← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.

стр. 4901

ثم قال: وتابعه موسى عن مبارك عن الحسن قال: أخبرني أبو بكرة عن النبي ﷺ : "يخوف الله بهما عباده" في رواية غير أبي ذر: "إنَّ الله تعالى". قال في "الفتح": لم تقع لي هذه الرواية إلى الآن من طريق واحد منهما. وقد أخرجه الطبراني عن أبي الوليد وابن حِبّان عن هدبة من رواية سليمان بن حرب كلهم، عن مبارك وساق الحديث بتمامه. إلاَّ أنَّ رواية هدبة ليس فيها: "يخوف الله بهما عباده". ورجالها أربعة: مرْ محل الحسن وأبي بكرة في الذي قبله، وهو العاشر وموسى يحتمل أن يكون موسى بن إسماعيل، وهو الراجح؛ لأنه من رجال البخاري. وقد مرّ في الخامس من بدء الوحي، وقال الدمياطي: هو موسى بن داود الضبي أبو عبد الله الطرسوسي الخلقاني، الفقيه، كوفي الأصل. قال ابن نمير: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة صاحب حديث. وُلِّيَ قضاء طرسوس إلى أن مات فيها. وقال ابن عمار: كان قاضي المصيصة، وكان زاهدًا صاحب حديث، ثقة. وقال العجلي: كوفي ثقة. وقال الدارقطني: كان مصنفًا مكثرًا مأموناً وُلِّي قضاء الثغور، فحمد فيها، وذكره ابن حِبّان في الثقات. وقال الحافظ: كان فصيحًا خطيبًا فاضلًا. روى له مسلم حديث أبي سعيد في الشك في الصلاة، واستشهد به الترمذي في صيام التطوع. روى عن جرير بن حازم ومبارك بن فضالة ومالك والثوري وغيرهم. وروى عنه أحمد بن حنبل وعلي بن المديني، وحجاج بن الشاعر وغيرهم. مات سنة ست عشرة أو سبع عشرة ومائتين. والطرسوسي في نسبه نسبة إلى طرسوس كعصفور. بلد بساحل بحر الشام مُخْصب. كان للأرمن ثم أعيد للإسلام. ولم يزل إلى الآن منه محمد بن الحسين الخواص المصري الطرسوسي. روى عن يونس بن عبد الأعلى. الرابع: مبارك بن فَضالة بفتح الفاء بن أبي أمية أبو فضالة البصري مولى زيد بن الخطاب. قال حماد بن سلمة: كان مبارك يجالسنا عند زياد الأعلم. فما كان من مسند فإلي مبارك، وما كان موقوفًا فإلى زياد. وقال وهيب: رأيت مباركًا يجالس يونس بن عبيد فيحدث في حلقته. وقال عفان: كان مبارك معتبرًا، وكان من النساك وكان وكان. وقال عمرو بن علي: سمعت يحيى بن سعيد يحسن الثناء عليه. وقال أبو حاتم: كان عفان يطريه. وقال ابن مهدي: حللنا حبوة الثوري لما أردنا غسله، فإذا رقاع يسأل المبارك بن فضالة عن حديث كذا. وقال الساجي: كان صدوقًا، مسلمًا، خيارًا. وكان من النساك. ولم يكن بالحافظ فيه ضعف. وقال يحيى بن سعيد: كنا كتبنا عن مبارك في ذلك الزمان ولم أقبل منه شيئًا إلا شيئًا قال فيه حدّثنا. وقال أبو داود: إذا قال حدّثنا فهو ثبت. وكان يدلس وكان شديد التدليس، وذكره ابن حِبّان في الثقات، واختلف قول ابن معين فيه مرة قال: ثقة. ومرةً قال: ضعيف الحديث، وهو مثل

стр. 4902

الربيع بن صبيح في الضعف. روى عن الحسن البصري، وهشام بن عروة وثابت البناني وحميد الطويل وغيرهم. وروى له البخاري والترمذي وأبو داود. مات سنة خمس وستين ومائة. ثم قال: وتابعه أشعث عن الحسن، وقد وصلها النسائي وابن حِبّان من طرق عن أشعث عن الحسن، وليس فيها "يخوف الله بهما عباده" وقد وقع قوله: تابعه أشعث في رواية كريمة عقب متابعة موسى. قال في "الفتح": والصواب تقديمه لما مرّ قريبًا من خلو رواية أشعث من قوله: "يخوف الله بهما عباده"، والحسن مرّ محله في الذي قبله أعني في العاشر. وأشعث هو ابن عبد الملك الحمراني أبو هانىء مولى حمران ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال: كان فقيهًا متقنًا. وقال ابن عدي: أحاديثه عامتها مستقيمة، وهو ممن يكتب حديثه ويحتج به، وهو في جملة أهل الصدق وهو خيرٌ من أشعث بن سواء بكثير. وقال ابن معين والنسائي وبندار والبزار: ثقة وقال يحيى القطان: هو عندي ثقة مأمون، وقال أيضًا: لم أدرك أحدًا من أصحابنا أثبت عندي منه، ولا أدركت أحدًا من أصحابنا أثبت عندي منه، ولا أدركت أحدًا من أصحاب ابن سيرين بعد ابن عون أثبت منه. وقال أيضًا: لم ألق أحدًا يحدث عن الحسن أثبت منه. وقال أيضًا: هو أحب الينا من أشعث بن سوار. وقال الفلاس: قال لي يحيى بن سعيد: من أين جئت؟ قلت: من عند معاذ. قال: في حديث مَنْ هو؟ قلت: في حديث ابن عون. قال: تدعون شعبة والأشعث، وتكتبون حديث ابن عون، كم تعيدون حديثه؟ وقال البخاري: كان يحيى بن سعيد وبشر بن المفضل يثبتون الأشعث الحمراني. وقال أحمد بن حنبل: هو أحمد في الحديث من أشعث بن سوار. روى عنه شعبة وما كان أرضى يحيى بن سعيد عنه. كان عالمًا بمسائل الحسن، ويقال: إنما روى يونس، فقال فيه نبئت عن الحسن، إنما أخذه عن أشعث بن عبد الملك. وقال الأعنق: استقبلني يونس بن عبيد فقلت: أين تريد؟ قال الأشعث: إذا كره الحديث. وقال أبو حرة: كان الأشعث إذا أتى الحسن يقول له: يا أبا هانىء انشر بزك أي: هات مسائلك. وقال حفص بن غياث: عجبًا لأهل البصرة يقدمون أشعثهم على أشعثنا. وهو أشعث ابن سوار مكث قاضيًا. وهذا يحمد عفافه وفقهه وأشعثهم يقيس على قول الحسن ويحدث به. وخرج حفص بن غياث إلى عبادان فاجتمع إليه بصريون فقالوا له: لا تحدثنا بحديث عن ثلاثة: أشعث بن عبد الملك، وعمرو بن عبيد، وجعفر بن محمد، فقال: أما أشعث فهو لكم، وأنا أتركه لكم. وقال أبو حاتم: لا بأس به، وهو أوثق من الحداني، وأصلح من ابن سوار. وقال معاذ بن معاذ: سمعت الأشعث يقول كل شيء حدثتكم به سمعته من الحسن إلاَّ ثلاثة أحاديث: حديث زياد الأعلم عن الحسن عن أبي بكرة أنه ركع قبل أن يصل إلى الصف، وحديث عثمان البتي عن الحسن عن علي في الملاض، وحديث حمزة الضبي عن الحسن أن رجلًا قال: يا رسول الله متى تحرم علينا الميتة؟

стр. 4903

روى عن الحسن البصري ومحمد بن سيرين وخالد الحذاء وغيرهم. وروى عنه شعبة وهشيم ويحيى القطان، وحمّاد بن زيد وغيرهم. مات سنة أربع أو ست وأربعين ومائة. والحُمراني في نسبه بضم الحاء نسبة إلى حمران مولى عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه عرف بالنسبة إليه الأشعث هذا. ثم قال المصنف:

стр. 4904

باب التعوذ من عذاب القبر في الكسوف قال ابن المنير: مناسبة التعوذ عند الكسوف أن ظلمة النهار بالكسوف تشابه ظلمة القبر، وإن كان نهاراً، والشيء بالشيء يذكر. فيخاف من هذا كما يخاف من هذا، فيحصل الاتعاظ بهذا في التمسك بما ينجي من غائلة الآخرة. الحديث العاشر حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ يَهُودِيَّةً جَاءَتْ تَسْأَلُهَا فَقَالَتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ ﵂ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُعَذَّبُ النَّاسُ فِي قُبُورِهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ. ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَبًا، فَخَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَرَجَعَ ضُحًى، فَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ ظَهْرَانَي الْحُجَرِ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، وَقَامَ النَّاسُ وَرَاءَهُ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً، وَهْوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ، ثُمَّ قَامَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً، وَهْوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ وَانْصَرَفَ، فَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. قوله: "إن يهودية" أي: امرأة من اليهود، وفي "مسند السراج" عن مسروق قال: دخلت يهودية على عائشة فقالت لها: أسمعت رسول ﷺ يذكر شيئًا في عذاب القبر؟ فقالت عائشة: لا وما عذاب القبر؟ قالت: فسليه، فجاء النبي ﷺ فسألته عائشة عن عذاب القبر فقال ﷺ : "عذابُ القَبرِ حقٌ". قالت: فما صلى بعد ذلك صلاةً إلاَّ سمعته يتعوذ من عذاب القبر. وفي حديث منصور عن مسروق عنها قالت: دخل عَليَّ عجوزتان من عجائز اليهود فقالتا: إن أهل القبر يُعذبون في قبورهم، فكذَّبتُهما، ولم أصدقهما، فدخل عَليَّ رسول الله ﷺ فقلت له: دخلت عجوزتان من عجائز اليهود، فقالتا: إنَّ أهل القبور يعذبون في قبورهم. فقال: "إنهم

