الذين كانوا مع النبي ﷺ . وقال أحمد: حديث أبي ذر فسخ الحج في العمرة خاص بالصحابة صحيح.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرَّ موسى بن إسماعيل وابن عباس في الخامس من بدء الوحي، ومرّ وهيب بن خالد في السادس والعشرين من العلم، ومرّ أبو العالية في تعليق بعد الثاني منه، ومرّ أيوب في التاسع من الإيمان.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواته كلهم بصريون. أخرجه مسلم والنسائي في الحج. ثم قال: تابعه عطاء عن جابر رضي الله تعالى عنه أي: تابع أبا العالية عطاء بن أبي رباح في رواية عن جابر بن عبد الله قال العيني: وتبعه القسطلاني. أخرج البخاري هذه المتابعة مسندة في التمتع والقران والإفراد من كتاب الحج. قلت: ليس في الباب المذكور رواية عن جابر لا عن عطاء، ولا عن غيره، ولكن له حديث في الباب الذي بعد ذلك باب من لَبّى بالحج وسمّاه، لكنه من رواية مجاهد عنه لا من رواية عطاء بن أبي رباح تأمّل. ومرّ عطاء بن أبي رباح في التاسع والثلاثين من كتاب العلم، ومرَّ جابر بن عبد الله في الرابع من بدء الوحي. ثم قال المصنف:
стр. 4972
باب في كم يقصر الصلاة
يريد بيان المسافة التي إذا أراد المسافر الوصول إليها ساغ له القصر، ولا يسوّغ له في أقل منها وهي من المواضع التي انتشر فيها الخلاف جداً، فحكى ابن المنذر وغيره فيها نحوًا من عشرين قولًا، ويأتي ذكر أكثرها قريبًا، وأقل ما قيل في ذلك قيل: وأكثره ما دام غائبًا عن بلده. وقد أورد المصنف الترجمة بلفظ الاستفهام، وأورد ما يدل على أن اختياره أنَّ أقل مسافة القصر يوم وليلة. ثم قال وسمّى النبي ﷺ يوماً وليلة سفرًا في رواية أبي ذر: السفر يوماً وليلة، وفي كل منهما تجوز والمعنى: سمّى مدة اليوم والليلة سفرًا، وكأنه يشير إلى حديث أبي هريرة المذكورة عنده في آخر الباب، وتعقب بأن في بعض طرقه ثلاثة أيام، كما أورده هو من حديث ابن عمر وفي بعضها يوم وفي يعضها ليلة، وفي بعضها بريد، فإن حُمل اليوم المطلق أو الليلة المطلقة على الكامل أي: يوم بليلته، أو ليلة بيومها قلَّ الاختلاف واندرج في الثلاث، فيكون أقل المسافة يومًا وليلة، لكنه يُعكر عليه رواية بريد. ويأتي الجواب عنه بما قيل في الجمع بين حديث ابن عمر وبين اختياره.
ثم قال: وكان ابن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهم يقصران ويفطران في أربعة برد وهي: ستة عشر فرسخًا. وهذا وصله ابن المنذر عن عطاء بن أبي رباح أن ابن عمر وابن عباس كانا يصليان ركعتين ويفطران في أربعة برد، ورواه عبد الرزاق عن مالك فقال: بين المدينة وذات النصب ثمانية عشر ميلًا وفي "الموطأ" عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه أنه كان يقصر في مسيرة اليوم التام. وعن عطاء أن ابن عباس سُئل أتقصر الصلاة إلى عرفة؟ قال: لا، ولكن إلى عسفان أو إلى جدة أو الطائف. وقد رُوي عن ابن عباس مرفوعًا. أخرجه الدارقطني وابن أبي شيبة عن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه وعطاء عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "يا أهل مكة لا تقصروا الصَّلاة في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان". وهذا إسناد ضعيف، من أجل عبد الوهاب. وروى عبد الرزاق عن عطاء عن ابن عباس قال: لا تقصروا الصلاة إلاَّ في اليوم، ولا تقصر فيما دون اليوم. ويمكن الجمع بين هذه الروايات بأن مسافة أربعة برد يمكن في يوم وليلة.
وأما حديث ابن عمر الآتي في سفر المرأة مع غير محرم، الدال على اعتبار الثلاث، فإما أن يجمع بينه وبين اختياره بأن المسافة واحدة، ولكن السير يختلف أو أن الحديث المرفوع ما سبق، لأجل بيان مسافة القصر، بل لنهي المرأة عن الخروج وحدها، ولذلك اختلفت الألفاظ في ذلك، ويؤيد ذلك أن الحكم في نهي المرأة عن السفر وحدها متعلق بالزمان، فلو قطعت مسيرة ساعة
стр. 4973
واحدة مثلاً في يوم تام لتعلق بها النهي، بخلاف المسافر فإنه لو قطع مسيرة نصف يوم مثلًا في يومين لم يقصر، فافترقا وأقل ما ورد في ذلك بريد، فقد روى ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن حرملة قال: قلت لسعيد بن المسيب: أأقصر الصلاة وأفطر في بريد من المدينة؟ قال: نعم.
وقوله: "وهي ستة عشر فرسخًا" وذكر الفراء أن الفرسخ فارسي معرب، واختلف في معناه فقيل: السكون ذكره ابن سيده. وقيل: السعة، وقيل: المكان الذي لا فرجة فيه: وقيل الشيء الطويل. وفي مجمع الغرائب فراسخ النهار، والليل ساعاتهما وأوقاتهما وهو ثلاثة أميال، والميل من الأرض منتهى مد البصر؛ لأن البصر يميل عنه على وجه الأرض حتى يفنى أدراكه، وبذلك جزم الجوهري. وقيل: حده أن ينظر إلى الشخص في أرض مسطحة، فلا يدري أهو رجل أو امرأة؟ أو هو ذاهب أو آت؟ قال النووي: الميل ستة آلاف ذراع، والذراع أربعة وعشرون إصبعًا معترضة معتدلة، والإصبع ست شعيرات معتدلة معترضة، والشعيرة ست شعرات من شعر البرذون. والذي قاله النووي هو الأشهر، ومنهم مَنْ عبّر عن ذلك باثني عشر ألف قدم بقدم الإنسان. وقيل: هو أربعة آلاف ذراع. وقيل: بل ثلاثة آلاف ذراع. نقله صاحب البيان. وقيل وخمسمائة، صحّحه ابن عبد البر. وقيل: ألفا ذراع، ومنهم مَنْ عبّر عن ذلك بألف خطوة للجمل.
قال في "الفتح": ثم إن الذراع الذي ذكر النووي تحديده قد حرره غيره بذراع الحديد المستعمل الآن في مصر والحجاز في هذه الأعصار فوجده ينقص عن ذراع الحديد بقدر الثمن، فعلى هذا فالميل بذراع الحديد على القول المشهور خمسة آلاف ذراع، ومائتان وخمسون ذراعًا.
قلت: قد جاء الخلاف عند المالكية في تحديد الذراع بالإصبع، فقيل: أربعة وعشرون، كما ذكر النووي. وقيل: ستة وثلاثون إصبعًا، وهذا الأخير هو قدر الذراع الحديد المتعامل به الآن، وبما رُوي عن ابن عمر وابن عباس من كون مسافة القصر أربعة برد وهي مرحلتان يسير الأحمال، ودبيب الأقدام. أخذ مالك والشافعي وأحمد وإنما ضبطت بذلك التحديد، لثبوت تقديرها بالأميال عن الصحابة، ولأن القصر على غير الأصل، فيحتاط فيه بتحقيق تقدير المسافة. وذهب أبو حنيفة وأصحابه والكوفيون إلى إن المسافة التي تقصر فيها الصلاة ثلاثة أيام يسير الإبل، ومشي الأقدام. وقال أبو يوسف: يومان، وأكثر الثالث، والليل للاستراحة ولو سلك طريقًا هي مسيرة ثلاثة أيام وأمكنه أن يصل إليها من طريق أخرى قصر.
قلت: ظاهر هذا سواء كان عدوله عن القصيرة لعذر أم لا؟ وعند المالكية لا يقصر إلاَّ إذا كان عدوله عن القصيرة لعذر، وقدروا ذلك بالفراسخ فقيل: أحد وعشرون فرسخًا. وقيل: ثمانية عشر وعليه الفتوى. وقيل: خمسة عشر فرسخًا، وإلى ثلاثة أيام ذهب عثمان بن عفان وابن مسعود وسويد بن غفلة والشعبي والنخعي والثوري وغيرهم. قال في "الفتح": بعد أن ذكر ما مرّ في حديث ابن عمر في سفر المرأة مع غير محرم من مخالفته لاختياره في تمسك الحنفية، بحديث ابن عمر،
стр. 4974
على إن أقل مسافة القصر ثلاثة أيام إشكال، ولاسيما على قاعدتهم من أن الاعتبار بما رأى الصحابي، لا بما روى، فلو كان الحديث عنده لبيان أقل مسافة القصر لما خالفه، وقصر في مسيرة اليوم التام، وقد اختلف عن ابن عمر في تحديد ذلك اختلافًا غير ما ذكر، فروى عبد الرزاق أن ابن عمر كان أدنى ما يقصر الصلاة فيه ما بين المدينة وخيبر، وبينهما ستة وتسعون ميلًا. وروى أيضًا عن مالك: أن ابن عمر سافر إلى ريم فقصر الصلاة. قال عبد الرزاق: وهي على ثلاثين ميلًا من المدينة. وروى وكيع عن ابن عمر أنه كان يقصر الصلاة من المدينة إلى السويداء، وبينهما اثنان وسبعون ميلًا. وروى ابن أبي شيبة عن ابن عمر أنه قال: إني لأسافر الساعة من النهار فأقصر. وقال الثوري: سمعت جبلة بن سجيم سمعت ابن عمر يقول: لو خرجت ميلًا قصرت الصلاة.
إسناد كل منهما صحيح وهذه أقوال متغايرة جدًا، وحكى النووي: إن أهل الظاهر ذهبوا إلى إن أقل مسافة القصر ثلاثة أميال. وكأنهم احتجوا في ذلك بما رواه مسلم وأبو داود. عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ قصر الصلاة. وهو أصح حديث ورد في بيان ذلك وأصرحه، وقد حمله مَنْ خالفه على أن المراد به المسافة التي يبتدأ منها القصر، لا غاية السفر. ولا يخفى بعد هذا العمل مع أن البيهقي ذكر في روايته من هذا الوجه أن يحيى بن يزيد راويه عن أنس قال: سألت أنسًا عن قصر الصلاة، وكنت أخرج إلى الكوفة، يعني من البصرة فأصلي ركعتين ركعتين حتى أرجع. فقال أنس، فذكر الحديث فظهر أنه سأله عن جواز القصر في السفر، لا عن الموضع الذي يبتدأ منه القصر، ويأتي ما قيل في ذلك في الباب الذي بعده. وروي عن ابن مسعود أربعة أميال. وفي "المصنف" عن أبي سعيد أن النبي ﷺ كان إذا سافر فرسخًا قصر الصلاة. وفيه أيضًا عن النزال أن عليًا رضي الله تعالى عنه خرج إلى النخيلة فصلّى بها الظهر والعصر ركعتين، ثم رجع من يومه قال: أردت أن أعلمكم سنة نبيكم، وكان حذيفة يصلي ركعتين فيما بين الكوفة والمدائن. وعن عمر وابنه عبد الله وسويد بن غفلة ثلاثة أميال. وابن عباس مرّ محله في الذي قبله، ومرَّ ابن عمر أوّل الإيمان قبل ذكر حديث منه.
الحديث السابع
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي أُسَامَةَ: حَدَّثَكُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لاَ تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ".
قوله: "حدثكم عبيد الله" هو ابن عمر العمري، واستدل به على إنه لا يشترط في صحة التحمل قول الشيخ: نعم في جواب مَنْ قال له: حدّثكم فلان بكذا، وفيه نظر؛ لأن في مسند إسحاق في آخره، فأقر به أبو أسامة. وقال: نعم.
وقوله: "لا تسافر المرأة ثلاثة أيام" في رواية مسلم عن الضحاك بن عثمان عن نافع "ثلاث
стр. 4975
ليالٍ" والجمع بينهما أن المراد ثلاثة أيام بلياليها، أو ثلاث ليالٍ بأيامها.
