Полный текст (6 753 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.
стр. 4866
باب رفع الإِمام يده في الاستسقاء
ثبتت هذه الترجمة للحموي والمستملي قال ابن رشيد: مقصوده بتكرير رفع الإِمام يده وإن كانت الترجمة التي قبلها تضمنته لتفيد فائدة زائدة وهي أنه لم يكن يفعل ذلك إلا في الاستسقاء قال ويحتمل أن يكون قصد التنصيص بالقصد الأول في هذه الترجمة على رفع الإِمام يده كما قصد التخصيص في الترجمة الأولى بالقصد الأول على رفع الناس، وإن اندرج معه رفع الإِمام قال: ويجوز أن يكون قصد بهذه كيفية رفع الإِمام يده لقوله: "حتى يرى بياض إبطيه". وقال الزين بن المنير: لا تكرار في هاتين الترجمتين؛ لأن الأولى لبيان اتباع المأمومين الإِمام في رفع اليدين، والثانية لإثبات رفع اليدين للإمام في الاستسقاء.
الحديث الخامس والعشرون
أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى وَابْنُ أَبِي عَدِىٍّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لاَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلاَّ فِي الاِسْتِسْقَاءِ، وَإِنَّهُ يَرْفَعُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ".
قوله: "عن أنس" في رواية يزيد بن زريع "أن أنسًا حدثهم".
وقوله: "إلا في الاستسقاء" ظاهره نفي الرفع في كل دعاء غير الاستسقاء، وقد مرّ استيفاء الكلام على هذا في باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة من كتاب "الجمعة".
رجاله ستة:
قد مرّوا: مرّ محمد بن بشار في الحادي عشر من "العلم"، ومرّ ابن أبي عدي في العشرين من "الغسل"، ومرَّ سعيد بن أبي عروبة في الحادي والعشرين منه، ومرَّ يحيى القطان وقتادة وأنس في السادس من "الإيمان". ثم قال المصنف:
стр. 4867
باب ما يقال إذا مطرت
يحتمل أن تكون (ما) موصولة أو موصوفة أو استفهامية.
وقوله: "إذا مطرت" كذا لأبي ذر من الثلاثى وللباقين "أمطرت" من الرباعى وهما بمعنى عند الجمهور. وقيل يقال: مطر في الخير وأمطر في الشر.
وقال "ابنُ عباس: كصيِّبِ المطرِ".
وهذا هو قول الجمهور، وقال بعضهم: الصيب السحاب، ولعله أطلق ذلك مجازًا.
قال ابن المنير: مناسبة أثر ابن عباس لحديث عائشة لما وقع في حديث الباب المرفوع قوله: "صيبا" قدم المصنف تفسيره في الترجمة، وهذا يقع له كثيرًا، وقال أخوه الزين: وجه المناسبة أن "الصيب" لما جرى ذكره في القرآن قرن بأحوال مكروهة، ولما ذكر في الحديث وصفه بالنفع أراد أن يبيّن بقول ابن عباس أنه المطر وأنه ينقسم إلى نافع وضار.
وهذا التعليق وصله أبو جعفر الطبري عن علي بن أبي طلحة عنه بذلك. وابن عباس مرّ في الخامس من "بدء الوحي".
ثم قال:
وقال غيره صابَ وأصابَ يصُوبُ.
كذا وقع في الروايات وقد استشكل من حيث أن يصوب مضارع صاب، وأما أصاب فمضارعه يصيب.
قال أبو عبيدة: الصيب تقديره من الفعل سيد وهو من صاب يصوب، فلعله كان في الأصل صاب وانصاب كما حكاه صاحب "المحكم" فسقطت النون كما سقطت ينصاب بعد يصوب، أو المراد ما حكاه صاحب "الأفعال" صاب المطر يصوب إذا نزل فأصاب الأرض فوقع فيه تقديم وتأخير، فقدم الناسخ لفظة أصاب على يصوب. ولم أر من سمى الغير المذكور.
стр. 4868
الحديث السادس والعشرون
حَدَّثَنَا الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا رَأَى الْمَطَرَ قَالَ: "صَيِّبًا نَافِعًا".
قوله: "عن نافع عن القاسم" قد سمع نافع من عائشة ونزل في هذه الرواية عنها، وكذا سمع، عبيد الله من القاسم، ونزل في هذه الرواية عنه مع أنَّ معمرًا قد رواه عن عبيد الله بن عمر، عن القاسم نفسه بإسقاط نافع من السند أخرجه عبد الرزاق عنه.
وقوله: "اللهم صيبًا نافعًا" كذا في رواية المستملي، وسقط اللهم لغيره، "وصيبًا" منصوب بفعل مقدَّر أي: اجعله، والصيب: هو المطر الذي يصوب أي: ينزل ويقع، وفيه مبالغات من جهة التركيب والبناء والتكثير، فدل على أنه نوع من المطر شديد هائل، ولذا تتمه بقوله: "نافعًا"، وكأنه احترز به عن الصيب الضَّار كقول الشاعر:
فسقى ديارك غير مفسدها .... صوب الربيع وديمة تهمى
لكن نافعًا في الحديث أوقع وأحسنَ وأنفع من قوله: غير مفسدها. قال في المصابيح، وهذا أي: قوله: "صيِّبًا نافعًا"، كالخبر الموطىء في قولك: "زيد رجل فاضلٌ" إذْ الصفة هي المقصودة بالإِخبار بها, ولولا هي لم تحصل الفائدة. هذا إنْ بنينا على قول ابن عباس أنَّ الصيب هو المطر وإنْ بنينا على أنه المطر الكثير، كما نقله الواحدي. فكلٌ من: "صيبًا ونافعًا" مقصود، والإقتصار عليه مُحصل للفائدة وللمستملي اللهم صبًا بالموحدة من غير مثناة من الصِّيب أي: يا الله اصببه صبًا نافعًا.
وهذا الحديث من هذا الوجه مختصر، وقد أخرجه مسلم عن عطاء عن عائشة تامًا، ولفظه: "كان إذا كان يوم ريحٍ عُرف ذلك في وجهه" ويقول: إذا رأى المطر "رحمةُ". وأخرجه أبو داود والنسائي عن شريح بن هانىء عن عائشة أوضح منه، ولفظه: كان إذا رأى ناشئًا في أفق السماءِ ترك العمل، فإن كشفَ حمدَ الله، فإنْ أُمطرتْ قال: "اللهم صيبًا نافعًا". وسيأتي للمصنف في أوائل بدء الخلق عن عطاء أيضًا عن عائشة مُقْتَصراً علي معنى الشِّق الأول، وفيه أقبلَ وأدبر وتغير وجهه، وفيه وما أَدري لعله كما قال قوم عادٍ: ﴿هَذَا عَارِضٌ﴾ الآية، وعُرِفَ برواية شريح أَنَّ الدعاء المذكور يُستحب بعد نزوله للازدياد من الخير والبركة مقيدًا بدفع ما يحذر من الضرر.
стр. 4869
رجاله ستة:
قد مرّوا، مرّ محمد بن مقاتل في السابع من العلم، ومرَّ عبد الله بن المبارك في السادس من بدء الوحي، ومرَّتْ عائشة في الثاني منه، ومرَّ عُبيد الله العمري في الرَّابع عشر من الوضوء، ومرَّ نافع في الأخير من العلم، ومرَّ القاسم في الحادي عشر من الغُسل.
لطائف إسناده:
فيه التحديث والإخبار بالجمع والعنعنة والقول، ورواية التابعي عن التابعي. والاثنان الأَوَّلانِ من الرواة رازيّان، والبقية مدنيون، وشيخ البخاري من أفراده. أخرجه النسائي في "اليوم والليلة" وابن ماجه في "الدعاء". ثم قال تابعه القاسم بن يحيى عن عبيد الله، ورواه الأوزاعي وعقيل عن نافع. قال الكرماني ": قال أولًا تابعه القاسم، ثم قال: رواه الأوزاعي فكان تغير الأسلوب لإفادة العموم في الثاني؛ لأن الرواية أعم من أن تكون على سبيل المتابعة، أم لا؟ فيُحتمل أنْ يكونا روياه عن نافع كما رواه عبيد الله، ويحتمل أنْ يكونا روياه على صفةٍ أُخرى.
قلت: رواية دحيم في "الفيلانيات" عن الوليد وشعيب بن إسحاق قالا: حدّثنا الأوزاعي حدّثني نافع صريحة في أن الأوزاعي رواه عن نافع فلا وجه للاحتمال الثاني فيه، ويستفاد من رواية دحيم هذه صحة سماع الأوزاعي من نافع خلافًا لمن نفاه، وترك الكرماني احتمال أنَّه صنع ذلك للتَّفَنن في العبارة، مع أنه الواقع في نفس الأَمر لَمَّا بيَّن مِنْ أنَّ رواية الجميع متفقة؛ لأن الاختلاف الذي ذكره الدارقطني على الأوزاعي إنما يرجع إلى إدخال واسطة بين الأوزاعي ونافع أولًا، والبخاري قد قيَّد رواية الأوزاعي بكونها عن نافع، والرواة لم يختلفوا في أن نافعًا رواه عن القاسم عن عائشة، فظهر بهذا كونه متابعةً لا مخالفة، وكذلك رواية عقيل لكن لمَّا كانت متابعة القاسم أقرب من متابعتهما لأنه تابع في عُبيد الله، وهما تابعا في شيخه حسن أن يفردهما منهما، ولمَّا أفردها تَفَنَّنَ في العبارة.
قال في "الفتح": لم أقف على رواية القاسم هذه موصولة، وزعم مغلطاي أنَّ الدارقطني وصلها في "غرائب الأفراد" عن يحيى عن عبيد الله، وليس ذلك مطابقًا إلاَّ إن كان بنسخته سقط منها من متن البخاري لفظ القاسم بن يحيى، ومتابعة الأوزاعي أخرجها النسائي في "عمل اليوم والليلة"، ولفظه: "هنيئًا بدل نافعًا"، ومتابعة عقيل وصلها الدارقطني.
ورجال المتابعات خمسة: قد مرَّوا إلاَّ القاسم بن يحيى مرّ محل عبيد الله ونافع في الذي قبله، ومرّ الأوزاعي في العشرين من العلم، ومرّ عقيل بن خالد في الثالث من بدء الوحي. والقاسم هو ابن يحيى بن عطاء بن مقدم بن مقدم بن مطيع الهلالي المقدمي أبو محمد الواسطي. ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال: مستقيم الحديث، وقال الدارقطني: ثقة روى عن جده عطاء وعبيد الله بن عمر العمري والأعمش، وغيرهم. وروى عنه ابن أخيه مقدم بن يحيى ومحمد بن موسى الدولابي وأبو سعيد وغيرهم. مات سنة سبع وتسعين ومائة. ثم قال المصنف:
стр. 4870
باب مَنْ تمطَّر في المطر حتى يتحادر على لحيته
قوله: "تمطَّر" بتشديد الطاء، أي: تعرض لوقوع المطر عليه، وتَفَعَّل يأتي لمعانٍ أليقها هنا أنه بمعنى: مواصلة العمل في مهلة نحو: تفكَّر، ولعلَّه أشار إلى ما أخرجه مسلم عن أنس قال: حَسَرَ رسول الله ﷺ ثوبه حتى أصابه المطر وقال: "إنه حديث عهد بربه" أي: قريب العهد بتكوين ربه، وكأن المصنف أراد أنْ يبين أنَّ تحادر المطر على لحيته ﵊ لم يكن اتفاقًا، وإنما كان قصدًا، ولذلك ترجم بقوله: مَنْ تمطَّر أي: قصد نزول المطر عليه؛ لأنه لو لم يكن باختياره لنزل عن المنبر أول ما وكف السقف، لكنه تمادى في خطبته، حتى كثر نزوله بحيث تحادر على لحيته ﷺ .