стр. 4905

لَيُعذَّبونَ في قُبورهم عذابًا تَسْمَعه البهائم". وهو محمول على أن إحداهما تكلمت وأقرتها الأخرى على ذلك، فنسبت القول إليها مجازًا، والإفراد يحمل على المتكلمة، ولم تسم واحدة منهما. وفي هذا دلالة على أن اليهودية كانت تعلم عذاب القبر. إمّا سمعت من التوراة، أو من كتاب من كتبهم. وقوله: "عائذًا بالله من ذلك" هو منصوب على المصدر الذي يجيء على مثال فاعل كقولهم: عافاه الله عافية أو على الحال الموكدة النائبة مناب المصدر، والعامل فيه محذوف كأنه قال: أعوذ بالله عائذًا ولم يذكر الفعل؛ لأن الحائل نائبة عنه. وروي بالرفع. أي: أنا عائِذٌ، وكان هذا قبل أن يطلع النبي ﷺ على عذاب القبر، وفي هذا الحديث في الجنائز فقال: نعم عذاب القبر، وعند مسلم عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت: دخلت عَليَّ امرأةً من اليهود وهي تقول هل شعرت أنكم تفتنون في القبور؟ قالت: فارتاع رسول الله ﷺ وقال: "إنما يُفتنُ اليهود" قالت عائشة: فلبثنا ليالي، ثم قال رسول الله ﷺ : "هل شعرت أنه أُوحيَ إليَّ أنكم تُفتنون في القبور؟ ". قالت عائشة: فسمعت رسول الله ﷺ يستعيذ من عذاب القبر. وروى أحمد بإسناد على شرط البخاري عن عائشة أن يهودية كانت تخدمها فلا تصنع عائشة إليها شيئًا من المعروف إلاَّ قالت اليهودية: وقال الله عذاب القبر. قالت: فقلت: يا رسول الله هل للقبر عذاب؟ قال: "كذبت يهود لا عذاب دون يوم القيامة" ثم مكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث، فخرج ذات يوم نصف النهار، وهو ينادي بأعلى صوته: "أيها النَّاس استعيذوا بالله من عذاب القبر فإن عذاب القبر حق". وبين الروايات مخالفة، ففي ظاهر روايتها الآتية في الجنائز، وصريح روايتيها السابقتين عن مسروق أنه أقر اليهودية وصدّقها، وفي رواية أحمد ورواية ابن شهاب عند مسلم، وظاهر رواية "الباب" أنه أنكر على اليهودية. قال النووي تبعًا للطحاوي هما قصتان فأنكر النبي ﷺ قول اليهودية في القصة الأولى ثم أُعلم النبي ﷺ بذلك، ولم يُعلم عائشة، فجاءت اليهودية مرة أخرى فذكرت لها ذلك، فأنكرت عليها ذلك مستندة إلى الإنكار الأول فأعلمها النبي ﷺ بأن الوحي نزل بإثباته. وقال الكرماني: يحتمل أنه ﷺ كان يتعوذ سرًا فلما رأى استغراب عائشة حين سمعت ذلك من اليهودية أعلن به. وكأنه لم يقف على رواية الزهري المارة عند مسلم، ورواية أحمد المتقدمة أيضًا. وفيما مرَّ من الأحاديث دلالة على أنه ﵊ إنما علم بحكم عذاب القبر إذْ هو بالمدينة في آخر الأمر كما علم من تاريخ صلاة الكسوف المار أنه يوم موت إبراهيم ﵇ وقد استشكل ذلك بآية: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ إلخ، وآية: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ الدالتان على عذاب القبر فإنهما مكيتان. والجواب: أن عذاب القبر إنما يؤخذ من الأولى بطريق المفهوم في حق من لم يتصف بالإيمان، وكذلك بالمنطوق في الأخرى

стр. 4906

في حق آل فرعون، وإن التحق بهم مَنْ كان له حكمهم من الكفار والذي أنكره النبي ﷺ إنما هو وقوع عذاب القبر على الموحدين. ثم أعلم ﷺ بأن ذلك يقع على مَنْ شاء الله منهم، فجزم به وحذر منه وبالغ في الاستعاذة منه؛ تعليمًا لأمته وإرشادًا، فانتفى التعارض، وفيه دلالة على أن عذاب القبر ليس بخاص بهذه الأمة بخلاف المسألة، ففيها اختلاف كما مرَّ عند حديث أسماء في باب من أجاب الفتيا بإشارة الرأس واليد من كتاب العلم. وقوله: "ذات غداة" لفظة ذات زائدة. وقال الداودي: لفظة: "ذات" بمعنى في: أي: أي غداة ورد عليه ابن التين بأنه غير صحيح، بل تقديره في ذات غداة. وهذا هو الصواب إذ لم يقل أحدٌ أن ذات بمعنى في، ويجوز أن يكون من باب إضافة المسمّى إلى اسمه، وقوله بين ظهراني الحجر أي في ظهري الحجر، فالألف والنون زائدتان، ويقال الكلمة كلها زائدة، والحُجَر بضم الحاء وفتح الجيم جمع حجرة، والمراد بها بيوت أزواج النبي ﷺ . وقوله: وانصرف فقال ما شاء الله أن يقول، تقدم بيانه في رواية عروة خطب وأمر بالصلاة والصدقة والذكر وغير ذلك. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ عبد الله بن مسلمة في الثاني عثر من الإيمان، ومرَّ مالك وعائشة في الثاني من بدء الوحي، ومرّ يحيى بن سعيد في الأول منه، ومرّت عمرة بنت عبد الرحمن في الثاني والثلاثين من الحيض. أخرجه البخاري أيضًا في "الجنائز" ومسلم والنسائي فيها. ثم قال المصنف:

стр. 4907

باب طول السجود في الكسوف أشار بهذه الترجمة إلى الرد على مَنْ أنكره، واستدل بعض المالكية على ترك إطالته بأن الذي شرع فيه التطويل شرع تكراره، كالقيام، والركوع، ولم تشرع الزيادة في السجود، فلا يشرع تطويله. وهو قياس في مقابلة النص كما يأتي بيانه فهو فاسد الاعتبار. وأبدى بعضهم في مناسبة التطويل في القيام والركوع دون السجود أنَّ القائم والراكع تمكنه رؤية الانجلاء، بخلاف الساجد، فإن الآية علوية، فناسب طول القيام لها بخلاف السجود؛ ولأن في تطويل السجود استرخاء الأعضاء فقد يفضي إلى النوم. وكل هذا مردود بثبوت الأحاديث الصحيحة في تطويله. الحديث الحادي عشر حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نُودِيَ: إِنَّ الصَّلاَةَ جَامِعَةٌ فَرَكَعَ النَّبِيُّ ﷺ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ، ثُمَّ جَلَسَ، ثُمَّ جُلِّيَ عَنِ الشَّمْسِ. قَالَ: وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: مَا سَجَدْتُ سُجُودًا قَطُّ كَانَ أَطْوَلَ مِنْهَا. في رواية الكشميهني عبد الله بن عمر بضم أوله وفتح الميم بلا واو وهو وهم. وقد تقدم هذا الحديث من آخر مختصرًا. وقوله: "ركعتين في سجدة" المراد بالسجدة هنا الركعة بتمامها وبالركعتين الركوعان وهو موافق لروايتي عائشة وابن عباس المتقدمتين. في أن في كل ركعة ركوعين وسجودين. ولو ترك علي ظاهره لاستلزم تثنية الركوع وإفراد السجود، ولم يُصر إليه أحد، فتعيَّن تأويله. وقوله: "ثم جلس ثم جُلِّي عن الشمس" أي: بين جلوسه في التشهد والسلام فتبين قوله في حديث عائشة. ثم انصرف وقد تجلت الشمس. وقوله: "قال: وقالت عائشة" القائل هو أبو سلمة، ويحتمل أن يكون عبد الله بن عمرو. فيكون من رواية صحابي عن صحابية. ووهم مَنْ زعم أنه معلق، فقد أخرجه مسلم وابن خزيمة وغيرهما من رواية أبي سلمة عن عبد الله بن عمرو. وفيه قول عائشة هذا. وقوله: "ما سجدت سجودًا قط كان أطول منها" أي: بهاء التأنيث على تأويل السجود

стр. 4908

بالسجدة. وفي رواية غيره منه أي: من السجود المذكور. وزاد مسلم فيه: "ولا ركعت ركوعًا قط كان أطول منه". وقد تقدم في رواية عروة عن عائشة بلفظ: "ثم سجد فاطال السجود". وفي أوائل صفة الصلاة عن أسماء بنت أبي بكر مثله. وللنسائي من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو بلفظ: "ثم رفع رأسه فسجد وأطال السجود". ونحوه عنده عن أبي هريرة وللشيخين من حديث أبي موسى: "بأطول قيام وركوع وسجود رأيته قط" ولأبي داود والنسائي من حديث سمرة: "كأطول ما سجد بنا في صلاة قط" وكل هذه الأحاديث ظاهرة في أن السجود في الكسوف يطول، كما يطول القيام والركوع. وقد مرَّ ما قيل في تطويله عند العلماء، وتطويل الاعتدال الذي يليه السجود عند حديث أسماء في باب مفرد بعد باب ما يقال بعد التكبير في أوائل صفة الصلاة. رجاله خمسة: وفيه ذكر عائشة. وقد مرّ الجميع، مرّ أبو نعيم في الخامس والأربعين من الإيمان، وعبد الله بن عمرو في الثالث منه، وشيبان النحوي ويحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من العلم، ومرّ أبو سلمة في الرابع من بدء الوحي، وعائشة في الثاني من بدء الوحي. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والقول والعنعنة. ورواته ما بين كوفي ويمامي ومدني. وفيه راويان بلا كنية، وراويان بلا نسبة. أخرجه البخاري في الكسوف أيضًا ومسلم والنسائي في الصلاة ثم قال المصنف:

стр. 4909

باب صلاة الكسوف جماعة أي: وإن لم يحضر الإِمام الراتب فيؤم لهم بعضهم. وبه قال الجمهور. وعن الثوري: إن لم يحضر الإمام صلوا فرادى. وعند المالكية الجماعة في الكسوف مستحبة على المشهور. وقيل إنها شرط فيها. ثم قال: وصلى لهم ابن عباس في صفة زمزم، كذا للأكثر بضم الصاد المهملة وتشديد الفاء. وهي معروفة وقال الأزهري: الصفة موضع بهو مظلل، وفي نسخة الصغاني بضاد معجمة مفتوحة ومكسورة. وهي جانب النهر، ولا معنى لها هنا إلا بطريق التجوز وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة، والشافعي، وسعيد بن منصور كلهم عن سفيان بن عيينة عن سليمان الأحول: سمعت طاووسًا يقول: صلى بنا ابن عباس في صفة زمزم ست ركعات في أربع سجدات. وخالف ابن جريج سفيان، فقال: ركعتين في كل ركعة أربع ركعات. أخرجه عبد الرزاق عنه. وابن عبّاس مرّ في الخامس من بدء الوحي. ثم قال: وجمع علي بن عبد الله بن عباس. قال في "الفتح": لم أقف على أثره هذا موصولًا. وقد مرّ علي بن عبد الله في الحادي والخمسين من استقبال القبلة. ثم قال: وصلى ابن عمر. قال في "الفتح": يحتمل أن يكون بقية أثر علي المذكور. وقد أخرج ابن أبي شيبة معناه عن ابن عمر، وقد مرَّ ابن عمر في أول الإِيمان قبل ذكر حديث منه. الحديث الثاني عشر حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً نَحْوًا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً، وَهْوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً، وَهْوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ ﷺ : "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لاَ يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ كَعْكَعْتَ. فَقَالَ ﷺ : "إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ عُنْقُودًا، وَلَوْ أَصَبْتُهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، وَأُرِيتُ النَّارَ

