعَةٍ، فَقَامَ النَّاسُ فَصَاحُوا فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَحَطَ الْمَطَرُ وَاحْمَرَّتِ الشَّجَرُ وَهَلَكَتِ الْبَهَائِمُ، فَادْعُ اللَّهَ يَسْقِينَا. فَقَالَ اللَّهُمَّ اسْقِنَا. مَرَّتَيْنِ، وَايْمُ اللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً مِنْ سَحَابٍ، فَنَشَأَتْ سَحَابَةٌ وَأَمْطَرَتْ، وَنَزَلَ عَنِ الْمِنْبَرِ فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ لَمْ تَزَلْ تُمْطِرُ إِلَى الْجُمُعَةِ الَّتِى تَلِيهَا، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ صَاحُوا إِلَيْهِ تَهَدَّمَتِ الْبُيُوتُ وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يَحْبِسُهَا عَنَّا. فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا. فَكُشِطَتِ الْمَدِينَةُ، فَجَعَلَتْ تُمْطِرُ حَوْلَهَا وَلاَ تَمْطُرُ بِالْمَدِينَةِ قَطْرَةً، فَنَظَرْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَإِنَّهَا لَفِي مِثْلِ الإِكْلِيلِ". هذا الحديث أورده هنا من طريق ثابت عن أنس، وقد مرّ الكلام عليه مستوفى في باب (الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة) من كتاب "الجمعة" وإنما اختار لهذه الترجمة رواية ثابت؛ لقوله فيها: "وما تمطر بالمدينة قطرة"؛ لأن ذلك أبلغ في انكشاف المطر وهذه اللفظة لم تقع إلا في هذه الرواية. وقوله فيها: "وانكشطت" كذا للأكثر ولكريمة: "فكُشطت" على البناء للمجهول. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرّ محمد بن أبي بكر المقدمي في الرابع والثمانين من أحاديث استقبال القبلة، ومرَّ المعتمر بن سليمان في التاسع والستين من "العلم"، ومرّ ثابت البناني في تعليق بعد الخامس منه، ومرّ عبيد العمري في الرابع عشر من "الوضوء"، ومرّ أنس في السادس من "الإيمان" ثم قال المصنف: باب الدعاء في الاستسقاء قائمًا أي في الخطبة وغيرها قال ابن بطال: الحكمة فيه كونه حال خشوع وإنابة فيناسبه القيام، وقال غيره: القيام شعار الاعتناء والاهتمام، والدعاء أهم أعمال الاستسقاء فناسبه القيام، ويحتمل أن يكون قام ليراه الناس فيقتدوا به فيما يصنع.

стр. 4855

الحديث السابع عشر وَقَالَ لَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ زُهَيْرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الأَنْصَارِيُّ وَخَرَجَ مَعَهُ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ ﵃ فَاسْتَسْقَى، فَقَامَ بِهِمْ عَلَى رِجْلَيْهِ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ وَلَمْ يُؤَذِّنْ، وَلَمْ يُقِمْ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَرَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى غَيْرِ مِنْبَرٍ فَاسْتَغْفَرَ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ وَلَمْ يُؤَذِّنْ، وَلَمْ يُقِمْ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَرَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ النَّبِيَّ ﷺ . قوله: "وقال لنا أبو نعيم" قال الكرماني تبعًا لغيره: الفرق بين قال لنا وحدثنا أن القول يستعمل فيما يسمع من الشيخ في مقام المذاكرة والتحديث فيما يسمع في مقام التحمل، لكن ليس استعمال البخاري لذلك منحصرًا في المذاكرة فإنه يستعمل فيما يكون ظاهره الوقف، وفيما يصلح للمتابعات لتخلص صيغة التحديث فيما وضع الكتاب لأجله من الأصول المرفوعة والدليل على ذلك وجود كثير من الأحاديث التي عبر فيها في الجامع بصيغة القول معبرًا فيها بصيغة التحديث في تصانيفه الخارجة عن الجامع. وقد مرّ الكلام على هذا في أول كتاب "العلم". وقوله: "خرج عبد الله بن يزيد الأنصاري" يعني إلى الصحراء يستسقي وذلك حين كان أميرًا على الكوفة من جهة عبد الله بن الزبير في سنة أربع وستين قبل غلبة المختار بن أبي عبيد عليها ذكر ذلك ابن سعد وغيره. وروى هذا الحديث قبيصة عن الثوري عن أبي إسحاق قال: "بعث ابن الزبير إلى عبد الله بن يزيد الخطمي أن استسقِ بالناس فخرج وخرج الناس معه وفيهم زيد بن أرقم والبراء بن عازب" أخرجه يعقوب بن سفيان في "تاريخه". وخالفه عبد الرزاق عن الثوري فقال فيه: "إن ابن الزبير خرج يستسقي بالناس" الحديث. وقوله: "إن ابن الزبير" هو الذي فعل ذلك وهم وإنما الذي فعله هو عبد الله بن يزيد بأمر ابن الزبير، وقد وافق قبيصة عبد الرحمن بن مهدي عن الثوري على ذلك. وقوله: "فقام بهم" في رواية أبوي ذر والوقت "لهم". وقوله: "فاستسقى" في رواية أبي الوقت "فاستغفر". وقوله: "ثم صلى ركعتين" ظاهره أنه أخر الصلاة عن الخطبة، وصرح بذلك الثوري في رواية، وخالفه شعبة فقال: في روايته عن أبي إسحاق: "إن عبد الله بن يزيد خرج يستسقي بالناس فصلى