الحديث السابع والعشرون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَ الْمَالُ وَجَاعَ الْعِيَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا أَنْ يَسْقِيَنَا. قَالَ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ، وَمَا فِي السَّمَاءِ قَزَعَةٌ، قَالَ فَثَارَ سَحَابٌ أَمْثَالُ الْجِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ، قَالَ فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ، وَفِى الْغَدِ وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ وَالَّذِي يَلِيهِ إِلَى الْجُمُعَةِ الأُخْرَى، فَقَامَ ذَلِكَ الأَعْرَابِيُّ أَوْ رَجُلٌ غَيْرُهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَهَدَّمَ الْبِنَاءُ وَغَرِقَ الْمَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا. فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا. قَالَ فَمَا جَعَلَ يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّمَاءِ إِلاَّ تَفَرَّجَتْ حَتَّى صَارَتِ الْمَدِينَةُ فِي مِثْلِ الْجَوْبَةِ، حَتَّى سَالَ الْوَادِي وَادِي قَنَاةَ شَهْرًا. قَالَ فَلَمْ يَجِيءُ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلاَّ حَدَّثَ بِالْجَوْدِ.
هذا الحديث قد مرّ استيفاء الكلام عليه غاية في "باب الاستسقاء" في الخطبة يوم الجمعة، من كتاب الجمعة.
стр. 4871
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ في الذي قبله محل محمد بن مقاتل وابن المبارك والأوزاعي، ومرّ إسحاق بن عبد الله في الثامن من العلم وأنس في السادس من الإيمان، وقد مرّ هذا الحديث مرارًا، ومرَّ الكلام عليه. ثم قال المصنف:
стр. 4872
باب إذا هبت الريح
أي: ما يصنع من قول أو فعل. قيل: وجه دخول هذه الترجمة في أبواب الاستسقاء أنَّ المطلوب بالاستسقاء المطر، والريح في الغالب تعقبه، وقد سبق قريبًا التنبيه على إيضاح ما يصنع عند هبوبها.
الحديث الثامن والعشرون
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَتِ الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ إِذَا هَبَّتْ عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ .
وعند أبي يعلى بإسناد صحيح عن قتادة عن أنس أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا هاجت ريح شديدة قال: "اللهم إنِّي أسأَلُكَ مِنْ خير ما أَمِرَتْ به وأعوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ ما أُمِرَتْ به".
وهذه زيادة على رواية حميد يجب قبولها لثقة رواتها، وإنما ظهر في وجهه ذلك، مخافة أن يكون في ذلك الريح ضرر. وحَذَرًا من أنْ يُصيب أُمَّتَة العقوبة بذنوب العاصين منهم، رأفةً ورحمةً منه ﵊.
ولمسلم عن عائشة كان النبي ﷺ إذا عصفت الريح قال: "اللهم إنّي أسأَلُكَ خَيْرَهَا وخَيْرَ ما فيها وخَيْرَ ما أُرسِلَتْ به، وأَعوذُ بكَ مِنْ شَرها وشَرِّ ما فيها وشَرِّ ما أُرِسَلتْ به". قالت: وإذا تخيلت السماء تغير لونه وخرج ودخل وأقبل وأدبر، فإذا أمطرت سُري عنه، فعرفت ذلك عائشة فسألته فقال: "لعله يا عائشة كما قال قوم عاد فلما رأَوهُ مستقبل أوديتهم، قالوا هذا عارض ممطرنا".
وعصف الريح: اشتداد هبوبها، وريح عاصف شديدة الهبوب، وتخيل السماء هنا بمعنى السحاب، وتخيلت إذا ظهر في السحاب أثر المطر، وسُرَّيَ عنه أي: كُشف عنه الخوف وأُزيلَ. والتشديد فيه للمبالغة، وعارض سحاب: عرض يمطر.
وروى الطبراني عن ابن عباس والشافعي كان رسول الله ﷺ إذا هاجت ريح استقبلها بوجهه وجثا على ركبتيه وقال: "اللهم إنِّي أسأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هذهِ وخَير ما أُرسِلَتْ بهْ وأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّها وشَرِّ ما أُمرت بِهْ اللَّهُمَّ اجعلها رحمةً ولا تَجْعلها عذابًا اللَّهم اجْعَلْها رياحًا ولا تجعلها ريحًا". والتعبير
стр. 4873
في وصف الريح بالشديدة يخرج الريح الخفيفة، وفيه الاستعداد بالمراقبة لله، والالتجاء إليه عند اختلاف الأحوال، وحدوث ما يخاف بسببه.
رجاله أربعة:
قد مرّوا، مرّ سعيد بن أبي مريم في الرابع والأربعين من العلم، ومرّ محمد بن جعفر في التاسع من الحيض، ومرّ حميد الطويل في الثاني والأربعين من الإيمان، وأنس في السادس منه. ثم قال المصنف:
стр. 4874
باب قول النبي ﷺ نُصرتُ بالصَّبَا
قال الزين بن المنير في هذه الترجمة إشارة إلى تخصيص حديث أنس الذي قبله بما سوى الصَّبا من جميع أنواع الريح؛ لأن قضية نصرها له أن تكون مما يسر بها دون غيرها، ويحتمل أن يكون حديث أنس على عمومه. إمّا بأن يكون نَصْرُها له متأخرًا عن ذلك لأن ذلك وقع في غزوة الأحزاب وهو المراد بقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ كما جزم به مجاهد وغيره وإما بأنْ يكون نصرها له بسبب إهلاك أعدائه، فيخشى من هبوبها أن تُهلك أحدًا من عُصاة أُمَّتِه، وهو كان بهم رؤوفًا رحيمًا. وأيضًا فالصَّبا تولف السحاب وتجمعه، فالمطر في الغالب يقع حينئذٍ. وقد وقع في الخبر الماضي أنَّه كان إذا أَمطرت سُرِّيَ عنه. وذ لك يقتضي أن تكون الصَّبا أيضًا مِمَّا يقع التخوف عند هبوبها، فيعكر ذلك على التخصيص المذكور.
الحديث التاسع والعشرون
حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ".
قوله: "بالصَّبا" بفتح المهملة بعدها موحدة مقصورة، يقال لها القَبول بفتح القاف؛ لأنها تقابل باب الكعبة. إذْ مهبها من مشرق الشمس، وضدها الدبور، وهي التي أُهلكت بها قوم عاد. ومن المناسبة كون القبول "نصرت" أهل القبول وكون الدِبور "أَهلكت" أهل الإدبار، وأن الدبور أشد من الصبا. لما ذكر في قصة عاد أنها لم يخرج منها إلاَّ قدر يسير مقدار الخاتم، ومع ذلك استأصلهم، قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾. وسيأتي قريبًا وصفها, ولما عَلِم الله تعالى رأفةَ نبيَه ﵊ بقومه رجاء أن يسلموا سلّط عليهم الصَّبا، وكان باردة في ليلةٍ شاتية فسفَّت التراب في وجوههم، وأطفأَت نيرانهم وقَطَّعت خيامهم، فكانت سبب رحيلهم عن المسلمين لما أصابهم بسببها من الشدة، ومع ذلك فلم تُهلك منهم أحدًا، ولم تستأصلهم، ومن الرياح الجنوب وهي التي تهب عن يمين البيت، والشمال وهي التي تهب عن شماله، وأي ريح هبت من بين جهتين منها يقال لها "النَكْباء" بفتح النون وسكون الكاف بعدها موحدة.
ولكل من الأربعة طبع فالصَّبا: حارة يابسة، والدبور: باردة رطبة، والجنوب: حارة رطبة، والشمال: باردة يابسة، وهي ريح أهل الجنة التي تهب عليهم. رواه مسلم. وقال ابن الأَعرابي: مهب الصبا من مطلع الثُّريا إلى بنات نعش. وفي التفاسير: أنها هي التي حملت ريح يوسف إلى
стр. 4875
يعقوبَ عليهما الصلاة والسلام قبل البشير إليه فإليها يستريح كل محزون، وقال ابن الأعرابي أيضًا: إنَّ مهب الدبور من مسقط النِّسر الطائر إلى سهيل، وهي الريح العقيم. وسمِّيت عقيمًا لأنها أهلكتهم وقَطَعَتْ دابرهم. وروى شهر بن حوشب مما ذكره السَّمرقندي عن ابن عباس قال: ما أَنزل الله قطرة من ماءٍ إلاَّ بمثقال، ولا سفوة من ريح إلاَّ بمكيال إلا قوم نوح وقوم عاد. فأمَّا قوم نوح طغى على خُزّانه الماء، فلم يكن لهم عليه سبيل، وعتت الريح يوم عاد على خزّانها، فلم يكن لهم عليها سبيل، وقال غيره: كانت تقلع الشجر وتهدم البيوت. وترفع الظعينة بين السماء والأرض حتى ترى كأنها جرادة، وترميهم بالحجارة فَتَدُق أعناقهم، وعن ابن عباس دخلوا البيوت وأَغلقوها فجاءت الريح، ففتحت الأبواب، وسَفَّت عليهم الرمل فبقوا تحته سبع ليالٍ وثمانية أيام، فكان يسمع أنينهم تحت الرَّمل، واستنبط منه ابن بطَّال تفضيل بعض المخلوقات على بعض من جهة إضافة النصر للصبا، والإهلاك للدبور، وتعقب بأنَّ كل واحدةٍ منهما أهلكت أعداء الله، ونصرت أنبياءه وأولياءه، وعاد هو ابن عوص بن إرم بن سام بن نوح ﵊، فتفرعت أولاده، فكانوا ثلاث عشرة قبيلة ينزلون الاحقاف، وبلادها، وكانت ديارهم بالدهناء وعالج ودبار إلى حضرموت، وكانت أخصب البلاد ولمَّا سخط الله تعالى عليهم جعلها مفاوز واعتزل هود نبي الله ﵇ ومَنْ معه من المؤمنين في حظيرة لا يصيبهم منها إلاَّ ما يليِّن الجلود، وتلذُّ الأَعين.
وقال مجاهد: وكان قد آمن معه أربعة آلاف، وذلك قوله تعالى: ﴿ولَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ وفي الحديث: إخبار المرء عن نفسهِ بما فضَّلَهُ الله بهِ على سَبيل التحديث بالنعمة لا على سبيل الفخر، وفيه الإخبار عن الأمم الماضية وإهلاكها.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ مسلم بن إبراهيم في السابع والثلاثين من الإيمان, ومرّ شعبة في الثالث منه، ومرَّ مجاهد في أثر أوَّله قبل ذكر حديث منه، ومرَّ الحكم في الثامن والخمسين من العلم، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي. ثم قال المصنف:
стр. 4876
باب ما قيل في الزلازل والآيات
قيل لمَّا كان هبوب الريح الشديدة يوجب التخوّف المفضي إلى الخشوع والإنابة، كانت الزَّلْزَلة ونحوها من الآيات أولى بذلك، لاسيما وقد نصَّ في الخبر على أنَّ أكثر الزّلازل من أشراط الساعة، وقال الزين بن المنير: وجه إدخال هذه الترجمة في أبواب الاستسقاء: أن وجود الزَّلزلة ونحوها يقع غالبًا مع نزول المطر، وتقدم لنزول المطر دعاء يخصه، فأراد المصنف أن يبيّن أنه لم يثبت عنده على شرطه في القول عند الزلازل ونحوها شيء، وهل يصلى عند وجودها. حكى فيه ابن المنذر الاختلاف، وبه قال أحمد وإسحاق وجماعة، وعلَّق الشافعي القول به على صحة الحديث عن علي أنه صلّى في زلزلة جماعة.