стр. 4910

فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ". قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "بِكُفْرِهِنَّ". قِيلَ: يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: "يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ". كذا في الموطأ، وجميع من أخرجه عن مالك عن ابن عباس. وفي رواية اللؤلؤي في سنن "أبي داود" عن أبي هريرة بدل ابن عباس، وهو غلط. وقوله: "ثم سجد" أي: سجدتين. وقوله: "ثم قام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول" فيه أن الركعات الثانية أقصر من الأولى، وسيأتي ذلك في باب مفرد. وقوله: "قالوا يا رسول الله" في حديث جابر عند أحمد بإسناد حسن. فلما قضى الصلاة قال له أبي بن كعب شيئًا صنعته في الصلاة لم تكن تصنعه، فذكر نحو حديث ابن عباس. إلاَّ أن في حديث جابر أن ذلك كان في الظهر أو العصر، فإن كان محفوظًا فهي قصة أخرى، ولعلها القصة التي حكاها أنس، وذكر أنها وقعت في صلاة الظهر. وقد تقدم سياقه في باب وقت الظهر إذا زالت الشمس، من كتاب: "المواقيت"، لكن فيه: "عُرضت عليَّ الجنة والنار في عرض هذا الحائط حسب". وأمّا حديث جابر، فهو شبيه بسياق ابن عباس في ذكر العنقود وذكر النساء، وقوله: "رأيناك تناولت" كذا للأكثر بصيغة الماضي. وفي رواية الكشميهني، تناول بصيغة المضارع بضم اللام، وبحذف إحدى التاءين، وأصله: تتناول. وقوله: "ثم رأيناك كعكعت" في رواية الكشميهني: "تكعكعت" بزيادة تاء في أوله. ومعناه: تأخرت. يقال كع الرجل إذا نكص على عقبيه. قال الخطابي: أصله "تكعَّعت": فاستثقلوا اجتماع ثلاث عينات، فأبدلوا من أحدهما حرفًا مكررًا. وفي رواية مسلم: "ثم رأيناك كففت" بفاءَيْن خفيفتين. وقوله: "فلم أر منظرًا كاليوم قط أفظع" المراد باليوم: الوقت الذي هو فيه أي: لم أر منظرًا مثل منظر رأيته اليوم، فحذف المرئي، وأدخل التشبيه على اليوم؛ لبشاعة ما رأى فيه، وبُعده عن المنظر المألوف. وقيل الكاف اسم، والتقدير ما رأيت مثل منظر هذا اليوم منظرًا. وفي رواية المستملي والحموي: "فلم انظر كاليوم قط أفظع". وقوله: "قال يكفرن العشير" كذا للجمهور عن مالك بدون واو. وفي موطأ يحيى بن يحيى الأندلسي قال: "ويكفرن العشير" بزيادة واو، واتفقوا على أن زيادة الواو غلط منه. فإن المراد من تغليطه كونه خالف غيره من الرواة فهو كذلك، وأطلق على الشذوذ غلطًا. وإن كان المراد من تغليطه فساد المعنى، فليس كذلك؛ لأن الجواب طابق السؤال وزاد، وذلك أنه أطلق لفظ النساء، فعمّم المؤمنة منهنّ والكافرة. فلما قيل: يكفرن بالله؟ أجاب: "ويكفرن العشير إلخ" وكأنه قال: نعم يقع منهن الكفر بالله وغيره؛ لأن منهن مَنْ يكفر بالله، ومنهن مَنْ يكفر الإحسان.

стр. 4911

وقال ابن عبد البر: وجه رواية يحيى أن يكون الجواب لم يقع على وفق سؤال السائل؛ لإحاطة العلم بأن من النساء مَنْ يكفر بالله، فلم يحتج إِلى جوابه؛ لأن المقصود في الحديث خلافه. وفي الحديث المبادرة إلى الطاعة عند رؤية ما يحذر منه، واستدفاع البلاء بذكر الله وأنواع طاعته، وجواز الاستفهام عن علة الحكم، وبيان العالم ما يحتاج إليه تلميذه، وتحريم كفران الحقوق، ووجوب شكر المنعم، ومرت مباحث هذا الحديث مستوفاة في باب كفران العشير من كتاب "الإِيمان". رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ عبد الله بن مسلمة في الثاني عشر من الإِيمان، وزيد بن أسلم، وعطاء بن يسار في الثاني والعشرين منه، ومرَّ مالك في الثاني من بدء الوحي، وابن عباس في الخامس منه. وفي الحديث، قالوا: يا رسول الله وفي حديث جابر عند أحمد أن القائل أُبي بن كعب، وقد مرّ في السادس عشر من العلم، أخرجه البخاري أيضًا في الخسوف، وفي الإيمان وفي النكاح، وفي بدء الخلق، ومسلم وأبو داود والنسائي في الصلاة ثم قال المصنف:

стр. 4912

باب صلاة النساء مع الرجال في الكسوف أشار بهذه الترجمة إلى رد قول مَنْ منع ذلك، وقال يُصلين فرادى، وهو منقول عن الثوري وبعض الكوفيين، وفي المدونة تصلي المرأة في بيتها، وتخرج المتجالة، وعن الشافعي يخرج الجميع إلاَّ مَنْ كانت بارعة الجمال، وقال القرطبي: رُوي عن مالك أن الكسوف إنما يخاطب به مَنْ يخاطب بالجمعة، والمشهور عنه خلاف ذلك، وهو اتفاق في حقهن بحكم المسجد. الحديث الثالث عشر حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنِ امْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ أَنَّهَا قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ، وَإِذَا هِيَ قَائِمَةٌ تُصَلِّي فَقُلْتُ: مَا لِلنَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا إِلَى السَّمَاءِ، وَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ. فَقُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ أَيْ نَعَمْ. قَالَتْ: فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلاَّنِي الْغَشْيُ، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِي الْمَاءَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "مَا مِنْ شَيْءٍ كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إِلاَّ قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ مِثْلَ أَوْ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ" لاَ أَدْرِى أَيَّتَهُمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ: يُؤْتَى أَحَدُكُمْ فَيُقَالُ لَهُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوِ الْمُوقِنُ لاَ أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ، فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا. فَيُقَالُ لَهُ: نَمْ صَالِحًا، فَقَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا. وَأَمَّا الْمُنَافِقُ أَوِ الْمُرْتَابُ لاَ أَدْرِي أَيَّتَهُمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ؟ فَيَقُولُ: لاَ أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ. قوله: "فأشارت أي نعم". وفي رواية الكشميهني "أنْ نعم" بنون بدل التحتانية. وقد تقدمت فوائده في باب مَنْ أجاب الفتيا بإشارة الرأس واليد من كتاب "العلم" قال الزين بن المنير: استدل به ابن بطال على جواز خروج النساء إلى المسجد لصلاة الكسوف، وفيه نظر؛ لأن أسماء إنما صلّت في حجرة عائشة، لكن

стр. 4913

يمكنه أن يتمسك بماورد في بعض طرقه أن نساءً غير أسماء كنَّ بعيدات عنها، فعلى هذا فقد كن في مؤخر المسجد كما جرت عادتهن في سائر الصلوات. رجاله ستة: قد مرّوا، مرّ عبد الله بن يوسف، ومالك في الثاني من بدء الوحي، وكذا هشام وعائشة، ومرّت فاطمة بنت المنذر وأسماء في الثامن والعشرين من العلم. ثم قال المصنف:

стр. 4914

باب مَنْ أحب العَتَاقة في كسوف الشمس قوله: "العَتاقة" بفتح العين المهملة وقيده بكسوف الشمس إتباعًا لسبب؛ لأن أسماء إنما روت قصة كسوف الشمس، والحديث المذكور طرف منه، فأما أن يكون هشام حدّث به هكذا، فسمعه منه زائدة أو يكون زائدة اختصره، والأول أرجح، وسيأتي في كتاب العتق عن هشام بن علي عن هشام بلفظ: "كنا نؤمر عند الخسوف بالعتاقة". الحديث الرابع عشر حَدَّثَنَا رَبِيعُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: لَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْعَتَاقَةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ. قوله: "لقد أمر" في رواية الإسماعيلي عن زائدة، كان النبي ﷺ يأمرهم. رجاله خمسة: مرَّ محل هشام وفاطمة وأسماء في الذي قبله، ومرّ زائدة بن قدامة في الثاني والعشرين من الغُسل. والخامس: الربيع بن يحيى بن مقسم المرئي أبو الفضل الأُشناني البصري، ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال أبو حاتم: ثقة ثبت، وقال ابن قانع: إنه ضعيف، وقال الدارقطني: ضعيف ليس بالقوي، يخطىء كثيرًا. حدث عن الثوري عن ابن المنكدر عن جابر جمع النبي ﷺ بين الصلاتين. وهذا حديث ليس لابن المنكدر فيه ناقة ولا جمل، وهذا يسقط مائة ألف حديث. قال في المقدمة: ما أخرج عنه البخاري إلاَّ من حديث زائدة، روى عن شعبة والثوري وزائدة وإسرائيل، وروى عنه البخاري وأبو داود وأبو زرعة وأبو حاتم وغيرهم. مات سنة أربع وعشرين ومائتين والأُشناني في نسبه بضم الهمزة وكسرها، والضم أعلى نسبة إلى بيع الأشنان، وهو معروف تغسل به الثياب أو إلى قنطرة الأشنان محلة ببغداد، وإليها ينسب محمد بن يحيى الأُشناني، وأبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الأشناني وغيرهما. والمرئي في نسبه بسكون الراء، على وزن مرعي نسبة إلى امرىء القيس، وهو اسم لعدد كثير من الأشخاص، وكل من نسب إلى واحد منهم يقال له مرئي، إلاّ مَنْ نسب إلى امرىء القيس بن

стр. 4915

الحارث بن معاوية الجد الرابع لامرىء القيس فحل الشعراء. فإنه يُقال له مرقسي مسموع عن العرب في كندة لا غير. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواية التابعي عن التابعية عن الصحابية، ورواية الرجل عن زوجته، ورواية المرأة عن جدتها، ورواته ما بين بصري وكوفي ومدني. أخرجه البخاري في الكسوف أيضًا وأبو داود في الصلاة. ثم قال المصنف:

стр. 4916

باب صلاة الكسوف في المسجد الحديث الخامس عشر حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ يَهُودِيَّةً جَاءَتْ تَسْأَلُهَا فَقَالَتْ: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُعَذَّبُ النَّاسُ فِي قُبُورِهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ. ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَبًا، فَكَسَفَتِ الشَّمْسُ فَرَجَعَ ضُحًى، فَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ ظَهْرَانَي الْحُجَرِ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، وَقَامَ النَّاسُ وَرَاءَهُ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً، وَهْوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ سُجُودًا طَوِيلاً ثُمَّ قَامَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً، وَهْوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلاً، وَهْوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ وَهْوَ دُونَ السُّجُودِ الأَوَّلِ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. قد تقدم هذا الحديث قبل أربعة أبواب من هذا الوجه، ولم يقع فيه التصريح بكونها في المسجد. لكنه يؤخذ من قولها فيه: "فمر بين ظهراني الحُجر" لأن الحجر بيوت أزواج النبي ﷺ وكانت لاصقة بالمسجد، وقد وقع التصريح بذلك في رواية سليمان بن بلال عند مسلم. ولفظه: "في نسخ بين ظهراني الحجر في المسجد فأتى النبي ﷺ من مركبة حتى أتى إلى مصلاه الذي كان يصلي فيه". الحديث. والمركب الذي كان النبي ﷺ فيه بسبب موت ابنه إبراهيم كما تقدم في الباب الأول. فلما رجع ﷺ إلى المسجد، ولم يصلها ظاهرًا صح أن السنة في صلاة الكسوف أن تصلى في المسجد، ولولا ذلك لكانت صلاتها في الصحراء أجدر برؤية الانجلاء. وقد مرَّ الكلام على إيقاعها في المسجد عند حديث أسماء في أوائل صفة الصلاة.

стр. 4917

رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ إسماعيل بن أبي أويس في الخامس عشر من الإيمان، ومرّ مالك وعائشة في الثاني من بدء الوحي، ويحيى بن سعيد في الأول منه، وعمرة بنت عبد الرحمن في الثاني والثلاثين من الغسل، وقد مرَّ هذا الحديث قريبًا. ثم قال المصنف:

стр. 4918

باب لا تنكسف الشمس لموت أحد ولا لحياته قد مرّ الكلام مبسوطًا على هذا عند حديث أسماء في باب بعد باب ما يقال بعد التكبير من أوائل صفة الصلاة. ثم قال: رواه أبو بكرة، والمغيرة وأبو موسى، وابن عباس وابن عمر رضي الله تعالى عنهم. أما حديث أبي بكرة فقد رواه في أول أبواب الكسوف، ومضى قريبًا حديث المغيرة، ويأتي حديث أبي موسى في باب الذكر في الكسوف، ومضى حديث ابن عباس في باب صلاة الكسوف جماعة. ومضى أيضًا حديث ابن عمر في أول أبواب صلاة الكسوف. وهذه الخمسة قد مرّت، مرّ أبو بكرة في الرابع والعشرين منه، ومرَّ المغيرة في الأخير، ومرّ أبو موسى في الرابع منه، ومرَّ ابن عمر في أوله قبل ذكر حديث منه، ومرّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي. الحديث السادس عشر حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسٌ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا". وفي هذا الحديث ما ترجم له، وفي الباب ما لم يذكره عن جابر عند مسلم، وعن عبد الله بن عمرو والنعمان بن بشير وقبيصة وأبي هريرة. كلها عند النسائي وغيره، وعن ابن مسعود وسمرة بن جندب ومحمود بن لبيد، كلها عند أحمد وغيره، وعن عقبة بن عامر وبلال عند الطبراني وغيره، فهذه عدة طرق غالبها على شرط الصحة، وهي تفيد القطع، عند من اطلع عليها من أهل الحديث بأن النبي ﷺ قال: فيجب تكذيب مَنْ زعم أن الكسوف علامة على موت أحد أو حياة أحد. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ مسدد ويحيى القطان في السادس من الإيمان، ومرّ إسماعيل بن علية في الثامن منه، ومرّ قيس بن أبي حازم في الخمسين منه، وأبو مسعود في الثامن والأربعين منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، والقول ورواية التابعي عن التابعي، والنصف الأول

стр. 4919

من الرواة بصري، والثاني كوفي. أخرجه البخاري أيضًا في الكسوف وفي بدء الخلق، ومسلم في الخسوف وكذا النسائي وابن ماجه. الحديث السابع عشر حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَأَطَالَ الْقِرَاءَةَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَطَالَ الْقِرَاءَةَ، وَهْىَ دُونَ قِرَاءَتِهِ الأُولَى، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ دُونَ رُكُوعِهِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ فَصَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لاَ يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يُرِيهِمَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلاَةِ. ساق المصنف الحديث على لفظ الزهري. وقد تقدمت رواية هشام مفردة في الباب الثاني. وبين عبد الرزاق عن معمر أن في رواية هشام من الزيادة "فتصدقوا". وقد تقدم ذلك أيضًا. رجاله سبعة: قد مرّوا، مرّ عبد الله بن محمد المسندي في الثاني من الإيمان، ومرّ هشام بن يوسف في الثالث من الحيض، ومرّ معمر في متابعة بعد الرابع من بدء الوحي، وابن شهاب في الثالث منه، وهشام وعروة وعائشة في الثاني منه. ثم فقال المصنف:

стр. 4920

باب الذكر في الكسوف ثم قال: رواه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. أي: عن النبي ﷺ وهذا الحديث مرّ في باب صلاة الكسوف جماعة بلفظ: "فاذكروا الله" وقد مرّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي. الحديث الثامن عشر حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَزِعًا، يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ، فَأَتَى الْمَسْجِدَ، فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ رَأَيْتُهُ قَطُّ يَفْعَلُهُ وَقَالَ: "هَذِهِ الآيَاتُ الَّتِى يُرْسِلُ اللَّهُ لاَ تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنْ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ". قوله: "فزِعًا" بكسر الزاي صفة مشبهة، ويجوز الفتح على أنه مصدر بمعنى الصفة، وقوله: "يخشى أن تكون الساعة" بالضم على أن كان تامة أي: يخشى أن تحضر الساعة، أو ناقصة. "والساعة" اسمها، والخبر محذوف، أو العكس قيل: وفيه جواز الإخبار بما يوجبه الظن من شاهد الحال؛ لأن بسبب الفزع يخفى عن المشاهد؛ لصورة الفزع، فيحتمل أن يكون الفزع لغير ما ذكر، فعلى هذا فيشكل هذا الحديث من حيث أن للساعة مقدمات كثيرة، لم تكن وقعت كفتح البلاد، واستخلاف الخلفاء، وخروج الخوارج. ثم الأشراط: كطلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدخان، وغير ذلك، ويجاب عن هذا باحتمال أن تكون قصة الكسوف وقعت قبل إعلام النبي ﵊ بهذه العلامات، أو لعله خشي أن يكون ذلك بعض المقدمات. أو أن الراوي ظن أن الخشية لذلك. وكانت لغيره، كعقوبة تحدث كما كان يخشى عند هبوب الريح. هذا ما ذكره النووي تبعًا لغيره. وزاد بعضهم أن المراد بالساعة غير يوم القيامة، أي: الساعة التي جعلت على أمر من الأمور: كموته ﷺ أو غير ذلك. وفي الأول نظر؛ لأن قصة الكسوف متأخرة جدًا. فقد تقدم أن موت إبراهيم كان في العاشرة كما اتفق عليه أهل السِّيَر. وقد أخبر النبي ﷺ بكثير من الأشراط والحوادث قبل ذلك، وأما الثالث: فتحسين الظن بالصحابي يقتضي أنه لا يجزم

стр. 4921

بذلك إلاَّ بتوقيف، وأما الرابع: فلا يخفى بعده، وأقربها الثاني، فلعله خشي أن يكون الكسوف مقدمة لبعض الأشراط: كطلوع الشمس من مغربها، ولا يستحيل أن يتخلل بين الكسوف والطلوع المذكور أشياء مما ذكر، وتقع متتالية بعضها إثر بعض، مع استحضار قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ أو هو أقرب، ويحتمل أن يخرج على مسألة دخول النسخ في الإخبار. فإذا قيل يجواز ذلك، زال الإشكال، وقيل لعله قد ورد وقوع الممكن، لولا ما أعلمه الله تعالى بأنه لا يقع قبل الإشراط؛ تعظيمًا منه لأمر الكسوف، ليتبين لمن يقع له من أُمته ذلك كيف يخشى ويفزع. لاسيما إذا وقع لهم ذلك بعد حصول الأشراط؛ أو أكثرها. وقيل: لعله حالة استحضار إمكان القدرة غلبت على استحضار ما تقدم من الشروط؛ لاحتمال أن تكون تلك الأشراط كانت مشروطة بشرط لم يتقدم ذكره، فيقع الخوف بغير أشراط لفقد الشرط. وقوله: "هذه الآيات التي يرسل الله" وقوله: "ولكن يخوف الله بها عباده" موافق لقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ واستدل بذلك على أن الأمر بالمبادرة إلى الذكر والدعاء والاستغفار وغير ذلك، لا يختص بالكسوفين لأن الآيات أعم من ذلك. وقد تقدم القول في ذلك في أواخر الاستسقاء، ولم يقع في هذه الرواية ذكر لصلاة، فلا حجة فيه لمن استحبها عند كل آية. وقوله: "إلى ذكر الله" في رواية الكشميهني إلى ذكره، والضمير يعود على الله تعالى في قوله: "يخوف الله بها عباده" وفيه الندب إلى الاستغفار عند الكسوف وغيره؛ لأنه مما يدفع به البلاء. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ محمد بن العلاء وأبو أسامة في الحادي والعشرين من العلم، ومرّ بريد وأبو بردة وأبو موسى بهذا النسق في الرابع من الإيمان. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول وإسناده كوفيون، وفيه ثلاثة مكيون، وفيه رواية الرجل عن جده وجده عن أبيه. أخرجه مسلم والنسائي. ثم قال المصنف:

стр. 4922

باب الدعاء في الكسوف في رواية كريمة، وأُبي الوقت في الخسوف. ثم قال: قاله أبو موسى وعائشة رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ وورد الأمر بالدعاء أيضًا من حديث أبي بكرة وغيره، ومنهم مَنْ حمل الذكر والدعاء على الصلاة؛ لكونهما من أجزائها والأول أولى؛ لأنه جمع بينهما في حديث أبي بكرة حيث قال: "فصلوا وادعوا". وفي حديث ابن عباس عند سعيد بن منصور: "فاذكروا الله وكبروهُ وسبحُوهُ وهللوه". وهو من عطف الخاص على العام، وحديثا أبي موسى وعائشة المعلقان قد مرّا، مرّ حديث أبي موسى في الذي قبله، ومرّ حديث عائشة في باب الصدقة في الكسوف، وقد وقع الأمر فيه بالدعاء، وقد مرَّ محل أبي موسى في الذي قبله، ومحل عائشة في الذي قبل ذلك. الحديث التاسع عشر حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عِلاَقَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَقُولُ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ، فَقَالَ النَّاسُ انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لاَ يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ". هذا الحديث مرَّ في الباب الأول. رجاله أربعة: قد مرّوا، مرّ أبو الوليد في العاشر من الإيمان، ومرّ زائدة في الثاني والعشرين من الغسل، ومرّ زياد والمغيرة في الأخير من الإيمان، وفيه ذكر إبراهيم. وقد مرّ في الرابع من الكسوف هذا. ثم قال المصنف:

стр. 4923

باب قول الإِمام في خطبة الكسوف أما بعد: الحديث العشرون وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ فَخَطَبَ، فَحَمِدَ اللَّهَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ". ذُكر حديث أسماء هنا مختصرًا معلقًا، وقد تقدم مطولًا من هذا الوجه في كتاب الجمعة، ووقع هنا في رواية أبي علي بن السكن وهم، وذلك أنه أدخل بين هشام وفاطمة بنت المنذر عروة بن الزبير. والصواب: حذفه، ولعله كان محنده هشام بن عروة بن الزبير، فتصحفت "ابن" فصارت "عن" وذلك من الناسبخ وإلا فابن السكن من الحفاظ الكبار، وفيه تأييد لمن استحب لصلاة الكسوف خطبة. وقد مرَّ ذلك في بابه. رجاله أربعة: قد مرّوا، مرّ أبو أسامة في الحادي والعشرين من العلم، ومرّ هشام في الثاني من بدء الوحي، ومرّت فاطمة وأسماء في الثامن والعشرين من العلم. ثم قال المصنف:

стр. 4924

باب الصلاة في كسوف القمر الحديث الحادي والعشرون حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. اعترض عليه بأن هذا الحديث المختصر ليس فيه ذكر القمر، لا بالتنصيص، ولا بالاحتمال. والجواب: أنه أراد أن يبين أن المختصر بعض الحديث المطول. ويأتي توجيه المطول قريبًا. رجاله ستة: قد مرّوا إلاَّ سعيدًا، مرّ محمود بن غيلان في السابع والأربعين من مواقيت الصلاة، ومرّ شعبة في الثالث من الإيمان، ومرّ يونس والحسن وأبو بكرة في الرابع والعشرين من الإيمان. وسعيد: هو ابن عامر الضبعي أبو محمد البصري قال يحيى بن سعيد: هو شيخ العصر منذ أربعين سنة، وقال أيضًا: إني لأغبط جيرانه. وقال ابن مهدي لابنه: الزمه فلو حدّثنا كل يوم حديثًا لأتيناه. وقال زياد بن أيوب: ما رأيت بالبصرة مثله، وقال ابن معين: حدّثنا سعيد بن عامر الثقة المأمون. وقال أبو حاتم: كان رجلًا صالحًا، وكان في حديثه بعض الغلط، وهو صدوق. وقال ابن سعد: كان رجلًا صالحًا. وذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال العجلي: ثقة، رجل صالح من خيار الناس. وقال ابن قانع: ثقة. روى عن جويرية بنت أسماء وشعبة وهمّام بن يحيى وغيرهم، وروى عنه أحمد وعلي ابن المديني وابن معين وغيرهم. ولد سنة اثنين وعشرين ومائة ومات لأربع بقين من شوال سنة ثمانية ومائتين. الحديث الثاني والعشرون حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْمَسْجِدِ، وَثَابَ النَّاسُ إِلَيْهِ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، فَانْجَلَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَإِنَّهُمَا لاَ يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَإِذَا كَانَ ذَاكَ فَصَلُّوا وَادْعُوا

стр. 4925

حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ". وذاك أن ابنًا للنبي ﷺ مات يُقال له إبراهيم فقال الناس في ذاك. وجه مطابقة الحديث للترجمة يؤخذ من قوله: "وإذا كان ذلك فصلوا" بعد قوله: "إن الشمس والقمر" وقد وقع في بعض طرقه ما هو أصرح من ذلك، فعند ابن حِبّان عن يونس بن عبيد في هذا الحديث. فإذا رأيتم شيئًا من ذلك. وفي حديث عبد الله بن عمرو: "فإذا انكسف أحدهما". وقد تقدم حديث أبي مسعود بلفظ: "كسوف أيهما انكسف". وعند ابن حِبّان من وجه آخر أنه ﷺ صلّى في كسوف القمر ولفظه: عن النضر بن شميل عن أشعث بإسناده. في هذا الحديث: صلّى في كسوف الشمس والقمر ركعتين مثل صلاتكم. وأخرجه الدارقطني أيضًا. وفي هذا ردٌ على مَنْ أطلق، كابن رشد أنه ﷺ لم يصل فيه، ومنهم مَنْ أوّل قوله: "صلى" أي: أمر بالصلاة جمعًا بين الروايتين. وعند المالكية والحنفية لا يجمع في خسوف القمر. ونصت المالكية: على كراهية الجمع فيها؛ لتعذر اجتماع الناس بالليل غالبًا، وعند الشافعي يصلى لخسوف القمر كما يصلى لكسوف بجماعة وركوعين، وبالجهر بالقراءة وبخطبتين بينهما جلسة، وبه قال أحمد وإسحاق إلاّ في الخطبة. واستدل مالك وأبو حنيفة بأنه ﷺ جمع لكسوف الشمس، ولمّا خسف القمر في جمادى الآخرة سنة أربع، ذكره ابن الجوزي وغيره لم يجمع فيه. وقال مالك: لم يبلغنا، ولا أهل بلدنا أن النبي ﷺ جمع لخسوف القمر، ولا نقل عن أحدٍ من الأئمة بعده أنه جمع بعده. وقال صاحب الهدى: لم ينقل أنه صلى في كسوف القمر في جماعة، لكن حكى ابن حِبّان في "السيرة" له: أن القمر خسف في السنة الخامسة فصلى النبي ﷺ بأصحابه صلاة الكسوف. وكانت أول صلاة كسوف في الإِسلام. وقد جزم به مغلطاي في "سيرته المختصرة"، وتبعه العراقي في نظمها. وروى الدارقطني عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يصلي في كسوف الشمس والقمر أربع ركعات، وأربع سجدات، ويقرأ في الركعة الأولى بالعنكبوت، أو الروم، وفي الثانية بيس. وفي حديث قبيصة مرفوعًا: "إذا انكسف الشمس أو القمر، فصلوا". وروى الدارقطني بسند جيد عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ صلّى في كسوف الشمس والقمر ثمان ركعات، في أربع سجدات. وفي رواية الأصيلي في حديث أبي بكرة هذا انكسف القمر، بدل الشمس. وهذا تغيير لا معنى له، وكأنه عسرت عليه مطابقة الحديث للترجمة، فظن أن لفظه مغير، فغيره هو إلى ما في ظنه صوابًا وليس كذلك.

стр. 4926

واختلف عند المالكية هل صلاة خسوف القمر سنة، أو مستحبة. والأخير هو المشهور، ووقتها الليل كله، فإن طلع مكسوفًا بدىء بالمغرب، وإن كسف عند الفجر لم يصلوا، وكذا إن خسف فلم يصلوا حتى غاب بليل. خلافًا للشافعي فيهما. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرّ أبو معمر وعبد الوارث في السابع عشر من العلم، ومرّ يونس والحسن وأبو بكرة في الرابع والعشرين من الإيمان، وفيه ذكر إبراهيم، وقد مرّ في الرابع من الكسوف هذا. ثم قال المصنف:

стр. 4927

باب الركعة الأولى في الكسوف أطول كذا وقع هنا للحموي والكشميهني، ووقع بدله للمستملي باب: صب المرأة على رأسها الماء، إذا أطال الإِمام القيام في الركعة الأولى. قال ابن رشيد: وقع في هذا الموضع تخليط من الرواة، وحديث عائشة المذكور مطابق للترجمة الأولى قطعًا. وأما الثانية: فحقها أن تذكر في موضع آخر. وكان المصنف ترجم بها وأخلى لها بياضًا ليذكر لها حديثًا، أو طريقًا كما جرت عادته، فلم يحصل غرضه. فضم بعض الكتاب إلى بعض. فنشأ هذا، والأليق بها حديث أسماء المذكور قبل سبعة أبواب، فهو نص فيه. ويؤيد ما ذكره ما وقع في رواية أُبي علي بن شبويه عن الفربري، فإنه ذكر باب صب المرأة أولًا. وقال في الحاشية: ليس فيه حديث، ثم ذكر باب الركعة الأولى أطول، وأورد فيه حديث عائشة، وكذلك صنع الإسماعيلي في مستخرجه، فعلى هذا، فالذي وقع من صنيع شيوخ أبي ذر من اقتصار بعضهم علي إحدى الترجمتين ليس بجيد. أمّا مَنْ اقتصر على الثانية، وهو المستملي فخطأ محض. إذْ لا تَعلُّق لها بحديث عائشة. وأما الآخران فمن حيث إنهما حذفا الترجمة أصلًا، وكأنهما استشكلاها فحذفاها، ولهذا حذفت من رواية كريمة أيضًا عن الكشميهني، وكذا من رواية الأكثر. الحديث الثالث والعشرون حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ بن غيلان، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي سَجْدَتَيْنِ، الأُولَى أَطْوَلُ. وهذا المتن طرف من الحديث الطويل الماضي في باب صلاة الكسوف في المسجد، وكأنه مختصر منه بالمعنى، فإنه قال فيه: "ثم قام قيامًا طويلًا" وهو دون القيام الأول، وقال في هذا: "أربع ركعات في سجدتين: الأولى أطول". وقد رواه الإسماعيلي بلفظ: "الأولى، فالأولى أطول"، وفيه دليل لمن قال: أن القيام الأول من الركعة الثانية يكون دون القيام الثاني من الركعة الثانية بقيامها وركوعيها، وقال النووي: اتفقوا على أن القيام الثاني وركوعه فيهما أقصر من القيام الأول، وركوعه فيهما. واختلفوا في القيام الأول من الثانية، وركوعه هل هما أقصر من القيام الثاني