стр. 4856

ركعتين ثم استسقى" أخرجه مسلم. وقد تقدم في باب (تحويل الرداء في الاستسقاء) ذكر الاختلاف في ذلك وأن الجمهور ذهبوا إلى تقديم الصلاة، وممن قال بتقديم الخطبة ابن المنذر، وصرح الشيخ أبو حامد وغيره بأن هذا الاختلاف في الاستحباب لا في الجواز. وقوله: "ولم يؤذن، ولم يقم" قال ابن بطال: أجمعوا على أن لا أذان ولا إقامة للاستسقاء. وقوله: "قال أبو إسحاق ورأى عبد الله بن يزيد النبيَّ ﷺ " كذا للأكثر وللحموي وحده، وروى عبد الله بن يزيد عن النبي ﷺ وهو في نسخة الصغاني فإن كانت محفوظة احتمل أن يكون المراد أنه رأى هذا الحديث بعينه، والأظهر أن مراده أنه رأى في الجملة فيوافق قوله رأى؛ لأن كلًا منهما ثبت له الصحبة، أما سماع هذا الحديث فلا. وقوله: "قال أبو إسحاق" هو موصول، وقد رواه الإسماعيلي عن أحمد بن يونس وعلي بن الجعد عن زهير وصرحا باتصاله إلى أبي إسحاق. وكان في إيراد هذا الموقوف هنا كونه يفسر المراد بقوله في الرواية المرفوعة بعده: "فدعا الله قائمًا" أي: كان على رجليه لا على المنبر. فيه ستة قد مرّوا إلا زيد بن أرقم: مرّ أبو نعيم في الخامس والأربعين من "الإيمان"، ومرّ زهير وأبو إسحاق والبراء في الثالث والثلاثين منه، ومرّ عبد الله بن يزيد في الثامن والأربعين منه. وأما زيد بن أرقم بن زيد بن قيس بن النعمان بن مالك الأغر بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي من بني الحارث بن الخزرج، اختلف في كنيته كثيرًا قيل أبو عمر أو أبو عامر أو أبو سعيد أو أبو سعد، غزا مع النبي ﷺ سبع عشرة غزوة ثبت ذلك في "الصحيح"، استصغر يوم (أحد) وأول مشاهده الخندق، وقيل المريسيع يعد في الكوفيين، نزل (الكوفة) وابتنى بها دارًا في كبره وهو الذي رفع إلى النبي ﷺ قول عبد الله بن أبي لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فأكذبه عبد الله وحلف فأنزل الله تعالى تصديق زيد بن أرقم فتبادر أبو بكر وص ممر إلى زيد لبشراه فسبق أبو بكر فأقسم عمر أن لا يبادره بعد هذا إلى شيء. "وجاء النبي ﷺ إلى زيد فأخذ بأذنه وقال وفت أذنك يا غلام". روى ابن إسحاق كان زيد بن أرقم يتيمًا في حجر عبد الله بن رواحة فخرج به معه إلى مؤتة يحمله على حقيبة رحله فسمعه زيد بن أرقم من الليل وهو يتمثل بأبياته التي يقول فيها: إذا أدنيتِني وحملتِ رحلي .... مسيرة أربع بعد الحِساء فشأنك فانعمي وخلاك ذم .... ولا أرجعْ إلى أهلي ورائي وقد جاء المنون وغادروني .... بأرض الشام مشتهي الثَّواءِ فبكى زيد فخفقه عبد الله بالدَّرة وقال له: ما عليك يا لكع أن يرزقني الله الشهادة وترجع بين شعبتي الرحل. ولزيد بن أرقم يقول عبد الله بن رواحة: يا زيدُ زيدَ اليَعْمُلاتِ الذُّبَّلِ .... تطاول الليلُ هُديتَ فانزلِ وقيل بل قال ذلك في غزوة مؤتة لزيد بن حارثة. وقال أبو المنهال: سألت البراء عن الصرف

стр. 4857

فقال: سل زيد بن أرقم فإنه خير مني شهد مع علي صفين وهو معدود في خاصة أصحابه، له تسعون حديثًا اتفقا على أربعة وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بستة. روى عنه عبد الرحمن بن أبي ليلى وطاووس ومحمد بن كعب والنضر بن أنس وخلق. مات (بالكوفة) أيام المختار سنة ست وستين، وقيل سنة ثمان وستين. لطائف إسناده: فيه قال لنا، وقد مرّ الكلام عليها، وفيه العنعنة أخرجه مسلم أيضًا في "المغازي".