وقوله: "إلا مع ذي محرم" في رواية أبي ذر والأصيلي "إلاَّ معها ذو محرم"، والمَحرم بفتح الميم، الجرام والمراد به: مَنْ لا يحلُّ له نكاحها على التأبيد، بسبب مباح لحرمتها فاحترز بقوله: على التأبيد من أخت المرأة. وبقوله: بسبب مباح من أم الموطوءة بشبهة؛ لأن وطء الشبهة لا يوسف بالإِباحة وبحرمتها من الملاعنة، فإن تحريمها ليس لحرمتها، بل عقوبة وتغليظًا. وفي حديث أبي سعيد عند مسلم وأبي داود "إلاَّ ومعها أبوها أو أخوها أو زوجها أو ابنها أو ذو محرم منها" أخرجاه عن الأعمش عن أبي صالح عنه، وعدم جواز السفر للمرأة بلا محرم إجماع في غير الحج والعمرة والخروج من دار الشرك، ومنهم مَنْ جعل ذلك من شرائط الحج، وهذا هو مذهب الإِمام مالك، فإنَّ شرط وجوب الحج على المرأة عنده أو جوازه، أنْ تسافر مع محرم لها من قرابة أو صهر أو رضاع أو زوج. وإن كان مالك نصّ على كراهة سفرها مع ابن زوجها، فإنما ذلك لشيء آخر، وفي حديث الباب روايات. فقد روي: "نصف يوم، ويومان، وثلاثة، وليلة وبريد". وروي: "لا تسافر امرأة إلاَّ مع ذي محرم" فحملوا روايات التحديد على إنه ليس بمراد ردًا إلي رواية الإطلاق والمراد ما يسمّى سفرًا، لحرمة الاختلاء بالأجنبي. وروايات التحديد إنما هي واردة على اختلاف السائلين في مواطن بأن سُئل ﵊ هل تسافر المرأة مسيرة يوم بغير محرم؟ فقال: "لا تُسافرُ مسيرةَ يَومٍ بغيرِ مَحرم"، وكذا باقي الروايات فلا مفهوم لها، ولا يشترط بلوغ المحرم، بل يكتفى بما فيه كفاية، ويقوم مقام المحرم الرفقة المأمونة في أداء الفرض، لا في النفل. واختلف هل يكتفى فيها بالرجال فقط؟ أو النساء فقط؟ أو لابد من مجموعهما؟ وقولي في أداء الفرض شامل لكل فرض، كما إذا أَسلمت بدار الحرب أو أُسرت وأمكنها الهرب، وحج النذر والقضاء والحنث والرجوع إلى المنزل لإتمام العدة إذا خرجت ضرورة، فمات أو طلقها أو خرجت للرباط، أو زيارة.
وأخذت الحنفية بظاهر هذا الحديث فقالوا: ان المحرم شرط في وجوب الحج على المرأة إذا كانت بينها وبين مكة مسيرة ثلاثة أيام بلياليها، بخلاف ما دون ثلاثة أيام فيباح لها السفر بدون محرم. قالوا: لأن التوقيت بالثلاثة دالٌ على إباحة السفر لها بغير محرم فيما دون الثلاث، ولولا ذلك لما كان لذكر الثلاث معنى، ولَنُهيَ نهيًا مطلقًا.
ومذهب الشافعي قريب من مذهب مالك، فلابد عنده من خروج زوج المرأة معها، أو محرم أو عبدها أو نسوة ثقات لتأمن على نفسها. ويكفي في الجواز لفرضها امرأة واحدة، وسفرها وحدها ان أمنت، وإن كان السفر حالة الانفراد مكروهًا لما فيه من الوحشة. وأما النفل فلا يجوز لها الخروج له مع النسوة الخلص وإن كثرن.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، إسحاق يحتمل أنه ابن راهويه أو ابن نصر أو ابن منصور؛ لأن الثلاثة أخرج عنهم
стр. 4976
البخاري عن أبي أسامة، والأولان مرّا في تعليق بعد الحادي والعشرين من العلم، ومرّ الثالث في الخامس والثلاثين من الإيمان، ومرّ أبو أسامة في الحادي والعشرين من العلم، ومرّ عبيد الله العمري في الرابع عشر من الوضوء ومرّ نافع في الأخير من العلم، ومرّ محل ابن عمر في التعليق الذي قبله، والحديث أخرجه مسلم.
الحديث الثامن
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لاَ تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ ثَلاَثًا إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ".
هذا الحديث طريق من الذي قبله، وقد مرّت مباحثه فيه.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ مسدد ويحيى القطان في السادس من الإيمان، ومرّ محل الثلاثة الباقية في الذي قبله. ثم قال: تابعه أحمد عن ابن المبارك عن عبيد الله عن نافع عن النبي ﷺ قال الدارقطني في "العلل" عن يحيى القطان: ما أنكرت على عبيد الله بن عمر إلاَّ هذا الحديث. ورواه أخوه عبد الله مرفوعًا، وعبد الله ضعيف، وقد تابع عبد الله الضحاك، كما مرّ فاعتمده البخاري لذلك. وهذه المتابعة لم أقف على مَنْ وصلها.
ورجالها خمسة:
مرَّ منهم محل عبيد الله ونافع وابن عمر في الذي قبلها بحديث، ومرّ ابن المبارك في السادس من بدء الوحي. وأحمد المذكور قيل إنه أحمد بن محمد بن موسى مردويه وقيل: إنه أحمد بن محمد بن ثابت شبويه، وأما كونه أحمد بن حنبل فوهم؛ لأنه لم يسمع من ابن المبارك، والصحيح الأول وعليه فهو قد مرّ في الثالث والمائة من الوضوء، وها أنا أذكر تعريف الثاني، تتميمًا للفائدة وهو أحمد بن محمد بن ثابت بن عثمان بن مسعود بن يزيد الخزاعي أبو الحسن بن شبويه المروزي. ذكره ابن حِبّان في الثقات وقال النسائي: ثقة، ووثقه محمد بن وضاح والعجلي وعبد الغني بن سعيد. وقال الإدريسي: كان حافظًا فاضلًا ثبتًا متقنًا في الحديث. روى عن ابن عيينة وابن المبارك وأبي أسامة وغيرهم وروى عنه أبو داود وابنه عبد الله بن أحمد وأبو زرعة وغيرهم. مات سنة ثلاثين ومائتين.
الحديث التاسع
حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لاَ يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ".
стр. 4977
قوله: "تؤمنُ باللهِ واليوم الآخرِ" مفهومه أن النهي المذكور يختص بالمؤمنات، فتخرج الكافرات كتابية كانت أو حربية. وقد قال به بعض أهل العلم، وأجيب بأن الإيمان هو الذي يستمر للمتصف به خطاب الشارع، فينتفع به وينقاد له، فلذلك قيد به، أو إن الوصف ذكر لتأكيد التحريم، ولم يقصد به إخراج ما سواه.
وقوله: "مسيرةَ يومٍ وليلةٍ، ليسَ معها حُرْمَةٌ" أي: محرم. وقد قال مغلطاي: الهاء في قوله: "مسيرةَ يومٍ وليلةٍ" للمرّة الواحدة، والتقدير أن تسافر مرَّة واحدة مخصوصة بيوم وليلة، ولا سلف له في هذا الإعراب. "ومسيرة" إنما هي مصدر سار كقوله مسيرًا. مثل: عاش معيشة وعيشًا.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ آدم في الثالث من الإيمان، ومرَّ سعيد بن أبي سعيد في الثاني والثلاثين منه، ومرّ أبو هريرة في الثاني منه، ومرَّ ابن أبي ذيب في الخمسين من العلم، ومرَّ أبو سعيد كيسان المقبري في السادس والعشرين من صفة الصلاة. والحديث أخرجه مسلم في الحج. ثم قال: تابعه يحيى بن أبي كثير وسهيل ومالك عن المقبري عن أبي هريرة ﵁ يعني لم يقولوا عن أبيه، فعلى هذا فهي متابعة في المتن، لا في الإسناد. على أنه اختلف على سهيل وعلى مالك فيه، وكأن الرواية التي جزم بها المصنف أرجح عنده عنهم، ورجح الدارقطني أنه عن سعيد عن أبي هريرة ليس فيه عن أبيه.
كما رواه معظم رواة "الموطأ"، لكن الزيادة من الثقة مقبولة، ولاسيما إذا كان حافظًا، وقد وافق ابن أبي ذيب على قوله عن أبيه الليث بن سعد عند أبي داود والليث. وابن أبي ذيب من أثبت الناس في سعيد. أما رواية يحيى فأخرجها أحمد عن شيبان النحوي عنه، وليس فيه اختلاف إلّا أن لفظه: "أن تسافر يومًا إلاَّ مع ذي محرم" ويحمل قوله: "يومًا" على أن المراد به اليوم بليلته فيوافق رواية ابن أبي ذيب، وحى بن أبي كثير مرَّ في الثالث والخمسين من العلم، وأمّا رواية سهيل، فقد أخرجها أبو داود والحاكم وابن حِبّان عن جرير عن سهيل كما علقه البخاري إلاَّ أن جريرًا قال في روايته: بريدًا بدل يومًا.
وقال بشر بن المفضل عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة أبدل سعيدًا بأبي صالح، وخالف في اللفظ أيضًا فقال تسافر ثلاثًا أخرجه مسلم ويُحتمل أن يكون الحديثان معًا عند سهيل، ومن ثم صحح ابن حِبّان الطريقين عنه، لكن المحفوظ عن أبي صالح عن أبي سعيد وسهيل قد مرّ في باب الدين النصيحة بعد التاسع والأربعين من الإيمان. وأما رواية مالك فهي في "الموطأ"، وأخرجها مسلم وأبو داود وهو المشهور عنه، ورواها بشر بن عمر الزهراني عنه فقال عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة أخرجه أبو داود والترمذي وأبو عوانة وابن خزيمة من طريقه.
وقال ابن خزيمة: إنه تفرد به عن مالك. وفيه نظر؛ لأنه الدارقطني أخرجه في "الغرائب" عن
стр. 4978
إسحاق بن محمد الفروي عن مالك، والمحفوظ عن مالك ليس فيه قوله: عن أبيه. ومالك قد مرّ في الثاني من بدء الوحي. ثم قال المصنف:
стр. 4979
باب يقصر إذا خرج من موضعه
يعني إذا قصد سفرًا تقصر في مثله الصلاة، وهي من المسائل المختلف فيها أيضًا. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن لمن يريد السفر أن يقصر إذا خرج عن جميع بيوت القرية التي يخرج منها، واختلفوا فيما قبل الخروج عن البيوت، فذهب الجمهور إلى إنه لابد من مفارقة جميع البيوت، وذهب بعض الكوفيين إلى إنه إذا أراد السفر يصلي ركعتين، ولو كان في منزله. ومنهم مَنْ قال: إذا ركب قبل أن يفارق البيوت قَصر إنْ شاء. وقال مجاهد إذا ابتدأ السفر بالنهار لا يقصر حتى يدخل الليل، وإذا ابتدأ السفر بالليل لا يقصر حتى يدخل النهار. قال ابن المنذر: ويرجح ما عليه الجمهور بأنهم اتفقوا على إنه يقصر، إذا فارق البيوت. واختلفوا فيما قبل ذلك، فعليه الإتمام على أصل ما كان عليه حتى يثبت أنَّ له القصر. قال: ولا أعلم النبي ﷺ قصر في شيء من أسفاره، إلاَّ بعد خروجه عن المدينة.
وتقرير مذاهب الأربعة في ذلك هو أن المالكية يُشترط عندهم في ابتداء القصر أن يجاوز البلدي البلد والبساتين المسكونة المرتفقة بالعمران. وعن مالك إن كانت قرية جمعة، فمتى يجاوز ثلاثة أميال وأن يجاوز ساكن البادية حلته، وهي البيوت التي ينصبها من شعر، أو غيره. وأما الساكن بقرية لا بناء بها، ولا بساتين، فبمجرد الانفصال عنها.
وعند الشافعية يحصل ابتداؤه من بلد له سور بمفارقة سور البلد المختص به، وإن كان داخله مواضع خربة ومزارع؛ لأن جميع ما هو داخله من البلدة، فإن كان وراءه دور متلاصقة، صحح النووي عدم اشتراط مجاوزتها؛ لأنها لا تعد من البلد، فإن لم يكن له سور فمبدؤه مجاوزة العمران حتى لا يبقى بيت متصل، ولا منفصل، لا الخراب الذي لا عمارة وراءه، ولا البساتين والمزارع المتصلة، وإن كانت محوطة. وأول سفر ساكن الخيام كالأعراب، مجاوزة الحلة. وقالت الحنابلة: يقصر إذا فارق بيوت قريته العامرة، سواء كانت داخل السور أو خارجه، وسواء وَلِيَتها بيوت خاربة، أو البرية. لكن لو وَليتها بيوت خاربة، ثم بيوت عامرة، فلابد من مفارقة البيوت العامرة التي تلي الخاربة.
وعند الحنفية إذا فارق المسافر بيوت العصر يقصر، وفي "المبسوط" يقصر حين يخلف عمران العصر، وفي "الذخيرة": إن كانت لها محلة منتبذة من المصر، وكانت قبل ذلك متصلة بها فإنه لا يقصر ما لم يجاوزها، ويخلف دورها بخلاف القرية التي تكون بفناء المصر، فإنه يقصر وإن لم
стр. 4980
يجاوزها. وفي "المحيط" الصحيح أنه يعتبر مجاوزة عمران العصر، إلاَّ إذا كان ثمة قرية أو قرى متصلة بربض العصر فحينئذ تعتبر مجاوزة القرى.