стр. 4928

من الأولى وركوعه؟ أو يكونان سواء. قيل: سبب هذا الخلاف فهم معنى قوله: "وهو دون القيام" هل المراد به الأول من الثانية؟ أو يرجع إلى الجميع. فيكون كل قيام دون الذي قبله. ورواية الإسماعيلي تعين هذا الثاني، ويرجحه أيضًا أنه لو كان المراد من قوله القيام الأول، أول قيام من الأولى فقط، لكان القيام الثاني والثالث مسكوتًا عن مقدارهما. فالأول أكثر فائدة. قلت: مذهب المالكية أن كل قيام دون القيام الذي قبله في الطول. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرَّ محل محمود في الذي قبله بحديث، ومرَّ أبو أحمد الزبيري في التاسع والثمانين من صفة الصلاة، ومرّ سفيان الثوري في السابع والعشرين من الإيمان، ومرّ يحيى بن سعيد في الأول من بدء الوحي، وعائشة في الثاني منه، وعمرة بنت عبد الرحمن في الثاني والثلاثين من الحيض. ثم قال المصنف:

стр. 4929

باب الجهر بالقراءة في الكسوف أي سواء كان للشمس أو القمر. الحديث الرابع والعشرون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ نَمِرٍ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ جَهَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي صَلاَةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ كَبَّرَ فَرَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ". ثُمَّ يُعَاوِدُ الْقِرَاءَةَ فِي صَلاَةِ الْكُسُوفِ، أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ. قوله: "جهر النبي ﷺ في صلاة الخسوف بقراءته" استدل به على الجهر فيها بالنهار وحمله جماعة ممن لم ير ذلك على كسوف القمر، وليس بجيد؛ لأن الإسماعيلي روى هذا الحديث من وجه آخر، عن الوليد بلفظ: "كسفت الشمس في عهد رسول الله ﷺ ". فذكر الحديث، وكذا رواية الأوزاعي التي بعده صريحة في الشمس. رجاله ستة: قد مرّوا إلاَّ عبد الرحمن، مرَّ محمد بن مهران والوليد بن مسلم في السادس والثلاثين من مواقيت الصلاة، ومرّ ابن شهاب في الثالث من بدء الوحي وعروة وعائشة في الثاني منه، وعبد الرحمن هو ابن نمِر بكسر الميم اليحصبي أبو عمرو الدمشقي، ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال: من ثقات أهل الشام ومتقنيهم. وقال أبو أحمد الحاكم: مستقيم الحديث. وقال ابن البرقي: ثقة، وقال الذهلي: عبد الرحمن بن نمر وعبد الرحمن بن خالد ثقتان، ولا تكاد نجد لابن نمر حديثًا عن الزهري إلا ودون الحديث مثله، يقول: سألت الزهري عن كذا، فحدثني عن فلان وفلان فيأتي بالحديث على وجهه، وقال ابن معين: ابن نمر الذي يروى عن الزهري ضعيف. وقال دحيم: صحيح الحديث عن الزهري وقال أبو داود: ليس به بأس كان كاتبًا حضر مع ابن هشام والزهري يملي عليهم. وقال ابن عدي في حديثه عن الزهري عن عروة عن مروان عن بسرة أن النبي ﷺ أمر بالوضوء في مس الذكر، والمرأة مثل ذلك. هذه الزيادة أي: "والمرأة مثل ذلك" لا يرويها عن الزهري غير ابن نمر هذا، وهو في جملة من يكتب حديثه من "الضعفاء" ولم يخرج له الشيخان

стр. 4930

سوى حديث واحد في الكسوف، وهو متابعة. روى عن الزهري وعن مكحول الشامي، ولم يرو عنه غير الوليد بن مسلم. واليحصبي في نسبه نسبة إلى يحصب بن مالك حي باليمن من حمير بتثليث الصاد في الاسم، وفي النسبة إليه على الصحيح. وقيل: النسبة بالفتح فقط. قيل: أن يحصب أخو ذي أصبح جد الإِمام مالك رضي الله تعالى عنه، ويحصب قلعة بالأندلس سميت بمن نزلها من اليحصبيين ممن حمير منها القاضي عياض بن موسى صاحب الشفاء والمطالع في اللغة، وغير ذلك من التصانيف العديدة المفيدة. وأبو محمد عبد الله بن محمد بن معدان اليحصبي الأندلسي وغيرهما. لطائف إسناده: فيه التحديث والإخبار بالجمع والسماع والعنعنة والقول. أخرجه مسلم في الكسوف، وكذا أبو داود والترمذي والنسائي. الحديث الخامس والعشرون وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَعَثَ مُنَادِيًا بِالصَّلاَةُ جَامِعَةٌ، فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ. واستدل بعضهم على ضعف رواية عبد الرحمن بن نمر في الجهر بأن الأوزاعي لم يذكر في روايته الجهر، وهذا ضعيف؛ لأن من ذكر حجة على مَنْ لم يذكر، لاسيما والذي لم يذكره لم يتعرض لنفيه، وقد ثبت الجهر في رواية الأوزاعي عند أبي داود والحاكم، عن الوليد بن مزيد عنه، ووافقه سليمان بن كثير وغيره كما ترى. رجاله أربعة: قد مرّوا، مرّ الأوزاعي في العشرين من العلم، ومرّ محل الباقين في الذي قبله، وهذا الحديث يحتمل أن يكون من مقول الوليد، فيكون موصولًا ويحتمل القطع، وقد وصله مسلم عن محمد بن مهران عن الوليد بن مسلم، حدّثنا الأوزاعي وغيره، فذكره وزاد فيه مسلم طريق كثير بن عباس عن أخيه، ولم يذكر قصة عبد الله بن الزبير. ثم قال: وأخبرني عبد الرحمن بن نمر سمع ابن شهاب مثله، وعبد الرحمن مرَّ في الذي قبله، ومرَّ فيه محل ابن شهاب. ثم قال: قال الزهري: فقلت: ما صنع أخوك ذلك عبد الله بن الزبير ما صلى إلاَّ ركعتين مثل الصبح، إذْ صلّى بالمدينة. قال: أجل إنه أخطأ السنة. قوله: "قال أجل" أي: نعم وزنًا ومعنىً. وفي رواية الكشميهنيّ: "من أجل" بسكون الجيم وعلى الأول. فقوله: "إنه أخطأ" بكسر همزة إنه وعلى الثاني بفتحها، وهذا طرف من حديث قد مرّ

стр. 4931

في الحديث السابع، ومرّ هناك المراد بالأخ ومحله. ثم قال: تابعه سليمان بن كثير وسفيان بن حسين عن الزهري في الجهر يعني بإسناده المذكور. ورواية سليمان وصلها أحمد عنه بلفظ: "خسفت الشمس على عهد النبي ﷺ فأتى النبي ﷺ فكبّر ثم كبّر الناس ثم قرأ فجهر بالقراءة" الحديث، وهو في مسند أبي داود الطيالسي بهذا الإسناد مختصرًا أن النبي ﷺ جهر بالقراءة في صلاة الكسوف. وأما رواية سفيان بن حسين فوصلها الترمذي والطحاوي بلفظ: "صلى صلاة الكسوف وجهر بالقراءة فيها" وقد تابعهم على ذكر الجهر عن الزهري عقيل عند الطحاوي، وإسحاق بن راشد عند الدارقطني، وهذه طرق يعضد بعضها بعضًا، يفيد مجموعها الجزم بذلك، فلا معنى لتعليل من أعله بتضعيف سفيان بن حسين وغيره، فلو لم يرد في ذلك إلاَّ رواية الأوزاعي لكانت كافية فيه، وقد استوفى حكمه عند الأئمة وما احتجوا به عند حديث أسماء في أوائل صفة الصلاة في باب مفرد بعد باب ما يقال بعد التكبير. وسليمان بن كثير مرَّ في التاسع والثلاثين من كتاب الجمعة. ومرّ الزهري في الثالث من بدء الوحي، وسفيان بن حسين بن الحسن أبو محمد، ويقال أبو الحسن الواسطي. قال يعقوب بن شيبة: صدوق ثقة. وفي حديثه ضعف. وقال النسائي: ليس به بأس إلاَّ في الزهري، وقال عثمان بن أبي شيبة: كان ثقة، إلاَّ أنه كان مضطربًا في الحديث قليلًا. وقال العجلي: ثقة، وقال ابن سعد: ثقة، يخطىء في حديثه كثيرًا. وذكره ابن حِبّان في الثقات وقال: أما روايته عن الزهري فإن فيها تخليطًا يجب أن يجانب وهو ثقة في غير الزهري. وقال ابن خراش: كان مؤدبًا ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به مثل ابن إسحاق وهو أحب إليَّ من سليمان بن كثير. وقال البزار: واسطي، ثقة. وقال أحمد: ليس بذاك في حديث الزهري. روى عن إياس بن معاوية والحكم بن عتيبة ومحمد بن سيرين والزهري وغيرهم. وروى عنه شعبة ويزيد بن هارون وهشيم بن بشير وغيرهم، قال ابن خراش: مات بالري مع المهدي. وقال ابن حِبّان: مات في ولاية هارون الرشيد. خاتمة قال في "الفتح": اشتملت أبواب الكسوف على أربعين حديثًا، نصفها موصول ونصفها معلّق. المكرر منها فيه وفيما مضى اثنان وثلاثون، والخالص ثمانية. وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث أبي بكرة وحديث أسماء في العتاقة. ورواية عمرة عن عائشة الأولى أطول لكنه أخرج أصله، وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين خمسة آثار فيها أثر عبد الله بن الزبير وفيها أثر عروة في تخطئته، وهما موصولان. ثم قال المصنف:

стр. 4932

أبواب سجود القرآن وسنتها كذا للمستملي، وسقطت البسملة لأبي ذر، ولغير المستملي باب ما جاء في سجود القرآن . وقوله: "وسنتها" بتاء التأنيث أي: سجدة التلاوة، وللأصيلي "وسننه" بتذكير الضمير أي: سجود السهو ويأتي حكم سجودها عند الأئمة في باب مَنْ قرأ السجدة ولم يسجد. وقد وردت في القرآن في خمسة عشر موضعًا لحديث عمرو بن العاص، عند أبي داود والحاكم بإسناد حسن "اقرأني رسول الله ﷺ خمس عشرة سجدة في القرآن منها ثلاث في المفصل، وفي الحج سجدتان". واتفقت الحنفية والشافعية على السجود في أربع عشرة منها، إلاَّ أن الشافعية قالوا في الحج سجدتان، وليس سجدة ص سجدة تلاوة، بل سجدة شكر، والحنفية قالوا بها إلا ثانية الحج، وعند الحنابلة مثل ما عند الشافعية، وعند المالكية في المشهور. وهو القول القديم للشافعي إنها إحدى عشر فلم يعدوا ثانية الحج ولا ثلاثة المفصل، لما رواه أبو داود وغيره عن ابن عباس أن النبيَّ ﷺ لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة. ولأن ثانية الحج وقعت في مقابلة الركوع في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾. والركوع أحد أركان الصلاة، فلا تكون محل سجود وأجاب القائلون بالسجود في المفصل عن الحديث المذكور في بعض رواته ضعف، وأن في إسناده اختلافًا، وعلى تقدير ثبوته، فرواية من أثبت ذلك أرجح. إذ المثبت مقدم علي المنافي وسيأتي عند المصنف عن أبي هريرة ثبوت السجود في "إذا السماء انشقت". وروى البزار والدارقطني عن أبي هريرة أن ﷺ سجد في سورة النجم، وسجدنا معه. الحديث. رجاله ثقات. وروى ابن مردويه في "التفسير" بإسناد حسن عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه رأى أبا هريرة سجد في خاتمة النجم فسأله، فقال: إنه رأى رسول الله ﷺ يسجد فيها وأبو هريرة إنما أسلم بالمدينة. وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن الأسود بن يزيد عن عمر أنه سجد في "إذا السماء انشقت" ومن طريق نافع عن ابن عمر أنه سجد فيها. قال في "الفتح": وفي هذا رد على مَنْ زعم أن عمل أهل المدينة استمر على ترك السجود في المفصل، ويحتمل أن يكون المنفي المواظبة على ذلك؛ لأن المفصل تكثر قراءته في الصلاة، فترك السجود فيه كثيرًا؛ لئلا تختلط الصلاة على مَنْ لم يفقه. أشار إلى هذه العلة مالك في قوله: "بترك السجود" أصلًا في المفصل. وقال ابن القصار:

стр. 4933

الأمر بالسجود في النجم ينصرف إلى الصلاة. ورد بفعله ﵊ كما يأتي قريبًا، وزعم بعضهم أن عمل أهل المدينة استمر بعد النبي ﷺ على ترك السجود، وفيه نظر. لما رواه الطبري بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن أبزى عن عمر أنه قرأ النجم في الصلاة، فسجد فيها، ثم قام فقرأ: "إذا زلزلت". وعن نافع عن ابن عمر أنه سجد في النجم. ا. هـ ما نقله. وقد قالت المالكية: إن إجماع فقهاء المدينة وقرائها على ترك السجود فيها مع تكرار القراءة ليلاً ونهارًا، وإن ذلك يدل على النسخ إذْ لا يجمعون على ترك سنة. قلت: فلعل الإجماع انعقد بعد عمر وابنه رضي الله تعالى عنهما، أو ما نقل عنهما غير صحيح. ومحال السجود في الأعراف عند آخرها "وله يسجدون"، والرعد عقب: "والأصال"، وفي النحل: "ويفعلون ما يؤمرون"، وفي الإسراء: "ويزيدهم خشوعًا"، وفي مريم: "وبكيًا"، وأول الحج: "يفعل ما يشاء". وثانيها "لعلكم تفلحون"، وفي الفرقان: "وزادهم نفورًا"، وفي النمل: "العرش العظيم". وعند الحنفية: "وما يعلنون"، والم السجدة: "لا يستكبرون"، وص: "وأناب"، وفصلت: "يسأمون"، وعند المالكية: "تعبدون". وآخر النجم والانشقاق: "لا يسجدون"، والعلق آخرها، فلو سجد قبل تمام الآية ولو بحرف، لم يصح؛ لأن وقتها إنما يدخل بتمامها. وقد مرّت مذاهب الأئمة الأربعة في عدد السجدات، وفيها أقوال أُخر قيل: إنها خمسة عشر كما ورد في الحديث السابق، وبه قال المدنيون عن مالك مكملتها ثانية الحج، وهو مذهب عمر وابنه عبد الله والليث وإسحاق وابن المنذر رواية عن أحمد، واختاره المروزي وابن سريج الشافعيان. وقيل: أربع عشرة بإسقاط سجدة النجم. وهو قول أبي ثور، وقيل: ثنتا عشرة بإسقاط ثانية الحج وص والانشقاق، وهو قول مسروق رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عنه، وقيل: ثلاث عشرة بإسقاط ثانية الحج والانشقاق، وهو قول عطاء الخراساني وقيل: عزائم السجود خمس: الأعراف، وبنو إسرائيل، والنجم، والانشقاق، واقرأ باسم ربك. وهو قول ابن مسعود، رواه ابن أبي شيبة عن إبراهيم عنه. وقيل: عزائمه أربع: الم تنزيل، وحم تنزيل، والنجم واقرأ باسم ربك، وهو مروي عن علي -رضي الله تعالى عنه- رواه ابن أبي شيبة عنه وقيل: عزائم السجود، الم تنزيل، والأعراف، وحم تنزيل، وبنو إسرائيل. وهو مذهب عبيد بن عمير. "والعزائم" هي المأمورات التي يعزم الناس بالسجود فيها، وقيل: هي ما ثبت بدليل شرعي خال عن معارض راجح، وعن علي ما ورد الأمر فيه بالسجود عزيمة، وقيل: يشرع السجود عند كل لفظ وقع فيه الأمر بالسجود، أو الحث عليه أو الثناء على فاعله، أو سيق مساق المدح، وهذا يبلغ عددًا كثيراً. وقد أشار إليه أبو محمد بن الخشاب في قصيدته الألغازية قال ابن حزم: ثانية الحج لا نقول بها أصلًا في الصلاة، وتبطل الصلاة بها إذا

стр. 4934

سجدت؛ لأنها لم تصح بها سنة عن رسول الله ﷺ ولا أُجمع عليها وإنما جاء فيها أثر مرسل. وهذا غفلة عمّا مرّ عند أبي داود والحاكم عن عمرو بن العاص أنه ﵊ أقرأه خمس عشرة سجدة. الحديث الأول حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الأَسْوَدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ النَّجْمَ بِمَكَّةَ فَسَجَدَ فِيهَا، وَسَجَدَ مَنْ مَعَهُ، غَيْرَ شَيْخٍ أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصًى أَوْ تُرَابٍ فَرَفَعَهُ إِلَى جَبْهَتِهِ وَقَالَ: "يَكْفِينِى هَذَا". فَرَأَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ كَافِرًا. قوله: "وسجد مَنْ معه غير شيخ" سماه في تفسير سورة والنجم عن أبي إسحاق أمية بن خلف، وفي سيرة ابن إسحاق أنه الوليد بن المغيرة، وفيه نظر؛ لأنه لم يقتل، وفي تفسير سند الوليد بن المغيرة، أو عتبة بن ربيعة بالشك، وفيه نظر لما أخرجه الطبراني عن مخرمة بن نوفل قال: لما أظهر النبي ﷺ الإِسلام أسلم أهل مكة حتى أنه كان ليقرأ السجدة، فيسجدون، فلا يقدر بعضهم أن يسجد من الزحام، حتى قدم رؤساء قريش: الوليد بن المغيرة، وأبو جهل وغيرهما، وكانوا بالطائف، فيهجعوا وقالوا: تَدعَون دين آبائكم، لكن في ثبوت هذا نظر؛ لقول أبي سفيان في الحديث الطويل: أنه لم يرتد أحد ممن أسلم، ويمكن الجمع بأن النفي مقيد بمن ارتد سخطًا، لا بسبب مراعاة خاطر رؤسائه. وروى الطبري عن سعيد بن جبير أن الذي رفع التراب فسجد عليه هو سعيد بن العاص بن أمية أبو أحيحة. وتبعه النحاس، وذكر أبو حيان في تفسيره أنه أبو لهب، ولم يذكر مستنده. وفي مصنّف ابن أبي شيبة عن أبي هريرة: "سجدوا في النجم إلا رجلين من قريش" أراد بذلك الشهرة وللنسائي بإسناد صحيح عن المطلب بن أبي وداعة قال: قرأ النبي ﷺ بمكة "والنجم" فسجد، وسجد مَنْ عنده، فرفعت رأسي وأبيت أن أسجد، ولم يكن المطلب يومئذ أسلم. قال المطلب: فلا أدع السجود فيها أبدًا، ويحتمل أن يكون الجميع ممن ذكر لم يسجدوا، والتعميم في كلام ابن مسعود بالنسبة إلى ما أطلع عليه أو خص واحدًا بذكر؛ لاختصاصه بأخذ الكف من التراب دون غيره، لكن لا يفسر الذي في حديث ابن مسعود إلا بأمية؛ لأنه هو الذي قتل كافرًا، وأفاد المصنف في رواية إسرائيل في تفسير والنجم أن النجم أوّل سورة أنزلت فيها سجدة، وهذا هو السر في براءة المصنف في هذه الأبواب بهذا الحديث، واستشكل بأن "اقرأ باسم ربك" أوّل السور نزولًا، وفيها أيضًا سجدة، فهي سابقة على والنجم. وأجيب بأن السابق من اقرأ أوائلها، وأمّا بقيتها فنزلت بعد ذلك، بدليل قصة أبي جهل في نهيه للنبي ﷺ عن الصلاة أو الأولية مقيدة بشيء محذوف بينته رواية أبي إسحاق عند ابن مردويه بلفظ: أن أول سورة استعلن بها رسول ﷺ والنجم. وله