قال النووي: لم يصح ولو جمح قال أصحابنا محمول على الصلاة منفردًا لندب الصلاة عندها منفردًا لئلا يكون غافلًا. وقد حثَّ عمر على الصلاة عند الزلزلة. قال الحليمي: وصِفَتُها عند ابن عباس وعائشة كصلاة الكسوف ويحتمل أنْ لا يغير عن المعهود إلاَّ بتوقيف. قال الزركشي: وبهذا الاحتمال جزم ابن أبي الدنيا فقال: تكون كهيئة الصلوات، ولا تصلَّى على هيئة الخسوف قولًا واحدًا ويُسن الخروج إلى الصحراء وقت الزَّلزلة، قاله العبادي، ويقاس بها نحوها. وقد أخرج عبد الرزاق عن ابن عباس الصلاة عندها. وروى ابن حبان في صحيحه عن عائشة مرفوعًا: "صلاة الآيات ست ركعات وأربع سجدات". ويستحب لكل أحدٍ أن يتضرع بالدعاء عند الزلازل ونحوها كالصواعق، والريح الشديدة، والخسف لأن ظهور الزلازل والآيات وعيد من الله تعالى لأهل الأرض قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾. والوعيد والتخويف بهذه الآيات إنّما يكون عند المجاهرة والإعلان بالمعاصي. ألا ترى أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حين زلزلت المدينة في زمنه قال: "يا أهل المدينة ما أَسرع ما أَحدثتم والله لئن عادت لأَخرجنَّ من بين اظهركم". فخشي أن تصيبه العقوبة معهم. كما قيل لرسول الله ﷺ : أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم، إذا كَثُر الخبث ويَبْعَثُ الله الصَّالحين على نِيّاتهم".
قلت: عند المالكية يكره السجود عند الزَّلزلة وتندب الصلاة عندها ولدفع البَلاء والطاعون فيُصَلَّون أفرَادًا أو جماعة إذا لم يجمعهم الإِمام أو يحملهم على ذلك، والذي يُظهر الوجوب إذا جمعهم الإمام على ذلك، وهل يصلون ركعتين أو أكثر، ذكر بعضهم عن اللخمي أنه تستحب ركعتان قال العدوي: ولم أره.
стр. 4877
الحديث الثلاثون
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ، وَتَكْثُرَ الزَّلاَزِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ وَهْوَ الْقَتْلُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ فَيَفِيضُ".
قوله: "حتى يقبض العلم" بموت العلماء وكثرة الجهلاء. وقوله: "وتكثر الزلازل" جمع زلزلة، وهي حركة الأرض واضطرابها حتى ربما سقط البناء القائم عليها. وقوله: "ويتقارب الزمان" فتكون كما في الترمذي عن أنس مرفوعًا: "السنةُ كالشَّهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم واليوم كالساعة والساعة كالضرمة بالنار" أي كزمان اتّقاد الضرمة، وهي ما توقد به النار أولًا كالقضب والكبريت.
وقد مرَّت مباحث هذا الحديث مستوفاة غاية عند ذكره مختصرًا في باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس من كتاب العلم. وقوله: "فيفيض" بفتح حرف المضارعة بالرفع خبر مبتدأ محذوف. أي: هو يفيض ولأَبي ذر بالنصب عطفًا على يكثر. ويفيض استعارة من فيض الماء لكثرته يقال: "فاض الماء" إذا كثر حتى سال على ضفة الوادي أي: جانبه، وأفاض الرجل إناه أي: مَلأه حتى فاض، والمعنى: يفيض المال حتى يكثر، فيفضل منه في أيدي مالِكيه ما لا حاجة لهم به، وقيل: بل ينتشر في النَّاس ويعمهم.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ أبو اليمان وشعيب في السابع من بدء الوحي، ومرَّ أبو الزناد وعبد الرحمن في السابع من الإيمان، وأبو هريرة في الثاني منه.
الحديث الحادي والثلاثون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِى يَمَنِنَا". قَالَ: قَالُوا: وَفِى نَجْدِنَا؟ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِى يَمَنِنَا". قَالَ: قَالُوا: وَفِى نَجْدِنَا؟ قَالَ: قَالَ: "هُنَاكَ الزَّلاَزِلُ وَالْفِتَنُ، وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ".
قوله: "قال: اللهم بارك إلخ" قال في "الفتح": هكذا وقع في هذه الروايات بصورة الموقوف عن ابن عمر لم يذكر النبي ﷺ وقال القابسي: سقط ذكره ﵊ من النسخة ولابد منه لأن مثله لا يقال بالرأي. وقد رواه أزهر السمان عن ابن عون مصرحًا فيه بذكر النبي ﷺ كما يأتي في الفتن.
قلت: هذا مع ما في الحديث من قوله عن ابن عمر، قال: قال: "اللهم بارك" لا يصح أنه
стр. 4878
على صورة الوقف لأن ابن عمر أسند القول إلى غيره، فلا يصح أن يكون من قوله ومن أسنده إليه معلوم أنه النبي ﷺ ؛ لأنه هو الذي يسند إليه الصحابي ويَرْوي عنه، وإذا كان لم يذكره. فإنّما لم يذكره للعلم به على حد قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾، وقوله: "في شامنا ويمننا" المراد بهما: الإقليمان المعروفان، أو البلاد التي عن يميننا وشمالنا أعم منهما.
وقوله "في نجدنا؟ " هو خلاف الغور وهو تهامة وكل ما ارتفع من بلاد تهامة إلى أَرض العراق. ذكر هنا "وفي نجدنا" بعد قوله: "في شامِنا وَيَمننا" مرتين، وفي رواية ولد ابن عون فلما كان الثالثة أو الرابعة قالوا: يا رسول الله وفي نجدنا؟ قال: بها الزلازل والفتن ومنها يطلع قرن الشيطان". وقرن الشيطان أُمته وحزبه. قال الداودي: للشمس قرن حقيقة، ويحتمل أن يريد بالقرن قوة الشيطان وما يستعين به على الإِضلال، وهذا وجه وقيل: إن الشيطان يقرن رأسه بالشمس عند طلوعها ليقع سجود عبدتها له، قيل: ويحتمل أن يكون للشمس شيطان تطلع الشمس بين قرنيه، وقال الخطابي: القرن الأُمة من الناس يحدثون بعد فناء آخرين، وقرن الحية أن يضرب المثل فيما لا يحمد من الأُمور. وقال غيره: كان أهل المشرق يومئذٍ أهل كفر فاخبرَ ﷺ أن الفتنة تكون من تلك النَّاحية، فكان كما أُخبروا. وأول الفتن كان من قبل المشرق، فكان ذلك سببًا للفرقة بين المسلمين وذلك مما يحبه الشيطان ويفرح به، وكذلك البِدع نشأَت من تلك الجهة.
قال المهلب: إنما ترك ﵊ الدعاء لأهل المشرق ليضعفوا عن البشر الذي هو موضوع في جهتهم لاستيلاء الشيطان بالفتن، وقال القسطلاني: إنما ترك الدعاء لأهل المشرق لأنه علم العاقبة، وأن القدر سبق بوقوع الفتن فيها والزلازل ونحوها من العقوبات. والأدب أن لا يدعى بخلاف القدر مع كشف العاقبة بل يحرم حينئذ. وقد مرَّ أن نجد ما ارتفع من بلاد تهامة إلى العراق، وتهامة كلها من الغور، ومكة من تهامة. وقال الخطابي: نجد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها، وهي مشرق أهل المدينة. وقد ذكرت حدود نجد في رسالتي المسماة: "بالقول القاضي" بمبانيه، وأما الشام فقد قال أبو القاسم الزجاجي: سميت بذلك لكثرة قراها وتداني بعضها من بعض فشبهت بالشامات، وقيل سميت بذلك؛ لأن قومًا من كنعان بن حام خرجوا عند التفرق فتشاءموا إليها أي: أخذوا ذات الشمال.
وقال ابن عساكر: سميت الشام بسام بن نوح ﵇ وسام اسمه بالسريانية شام، وبالعبرانية شيم وقيل: سميت شامًا لأنها عن شمال الأرض، وقيل: إن اسم الشام أولًا سورية، وكانت أرض بني إسرائيل قسمت على اثني عشر سهمًا فصار لسهم منهم مدينة شامرين. وهي من فلسطين فصار إليها متجر العرب في ذلك، ومنها كانت ميرتهم فَسَمَوا الشام بشامرين. ثم حذفوا فقالوا: الشام، قال البكري: الشام مهموز الألف، وقد لا يهمز، وقال الفراء: فيها لغتان: شأم، وشام والنسب إليها شأمي، وشامي على الحذف. وقال الجوهري: يذكر ويؤنث.
стр. 4879
رجاله خمسة:
قد مرّوا، إلاَّ حسين. مرّ محمد بن المثنى في التاسع من الإيمان, وابن عمر في أوله قبل ذكر حديث منه، وعبيد الله بن عون في التاسع من العلم، ومرّ نافع في الأخير منه، وحسين هو ابن الحسن بن يسار، ويقال ابن يسار، ويقال ابن بشر بن مالك بن يسار النصري أبو عبد الله من آل مالك بن يسار. قال أحمد: الحسين بن الحسن من أصحاب ابن عون من المعدودين في الثقات دلهم عليه ابن مهدي كان يحفظ عن ابن عون، وكان حسن الهيئة ما علمته ثقة. كتبنا عنه. وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال الساجي: ثقة صدوق مأمون تكلم فيه أزهر بن سعد فلم يلتفت إليه، ومثله يجل عن كتاب الضعفاء. روى عن ابن عون وزيد بن أبي هاشم مولى بشر بن مالك بن يسار، وروى عنه أحمد بن حنبل والزعفراني والفلاس وبندار. مات سنة ثمان وثمانين ومائة. والنصري في نسبه نسبة إلى نصر بن معاوية.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواته بصريون، ما خلا نافعًا. أخرجه البخاري في "الفتن" مرفوعًا. والترمذي وقال: صحيح حسن، وخرّجه الإسماعيلي مسندًا. ثم قال المصنف:
стр. 4880
باب قول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾
ثم قال: قال ابن عباس: "شكركم" يُحتمل أن يكون مراده أن ابن عباس قرأها كذلك، وشهد له ما رواه سعيد بن منصور عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿وتجعلون شكركم أنكم تكذبون﴾ وهذا إسناد صحيح. ومن هذا الوجه أخرجه ابن مردويه في التفسير المسند.
وروى مسلم عن ابن عباس قال: مطر الناس على عهد رسول الله ﷺ فذكر نحو حديث زيد بن خالد في الباب وفي آخره فأنزلت هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ إلى قوله: ﴿تُكَذِّبُونَ﴾. وعرف بهذا مناسبة الترجمة وأثر ابن عباس لحديث زيد بن خالد، وقد روى نحو أثر ابن عباس المعلّق مرفوعًا من حديث علي. لكن سياقه يدل على التفسير لا على القراءة. أخرجه عبد بن حميد عن علي مرفوعًا ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ قال: "تجعلون شكركم" تقولون: مُطرنا بنوء كذا، وقد قيل في القراءة المشهورة حذفٌ تقديره: "وتجعلون شكر رزقكم". وقال الطبري: المعنى "وتجعلون الرزقال في وجب عليكم به الشكر تكذيبكم به" وقيل: بل الرزق بمعنى "الشكر" في لغة أزدشنوءة. نقله الطبري. وابن عباس مرّ في الخامس من بدء الوحي.
الحديث الثاني والثلاثون
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاَةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ ". قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ. فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا. فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ".
هذا الحديث مرّ الكلام عليه مستوفى في باب يستقبل الإِمام الناس من أبواب صفة الصلاة.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ إسماعيل بن أبي أويس في الخامس عشر من الإيمان، ومرّ مالك في الثاني من بدء الوحي، وعبيد الله المسعودي في السادس منه، وصالح بن كيسان في السابع منه، وزيد بن خالد في الثالث والثلاثين من العلم. ثم قال المصنف:
стр. 4881
باب لا يدري متى يجيء المطر إلاَّ الله تعالى
عقب الترجمة الماضية بهذه لأن تلك تضمنت أن المطر إنما ينزل بقضاء الله، وأنه لا تأثير للكواكب في نزوله. وقضية ذلك أنه لا يعلم أحد متى يجيء إلا هو. ثم قال: وقال أبو هريرة عن النبي ﷺ : "خمسٌ لا يعلمهنَّ إلا الله". وقد مرّ استيفاء الكلام على هذا الطرف من الحديث عند ذكر حديث سؤال جبريل في كتاب الإيمان وفي تفسير ابن مردويه: "خمسٌ من الغيب لا يعلمهن إلا الله": ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية. وهذا قطعة من حديث وصله المؤلف في الإيمان، وفي تفسير سورة لقمان وأبو هريرة مرّ في الثاني من الإيمان.