ثم قال: وخرج علي فقصر، وهو يرى البيوت، فلما رجع قيل له: هذه الكوفة. قال: لا، حتى ندخلها. وفهم ابن بطال من قوله: لا، حتى ندخلها، إنه امتنع من الصلاة حتى يدخل الكوفة. قال: لأنه لو صلّى فقصر ساغ له ذلك، لكنه اختار أن يتم لاتساع الوقت. وقد تبين من سياق أثر علي أن الأمر على خلاف ما فهمه ابن بطال، وأنَّ المراد بقولهم هذه الكوفة، أي: فأتم الصلاة، فقال: لا، حتى ندخلها أي: لا نزال نقصر حتى ندخلها، فإنَّا ما لم ندخلها في حكم المسافرين، وهذا هو صريح رواية البيهقي للأثر المذكور، ففيه: خرجنا مع علي متوجهين إلى الشام، فصلَّى ركعتين ركعتين حتى إذا رجعنا إلى الكوفة، حضرت الصلاة. قالوا: يا أمير المؤمنين، هذه الكوفة أتِمَّ الصلاة. قال: لا، حتى ندخلها.
وكذلك رواية الحاكم عن وقاء بن إياس بكسر الواو، ففيها: فقصرنا الصلاة ونحن نرى البيوت، ثم رجعنا فقصرنا، ونحن نرى البيوت، أي: فهو لا يزال يقصر حتى يدخل بيوت العصر. ورُوي قول عند المالكية: بأنه إذا قارب المصر بأقل من الميل يتم. وهذا الأثر وصله الحاكم من رواية الثوري عن وِقاء بن إياس وأخرجه البيهقي، وعلي قد مرّ في السابع والأربعين من العلم.
الحديث العاشر
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ الظُّهْرَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَبِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ.
قوله: "وبذي الحليفة ركعتين" في رواية الكشميهنيّ، والعصر بذي الحليفة ركعتين وهي ثابتة في رواية مسلم. وكذا في رواية أبي قلاية عن أنس عند المصنف في الحج، وأستدل به على استباحة قصر الصلاة في السفر القصير؛ لأن بين المدينة وذي الحليفة ستة أميال، وتعقب بأن ذا الحليفة لم تكن منتهى السفر، وإنما خرج إليها حيث كان قاصدًا إلى مكة فاتفق نزوله بها وكانت أوّل صلاة حضرت بها العصر فقصرها واستمر يقصر إلى أن رجع، ومناسبة أثر علي لحديث أنس ثم لحديث عائشة أن أثر علي قال على إن القصر يشرع بفراق الحضر، وكونه ﷺ لم يقصر حتى رأى ذا الحليفة إنما هو لكونه أول منزل نزله، ولم يحضر قبله وقت صلاة، ويؤيده حديث عائشة ففيه تعليق الحكم بالسفر والحضر، فحيث وجد السفر، شُرع القصر، وحيث وجد الحضر، شُرع الإتمام، واستدل به على إن مَنْ أراد السفر لا يقصر حتى يبرز من البلد، خلافًا لمن قال من السلف: يقصر ولو في بيته، كما مرَّ وفيه حجة على مجاهد في قوله: المار لا يقصر حتى يدخل الليل.
стр. 4981
رجاله خمسة:
مرّوا، مرّ أبو نعيم في الخامس والأربعين من الإيمان، ومرّ الثوري في السابع والعشرين منه، ومرّ محمد بن المنكدر في التاسع والخمسين من العلم، ومرّ إبراهيم بن ميسرة في الثامن من كتاب الجمعة.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، وفيه تابعيان ورواته بين كوفي ومدني ومكي. أخرجه البخاري أيضًا في الحج ومسلم في الصلاة وكذلك أبو داود والترمذي والنسائي.
الحديث الحادي عشر
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتِ: الصَّلاَةُ أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ فَأُقِرَّتْ صَلاَةُ السَّفَرِ، وَأُتِمَّتْ صَلاَةُ الْحَضَرِ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ مَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ؟ قَالَ: تَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ.
قوله: "الصلاة أوّل ما فرضت ركعتان" أي بإفراد الصلاة، والصلاة مبتدأ، وأول بدل منه أو مبتدأ ثان، خبره ركعتان، والجملة خبر المبتدأ الأول، ويجوز نصب أول على الظرفية والصلاة مبتدأ، والخبر محذوف تقديره فرضت في أول فرضها، وأصل الكلام الصلاة فرضت ركعتين في أول أزمنة فرضها، فهو ظرف للخبر المقدر، وما مصدرية والمضاف محذوف، كما تقرر ولغير أبوي ذر والوقت والأصيلي ركعتين بالياء نصب على الحال الساد مسد الخبر، وفي رواية الكشميهني: الصلوات بالجمع، واستشكلت من حيث اقتصار عائشة ﵂ معها على قولها: ركعتين؛ لوجوب التكرير في مثله. وقد وجدت في رواية كريمة وهي من رواية الكشميهني، ركعتين ركعتين بالتكرير، وحينئذ زال الإشكال.
وقوله: "فأقرت صلاة السفر" قال النووي أي: على جواز الإتمام. وقوله: "وأتمت صلاة الحضر" أي: على سبيل التحتم. وهذا الحديث مرّ في أول كتاب الصلاة، وهو الحديث الثاني، ومرّ استيفاء الكلام عليه هناك، ومنهم مَنْ حمل قول عائشة: فرضت أي: قدرت. وقال الطبري: معناه أن المسافر إذا اختار القصر فهو فرضه، ومن أدل دليل على تعين تأويل حديث عائشة هذا كونها كانت تتم في السفر، ولذلك أورده الزهري على عروة فأجابه بقوله: تأوّلت ما تأول عثمان. وقد مرّ ما تأوّل به عثمان مستوفى في الحديث الثالث في الباب الثاني، ولكون بعض ما مرّ من أن عثمان تأوله به، لا يمكن تأول عائشة به، كان الظاهر أن مراد عروة بقوله: كما تأول عثمان، التشبيه بعثمان في الإتمام بتأويل، لا في اتحاد تأويلهما، ويقوي هذا أن الأسباب اختلفت في تأويل عثمان، فتكاثرت بخلاف تأويل عائشة.
стр. 4982
وقد أخرج ابن جرير في تفسير سورة النساء أن عائشة كانت تصلي في السفر أربعًا فإذا احتجوا عليها تقول: إن النبي ﷺ كان في حرب وكان يخاف، فهل تخافون أنتم. وقد قيل في تأويل عائشة: إنما أتمت في سفرها إلى البصرة في قتال علي، والقصر عندها إنما يكون في سفر طاعة، وهذان القولان باطلان لاسيما الثاني، ولعل قول عائشة هذا هو السبب في حديث حارثة بن وهب الماضي قبل ببابين حيث قال فيه: آمن ما كان بمنىً. وقد جاء عنها سبب الإتمام صريحًا فيما أخرجه البيهقي عن عروة أنها كانت تصلي في السفر أربعًا، فقلت لها: لو صليت ركعتين، فقالت: يا ابن أختي إنه لا يشق علي. وإسناده صحيح، وهو دال على إنها تأوّلت أن القصر رخصة، وأن الإتمام لمن لا يشق عليه أفضل، ويدل على اختيار الجمهور ما رواه أبو يعلى والطبراني بإسنادٍ جيد عن أبي هريرة أنه سافر مع النبي ﷺ ومع أبي بكر وعمر فكلهم كان يصلي ركعتين من حين يخرج من المدينة إلى مكة حتى يرجع إلى المدينة في السير، وفي المقام بمكة.
قال الكرماني ما ملخصه: تمسكت الحنفية بحديث عائشة في أن الفرض في السفر أن يصلي الرباعية ركعتين، وتعقب بأنه لو كان على ظاهره لما أتمت عائشة، وعندهم العبرة بما رأى الراوي، إذا عارض ما روى، ثم ظاهر الحديث مخالف لظاهر القرآن؛ لأنه يدل على أنها فرضت في الأصل ركعتين واستمرت في السفر، وظاهر القرآن أنها كانت أربعًا فنقصت، وقد مرّ استيفاء الكلام على هذا عند هذا الحديث في أوّل كتاب الصلاة، ثم إن قولها: "الصلاة" تعم الخمس، وهو مخصوص بخروج المغرب مطلقًا، والصبح بعدم الزيادة فيها في الحضر والعام إذا خص ضعفت دلالته حتى اختلف في بقاء الاحتجاج به.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ عبد الله بن محمد المسندي في الثاني من الإيمان، ومرّ ابن عيينة في الأول من بدء الوحي، والزهري في الثالث منه، وعروة وعائشة في الثاني منه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول. وشيخ البخاري من أفراده، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابية، ورواته بخاري ومكي ومدنيون. أخرجه البخاري أيضًا في أوّل كتاب الصلاة، ومسلم والنسائي في الصلاة. ثم قال المصنف:
стр. 4983
باب تصلى المغرب ثلاثًا في السفر
أي كالحضر؛ لأنها وتر النهار، ويجوز في تصلي فتح اللام مع المثناة الفوقية، والمغرب بالرفع نائبًا عن الفاعل، ويجوز فيه: يصلي بالياء وفاعله المسافر فإن قيل: ما وجه تسمية صلاة المغرب بوتر النهار مع كونها ليلية، أجيب بأنها لما كانت عقب آخر النهار وندب إلى تعجيلها عقب الغروب أطلق عليها وِتْر النهار، لقربها منه، ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على عدم قصرها، وأما جواب أبي الخطاب بن دحية للملك الكامل حين سأله عن حكمها بجواز قصرها إلى ركعتين فباطل كالحديث الذي رواه فيه، بل قيل إنه واضعه، والمختلق له. وقد رمى مع غزارة علمه وكثرة حفظه بالمجازفة في النقل، وذكر أشياء لا حقيقة لها، وأراد المؤلف أن الأحاديث المطلقة في قول الراوي: كان يصلي في السفر ركعتين محمولة على المقيدة بأن المغرب بخلاف ذلك. وروى أحمد عن ثمامة بن شرحبيل قال: خرجت إلى ابن عمر فقلت: ما صلاة المسافر؟ قال: ركعتين إلاّ صلاة المغرب ثلاثًا.
وروى البزار عن علي قال: صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف ركعتين، إلاَّ المغرب ثلاثًا وصليت معه في السفر ركعتين إلاَّ المغرب ثلاثًا. وروى أحمد عن أبي نصرة أن فتى من أسلم سأل عمران بن حصين عن صلاة رسول الله ﷺ فقال: ما سافر رسول الله ﷺ إلاَّ صلّى ركعتين إلاَّ المغرب. وروى الطبراني عن خزيمة بن ثابت قال: صلّى النبي ﷺ يجمع المغرب والعشاء واثنتين بإقامة واحدة.
الحديث الثاني عشر
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ فِي السَّفَرِ يُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ. قَالَ سَالِمٌ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَفْعَلُهُ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ. وَزَادَ اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ سَالِمٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ. قَالَ سَالِمٌ: وَأَخَّرَ ابْنُ عُمَرَ الْمَغْرِبَ، وَكَانَ اسْتُصْرِخَ عَلَى امْرَأَتِهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ فَقُلْتُ لَهُ: الصَّلاَةُ. فَقَالَ: سِرْ. فَقُلْتُ: الصَّلاَةُ. فَقَالَ: سِرْ. حَتَّى سَارَ مِيلَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ
стр. 4984
- ﷺ يُصَلِّي إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ يُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ، فَيُصَلِّيهَا ثَلاَثًا ثُمَّ يُسَلِّمُ، ثُمَّ قَلَّمَا يَلْبَثُ حَتَّى يُقِيمَ الْعِشَاءَ فَيُصَلِّيَهَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُسَلِّمُ، وَلاَ يُسَبِّحُ بَعْدَ الْعِشَاءِ حَتَّى يَقُومَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ.
قوله: "إذا أعجله السير في السفر" يُخرج ما إذا أعجله السير في الحضر كأن يكون خارج البلد في بستان مثلًا. وقوله: "وزاد الليث حدّثني يونس" وصله الإسماعيلي بطوله عن القاسم بن زكرياء.
وقوله: "استُصرخ" بالضم أي: استغيث بصوتٍ مرتفع، وهو من الصراخ بالخاء المعجمة، والمصرخ المغيث قال تعالى: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾.
وقوله: "فقلت له الصلاة" بالنصب على الإِغراء. وقوله: "فقلت له الصلاة" فيها ما كانوا عليه من مراعاة أوقات العبادة.
