Полный текст (6 753 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.
стр. 4936
كافر فلم أسجد، فلا أسمعها من أحدٍ إلاَّ سجدت فيها.
وأخرج هذا الحديث أحمد في مسنده، والنسائي له أحاديث في مسلم عن حفصة أم المؤمنين في صلاة السبحة قاعدًا. روى عنه أولاده جعفر وكثيِّر وعبد الرحمن وحفيده أبو سفيان بن عبد الرحمن.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والسماع والقول، ورواته بين بصري وواسطي وكوفي، رواه البخاري أيضًا في هذا الباب، وفي المبعث وفي المغازي والتفسير، ومسلم وأبو داود في الصلاة، والنسائي فيها، وفي التفسير. ثم قال المصنف:
стр. 4937
باب سجدة تنزيل السجدة
قال ابن بطال: أجمعوا على السجود فيها وإنما اختلفوا في السجود فيها في الصلاة.
الحديث الثاني
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْجُمُعَةِ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةَ وَ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ﴾.
هذا الحديث قد مرّ استيفاء الكلام عليه عند ذكره في باب ما يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة من كتاب الجمعة.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرَّ محمد بن يوسف الفريابي في العاشر من العلم، ومرَّ سفيان الثوري في السابع والعشوين من الإيمان، ومرّ عبد الرحمن بن هرمز في السابع منه، وأبو هريرة في الثاني منه، وسعد بن إبراهيم في السابع والأربعين من الوضوء. وهذا الحديث قد مرَّ في صلاة الفجر ومرّ الكلام عليه هناك ثم قال المصنف:
стр. 4938
باب سجدة ص
الحديث الثالث
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو النُّعْمَانِ قَالاَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: (ص) لَيْسَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا.
قوله: "ص ليس من عزائم السجود" يعني السجود في "ص" إلخ والمراد بالعزائم: ما وردت العزيمة على فعله كصيغة الأمر مثلًا، بناء على أن بعض المندوبات آكد من بعض عند مَنْ لا يقول بالوجوب. وقد روى ابن المنذر وغيره عن علي بن أبي طالب بإسناد حسن: أن العزائم: حم، والنجم، واقرأ، وآلم تنزيل، وكذا ثبت عن ابن عباس في الثلاثة الأخر. وقد مرّ في الترجمة زيادة في معنى العزائم، وفي عددها.
وقوله: "وقد رأيت رسول الله ﷺ يسجد فيها"، وفي تفسير "ص" عند المصنف عن مجاهد قال: سألت ابن عباس من أين سجدت في "ص". ولابن خزيمة من هذا الوجه: "من أين أخذت سجدة ص". ثم اتفقا فقال: ومن ذريته داود وسليمان إلى قوله: "فبهداهم اقتده" ففي هذا أنه استنبط مشروعية السجود فيها من الآية، وفي الأول أنه أخذه من النبي ﷺ ولا تعارض بينهما، لاحتمال أن يكون استفاده من الطريقين.
وقد وقع في أحاديث الأنبياء عن مجاهد في آخره، فقال ابن عباس: نبيكم ممن أمر أن يقتدى بهم، فاستنبط وجه سجود النبي فيها من الآية، وسبب ذلك كون السجدة التي في "ص"، إنما وردت بلفظ الركوع، فلولا التوقيف ما ظهر أن فيها سجدة. وفي النسائي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا سجدها داود توية، ونحن نسجدها شكرًا. فاستدل الشافعي بقوله: "شكرًا" على أنه لا يسجد فيها في الصلاة؛ لأن سجود الشاكر لا يشرع داخل الصلاة. ولأبي داود وابن خزيمة والحاكم عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قرأ وهو على المنبر، فلما بلغ السجدة نزل، فسجد، وسجد الناس معه. ثم قرأها في يوم آخر، فتهيأ الناس للسجود فقال: "إنما هي توية نبي ولكني رأيتكم تهيأتم"، فنزل وسجد، وسجدوا معه، فهذا السياق يشعر بأن السجود فيها لم يؤكد كما أكد في غيرها.
واستدل بعض الحنفية من مشروعية السجود عند قوله: "وخرّ راكعًا وأناب" بأن الركوع عندها
стр. 4939
ينوب عن السجود، فإن شاء المصلي ركع بها، وإن شاء سجد. ثم طرده في جميع سجدات التلاوة. وبه قال ابن مسعود. وعندنا معاشر المالكية لا ينوب عنها ركوع لا في الصلاة ولا خارجها، وإن كان في الصلاة وتركها وقصد الركوع، صح ركوعه، وكره فعله. وإن قصد تأديتها بالركوع ففي بطلان صلاته قولان، وسجدة "ص" عند المالكية والحنفية من العزائم، وعند الشافعي ليست من العزائم، وإنما هي سجدة شكر تستحب في غير الصلاة، وتحرم فيها على الأصح؛ لأن سجود الشكر لا يشرع داخل الصلاة فإن سجد فيها عمدًا عالمًا بتحريمها بطلت صلاته بخلاف فعلها سهوًا أو جهلًا للعذر لكنه يسجد للسهو، ولو سجدها إمامه باعتقادٍ منه، كحنفي لم يتبعه بل يفارقه أو ينتظره قائمًا، وإذا انتظره لا يسجد للسهو على الأصح؛ لأن المأموم لا سجود لسهوه، أي: لا سجود عليه في فعلٍ يقتضي سجود السهو؛ لأن الإِمام يتحمله عنه، فلا يسجد لانتظاره، ووجه السجود أنه يعتقد أن إمامه زاد في صلاته جاهلًا، وأن السجود توجه عليها، فإذا لم يسجد الإِمام سجد المأموم. قاله القسطلاني. وعن أحمد كالمذهبين والمشهور منهما كقول الشافعي، وقال الزهري: كنت لا أسجد في "ص" حتى حدّثني السائب أن عثمان سجد فيها، وعن سعيد بن جبير أن عمر رضي الله تعالى عنه كان يسجد في "ص"، وعن أبي الدرداء سجدت مع النبي ﷺ في "ص"، وعن عقبة بن عامر فيها السجود. وسجد فيها الحسن والنعمان بن بشير ومسروق، وكونها توبة لا ينافي كونها عزيمة، وسجدها داود توبة، ونحن نسجدها شكرًا لما أنعم الله على داود ﵇ بالغفران والوعد بالزلفى وحسن المآب. وهذه نعمة عظيمة في حقنا فكانت سجدة تلاوة؛ لأن سجدة التلاوة ما كان سببها التلاوة، وسبب هذه السجدة تلاوة هذه الآية التي فيها الإخبار عن هذه النِعَمْ على داود ﵇ وإطماعنا في نيل مثله.
رجاله ستة:
قد مرّوا، مرّ سليمان بن حرب في الرابع عشر من الإيمان، وأبو النعمان في الحادي والخمسين منه، وحمّاد بن زيد في الرابع والعشرين منه، وأيوب في التاسع منه، وعكرمة في السابع عشر من العلم، وابن عباس في الخامس من بدء الوحي.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول. أخرجه البخاري أيضًا في أحاديث الأنبياء، وأبو داود، والترمذي في الصلاة، والنسائي في التفسير. ثم قال المصنف:
стр. 4940
باب سجود النجم
قاله ابن عباس عن النبي ﷺ أي: هذا باب في بيان السجود التي في سورة "النجم". وقوله: "قاله ابن عباس"، أي: رواه، أو حكاه، وتذكير الضمير باعتبار السجود وحديثه يأتي في الباب الذي عقب هذا الباب، وابن عبّاس مرّ الآن.
الحديث الرابع
حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ سُورَةَ النَّجْمِ فَسَجَدَ بِهَا، فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنَ الْقَوْمِ إِلاَّ سَجَدَ، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ كَفًّا مِنْ حَصًى أَوْ تُرَابٍ، فَرَفَعَهُ إِلَى وَجْهِهِ وَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا.
وهذا الحديث قد مرّ في أول أبواب السجود، ومرّ الكلام عليه هناك، واستدل به على أن مَنْ وضع جبهته على كفه ونحوه لا يعد ساجدًا حتى يضعها بالأرض، وفيه نظر؛ لأن الكافر لا سُجُودَ له مطلقاً.
رجاله خمسة:
وهم رجال الحديث الأول، مرّ محلهم هناك، إلاّ شيخ البخاري حفص بن عمر مرّ في الثالث والثلاثين من الوضوء. ثم قال المصنف:
стр. 4941
باب سجود المسلمين مع المشركين والمشرك نجس ليس له وضوء
قال ابن التين: روينا قوله: "نَجَس" بفتح النون والجيم، ويجوز كسرها، وقال الفراء: تسكن الجيم إذا ذكرت اتباعًا في قوله: "رجس نجس" ثم قال: وكان ابن عمر يسجد على غير وضوء، كذا للأكثر، وفي رواية الأصيلي بحذف غير، وإثباتها أولى لما رواه ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير قال: كان بن عمر ينزل عن راحلته فيهريق الماء، ثم يركب. فيقرأ السجدة ثم يسجد وما يتوضأ. وأما ما رواه البيهقي بإسناد صحيح: من نافع عن ابن عمر قال: لا يسجد الرجل إلاَّ هو طاهر، فيجمع بينه وين الأول بأنه أراد بقوله: "طاهر" الطهارة "الكبرى" أو الثاني على حالة الاختيار، والأول على الضرورة، ولم يوافق ابن عمر أحد على جواز السجود بلا وضوء إلا الشعبي. أخرجه ابن أبي شيبة عنه بسند صحيح، وأخرج أيضًا بسند حسن عن أبي عبد الرحمن السُلمي قال: كان يقرأ السجدة، وهو على غير وضوء، وعلى غير القبلة وهو يمشي يومىء برأسه إيماءً. ثم يسلّم. وإلى هذا ذهب ابن حزم فقال: إنها تسجد للقبلة، ولغير القبلة، وعلى طهارة وعلى غير طهارة.
وقد اعترض ابن بطال على هذه الترجمة بأن البخاري إن أراد الإحتجاج لابن عمر بسجود المشركين، فلا حجة له فيه؛ لأن سجودهم لم يكن على وجه العبادة، وإنما كان لما يلقى الشيطان إلى آخر كلامه. قال: وإن أراد الرد على ابن عمر بقوله: "والمشرك نجس" فهو أشبه بالصواب وأجاب ابن رشيد بأن مقصود البخاري تأكيد مشروعية السجود بأن المشرك قد أقر على السجود، وسمّى الصحابي فعله سجودًا، مع عدم أهليته، فالمتأهل لذلك أحرى أن يسجد على كل حالة، ويؤيده أن في حديث ابن مسعود أن الذي ما سجد عوقب بأن قتل كافرًا، فلعل من وفق للسجود يومئذٍ ختم له بالحسن فأسلم لبركة السجود، وفيما قاله نظر؛ لأن تركهم على سجودهم، لا يُسمّى تقريرًا؛ لأنهم كفار، وفي ذلك الوقت النبي ﷺ لا طاعة له عليهم، حتى يكون مقررًا، وتسمية الصحابي فعلهم سجودًا إنما هو بالنظر إلى الصورة مع علمه بأن سجودهم كلا سجود؛ لأن الطاعة متوقفة على الإيمان.
وقوله: "ولعل جميع من سجد وفق" إلخ ظن وتخمين، فلا ينبني عليه حكم، ويحتمل أن يجمع بين الترجمة، واثر ابن عمر بأنه يبعد في العادة بأن يكون جميع مَنْ حضر من المسلمين كانوا عند قراءة الآية على وضوء؛ لأنهم لم يتأهبوا لذلك، وإذا كان كذلك فمن بادر منهم إلى السجود خوف الفوات بلا وضوء. وأقره النبي ﷺ بذلك على جواز السجود بلا وضوء عند وجود المشقة
стр. 4942
بالوضوء، ويؤيده أن لفظ المتن عند ابن عباس "وسجد معه المسلمون والمشركون والإِنس والجن". فسوّى ابن عباس في نسبة السجود بين الجميع، وفيهم مَنْ لا يصح منه الوضوء، فيلزم أن يَصح السجود ممن كان بوضوء، وممن لم يكن بوضوء. قلت: سجدة التلاوة عند المالكية يشترط لها ما يشترط للصلاة من طهارة، وستر عورة، واستقبال قبلة. وابن عمر مرّ في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه.
الحديث الخامس
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ بِالنَّجْمِ وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ.
قوله: "سجد بالنجم" زاد الطبراني في "الأوسط" من هذا الوجه بمكة، فأفاد اتحاد قصة ابن عباس وابن مسعود. وهذا الحديث تقدمت مباحثه عند الحديث الأول واستدل به أبو حنيفة والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وابن وهب وابن حبيب المالكيان على أن سورة النجم فيها سجدة.
وقال سعيد بن جبير وابن المسيب والحسن البصري وطاووس وعكرمة ومالك ليس في سورة النجم سجدة، واحتجوا بحديث زيد بن ثابت الآتي في الباب الثاني لهذا. وسيأتي ما أجابوا به عنه، واستُنبط منه أن رؤية الإنس للجن لا تنكر، وأنكرتها المعتزلة. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ مع قوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾. وأجاب أهل السنة بأن هذا خُرِّج مخرج الغالب في عدم رُؤية الإنس الجن أو الشياطين.
وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة رؤية النبي ﷺ الشيطان الذي أراد أن يقطع عليه صلاته، وأنه خنقه حتى وجد برد لسانه إلخ. ورؤية أبي هريرة له لمّا دخل ليسرق تمر الصدقة. وقد نص الله في كتابه على عمل العين لسليمان ﵇ ومخاطبتهم له في قوله تعالى: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾. فمثل هذا لا يُنكر مع تصريح القرآن به، وثبوته في الأحاديث الصحيحة.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرَّ مسدد في السادس من الإيمان، ومرّ محل أيوب وعكرمة وابن عباس في الذي قبله بحديث، ومرّ عبد الوارث في السابع عشر من العلم، أخرجه البخاري أيضًا في التفسير ومسلم في الصلاة. ثم قال: ورواه إبراهيم بن طهمان عن أيوب، وهذه المتابعة أخرجها الإِسماعيلي من حديث حفص عنه بلفظ: أنه قال حين نزلت السورة التي يذكر فيها النجم سجد لها الإنس والجن، وقد مرّ إبراهيم في التاسع والعشرين من الغسل، ومرَّ محل أيوب في الحديث نفسه. ثم قال المصنف:
стр. 4943
باب مَنْ قرأ السجدة ولم يسجد
الحديث السادس
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ عَنِ ابْنِ قُسَيْطٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَأَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ﵁ فَزَعَمَ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالنَّجْمِ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا.
احتج بهذا الحديث جمهور المالكية، وأبو ثور، ومن مرّ عند الحديث السابق القائلون أن النجم لا سجود فيها، وجعلوه دالاً على نسخ السجود الواقع بمكة في والنجم؛ لأن هذا مدني. وحديث السجود مكي. وما مرَّ عند الترجمة من الأحاديث المذكور فيها السجود في سورة النجم لا يعارض هذا الحديث، لصحته عنها. وأجاب عنه القائلون بالسجود فيها: بأن ترك السجود فيها في هذه الحالة لا يدل على تركه مطلقًا؛ لاحتمال أن يكون السبب في الترك إذ ذاك إما لكونه كان بلا وضوء، أو لكون الوقت وقت كراهة، أو لكون القارىء كأن لم يسجد كما يأتي، أو ترك حينئذٍ لبيان الجواز. وهذا أرجح الاحتمالات، وبه جزم الشافعي؛ لأنه لو كان واجبًا لأمرة بالسجود ولو بعد ذلك. واتفق ابن أبي ذئب ويزيد بن خصيفة على هذا الإِسناد، على ابن قسيط، وخالفهما أبو صخرٍ فرواه عن ابن قسيط عن خارجة بن زيد عن أبيه. أخرجه أبو داود والطبراني، فإن كان محفوظًا حمل على أنَّ لابن قسيط فيه شيخين، وزاد أبو صخر في روايته، وصليت خلف عمر بن عبد العزيز، وأبي بكر بن حزم، فلم يسجدا فيها.
وقوله: "أنه سأل زيد بن ثابت" حذف المسؤول عنه ظاهر السياق يوهم أن المسؤول عنه السجود في النجم، وليس كذلك.
وقد بينه مسلم عن علي بن حجر وغيره عن إسماعيل بن جعفر بهذا الإِسناد فقال: سألت زيد بن ثابت عن القراءة مع الإِمام فقال: لا قراءة مع الِإمام في شيء، وزعم أنه قرأ النجم. الحديث. قال في "الفتح": فحذف المصنف الموقوف؛ لأنه ليس من غرضه في هذا المكان، ولأنه لا يخالف زيد بن ثابت في ترك القراءة خلف الإمام، وفاقًا لمن أوجبها من كبار الصحابة، تبعًا للحديث الصحيح الدال على ذلك. وفي هذا الكلام رد؛ لأن الظاهر أن المسؤول عنه السجود في النجم؛ لأن حسن تركيب الكلام أن يكون بعضه ملتئمًا بالبعض، ورواية البخاري هكذا تقتضي ذلك أو رواية عن قسيط عن عطاء بن يسار أنه أخبره أنه سأل زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه عن
стр. 4944
القراءة مع الإِمام فقال: لا قراءة مع الإمام في شيء وزعم أنه قرأ على رسول الله ﷺ والنجم إذا هوى فلم يسجد ففي مسلم إجابة زيد بن ثابت عمّا سأله عنه عطاء بن يسار وأفاد بفائدة أخرى زائدة على ما سأله فرواية البخاري إما وقعت مختصرة أو كان سؤال عطاء ابتداء عن سجدة النجم فأجاب عن ذلك مقتصرًا عليه وكلا الوجهين جائزان وأما ما قاله من كونه حذف الموقوف لكونه ليس من غرضه في هذا المكان فبقيد لأنه ليس من عادة البخاري التصرف في متن الحديث بالزيادة والنقصان لأجل غرضه أو قوله، فزعم أراد أخبر، والزعم يطلق على المحقق قليلًا كهذا وعلى المشكوك كثيرًا، وقد تكرر ذلك، ومن شواهده قول الشاعر:
على الله أرزاق العباد كما زعم
ويحتمل أن يكون زعم في الشعر، بمعنى ضمن، ومنه الزعيم غارم أي: الضامن.
قلت: هذا الحديث يمكن عندي أن يكون هو دليل المالكية في اشتراطهم كون المستمع لا بد أن يكون قاصدًا التعليم باستماعه من القارىء. أمّا القرآن وأحكامه من ادغام وإظهار ونحوهما من التجويد. والشعبي ﵊ معلّم لزيد، وعندهم قولان في المعلم: هل يسجد أم لا؟ والمشهور عندهم أنه يسجد عند أول مرة، ويكون هذا الحديث هو منشأ الخلاف مع ما يعارضه من الأحاديث. ويشترط عند المالكية في سجود التلاوة أن يكون الساجد متلبسًا بشرط الصلاة، من طهارة، وستر عورة واستقبال. ويشترط في سجود السامع له أن يكون مستمعًا لا سامعًا من غير استماع، وأن يكون القارىء صالحًا للإِمامة في الجملة، بأن يكون ذَكرًا بالغًا محققًا عاقلًا، فلا يسجد مستمع قراءة أضدادهم، وأن لا يكون القارىء قرأ ليسمع الناس حسن قراءته، وإلا فلا يسجد المستمع له، لما دخل قراءته من الرياء، فلم يكن أهلا للإقتداء به. وقد مرَّ قريبًا أن المستمع لابد أن يكون قاصدًا التعليم، وإذا حصلت الشروط سجد المستمع، ولو ترك القارىء السجود على المشهور؛ لأن تركه لا يسقط مطلوبية الآخر به. وهذا في غير الصلاة، وأما فيها فيتجه على تركه بلا خلاف، وتبطل صلاته بفعلها دون إمامة دون العكس، وقولي سابقًا في الجملة: ليدخل ما إذا كان القارىء غير متوضىء فإن مستمعه يسجد على قول، وقيل لا يسجد وهو المعتمد وليدخل سجود مستمع غير عاجز من متوضىء، عاجز عن ركن، ومستمع مكروه الإِمامة، وكذا من فاسق بجارحة. على المعتمد. وشهر بعض المالكية أن القارىء أيضًا إذا كان قاصدًا إسماع حسن صوته للناس لا يسجد، كالمستمع. وتأتي زيادة من غير المالكية في باب مَنْ لم يجد موضعًا للسجود، واستدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن المستمع لا يسجد إلاَّ إذا سجد القارىء لآية السجود. وهو قول عند المالكية، وبه قال أحمد وإليه ذهب القفال.
وقال الشيخ أبو حامد: والبغداديون يسجد المستمع وإن لم يسجد القارىء. وهو ما مرّ عن المالكية، واستدل به البيهقي وغيره على أن السامع لا يسجد ما لم يكون مستمعًا قال: وأصح الوجهين واختاره إمام الحرمين. وهو قول المالكية كما مرَّ، والحنابلة. وقال الشافعي في مختصر
стр. 4945
البويطي لا أؤكده عليه كما أؤكده على المستمع. وإن سجد فحسن. ومن تعليقات البخاري قال عثمان: إنما السجود على مَنْ استمع. ومذهب أبي حنيفة وجوبه على السامع والمستمع والقارىء، ولا يسقط عن أحدهما بترك الآخر، وروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن عمر أنه قال: السجدة على مَنْ سمعها، واحتج بهذا الحديث مَنْ قال بعدم وجوب السجدة، وهو الشافعي وأحمد وإسحاق وداود والأوزاعي والليث. فهي عند هؤلاء من السنن الموكدة. واستدلوا على تأكيدها بحديث ابن عمر عند أبي داود والحاكم أن النبي ﷺ كان يقرأ علينا القرآن فإذا مرّ بالسجدة كبّر فسجد وسجدنا معه. وعند المالكية فيها خلاف هل هي سنة أو فضيلة؟ قولان مشهوران. واحتج القائلون بعدم الوجوب أيضًا بحديث عمر الآتي إن الله لم يفرض علينا السجود إلاّ أن نشاء، فهذا ينفي الوجوب. وقد قال عمر هذا القول والصحابة حاضرون والإجماع السكوتي حجة. وأجاب بعض الحنفية القائلين بوجوله على ما يأتي قريبًا عن قوله: لم يفرض علينا بأنّ نفي الفرض لا يستلزم نفي الوجوب على قاعدتهم في التفرقة بين الفرض والواجب. وتعقب بأنه اصطلاح لهم حادث، وما كان الصحابة يفرقون بينهما، ويغني عن هذا قول عمر: ومن لم يسجد فلا إثم عليه. واستدل بقوله: إلاّ أن نشاء، على أن المرء غير في السجود، فيكون ليس بواجب. وأجاب من أوجبه بأن المعنى إلا أنْ نشاء قراءتها، فيجب ولا يخفى بعده، ويرده تصريح عمر بقوله: ومن لم يسجد فلا إثم عليه، فإن انتفاء الإثم عمن ترك الفعل اختيارًا يدل على عدم وجوبه، واحتجوا أيضًا بحديث الأعرابي هل عليّ غيرها قال: "لا إلاَّ أن تطوع" أخرجه الشيخان. وبحديث سلمان رضي الله تعالى عنه أنه دخل المسجد وفيه قوم يقرؤون فقرؤوا السجدة فسجدوا فقال له صاحبه: يا أبا عبد الله لولا أتينا هؤلاء القوم، فقال: ما لهذا غدونا. رواه ابن أبي شيبة، ويأتي تعليقًا عند البخاري قريبًا.
ومن الأدلة على عدم وجولها أيضًا، ما أشار إليه الطحاوي من أن الآيات التي في سجود التلاوة منها ما هو بصيغة الخبر، ومنها ما هو بصيغة الأمر. وقد وقع الخلاف في التي بصيغة الأمر هل فيها سجود أم لا؟ وهي ثانية الحج وخاتمة النجم واقرأ. فلو كان سجود التلاوة واجبًا لكان ما ورد بصيغة الأمر أولى أن يتفق على السجود فيه مما ورد بصيغة الخبر. وحمل هؤلاء الأمر في قوله: اسجدوا على الندب، وعلى أن المراد به سجود الصلاة أو في الصلاة المكتوبة على الوجوب وفي سجود التلاوة على الندب على قاعدة الشافعي ومَنْ وافقه في حمل المشترك على معنييه.
وذهب أبو حنيفة إلى وجوبها على التالي والسامع سواءً قصد سماع القرآن أو لم يقصد، واستدل صاحب الهداية على الوجوب بقوله ﵊: "السجدة على مَنْ سمعها السجدة على مَنْ تلاها". ثم قال كلمة على للإيجاب. والحديث غير مقيد بالقصد، وهذا غريب لم يثبت، واستدلوا بالآيات: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾، ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾. فقالوا الذم لا يتعلق إلا بترك واجب، والأمر في الآيتين للوجوب. وقد مرّ قريبًا الجواب عن هذا. وروى ابن أبي شيبة عن إبراهيم ونافع وسعيد بن
стр. 4946
جبير أنهم قالوا: من سمع السجدة فعليه أن يسجد. وعن إبراهيم بسند صحيح: إذا سمع الرجل السجدة وهو يصلي فليسجد. وعن الشعبي: كان أصحاب عبد الله إذا سمعوا السجدة سجدوا، في الصلاة كانوا أو غيرها. وحدّث شعبة عن إبراهيم أنه كان يقول في الجنب إذا سمع السجدة يغتسل، ثم يقرؤها ويسجدها، فإن كان لا يحسنها قرأ غيرها، ثم سجد، إلى غير هذا من الآثار.