الحديث الثالث والثلاثون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مِفْتَاحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ اللَّهُ لاَ يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا يَكُونُ فِي غَدٍ، وَلاَ يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا يَكُونُ فِي الأَرْحَامِ، وَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، وَمَا يَدْرِي أَحَدٌ مَتَى يَجِيءُ الْمَطَرُ".
قوله: "مفتاح" في رواية الكشميهني مفاتح. وقوله: "متى يجيء المطر" زاد الإسماعيلي "إلاَّ الله". أخرجه عن الثوري. وفيه رد على مَنْ زعم أن لنزول المطر وقتًا معينًا لا يختلف عنه. وقد مرت مباحث هذا الحديث عند محل ذكر الحديث الذي قبله في باب سؤال جبريل النبي ﷺ .
رجاله أربعة:
قد مرّوا، مرّ محمد بن يوسف الفريابي في العاشر من العلم، ومرّ سفيان الثوري في السابع والعشرين من الإيمان، ومرّ عبد الله بن دينار في الثاني منه، وابن عمر في أوله قبل ذكر حديث منه.
стр. 4882
خاتمة
اشتملت أبواب الاستسقاء من الأحاديث المرفوعة على أربعين حديثًا. المعلق منها تسعة، والبقية موصولة، المكرر منها فيها، وفيما مضى سبعة وعشرون حديثًا، والخالص ثلاثة عشر وافقه مسلم على تخريجها. سوى حديث ابن عمر الذي فيه شعر أبي طالب، وحديث أنس عن عمر في الاستسقاء بالعباس. وحديث عبد الله بن زيد في الاستسقاء على رجليه، وحديث عبد الله بن زيد في صفة تحويل الرِّداء وإن أخرج أصله، وحديث عائشة في قوله: "صيبًا نافعًا"، وأصله أيضًا فيه، وحديث أنس كان إذا هبت الريح الشديدة، وفيه من الآثار عن الصحابة وغيرهم أثران. من الفتح وقد رأيت ما قاله في الموصول من الأحاديث ورأيت ما كتبناه مما هو محقق بالنص. ثم قال المصنف:
стр. 4883
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أبواب الكسوف
ثبتت البسملة في رواية كريمة، والترجمة في رواية المستملي وفي بعض النسخ كتاب بدل أبواب والكسوف لغة: التغير إلى سواد، ومنه كسف وجهه وحاله، وكسفت الشمس اسودت وذهب شعاعها. واختلف في الكسوف والخسوف هل هما مترادفان أم لا؟ الخ ما مرّ مستوفى عند حديث أسماء بنت أبي بكر في باب ما يقال بعد التكبير. ثم قال المصنف:
باب الصلاة في كسوف الشمس
أي: مشروعيتها وهو أمر متفق عليه إلى آخر ما مرّ عند الحديث المذكور.
الحديث الأول
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلْنَا فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى انْجَلَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ ﷺ : "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لاَ يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا، وَادْعُوا، حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ".
قوله: "فانكسفت" يقال: كَسَفَت الشمس بفتح الكاف وانكسفت بمعنى وأنكر القزاز انكسفت. وكذا الجوهري حيث نسبه للعامة. والحديث يرد عليه، وحكى كُسفت بضم الكاف وهو نادر.
وقوله: "فقام رسول الله ﷺ يجر رداءه" زاد في اللباس من وجه آخر عن يونس مستعجلًا وللنسائي عنه من العجلة، ولمسلم عن أسماء كُسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ففزع فأخطا بدرع حتى أدرك بردائه، يعني أنه أراد لبس ردائه فلبس الدرع من شغل خاطره بذلك، واستدل به على أن جر الثوب لا يذم إلاَّ ممن قصد به الخيلاء.
وقوله: "حتى انجلت" استدل به على إطالة الصلاة حتى يقع الانجلاء، وأجاب الطحاوي بأنه قال فيه: "فصلوا وادعوا" فدل على أنه أنَّ المسلم من الصلاة قبل الانجلاء يتشاغل بالدعاء حتى تنجلي. وقرره ابن دقيق العيد بأنه جعل الغاية لمجموع الأمرين ولا يلزم من ذلك أن يكون غاية لكل منهما على انفراده، فجاز أن يكون الدعاء ممتدًا إلى غاية الإِنجلاء بعد الصلاة، فيصير غاية
стр. 4884
للمجموع، ولا يلزم منه تطويل الصلاة، ولا تكريرها.
وقوله: "فقال النبي - أن الشمس" زاد ابن خزيمة في روايته فلما كشف عنا خطبنا فقال: واستدل به على الانجلاء لا يسقط الخطبة، وقد مرّ ما في ذلك عند الحديث المذكور، ومرّت مباحث الحديث مستوفاة هناك.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ ابن عون في العاشر من استقبال القبلة، ومرّ خالد الطحان في السادس والخمسين من الوضوء، ومرّ يونس بن عبيد والحسن البصري وأبو بكرة في الرابع والعشرين من الإيمان.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة. والإسناد كله بصريون غير خالد أخرجه البخاري أيضًا في الكسوف والنسائي في الصلاة وفي التفسير.
الحديث الثاني
حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لاَ يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَقُومُوا فَصَلُّوا".
قوله: "شهاب بن عباد" هو العبدي الكوفي الآتي تعريفه قريبًا، ولهم شيخ آخر يقال له شهاب بن عباد العبدي لكنه بصري، وهو أقدم من الكوفي يكون في طبقة شيوخ شيوخه أخرج له البخاري وحده في "الأدب المفرد".
وقوله: "إبراهيم بن حميد" شيخه هو ابن عبد الرحمن الرُّؤاسي بضم الراء وتخفيف الهمزة الآتي تعريفه قريبًا، وفي طبقته إبراهيم بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري ولم يخرجوا له.
وقوله: "فإذا رأيتموها" أي: الآية وفي رواية الكشميهني رأيتموهما بالتثنية، وكذا رواية الإسماعيلي، والمعنى: إذا رأيتم كسوف كل منهما لاستحالة وقوع ذلك فيهما معًا في حالة واحدة عادة، وإن كان ذلك جائزًا في القدرة الإلهية، وفي رواية ابن المنذر حتى ينجلي كسوف أيهما انكسف وهو أصرح في المراد، واستدل به على مشروعية الصلاة في كسوف القمر ويأتي الكلام إن شاء الله تعالى عليه في باب مفرد.
وقوله: "فقوموا فصلوا" استدل به على أنه لا وقت لصلاة الكسوف معينًا إلى آخر ما مرّ في حديث أسماء في الباب المذكور آنفًا.
стр. 4885
رجاله خمسة:
مرّت الثلاثة الأخيرة، مرّ إسماعيل بن أبي خالد في الثالث من الإيمان، وقيس بن أبي حازم في الخمسين منه، وأبو مسعود في الثامن والأربعين منه، والاثنان الباقيان: الأول منهما شهاب بن عباد العبدي أبو عمر الكوفي. ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال ابن عدي: كان من خيار الناس. وقال العجلي: كوفي ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة رضي. وقال عبد الرحمن بن محمد الجزري: كان ثقة روى عن الحمادين، وإبراهيم بن حميد، وخالد بن عمرو القرشي وغيرهم. وروى عنه البخاري ومسلم، وروى له الترمذي وابن ماجه بواسطة وأحمد بن حنبل وغيرهم. مات لِلَيْلَتَيْنِ خلتا من جمادى الأولى سنة أربع وعشرين ومائتين.
الثاني: إبراهيم بن حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي أبو إسحاق الكوفي. ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال أبو حاتم والنسائي: ثقة. وقال ابن معين: ثقة ولم أدركه ووثقه أيضًا أحمد وأبو داود والعجلي. روى عن إسماعيل بن أبي خالد وهشام بن عروة وثور بن يزيد الدمشقي وغيرهم، وروى عنه شهاب بن عباد ويحيى بن آدم وزكرياء بن عدي وغيرهم. مات سنة ثمان وسبعين ومائة.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول ورواته كلهم كوفيون. وفيه رواية تابعي عن تابعي أخرجه البخاري أيضًا في الكسوف ومسلم في الخسوف، وكذا النسائي وابن ماجه.
الحديث الثالث
حَدَّثَنَا أَصْبَغُ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يُخْبِرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لاَ يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَصَلُّوا.
قوله: "لا يَخسفان" أي: بفتح أوله ويجوز الضم، وحكى ابن الصلاح منعه، وروى ابن خزيمة والبزار عن نافع عن ابن عمر قال: خسفت الشمس يوم مات إبراهيم الحديث. وفيه فافزعوا إلى الصلاة وإلى ذكر الله وادعوا وتصدقوا.
وقوله: "ولا لحياته" استُشكلت هذه الزيادة إلى آخر ما مرّ عند حديث أسماء في الباب المذكور من أبواب صفة الصلاة.
رجاله ستة:
قد مرّوا، مرّ اصبغ بن الفرج وعمرو بن الحارث في السابع والستين من الوضوء ومرّ ابن وهب
стр. 4886
في الثالث عشر من العلم، ومرّ عبد الرحمن بن القاسم في السادس عشر من الغسل، وأبوه القاسم في الحادي عشر فهو ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإفراد والإخبار بالإفراد والعنعنة والقول. والرواة الثلاثة الأُول مصريون والبقية مدنيون أخرجه البخاري أيضًا في بدء الخلق ومسلم والنسائي في الصلاة.
الحديث الرابع
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلاَقَةَ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ، فَقَالَ النَّاسُ كَسَفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لاَ يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ فَصَلُّوا وَادْعُوا اللَّهَ".
قوله: "يوم مات إبراهيم" يعني ابن النبي ﷺ . وقد ذكر جمهور أهل السير أنه مات في السنة العاشرة من الهجرة. فقيل ربيع الأول. وقيل في رمضان. وقيل في ذي الحجة، والأكثر على أنها وقعت في عاشر الشهر. وقيل في رابعه، وقيل في رابع عشرة، ولا يصح شيء منها على قول ذي الحجة؛ لأنه ﵊ كان إذْ ذاك بمكة في الحج. وقد ثبت أنه حضر وفاته وكانت بالمدينة. وسيأتي قريبًا في السند تعريفه.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، وفيه ذكر إبراهيم ابن النبي ﷺ . مرّ عبد الله المسندي في الثاني من الإيمان, وزياد بن علاقة والمغيرة بن شعبة في الأخير منه، ومرّ هاشم بن القاسم في التاسع من الوضوء، ومرّ شيبان النحوي في الثالث والخمسين من العلم. وأما إبراهيم فهو ابن سيد البشر محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم وأُمه مارية القبطية أهداها إلى رسول لله- صلى الله تعالى عليه وسلم- هي وأختها سيرين المقوقس صاحب الإسكندرية ومصر فوهب سيرين لحسان بن ثابت الشاعر، فولدت له ولده عبد الرحمن. ولد إبراهيم ليلة الثلاثاء لعشر خلون من ربيع الأول في ذي الحجة سنة ثمان، ولد كما قال الزبير بالعالية في المحل الذي يقال له اليوم مشربة إبراهيم بالقف، وكانت قابلتها سلمى مولاة النبي ﷺ وزوجة أبي رافع فبشر به أبو رافع النبي ﷺ فوهب له عبدًا، وعق عنه يوم سابعه بكبش وحلق رأسه أبو هند وسمّاه يومئذ وتصدق بوزن شعره ورقًا على المساكين، وأخذوا شعره ودفنوه في الأرض.