وفي قوله: "سر" جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، وظاهر سياق المؤلف: أن جميع ما بعد قوله زاد الليث ليس داخلًا في رواية شعيب، وليس كذلك فإنه أخرج رواية شعيب بعد ثمانية أبواب، وفيها أكثر من ذلك، وإنما الزيادة في قصة صفية، وصنيع ابن عمر خاصة، وفي التصريح بقوله: قال عبد الله: رأيت رسول الله ﷺ فقط.
وقوله: "حتى سار ميلين أو ثلاثة" أخرجه المصنف في باب السرعة في السير من كتاب الجهاد من رواية أسلم مولى عمر. قال: كنت مع عبد الله بن عمر بطريق مكة فبلغه عن صفية بنت أبي عبيد شدة وجع فأسرع السير حتى إذا كان بعد غروب الشفق نزل فصلّى المغرب والعتمة جمع بينهما، فأفادت هذه الرواية تعيين السفر المذكور، ووقت انتهاء السير، والتصريح بالجمع بين الصلاتين وأفاد النسائي في رواية أنها كتبت إليه تعلمه بذلك. ولمسلم نحوه من رواية نافع عن ابن عمر. وفي رواية لأبي داود من هذا الوجه، فسار حتى غاب الشفق، وتصويت النجوم نزل فصلَّى الصلاتين جميعًا. وللنسائي من هذا الوجه حتى إذا كان في آخر الشفق نزل فصلَّى المغرب ثم أقام العشاء، وقد توارى الشفق فصلَّى بنا. فهذا محمول على إنها قصة أخرى ويدل على إن في أوله خرجتُ مع ابن عمر في صفر يزيد أرضًا له. وفي الأول أن ذلك كان بعد رجوعه من مكة، فدل على التعدد.
وقوله: "وقال عبد الله رأيت رسول الله ﷺ إذا أعجله السير" يؤخذ منه جواز التأخير بمن كان على ظهر سير، وسيأتي بعد ستة أبواب الكلام على الجمع تقديمًا وتأخيرًا مستوفي.
وقوله: "يقيم المغرب" كذا للحموي، والأكثر بالقاف وهي موافقة للرواية الآتية، وللمستملي والكشميهني: يعتم بعين مهملة ساكنة بعدها مثناة فوقانية مكسورة أي: يدخل في العتمة، ولكريمة يؤخر وإنما خص ابن عمر صلاة المغرب والعشاء بالذكر، لوقوع الجمع له بينهما.
стр. 4985
رجاله سبعة:
قد مرّوا، وفيه ذكر صفية بنت أبي عبيد، مرّ أبو اليمان وشعيب في السابع من بدء الوحي، ومرّ الزهري والليث في الثالث منه، ومرّ يونس بن يزيد في متابعة بعد الرابع منه، ومرّ سالم بن عبد الله في السابع عشر من الإيمان، ومرّ أبوه في أوله قبل ذكر حديث منه، وصفية بنت أبي عبيد بن مسعود الثقفية امرأة ابن عمر، وهي أخت المختار تزوجها ابن عمر في خلافة أبيه، فقد أخرج ابن سعد عن ابن عمر: أصدق عني عمر صفية أربعمائة، وزدت أنا مائة سرًّا. أُمها عليلة بنت أسيد بن أبي العاص أخت عتّاب أمير مكة. قال العجلي: مدنية تابعية ثقة، وذكرها ابن حِبّان في الثقات، وذكرها ابن عبد البر في الصحابة وقال لها رواية. وقال ابن مندة: أدركت النبي ﷺ ولا يصح لها منه سماع. وقال الدارقطني: لم تدرك النبي ﷺ قال في "الإصابة": وقوع تزويجها في خلافة عمر يقرب قول مَنْ قال إنها ولدت في عهد النبي ﷺ فيحمل قول مَنْ نفى الإدراك على إدراك السماع، فكأنها لم يتميز إلاَّ بعد الوفاة النبوية. قال ابن سعد: ولدت لابن عمر، واقدًا وأبا بكر، وأبا عبيدة وعبيد الله وعمر وحفصة وسودة. وأخرج بسند جيد إنها قد أسنّت فكانت تطوف على الراحلة. حدّثت عن عمر وعائشة وحفصة وأُم سلمة. وروى عنها سالم ولد زوجها ونافع مولاه وعبد الله بن دينار وموسى بن عقبة. كان إسراع ابن عمر لما بلغه في الحج إنها في السياق في إمارة ابن الزبير.
لطائف إسناده:
فيه التحديث والإخبار بالجمع والإفراد والعنعنة والقول والرؤية، وفيه حمصيان ومدنيان ومصري وأيلي. أخرجه البخاري في موضعين في تقصير الصلاة، والنسائي في الصلاة. ثم قال المصنف:
стр. 4986
باب صلاة التطوع على الدابة وحيثما توجهت
في رواية كريمة وأبي الوقت على لدواب بصيغة الجمع. قال ابن رشيد أورد فيه الصلاة على الراحلة، فيمكن أن يكون ترجم بأعم، ليلحق الحكم بالقياس، ويمكن أن يستفاد ذلك من إطلاق حديث جابر المذكور في الباب، وقد تقدم في أبواب الوتر قول ابن المنير أنه ترجم بالدابة تنبيهًا على أن لا فرق بينهما وبين البعير في الحكم إلى آخر كلامه، وأشرنا هناك إلى ما ورد هنا بعد باب بلفظ الدابة.
الحديث الثالث عشر
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ.
قوله: "يصلي على راحلته" بين في رواية عقيل أن ذلك في غير المكتوبة، وسيأتي بعد باب، وكذلك لمسلم من رواية يونس عن الزهري بلفظ: السبحة. والراحلة هي الناقة التي تصلح لأن ترحل، وكذلك الرحول ويقال: الراحلة المركب من الإبل ذكرًا كان أو أنثى قاله الجوهري. وقال ابن الأثير: الراحلة من الإبل البعير القوي على الأسفار والأحمال، والذكر والأنثى فيه سواء، والهاء للمبالغة.
وقوله: "حيث توجهت به" هو أعم من قول جابر في غير القبلة. قال ابن التين: قوله: "حيث توجهت" مفهومه أنه يجلس على هيئته التي يركبها عليها. ويستقبل بوجهه ما استقبلته الراحلة. فقوله: توجهت به، يتعلق بقوله: يصلي وفي الرواية الآتية، وهو على الراحلة يسبح قبل أي وجه توجهت به، فصوب الطريق بدل من القبلة فلا يجوز له الانحراف عنه إلاَّ أن يكون إلى القبلة، فلا شيء عليه لأنها الأصل. وهذا خاص بالراكب للدابة خاصة دون الماشي ودون راكب السفينة.
وقاست الشافعية الماشي على الراكب ويشترط عند المالكية أن يكون سفر قصر، وحجتهم أن هذه الأحاديث إنما وردت في أسفاره ﵊ ولم ينقل أنه سافر سفرًا قصيرًا، فصنع ذلك. وحجة الجمهور مطلق الأخبار في ذلك، وهذا بالإجماع في السفر، واختلفوا في الحضر كأن يخرج إلى ضيعة، مسيرتها ميل أو نحوه، فجوزه أبو يوسف والإصطخري من الشافعية، محتجين بعموم حديث الباب؛ لأنه لم يصرح فيه بذكر السفر، واحتج الجمهور بحديث ابن عمر الآتي فإنه مذكور فيه السفر، وكذلك في إحدى روايات مسلم.
стр. 4987
رجاله ستة:
مرّ منهم علي بن عبد الله المديني في الرابع عشر من العلم، ومرّ عبد الأعلى في تعليق بعد الثالث من الإيمان، ومرّ معمر بن راشد في متابعة بعد الرابع من بدء الوحي، ومرّ الزهري في الثالث منه. والباقي اثنان:
الأول: عبد الله بن عامر بن ربيعة العنزي أبو محمد المدني حليف بني عدي، ولد في عهد النبي ﷺ له أخ أكبر منه اسمه أيضًا عبد الله استشهد يوم الطائف، فلما ولد هو سمّاه أبوه باسمه. أُمهما أُم عبد الله ليلى بنت أبي خيثمة بن عبد الله بن عويج. وقال النبي ﷺ لأُمه: "ابشري بعبد الله خلف عن عبد الله". قال ابن حجر: وهذا لا يصح لما سيجيء أنه حفظ عن النبي ﷺ وهو غلام. ومن ولد بعد الطائف إنما يدرك من حياته ﵊ سنتين. قال الواقدي: كان عبد الله ثقة، قليل الحديث. وقال أبو زرعة: مدني أدرك النبي ﷺ وهو ثقة. وقال العجلي: مدني تابعي. ثقة من كبار التابعين، وأخرج أحمد والبخاري في "التاريخ" والطبراني عنه أنه قال: دخل رسول الله ﷺ على أُمي وأنا غلام فأدبرت خارجاً فنادتني أُمي: يا عبد الله تعال هاك فقال لها النبي ﷺ : "ما تعطينه؟ "، قالت: تمرًا، قال: "أما إنك لو لم تفعلي لكانت عليك كِذبة". قال الواقدي: ما أراه محفوظًا مع إنه نقل عنه أنه كان ابن خمس سنين عند وفاته ﵊، وكذا قال ابن منده، وذكره الترمذي في الصحابة وقال: رأى النبي ﷺ وسمع منه حرفًا وإنما رأيته عن الصحابة، وكان شاعرًا ومن شعره ما رثى به زيد بن عمر بن الخطاب لما وقعت منازعة بين فريقين من بني عدي أحد الفريقين آل أبي حذيفة، والآخر آل المطيع بن الأسود فقتل زيد بن الخطاب بينهم فقال عبد الله بن عامر يرثيه:
إنّ عديًا ليلةَ البقيع ... تَكشّفوا عن رجلٍ صريع
مقاتل في الحسب الرفيع ... أدركه يوم بني مطيع
روى عن أبيه، وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم، وروى عنه الزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعبد الرحمن بن القاسم وغيرهم. مات سنة بضع وثمانين، وقال الطبري: سنة خمس وثمانين.
الثاني: أبو الأول عامر بن ربيعة بن كعب بن مالك بن ربيعة بن عامر بن مالك أبو عبد الله العنزي العدوي حليف آل الخطاب، كان من المهاجرين الأولين، أسلم قبل عمر وهاجر الهجرتين وشهد بدرًا والمشاهد كلها، هاجر الحبشة معه امرأته ليلى بنت أبي خيثمة، ثم هاجر بها إلى المدينة، كان أوّل مَنْ قدم المدينة مهاجرًا بعد أبي سلمة بن عبد الأسد، تبناه الخطاب وكان يُقال له عامر بن الخطاب حتى نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ فرجع عامر إلى نسبه، وهو صحيح النسب كان معه لواء عمر بن الخطاب لمّا قدم الجابية، واستخلفه عثمان على الحج. وروى يحيى بن
стр. 4988
سعيد الأنصاري عن ولده عبد الله قال: قام عامر يصلي من الليل، وذلك حين شعب الناس في الطعن علي عثمان، فصلَّى من الليل ثم نام، فأتى في منامه فقيل له: قم فسل الله أن يعيذك من الفتنة التي أعاذ منها صالح عباده، فقام فصلّى ثم اشتكى فما خرج بعد إلا جنازة، له اثنان وعشرون حديثًا اتفقا على حديثين. روى عن أبي بكر وعمر، وروى عنه ابنه عبد الله، وعبد الله بن عمر وابن الزبير وأبو أُمامة. مات سنة اثنين أو ثلاث أو ست أو سبع وثلاثين.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول والرؤية، ورواية الصحابي عن الصحابي. أخرجه البخاري أيضًا في تقصير الصلاة ومسلم في الصلاة.
الحديث الرابع عشر
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي التَّطَوُّعَ وَهْوَ رَاكِبٌ فِي غَيْرِ الْقِبْلَةِ.
قوله: "وهو راكب" في الرواية الآتية: على راحلته نحو المشرق. وزاد: وإذا أراد أن يصلي المكتوية نزل فاستقبل القبلة. وبيّن في المغازي عن جابر أن ذلك كان في غزوة أنمار، وكانت أرضهم قبل المشرق لمن يخرج من المدينة، فتكون القبلة على يسار المقاصد إلميهم. وزاد الترمذي عن أبي الزبير عن جابر بلفظ: فجئت وهو يصلي على راحلته نحو المشرق السجود أخفض من الركوع.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ أبو نعيم في الخامس والأربعين من الإيمان، ومرّ شيبان ويحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من العلم، ومرّ جابر في الرابع من بدء الوحي، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان القرشي العامري مرّ في الثامن من استقبال القبلة.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإخبار بالإفراد والعنعنة والقول، وفيه رواية التابعي عن التابعي. أخرجه البخاري في تقصير الصلاة أيضًا وفي الصلاة.