رجاله ستة:
قد مرّوا إلاَّ ابن قسيط، مرّ أبو الربيع سليمان وإسماعيل بن جعفر في السادس والعشرين من الإيمان، وعطاء بن يسار في الثاني والعشرين منه، ومرّ يزيد بن خصيفة في الثالث والسبعين من استقبال القبلة، ومرَّ زيد بن ثابت في تعليق بعد الثاني والعشرين من كتاب الصلاة، وابن قسيط هو يزيد بن عبد الله بن قسيط بن أسامة بن عمير الليثي أبو عبد الله المدني الأعرج، ذكره ابن حِبّان في الثقات. وقال النسائي: ثقة. وقال ابن معين: لا بأس به. وقال ابن عدي: مشهور عندهم وهو صالح الروايات. وقال ابن إسحاق: حدّثني يزيد بن قسيط، وكان فقيهًا ثقة، وكان ممن يستعان به في الأعمال لأمانته وفقهه، وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث ربما أخطأ. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي لأن مالكًا لم يرضه، وتعقب ابن عبد البر كلامه فقال: إن مالكًا قد احتج به في مواضع من الموطأ، وهو ثقة من الثقات. قال في "المقدمة": ليس له في البخاري إلاَّ حديثه عن عطاء بن يسار في ترك السجود في سورة النجم، وقد رواه أبو داود عن ابن قسيط عن خارجة، فيكون لابن قسيط فيه شيخان.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإخبار بالجمع والإفراد والعنعنة والسؤال. ورواته كلهم مدنيون، ما عدا شيخ البخاري فإنه بصري أخرجه البخاري في سجود القرآن أيضًا، ومسلم في الصلاة، وكذلك أبو داود والترمذي والنسائي.
الحديث السابع
حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالنَّجْمِ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا.
ومباحث هذا الحديث مرّت في الذي قبله.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ محل ابن يسار وزيد بن ثابت في الذي قبله، ومرّ فيه ابن قسيط، ومرّ آدم بن أبي إياس في الثالث من الإيمان، ومرّ ابن أبي ذيب في الستين من العلم. ثم قال المصنف:
стр. 4947
باب سجدة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾
الحديث الثامن
حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ وَمُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالاَ: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَرَأَ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فَسَجَدَ بِهَا فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَلَمْ أَرَكَ تَسْجُدُ؟ قَالَ: لَوْ لَمْ أَرَ النَّبِيَّ ﷺ يَسْجُدُ لَمْ أَسْجُدْ.
وقوله: "فسجد بها" الباء للظرفية، وفي رواية الكشميهني فيها. وقول أبي سلمة: "ألم أرك تسجد". قيل هو استفهام إنكار من أبي سلمة يشعر بأن العمل استمر على خلاف ذلك، ولذلك أنكره أبو رافع كما يأتي بعد ثلاثة أبواب، وهذا فيه نظر، وعلى التنزيل، فيمكن أن يتمسك به مَنْ لا يرى السجود بها في الصلاة، أمّا تركها مطلقًا فلا، ويدل على بطلان المدعى أن أبا سلمة وأبا رافع لم ينازعا أبا هريرة، بعد أن أعلمهما بالسنة في هذه المسألة، ولا احتجا عليه بالعمل، على خلاف ذلك. قال ابن عبد البر: وأي عمل يدعى مع مخالفة النبي ﷺ والخلفاء الراشدين بعده.
رجاله ستة:
قد مرّوا، مرَّ مسلم بن إبراهيم في السابع والثلاثين من الإيمان، وكذلك هشام، ومرّ أبو هريرة في الثاني منه، ومرّ معاذ بن فضالة في التاسع عشر من الوضوء ومرّ يحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من العلم، وأبو سلمة في الرابع من بدء الوحي.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول والرؤية، والثلالة الأُول بصريون، والرابع يماني، والباقيان مدنيان. أخرجه مسلم وأصحاب السنن من طرق كثيرة. ثم قال المصنف:
стр. 4948
باب مَنْ سجد لسجود القارىء
قال ابن بطال: أجمعوا على أنَّ القارىء إذا سجد لزم المستمع أن يسجد، لكن ذلك مشروط عند كثير من العلماء بقصد الاستماع كما مرّ. وفي الترجمة إشارة إلى أن القارىء إذا لم يسجد لم يسجد السامع، وقد مرَّ ما في هذا مستوفى. ثم قال: وقال ابن مسعود لتميم بن حذلم وهو غلام فقرأ عليه سجدة فقال: اسجد فإنك إمامنا فيها. قوله: "إمامنا" زاد الحموي فيها، ولفظ تميم بن حذلم قرأت القرآن على عبد الله وأنا غلام فمررت بسجدة فقال عبد الله: أنت إمامنا فيها. وقد رُوي مرفوعًا أخرجه ابن أبي شيبة عن زيد بن أسلم: أن غلامًا قرأ عند النبي ﷺ السجدة فانتظر الغلام النبي ﷺ أن يسجد، فلما لم يسجد قال: يا رسول الله أليس في هذه السجدة سجود؟ قال: "بلى ولكنك كنت إمامنا فيها ولو سجدت لسجدنا". رجاله ثقات، إلاَّ أنه مرسل.
وقد روي عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار قال: بلغني. فذكر نحوه أخرجه البيهقي عنه، وجوز الشافعي أن يكون القارىء المذكور هو زيد بن ثابت؛ لأنه يحكي أنه قرأ عند النبي ﷺ فلم يسجد، ولأن عطاء بن يسار روى الحديثين المذكورين. قلت: هذه الأحاديث فيها دلالة لقول مَنْ قال إن السامع لا يسجد إلاَّ إذا سجد القارىء كما مرّ عند حديث زيد بن ثابت مستوفي. وهذا التعليق وصله سعيد بن منصور، وابن مسعود مرَّ في الأثر الأول من الإيمان. وتميم هو ابن حذلم الضبي أبو سلمة الكوفي من أصحاب ابن مسعود، وأدرك أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما. ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال: قد قيل أن كنيته أبو حذلم، وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. علق له البخاري هذا الأثر لا غير. روى عنه إبراهيم النخعي وسماك بن سلمة الضبي، وابنه أبو الخير وغيرهم.
الحديث التاسع
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنَا السُّورَةَ فِيهَا السَّجْدَةُ، فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ، حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَوْضِعَ جَبْهَتِهِ.
قوله: "فيها السجدة" زاد علي بن مسهر في روايته ونحن معه، وقوله: "فيسجد ونسجد" زاد الكشميهني معه. وقوله: "موضع جبهته" أي: من الازدحام. كما بيَّن في الحديث الذي بعده،
стр. 4949
وزاد مسلم في رواية له: "في غير وقت صلاة"، ولم يذكر ابن عمر ما كانوا يصنعون حينئذ، ولذلك وقع فيه الاختلاف. فقد قال ابن بطال: لم أجد هذه المسألة إلاَّ في سجود الفريضة، واختلف السلف فيها فقال عمر يسجد على ظهر أخيه، وبه قال الكوفيون وأحمد وإسحاق، وقال عطاء والزهري: يؤخر حتى يرفعوا. وبه قال مالك والجمهور، وإذا كان هذا في سجود الفريضة فيجري مثله في سجود التلاوة. ووقع في الطبراني عن نافع في هذا الحديث أن ذلك كان بمكة لمّا قرأ النبي ﷺ النجم، وزاد فيه: "حتى سجد الرجل على ظهر الرجل" والذي يظهر أن هذا الكلام وقع من ابن عمر على سبيل المبالغة في أنه لم يبق أحد إلا سجد، وسياق حديث الباب يشعر بأن ذلك وقع مرارًا، فيحتمل أن تكون رواية الطبراني بينت مبدأ ذلك، ويؤيد حديث المسور بن مخرمة المتقدم عند الحديث الأول من هذه الأبواب. وقد استدل به البخاري على السجود لسجود القارىء وعلى الازدحام على ذلك.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرَّ مسدد ويحيى القطان في السادس من الإيمان، وابن عمر في أوله قبل ذكر حديث منه، وعبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم في أثر بعد الخامس من العلم، ومرّ نافع في الأخير منه. ثم قال المصنف:
стр. 4950
باب ازدحام الناس إذا قرأ الإِمام السجدة
أي: لضيق المكان وكثرة الساجدين.
الحديث العاشر
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ آدَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ السَّجْدَةَ وَنَحْنُ عِنْدَهُ فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ مَعَهُ فَنَزْدَحِمُ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا لِجَبْهَتِهِ مَوْضِعًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ.
قوله: "بشر بن آدم" هو الضرير. ويأتي تعريفه قريبًا في السند، ورجح ابن عدي أنه بشر بن آدم بن يزيد البصري، وهو ابن أخت أزهر السمان، وفي كل منهما مقال، وعلى كل تقدير فلم يخرج له إلاَّ في المتابعات، وسيأتي من طريق أخرى بعد بابين، ووافقه على هذه الرواية عن علي بن مسهر سويد بن سعيد. أخرجه الإسماعيلي وقد مرّت مباحث هذا الحديث في الذي قبله.
رجاله خمسة:
قد مرّوا إلاّ شيخ البخاري. مرَّ علي بن مسهر في الرابع والمائة من استقبال القبلة، ومرّ عبيد الله العمري في الرابع عشر من الوضوء، ومرّ نافع في الأخير من العلم، وابن عمر ذُكر في الذي قبله محله. وشيخ البخاري هو بشر بن آدم الضرير أبو عبد الله البغدادي، وهو الأكبر، بصري الأصل، ذكره ابن حِبّان في الثقات. وقال أبو حاتم: صدوق، وقال محمد بن سعد: سَمع سماعاً كثيرًا، ورأيت أصحاب الحديث يتقون كتابه، والكتابة عنه. وقال الدارقطني: ليس بالقوي، ولعله عني الأصغر. قال في المقدمة: روى عنه البخاري حديثًا واحدًا في سجود القرآن. وأخرجه من وجهين آخرين. وروى له ابن ماجه. روى عن علي بن مسهر وعيسى بن يونس وحمّاد بن زيد وغيرهم، وروى عنه البخاري، وروى له ابن ماجه بواسطة. وروى عنه إبراهيم الحربي والدوري وغيرهم، ولد سنة خمس وخمسين ومائة، ومات في ربيع الأول سنة ثمانية عشر ومائتين. وفي طبقة هذا بشر بن آدم بن يزيد الأصغر، لم يرو عنه البخاري. ثم قال المصنف:
стр. 4951
باب مَنْ قال: أن الله لم يوجب السجود
الكلام على ما في هذا الباب قد مرّ في "باب مَنْ قرأ السجدة ولم يسجد" عند حديث زيد بن ثابت. ثم قال: وقيل لعمران بن حصين: الرجل يسمع السجدة، ولم يجلس لها قال: أرأيت لو قعد لها. كأنّه لا يوجبه عليه، ولفظ مطرت: سألت عمران بن حصين عن الرجل لا يدري أَسمع السجدة أو لا؟ فقال: وسمعها أو لا فماذا؟ وروى عبد الرزاق من وجه آخر عن مطرف أنَّ عمران مرّ بقاص فقرأ القاص السجدة، فمضى عمران ولم يسجد معه. إسنادهما صحيح.
وقوله: "لو قعد لها" جواب لو محذوف يعني: لا يجب عليه شيء. وقوله: كأنه لا يوجبه عليه من كلام البخاري. أي: كان عمران لا يوجب السجود على الذي قعد لها للاستماع، فإذا لم يوجب على المستمع فعدمه على السامع بالطريق الأولى.
وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة من طريق مطرف، مرّ عمران بن حصين في الحادي عشر من التيمم. ثم قال: وقال سلمان: ما لهذا غدونا أي: ما غدونا لأجل السماع. فكأنه أراد بيان أنا لم نسجد لأنا ما كنا قاصدين السماع. وهذا طرف من أثر، وصله عبد الرزاق من طريق أبي عبد الرحمن السُّلمي قال: مرّ سلمان على قوم قعود فقرأوا السجدة، فسجدوا. فقيل له، فقال: ليس لهذا غدونا. وإسناده صحيح. وسلمان مرّ في الحادي والثلاثين من الجمعة. ثم قال: وقال عثمان ﵁: إنما السجدة على مَنْ استمعها. قوله على مَنْ استمعها يعني: لا على السامع. والفرق بينهما أن المستمع مَنْ كان قاصدًا للسماع مصغيًا إليه. والسماع مَنْ اتفق سماعه من غير القصد إليه. وهذا وصله عبد الرزاق عن معمر وابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور من طريق قتادة بلفظ: إنما السجدة على مَنْ جلس لها واستمع. ولفظ رواية معمر أن عثمان مرَّ بقاص فقرأ سجدة ليسجد معه عثمان. فقال عثمان: إنما السجود على مَنْ استمع، فمضى عثمان ولم يسجد. وعثمان مرَّ في تعليق بعد الخامس من العلم. ثم قال: وقال الزهري: لا يسجد إلاَّ أن يكون طاهرًا، فإذا سجدت وأنت في حضر فاستقبل القبلة، فإن كنت راكبًا فلا عليك حيث كان وجهك.