هكذا قال الزبير: أنه سماه يوم سابعه والصحيح ما أخرجه الشيخان عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم". قلت: يمكن عندي التوفيق بين الحديثين
стр. 4887
بأن يكون معنى سميته أردت تسميته. لا أنه وضع الاسم عليه الآن، ويكون وضع الاسم عليه تأخر إلى السابع. كما قال الزبير. ثم دفعه إلى أُم سيف امرأة قين بالمدينة يقال له أبو سيف وتنافست الأنصار فيمن يرضعه، وأحبوا أن يفرغوا مارية للنبي ﷺ لما يعلمون من هواه فيها وكانت لرسول الله ﷺ قطعةً من ضأن ترعى بالقف ولقاح بذي الجدر تروح عليها. فكانت توتى بلبنها كل ليلة، فتشرب وتسقي ابنها. فجاءت أم بردة بنت المنذر بن زيد الأنصاري زوجة البراء بن أوس، فكلمت النبي ﷺ في أن ترضعه بلبان ابنها في بني مازن بن النجار، وترجع به إلى أمها وأعطى رسول الله ﷺ أم بردة قطعةً من النخل، فناقلت بها إلى مال عبد الله بن زمعة، واختلف في سنه يوم مات وهل صلّى عليه النبي ﷺ ؟
ففي صحيح البخاري أنه عاش سبعة عشر شهرًا، أو ثمانية عشر شهرًا على الشك، وأخرج ابن منده عن أنس قال: توفي إبراهيم ابن النبي ﷺ وهو ابن ستة عشر شهرًا وقال: "ادفنوه في البقيع فإن له مرضعًا تتم رضاعه في الجنة". وروى ابن إسحاق عن عائشة قالت: توفي إبراهيم ابن النبي ﷺ وهو ابن ثمانية عشر شهرًا. وأخرجه أحمد في مسنده عنها. وزاد فلم يصل عليه. وروى ابن سعد وأبو يعلى عن أنس أن النبي ﷺ صلّى على ابنه إبراهيم وكبّر عليه أربعًا. وروى أحمد عن البراء قال: صلَّى النبي ﷺ على ابنه إبراهيم ومات وهو ابن ستة عشر شهرًا.
قال الخطابي: حديث عائشة أحسن اتصالًا من الرواية التي فيها أنه صلى عليه، ولكن هي أولى. وقال ابن عبد البر: حديث عائشة لا يصح لأن الجمهور قد أجمعوا على الصلاة على الأطفال إذا استهلوا عملًا مستفيضًا عن الخلف والسلف، ولم يخالف فيه أحد إلا سمرة بن جندب فيما علمت. وقد يحتمل أن يكون معنى حديثها أي: لم يصل عليه في جماعة أو أمر أصحابه فصلوا عليه ولم يحضرهم، فلا يكون مخالفًا لما عليه العلماء في ذلك، وهو أولى ما حمل عليه حديثها غسلته أم بردة وحمل من بيتها على سرير صغير وصلّى عليه رسول الله ﷺ بالبقيع. وقال: "ندفنه عند فرطنا عثمان بن مظعون". وقد قيل: إن الفضل بن العباس غسله ونزل في قبره مع أُسامة بن زيد ورسول الله ﷺ جالس على شفير القبر. قال الزبير: ورش قبره وأعلم فيه بعلامة قال: وهو أول قبر رش عليه.
وروى ابن ماجه عن ابن عباس قال: لما مات إبراهيم ابن النبي ﷺ قال: "إنَّ له مرضعًا في الجنة فلو عاش لكان صديقًا نبيًا ولو عاش لأعتقت أخواله من القبط وما استرق قبطي" وفي سنده ضعف، وفي الحديث: "إذا دخلتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرًا فإن لهم ذمة ورحمًا" وأخرج البخاري عن إسماعيل بن أبي خالد قلت لعبد الله بن أبي أُوفى: رأيت إبراهيم ابن النبي ﷺ أكبر. قال: مات صغيرًا ولو قضى أن يكون بعد محمد نبي عاش ابنه إبراهيم، ولكن لا نبي بعده. وأخرجه أحمد عن إسماعيل سمعت ابن أبي أوفى يقول: لو كان بعد النبي ﷺ نبي ما مات ابنه إبراهيم.
стр. 4888
وأخرج إسماعيل السدي عن أنس كان إبراهيم قد ملأ المهد، ولو عاش لكان نبيًا، ولكن لم يكن ليبقى فإن نبيكم آخر الأنبياء. وأخرج ابن منده عن إسماعيل قلت لابن أبي أَوفى: رأيت إبراهيم ابن النبي ﷺ ؟ قال: نعم. كان أشبه الناس به، مات وهو صغير. وقد استنكر ابن عبد البر حديث أنس وابن أبي أوفى. فقال بعد نقلهما: لا أدري ما هذا؟ فقد ولد نوح غير نبي ولو لم يلد النبي إلا نبيًا لكان كل أحد نبيًا؛ لأنهم من ولد نوح ﵇ وآدم ﵇ لا أعلم في ولده لصلبه نبيًا غير شيث. فكما يلد غير النبي نبيًا، فكذلك يجوز أن يلد النبي غير نبي. قال في "الإصابة": ولم يلزم من الحديثين المذكورين ما ذكره لما لا يخفى. قلت: بيانه هو أن هذا إذا كان ورد في إبراهيم وحده لا يلزم منه أن يكون شائعًا في كل ولد وُلِدَ لنبي، فيكون خصوصيته له من الله تعالى. ويدل لذلك حديث ابن عباس المرفوع، فهو مثل ما روي عن أنس وابن أبي أوفى وقال النووي في ترجمة إبراهيم من تهذيبه: وأما ما روي عن بعض المتقديمن لو عاش إبراهيم لكان نبيًا فباطل وجسارة على الكلام على المغيبات ومجازفة، وهجوم على عظيم. قال في "الإصابة": وهو عجيب من وروده عن ثلاثة من الصحابة، وكأنه لم يظهر له وجه تأويله. فبالغ في إنكاره. وجوابه أن القضية شرطية لا تستلزم الوقوع ولا يظن بالصحابي أنه يهجم على هذا بظنه.
قلت: مرّ عن ابن عباس رفع ما قاله أنس وابن أبي أوفى، ومعلوم أن ما قالاه في حكم المرفوع؛ لأنه لا مجال للرأي فيه، وما كان كذلك من آثار الصحابة له حكم المرفوع، كما هو مقرر عند أهل الحديث؛ لأنهم لا يهجمون على الغيب بدون إخبار منه ﷺ وما روي ليس فيه ما ينكر، إذ غاية ما فيه التنويه بقدر إبراهيم وأنه أهل لهذا المنصب لو عاش، وقد قال ﷺ في حق عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: "لو كان بعدي نبي لكان عمر". فهذا من المعنى، ومَنْ تأمل ما ورد عن النبي ﷺ من محبته سلم لهذا. فقد أخرج مسلم عن أنس ما رأيت أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ . كان إبراهيم مسترضعًا له في عوالي المدينة، وكان ينطلق ونحن معه فيأخذه ويقبله، فذكر قصة موته أخرجها هو والبخاري. وفيها أنه دخل عليه وهو يجود بنفسه فجعلت عيناه تذرفان وهو يقول: "العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنّا بك يا إبراهيم لمحزونون".
وأخرج ابن عبد البر بسنده عن عطاء بن جابر قال: أخذ النبي ﷺ بيد عبد الرحمن بن عوف فأتى به النخل فإذا ابنه إبراهيم في حجر أُمه وهو يجود بنفسه فأخذه رسول الله ﷺ فوضعه في حجره، ثم قال: "يا إبراهيم إنا لن نغني عنك من الله شيئًا" ثم ذرفت عيناه. ثم قال: "يا إبراهيم لولا أنه أمر حق ووعد صدق وأن آخرنا سيلحق أولنا لجدنا عليك حزنًا هو أشد من هذا وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون تبكي العين ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب". إلى غير هذا من الأحاديث كانت وفاته في ربيع الأول وقيل: في رمضان وقيل: في ذي الحجة، وهذا الثالث باطل على القول أنه مات سنة عشر لأن النبي ﷺ كان في حجة الوداع إلاَّ إذا كان مات في آخر ذي الحجة. وقد حكى البيهقي قولًا بأنه عاش سبعين يومًا فقط. فعلى هذا يكون مات سنة ثمان، والله
стр. 4889
تعالى أعلم.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول ورواته بخاريّ وخراساني وبغدادي وبصري وكوفي. أخرجه البخاري في "الأدب" ومسلم في الصلاة. ثم قال المصنف:
стр. 4890
باب الصدقة في الكسوف
أورد فيه حديث عائشة، من رواية هشام بن عروة عن أبيه عنها ثم أورده بعد باب من رواية ابن شهاب عن عروة، ثم بعد بابين من رواية عمرة عن عائشة، وعند كل منهم ما ليس عند الآخر، وورد الآخر في الأحاديث التي أوردها في الكسوف بالصلاة والصدقة والذكر والدعاء. وقد قدم منها الأهم فالأهم، ووقع الأمر بالصدقة في رواية هشام دون غيرها. فناسب أن يترجم بها ولأن الصدقة تالية للصلاة، فلذلك جعلها تلو ترجمة الصلاة في الكسوف.
الحديث الخامس
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ، فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ وَهْوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الأُولَى، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدِ انْجَلَتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لاَ يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا". ثُمَّ قَالَ: "يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا".
قوله: "خسفت الشمس فصلى" استدل به على أنه عمه كان يحافظ على الوضوء. فلهذا لم يحتج إلى الوضوء في تلك الحال، وفيه نظر؛ لأن في السياق حذفًا، فسيأتي في رواية ابن شهاب خسفت الشمس فخرج إلى المسجد فصف الناس وراءه، وفي رواية عمرة فخسفت فرجع ضحىً فمرّ بين الحجر، ثم قام يصلي، وإذا ثبتت هذه الأفعال جاز أن يكون حذف أيضًا فتوضأ ثم قام
стр. 4891
يصلي فلا يكون نصًا في أنه كان على وضوء.
ومباحث هذا الحديث مرت مستوفاة عند حديث أسماء في باب بعد باب ما يقال بعد التكبير من أبواب صفة الصلاة، ولم يبق منها إلا من قوله: "والله ما من أحد ... إلخ". وقوله: "والله ما من أحدٍ" فيه القسم لتأكيد الخبر. وإن كان السامع غير شاك فيه، وقوله: "أغير" بالنصب على أنه الخبر، وعلى إن من زائدة، ويجوز فيه الرفع على لغة تميم، أو أغير مخفوض صفةً لأحد، والخبر محذوف تقديره موجود، وأغير أفعل تفضيل من الغَيرة بفتح الغين المعجمة، وهي في اللغة تغير يحصل من الحمية والأنفة وأصلها في الزوجين والأهلين، وكل ذلك محال على الله تعالى؛ لأنه منزه عن كل تغير ونقص فيتعين حمله على المجاز فقيل لمّا كانت ثمرة المغيرة صون الحريم ومنعهم وزجر من يقصد إليهم أطلق عليه ذلك لكونه منع من فعل ذلك، وزجر فاعله وتوعده، فهو من باب تسمية الشيء بما يترتب عليه.
وقال ابن فورك: المعنى ما أكثر زجرًا عن الفواحش من الله تعالى لأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وقال ابن دقيق العيد: أهل التنزيه في هذا على قولين: إما ساكت وإما مؤول على أن المراد بالغيرة شدة المنع والحماية، فهو من مجاز الملازمة وقال الطيبي وغيره: وجه اتصال هذا المعنى بما قبله من قوله: "فاذكروا الله .. إلخ" أي: من جهة أنهم لما أُمروا باستدفاع البلاء بالذكر والدعاء والصلاة والصدقة ناسب ردعهم عن المعاصي التي هي من أسباب جلب البلاء، وخص منها الزنى لأنه أعظمها في ذلك. وقيل: لما كانت هذه المعصية من أقبح المعاصي وأشدها تأثيرًا في إثارة النفوس وغلبة الغضب ناسب ذلك تخويفهم في هذا المقام من مواخذة رب المغيرة وخالقها .