الحديث الخامس عشر
حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ وَيُوتِرُ عَلَيْهَا، وَيُخْبِرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُهُ.
стр. 4989
قوله: "كان ابن عمر يصلي على راحلته" يعني: في السفر، وصرّح به في حديث الباب الذي بعده. وقوله: "ويوتر عليها" لا يعارض ما رواه أحمد بإسناد صحيح عن سعيد بن جبير أن ابن عمر، كان يصلي على الراحلة تطوعًا فإذا أراد أن يوتر نزل فأوتر على الأرض؛ لأنه محمول على أنه فعل كلا الأمرين ويؤيد رواية الباب ما تقدم في أبواب الوتر، أنه أنكر على سعيد بن يسار نزوله الأرض ليوتر وإنما أنكر عليه مع أنه كان يفعله؛ لأنه أراد أن يبين له أنّ النزول ليس بحتم، ويحتمل أن يتنزل فعل ابن عمر على حالين، فحيث أوتر على الراحلة كان مُجدًا في السير، وحيث نزل فأوتر على الأرض، كان بخلاف ذلك.
وفي الحديث جواز الوتر كغيره من النوافل على الراحلة، وبه قال مالك والشافعي وأحمد، ولو صلى منذورة أو جنازة على الراحلة لم يجز لسلوكهم بالأولى مسلك واجب الشرع ولأن الركن الأعظم في الثانية القيام، وفعلها على الدابة السائرة يمحو صورته، ولو فرض إتمامه عليها، فكذلك كما اقتضاه كلامهم؛ لأن الرخصة إنما كانت لكثرته وتكراره، وهذه نادرة. وصرّح الإِمام بالجواز. وصوبه الأسنوي قال: وكلام الرافعي يقتضيه. وقالت الحنفية: لا يجوز الوتر إلاَّ على الأرض، كما في الفرض، وإنما جازت صلاته ﷺ للوتر على الراحلة مع كونه واجبًا عليه، لكون صلاته على الراحلة مع الوجوب خصوصية له ﵊.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ عبد الأعلي بن حمّاد في الرابع والثلاثين من الغسل، ومرّ وهيب في السادس والعشرين من العلم، ومرّ نافع في الأخير منه، ومرّ موسى بن عقبة في الخامس من الوضوء ومرّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه. ثم قال المصنف:
стр. 4990
باب الإيماء على الدابة
أي: للركوع والسجود لمن لم يتمكن من ذلك، وبهذا قال الجمهور، وروى أشهب عن مالك، وهو مشهور مذهبه أن الذي يصلي على الدابة لا يسجد ولو أمكنه بل يومىء.
الحديث السادس عشر
حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، أَيْنَمَا تَوَجَّهَتْ يُومِىءُ. وَذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُهُ.
هذا الحديث مرّ في أبواب الوتر في باب الوتر في السفر، عن موسى هذا عن جويرية بن أسماء فكان لموسى فيه شيخان، فإن الراوي عن ابن عمر في ذلك مغاير لهذا، وزاد في رواية جويرية يومىء إيماءً، إلاَّ الفرائض. قال ابن دقيق العيد: الحديث يدل على الإيماء مطلقًا في السجود والركوع معًا، والفقهاء قالوا: يكون الإيماء في السجود أخفض من الركوع، ليكون البدل على وفق الأصل، وليس في لفظ الحديث ما يثبته ولا ينفيه، إلاَّ إنه وقع في حديث جابر عند الترمذي كما مرّ.
وقوله: "يومىء" أي: يشير برأسه إلى الركوع والسجود من غير أن يضع جبهته على ظهر الراحلة، وإنما جاز ذلك في النافلة تيسيرًا لتكثيرها. فإن ما اتسع طريقه سهل فعله.
وقد مرّت مباحث الوتر في قراءة القرآن بعد الحدث وغيره من كتاب "الوضوء"، وفي باب الحلق في المسجد من أبواب المساجد.
رجاله أربعة:
مرّ منهم موسى بن إسماعيل في الخامس من بدء الوحي، ومرّ عبد الله بن دينار في الثاني من الإيمان، ومرّ ابن عمر الآن، ومرّ عبد العزيز بن مسلم القسملي في تعليق بعد الأربعين من العلم. ثم قال المصنف:
стр. 4991
باب ينزل للمكتوبة
أي: لأجلها قال ابن بطال: أجمع العلماء على اشتراط ذلك، وإنه لا يجوز لأحد أن يصلي الفريضة على الدابة من غير عذر، حاشا ما ذكره في صلاة شدة الخوف.
الحديث السابع عشر
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّ عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ أَخْبَرَهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ عَلَى الرَّاحِلَةِ يُسَبِّحُ، يُومِىءُ بِرَأْسِهِ قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي الصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ.
قوله: "يسبح" أي: يصلي النافلة. وقد تكرر في الحديث كثيرًا، وسيأتي قريبًا حديث عائشة سبحة الضحى والتسبيح حقيقة في قول: "سبحان الله" فإذا أطلق على الصلاة فهو من باب إطلاق اسم البعض على الكل، أو لأن المصلي منزّه لله تعالى بإخلاص العبادة، والتسبيح التنزيه، فيكون من باب الملازمة وأما اختصاص ذلك بالنافلة، فهو عرف شرعي.
رجاله ستة:
قد مرّوا، مرّت الأربعة الأول بهذا النسق في الثالث من بدء الوحي، ومرّ عبد الله وأبوه عامر في الثالث عشر من التقصير هذا.
الحديث الثامن عشر
وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ سَالِمٌ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُصَلِّي عَلَى دَابَّتِهِ مِنَ اللَّيْلِ وَهْوَ مُسَافِرٌ، مَا يُبَالِي حَيْثُ مَا كَانَ وَجْهُهُ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَبِّحُ عَلَى الرَّاحِلَةِ قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ، وَيُوتِرُ عَلَيْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ.
قال المهلب: هذه الأحاديث تخص قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. وتبين أن قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ في النافلة. وقد أخذ بمضمون هذه الأحاديث
стр. 4992
فقهاء الأمصار، إلاَّ أن أحمد وأبا ثور كانا يستحبان أن يستقبل القبلة بالتكبير، حال ابتداء الصلاة. والحجة لذلك حديث الجارود بن أبي سبرة عن أنس أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يتطوع في السفر استقبل بناقته القبلة، ثم صلّى حيث توجهت ركابه، أخرجه أبو داود وأحمد والدارقطني. وقد مرّ عند حديث عامر بن ربيعة ما قيل من الخلاف في الصلاة على الدابة في السفر الذي لا تقصر فيه الصلاة، فمنعه مالك وجوزه الجمهور، واحتج الطبري للجمهور من طريق النظر أن الله تعالى جعل التيمم رخصة للمريض والمسافر، وقد أجمعوا على أن مَنْ كان خارج المصر على ميل أو أقل، ونيته العود إلى منزله لا إلى سفر آخر، ولم يجد ماءً، أنه يجوز له التيمم.
قال: فكما جاز له التيمم في هذا جاز له التنفل على الدابة لاشتراكهما في الرخصة.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ محل الليث وابن شهاب في الذي قبله، ومرّ يونس بن يزيد في متابعة بعد الرابع من بدء الوحي، ومرّ سالم بن عبد الله في السابع عشر من الإيمان، ومرّ أبوه عبد الله في أوله قبل ذكر حديث منه، وهذا الحديث أتى به معلقًا، وقد مرّ أن الإسماعيلي وصله.
الحديث التاسع عشر
حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَكْتُوبَةَ نَزَلَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ.
قوله: "أن يصلي المكتوبة" نزل فلا يصلي الفريضة على الدابة. قال القسطلاني: يعني إذا كانت سائرة، فلو صليت على هودج عليها، وهي واقفة صحت، وكذا لوكان في سرير يحمله رجال وإن مشوا به بخلاف الدابة السائرة، لأن سيرها منسوب إليه، بدليل جواز الطواف عليها، وفرق المتولي بينها وبين الرجال السائرين بالسرير بأنَّ الدابة لا تكاد تثبت على حالةٍ واحدةٍ، فلا تراعي الجهة، بخلاف الرجال، قال: حتى لو كان للدابة من يلزم لجامها ويُسيرها، بحيث لا تختلف الجهة، جاز ذلك.
قلت: مذهب مالك أن الصحيح لا تجوز له الصلاة على الدابة إلاَّ لعذر كالخوف في الالتحام، أو خوفٍ من سبع أو لص فيصليها على الدابة، وإنْ لغير القبلة، وكذلك يُصليها عليها إذا كان في خضخاض لا يطيق النزول به لخوف الغرق أو لخوف تلويث ثيابه على أحد قولين مشهورين. وهل تقيد بفسادها بالغسل أو لا؟ قولان: الأظهر الثاني، ولابد من خوف خروج الوقت ومن استقباله الفبلة. وأما المريض فإنْ كان لا يطيق النزول صلّى على الدابة من غير اعتبار، وإن كان يطيق النزول صلّى على الدابة إيماءً مستقبلًا للقبلة، موقفة له إذا كان إذا نزل صلّى على
стр. 4993
الأرض إيماء.
وقال تقي الدين: قد يتمسك بهذه الأحاديث على أنّ صلاة الفرض لا تُصلّى على الراحلة، وليس بقوي في الاستدلال؛ لأنه ليس فيه إلا ترك الفعل المخصوص، وليس الترك بدليل على الامتناع. وقد يقال إن دخول وقت الفريضة مما يكثر على المسافر فترك الصلاة على الراحلة دائمًا مع إن فعل النوافل على الراحلة مشعر بالفرق بينهما في الجواز وعدمه. وقد مرّ ما حكاه ابن بطال من الإجماع على منع صلاة الفرض على الراحلة من غير عذر.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ معاذ بن فضالة في التاسع عشر من الوضوء، ومرّ هشام الدستوائي في السابع والثلاثين من الإيمان، ومرّ يحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من العلم، ومرّ محمد بن عبد الرحمن في الرابع عشر من هذا الكتاب، ومرّ جابر في الرابع من بدء الوحي. ثم قال المصنف:
стр. 4994
باب صلاة التطوع على الحمار
قال ابن رشيد: مقصوده أنه لا يشترط في التطوع على الدابة أن تكون ظاهرة الفضلات، بل الباب في المركوبات واحد بشرط أن لا يماس النجاسة. وقال ابن دقيق العيد: يؤخذ من هذا الحديث طهارة عرق الحمار؛ لأن ملامسته مع التحرز منه متعذر، لاسيما إذا طال الزمان في ركويه واحتمل العرق.
الحديث العشرون
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَبَّانُ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ قَالَ: اسْتَقْبَلْنَا أَنَسًا حِينَ قَدِمَ مِنَ الشَّأْمِ، فَلَقِينَاهُ بِعَيْنِ التَّمْرِ، فَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ وَوَجْهُهُ مِنْ ذَا الْجَانِبِ، يَعْنِي عَنْ يَسَارِ الْقِبْلَةِ. فَقُلْتُ رَأَيْتُكَ تُصَلِّي لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ. فَقَالَ: لَوْلاَ أَنِّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَهُ لَمْ أَفْعَلْهُ.
قوله: "استقبلْنا" بسكون اللام. وقوله: "حين قدم من الشام" كان أنس قد توجه إلى الشام يشكو من الحجّاج عن عبد الملك، وفي رواية مسلم: حين قدم الشام، وغلطوه، لأن أنس بن سيرين إنما تلقاه لما رجع من الشام، فخرج ابن سيرين من البصرة ليتلقاه، ويمكن توجيهه بأن يكون المراد بقوله: حين قدم الشام، مجرد ذكر الوقت الذي وقع له فيه، ذلك كما تقول: فعلت كذا لمّا حججت. قال النووي: رواية مسلم صحيحة. ومعناه: تلقيناه في رجوعه حين قدم الشام.
وقوله: "فلقيناه بعين التمر" وهو موضع بطريق العراق مما يلي الشام، وكانت فيه وقعة شهيرة في آخر خلافة أبي بكر، بين خالد بن الوليد والأعاجم، ووجد بها غلمانًا من العرب، كانوا رهنًا تحت يد كسرى منهم: جد الكلبي المفسر، وحمران مولى عثمان، وسيرين مولى أنس.
وقوله: "ووجهه من ذا الجانب يعني عن يسار القبلة" لم يبِّين في هذه الرواية كيفية صلاة أنس، وذكره في "الموطأ" عن يحيى بن سعيد، قال: رأيت أنسًا وهو يصلّي على حمار، وهو متوجه إلى غير القبلة يركع ويسجد إيماءً من غير أن يضع جبهته على شيء.