وقوله: "إلاَّ أن يكون طاهرًا" يدل على أن الطهارة شرط لأداء سجدة التلاوة. وفيه خلاف ابن عمر والشعبي. كما مرَّ عند حديث زيد بن ثابت. قيل ليس بدال على عدم الوجوب؛ لأن المدعي يقول علق فعل السجود من القارىء والسامع على شرط، وهو وجود الطهارة، فحيث وجد الشرط لزم، لكن موضع الترجمة من هذا الأثر قوله: فإن كنت راكبًا فلا عليك حيث كان وجهك. لأن هذا
стр. 4952
دليل النفل، والواجب لا يؤدي على الدابة في الأمن. قال الكرماني: قوله: راكبًا أي: في السفر بقرينة كونه قسيمًا لقوله في حضر، والركوب كناية عن السفر؛ لأن السفر مستلزم له. وهذا وصله عبد الله بن وهب عن يونس عنه. والزهري مرَّ في الثالث من بدء الوحي. ثم قال: وكان السائب بن يزيد لا يسجد لسجود القَاصّ، والقاص بالقاف وتشديد الصاد المهملة، الذي يقصّ على الناس الأخبار والمواعظ. ومناسبة هذه الآثار للترجمة ظاهرة لأن الذين يزعمون أن سجود التلاوة واجب لم يفرقوا بين قارىء ومستمع، وهذا الأثر قال في "الفتح": إنه لم يقف عليه موصولًا، والسائب مرّ في الخامس والخمسين من الوضوء.
الحديث الحادي عشر
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّيْمِيِّ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهُدَيْرِ التَّيْمِيِّ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ رَبِيعَةُ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ عَمَّا حَضَرَ رَبِيعَةُ مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ بِسُورَةِ النَّحْلِ حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ، حَتَّى إِذَا كَانَتِ الْجُمُعَةُ الْقَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ. وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ ﵁. وَزَادَ نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ إِلاَّ أَنْ نَشَاءَ.
قوله: "عمّا حضر ربيعة من عمر" متعلق بقوله: أخبرني أي: أخبرني راويًا عن عثمان بن عبد الرحمن عن قصة حضوره مجلس عمر وعند الإسماعيلي. عن ابن جريج أخبرني أبو بكر بن أبي مليكة أن عثمان بن عبد الرحمن التيمي أخبره عن ربيعة بن عبد الله أنه حضر عمر فذكره وكذا. أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج.
وقوله: "إنا نمر بالسجود" في رواية الكشميهني إنما. وقوله: "ومن لم يسجد فلا إثم عليه" ظاهر في عدم الوجوب. وقوله: "ولم يسجد عمر" فيه تأكيد لبيان جواز ترك السجود بغير ضرورة. وقوله: "وزاد نافع" هو مقول ابن جريج، وهو متصل بالإسناد. وقد بيَّن ذلك عبد الرزاق في مصنفه عن ابن جريج أخبرني أبو بكر بن أبي مليكة، فذكره. وقال في آخره قال ابن جريج: وزادني نافع عن ابن عمر أنه قال: لم يفرض علينا السجود إلاَّ أن نشاء. وكذلك رواه الإسماعيلي والبيهقي عن حجاج بن محمد عن ابن جريج، فذكر الإِسناد الأول قال: وقال حجّاج قال ابن جريج: وزاد نافع فذكره. وفي هذا ردٌ على الحميدي في زعمه أن هذا معلق، وكذا علم عليه المزي علامة التعليق، وهو وهم. وقد مرّت مباحثه عند حديث زيد بن ثابت.
стр. 4953
رجاله تسعة:
قد مرّوا إلاَّ ربيعة، مرّت الثلاثة الأول بهذا النسق في الثالث من الحيض، ومرَّ ابن أبي مليكة في باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله بعد الأربعين من الإيمان، ومرّ عثمان بن عبد الرحمن في الخامس والعشرين من الجمعة، ومرَّ عمر في الأول من بدء الوحي، ومرّ نافع في الأخير من العلم، وابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه، وربيعة هو ابن عبد الله بن الهُدير بضم الهاء مصغرًا، ويقال ربيعة بن الهدير بن عبد العزى بن عامر بن الحارث بن حارثة بن سعد بن تيم بن مرة التيمي المدني، ذكره ابن حِبّان في الثقات وقال ابن سعد: ولد على عهد النبي ﷺ وكان ثقة قليل الحديث. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة من كبار التابعين. وقال الدارقطني: تابعي كبير قليل المسند. وقال ابن أبي مليكة: كان من خيار الناس. روى عن عمر بن الخطاب وطلحة وأبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهم، وروى عنه ابنا أخيه محمد وأبو بكر ابنا المنكدر وابن أبي مليكة وغيرهم. مات سنة ثلاث وتسعين.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإخبار بالجمع والإفراد والعنعنة، والقول، واثنان من الرواة ليس لهما في البخاري إلاَّ هذا الحديث ابن أبي مليكة وربيعة، وفيه ثلاثة من التابعين. وهذا الحديث من إفراد البخاري. ثم قال المصنف:
стр. 4954
باب مَنْ قرأ السجدة في الصلاة فسجد بها
أشار بهذه الترجمة إلى مَنْ كره السجدة في الصلاة المفروضة، وهو منقول عن مالك وعنه كراهته في السرية دون الجهرية. وهو قول بعض الحنفية أيضًا وغيرهم. وقد مرّ الكلام على هذا مستوفى عند حديث أبي هريرة في باب ما يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة من كتاب الجمعة.
الحديث الثاني عشر
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي بَكْرٌ عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْعَتَمَةَ فَقَرَأَ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فَسَجَدَ فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ؟ قَالَ: سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ فَلاَ أَزَالُ أَسْجُدُ فِيهَا حَتَّى أَلْقَاهُ.
وهذا الحديث مرّت مباحثه مستوفاة في باب الجهر في العشاء من صفة الصلاة، حيث ذكر هناك.
رجاله ستة:
قد مرّوا، وفيه لفظ أبي القاسم، مرَّ مسدد في السادس من الإيمان، ومرّ معتمر وأبوه سليمان في التاسع والستين من العلم، ومرَّ بكر وأبو رافع في الثالث والثلاثين من الغسل، ومرّ أبو هريرة في الثاني من الإيمان، وأبو القاسم كنيته ﷺ كني بابنه القاسم. وهو بكرُه وأول مولود ولد له، فلذلك كان يُكنى به، ولد قبل البعثة ومات صغيرًا وقيل بعد أن بلغ سن التمييز. وقال الزبير بن بكار: عاش حتى مشى، وقال ابن سعد: مات وله سنتان، وقال مجاهد: عاش سبعة أيام. وقال الفضل العلافي: عاش سبعة عشر شهرًا بعد البعثة. وأخرج يونس بن بكير عن محمد بن الحسين قال: كان القاسم قد بلغ أن يركب الدابة ويسير على النجيبة، فلما قبض. قال العاص بن وائل: لقد أصبح محمد أبتر. فنزلت: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ عِوضًا عن مصيبتك يا محمد بالقاسم. وهذا يدل على إنه مات بعد البعثة. وأخرج ابن ماجه والحربي والطيالسي عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها قال: لما مات القاسم قالت خديجة: يا رسول الله درت لبينة القاسم، فلو كان الله أبقاه حتى يتم رضاعه. قال: "كان تمام رضاعه في الجنة". وفي ابن ماجه بعد قوله: لم يستكمل رضاعه. فقالت: لو أعلم ذلك يا رسول الله لهون علي أمره. قال: "إنْ شئتِ دعوتُ الله فأسمعكِ صوته". قالت: بل صدق الله ورسوله. وهذا ظاهر جدًا في أنه مات في الإِسلام، فما رواه البخاري في
стр. 4955
"التاريخ الأوسط" عن هشام بن عروة من أنه مات قبل الإِسلام مخالف لهذا، ولأثر فاطمة بنت الحسين السابق.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والقول، ورواته كلهم بصريون، وفيه رواية الابن عن أبيه. أخرجه البخاري في الصلاة أيضًا، ومسلم في الصلاة، وكذا أبو داود والنسائي. ثم قال المصنف:
стр. 4956
باب مَنْ لم يجد موضعًا للسجود مع الإِمام من الزحام
أي: ماذا يفعل؟ وظاهر صنيع البخاري أنه يذهب إلى أنه يسجد بقدر استطاعته، ولو علي ظهر أخيه. وقد مرّ الحكم فيه في باب "مَنْ سجد لسجود القارىء" عند حديث ابن عمر. وقد مرّ عند حديث زيد بن ثابت أن شرط السجود عند المالكية أن يكون القارىء صالحًا للإمامة. وعند الحنفية لا فرق بين أن يسمعها ممن هو أهل للإمامة أو لا. كما لو سمعها من امرأة أو صبي أو كافرًا وخنثى مشكل، أو محدث.
وعند الشافعية كذلك، على ما ذكره النووي في "الروضة". وقال: هو الأصح. وعبارة الرافعي عند قول الغزالي في "الوجيز" ظاهر اللفظ يشمل قراءة المحدث والصبي والكافر، ويقتضي شرعية السجود للمستمع إلى قراءته. وحكى الرافعي عن صاحب البيان: إنه لا يسجد المستمع لقراءة المحدث، وحكى عن الطبري: إنه لا يسجد لقراءة الكافر والصبي، وحكى ابن قدامة في "المغني" عن الشافعي وأحمد وإسحاق: إنه لا يسجد لقراءة المرأة والخنثى المشكل. ورواية واحدة عن أحمد، وحكى عنه وجهين، فيما إذا كان صبيًا. وقال النووي أيضًا: إذا سمع آية السجدة من امرأة تلاها السامع، وسجدها وتكره مجاوزتها لمتطهر وقت جواز وإنْ كان محدثًا، أو الوقت وقت نهي جاوزها، وهل يجاوز محلها؟ كلفظ وأناب، أو يجاوز الآية قولان، هذا عند المالكية.
الحديث الثالث عشر
حَدَّثَنَا صَدَقَةُ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ السُّورَةَ الَّتِى فِيهَا السَّجْدَةُ فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَكَانًا لِمَوْضِعِ جَبْهَتِهِ.
هذا الحديث قد مرَّ في باب مَنْ سجد لسجود القارىء من وجه آخر. ومرّ الكلام عليه هناك.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرَّ صدقة بن الفضل في السادس والخمسين من العلم، ومرّ نافع في الأخير منه، ومرّ يحيى بن سعيد القطان في السادس من الإيمان، ومرّ ابن عمر في أوله قبل ذكر حديث منه، ومرّ عبيد الله العمري في الرابع عشر من الوضوء.
стр. 4957
خاتمة
اشتملت أبواب سجود القرآن على خمسة عشر حديثًا: اثنان منها معلقان، المكرر منها فيها، وفيما مضى تسعة، والخالص ستة، وافقه مسلم على تخريجها سوى حديثي ابن عباس في ص والنجم وحديث ابن عمر في التخيير في السجود، وفيه من الآثار عن الصحابة وغيرهم، تسعة آثار والله أعلم بالصواب. ثم قال المصنف:
стр. 4958
أبواب التقصير
ثبتت هذه الترجمة للمستملي. وفي رواية أبي الوقت أبواب تقصير الصلاة. وثبتت البسملة في رواية كريمة والأصيلي. ثم قال:
باب ما جاء في التقصير وكم يقيم حتى يقصر ؟
تقول: قَصَرت الصلاة، بفتحتين مخففًا قصرًا، وقصّرتها بالتشديد تقصيرًا، وقصرتها إقصارًا. والأول أشهر في الاستعمال، والمراد به تخفيف الرباعية إلى ركعتين. ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على أن لا تقصير في صلاة الصبح، ولا في صلاة المغرب.
قلت: مذهب مالك أن قصر الرباعية في السفر المباح واجبًا كان أو جائزًا سنة مؤكدة. وسفر المعصية أي: الذي هو بعينه معصية كالآبق وقاطع الطريق يحرم فيه القصر، وفي وجوب الإعادة وعدمه قولان: اختلف الترجيح فيهما، وأما اللاهي بسفره فقصره مكروه؛ لكراهية سفره. وفي ندب إعادته قولان، ويأتي القدر الذي تقصر فيه الصلاة قريبًا إن شاء الله تعالى. وقال النووي: ذهب الجمهور إلى إنه يجوز القصر في كل سفر مباح، وهذا هو مذهب الشافعي وأحمد، إلاَّ أن أحمد قال: إن الأفضل القصر. وأوجبه أبو حنيفة والثوري في كل سفر طاعة كان أو معصية. وقد مرّ في أول صلاة الخوف ما استدل به الفريقان. واستدلت المالكية على سنيته بمداومته ﷺ وإظهاره في جماعة، وهذا هو حقيقة السنة. وذهب بعض السلف إلى إنه يشترط في القصر الخوف في السفر، وبعضهم كونه سفر حج أو عمرة أو جهاد، وبعضهم كونه سفر طاعة. وقوله: وكم يقيم حتى يقصر في هذه الترجمة إشكال؛ لأن الإقامة ليست للقصر، ولا القصر غاية للإقامة.