وقوله: "يا أمة محمد" فيه معنى الإشفاق كما يخاطب الوالد ولده إذا أشفق عليه بقوله: يا بني كذا. قيل: وكان قضية ذلك أن يقول يا أمتي لكن لعدوله عن المضمر إلى المظهر حكمة، وكأنها بسبب كون المقام مقام تحذير وتخويف لما في الإضافة من الاشعار بالتكريم، ومثله: "يا فاطمة بنت محمد لا أُغني عنك من الله شيئًا" الحديث، وصدر ﷺ كلامه باليمين لإرادة التأكيد للخبر وإن كان لا يرتاب في صدقه. ولعل تخصيص العبد والأمة بالذكر، رعاية الأدب مع الله تعالى لتنزهه عن الزوجة والأهل ممن تتعلق بهم المغيرة غالبًا، ويؤخذ من قوله: "يا أمة محمد" إن الواعظ ينبغي له حال وعظه أن لا يأتي بكلام فيه تفخيم لنفسه، بل يبالغ في التواضع لأنه أقرب إلى انتفاع مَنْ يسمعه.
وقوله: "لو تعلمون ما أعلم" أي: من عظيم قدرة الله تعالى وانتقامه من أهل الإجرام، وقيل:
стр. 4892
معناه لو دام علمكم كما دام علمي، لأن علمه متواصل بخلاف غيره، وقيل: لو علمتم من سعة رحمة الله وحلمه ما أعلم لبكيتم على ما فاتكم من ذلك.
وقوله: "لضحكتم قليلًا" قيل: معنى القلة هنا العدم والتقدير لتركتم الضحك، ولم يقع منكم إلا نادرًا لغلبة الخوف، واستيلاء الحزن. وحكى ابن بطال عن المهلب أن سبب ذلك: ما كان عليه الأنصار من محبة اللهو والغناء. وأطال في تقرير ذلك بما لا طائل فيه ولا دليل عليه، ومن أين له أن المخاطب بذلك الأنصار دون غيرهم. والقصة كانت في أواخر زمنه ﵊ حين امتلأت المدينة بأهل مكة ووفود العرب. وقد بالغ الزين بن المنير في الرد عليه والتشنيع.
قلت: كون الخطاب لعموم الناس لا يمنع من أن يكون السبب صدر من الأنصار أو غيرهم؛ لأنه ﵊ كان من عادته أنه لا يواجه أحدًا بالإنكار والزجر وإنما يعمم أو يبهم فيقول: "ما بال أقوام". ونحو ذلك. وفي الحديث ترجيح التخويف في الخطبة على التوسع بالترخيص لما في ذكر الرخص من ملاءمة النفوس لما جبلت عليه من الشهوة. والطبيب الحاذق يقابل العلة بما يضادها لا بما يزيدها. والزجر عن كثرة الضحك والحث على كثرة البكاء والتحقيق بما سيصير إليه المرء من الموت والفناء والاعتبار بآيات الله تعالى.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ عبد الله بن مسلمة في الثاني عشر من الإيمان، ومرّ باقي السند بهذا النسق في الثاني من بدء الوحي. ثم قال المصنف:
стр. 4893
باب النداء بالصلاة جامعة في الكسوف
هو بالنصب فيهما على الحكاية، وحروف الجر لا يظهر عملها في باب الحكاية ونصب الصلاة في الأصل على الإغراء وجامعة على الحال أي: احضروا الصلاة في كونها جامعة وقيل برفعهما على أن الصلاة مبتدأ، وجامعة خبره ومعناه ذات جماعة أي: تصلى جماعة، لا منفردة كسنن الرواتب فالإسناد مجازي كنهر جارٍ وطريق سائر.
الحديث السادس
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلاَّمِ بْنِ أَبِي سَلاَّمٍ الْحَبَشِيُّ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نُودِيَ إِنَّ الصَّلاَةَ جَامِعَةٌ.
قوله: "أخبرنا يحيى بن صالح" يحيى من شيوخ البخاري، وربما أخرج عنه بواسطة كهذا.
وقوله: "عن عبد الله بن عمرو" في رواية حجاج الصواف عن يحيى حدّثنا أبو سلمة حدّثني عبد الله أخرجه ابن خزيمة.
وقوله: "نودي" بالبناء للمفعول وصرّح الشيخان في حديث عائشة بأن النبي ﷺ بعث مناديًا فنادى بذلك.
قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث حجة لمن استحب ذلك. وقد اتفقوا على أنه لا يؤذن لها، ولا يقام.
وقوله: "أن الصلاة جامعة" بفتح الهمزة وتخفيف النون وهي المفسرة، وفي رواية إنّ الصلاة بكسر الهمزة، وتشديد النون والخبر محذوف تقديره إن الصلاة ذات جماعة حاضرة. ويروى برفع جماعة على أنه الخبر. وللكشميهني نودي بالصلاة جامعة وفيه ما تقدم في لفظ الترجمة، وجوز بعضهم في الصلاة جامعة النصب فيهما والرفع فيهما، ورفع الأول ونصب الثاني وبالعكس. وظاهر الحديث أن ذلك كان قبل اجتماع الناس. وليس فيه أنه بعد اجتماعهم نودي بالصلاة جامعة، حتى يكون ذلك بمنزلة الإقامة التي يعقبها الفرض ومن ثُمَّ لم يعول في الاستدلال على أنه لا يؤذن لها وأن يقال فيها: الصلاة جامعة، إلا على ما أرسله الزهري.
стр. 4894
قال الشافعي في "الأم": ولا أذان لكسوف ولا لعيد ولا لصلاة غير مكتوبة. وإن أمر الإِمام من يفتتح الصلاة جامعة أحببت ذلك له، فإن الزهري يقول: كان النبي ﷺ يأمر المؤذن في صلاة العيدين أن يقول الصلاة جامعة.
رجاله ستة:
قد مرّوا إلاَّ معاوية، مرّ إسحاق بن منصور في الخامس والثلاثين من الإيمان، ومرّ عبد الله بن عمرو في الثالث منه، ومرّ يحيى بن صالح في الثالث عشر من كتاب الصلاة، ومرّ يحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من العلم، ومرّ أبو سلمة في الرابع من بدء الوحي، وأما معاوية فهو ابن سلام بن أبي سلّام بتشديد اللام فيهما، ممطور الحبشي ويقال الألهاني أبو سلّام الدمشقي، قال أبو زرعة الدمشقي: عرضت على أحمد حديثًا قال: مَنْ يروي هذا؟ قلت: معاوية بن سلّام محدث أهل الشام وهو صدوق الحديث، ومَنْ لم يكتب حديثه مسنده ومنقطعه حتى يعرفه فليس بصاحب حديث. وقال أبو زرعة الدمشقي أيضًا: كان يحيى بن حسان ومروان يرفعان من ذكره وكان ثقة. وقال ابن معين والنسائي: ثقة. وقال دحيم: جيد الحديث ثقة كان بحمص ثم انتقل إلى دمشق، وقال يعقوب: ثقة صدوق، وقال مروان بن محمد: قلت لمعاوية بن سلّام تعجباً به لصدقه إنك لشيخ كّيس، وقال أحمد: حرب ومعاوية بن سلّام ثقتان. وذكره ابن حبّان في الثقات روى عن أبيه وجده وأخيه زيد. ونافع مولى ابن عمر والزهري وغيرهم. وروى عنه الوليد بن مسلم ومروان بن محمد ويحيى بن حسان وغيرهم. مات في حدود السبعين والمائة، والإلهاني في نسبه نسبة إلى بني إلهان قبيلة من قحطان وهو ألهان بن مالك بن زيد أخو همدان. وبه سمى مخلاف باليمن بينه وبين العرن عشرة فراسخ، وبينه وبين جيلان أربعة عشر فرسخًا، والحبشي في نسبه بفتح المهملة والباء وكسر المعجمة نسبة إلى بلاد الحبشة أو حيّ من حمير، وللأصيلي بضم الحاء وسكون الباء كعَجَم بفتحتين وعُجْم بسكون الجيم وهذا وهم.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإفراد، والإخبار بالإفراد والعنعنة، والقول ورواية التابعي عن التابعي. أخرجه البخاري في الكسوف أيضًا ومسلم والنسائي في الصلاة. ثم قال المصنف:
стр. 4895
باب خطبة الإِمام في الكسوف
الكلام على الخطبة مرّ مستوفي عند حديث أسماء في بابٍ منفرد بعد باب ما يقال بعد التكبير من صفة الصلاة. ثم قال: وقالت عائشة وأسماء: خطب النبي ﷺ أما تعليق عائشة فقد أخرجه البخاري فيما مضى قريبًا في باب الصدقة في الكسوف، وتعليق أسماء يأتي في باب قول الإِمام في خطبة الكسوف "أما بعد"، ومرّ أيضًا في الجمعة، ومرّت أسماء في الثامن والعشرين من العلم، وعائشة مرت وتأتي في الذي بعده.
الحديث السابع
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ح وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ فَخَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ، فَكَبَّرَ فَاقْتَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، ثُمَّ قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ". فَقَامَ وَلَمْ يَسْجُدْ، وَقَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، هِىَ أَدْنَى مِنَ الْقِرَاءَةِ الأُولَى، ثُمَّ كَبَّرَ وَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، وَهْوَ أَدْنَى مِنَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ". ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَاسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ، وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ، ثُمَّ قَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: "هُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لاَ يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلاَةِ".
ليس في رواية ابن شهاب هذه التصريح بالخطبة لها، لكن المصنف أراد أن يبين أن حديث هشام المار قريبًا المصرّح فيه بالخطبة. وحديث الزهري هذا حديث واحد وأن الثناء المذكور في رواية ابن شهاب كان في الخطبة.
وقوله: "فصف الناس" أي: بالرفع أي: اصطفوا يقال: صف الناس إذا صاروا صفًا. ويجوز النصب والفاعل محذوف والمراد به النبي ﷺ .
وقوله: "فقال في الركعة الآخرة مثل ذلك" فيه إطلاق القول على الفعل فقد ذكره من هذا الوجه
стр. 4896
في الباب الذي يليه بلفظ: "ثم فعل".
وقوله: "فافزعوا" بفتح الزاي أي: التجئوا وتوجهوا، وفيه إشارة إلى المبادرة إلى المأمور به، وإن الالتجاء إلى الله تعالى عند المخاوف بالدعاء والاستغفار سبب لمحو ما فرط من العصيان يرجى فيه زوال المخاوف. وأن الذنوب سبب للبلايا والعقوبات العاجلة والآجلة. نسأل الله تعالى رحمته وعفوه وغفرانه والرجوع للمدينة المنورة سريعًا أنا ومَنْ معي والموت فيها على الإيمان.
وقوله: "إلى الصلاة" أي: المعهودة الخاصة وهي التي تقدم فعلها منه ﵊ قبل الخطبة. ولم يصب من استدل به على مطلق الصلاة. ويستنبط منه أن الجماعة ليست شرطًا في صحتها؛ لأن فيه إشعارًا بالمبادرة إلى الصلاة والمسارعة إليها. وانتظار الجماعة قد يؤدي إلى فواتها وإلى إخلاء بعض الوقت من الصلاة. ومباحثه قد مرّت عند حديث أسماء المذكور آنفًا.