وقوله: "رأيتك تصلي لغير القبلة" فيه إشعار بأنه لم ينكر الصلاة على الحمار، ولا غير ذلك من هيئة أنس في ذلك. وإنما أنكر عدم استقبال القبلة فقط. وفي قول أنس: لولا أني رأيت النبي ﷺ يفعله يعني: ترك استقبال القبلة للمتنفل على الدابة، جواب عن ذلك. وهل يؤخذ منه أن
стр. 4995
النبي ﷺ صلّى على حمار. فيه احتمال، وقد نازع في ذلك الإسماعيلي فقال: خبر أنس، إنما هو في صلاة النبي ﷺ راكبًا تطوعًا لغير القِبْلَة، فإفراد الترجمة في الحمار من جهة السنة، لا وجه له عندي. وقد أورد السراج عن يحيى بن سعيد أنه رأى النبي ﷺ يصلي على حمار، وهو ذاهب إلى حيبر، إسناده حسن، وله شاهد عند مسلم عن سعيد بن يسار عن ابن عمر رأيت النبي ﷺ يصلّي على حمار، وهو متوجه إلى خيبر، فهذا يرجح الاحتمال الذي أشار إليه البخاري.
رجاله خمسة:
قد مرّوا إلاَّ شيخ البخاري، مرّ حِبّان بن هلال في الحادي والخمسين من مواقيت الصلاة، ومرّ همام بن يحيى في الرابع والثمانين من الوضوء، ومرّ أنس بن سيرين في الرابع والعشرين من الجماعة، ومرّ أنس في السادس من الإيمان، وشيخ البخاري هو أحمد بن سعيد بن صخر الدارمي أبو جعفر السرخسي ثم النيسابوري. قال الخطيب: كان أحد المذكورين بالفقه ومعرفة الحديث والحفظ له. قال أحمد: ما قدم على خراسان أفقه بديننا منه، وعظمه حجاج الشاعر وكتب إليه أحمد لأبي جعفر أكرمه الله من أحمد بن حنبل. وقال يحيى بن زكرياء: كان ثقة جليلًا. وقال أحمد بن محمد بن عقدة: أقدمه الطاهرية هراة، وكان أحد حفاظ الحديث المتقين الثقة العالم بالحديث وبالرواة، تولى قضاء سرخس ثم انصرف إلى نيسابور إلى أن مات بها. وقال ابن حِبّان: كان ثقة ثبتًا صاحب حديث يحفظ. روى عن النضر بن شميل وأبي عامر العقدي ويحيى بن أبي كثير وغيرهم. وروى عنه الجماعة سوى النسائي والفلاس وأبو موسى، وهما أكبر منه، ووهب بن جرير وهو من شيوخه وغيرهم. مات بنيسابور سنة ثلاث وخمسين ومائتين. والسرخسي في نسبه نسبة إلى سرخس بلد عظيم بخراسان نهر، وهي بفتح السين والراء وسكون الخاء على الصحيح وضبطت بوزن جعفر ودرهم، ينسب إليها من القدماء محمد بن المهلب السرخسي شيخ أبي عبد الله الداغس وآخرون.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والقول، وشيخ البخاري مروزي، والبقية بصريون. ثم قال: ورواه إبراهيم بن طهمان عن حجاج عن أنس بن سيرين عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال في "الفتح": لم يسق المصنف المتن، ولا وقفنا عليه موصولًا من طريق إبراهيم، ووقع عند السراج عن عمر بن عامر عن الحجّاج بن الحجّاج بلفظ: إن رسول الله ﷺ كان يصلي على ناقته حيث توجهت به، فعلى هذا كأن أنسًا قاس الصلاة على الحمار بالصلاة على الراحلة. وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما مضى أن مَنْ صلّى على موضع فيه نجاسة لا يباشرها بشيء منه، أتى صلاته صحيحة؛ لأن الدابة لا تخلو من نجاسة، ولو على منفذها، وفيه الرجوع إلى أفعاله كالرجوع إلى أقواله من غير عرضة للاعتراض عليه، وفيه تلقى المسافر، وسؤال التلميذ شيخه عن مسند فعله، والجواب بالدليل، وفيه التلطف في السؤال والعمل بالإشارة، لقوله من ذا الجانب.
стр. 4996
رجاله أربعة:
قد مرّوا إلاَّ حجاج، مرّ محل أنس وأنس في الذي قبله، ومرّ إبراهيم بن طهمان في التاسع والعشرين من الغسل، وحجاج هو ابن حجّاج الباهلي البصري الأحول، وزعم بعضهم أنه هو حجّاج الأسود زق العسل القسملي، وفرق بينهما ابن أبي حاتم وهو الصواب. قال أحمد: ليس به بأس. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة من الثقات صدوق أروى الناس عنه إبراهيم بن طهمان، وهو أحد أصحاب قتادة، وذكره ابن حِبّان في الثقات. وقال أبو داود: ثقة روى عن أنس بن سيرين وقتادة ويونس بن عبيدة وغيرهم. وروى عنه إبراهيم بن طهمان نسخة كبيرة، ويزيد بن زريع وقزعة بن سويد وغيرهم. مات في طاعون البصرة سنة إحدى وثلاثين ومائة. ثم قال المصنف:
стр. 4997
باب مَنْ لم يتطوع في السفر دبر الصلاة
زاد الحموي في روايته وقبلها، والأرجح رواية الأكثر، لما يأتي في الباب الذي بعده، والمقصود هنا بيان أن مطلق قول ابن عمر صحبت النبي ﷺ فلم أره يسبح في السفر أي: يتنفل الرواتب التي قبل الفريضة وبعدها، وذلك مستفاد من قوله في الرواية الثانية، وكان لا يزيد في السفر على ركعتين.
الحديث الحادي والعشرون
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَّ حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ حَدَّثَهُ قَالَ: سَافَرَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ فَقَالَ: صَحِبْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمْ أَرَهُ يُسَبِّحُ فِي السَّفَرِ، وَقَالَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، إلاَّ عمر بن محمد، مرّ يحيى بن سليمان في الخامس والخمسين من العلم، ومرّ ابن وهب في الثالث عشر منه، ومرّ حفص بن عاصم في الثاني والستين من مواقيت الصلاة، ومرّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه، وعمر هو ابن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي المدني نزيل عسقلان، روى عنه الثوري وأثنى عليه. وقال أحمد وابن معين والعجلي وأبو داود ثقة. زاد ابن معين: كان مرابطًا بعسقلان، وكان ولده بها، وكان صالح الحديث. وقال أبو حاتم: هم خمس إخوة أوثقهم عمر، وهو ثقة صدوق، وقال الثوري: لم يكن في آل عمر أفضل منه. وقال ابن عيينة: حدّثني البر الصدوق عمر بن محمد بن زيد، وقال أبو عاصم كان من أفضل أهل زمانه كان أكثر مقامه بالشام، قدم إلى بغداد فانجفل الناس إليه، وقالوا: ابن عمر بن لخطاب ثم قدم الكوفة فأخذوا عنه، وكان له قدر وجلالة، وذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال الخريبي: ما رأيت رجلًا قط أطول منه، وبلغني أنه كان يلبس درع عمر بن الخطاب فيسحبها، وقال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث، روى عن أبيه وجده زيد وعم أبيه سالم ونافع مولى ابن عمر وغيرهم. وروى عنه أخوه عاصم وشعبة ومالك والسفيانان وابن المبارك وغيرهم، مات بعسقلان بعد أخيه أبي بكر بقليل، ومات أبو بكر بعد خروج محمد بن عبد الله بن حسن، وخرج محمد سنة خمس وأربعين ومائة، وقتل سنة خروجه على الصحيح.
стр. 4998
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإفراد والسؤال والقول، ورواته ما بين كوفي وبصري ومدني، أخرجه البخاري أيضًا ومسطم في الصلاة، وكذلك أبو داود والنسائي وابن ماجه.
الحديث الثاني والعشرون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عِيسَى بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ لاَ يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَذَلِكَ ﵃.
قوله: "فكان لا يزيد في السفر على ركعتين" قال ابن دقيق العيد: هذا اللفظ يحتمل أن لا يزيد في عدد ركعات الفرض، فيكون كناية عن نفي الإتمام، والمراد به الإخبار عن المداومة على القصر، ويحتمل أن يريد لا يزيد نفلًا، ويمكن أن يريد ما هو أعم من ذلك، ويدل على هذا الثاني رواية مسلم من الوجه الثاني الذي أخرجه المصنف، ولفظه: صحبت ابن عمر في طريق مكة، فصلَّى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رحله وجلسنا معه، فحانت منه التفاتة فرأى ناسًا قيامًا فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون، قال: لو كنت مسبحًا لأتممت، فذكر المرفوع كما ساقه المصنف قال النووي: أجابوا عن قول ابن عمر هذا بأن الفريضة محتمة، فلو شرعت تامة لتحتم إتمامها وتعقب بأن مراد ابن عمر بقوله: لو كنت مسبحًا لأتممت. يعني أنه لو كان مخيرًا بين الإتمام وصلاة الراتبة، لكان الإتمام أحب إليه، لكنه فهم من القصر التخفيف، فلذلك كان لا يصلي الراتبة، ولا يتم.
وقوله: "وأبا بكر" معطوف على قوله: "صحبت رسول الله ﷺ ". وقوله: "وعمر وعثمان كذلك" أي إنه صحبهم وكانوا لا يزيدون في السفر على ركعتين، وفي ذكر عثمان إشكال؛ لأنه كان في آخر أمره يتم الصلاة كما تقدم قريبًا، فيحمل على الغالب أو المراد به أنه كان لا يتنفل في أول أمره، ولا في آخره، وأنه إنما كان يتم إذا كان نازلًا، وأما إذا كان سائرًا فيقصر، فلذلك قيده في هذه الرواية بالسفر، وهذا أولى لما تقدم تقريره في الكلام على تأويل عثمان.
رجاله خمسة:
قد مرّوا إلاَّ عيسى، وفيه ذكر أبي بكر وعمر وعثمان، مرّ مسدد ويحيى القطان في السادس من الإيمان، ومرّ محل حفص وابن عمر في الذي قبله، ومرّ أبو بكر في باب مَنْ لم يتوضأ من لحم الشاة، بعد الحادي والسبعين من الوضوء، ومرّ عمر في الأول من بدء الوحي، ومرّ عثمان في تعليق بعد الخامس من العلم، وعيسى هو ابن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي أبو زياد المدني لقبه رباح وهو عم عبيد الله بن عمر أُمه ميمونة بنت داود الخزرجية، وربما عرف بقبيلة
стр. 4999
أخواله، فيقال له عيسى بن حفص الأنصاري. قال ابن معين وأحمد والنسائي والعجلي: ثقة، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. له في الكتب حديثان: أحدهما عن أبيه عن ابن عمر في قصر الصلاة، والآخر عن نافع عن ابن عمر في فضل المدينة. روى عن أبيه وسعيد بن المسيب وعبيد الله العمري والقاسم بن محمد وغيرهم، وروى عنه سليمان بن بلال ويحيى القطان ووكيع وغيرهم، مات في خلافة أبي جعفر سنة سبع وخمسين ومائة وهو ابن ثمانين سنة. ثم قال المصنف:
стр. 5000
باب مَنْ تطوع في السفر في غير دبر الصلاة وقبلها
سقط عند أبي الوقت وابن عساكر، والأصيلي في غير دبر الصلاة وقبلها، وثبت عند أبي ذر، وهذا مشعر بأن نفي التطوع في السفر محمول على ما بعد الصلاة خاصة متصلًا بها، فلا يتناول ما قبلها، ولا ما لا تعلق له بها من النوافل المطلقة، كالتهجد، والوتر، والضحى. فقوله: "وقبلها" عطف على قوله "في غير دبر الصلاة"، وهو من عطف الخامس على العام، وبيان ذلك هو أن قوله في غير دبر الصلاة يشمل ما كان قبلها مطلقًا متصلًا، كان بها أو منفصلًا، وما بعدها منفصلًا عنها بحيث لا يكون في دبرها. والفرق بين ما قبلها وما بعدها أن التطوع قبلها لا يظن أنه منها؛ لأنه ينفصل عنها بالإقامة وانتظار الإِمام غالبًا بخلاف ما بعدها، فإنه في الغالب يتصل بها، فقد يظن أنه منها، وقد ذكر العلماء في السفر خمسة أقوال: المنع مطلقًا، والجواز مطلقًا، والفرق بين الرواتب والمطلقة وهو مذهب ابن عمر. كما أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن مجاهد قال: صحبت ابن عمر من المدينة إلى مكة وكان يصلي تطوعًا على دابته، حيثما توجهت به، فإذا كانت الفريضة نزل فصلَّى. والرابع الفرق بين الليل والنهار في المطلقة، والخاص ما مرّ من الفرق بين القبلية والبعدية.