وأجاب الكرماني بأن عدد الأيام المذكورة سبب لمعرفة جواز القصر فيها، ومنع الزيادة. وأجاب غيره بأن المعنى: وكم إقامته المغياة بالقصر. وحاصله كم يقيم مقصرًا. وقيل: المعنى كم يقصر حتى يقيم؟ أي: حتى يسمّى مقيمًا، فانقلب اللفظ أو حتى هنا بمعنى حين أي: كم يقيم حين يقصر؟ وقيل: فاعل يقيم هو المسافر، والمراد إقامته في بلد ما غايتها التي إذا حصلت يقصر، وقرر العيني اللفظ فقال: وكم يومًا يمكث المسافر لأجل القصر؟ فكم هنا استفهامية بمعنى أي عدد، ولا يكون تمييزه إلا مفردًا خلافًا للكوفيين، ويكون منصوبًا، ولفظه: حتى هنا للتعليل لأنها تأتي في كلام العرب لأحد ثلاثة معان: انتهاء الغاية، وهو الغالب. والتعليل وبمعنى إلاّ في الاستثناء. وهذا أقلها. ولفظة: يقيم معناها يمكث، وجواب كم محذوف تقديره تسعة عشر يومًا،
стр. 4959
كما في حديث الباب، وفي "شرح المسند" لابن الأثير: كان قصر الصلاة في السنة الرابعة من الهجرة، وفي تفسير الثعلبي قال ابن عباس: أول صلاة قصرت صلاة العصر قصرها النبي ﷺ في غزوة أنمار.
الحديث الأول
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَاصِمٍ وَحُصَيْنٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ تِسْعَةَ عَشَرَ يَقْصُرُ، فَنَحْنُ إِذَا سَافَرْنَا تِسْعَةَ عَشَرَ قَصَرْنَا، وَإِنْ زِدْنَا أَتْمَمْنَا.
قوله: "تسعة عشر" أي: يومًا بليلة. زاد في المغازي عن عاصم وحده بمكة. وقوله: "يقصر" أي: الصلاة الرباعية؛ لأنه كان مترددًا متى تهيأ له فراغ حاجته، وهو انجلاء حرب هوازن ارتحل. ويقصُر بضم الصاد، وضبطها المنذري بضم الياء وتشديد الصاد من التقضير. وقد أخرج أبو داود من هذا الوجه الحديث بلفظ: سبعة عشر. بتقديم السين على الموحدة. وله أيضًا من حديث عمران بن حصين غزوت مع رسول الله ﷺ عام الفتح فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلاَّ ركعتين.
وجمع البيهقي بين هذا الاختلاف بأن مَنْ قال تسع عشرة عدا يومي الدخول والخروج. ومَنْ قال: سبع عشرة حذفهما. ومَنْ قال: ثماني عشرة حذف أحدهما.
وأما رواية ابن إسحاق عن عبيد الله عن ابن عباس أقام رسول الله ﷺ بمكة عام الفتح خمسة عشر يومًا يقصر الصلاة. أخرجها أبو داود. فقد ضعفها النووي في "الخلاصة" وليس بجيد؛ لأن رواتها ثقات، ولم ينفرد بها ابن إسحاق، فقد أخرجها النسائي عن عراك بن مالك عن عبيد الله كذلك، وإذا ثبت أنها صحيحة، فليحمل على أن الراوي ظن أن الأصل رواية سبع عشرة، فحذف منها يومي الدخول والخروج، فذكر أنها خمس عشرة، واقتضى ذلك أن رواية تسع عشرة أرجح الروايات. وبهذا أخذ إسحاق بن راهويه ويرجحها أنها أكثر ما وردت به الروايات الصحيحة.
وقوله: "ونحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا وإن زدنا أتممنا" ظاهره أن السفر إذا زاد على تسعة عشر لزم الإتمام، وليس ذلك بمراد. وقد صرّح أبو يعلى بالمراد في هذا الحديث ولفظه: إذا سافرنا فأقمنا في موضع تسعة عشر. ويؤيده صدر الحديث وهو قوله: أقام.
وللترمذي من وجه آخر عن عاصم: فإذا أقمنا أكثر من ذلك صلّينا أربعًا. وأخذ الثوري وأهل الكوفة، ومنهم أبو حنيفة برواية: خمس عشرة؛ لكونها أقل ما ورد، فيحمل ما زاد على أنه وقع اتفاقًا، وأخذ الشافعي بحديث عمران بن حصين المار ثماني عشرة، لكن محله عنده فيمن لم يزمع الإقامة، فإنه إذا مضت عليه المدة المذكورة وجب عليه الإتمام، فإنْ أزمع الإقامة في أول الحال
стр. 4960
على أربعة أيام أتم. على خلاف بين أصحابه في دخول يومي الدخول والخروج فيها، وعند مالك وأحمد ما دام لم ينو إقامة أربعة أيام صحاح بلا يوم الدخول ولا يوم الخروج يقصر، ولو جلس سنين. وفيما يقطع السفر ويوجب الإتمام أقوال كثيرة غير ما ذكر.
فقد نقل ابن حزم عن سعيد بن جبير أنه قال إذا وضعت رجلك بأرضٍ فاتم. وهو في "المصنف" عن عائشة وطاووس بسند صحيح، وعن ابن عباس بسند صحيح مثله. وقيل: إقامة يوم وليلة. حكاه ابن عبد البر عن ربيعة، وقيل: ثلاثة أيام. قاله ابن المسيب وقيل: إذا أقام أكثر من أربعة أيام، إلى غير هذا من الأقوال.
رجاله ستة:
قد مرّوا، مرّ موسى بن إسماعيل وأبو عوانة في الخامس من بدء الوحي، ومرَّ عاصم الأحول في الخامس والثلاثين من الوضوء ومرّ حصين بن عبد الرحمن في الثالث والسبعين من مواقيت الصلاة، ومرّ عكرمة في السابع عشر من العلم، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواته ما بين بصري وواسطي وكوفي ومدني، وفيه ثلاثة من التابعين، أخرجه البخاري أيضًا في المغازي وأبو داود في الصلاة، وكذلك الترمذي وابن ماجه.
الحديث الثاني
حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ. قُلْتُ: أَقَمْتُمْ بِمَكَّةَ شَيْئًا؟ قَالَ: أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا.
قوله: "من المدينة" في رواية شعبة عن يحيى بن أبي إسحاق عند مسلم إلى الحج. وقوله: "فكان يصلي ركعتين ركعتين" في رواية البيهقي عن يحيى بن أبي إسحاق عن أنس إلاَّ في المغرب.
وقوله: "أقمنا بها عشرًا" أي: عشرة أيام، وإنما حذفت التاء من العشر، مع أن اليوم مذكّر، لأن المميز إذا لم يكن مذكورًا يجوز في العدد التذكير والتأنيث. ولا يعارض هذا الحديث حديث ابن عباس المذكور؛ لأن حديث ابن عباس كان بفتح مكة، وحديث أنس في حجة الوداع، قدم النبي ﷺ وأصحابه لصبح رابعة. الحديث، ومعلوم أنه خرج من مكة صبح الرابع عشر، فتكون مدة الإقامة بمكة وضواحيها عشرة أيام بلياليها. كما قال أنس: وتكون مدة إقامته أربعة أيام سَواء؛ لأنه خرج منها في اليوم الثامن، فصلّى الظهر بمِنًى.
стр. 4961
وأما قول ابن رشيد: أراد البخاري أن يبين أن حديث أنس داخل في حديث ابن عباس؛ لأن إقامة عشرة داخلة في إقامة تسع عشرة، فأشار بذلك إلى أن الأخذ بالزائد متعين، ففيه نظر؛ لأنه ذلك إنما يجيء على اتحاد القصتين، والحق أنهما مختلفتان كما مرَّ، فالمدة التي في حديث ابن عباس يسوغ الاستدلال بها على مَنْ لم ينو الإِقامة، بل كان مترددًا حتى يتهيأ له فراغ حاجته يرحل. ووجه الدلالة منه هو أنه لما كان الأصل في المقيم الإِتمام، فلما لم يجيء منه ﷺ أنه أقام في حال السفر أكثر من تلك المدة، جعلها غاية للقصر. والمدة التي في حديث أنس يستدل بها على مَنْ نوى الإقامة؛ لأنه ﷺ في أيام الحج كان جازمًا بالإقامة تلك المدة.
قلت: لم أفهم وجه الاستدلال به لمن نوى الإقامة. وقد قال في "الفتح" إن حجة الشافعي على إن مَنْ نوى إقامة أربعة أيام، يتم حديث أنس هذا. وحديث أنس ليس فيه إتمام، وإنما فيه أنه كان يقصر حتى رجع إلى المدينة، فأي دليل فيه. وقد قال أحمد بن حنبل ليس لحديث أنس وجه، إلاَّ إنه حسب أيام إقامته ﷺ في حجته منذ دخل مكة إلى أن خرج منها، لا وجه له، إلاَّ هذا. وقال المحب الطبري: أطلق على ذلك إقامة بمكة، لأن هذه المواضع مواضع النسك، وهي في حكم التابع لمكة؛ لأنها المقصودة بالأصالة لا يتجه سوى ذلك، كما قال أحمد. وفي الحديث الإقامة في أثناء السفر تسمّى إقامة، وإطلاق اسم البلد على ما جاورها وقرب منها؛ لأن مِنًى وعرفة ليسا من مكة، أما عرفة فَلأَنها خارج الحرم، فليست من مكة قطعًا وأمّا مِنًى ففيها احتمال، والظاهر أنها ليست من مكة إلاّ إن قلنا أن اسم مكة يشمل جميع الحرم وقد زعم الطحاوي فيما مرّ عن الشافعي من أنَّ مَنْ نوى إقامة أربعة أيامٍ يتم إنه لم يسبق إلى ذلك، مع انه هو مذهب مالك وأحمد كما مرَّ، فهذا عجيب منه. وقال العيني: وعند أصحابنا إنْ نوى أقل من خمسة عشر يومًا قصر صلاته؛ لأن المدة خمسة عشر يومًا كمدة الطهر، كما روى ابن أبي شيبة في مصنفه أن ابن عمر كان إذا أجمع على إقامة خمسة عشر يومًا أتم الصلاة، وقد قالوا: إنما يصير مقيمًا بنيّة الإقامة إذا سار ثلاثة أيام، فأما إذا لم يسر ثلاثة أيامٍ فعزم على الرجوع، أو نوى الإِقامة يصير مقيمًا، وإن كان في المفازة، كما قال فخر الإِسلام، وفي "المجتبى" لا يبطل السفر إلا بنّية الإقامة، أو دخول الوطن أو الرجوع إليه قبل الثلاث. ونية الإِقامة إنما تؤثر بخمس شرائط أحدها: ترك السّير حتى لو نوى الإقامة وهو يسير لم يصح. وثانيها: صلاحية الموضع حتى لو نوى الإقامة في برٍ أو بحرٍ أو جزيرة لم يصح، وإتحاد الموضع والمدة والاستقلال بالرأي، حتى لو نوى مَنْ كان تبعًا لغيره، كالجندي، والزوجة والرقيق والأجير، والتلميذ مع استاذه، والغريم المفلس مع صاحب الدَّين، لا تصح نيته إلا إذا نوى متبوعه ولو نوى المتبوع الإقامة ولم يعلم بها التابع فهو مسافر كالوكيل إذا عزل، وهو الأصح. وعند بعض أصحابنا يصيرون مقيمين، ويعيدون ما ادّوا في مدة علم العلم.
رجاله أربعة:
قد مرّوا إلاَّ يحيى، مرّ أبو معمر وعبد الوارث في السابع عشر من العلم، ومرّ أنس في السادس
стр. 4962
من الإيمان.
والرابع: يحيى بن أبي إسحاق الحضرمي مولاهم البصري النحوي. قال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث، وكان صاحب قرآن وعلم بالعربية والنحو، وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حِبّان في الثقات. وقال أحمد: في حديثه نكارة، وعبد العزيز بن صهيب أوثق منه. وقال ابن معين: في حديثه بعض الضعف، قال في المقدمة: له في البخاري حديثه عن أنس في قصر الصلاة في السفر، وحديثه عنه في قصة صفية، وحديثه عن سالم بن عبد الله عن أبيه في لبس الاستبرق، وحديثه عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه في الربا. وقد توبع عليها عنده سوى حديث أبي بكرة فله عنده شاهد واحتج به الباقون.