رجاله تسعة:
قد مرّوا إلاّ عنبسة، مرّ يحيى بن بكير والليث وعقيل وابن شهاب في الثالث من بدء الوحي، ويونس بن يزيد في متابعة بعد الرابع منه، وعروة وعائشة في الثاني منه، وأحمد بن صالح في الرابع والسبعين من استقبال القبلة، وعنبسة هو ابن خالد بن يزيد بن أبي النجاد الأموي مولاهم الأيلي. ذكره ابن حِبّان في الثقات وقال يحيى بن بكير: إنما يحدث عن عنبسة مجنون أحمق. وقال أبو حاتم كان على خراج مصر وكان يعلق النساء بالثدي. قال في المقدمة عظمه أبو داود وأحمد بن صالح المصري ومحمد بن مسلم بن فزارة. وأما يحيى بن بكير فكان يقع فيه. وقال الساجي انفرد بأحاديث عن يونس بن يزيد. وكان أحمد بن حنبل يقول ما روى عنه غير أحمد بن صالح.
قلت: بل روى عنه ابن وهب شيئًا قليلًا وهو من أقرانه، ورجلان مقلان وهما: محمد بن مهدي الإخميمي، وهاشم بن محمد بن الربعي، وله عند البخاري أربعة أحاديث قرنه فيها بعبد الله بن وهب عن يونس.
قلت: هذا الحديث ليس مقرونًا فيه بعبد الله بن وهب. روى عن عمه يونس بن يزيد وابن جريج وابن المبارك، وروى عنه ابن وهب وهو من أقرانه ومحمد بن مهدي الإخميمي وهاشم بن محمد الربعي وأحمد بن صالح المصري. مات بأيلة في جمادى سنة ثمان وتسعين ومائة.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإِفراد والعنعنة، والقول، ورواية الشخص عن عمه عنبسة عن يونس، ورواته مصريون ما خلا ابن شهاب، وعروة وعائشة مدنيون أخرجه البخاري أيضًا في الصلاة، ومسلم في الكسوف، وكذلك أبو داود والنسائي وابن ماجه. ثم قال: وكان يحدث كثير بن عباس أن
стр. 4897
عبد الله بن عباس ﵄ كان يحدث يوم خسفت الشمس بمثل حديث عروة عن عائشة فقلت لعروة: إن أخاك يوم خسفت بالمدينة لم يزد على ركعتين مثل الصبح قال: أجل؛ لأنه أخطأ السنة هو بتقديم الخبر على الاسم، وفي مسلم عن الزهري بلفظ: وأخبرني كثير بن العباس، وصرّح برفعه وأخرجه مسلم أيضًا والنسائي عن عبد الرحمن بن نمر عن الزهري كذلك، وساق المتن بلفظ: "صلى يوم كسفت الشمس أربع ركعات في ركعتين وأربع"، وطوله الإسماعيلي من هذا الوجه.
وقوله: "فقلت لعروة" هو مقول الزهري. وقوله: "إن أخاك" يعني عبد الله بن الزبير، وصرّح به المصنف من وجه آخر كما يأتي في أواخر الكسوف، وللإسماعيلي فقلت لعروة: والله ما فعل ذلك أخوك عبد الله بن الزبير انخسفت الشمس وهو بالمدينة زمن أراد أن يسير إلى الشام، فما صلى إلا مثل الصبح.
وقوله: "قال: أجل"؛ لأنه أخطأ السنة في رواية ابن حِبّان فقال: أجل كذلك صنع وأخطأ السنة، واستدل به على أن السنة أن يصلي صلاة في كل ركعة ركوعان، وتعقب بأن عروة تابعي، وعبد الله صحابي، فالأخذ بفعله أولى.
وأُجيب بأن قول عروة وهو تابعي السنة كذا، وإن قلنا إنه مرسل على الصحيح، لكن قد ذكر عروة مستنده في ذلك وهو خبر عائشة المرفوع، فانتفى عنه احتمال كونه موقوفًا أو منقطعًا، فيرجح المرفوع على الموقوف. فلذلك حكم على صنيع أخيه بالخطأ، وهو أمر نسبي، وإلا فما صنعه عبد الله يُناوىء أصل السنة، وإن كان فيه تقصير بالنسبة إلى كمال السنة، ويحتمل أن يكون عبد الله أخطأ السنة عن غير قصد؛ لأنها لم تبلغه.
رجال هذه الرواية خمسة:
لأن أخاك المراد به عبد الله بن الزبير قد مرّوا إلاَّ كثير. مرّ محل عروة وعائشة في الذي قبله، ومرّ عبد الله بن العباس في الخامس من بدء الوحي، ومرّ عبد الله بن الزبير في الثامن والأربعين من العلم، وكثير: هو ابن العباس بن عبد المطلب بن هاشم أبو تمام المدني ابن عم النبي ﷺ أُمه أُم ولد اسمها: رومية، أو حميرية قال: يعقوب بن شيبة يعد في الطبقة الأولى من أهل المدينة ممن ولد في عهد النبي ﷺ ذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة من الصحابة، وقال: لم يبلغنا أنه روى شيئًا عن النبي ﷺ وكان رجلًا صالحًا، فقيهًا، ثقة، قليل الحديث. وقال مصعب الزبيري: كان فقيهًا، فاضلًا، وقال ابن حِبّان: كان رجلًا صالحًا، فاضلًا، فقيهًا.
ويروى أن معاوية سأل رجلًا عن أعبد الناس بالمدينة؟ فقال: كثير بن العباس، وروى البغوي عن عبد الله بن الحارث قال: كان النبي ﷺ يصف عبد الله وعبيد الله وكثيرًا بني العباس. ويقول: مَنْ سبق فله كذا، وهو مسند جيد الإسناد. ورواه ابن منده، وابن السكن عن العباس بن كثير بن
стр. 4898
العباس عن أبيه قال: كان النبي ﷺ يجمعنا أنا وعبد الله وقثم أو آخر فيفرج بين يديه ويقول: "مَنْ سبق فله كذا" والصحيح الرواية الأولى، عن عبد الله بن الحارث له عندهم حديث ابن عباس في الكسوف، وعند مسلم والنسائي حديث العباس في غزوة حنين. روى عن أبيه وأخيه عبد الله وأبي بكر وعمر وعثمان، وروى عنه الأعرج والزهري وأبو الأصبغ السلمي مولى بني سليم، مات بالمدينة أيام عبد الملك بن مروان. ثم قال المصنف:
стр. 4899
باب هل يقول كسفت الشمس أو خسفت وقال الله تعالى: وخسف القمر
قال الزين بن المنير: أتى بلفظ الاستفهام إِشعارًا منه بأنه لم يترجح عنده في ذلك شيء إلى آخر ما مرّ عند حديث أسماء الماضي محله آنفًا.
وقوله: "وقال الله : ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ " في إيراده لهذه الآية احتمالان: أحدهما أن يكون أراد أن يقال: "خسف القمر" كما جاء في القرآن ولا يقال: كسف وإذا اختص القمر بالخسوف أشعر باختصاص الشمس بالكسوف، والثاني: أن يكون أراد أن الذي يتفق للشمس كالذي يتفق للقمر، وقد سمي في القرآن بالخاء في القمر فليكن الذي للشمس كذلك.
الحديث الثامن
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى يَوْمَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ فَكَبَّرَ، فَقَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ". وَقَامَ كَمَا هُوَ، ثُمَّ قَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، وَهْىَ أَدْنَى مِنَ الْقِرَاءَةِ الأُولَى، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، وَهْىَ أَدْنَى مِنَ الرَّكْعَةِ الأُولَى، ثُمَّ سَجَدَ سُجُودًا طَوِيلاً، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ سَلَّمَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ "إِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لاَ يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلاَةِ".
في رواية ابن شهاب هنا عن عائشة بلفظ: "خسفت الشمس". لكن روايات غيره بلفظ كسفت كثيرة جدًا، وقوله فيه: "ثم سجد سجودًا طويلاً" فيه ردٌ على مَنْ زعم أنه لا يسن تطويل السجود في الكسوف، وسيأتي ذكره في باب مفرد، ويأتي باقي مباحثه هناك. وقد مضى جلها عند حديث أسماء في بابٍ مفرد بعد باب ما يقول بعد التكبير من صفة الصلاة، ومرّت هناك مباحث هذا الحديث.
رجاله ستة:
قد مرّوا، مرّ سعيد بن عفير في الثالث عشر من العلم، ومرَّ الليث وعقيل وابن شهاب في الثالث من بدء الوحي، وعروة وعائشة في الثاني منه. ثم قال المصنف:
стр. 4900
باب قول النبي ﷺ يُخَوِّفُ اللهُ عِبَادَهُ بالكُسُوفِ
قاله أبو موسى عن النبي ﷺ .
وسيأتي حديث أبي موسى هذا في باب الذكر في الكسوف، وقد مرّ أبو موسى في الرابع من الإيمان.
الحديث التاسع
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لاَ يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ".
قوله: "يُخوَفُ الله بهما عباده" في رواية الكشميهني: "ولكن الله يخوف"، وفيه رد على مَنْ زعم من أهل الهيئة أن الكسوف أمر عادي لا يتأخر، ولا يتقدم. وقد مرَّ هذا المنزع مستوفى عند حديث أسماء المذكور محله آنفًا، ومرّت فيه مباحث هذا الحديث.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرَّ قتيبة في الحادي والعشرين من الإيمان، وحمّاد بن زيد في الرابع والعشرين منه، وكذا يونس والحسن وأبو بكرة. وقد مرّ في أول أبواب الكسوف هذا الحديث.
ثم قال: قال أبو عبد الله: لم يذكر عبد الوارث وشعبة وخالد بن عبد الله وحمّاد بن سلمة عن يونس يخوف الله بهما عباده. أما رواية عبد الوارث فقد ذكرها البخاري فيما يأتي في باب الصلاة في كسوف القمر وليس فيها ذلك لكن ثبت من وجه آخر عن عبد الوارث، أخرجه النسائي عنه، وفيه: "يخوف الله بهما عباده". وأخرج رواية شعبة في هذا الباب الآتي أيضًا. ورواية خالد مضت في أول أبواب الكسوف، ورواية حمّاد أخرجها الطبراني في "المعجم الكبير" والبيهقي بلفظ رواية خالد ومعناها. وقال: "فإذا كسف واحد منهما فصلوا وادعوا". وفي هذه الرواية خمسة رجال: قد مرّوا، مرّ عبد الوارث في السابع عشر من العلم، ومرَّ شعبة في الثالث من الإِيمان، ومرّ خالد الطحان في السادس والخمسين من الوضوء، ومرَّ حمّاد بن سلمة في متابعة بعد الثامن منه، ومرّ محل يونس في الذي قبله.
стр. 4901
ثم قال: وتابعه موسى عن مبارك عن الحسن قال: أخبرني أبو بكرة عن النبي ﷺ : "يخوف الله بهما عباده" في رواية غير أبي ذر: "إنَّ الله تعالى". قال في "الفتح": لم تقع لي هذه الرواية إلى الآن من طريق واحد منهما. وقد أخرجه الطبراني عن أبي الوليد وابن حِبّان عن هدبة من رواية سليمان بن حرب كلهم، عن مبارك وساق الحديث بتمامه. إلاَّ أنَّ رواية هدبة ليس فيها: "يخوف الله بهما عباده".
ورجالها أربعة:
مرْ محل الحسن وأبي بكرة في الذي قبله، وهو العاشر وموسى يحتمل أن يكون موسى بن إسماعيل، وهو الراجح؛ لأنه من رجال البخاري. وقد مرّ في الخامس من بدء الوحي، وقال الدمياطي: هو موسى بن داود الضبي أبو عبد الله الطرسوسي الخلقاني، الفقيه، كوفي الأصل. قال ابن نمير: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة صاحب حديث. وُلِّيَ قضاء طرسوس إلى أن مات فيها. وقال ابن عمار: كان قاضي المصيصة، وكان زاهدًا صاحب حديث، ثقة. وقال العجلي: كوفي ثقة. وقال الدارقطني: كان مصنفًا مكثرًا مأموناً وُلِّي قضاء الثغور، فحمد فيها، وذكره ابن حِبّان في الثقات. وقال الحافظ: كان فصيحًا خطيبًا فاضلًا. روى له مسلم حديث أبي سعيد في الشك في الصلاة، واستشهد به الترمذي في صيام التطوع. روى عن جرير بن حازم ومبارك بن فضالة ومالك والثوري وغيرهم. وروى عنه أحمد بن حنبل وعلي بن المديني، وحجاج بن الشاعر وغيرهم. مات سنة ست عشرة أو سبع عشرة ومائتين.