стр. 4858

الحديث الثامن عشر حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ أَنَّ عَمَّهُ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي لَهُمْ، فَقَامَ فَدَعَا اللَّهَ قَائِمًا، ثُمَّ تَوَجَّهَ قِبَلَ الْقِبْلَةِ، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ فَأُسْقُوا. قد مرّت مباحثه في غير ما حديث، ومرّ قريبًا المراد بقوله: "قائمًا". رجاله خمسة: قد مرّوا: مرّ أبو اليمان وشعيب في السابع من "بدء الوحي" والزهري في الثالث منه، وعباد وعمه في الثالث من "الوضوء". ثم قال المصنف: باب الجهر بالقراءة في الاستسقاء أي: في صلاته، وحكى ابن بطال الإجماع أيضًا عليه. الحديث التاسع عشر حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: "خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَسْقِي فَتَوَجَّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُو، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ". قوله: "ثم صلى ركعتين يجهر" في رواية كريمة والأصيلي "جهر" بلفظ الماضي. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرّ في الذي قبله محل الزهري، وعباد وعمه، ومرّ أبو نعيم في الخامس والأربعين من "الإيمان"، ومرّ ابن أبي ذيب في الستين من "العلم". ثم قال المصنف:

стр. 4859

باب كيف حوّل النبي ﷺ ظهره إلى الناس الحديث العشرون حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ خَرَجَ يَسْتَسْقِي قَالَ: فَحَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ يَدْعُو، ثُمَّ حَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ". وقد استشكل إيراد هذا الحديث في هذه الترجمة؛ لأن الترجمة لكيفية التحويل والحديث قال على وقوع التحويل فقط، وأجاب الكرماني بأن المراد حوّله حال كونه داعيًا، وحمل الزين بن المنير قوله: "كيف" على الاستفهام فقال: لما كان التحويل المذكور لم يتبيّن كونه من ناحية اليمين أو اليسار احتاج إلى الاستفهام عنه، والظاهر أنه لما لم يتبيّن من الخبر ذلك كأنه يقول هو على التخيير، لكن المستفاد من خارج أنه التفت بجانبه الأيمن لما ثبت أنه كان يعجبه التيمن في شأنه كله، ثم إن محمل هذا التحويل بعد فراغ الموعظة وإرادة الدعاء. وقوله: "ثم حوّل رداءه" ظاهره أن الاستقبال وقع سابقًا لتحويل الرداء، وهو ظاهر كلام الشافعي وفي كلام كثير من الشافعية أنه يحوّله حال الاستقبال، والفرق بين تحويل الظهر والاستقبال أنه في ابتداء التحويل وأوسطه يكون منحرفًا حتى يبلغ الانحراف غايته، فيكون مستقبلًا. وقد مرّ في باب (تحويل الرداء) إتمام البحث في هذا المنزع. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرّ محل الزهري وعباد وعمه في الذي قبله بحديث، ومحل ابن أبي ذيب في الذي قبله، ومرّ آدم في الثالث من الإيمان. ثم قال المصنف:

стр. 4860

باب صلاة الاستسقاء ركعتين هو مجرور على البدل من صلاة المجرور بالإضافة والتقدير صلاة ركعتين في الاستسقاء، أو هو عطف بيان، أو منصوب بمقدر. الحديث الحادي والعشرون حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْقَى فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ. قوله: "فصلى ركعتين" قال القسطلاني: كصلاة العيد فيما لها إلا في تسع في المناداة قبلها بأن يأمر الإِمام من ينادي بالاجتماع لها في وقت معين وفي صوم يومها؛ لأن له أثرًا في رياضة النفس وفي إجابة الدعاء، وصوم ثلاثة قبله وترك الزينة فيها بأن يلبس عند خروجه لها ثياب بذلة، وهي التي تلبس حال الشغل للاتباع رواه الترمذي وصححه وينزعها بعد فراغه من الخطبة وإكثار الاستغفار في الخطبة بدل إكثار التكبير الذي في خطبة العيد، وقراءة آية الاستغفار ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ الآية في الخطبة، ويسر ببعض الدعاء فيها، ويستقبل القبلة بالدعاء، ويرفع ظهر يديه إلى السماء ويحول رداءه. وقوله: "وقلب رداءه" عطف على قوله: "فصلى ركعتين" بالواو وهي لا تدل على الترتيب بل لمطلق الجمع. وهذا الحديث قد مرّ في باب (تحويل الرداء). وقوله فيه: "عن عمه أن النبي ﷺ " في رواية أبي الوقت: "سمع النبي ﷺ ... ". رجاله خمسة: قد مرّوا: مرّ محل عباد وعمه في الذي قبله بحديثين، ومرّ قتيبة في الحادي والعشرين من الإيمان، ومرّ سفيان بن عيينة في الأول من "بدء الوحي"، ومرّ عبد الله بن أبي بكر في الرابع والعشرين من "الوضوء". ثم قال المصنف:

стр. 4861

باب الاستسقاء في المصلى هذه الترجمة أخص من الترجمة المتقدمة أول الأبواب وهي باب (الخروج إلى الاستسقاء)؛ لأنه أعم من أن يكون إلى المُصلّى. وفي رواية هذا الباب تعيين الخروج إلى الاستسقاء إلى المُصلّى بخلاف تلك فناسب كل رواية ترجمتها. الحديث الثاني والعشرون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ سَمِعَ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: "خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمُصَلَّى يَسْتَسْقِي، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ. قَالَ سُفْيَانُ فَأَخْبَرَنِي الْمَسْعُودِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: جَعَلَ الْيَمِينَ عَلَى الشِّمَالِ". وقوله: "قال سفيان" هو ابن عيينة وهو متصل بالإسناد الأول، ووهم من زعم أنه معلق كالمزي حيث علم على المسعودي في "التهذيب" علامة التعليق فإنه عند ابن ماجه من وجه آخر عن سفيان عن المسعودي، وكذا قول ابن القطان: لا ندري عمن أخذه البخاري، قال: ولهذا لا يعد أحد المسعودي في رجاله، وقد تعقبه ابن المواق بأن الظاهر أنه أخذه عن عبد الله بن محمد شيخه فيه، ولا يلزم من كونهم لم يعدّوا المسعودي في رجاله أن لا يكون وصل هذا الموضع عنه؛ لأنه لم يقصد الرواية عنه وإنما ذكر الزيادة التي زادها استطرادًا. وقوله: "عن أبي بكر" يعني ابن محمد بن عمرو بن حزم بإسناده وهو عن عباد بن تميم عن عمّه، وزعم ابن القطان أيضًا أنه لا يدري عمن أخذ أبو بكر هذه الزيادة، وقد بين ذلك ما أخرجه ابن ماجه وابن خزيمة عن سفيان بن عيينة ففيه بيان كون أبي بكر رواه عن عباد بن تميم عن عمه، وكذا أخرجه الحميدي في "مسنده" عن سفيان بن عيينة مبينًا. قال ابن بطال: حديث أبي بكر يدل على أن الصلاة قبل الخطبة؛ لأنه ذكر أنه صلى قبل قلب ردائه، قال: وهذا أضبط للقصة من ولده عبد الله بن أبي بكر حيث ذكر الخطبة قبل الصلاة. رجاله سبعة: قد مرّوا إلا المسعودي مرّ محل سفيان وعبد الله بن أبي بكر في الذي قبله، ومحل عباد وعمه

стр. 4862

في الذي قبله بثلاثة، ومرّ عبد الله بن محمد المسندي في الثاني من الإيمان، ومرّ أبو بكر بن حزم في تعليق بعد الأربعين من "العلم". والمسعودي هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الكوفي المسعودي، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث إلا أنه اختلط في آخر عمره ورواية المتقدمين عنه صحيحة. وقال النسائي ليس به بأس، وقال ابن عيينة، ما أعلم أحد أعلم بعلم ابن مسعود من المسعودي. وقال ابن عمار: كان ثبتًا قبل أن يختلط، ومن سمع منه (ببغداد) فسماعه ضعيف. وقال أبو النضر هاشم بن القاسم: إني لأعرف اليوم الذي اختلط فيه المسعودي كنا عنده وهو يعزى في ابن له إذ جاءه إنسان فقال له: إن غلامك أخذ من مالك عشرة آلاف وهرب، ففزع وقام ودخل في منزله ثم خرج إلينا وقد اختلط ليس له في "البخاري" إلا حديث الاستسقاء هذا، والظاهر أن البخاري لم يقصد التخريج له وإنما وقع اتفاقًا، وقد وقع نظير ذلك عن عمرو بن عبيد المعتزلي وعبد الكريم أبي المخارق وغيرهما. روى عن أبي إسحاق السبيعي وأبي إسحاق الشيباني وعلي بن الأقمر وغيرهم. وروى عنه السفيانان وشعبة وهم من أقرانه ووكيع وجعفر بن عون وغيرهم. مات سنة ستين ومائة. ثم قال المصنف:

стр. 4863

باب استقباله القبلة في الاستسقاء أي: في أثناء الخطبة الثانية التي تقع من أجله في المُصلّى؛ لأن الدعاء مستقبلها أفضل فإن استقبل له في الأولى لم يعده في الثانية. قال النووي: يلحق باستحباب استقبال القبلة للدعاء والوضوء والغسل والأذكار والقراءة وسائر الطاعات إلا ما خرج بدليل كالخطبة. الحديث الثالث والعشرون حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَّ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ الأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى يُصَلِّي، وَأَنَّهُ لَمَّا دَعَا أَوْ أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: ابْنُ زَيْدٍ هَذَا مَازِنِيٌّ، وَالأَوَّلُ كُوفِيٌّ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ". قوله: "حدثنا محمد" بين أبو ذر في روايته أنه ابن سلام قوله: "خرج إلى المصلى يصلي" في رواية المستملي "يدعو". وقوله: "إنه لم دعا، أو أراد أن يدعو" الشك من الراوي ويحتمل أنه يحيى بن سعيد فقد رواه السراج عن يحيى بن أيوب عنه بالشك أيضًا، وروه مسلم عن سليمان بن بلال عنه فلم يشك كما مرّ في باب (تحويل الرداء) وكأنه يشك فيه تارة ويجزم به أخرى. وقد مرّ الكلام على بقية فوائده مستوفاة هناك. رجاله ستة: قد مرّوا: مرّ محمد بن سلام في الثالث عشر من الإيمان, ومرّ عبد الوهاب الثقفي في التاسع منه، ومرّ يحيى بن سعيد في الأول من بدء الوحي، ومرّ محل أبي بكر في الذي قبله، ومرّ عباد وعمّه عبد الله في الثالث من "الوضوء"، ومرّ هناك الكلام على الفرق بين هذا الذي هو صاحب الوضوء وعبد الله بن زيد الذي هو صاحب الأذان. وأما ذكر البخاري هنا لعبد الله بن يزيد فلا محل له إذ ليس في هذا الحديث ذكر لعبد الله بن يزيد فكان الأولى جعله في باب (الدعاء في الاستسقاء قائمًا) حيث ذكر هناك عبد الله بن يزيد. وقد مرّ تعريفه في الثامن والأربعين من الإيمان, ولعل جعل هذه الزيادة هنا من تصرف الراوي الكشميهني، ويمكن أن يكون قوله: "والأول" أي: الذي مضى في باب (الدعاء في الاستسقاء) هو ابن يزيد بزيادة الياء في أول اسم أبيه. ثم قال المصنف:

стр. 4864

باب رفع الناس أيديهم مع الإِمام في الاستسقاء تضمنت هذه الترجمة الرد على من زعم أنه يُكتفى بدعاء الأمام وحده في الاستسقاء. الحديث الرابع والعشرون قَالَ أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلاَلٍ قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ أَتَى رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْبَدْوِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ الْمَاشِيَةُ هَلَكَ الْعِيَالُ هَلَكَ النَّاسُ. فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ يَدْعُو، وَرَفَعَ النَّاسُ أَيْدِيَهُمْ مَعَهُ يَدْعُونَ، قَالَ: فَمَا خَرَجْنَا مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى مُطِرْنَا، فَمَا زِلْنَا نُمْطَرُ حَتَّى كَانَتِ الْجُمُعَةُ الأُخْرَى، فَأَتَى الرَّجُلُ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَشِقَ الْمُسَافِرُ، وَمُنِعَ الطَّرِيقُ. قوله: "وقال أيوب بن سليمان" أي: ابن بلال وهو من شيوخ البخاري إلا أنه ذكر هذه الطريق عنه بصيغة التعليق، وقد وصلها الإسماعيلي وأبو نعيم والبيهقي عن أبي إسماعيل الترمذي عن أيوب. وهذا الحديث قد مرّ في باب (الاستسقاء في المسجد الجامع) ومرَّ الكلام عليه مستوفى في باب (الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة) من كتاب "الجمعة"، ومرّ هناك استيفاء الكلام على رفع الأيدي في الدعاء. وقوله: "يا رسول الله بَشِق المسافر" بفتح الموحدة وكسر المعجمة وبالقاف كذا قيده كراع في المنضد، ولأبوي ذر والوقت "بَشَق" بفتح المعجمة وقيده به الأصيلي أي: مل أو تأخر أو اشتد عليه الضرر أو حبس ويقال بشق الثوب وبشكه قطعه في خفة، فعلى هذا يكون معنى بشق أي قطع به عن السير. وقال الخطابي: بشق ليس بشيء وإنما هو لثق بلام ومثلثة وقاف يقال لثق الطريق أي: صار ذا وحل، ولثق الثوب إذا أصابه ندا المطر، وهذه رواية أبي إسماعيل التي ذكرناها آنفًا. قال الخطابي: ويحتمل أن تكون مشق بالميم بدل الموحدة أي: صارت الطريق زلقة ومنه مشتق الخط والميم والباء متقاربان. وفي "نوادر" اللحياني نشق بالنون أي نشب. وفي "الصحاح" نشق الظبي في الحبالة أي: علق فيها، ورجل نشق إذا كان ممن يدخل في أمور لا يتخلص منها،