روى عن أنس بن مالك وسالم بن عبد الله وسلمان الأغر وغيرهم، وروى عنه محمد بن سيرين، وهو أكبر منه ويحيى بن أبي كثير ومات قبله والثوري وشعبة غيرهم. مات سنة ست وثلاثين ومائة. والحضرمي في نسبه نسبة إلى حضرموت ابن سبأ الأصغر، وإليه نسبت حضرموت المدينة التي بأقصى اليمن، ويقال للعرب الذين يسكنون حضرموت من أهل اليمن الحضارمة، هكذا ينسبون كما يقولون: المهالبة والصقالبة، والحضارمة كثيرون بمصر والكوفة والبصرة والشام. وقد عد في القاموس وشرحه عددًا كثيراً من أهل كل بلد.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع لا غير، ورواته كلهم بصريون، وهو من رباعيات البخاري. أخرجه البخاري أيضًا في "المغازي"، ومسلم في الصلاة، وكذا أبو داود والترمذي وابن ماجه، وأخرجه النسائي فيها وفي الحج. ثم قال المصنف:
стр. 4963
باب الصلاة بمِنى
أي: في أيام الرمي، ولم يذكر المصنف حكم المسألة، لقوة الخلاف فيها، وخصّ منىً بالذكر؛ لأنها المحل الذي وقع فيه ذلك قديمًا. ومنىً يُذكر ويؤنث بحسب قصد الموضع والبقعة قيل: فإذا ذُكِّر صُرف وكُتب بالألف، وإذا أُنِّث لم يصرف وكتب بالياء. وذكر الكلبي: إنما سميت مني؛ لأنها مُنِيَ بها الكبش الذي فدى به إسماعيل ﵊ من المنية ويقال: إن جبريل ﵊ لما أتى آدم بمنى قال له: تمن. وهو جبل بمكة معروف.
وقال الفارسي: لامه ياء من منيت الشيء إذا قدرته، وقال الفراء: الأغلب عليه التذكير. وقال الحازمي إن مني صقع قرب مكة وهو أيضًا هضبة قرب قرية من ديار غنى بن أعصر. وقد امتنى القوم إذا أتوا مني، واختلف السلف في المقيم بمنى هل يقصر أو يتم؟ بناء على أن القصر بها للسفر، أو للنسك، واختار الثاني مالك، وتعقبه الطحاوي بأنه لو كان كذلك، لكان أهل مني يقصرون، ولا قائل به. وقال بعض المالكية: لو لم يجز لأهل مكة القصر بمنى لقال لهم النبي ﷺ أتموا. وليس بين مكة ومنى مسافة القصر، فدل على إنهم قصروا للنسك. وأجيب بأن الترمذي روى عن عمران بن حصين أنه ﷺ كان يصلي بمكة ركعتين ويقول: "يا أهلَ مكة أتموا فإنّا قوم سفر"، وكأنه ترك إعلامهم بذلك بمنى؛ استغناء بما تقدم بمكة.
وهذا الحديث ضعيف؛ لأنه من رواية علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، ولو صح فالقصة كانت في "الفتح" وقصة مني في حِجة الوداع. وكان لابد من بيان ذلك، لبعد العهد، ولا يخفى أن أصل البحث مبني على تسليم أن المسافة التي بين مكة ومنى لا يقصر فيها، وهو من محال الخلاف كما سيأتي بعد قريبًا. وقال ابن بطال: اتفق العلماء على أن الحاج القادم مكة يقصر الصلاة بها وبمنى وسائر المشاهد؛ لأنه عندهم في سفر لأن مكة ليست دار إقامة إلاَّ لأهلها أو لمن أراد الإقامة بها، وكان المهاجرون قد فرض عليهم ترك المقام بها، فلذلك لم ينو رسول الله ﷺ بها ولا بمنىً. قال: واختلف العلماء في صلاة المكي بمنى فقال مالك: يتم بمكة ويقصر بمنى. وكذلك أهل مني يتمون بمنى ويقصرون بمكة وعرفات. قال: وهذه المواضع مخصوصة بذلك؛ لأن النبي ﷺ لما قصر بعرفة لم يميَز من وراءه ولا قال لأهل مكة: "أتِمّوا"، وهذا موضع بيان. وممن قال إن المكي يقصر بمنى ابن عمر وسالم والقاسم وطاووس. وبه قال الأوزاعي وإسحاق وقالوا: إن القصر سنة الموضع، وإنما يتم بمنى وعرفات مَنْ كان مقيمًا بها. وقال أكثر أهل العلم،
стр. 4964
ومنهم عطاء والثوري والزهري والكوفيون وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأحمد وأبو ثور: لا يقصر الصلاة أهل مكة بمنى وعرفات؛ لانتفاء مسافة القصر.
وقال الطحاوي ليس الحج موجبًا للقصر؛ لأن أهل مني وعرفات إذا كانوا حجاجًا أتموا، وليس هو متعلقًا بالموضع وإنما هو متعلق بالسفر، وأهل مكة مقيمون لا يقصرون، ولمّا كان المقيم لا يقصر لو خرج إلى مني كذلك الحاج.
الحديث الثالث
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ ثُمَّ أَتَمَّهَا.
مطابقته للترجمة من حيث أنه يبين الإطلاق الذي فيها، فإن الإطلاق فيها يتناول الصلاة ركعتين، ويتناولها أربعًا، فصارت المطابقة من جهة التفصيل بعد الإجمال، أو من جهة التقييد بعد الإطلاق، ولكن حكم المسألة كما ينبغي لا يفهم منه، وهو أن المقيم بمنىً هل يتم أو يقصر؟ فلذلك لم يذكر حكمها في الترجمة. وقد بيناه بيانًا شافيًا فيما مرّ قريبًا.
قوله: "صدرًا" أي: أول خلافته، وهي ست سنين أو ثمان سنين على خلاف فيه. وقوله: "من إمارته" بكسر الهمزة أي: خلافته. وقوله: "ثم أتمها" أي: بعد ذلك. وفي رواية أبي أسامة عن عبيد الله عند مسلم ثم إن عثمان صلّى أربعًا، فكان ابن عمر إذا صلى مع الإمام أتمّ، وإذا صلَّى وحده صلّى ركعتين.
وفي رواية لمسلم عن ابن عمر قال: صلّى النبي ﷺ بمنىً صلاة السفر وأبو بكر وعمر وعثمان ثمان سنين أو ست سنين. واختلف العلماء في السبب في إتمام عثمان بمنىً فقيل: إنما أتم لكونه تأهل بمكة. فقد أخرج أحمد والبيهقي عن عثمان أنه لمّا صلّى بمنىً أربع ركعات أنكر الناس عليه فقال: إني تأهلت بمكة لما قدمت وإني سمعت النبي ﷺ يقول: "مَنْ تأَهّل ببَلدة فإنه يُصلي صلاةَ مُقيم" وهذا الحديث لا يصح؛ لأنه منقطع. وفي رواته مَنْ لا يحتج به. ويردُّه أن النبي ﷺ كان يسافر بزوجاته ويقصر.
قلت: هذا لا رد فيه؛ لأن زوجاته ﵊ كُنَّ مسافرات معه، والتي تزوجها عثمان كانت مقيمة بمكة، فجرت له الإقامة تبعًا، ولكن يرده ما يأتي عن البخاري في باب يقصر إذا خرج من موضعه من قول عروة أن عائشة تأولت ما تأول عثمان، ولا جائز أن تتأهل عائشة أصلًا، فدل على وهن ذلك الخبر، وقيل: لأنه أمير المؤمنين. وكل موضع له دار. وهذا مردود بأن النبي ﷺ كان أولى منه بذلك. وقيل: لأنه عزم على الإقامة بمكة، كما رواه عبد الرزاق عن الزهري
стр. 4965
مرسلًا. ورد هذا بأنَّ الإقامة على المهاجرين حرام. وقد صح عن عثمان أنه كان لا يودع النساء إلاَّ على ظهر راحلته ويسرع الخروج؛ خشية أن يرجع في هجرته. وثبت عن عثمان أنه لما حاصروه، وقال له المغيرة اركب رواحلك إلى مكة، قال: لن أفارق دار هجرتي. وقيل: لأنه استجد له أرضًا بمنىً. وردّ هذا بأنه لم يقل أحد أنَّ المسافر بما يملكه من الأرض، ولم يكن له فيها أهل أنَّ حكمه حكم المقيم. وقيل: لأنه كان يسبق الناس إلى مكة. وهذا لم ينقل.
إن سبب إتمام عثمان أنه كان يرى القصر مختصًا بمن كان شاخصًا سائرًا، وأما مَنْ أقام في مكان في أثناء سفره فله حكم المقيم، فيتم والحجة فيه ما رواه أحمد بإسناد حسن عن عباد بن عبد الله بن الزبير، قال: لما قدم علينا معاوية حاجًا صلّى بنا الظهر ركعتين بمكة، ثم انصرف إلى دار الندوة فدخل عليه مروان وعمرو بن عثمان فقالا: لقد عبت أمر ابن عمك لأنه كان قد أتم الصلاة قال: وكان عثمان حيث أتم الصلاة إذا قدم إلى مكة صلّى بها الظهر والعصر والعشاء أربعًا أربعًا، ثم إذا خرج إلى منىً وعرفة قصر الصلاة، فإذا فرغ من الحج وأقام بمنى أتم الصلاة، وقال ابن بطال: الوجه الصحيح في ذلك أن عثمان وعائشة كانا يريان أن النبي ﷺ إنما قصر؛ لأنه أخذ بالأيسر من ذلك على أُمته فأخذا لأنفسهما بالشدة، وهذا رجحه جماعة من آخرهم القرطبي، لكن الوجه الذي قبله أولى؛ لتصريح الراوي بالسبب، وقيل: إنما صلّى عثمان أربعًا بمنى لأن الأعراب كانوا كثروا في ذلك العام فأحب أن يعلمهم أن الصلاة أربع. رواه الطحاوي وغيره عن الزهري، وروى البيهقي عن عثمان أنه أتم بمنىً ثم خطب فقال: إن القصر سنة رسول الله ﷺ وصاحبيه ولكن حدث طَغام أي: بفتح الطاء والمعجمة فخفت أن يستنوا. وعن ابن جريج أن أعرابيًا ناداه في منىً يا أمير المؤمنين ما زلتُ أصليها منذ رأيتك عام أول ركعتين. وتعقب الطحاوي هذا الوجه بأن الأعراب كانوا بأحكام الصلاة أجهل في زمن الشارع، فلم يتم بهم لتلك العلة، ولم يكن عثمان ليخاف عليهم ما لم يخفه الشارع؛ لأنه بهم رؤوف رحيم. ألا ترى أن الجمعة لما كان فرضها ركعتين لم يعدل عنها، وكان يحضرها الغوغاء والوفود.
وقد تجوزوا أن صلاة الجمعة في كل يوم ركعتين، ولكن لا مانع من أن يكون هذا أصل سبب الإتمام، وليس بمعارض للوجه الذي مرَّ أنه الأولى للتصريح فيه بالسبب، بل يقويه من حيث أن حالة الإقامة في أثناء السفر أقرب إلى قياس الإقامة المطلقة عليها، بخلاف السائر. وهذا ما أدى إليه اجتهاد عثمان رضي الله تعالى عنه.
رجاله خمسة:
وفيه ذكر أبي بكر وعمر وعثمان، وقد مرَّ الجميع، مرَّ مسدد ويحيى في السادس من الإيمان، ومرّ عبيد الله العمري في الرابع عشر من الوضوء ومرّ نافع في الأخير من العلم، ومرّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه، ومرَّ أبو بكر في باب مَنْ لم يتوضأ من لحم الشاة بعد الحادي
стр. 4966
والسبعين من الوضوء ومرّ عمر في الأول من بدء الوحي وعثمان في تعليق بعد الخامس من العلم. والحديث أخرجه مسلم والنسائي في الصلاة.
الحديث الرابع
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قال: أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ آمَنَ مَا كَانَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ.
قوله: "أنبأنا أبو إسحاق" كذا هو بلفظ: الإنباء. وهو في عرف المتقدمين بمعنى: الإخبار والتحديث. وهذا منه، وقد مرّ الكلام عليه مستوفى في أول كتاب العلم.
وقوله: "حارثة بن وهب" زاد البرقاني في مستخرجه رجلًا من خزاعة. أخرجه من طريق أبي الوليد شيخ البخاري فيه.
وقوله: "آمن" أفعل تفضيل من الأمن. وقوله: "ما كان" في رواية الكشميهني والحموي كانت أي: حالة كونها آمن أوقاته. وفي رواية مسلم: والناس أكثر مما كانوا. وله شاهد عن ابن عباس عند الترمذي وصححه النسائي بلفظ: خرج من المدينة إلى مكة لا يخاف إلاَّ الله يصلّي ركعتين. قال الطيبي: ما مصدرية، ومعناه الجمع؛ لأن ما أضيفت إليه أفعل يكون جمعًا، والمعنى صلّى بنا والحال أنا أكثر أكواننا في سائر الأوقات أمنًا. ويأتي في باب الصلاة بمنىً من كتاب الحج في رواية شعبة: ونحن أكثر ما كنا قط وآمنهِ، وكلمة قط: متعلقة بمحذوف تقديره: ونحن ما كنا أكثر منا في ذلك الوقت ولا أكثر أمنا وهذا يستدرك به على ابن مالك، حيث قال: استعمال قط غير مسبوقة بالنفي، قد يخفى على كثير من النحويين. وقد جاء في هذا الحديث بدون النفي. قاله في "الفتح".