ثم قال: وركع النبي ﷺ في السفر ركعتي الفجر، ورد ذلك في حديث أبي قتادة عند مسلم في قصة النوم عن صلاة الصبح، ففيه: ثم صلّى ركعتين قبل الصبح ثم صلّى الصبح كما كان يصليها. وله من حديث أبي هريرة في هذه القصة أيضًا، ثم دعا بماء فتوضأ ثم صلى سجدتين أي: ركعتين ثم أُقيمت الصلاة فصلّى صلاة الغداة، الحديث. ولابن خزيمة والدارقطني عن سعيد بن المسيب عن بلال في هذه القصة: فأمر بلالًا فأذّن ثم توضأ، فصلوا ركعتين ثم صلّوا الغداة، ونحوه للدارقطني عن عمران بن حصين قال: صاحب الهدى لم يحفظ عن النبي ﷺ أنه صلّى سنة الصلاة قبلها ولا بعدها في السفر إلاَّ ما كان من سنة الفجر. قال في "الفتح": ويرد على إطلاقه ما رواه أبو داود والترمذي عن البراء بن عازب قال: سافرت مع النبي ﷺ ثمانية عشر سفرًا فلم أره ترك ركعتين إذا زاغت الشمس قبل الظهر. وكأنه لم يثبت عنده، لكن الترمذي استغربه، ونقل عن البخاري أنه رآه حسنًا، وقد حمله بعض العلماء على سنة الزوال لا على الراتبة قبل الظهر.
стр. 5001
الحديث الثالث والعشرون
حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرٍو بن مرة عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: مَا أَنْبَأَ أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الضُّحَى غَيْرُ أُمِّ هَانِىء ذَكَرَتْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ اغْتَسَلَ فِي بَيْتِهَا، فَصَلَّى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ، فَمَا رَأَيْتُهُ صَلَّى صَلاَةً أَخَفَّ مِنْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ.
هذا لا يدل على نفي الوقوع؛ لأن عبد الرحمن بن أبي ليلى إنما نفى ذلك عن نفسه، وأما قول ابن بطال: لا حجة في قول ابن أبي ليلى، وترد عليه الأحاديث الواردة في أنه صلّى الضحى وأمر بها، ثم ذكر منها جملة. فلا يرد على ابن أبي ليلى شيء منها. والمقصود هنا أنه ﷺ صلّاها يوم فتح مكة.
وفي حديث ابن عباس أنه كان حينئذ يقصر الصلاة المكتوبة، وكان حكمه حكم المسافر. وقد مرّت مباحث صلاة الضحى مستوفاة غاية الاستيفاء عند ذكر هذا الحديث أوائل كتاب الصلاة في باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفًا به.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ حفص بن عمر في الثالث والثلاثين من الوضوء، ومرّ شعبة في الثالث من الإيمان، ومرّ عمرو بن مرة في السبعين من الجماعة، ومرّ ابن أبي ليلى في الثالث والستين من صفة الصلاة، ومرّت أُم هانىء في الثلاثين من الغسل. أخرجه البخاري هنا، وفي المغازي ومسلم في الصلاة، وكذلك أبو داود والترمذي والنسائي.
الحديث الرابع والعشرون
وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى السُّبْحَةَ بِاللَّيْلِ فِي السَّفَرِ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ.
هذا الحديث قد مرّ قبل بابين موصولًا من رواية الليث عن عقيل، ولكن لفظ الروايتين مختلف، ورواية يونس هذه وصلها الذهلي في "الزهريات" عن أبي صالح عنه.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ الليث والزهري في الثالث من بدء الوحي، ومرّ يونس بن يزيد في متابعة بعد الرابع منه، ومرّ عبد الله بن عامر وأبوه عامر في الثالث عشر من التقصير هذا.
стр. 5002
الحديث الخامس والعشرون
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ، يُومِىءُ بِرَأْسِهِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ.
قوله: "يومىء برأسه" هو تفسير لقوله يسبح أي: يصلي إيماءً. وقد تقدم في باب الإيماء على الدابة من وجه آخر عن ابن عمر، لكن هناك ذكره موقوفًا ثم عقبه بالمرفوع، وهنا ذكره مرفوعًا ثم عقبه بالموقوف. وفائدة ذلك مع أن الحجة قائمة بالمرفوع أن يبين أن العمل استمر على ذلك، ولم يتطرق إليه نسخ ولا معارض ولا راجح. وقد اشتملت أحاديث الباب على أنواع ما يتطوع به، سوى الراتبة التي بعد المكتوبة، فالأول: وهو المعلق لما قبل المكتوبة. والثاني: لما له وقت مخصوص من النوافل، كالضحى، والثالث: لصلاة الليل، والرابع: لمطلق النوافل.
وقد جمع ابن بطال بين ما اختلف على ابن عمر في ذلك بأنه كان يمنع التنفل على الأرض. ويقول به على الدابة. وقال النووي تبعًا لغيره: لعل النبيَّ ﷺ كان يصلي الرواتب في رحله، ولا يراه ابن عمر، أو لعله تركها في بعض الأوقات، لبيان الجواز. وقد مرّ في باب مَنْ لم يتطوع في السفر دبر الصلاة ما يحصل به الجمع، بين ما اختلف عن ابن عمر.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ أبو اليمان وشعيب في السابع من بدء الوحي، والزهري في الثالث منه، وسالم بن عبد الله في السابع عشر من الإيمان، وأبوه في أوله قبل ذكر حديث منه. ثم قال المصنف:
стр. 5003
باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء
أورد فيه ثلاثة أحاديث: حديث ابن عمر، وهو مقيد بما إذا جد السير. وحديث ابن عباس: وهو مقيد بما إذا كان سائرًا. وحديث أنس: وهو مطلق، واستعمل المصنف الترجمة مطلقة إشارة إلى العمل بالمطلق؛ لأن المقيد فرد من أفراده، وكأنه رأى جواز الجمع بالسفر سواء كان سائرًا أم لا، سواء كان سيرًا مجدًا أم لا، وهذا مما وقع فيه الاختلاف بين أهل العلم، فقال بالإطلاق كثير من الصحابة والتابعين. ومن الفقهاء: الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأشهب، ولكن لابد عند هؤلاء من كون السفر سفر قصر، وسواء كان في البر أو البحر. وقال قوم: لا يجوز الجمع مطلقًا إلا بعرفة ومزدلفة. وهو قول الحسن والنخعي وأبي حنيفة وصاحبيه، ووقع عند النووي أن الصاحبين خالفا شيخهما ورده السروجي في شرح الهداية وهو أعرف بمذهبه وأجابوا عمّا ورد في ذلك من الأخبار بأن الذي وقع جمع صوري، وهو أنه أخر المغرب مثلًا إلى آخر وقتها، وعجّلِ العشاء في أول وقتها. وتعقبه الخطابي بأن الجمع رخصة، فلو كان على ما ذكروه لكان أعظم ضيقًا من الإتيان بكل صلاة في وقتها؛ لأن أوائل الأوقات وأواخرها مما لا يدركه أكثر الخاصة فضلًا عن العامة، ومن الدليل على أن الجمع رخصة قول ابن عباس: أراد أن لا يحرج أمته. أخرجه مسلم.
وأيضًا فإن الأخبار جاءت صريحة بالجمع في وقت إحدى الصلاتين كما سيأتي في الباب الذي يليه، وذلك هو المتبادر إلى الفهم من لفظ الجمع، ومما يرد العمل على أن الجمع الصوري جمع التقديم الآتي ذكره بعد باب، وأيضًا لو كان الجمع كما قالوا لجاز الجمع بين العصر والمغرب، وبين العشاء والصبح، ولا خلاف بين الأُمة في تحريم ذلك. وقيل: يختص الجمع بمن يجد به السير؛ لأمر يخاف فواته. وبه قال الليث وهو أحد قولين مشهورين عند المالكية، ولا يشترط عندهم كون السفر سفر قصر، وهو عندهم جائز لا مكروه ولا مندوب، وهذا فيمن زالت الشمس عليه أو غربت وهو راكب، فيؤخر الوقتين إن نوى النزول في الاصفرار أو قبله، وإن نوى النزول بعد الغروب أو كان يعرف وقت نزوله صلاهما جمعًا صوريًا في وقتيهما، وينزل الثلث الأول من الليل منزلة ما قبل الاصفرار، والثلثان للفجر منزلة الاصفرار، والفجر منزلة الغروب. وهذا في جمع التأخير. ويأتي جمع التقديم. وقالت الشافعية: يجوز الجمع في الجمعة والعصر تقديمًا، كما نقله الزركشي واعتمده لا تأخيرًا؛ لأن الجمعة لا يتأتى تأخيرها عن وقتها، ولا تجمع المتحيرة تقديمًا، والأفضل عندهم تأخير الأولى إلى الثانية للسائر وقت الأولى، ولمن بات بمزدلة وتقديم الثانية إلى
стр. 5004
الأولى للنازل في وقتها، والواقف بعرفة. وقيل: يختص الجمع بالسائر دون النازل وهو قول ابن حبيب من المالكية وقيل: يختص بمن له عذر، حكي عن الأوزاعي. وقيل: يجوز جمع التأخير دون التقديم وهو مروي عن مالك وأحمد، واختاره ابن حزم، وإنما أورد المصنف أبواب الجمع في أبواب التقصير؛ لأنه تقصيرِ بالنسبة إلى الزمان، ولأن سببه التقصير أو السفر على ما مرّ، ثم ذكر أبواب صلاة المعذور قاعداً؛ لأنه تقصير بالنسبة إلى بعض صور الأفعال، ويجمع الجميع الرخصة للمعذور.
الحديث السادس والعشرون
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ.
قوله: "جدَّ به السير" أي: اشتد. قاله صاحب "المحكم". وقال عياض: جدَّ به السير أسرع، وكأنه نسب الإسراع إلى السير توسعًا.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ علي بن عبد الله المديني في الرابع عشر من العلم، ومرّ سفيان بن عيينة في الأول من بدء الوحي، ومرّ محل الثلاثة الباقية في الذي قبله، والحديث أخرجه مسلم والنسائي في الصلاة.
الحديث السابع والعشرون
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنِ الْحُسَيْنِ الْمُعَلِّمِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلاَةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ إِذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.
قوله: "وقال إبراهيم بن طهمان" وصله البيهقي عن محمد بن عبدوس عن إبراهيم المذكور بسنده المذكور إلى ابن عباس بلفظه.
وقوله: "على ظهر سير" كذا للأكثر بالإضافة، وفي رواية الكشميهني: على ظهر بالتنوين يسير بلفظ المضارع بتحتانية مفتوحة في أوله. قال الطيبي: الظهر في قوله: ظهر سير للتأكيد، كقوله الصدقة عن ظهر غنىً، ولفظ الظهر يقع في مثل هذا اتساعًا للكلام كأنّ السير كان مستندًا إلى ظهر قوي من المطي مثلًا، وقال غيره: جعل للسير ظهر؛ لأن الراكب ما دام سائرًا فكأنه راكب ظهر، وفيه جناس التحريف بين الظهر والظهر واستدل به على جواز جمع التأخير المتقدم. وأما جمع التقديم فسيأتي الكلام عليه بعد باب.
стр. 5005
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ إبراهيم بن طهمان في التاسع والعشرين من الغسل، ومرّ حسين المعلم في السادس من الإيمان، ومرّ يحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من العلم، ومرّ عكرمة في السابع عشر منه، ومرّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي، وقد أخرج البخاري هذا الحديث معلقًا، ووصله البيهقي.
الحديث "الثامن والعشرون " (١)
وَعَنْ حُسَيْنٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ حَفْصِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلاَةِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي السَّفَرِ.
قوله: "وعن حسين" هو معطوف على الذي قبله والتقدير وقال إبراهيم بن طهمان عن حسين عن يحيى عن حفص وبذلك جزم أبو نعيم في المستخرج ويحتمل أن يكون علقه عن حسين لا بقيد كونه من رواية إبراهيم بن طهمان عنه لم يقيده بجد في السير، ولا بعدمه، لكن من يشترط الجدَّ فيه يقول هو مطلق، فيحتمل على المقيد وأجيب: بأن هذا عام، وذلك ذكر بعض أفراده، فلا يخصص به. وقال ابن بطال: كل راو يروي ما رآه، وكلٌ سنة.
رجاله أربعة:
مرّ منهم محل حسين ويحيى في الذي قبله، ومرّ أنس في السادس من الإيمان، وحفص بن عبيد الله بن أنس مرّ في التاسع والثلاثين من الجمعة. وهذا الحديث أخرجه البخاري معلقًا، وقد وصله الإسماعيلي في كتابه مجموع حديث يحيى بن أبي كثير. ثم قال: تابعه علي بن المبارك وحرب عن يحيى عن حفص عن أنس جمع النبي ﷺ أي: تابعًا حسينًا. أمّا متابعة علي بن المبارك فأخرجها الإسماعيلي وأبو نعيم في "المستخرج"، وأمّا متابعة حرب بن شدّاد، فقد أخرجها البخاري في آخر الباب الذي بعده.