والطرسوسي في نسبه نسبة إلى طرسوس كعصفور. بلد بساحل بحر الشام مُخْصب. كان للأرمن ثم أعيد للإسلام. ولم يزل إلى الآن منه محمد بن الحسين الخواص المصري الطرسوسي. روى عن يونس بن عبد الأعلى.
الرابع: مبارك بن فَضالة بفتح الفاء بن أبي أمية أبو فضالة البصري مولى زيد بن الخطاب. قال حماد بن سلمة: كان مبارك يجالسنا عند زياد الأعلم. فما كان من مسند فإلي مبارك، وما كان موقوفًا فإلى زياد. وقال وهيب: رأيت مباركًا يجالس يونس بن عبيد فيحدث في حلقته. وقال عفان: كان مبارك معتبرًا، وكان من النساك وكان وكان.
وقال عمرو بن علي: سمعت يحيى بن سعيد يحسن الثناء عليه. وقال أبو حاتم: كان عفان يطريه. وقال ابن مهدي: حللنا حبوة الثوري لما أردنا غسله، فإذا رقاع يسأل المبارك بن فضالة عن حديث كذا. وقال الساجي: كان صدوقًا، مسلمًا، خيارًا. وكان من النساك. ولم يكن بالحافظ فيه ضعف. وقال يحيى بن سعيد: كنا كتبنا عن مبارك في ذلك الزمان ولم أقبل منه شيئًا إلا شيئًا قال فيه حدّثنا. وقال أبو داود: إذا قال حدّثنا فهو ثبت. وكان يدلس وكان شديد التدليس، وذكره ابن حِبّان في الثقات، واختلف قول ابن معين فيه مرة قال: ثقة. ومرةً قال: ضعيف الحديث، وهو مثل
стр. 4902
الربيع بن صبيح في الضعف. روى عن الحسن البصري، وهشام بن عروة وثابت البناني وحميد الطويل وغيرهم. وروى له البخاري والترمذي وأبو داود. مات سنة خمس وستين ومائة.
ثم قال: وتابعه أشعث عن الحسن، وقد وصلها النسائي وابن حِبّان من طرق عن أشعث عن الحسن، وليس فيها "يخوف الله بهما عباده" وقد وقع قوله: تابعه أشعث في رواية كريمة عقب متابعة موسى. قال في "الفتح": والصواب تقديمه لما مرّ قريبًا من خلو رواية أشعث من قوله: "يخوف الله بهما عباده"، والحسن مرّ محله في الذي قبله أعني في العاشر.
وأشعث هو ابن عبد الملك الحمراني أبو هانىء مولى حمران ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال: كان فقيهًا متقنًا. وقال ابن عدي: أحاديثه عامتها مستقيمة، وهو ممن يكتب حديثه ويحتج به، وهو في جملة أهل الصدق وهو خيرٌ من أشعث بن سواء بكثير. وقال ابن معين والنسائي وبندار والبزار: ثقة وقال يحيى القطان: هو عندي ثقة مأمون، وقال أيضًا: لم أدرك أحدًا من أصحابنا أثبت عندي منه، ولا أدركت أحدًا من أصحابنا أثبت عندي منه، ولا أدركت أحدًا من أصحاب ابن سيرين بعد ابن عون أثبت منه. وقال أيضًا: لم ألق أحدًا يحدث عن الحسن أثبت منه. وقال أيضًا: هو أحب الينا من أشعث بن سوار. وقال الفلاس: قال لي يحيى بن سعيد: من أين جئت؟ قلت: من عند معاذ. قال: في حديث مَنْ هو؟ قلت: في حديث ابن عون. قال: تدعون شعبة والأشعث، وتكتبون حديث ابن عون، كم تعيدون حديثه؟
وقال البخاري: كان يحيى بن سعيد وبشر بن المفضل يثبتون الأشعث الحمراني. وقال أحمد بن حنبل: هو أحمد في الحديث من أشعث بن سوار. روى عنه شعبة وما كان أرضى يحيى بن سعيد عنه. كان عالمًا بمسائل الحسن، ويقال: إنما روى يونس، فقال فيه نبئت عن الحسن، إنما أخذه عن أشعث بن عبد الملك. وقال الأعنق: استقبلني يونس بن عبيد فقلت: أين تريد؟ قال الأشعث: إذا كره الحديث. وقال أبو حرة: كان الأشعث إذا أتى الحسن يقول له: يا أبا هانىء انشر بزك أي: هات مسائلك. وقال حفص بن غياث: عجبًا لأهل البصرة يقدمون أشعثهم على أشعثنا. وهو أشعث ابن سوار مكث قاضيًا. وهذا يحمد عفافه وفقهه وأشعثهم يقيس على قول الحسن ويحدث به. وخرج حفص بن غياث إلى عبادان فاجتمع إليه بصريون فقالوا له: لا تحدثنا بحديث عن ثلاثة: أشعث بن عبد الملك، وعمرو بن عبيد، وجعفر بن محمد، فقال: أما أشعث فهو لكم، وأنا أتركه لكم. وقال أبو حاتم: لا بأس به، وهو أوثق من الحداني، وأصلح من ابن سوار. وقال معاذ بن معاذ: سمعت الأشعث يقول كل شيء حدثتكم به سمعته من الحسن إلاَّ ثلاثة أحاديث: حديث زياد الأعلم عن الحسن عن أبي بكرة أنه ركع قبل أن يصل إلى الصف، وحديث عثمان البتي عن الحسن عن علي في الملاض، وحديث حمزة الضبي عن الحسن أن رجلًا قال: يا رسول الله متى تحرم علينا الميتة؟
стр. 4903
روى عن الحسن البصري ومحمد بن سيرين وخالد الحذاء وغيرهم. وروى عنه شعبة وهشيم ويحيى القطان، وحمّاد بن زيد وغيرهم. مات سنة أربع أو ست وأربعين ومائة. والحُمراني في نسبه بضم الحاء نسبة إلى حمران مولى عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه عرف بالنسبة إليه الأشعث هذا. ثم قال المصنف:
стр. 4904
باب التعوذ من عذاب القبر في الكسوف
قال ابن المنير: مناسبة التعوذ عند الكسوف أن ظلمة النهار بالكسوف تشابه ظلمة القبر، وإن كان نهاراً، والشيء بالشيء يذكر. فيخاف من هذا كما يخاف من هذا، فيحصل الاتعاظ بهذا في التمسك بما ينجي من غائلة الآخرة.
الحديث العاشر
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ يَهُودِيَّةً جَاءَتْ تَسْأَلُهَا فَقَالَتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ ﵂ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُعَذَّبُ النَّاسُ فِي قُبُورِهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ. ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَبًا، فَخَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَرَجَعَ ضُحًى، فَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ ظَهْرَانَي الْحُجَرِ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، وَقَامَ النَّاسُ وَرَاءَهُ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً، وَهْوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ، ثُمَّ قَامَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً، وَهْوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ وَانْصَرَفَ، فَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ.
قوله: "إن يهودية" أي: امرأة من اليهود، وفي "مسند السراج" عن مسروق قال: دخلت يهودية على عائشة فقالت لها: أسمعت رسول ﷺ يذكر شيئًا في عذاب القبر؟ فقالت عائشة: لا وما عذاب القبر؟ قالت: فسليه، فجاء النبي ﷺ فسألته عائشة عن عذاب القبر فقال ﷺ : "عذابُ القَبرِ حقٌ". قالت: فما صلى بعد ذلك صلاةً إلاَّ سمعته يتعوذ من عذاب القبر.
وفي حديث منصور عن مسروق عنها قالت: دخل عَليَّ عجوزتان من عجائز اليهود فقالتا: إن أهل القبر يُعذبون في قبورهم، فكذَّبتُهما، ولم أصدقهما، فدخل عَليَّ رسول الله ﷺ فقلت له: دخلت عجوزتان من عجائز اليهود، فقالتا: إنَّ أهل القبور يعذبون في قبورهم. فقال: "إنهم
стр. 4905
لَيُعذَّبونَ في قُبورهم عذابًا تَسْمَعه البهائم". وهو محمول على أن إحداهما تكلمت وأقرتها الأخرى على ذلك، فنسبت القول إليها مجازًا، والإفراد يحمل على المتكلمة، ولم تسم واحدة منهما. وفي هذا دلالة على أن اليهودية كانت تعلم عذاب القبر. إمّا سمعت من التوراة، أو من كتاب من كتبهم.
وقوله: "عائذًا بالله من ذلك" هو منصوب على المصدر الذي يجيء على مثال فاعل كقولهم: عافاه الله عافية أو على الحال الموكدة النائبة مناب المصدر، والعامل فيه محذوف كأنه قال: أعوذ بالله عائذًا ولم يذكر الفعل؛ لأن الحائل نائبة عنه. وروي بالرفع. أي: أنا عائِذٌ، وكان هذا قبل أن يطلع النبي ﷺ على عذاب القبر، وفي هذا الحديث في الجنائز فقال: نعم عذاب القبر، وعند مسلم عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت: دخلت عَليَّ امرأةً من اليهود وهي تقول هل شعرت أنكم تفتنون في القبور؟ قالت: فارتاع رسول الله ﷺ وقال: "إنما يُفتنُ اليهود" قالت عائشة: فلبثنا ليالي، ثم قال رسول الله ﷺ : "هل شعرت أنه أُوحيَ إليَّ أنكم تُفتنون في القبور؟ ". قالت عائشة: فسمعت رسول الله ﷺ يستعيذ من عذاب القبر.
وروى أحمد بإسناد على شرط البخاري عن عائشة أن يهودية كانت تخدمها فلا تصنع عائشة إليها شيئًا من المعروف إلاَّ قالت اليهودية: وقال الله عذاب القبر. قالت: فقلت: يا رسول الله هل للقبر عذاب؟ قال: "كذبت يهود لا عذاب دون يوم القيامة" ثم مكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث، فخرج ذات يوم نصف النهار، وهو ينادي بأعلى صوته: "أيها النَّاس استعيذوا بالله من عذاب القبر فإن عذاب القبر حق".
وبين الروايات مخالفة، ففي ظاهر روايتها الآتية في الجنائز، وصريح روايتيها السابقتين عن مسروق أنه أقر اليهودية وصدّقها، وفي رواية أحمد ورواية ابن شهاب عند مسلم، وظاهر رواية "الباب" أنه أنكر على اليهودية. قال النووي تبعًا للطحاوي هما قصتان فأنكر النبي ﷺ قول اليهودية في القصة الأولى ثم أُعلم النبي ﷺ بذلك، ولم يُعلم عائشة، فجاءت اليهودية مرة أخرى فذكرت لها ذلك، فأنكرت عليها ذلك مستندة إلى الإنكار الأول فأعلمها النبي ﷺ بأن الوحي نزل بإثباته.
وقال الكرماني: يحتمل أنه ﷺ كان يتعوذ سرًا فلما رأى استغراب عائشة حين سمعت ذلك من اليهودية أعلن به. وكأنه لم يقف على رواية الزهري المارة عند مسلم، ورواية أحمد المتقدمة أيضًا. وفيما مرَّ من الأحاديث دلالة على أنه ﵊ إنما علم بحكم عذاب القبر إذْ هو بالمدينة في آخر الأمر كما علم من تاريخ صلاة الكسوف المار أنه يوم موت إبراهيم ﵇ وقد استشكل ذلك بآية: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ إلخ، وآية: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ الدالتان على عذاب القبر فإنهما مكيتان. والجواب: أن عذاب القبر إنما يؤخذ من الأولى بطريق المفهوم في حق من لم يتصف بالإيمان، وكذلك بالمنطوق في الأخرى
следующие страницы →