قلت: لم يظهر لي في تقريره ما يوجب الرد على ابن مالك. وقوله: وآمنه بالرفع ويجوز الفتح بأن يكون فعلاً ماضيًا وفاعله الله وضمير المفعول للنبي ﷺ والتقدير: وآمن الله نبيه حينئذ، ولا يخفى بعد هذا الإعراب. وفيه رد على مَنْ زعم أن القصر مختص بالخوف. والذي قال ذلك تمسك بقوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ولمْ يأخذ الجمهور بهذا المفهوم. فقيل: لأن شرط مفهوم المخالفة أن لا يكون خرج مخرج الغالب. وقيل: هو من الأشياء التي شرع الحكم فيها لسبب، ثم زال السبب وبقي الحكم كالرمل. وقيل: المراد بالقصر في الآية قصر الصلاة في الخوف إلى ركعة، وفيه نظر، لما رواه مسلم عن يعلي بن أُمية وله صحبة أنه سأل عمر عن قصر الصلاة في السفر، فقال: إنه سأل رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" فهذا ظاهر في أن الصحابة فهموا من ذلك قصر الصلاة في السفر مطلقًا، لا قصرها في الخوف خاصة، وفي جواب عمر إشارة إلى القول الثاني.
стр. 4967
وروى السراج عن أبي حنظلة وهو الحذاء لا يعرف اسمه قال: سألت ابن عمر عن الصلاة في السفر فقال: ركعتان فقلت: إن الله قال: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾، فقال: سنة النبي ﷺ وهذا يرجح القول الثاني أيضًا.
رجاله أربعة:
قد مرّوا إلاَّ حارثة، مرّ وأبو الوليد في الرابع من الإيمان، ومرّ شعبة في الثالث منه، وأبو إسحاق السبيعي في الثالث والثلاثين منه، وحارثة هو ابن وهب الخزاعي أُمه أُم كلثوم بنت جرول بن مالك الخزاعية، فهو أخو عبيد الله بن عمر لأُمه هكذا قال في "الإصابة" و"تهذيب التهذيب". وقال العيني: أُمهما بنت عثمان بن مظعون. فانظر الغلط من أيهما. له ستة أحاديث اتفقا على أربعة، روى عنه أبو إسحاق ومعبد بن خالد وغيرهما.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإنباء، ولم يسبق هذا الموضع والإخباروالسماع والقول، وهو رباعي. أخرجه البخاري أيضًا في الحج، ومسلم في الصلاة، وأبو داود والترمذي والنسائي في الحج.
الحديث الخامس
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فَاسْتَرْجَعَ ثُمَّ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، فَلَيْتَ حَظِّى مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ.
قوله: "صلّى بنا عثمان بمنى أربع ركعات" كان ذلك بعد رجوعه من أعمال الحج في حال إقامته بمنىً للرمي. كما جاء ذلك في رواية عباد بن عبد الله بن الزبير في قصة معاوية المتقدمة.
وقوله: "فقيل ذلك" في رواية أبي ذر والأصيلي: فقيل في ذلك. وقوله: "فاسترجع" أي: فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون.
وقوله: "وصليت مع عمر بن الخطاب" زاد الثوري عن الأعمش "ثم تفرقت بكم الطرق"، أخرجه المصنف في الحج من طريقه.
وقوله: "فليت حظي من أربع ركعات ركعتان" لم يقل الأصيلي ركعات. ومن للبدلية مثل قوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾. وهذا يدل على إنه كان يرى الإتمام جائزًا، وإلا لما كان له حظ من الأربع، ولا من غيرها، فإنها كانت تكون فاسدة كلها، وإنما استرجع ابن مسعود لما
стр. 4968
وقع عنده من مخالفة الأولى. ويؤيده ما روى أبو داود أن ابن مسعود صلّى أربعًا فقيل له: عتبت على عثمان ثم صلّيت أربعًا فقال: الخلاف شر وفي رواية البيهقي إني لأكره الخلاف ولأحمد من حديث أبي ذر مثل الأول. وهذا يدل على إنه لم يعتقد أن القصر واجب. كما قال الحنفية، ووافقهم إسماعيل القاضي من المالكية، وهو رواية عن مالك وعن أحمد قال ابن قدامة: المشهور عن أحمد أنه على الاختيار والقصر أفضل عنده، وهو قول جمهور الصحابة والتابعين.
واحتج الشافعي على عدم الوجوب بأن المسافر إذا دخل في صلاة المقيم صلّى أربعًا باتفاقهم، ولو كان فرضه القصر لم يأتم مسافر بمقيم. وقال الطحاوي: لما كان الفرض لابد لمن هو عليه أن يأتي به، ولا يتخير في الإتيان ببعضه وكان التخيير مختصًا بالتطوع دل على أن المصلي لا يتخير في الاثنين والأربع. وتعقبه ابن بطال بأنّا وجدنا واجبًا يتخير بين الإتيان بجميعه أو ببعضه، وهو الإقامة بمنىً. ونقل الداودي عن ابن مسعود: أنه كان يرى القصر فرضًا. وفيه نظر لما مرّ، ولو كان كذلك لما تعمد ترك الفرض، حيث صلّى أربعًا. وقال: إن الخلاف شر، ويظهر أثر الخلاف فيما إذا قام إلى الثالثة عمدًا، فصلاته عند الجمهور صحيحة، وعند الحنفية فاسدة، ما لم يكن جلس للتشهد. واستدلت الحنفية على الوجوب بما رواه الشيخان عن عائشة قالت: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين. فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر.
وهذا الحديث قد مرّ استيفاء الكلام عليه في أول كتاب الصلاة في الحديث الثاني، وبحديث ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربع ركعات وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة. رواه مسلم ورواه الطبراني: أفترض رسول الله ﷺ ركعتين في السفر، كما افترض في الحضر أربعًا، وبحديث عمر قال: صلاة السفر ركعتان وصلاة الضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد ﷺ . رواه النسائي وابن حِبّان في صحيحه وابن ماجه، وبحديث ابن عمر قال: إن رسول الله ﷺ أتانا ونحن ضلال يُعلمنا فيما علّمنا الله أمرنا أن نصلي ركعتين في السفر. رواه النسائي. وبحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "المتممُ الصلاة في السَّفر كالمقصِّرِ في الحضر". رواه الدارقطني في سننه.
رجاله سبعة:
وفيه ذكر أبي بكر وعمر، وقد مرّوا إلاَّ عبد الرحمن، مرَّ قتيبة بن سعيد في الحادي والعشرين من الإِيمان، ومرّ عبد الواحد في التاسع والعشرين منه، ومرّ الأعمش وإبراهيم بن يزيد في الخامس والعشرين منه، ومرّ عبد الله بن مسعود في أول أثر منه قبل ذكر حديث منه، ومرّ محل أبي بكر وعمر وعثمان في الذي قبله بحديث، وعبد الرحمن هو ابن يزيد بن قيس النخعي أبو بكر الكوفي قال الدارقطني: هو أخو الأسود وابن أخي علقمة وكلهم ثقات. وقال ابن معين: ثقة وذكره ابن حِبّان في الثقات. وقال ابن سعد: كان ثقة وله أحاديث كثيرة. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، روى عن
стр. 4969
حذيفة وعثمان وابن مسعود، وروى عن أخيه الأسود وعمه علقمة وغيرهم. وروى عنه ابنه محمد وإبراهيم بن يزيد النخعي، وأبو إسحاق السبيعي وغيرهم. مات في الجماجم سنة ثلاث وثمانين.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والقول والعنعنة، ورواته بلخي وبصري، والبقية كوفيون. أخرجه البخاري أيضًا في الحج ومسلم في الصلاة، وأبو داود والنسائي في الحج. ثم قال المصنف:
стр. 4970
باب كم أقام النبي ﷺ في حجته
أي: من يوم قدومه إلى أن خرج منها. وقد تقدم بيان ذاك في الكلام على حديث أنس في الباب الذي قبله بباب. والمقصود بهذه الترجمة بيان ما تقدم من أن المحقق فيه نية الإقامة هي مدة المقام بمكة قبل الخروج إلى منىً، ثم إلى عرفة. وهي أربعة أيام ملفقة؛ لأنه قدم في الرابع، وخرج في الثامن فصلّى بها إحدى وعشرين صلاة من أول ظهر الرابع إلى آخر ظهر الثامن، وقيل: أراد مدة إقامته إلى أن توجه إلى المدينة، وهي عشرة، كما في حديث أنس وإن كان لم يصرح في حديث ابن عباس بغايتها، فإنها تعرف من الواقع، فإنَّ بين دخوله وخروجه يوم النفر الثاني من منىً إلى الأبطح عشرة أيام.
الحديث السادس
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ لِصُبْحِ رَابِعَةٍ يُلَبُّونَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً إِلاَّ مَنْ مَعَهُ الْهَدْيُ.
قوله: "لصبح رابعة" أي: اليوم الرابع من ذي الحجة. وقوله: "يُلَبون بالحج" جملة حالية أي: محرمين، وذكر التلبية وإرادة الإحرام من باب الكناية.
وقوله "أن يجعلوها" أي: يجعلوا حجتهم عمرة، وليس هذا بإضمار قبل الذكر؛ لأن قوله بالحج يدل على الحجة، كما في قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ أي: العدل.
وقوله: "هَدْي" بفتح الهاء وسكون الدال وهو ما يهدى إلى الحرم من النعم، تقربًا إلى الله تعالى. وإنما استثنى صاحب الهَدي؛ لأنه لا يجوز له التَّحلل حتى يبلغ الهَدي محله. أُخذ من الحديث جواز فسخ الحج في العمرة. وبه قال أحمد وداود وأصحابه، وهو مذهب ابن عباس أيضًا.
قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا من الصحابة يجيز ذلك، إلاَّ ابن عباس. وأجاب الجمهور بأن ذلك خاص بالصحابة الذين حجوا مع النبي ﷺ ، ويدل عليه ما رواه أبو داود عن بلال بن الحارث قال: قلت: يا رسول الله فسخ الحج لنا خاصة أم لمن بعدنا؟ قال: "بل لكم خاصة"، وأخرجه ابن ماجه والطحاوي، وأخرج الطحاوي عن أبي ذر قال: إنما كان فسخ الحج للركب
стр. 4971
الذين كانوا مع النبي ﷺ . وقال أحمد: حديث أبي ذر فسخ الحج في العمرة خاص بالصحابة صحيح.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرَّ موسى بن إسماعيل وابن عباس في الخامس من بدء الوحي، ومرّ وهيب بن خالد في السادس والعشرين من العلم، ومرّ أبو العالية في تعليق بعد الثاني منه، ومرّ أيوب في التاسع من الإيمان.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواته كلهم بصريون. أخرجه مسلم والنسائي في الحج. ثم قال: تابعه عطاء عن جابر رضي الله تعالى عنه أي: تابع أبا العالية عطاء بن أبي رباح في رواية عن جابر بن عبد الله قال العيني: وتبعه القسطلاني. أخرج البخاري هذه المتابعة مسندة في التمتع والقران والإفراد من كتاب الحج. قلت: ليس في الباب المذكور رواية عن جابر لا عن عطاء، ولا عن غيره، ولكن له حديث في الباب الذي بعد ذلك باب من لَبّى بالحج وسمّاه، لكنه من رواية مجاهد عنه لا من رواية عطاء بن أبي رباح تأمّل. ومرّ عطاء بن أبي رباح في التاسع والثلاثين من كتاب العلم، ومرَّ جابر بن عبد الله في الرابع من بدء الوحي. ثم قال المصنف:
стр. 4972
باب في كم يقصر الصلاة
يريد بيان المسافة التي إذا أراد المسافر الوصول إليها ساغ له القصر، ولا يسوّغ له في أقل منها وهي من المواضع التي انتشر فيها الخلاف جداً، فحكى ابن المنذر وغيره فيها نحوًا من عشرين قولًا، ويأتي ذكر أكثرها قريبًا، وأقل ما قيل في ذلك قيل: وأكثره ما دام غائبًا عن بلده. وقد أورد المصنف الترجمة بلفظ الاستفهام، وأورد ما يدل على أن اختياره أنَّ أقل مسافة القصر يوم وليلة. ثم قال وسمّى النبي ﷺ يوماً وليلة سفرًا في رواية أبي ذر: السفر يوماً وليلة، وفي كل منهما تجوز والمعنى: سمّى مدة اليوم والليلة سفرًا، وكأنه يشير إلى حديث أبي هريرة المذكورة عنده في آخر الباب، وتعقب بأن في بعض طرقه ثلاثة أيام، كما أورده هو من حديث ابن عمر وفي بعضها يوم وفي يعضها ليلة، وفي بعضها بريد، فإن حُمل اليوم المطلق أو الليلة المطلقة على الكامل أي: يوم بليلته، أو ليلة بيومها قلَّ الاختلاف واندرج في الثلاث، فيكون أقل المسافة يومًا وليلة، لكنه يُعكر عليه رواية بريد. ويأتي الجواب عنه بما قيل في الجمع بين حديث ابن عمر وبين اختياره.