стр. 4865

ورواية البخاري صحيحة وقد مرّ توجيهها. وقال أبو موسى في "ذيل الغريب" الباشق طائر معروف ولو اشتق منه فعلَ فقيل بشق لما امتنع وما وقع في بعض الروايات بثق بموحدة ومثلثة، فهو تصحيف فإن البثق الانفجار، ولا يعلم له معنى هنا. رجاله خمسة: وفيه لفظ رجل أعرابي، وقد مرّ الجميع: مرَّ أيوب بن سليمان في الثاني عشر من "مواقيت الصلاة"، ومرّ أبو بكر الأويسى في عبد الحميد في الحادي والستين من "العلم"، ومرّ سليمان بن بلال في الثاني من "الإيمان"، وأنس في السادس منه ويحيى بن سعيد في الأول من "بدء الوحي"، والرجل الأعرابي في الثامن من "الاستسقاء" هذا. ثم قال: "وقال الأويسى: حدثني محمد بن جعفر عن يحيى بن سعيد وشريك سمعا أنسًا عن النبيِّ ﷺ أنه رفعَ يديهِ حتى رأيتُ بياضَ إبطيهِ". هذا التعليق ثبت هنا للمستملي وثبت لأبي الوقت وكريمة في آخر الباب الذي بعده، وسقط للباقين رأسًا؛ لأنه مذكور عند الجميع في كتاب "الدعوات"، وقد مرّ في باب (يبدي ضبعيه ويجافي في السجود). رجاله خمسة: مرّ الأويسى عبد العزيز في الأربعين من "العلم"، ومحمد بن جعفر في التاسع من "الحيض"، ومرّ شريك في الخامس من "العلم"، ومرّ محل يحيى بن سعيد وأنس في الذي قبله. ثم قال المصنف:

стр. 4866

باب رفع الإِمام يده في الاستسقاء ثبتت هذه الترجمة للحموي والمستملي قال ابن رشيد: مقصوده بتكرير رفع الإِمام يده وإن كانت الترجمة التي قبلها تضمنته لتفيد فائدة زائدة وهي أنه لم يكن يفعل ذلك إلا في الاستسقاء قال ويحتمل أن يكون قصد التنصيص بالقصد الأول في هذه الترجمة على رفع الإِمام يده كما قصد التخصيص في الترجمة الأولى بالقصد الأول على رفع الناس، وإن اندرج معه رفع الإِمام قال: ويجوز أن يكون قصد بهذه كيفية رفع الإِمام يده لقوله: "حتى يرى بياض إبطيه". وقال الزين بن المنير: لا تكرار في هاتين الترجمتين؛ لأن الأولى لبيان اتباع المأمومين الإِمام في رفع اليدين، والثانية لإثبات رفع اليدين للإمام في الاستسقاء. الحديث الخامس والعشرون أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى وَابْنُ أَبِي عَدِىٍّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لاَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلاَّ فِي الاِسْتِسْقَاءِ، وَإِنَّهُ يَرْفَعُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ". قوله: "عن أنس" في رواية يزيد بن زريع "أن أنسًا حدثهم". وقوله: "إلا في الاستسقاء" ظاهره نفي الرفع في كل دعاء غير الاستسقاء، وقد مرّ استيفاء الكلام على هذا في باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة من كتاب "الجمعة". رجاله ستة: قد مرّوا: مرّ محمد بن بشار في الحادي عشر من "العلم"، ومرّ ابن أبي عدي في العشرين من "الغسل"، ومرَّ سعيد بن أبي عروبة في الحادي والعشرين منه، ومرَّ يحيى القطان وقتادة وأنس في السادس من "الإيمان". ثم قال المصنف:

стр. 4867

باب ما يقال إذا مطرت يحتمل أن تكون (ما) موصولة أو موصوفة أو استفهامية. وقوله: "إذا مطرت" كذا لأبي ذر من الثلاثى وللباقين "أمطرت" من الرباعى وهما بمعنى عند الجمهور. وقيل يقال: مطر في الخير وأمطر في الشر. وقال "ابنُ عباس: كصيِّبِ المطرِ". وهذا هو قول الجمهور، وقال بعضهم: الصيب السحاب، ولعله أطلق ذلك مجازًا. قال ابن المنير: مناسبة أثر ابن عباس لحديث عائشة لما وقع في حديث الباب المرفوع قوله: "صيبا" قدم المصنف تفسيره في الترجمة، وهذا يقع له كثيرًا، وقال أخوه الزين: وجه المناسبة أن "الصيب" لما جرى ذكره في القرآن قرن بأحوال مكروهة، ولما ذكر في الحديث وصفه بالنفع أراد أن يبيّن بقول ابن عباس أنه المطر وأنه ينقسم إلى نافع وضار. وهذا التعليق وصله أبو جعفر الطبري عن علي بن أبي طلحة عنه بذلك. وابن عباس مرّ في الخامس من "بدء الوحي". ثم قال: وقال غيره صابَ وأصابَ يصُوبُ. كذا وقع في الروايات وقد استشكل من حيث أن يصوب مضارع صاب، وأما أصاب فمضارعه يصيب. قال أبو عبيدة: الصيب تقديره من الفعل سيد وهو من صاب يصوب، فلعله كان في الأصل صاب وانصاب كما حكاه صاحب "المحكم" فسقطت النون كما سقطت ينصاب بعد يصوب، أو المراد ما حكاه صاحب "الأفعال" صاب المطر يصوب إذا نزل فأصاب الأرض فوقع فيه تقديم وتأخير، فقدم الناسخ لفظة أصاب على يصوب. ولم أر من سمى الغير المذكور.