стр. 4935

عن أبي إسحاق أيضًا أول سورة تلاها على المشركين فذكره، فيجمع بين الروايات الثلاث بأن المراد أول سورة فيها سجدة تلاها جهرًا على المشركين. قوله: "وسجد مَنْ معه" في الرواية الآتية في الباب الثالث عن ابن عباس وسجد مَعَه المسلمون والجن والإنس. كان ابن عباس إِسْتَنَد في ذلك إلى إخبار النبي ﷺ إمّا مشافهة له وإما بواسطة؛ لأنه لم يحضر القصة لصغره، وأيضًا فهو من الأمور التي لا يمكن أن يطلع عليها الإنسان إلا بتوقيف، وتجويز أنه كشف له عن ذلك بعيد؛ لأنه لم يحضرها قطعًا، وإنما أعاد العين والإنس مع دخولهم في المسلمين والمشركين، لنفي توهم اختصاص ذلك بالإنس. قال الكرماني: سجد المشركون مع المسلمين لأنها أول سجدة نزلت فأرادوا معارضة المسلمين بالسجود لمعبودهم أو وقع ذلك منهم بلا قصد أو خافوا في ذلك المجلس من مخالفتهم، والاحتمالات الثلاثة فيها نظر، والأول منها لعياض، والثاني يخالفه ابن مسعود، حيث زاد فيه أن الذي استثناه منهم أخذ كفًا من حصى، فوضع جبهته عليه. فإن ذلك ظاهر في القصد، والثالث أبعد إذ المسلمون حينئذ هم الذين كانوا خائفين من المشركين، لا العكس قال: وما قيل من أن ذلك كان بسبب إلقاء الشيطان في قراءة رسول الله ﷺ لا صحة له نقلًا ولا عقلًا. ويأتي إن شاء الله تعالى في تفسير سورة الحج تحرير الكلام على هذه المسألة إنْ شاء الله تعالى الحياة إلى ذلك المحل والتوفيق لإتمام الكتاب والقدرة عليه. رجاله ستة: قد مرّوا، مرّ محمد بن بشار في الحادي عشر من العلم، ومرّ غندر في الخامس والعشرين من الإيمان، ومرَّ شعبة في الثالث منه، ومرَّ أبو إسحاق في الثالث والثلاثين منه، ومرّ ابن مسعود في أوله قبل ذكر حديث منه في أول أثر، ومرّ الأسود بن يزيد في السابع والستين من العلم. وفي الحديث لفظ غير شيخ أخذ كفًا واختلف في ذلك الشيخ، فالصحيح أنه أمية بن خلف، وقيل الوليد بن المغيرة، وفيه نظر؛ لأنه لم يقتل ببدر. وقيل عتبة بن ربيعة، وقيل أبو أحيحة سعيد بن العاص، وقيل المطلب بن أبي وداعة، ولعله زائد على الرجل الذي لم يسجد وقتل كافرًا، ويرشد له قول البخاري في بعض رواياته إلا رجلين، وكل هؤلاء المذكورين ماتوا كفارًا فلا يعرَّفون، إلاَّ المطلب بن أبي وداعة، وها أنا أعرفه فأقول: هو ابن أبي وداعة الحارث بن صبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم القرشي السهمي. ذكره ابن سعد في مسلمة "الفتح". وقال الواقدي: نزل المدينة وله بها دار، وبقي دهرًا وقال ابن الكلبي: كان لدة النبي ﷺ . وقال أبو عبيدة: له صحبة، وفي مغازي ابن إسحاق أن أبا وداعة أُسر يوم بدر، فقال النبي ﷺ : "أنَّ له ابنًا كيسًا تاجرًا ذا مال كأنكم به قد جاء في فداء أبيه"، فكان كذلك. أخرج البغوي وابن شاهين عن جعفر بن المطلب بن أبي وداعة عن أبيه سمعت النبي ﷺ يقرأ بمكة "والنجم" يعني فسجدها فيها. قال: وأنا يومئذٍ

стр. 4936

كافر فلم أسجد، فلا أسمعها من أحدٍ إلاَّ سجدت فيها. وأخرج هذا الحديث أحمد في مسنده، والنسائي له أحاديث في مسلم عن حفصة أم المؤمنين في صلاة السبحة قاعدًا. روى عنه أولاده جعفر وكثيِّر وعبد الرحمن وحفيده أبو سفيان بن عبد الرحمن. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والسماع والقول، ورواته بين بصري وواسطي وكوفي، رواه البخاري أيضًا في هذا الباب، وفي المبعث وفي المغازي والتفسير، ومسلم وأبو داود في الصلاة، والنسائي فيها، وفي التفسير. ثم قال المصنف:

стр. 4937

باب سجدة تنزيل السجدة قال ابن بطال: أجمعوا على السجود فيها وإنما اختلفوا في السجود فيها في الصلاة. الحديث الثاني حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْجُمُعَةِ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةَ وَ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ﴾. هذا الحديث قد مرّ استيفاء الكلام عليه عند ذكره في باب ما يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة من كتاب الجمعة. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرَّ محمد بن يوسف الفريابي في العاشر من العلم، ومرَّ سفيان الثوري في السابع والعشوين من الإيمان، ومرّ عبد الرحمن بن هرمز في السابع منه، وأبو هريرة في الثاني منه، وسعد بن إبراهيم في السابع والأربعين من الوضوء. وهذا الحديث قد مرَّ في صلاة الفجر ومرّ الكلام عليه هناك ثم قال المصنف:

стр. 4938

باب سجدة ص الحديث الثالث حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو النُّعْمَانِ قَالاَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: (ص) لَيْسَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا. قوله: "ص ليس من عزائم السجود" يعني السجود في "ص" إلخ والمراد بالعزائم: ما وردت العزيمة على فعله كصيغة الأمر مثلًا، بناء على أن بعض المندوبات آكد من بعض عند مَنْ لا يقول بالوجوب. وقد روى ابن المنذر وغيره عن علي بن أبي طالب بإسناد حسن: أن العزائم: حم، والنجم، واقرأ، وآلم تنزيل، وكذا ثبت عن ابن عباس في الثلاثة الأخر. وقد مرّ في الترجمة زيادة في معنى العزائم، وفي عددها. وقوله: "وقد رأيت رسول الله ﷺ يسجد فيها"، وفي تفسير "ص" عند المصنف عن مجاهد قال: سألت ابن عباس من أين سجدت في "ص". ولابن خزيمة من هذا الوجه: "من أين أخذت سجدة ص". ثم اتفقا فقال: ومن ذريته داود وسليمان إلى قوله: "فبهداهم اقتده" ففي هذا أنه استنبط مشروعية السجود فيها من الآية، وفي الأول أنه أخذه من النبي ﷺ ولا تعارض بينهما، لاحتمال أن يكون استفاده من الطريقين. وقد وقع في أحاديث الأنبياء عن مجاهد في آخره، فقال ابن عباس: نبيكم ممن أمر أن يقتدى بهم، فاستنبط وجه سجود النبي فيها من الآية، وسبب ذلك كون السجدة التي في "ص"، إنما وردت بلفظ الركوع، فلولا التوقيف ما ظهر أن فيها سجدة. وفي النسائي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا سجدها داود توية، ونحن نسجدها شكرًا. فاستدل الشافعي بقوله: "شكرًا" على أنه لا يسجد فيها في الصلاة؛ لأن سجود الشاكر لا يشرع داخل الصلاة. ولأبي داود وابن خزيمة والحاكم عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قرأ وهو على المنبر، فلما بلغ السجدة نزل، فسجد، وسجد الناس معه. ثم قرأها في يوم آخر، فتهيأ الناس للسجود فقال: "إنما هي توية نبي ولكني رأيتكم تهيأتم"، فنزل وسجد، وسجدوا معه، فهذا السياق يشعر بأن السجود فيها لم يؤكد كما أكد في غيرها. واستدل بعض الحنفية من مشروعية السجود عند قوله: "وخرّ راكعًا وأناب" بأن الركوع عندها

стр. 4939

ينوب عن السجود، فإن شاء المصلي ركع بها، وإن شاء سجد. ثم طرده في جميع سجدات التلاوة. وبه قال ابن مسعود. وعندنا معاشر المالكية لا ينوب عنها ركوع لا في الصلاة ولا خارجها، وإن كان في الصلاة وتركها وقصد الركوع، صح ركوعه، وكره فعله. وإن قصد تأديتها بالركوع ففي بطلان صلاته قولان، وسجدة "ص" عند المالكية والحنفية من العزائم، وعند الشافعي ليست من العزائم، وإنما هي سجدة شكر تستحب في غير الصلاة، وتحرم فيها على الأصح؛ لأن سجود الشكر لا يشرع داخل الصلاة فإن سجد فيها عمدًا عالمًا بتحريمها بطلت صلاته بخلاف فعلها سهوًا أو جهلًا للعذر لكنه يسجد للسهو، ولو سجدها إمامه باعتقادٍ منه، كحنفي لم يتبعه بل يفارقه أو ينتظره قائمًا، وإذا انتظره لا يسجد للسهو على الأصح؛ لأن المأموم لا سجود لسهوه، أي: لا سجود عليه في فعلٍ يقتضي سجود السهو؛ لأن الإِمام يتحمله عنه، فلا يسجد لانتظاره، ووجه السجود أنه يعتقد أن إمامه زاد في صلاته جاهلًا، وأن السجود توجه عليها، فإذا لم يسجد الإِمام سجد المأموم. قاله القسطلاني. وعن أحمد كالمذهبين والمشهور منهما كقول الشافعي، وقال الزهري: كنت لا أسجد في "ص" حتى حدّثني السائب أن عثمان سجد فيها، وعن سعيد بن جبير أن عمر رضي الله تعالى عنه كان يسجد في "ص"، وعن أبي الدرداء سجدت مع النبي ﷺ في "ص"، وعن عقبة بن عامر فيها السجود. وسجد فيها الحسن والنعمان بن بشير ومسروق، وكونها توبة لا ينافي كونها عزيمة، وسجدها داود توبة، ونحن نسجدها شكرًا لما أنعم الله على داود ﵇ بالغفران والوعد بالزلفى وحسن المآب. وهذه نعمة عظيمة في حقنا فكانت سجدة تلاوة؛ لأن سجدة التلاوة ما كان سببها التلاوة، وسبب هذه السجدة تلاوة هذه الآية التي فيها الإخبار عن هذه النِعَمْ على داود ﵇ وإطماعنا في نيل مثله. رجاله ستة: قد مرّوا، مرّ سليمان بن حرب في الرابع عشر من الإيمان، وأبو النعمان في الحادي والخمسين منه، وحمّاد بن زيد في الرابع والعشرين منه، وأيوب في التاسع منه، وعكرمة في السابع عشر من العلم، وابن عباس في الخامس من بدء الوحي. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول. أخرجه البخاري أيضًا في أحاديث الأنبياء، وأبو داود، والترمذي في الصلاة، والنسائي في التفسير. ثم قال المصنف:

стр. 4940

باب سجود النجم قاله ابن عباس عن النبي ﷺ أي: هذا باب في بيان السجود التي في سورة "النجم". وقوله: "قاله ابن عباس"، أي: رواه، أو حكاه، وتذكير الضمير باعتبار السجود وحديثه يأتي في الباب الذي عقب هذا الباب، وابن عبّاس مرّ الآن. الحديث الرابع حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ سُورَةَ النَّجْمِ فَسَجَدَ بِهَا، فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنَ الْقَوْمِ إِلاَّ سَجَدَ، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ كَفًّا مِنْ حَصًى أَوْ تُرَابٍ، فَرَفَعَهُ إِلَى وَجْهِهِ وَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا. وهذا الحديث قد مرّ في أول أبواب السجود، ومرّ الكلام عليه هناك، واستدل به على أن مَنْ وضع جبهته على كفه ونحوه لا يعد ساجدًا حتى يضعها بالأرض، وفيه نظر؛ لأن الكافر لا سُجُودَ له مطلقاً. رجاله خمسة: وهم رجال الحديث الأول، مرّ محلهم هناك، إلاّ شيخ البخاري حفص بن عمر مرّ في الثالث والثلاثين من الوضوء. ثم قال المصنف:
следующие страницы →