ثم قال: وكان ابن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهم يقصران ويفطران في أربعة برد وهي: ستة عشر فرسخًا. وهذا وصله ابن المنذر عن عطاء بن أبي رباح أن ابن عمر وابن عباس كانا يصليان ركعتين ويفطران في أربعة برد، ورواه عبد الرزاق عن مالك فقال: بين المدينة وذات النصب ثمانية عشر ميلًا وفي "الموطأ" عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه أنه كان يقصر في مسيرة اليوم التام. وعن عطاء أن ابن عباس سُئل أتقصر الصلاة إلى عرفة؟ قال: لا، ولكن إلى عسفان أو إلى جدة أو الطائف. وقد رُوي عن ابن عباس مرفوعًا. أخرجه الدارقطني وابن أبي شيبة عن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه وعطاء عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "يا أهل مكة لا تقصروا الصَّلاة في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان". وهذا إسناد ضعيف، من أجل عبد الوهاب. وروى عبد الرزاق عن عطاء عن ابن عباس قال: لا تقصروا الصلاة إلاَّ في اليوم، ولا تقصر فيما دون اليوم. ويمكن الجمع بين هذه الروايات بأن مسافة أربعة برد يمكن في يوم وليلة.
وأما حديث ابن عمر الآتي في سفر المرأة مع غير محرم، الدال على اعتبار الثلاث، فإما أن يجمع بينه وبين اختياره بأن المسافة واحدة، ولكن السير يختلف أو أن الحديث المرفوع ما سبق، لأجل بيان مسافة القصر، بل لنهي المرأة عن الخروج وحدها، ولذلك اختلفت الألفاظ في ذلك، ويؤيد ذلك أن الحكم في نهي المرأة عن السفر وحدها متعلق بالزمان، فلو قطعت مسيرة ساعة
стр. 4973
واحدة مثلاً في يوم تام لتعلق بها النهي، بخلاف المسافر فإنه لو قطع مسيرة نصف يوم مثلًا في يومين لم يقصر، فافترقا وأقل ما ورد في ذلك بريد، فقد روى ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن حرملة قال: قلت لسعيد بن المسيب: أأقصر الصلاة وأفطر في بريد من المدينة؟ قال: نعم.
وقوله: "وهي ستة عشر فرسخًا" وذكر الفراء أن الفرسخ فارسي معرب، واختلف في معناه فقيل: السكون ذكره ابن سيده. وقيل: السعة، وقيل: المكان الذي لا فرجة فيه: وقيل الشيء الطويل. وفي مجمع الغرائب فراسخ النهار، والليل ساعاتهما وأوقاتهما وهو ثلاثة أميال، والميل من الأرض منتهى مد البصر؛ لأن البصر يميل عنه على وجه الأرض حتى يفنى أدراكه، وبذلك جزم الجوهري. وقيل: حده أن ينظر إلى الشخص في أرض مسطحة، فلا يدري أهو رجل أو امرأة؟ أو هو ذاهب أو آت؟ قال النووي: الميل ستة آلاف ذراع، والذراع أربعة وعشرون إصبعًا معترضة معتدلة، والإصبع ست شعيرات معتدلة معترضة، والشعيرة ست شعرات من شعر البرذون. والذي قاله النووي هو الأشهر، ومنهم مَنْ عبّر عن ذلك باثني عشر ألف قدم بقدم الإنسان. وقيل: هو أربعة آلاف ذراع. وقيل: بل ثلاثة آلاف ذراع. نقله صاحب البيان. وقيل وخمسمائة، صحّحه ابن عبد البر. وقيل: ألفا ذراع، ومنهم مَنْ عبّر عن ذلك بألف خطوة للجمل.
قال في "الفتح": ثم إن الذراع الذي ذكر النووي تحديده قد حرره غيره بذراع الحديد المستعمل الآن في مصر والحجاز في هذه الأعصار فوجده ينقص عن ذراع الحديد بقدر الثمن، فعلى هذا فالميل بذراع الحديد على القول المشهور خمسة آلاف ذراع، ومائتان وخمسون ذراعًا.
قلت: قد جاء الخلاف عند المالكية في تحديد الذراع بالإصبع، فقيل: أربعة وعشرون، كما ذكر النووي. وقيل: ستة وثلاثون إصبعًا، وهذا الأخير هو قدر الذراع الحديد المتعامل به الآن، وبما رُوي عن ابن عمر وابن عباس من كون مسافة القصر أربعة برد وهي مرحلتان يسير الأحمال، ودبيب الأقدام. أخذ مالك والشافعي وأحمد وإنما ضبطت بذلك التحديد، لثبوت تقديرها بالأميال عن الصحابة، ولأن القصر على غير الأصل، فيحتاط فيه بتحقيق تقدير المسافة. وذهب أبو حنيفة وأصحابه والكوفيون إلى إن المسافة التي تقصر فيها الصلاة ثلاثة أيام يسير الإبل، ومشي الأقدام. وقال أبو يوسف: يومان، وأكثر الثالث، والليل للاستراحة ولو سلك طريقًا هي مسيرة ثلاثة أيام وأمكنه أن يصل إليها من طريق أخرى قصر.
قلت: ظاهر هذا سواء كان عدوله عن القصيرة لعذر أم لا؟ وعند المالكية لا يقصر إلاَّ إذا كان عدوله عن القصيرة لعذر، وقدروا ذلك بالفراسخ فقيل: أحد وعشرون فرسخًا. وقيل: ثمانية عشر وعليه الفتوى. وقيل: خمسة عشر فرسخًا، وإلى ثلاثة أيام ذهب عثمان بن عفان وابن مسعود وسويد بن غفلة والشعبي والنخعي والثوري وغيرهم. قال في "الفتح": بعد أن ذكر ما مرّ في حديث ابن عمر في سفر المرأة مع غير محرم من مخالفته لاختياره في تمسك الحنفية، بحديث ابن عمر،
стр. 4974
على إن أقل مسافة القصر ثلاثة أيام إشكال، ولاسيما على قاعدتهم من أن الاعتبار بما رأى الصحابي، لا بما روى، فلو كان الحديث عنده لبيان أقل مسافة القصر لما خالفه، وقصر في مسيرة اليوم التام، وقد اختلف عن ابن عمر في تحديد ذلك اختلافًا غير ما ذكر، فروى عبد الرزاق أن ابن عمر كان أدنى ما يقصر الصلاة فيه ما بين المدينة وخيبر، وبينهما ستة وتسعون ميلًا. وروى أيضًا عن مالك: أن ابن عمر سافر إلى ريم فقصر الصلاة. قال عبد الرزاق: وهي على ثلاثين ميلًا من المدينة. وروى وكيع عن ابن عمر أنه كان يقصر الصلاة من المدينة إلى السويداء، وبينهما اثنان وسبعون ميلًا. وروى ابن أبي شيبة عن ابن عمر أنه قال: إني لأسافر الساعة من النهار فأقصر. وقال الثوري: سمعت جبلة بن سجيم سمعت ابن عمر يقول: لو خرجت ميلًا قصرت الصلاة.
إسناد كل منهما صحيح وهذه أقوال متغايرة جدًا، وحكى النووي: إن أهل الظاهر ذهبوا إلى إن أقل مسافة القصر ثلاثة أميال. وكأنهم احتجوا في ذلك بما رواه مسلم وأبو داود. عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ قصر الصلاة. وهو أصح حديث ورد في بيان ذلك وأصرحه، وقد حمله مَنْ خالفه على أن المراد به المسافة التي يبتدأ منها القصر، لا غاية السفر. ولا يخفى بعد هذا العمل مع أن البيهقي ذكر في روايته من هذا الوجه أن يحيى بن يزيد راويه عن أنس قال: سألت أنسًا عن قصر الصلاة، وكنت أخرج إلى الكوفة، يعني من البصرة فأصلي ركعتين ركعتين حتى أرجع. فقال أنس، فذكر الحديث فظهر أنه سأله عن جواز القصر في السفر، لا عن الموضع الذي يبتدأ منه القصر، ويأتي ما قيل في ذلك في الباب الذي بعده. وروي عن ابن مسعود أربعة أميال. وفي "المصنف" عن أبي سعيد أن النبي ﷺ كان إذا سافر فرسخًا قصر الصلاة. وفيه أيضًا عن النزال أن عليًا رضي الله تعالى عنه خرج إلى النخيلة فصلّى بها الظهر والعصر ركعتين، ثم رجع من يومه قال: أردت أن أعلمكم سنة نبيكم، وكان حذيفة يصلي ركعتين فيما بين الكوفة والمدائن. وعن عمر وابنه عبد الله وسويد بن غفلة ثلاثة أميال. وابن عباس مرّ محله في الذي قبله، ومرَّ ابن عمر أوّل الإيمان قبل ذكر حديث منه.
الحديث السابع
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي أُسَامَةَ: حَدَّثَكُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لاَ تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ".
قوله: "حدثكم عبيد الله" هو ابن عمر العمري، واستدل به على إنه لا يشترط في صحة التحمل قول الشيخ: نعم في جواب مَنْ قال له: حدّثكم فلان بكذا، وفيه نظر؛ لأن في مسند إسحاق في آخره، فأقر به أبو أسامة. وقال: نعم.
وقوله: "لا تسافر المرأة ثلاثة أيام" في رواية مسلم عن الضحاك بن عثمان عن نافع "ثلاث
стр. 4975
ليالٍ" والجمع بينهما أن المراد ثلاثة أيام بلياليها، أو ثلاث ليالٍ بأيامها.
وقوله: "إلا مع ذي محرم" في رواية أبي ذر والأصيلي "إلاَّ معها ذو محرم"، والمَحرم بفتح الميم، الجرام والمراد به: مَنْ لا يحلُّ له نكاحها على التأبيد، بسبب مباح لحرمتها فاحترز بقوله: على التأبيد من أخت المرأة. وبقوله: بسبب مباح من أم الموطوءة بشبهة؛ لأن وطء الشبهة لا يوسف بالإِباحة وبحرمتها من الملاعنة، فإن تحريمها ليس لحرمتها، بل عقوبة وتغليظًا. وفي حديث أبي سعيد عند مسلم وأبي داود "إلاَّ ومعها أبوها أو أخوها أو زوجها أو ابنها أو ذو محرم منها" أخرجاه عن الأعمش عن أبي صالح عنه، وعدم جواز السفر للمرأة بلا محرم إجماع في غير الحج والعمرة والخروج من دار الشرك، ومنهم مَنْ جعل ذلك من شرائط الحج، وهذا هو مذهب الإِمام مالك، فإنَّ شرط وجوب الحج على المرأة عنده أو جوازه، أنْ تسافر مع محرم لها من قرابة أو صهر أو رضاع أو زوج. وإن كان مالك نصّ على كراهة سفرها مع ابن زوجها، فإنما ذلك لشيء آخر، وفي حديث الباب روايات. فقد روي: "نصف يوم، ويومان، وثلاثة، وليلة وبريد". وروي: "لا تسافر امرأة إلاَّ مع ذي محرم" فحملوا روايات التحديد على إنه ليس بمراد ردًا إلي رواية الإطلاق والمراد ما يسمّى سفرًا، لحرمة الاختلاء بالأجنبي. وروايات التحديد إنما هي واردة على اختلاف السائلين في مواطن بأن سُئل ﵊ هل تسافر المرأة مسيرة يوم بغير محرم؟ فقال: "لا تُسافرُ مسيرةَ يَومٍ بغيرِ مَحرم"، وكذا باقي الروايات فلا مفهوم لها، ولا يشترط بلوغ المحرم، بل يكتفى بما فيه كفاية، ويقوم مقام المحرم الرفقة المأمونة في أداء الفرض، لا في النفل. واختلف هل يكتفى فيها بالرجال فقط؟ أو النساء فقط؟ أو لابد من مجموعهما؟ وقولي في أداء الفرض شامل لكل فرض، كما إذا أَسلمت بدار الحرب أو أُسرت وأمكنها الهرب، وحج النذر والقضاء والحنث والرجوع إلى المنزل لإتمام العدة إذا خرجت ضرورة، فمات أو طلقها أو خرجت للرباط، أو زيارة.
وأخذت الحنفية بظاهر هذا الحديث فقالوا: ان المحرم شرط في وجوب الحج على المرأة إذا كانت بينها وبين مكة مسيرة ثلاثة أيام بلياليها، بخلاف ما دون ثلاثة أيام فيباح لها السفر بدون محرم. قالوا: لأن التوقيت بالثلاثة دالٌ على إباحة السفر لها بغير محرم فيما دون الثلاث، ولولا ذلك لما كان لذكر الثلاث معنى، ولَنُهيَ نهيًا مطلقًا.
ومذهب الشافعي قريب من مذهب مالك، فلابد عنده من خروج زوج المرأة معها، أو محرم أو عبدها أو نسوة ثقات لتأمن على نفسها. ويكفي في الجواز لفرضها امرأة واحدة، وسفرها وحدها ان أمنت، وإن كان السفر حالة الانفراد مكروهًا لما فيه من الوحشة. وأما النفل فلا يجوز لها الخروج له مع النسوة الخلص وإن كثرن.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، إسحاق يحتمل أنه ابن راهويه أو ابن نصر أو ابن منصور؛ لأن الثلاثة أخرج عنهم
следующие страницы →