стр. 4868

الحديث السادس والعشرون حَدَّثَنَا الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا رَأَى الْمَطَرَ قَالَ: "صَيِّبًا نَافِعًا". قوله: "عن نافع عن القاسم" قد سمع نافع من عائشة ونزل في هذه الرواية عنها، وكذا سمع، عبيد الله من القاسم، ونزل في هذه الرواية عنه مع أنَّ معمرًا قد رواه عن عبيد الله بن عمر، عن القاسم نفسه بإسقاط نافع من السند أخرجه عبد الرزاق عنه. وقوله: "اللهم صيبًا نافعًا" كذا في رواية المستملي، وسقط اللهم لغيره، "وصيبًا" منصوب بفعل مقدَّر أي: اجعله، والصيب: هو المطر الذي يصوب أي: ينزل ويقع، وفيه مبالغات من جهة التركيب والبناء والتكثير، فدل على أنه نوع من المطر شديد هائل، ولذا تتمه بقوله: "نافعًا"، وكأنه احترز به عن الصيب الضَّار كقول الشاعر: فسقى ديارك غير مفسدها .... صوب الربيع وديمة تهمى لكن نافعًا في الحديث أوقع وأحسنَ وأنفع من قوله: غير مفسدها. قال في المصابيح، وهذا أي: قوله: "صيِّبًا نافعًا"، كالخبر الموطىء في قولك: "زيد رجل فاضلٌ" إذْ الصفة هي المقصودة بالإِخبار بها, ولولا هي لم تحصل الفائدة. هذا إنْ بنينا على قول ابن عباس أنَّ الصيب هو المطر وإنْ بنينا على أنه المطر الكثير، كما نقله الواحدي. فكلٌ من: "صيبًا ونافعًا" مقصود، والإقتصار عليه مُحصل للفائدة وللمستملي اللهم صبًا بالموحدة من غير مثناة من الصِّيب أي: يا الله اصببه صبًا نافعًا. وهذا الحديث من هذا الوجه مختصر، وقد أخرجه مسلم عن عطاء عن عائشة تامًا، ولفظه: "كان إذا كان يوم ريحٍ عُرف ذلك في وجهه" ويقول: إذا رأى المطر "رحمةُ". وأخرجه أبو داود والنسائي عن شريح بن هانىء عن عائشة أوضح منه، ولفظه: كان إذا رأى ناشئًا في أفق السماءِ ترك العمل، فإن كشفَ حمدَ الله، فإنْ أُمطرتْ قال: "اللهم صيبًا نافعًا". وسيأتي للمصنف في أوائل بدء الخلق عن عطاء أيضًا عن عائشة مُقْتَصراً علي معنى الشِّق الأول، وفيه أقبلَ وأدبر وتغير وجهه، وفيه وما أَدري لعله كما قال قوم عادٍ: ﴿هَذَا عَارِضٌ﴾ الآية، وعُرِفَ برواية شريح أَنَّ الدعاء المذكور يُستحب بعد نزوله للازدياد من الخير والبركة مقيدًا بدفع ما يحذر من الضرر.

стр. 4869

رجاله ستة: قد مرّوا، مرّ محمد بن مقاتل في السابع من العلم، ومرَّ عبد الله بن المبارك في السادس من بدء الوحي، ومرَّتْ عائشة في الثاني منه، ومرَّ عُبيد الله العمري في الرَّابع عشر من الوضوء، ومرَّ نافع في الأخير من العلم، ومرَّ القاسم في الحادي عشر من الغُسل. لطائف إسناده: فيه التحديث والإخبار بالجمع والعنعنة والقول، ورواية التابعي عن التابعي. والاثنان الأَوَّلانِ من الرواة رازيّان، والبقية مدنيون، وشيخ البخاري من أفراده. أخرجه النسائي في "اليوم والليلة" وابن ماجه في "الدعاء". ثم قال تابعه القاسم بن يحيى عن عبيد الله، ورواه الأوزاعي وعقيل عن نافع. قال الكرماني ": قال أولًا تابعه القاسم، ثم قال: رواه الأوزاعي فكان تغير الأسلوب لإفادة العموم في الثاني؛ لأن الرواية أعم من أن تكون على سبيل المتابعة، أم لا؟ فيُحتمل أنْ يكونا روياه عن نافع كما رواه عبيد الله، ويحتمل أنْ يكونا روياه على صفةٍ أُخرى. قلت: رواية دحيم في "الفيلانيات" عن الوليد وشعيب بن إسحاق قالا: حدّثنا الأوزاعي حدّثني نافع صريحة في أن الأوزاعي رواه عن نافع فلا وجه للاحتمال الثاني فيه، ويستفاد من رواية دحيم هذه صحة سماع الأوزاعي من نافع خلافًا لمن نفاه، وترك الكرماني احتمال أنَّه صنع ذلك للتَّفَنن في العبارة، مع أنه الواقع في نفس الأَمر لَمَّا بيَّن مِنْ أنَّ رواية الجميع متفقة؛ لأن الاختلاف الذي ذكره الدارقطني على الأوزاعي إنما يرجع إلى إدخال واسطة بين الأوزاعي ونافع أولًا، والبخاري قد قيَّد رواية الأوزاعي بكونها عن نافع، والرواة لم يختلفوا في أن نافعًا رواه عن القاسم عن عائشة، فظهر بهذا كونه متابعةً لا مخالفة، وكذلك رواية عقيل لكن لمَّا كانت متابعة القاسم أقرب من متابعتهما لأنه تابع في عُبيد الله، وهما تابعا في شيخه حسن أن يفردهما منهما، ولمَّا أفردها تَفَنَّنَ في العبارة. قال في "الفتح": لم أقف على رواية القاسم هذه موصولة، وزعم مغلطاي أنَّ الدارقطني وصلها في "غرائب الأفراد" عن يحيى عن عبيد الله، وليس ذلك مطابقًا إلاَّ إن كان بنسخته سقط منها من متن البخاري لفظ القاسم بن يحيى، ومتابعة الأوزاعي أخرجها النسائي في "عمل اليوم والليلة"، ولفظه: "هنيئًا بدل نافعًا"، ومتابعة عقيل وصلها الدارقطني. ورجال المتابعات خمسة: قد مرَّوا إلاَّ القاسم بن يحيى مرّ محل عبيد الله ونافع في الذي قبله، ومرّ الأوزاعي في العشرين من العلم، ومرّ عقيل بن خالد في الثالث من بدء الوحي. والقاسم هو ابن يحيى بن عطاء بن مقدم بن مقدم بن مطيع الهلالي المقدمي أبو محمد الواسطي. ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال: مستقيم الحديث، وقال الدارقطني: ثقة روى عن جده عطاء وعبيد الله بن عمر العمري والأعمش، وغيرهم. وروى عنه ابن أخيه مقدم بن يحيى ومحمد بن موسى الدولابي وأبو سعيد وغيرهم. مات سنة سبع وتسعين ومائة. ثم قال المصنف:

стр. 4870

باب مَنْ تمطَّر في المطر حتى يتحادر على لحيته قوله: "تمطَّر" بتشديد الطاء، أي: تعرض لوقوع المطر عليه، وتَفَعَّل يأتي لمعانٍ أليقها هنا أنه بمعنى: مواصلة العمل في مهلة نحو: تفكَّر، ولعلَّه أشار إلى ما أخرجه مسلم عن أنس قال: حَسَرَ رسول الله ﷺ ثوبه حتى أصابه المطر وقال: "إنه حديث عهد بربه" أي: قريب العهد بتكوين ربه، وكأن المصنف أراد أنْ يبين أنَّ تحادر المطر على لحيته ﵊ لم يكن اتفاقًا، وإنما كان قصدًا، ولذلك ترجم بقوله: مَنْ تمطَّر أي: قصد نزول المطر عليه؛ لأنه لو لم يكن باختياره لنزل عن المنبر أول ما وكف السقف، لكنه تمادى في خطبته، حتى كثر نزوله بحيث تحادر على لحيته ﷺ . الحديث السابع والعشرون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَ الْمَالُ وَجَاعَ الْعِيَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا أَنْ يَسْقِيَنَا. قَالَ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ، وَمَا فِي السَّمَاءِ قَزَعَةٌ، قَالَ فَثَارَ سَحَابٌ أَمْثَالُ الْجِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ، قَالَ فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ، وَفِى الْغَدِ وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ وَالَّذِي يَلِيهِ إِلَى الْجُمُعَةِ الأُخْرَى، فَقَامَ ذَلِكَ الأَعْرَابِيُّ أَوْ رَجُلٌ غَيْرُهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَهَدَّمَ الْبِنَاءُ وَغَرِقَ الْمَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا. فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا. قَالَ فَمَا جَعَلَ يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّمَاءِ إِلاَّ تَفَرَّجَتْ حَتَّى صَارَتِ الْمَدِينَةُ فِي مِثْلِ الْجَوْبَةِ، حَتَّى سَالَ الْوَادِي وَادِي قَنَاةَ شَهْرًا. قَالَ فَلَمْ يَجِيءُ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلاَّ حَدَّثَ بِالْجَوْدِ. هذا الحديث قد مرّ استيفاء الكلام عليه غاية في "باب الاستسقاء" في الخطبة يوم الجمعة، من كتاب الجمعة.
следующие страницы →