ورجال المتابعتين خمسة:
مرّ محل أنس وحفص في الذي قبله، وقد تابعهم معمر عند أحمد وأبان بن يزيد عند الطحاوي عن يحيى بن أبي كثير به، ومرّ محل يحيى في الذي قبل ذلك، ومرّ علي بن المبارك في متابعة بعد الرابع والثلاثين من الآذان، وحرب بن شداد مرّ في متابعة بعد التاسع والستين من الوضوء. ثم قال المصنف:
стр. 5006
باب هل يؤذن أو يقيم إذا جمع بين المغرب والعشاء
قال ابن رشيد: ليس في حديثي الباب تنصيص على الآذان، لكن في حديث ابن عمر منهما يقيم المغرب فيصليها، ولم يرد بالإقامة نفس الآذان، وإنما أراد يقيم للمغرب. فعلى هذا، فكان مراده بالترجمة هل يؤذن أو يقتصر على الإقامة؟ وجعل حديث أنس مفسرًا بحديث ابن عمر، لأن في حديث ابن عمر حكمًا زائدًا، ولعل المصنف أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرق حديث ابن عمر. ففي الدارقطني عن نافع عن ابن عمر في قصة جمعه بين المغرب والعشاء: فنزل فأقام الصلاة، وكان لا ينادي بشيء من الصلاة في السفر، فقام فجمع بين المغرب والعشاء. ثم رفع الحديث وقال الكرماني: لعل الراوي لما أطلق لفظ الصلاة استفيد منه أنّ المراد بها التامة بأركانها وشرائطها وسننها، ومن جملتها الآذان والإقامة، وسبقه ابن بطال إلى نحو هذا.
الحديث الثامن والعشرون
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ فِي السَّفَرِ يُؤَخِّرُ صَلاَةَ الْمَغْرِبِ، حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ. قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَفْعَلُهُ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ، وَيُقِيمُ الْمَغْرِبَ فَيُصَلِّيهَا ثَلاَثًا، ثُمَّ يُسَلِّمُ، ثُمَّ قَلَّمَا يَلْبَثُ حَتَّى يُقِيمَ الْعِشَاءَ، فَيُصَلِّيهَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ وَلاَ يُسَبِّحُ بَيْنَهَا بِرَكْعَةٍ، وَلاَ بَعْدَ الْعِشَاءِ بِسَجْدَةٍ حَتَّى يَقُومَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ.
قوله: "يؤخر صلاة المغرب" لم يبين غاية التأخير، وبينه مسلم عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر بأنه بعد أن يغيب الشفق. وفي رواية عبد الرزاق عن معمر. عن أيوب وموسى بن عقبة عن نافع: فأخر المغرب بعد ذهاب الشفق حتى ذهب هوى من الليل، وللمصنف في الجهاد عن أسلم مولى عمر عن ابن عمر في هذه القصة: حتى كان بعد غروب الشفق نزل، فصلَّى المغرب والعشاء جمعاً بينهما. ولأبي داود عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر في هذه القصة: فسار حتى غاب الشفق وتصوبت النجوم، فنزل فصلَّى الصلاتين جمعًا. وجاءت عن ابن عمر روايات أُخر: أنه صلّى المغرب في آخر الشفق ثم أقام الصلاة. وقد توارى الشفق فصلَّى العشاء. أخرجه أبو داود عن نافع. ولا تعارض بينه وبين ما سبق؛ لأنه كان في واقعة أخرى.
وقوله: "ثم قلّما يلبث حتى يقيم العشاء" فيه إثبات للبث قليل، وذلك نحو ما ثبت في الجمع
стр. 5007
بمزدلفة من إناخة الرواحل، ويدل عليه ما تقدم من الطرق التي فيها جمع بينهما وصلاهما جميعًا، وفيه حجة على مَنْ حمل أحاديث الجمع على الجمع الصوري، قال إمام الحرمين: ثبت في الجمع أحاديث نصوص لا يتطرق إليها تأويل. ودليله من حيث المعنى الاستنباط من الجمع بعرفة ومزدلفة، فإن سببه احتياج الحاج إليه لاشتغالهم بمناسكهم، وهذا المعنى موجود في كل الأسفار ولم تتقيد الرخص كالقصر والفطر بالنسك إلى أن قال: ولا يخفى على منصف أن الجمع أرفق من القصر، فإنّ القائم إلى الصلاة لا يشق عليه ركعتان يضمهما إلى ركعتيه. ورفق الجمع واضح لمشقة النزول على المسافر، واحتج به مَنْ قال باختصاص الجمع لمن جدَّ به السير. وسيأتي ذلك في الباب الذي بعده. وقوله: "من جوف الليل" أي: يتهجد.
وروى ابن أبي شيبة عن ابن عمر أنه كان لا يتطوع في السفر قبل الصلاة، ولا بعدها وكان يصلي من الليل. قال القسطلاني: وإذا قلنا بمشروعية الرواتب في السفر وهو مذهبنا، فإن جمع الظهر والعصر قدم سنة الظهر التي قبلها، وله تأخيرها، سواء جمع تقديمًا أو تأخيرًا وتوسطها إن جمع تأخيرًا سواء قدّم الظهر أم العصر وأخّر سنتها الذي بعدها، وله توسيطها إن جَمع تأخيرًا. وقدم الظهر وأخّر عنهما سنة العصر، وله توسطها وتقديمها إن جَمع تأخيرًا، سواء قدّم الظهر أم العصر، وإذا جَمع المغرب والعشاء أخّر سنتيهما مرتبة سنة المغرب، ثم سنة العشاء ثم الوتر، وله توسيط سنة المغرب إن جَمع تأخيرًا وقدّم المغرب، وتوسيط سنة العشاء إن جَمع تأخيرًا وقدّم العشاء، وما سوى ذلك ممنوع.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ أبو اليمان وشعيب في السابع من بدء الوحي، ومرّ الزهري في الثالث منه، ومرّ سالم في السابع عشر من الإيمان، وأبوه في أوله قبل ذكر حديث منه.
الحديث التاسع العشرون
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: أخبرنا عَبْدُ الصَّمَدِ بن عبد الوارث قَالَ: حَدَّثَنَا حَرْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنِى حَفْصُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّ أَنَسًا ﵁ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الصَّلاَتَيْنِ فِي السَّفَرِ. يَعْنِي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ.
هذا الحديث قد مرّ في الباب الذي قبله.
ورجاله ستة:
قد مرّوا، إسحاق يحتمل أنه ابن منصور الكوسج، وقد مرّ في الخامس والثلاثين من الإيمان، ويحتمل أنه ابن راهويه، وقد مرّ في تعليق بعد الحادي والعشرين من العلم، ومرّ يحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين منه، ومرّ عبد الصمد في السادس والثلاثين منه، ومرّ محل حرب في
стр. 5008
المتابعة قبله بحديث، ومرّ محل حفص بن عبيد الله في الذي قبله بحديث، وفيه محل أنس.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإفراد والإخبار بالأفراد والقول، ورواته ما بين يمامي ومروزي. ثم قال المصنف:
стр. 5009
باب يؤخر الظهر إلى العصر إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس
في هذا إشارة إلى أن جمع التأخير عند المصنف يختص بمن ارتحل قبل أن يدخل وقت الظهر. قلت: وهو كذلك عند المالكية كما مرَّ. ثم قال: فيه ابن عباس عن النبي ﷺ يشير إلى حديثه الماضي، قبل باب فإنه قيد الجمع فيه بما إذا كان على ظهر السير، ولا قائل بأنه يصليهما وهو راكب، فتعين أن المراد به جمع التأخير، ويؤيده رواية يحيى بن عبد الحميد الحماني في مسنده عن ابن عباس، ففيها التصريح بذلك، وإن كان في إسناده مقال، لكنه يصلح للمتابعة. وقد رواه أحمد والترمذي بما هو صريح في معنى الترجمة، فإن فيهما عنه أنه ﵊ كان إذا زاغت الشمس في منزله جمع بين الظهر والعصر قبل أن يركب. وإذا لم تزغ له في منزله سار، حتى إذا كانت العصر نزل فجمع بين الظهر والعصر. وقد مرّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي.
الحديث الثلاثون
حَدَّثَنَا حَسَّانُ الْوَاسِطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا زَاغَتْ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ.
قوله: "تزيغ" بزاي ومعجمة أي: تميل. وقد زاغت مالت، وذلك إذا قام الفيء.
وقوله: "ثم يجمع بينهما" أي: في وقت العصر، وفي رواية قتيبة عن المفضل في الباب الذي بعده: ثم نزل فجمع بينهما. ولمسلم عن عقيل: يؤخر الظهر إلى وقت العصر، فيجمع بينهما. ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها، وبين العشاء حين يغيب الشفق، وله من رواية شبابة عن عقيل: حتى يدخل أول وقت العصر، ثم يجمع بينهما.
وقوله: "وإذا زاغت" أي: قبل أن يرتحل كما سيأتي الكلام عليه في الباب الذي بعده.
رجاله خمسة:
مرّ منهم عقيل بن خالد والزهري في الثالث من بدء الوحي، ومرّ أنس في السادس من الإيمان، والباقي اثنان:
الأول: حسان بن عبد الله بن سهل الكندي الواسطي أبو علي سكن مصر، ذكره ابن حِبّان في
стр. 5010
الثقات. وقال أبو حاتم: ثقة. وقال ابن يونس: صدوق حسن الحديث كان أبوه واسطيًا. وولد حسان بمصر ومات بها. روى عن المفضل بن فضالة والليث وابن لهيعة وغيرهم، وروى عنه البخاري، وروى له النسائي وابن ماجه بواسطة ويحيى بن معين وأبو حاتم الرازي وغيرهم. مات بمصر سنة اثنين وعشرين ومائتين. ووهم مَنْ زعم أنه حسّان بن حسان الواسطي فإنه ليست له رواية عن المصريين، وقد ضعفه الدارقطني.
الثاني: المفضل بن فضالة بن عبيد بن ثمامة بن مزيد بن نوف الرُّعَيني ثم القِتباني أبو معاوية المصري قاضيها. قال ابن معين: ثقة. وقال أيضًا: رجل صدوق، وكان إذا انكسرت يد رجل أو رجله جبرها، وكان يصنع الأرحية. وقال أبو زرعة: لا بأس. وقال أبو حاتم: وابن خراش صدوق في الحديث. وقال ابن يونس: وُلِّي القضاء مرتين بمصر، وكان من أهل الفضل والدين، ثقة في الحديث من أهل الورع، ذكره أحمد بن شعيب يوماً وأنا حاضر فأحسن الثناء عليه، ووثقه وقال: سمعت قتيبة بن سعيد يذكر عنه فضلًا وقال أبو داود: كان مجاب الدعوة. ولم يحدث عنه ابن وهب، وذلك أنه قضى عليه بقضية، وذكره ابن حِبّان في الثقات وقال عيسى بن حماد: كان مجاب الدعوة طويل القيام مع ضعف البدن، وقال عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم: أخبرني بعض مشائخنا أن رجلًا لقي المفضل بن فضالة بعد أن عزل عن القضاء فقال له: حسبك الله قضيت علي بالباطل، فقال له المفضل: لكن الذي قضيت له يطيب الثناء. وقال ابن سعد: منكر الحديث، له في البخاري حديثان أحدهما في قصر الصلاة في السفر عن عقيل عن ابن شهاب الزهري عن أنس، والثاني في فضائل القرآن في التعوذ بالمعوذات عن عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة، وتابعه عليه عنده الليث.
روى عن يزيد بن أبي حبيب ومحمد بن عجلان وعقيل بن خالد وغيرهم. وروى عنه ابنه فضالة والوليد بن مسلم وحسّان بن عبد الله الواسطي وقتيبة بن سعيد وغيرهم. ولد سنة سبع ومائة، ومات سنة إحدى أو اثنتين وثمانين ومائة في شوال. والقتباني في نسبه نسبة إلى قتبان بالكسر، بطن من رعين من حمير. ويقال لموضع بعدن، وقيل إن الموضع سمّى بقتبان المذكور. والرعيني في نسبه أيضًا نسبة إلى ذي رعين كزبير ملك حمير. من ولد الحارث بن عمرو بن حمير بن سبأ، وهم آل ذي رعين، ورعين حصن له أو جبل فيه حصن ومخلاف باليمن يعرف بشعب ذي رعين وأنشد الجوهري:
جَاريةٌ من شعب ذي رعينِ ... حياكة تَمشي بعلطتَينِ
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، وشيخ البخاري من أفراده ورواته ما بين بصري وأيلي ومدني. أخرجه مسلم في الصلاة، وكذا أبو داود والنسائي. ثم قال المصنف: