Полный текст (6 753 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
قِلابة، والقاسم بن محمَّد، وعبد الرحمن بن القاسم، وعِكرمة، وعَطاء، والأعرج، وعمرو بن دينار، وحَفْصة بنت سيرين، وغيرهم.
وروى عنه: الأعمش من أقرانه، وقَتادة وهو من شيوخه، والحَمّادان، والسُّفيانان، وشعبة، وعبد الوارِث، ومالك، وسعيد بن أبي عَروبة، وابن عُليّة، وخلق كثير.
ولد سنة ست وستين، ومات بالبصرة سنة إحدى وثلاثين ومئة.
والسَّخْتِياني -بفتح السين المهملة على الصحيح، وحكي كسرها، ثم خاء معجمة ساكنة، ثم تاء مفتوحة أو مكسورة- في نسبه نسبة إلى عمل السَّخْتِيان وبيعه، وهو جُلود الضَّأن، وقيل: جلد الماعز إذا دُبِغ، نسب إلى ذلك لعمله فيها وبيعها. وهو فارسي مُعرب، وفي الفارسية السَّخْت -بفتح الأول- يأتي لمعان، منها: الخشن، والصعب، والفرس يراعون المناسبة في تسمية الأشياء، فسَمَّوا الجلد المدبوغ سَخْتيانًا لصعوبة دبغ الجلد الرطب، فهو فارسي جذبته العرب إلى طرف الاستعمال بينهم، وإليه يُنْسب أبو إسحاق عِمران بن موسى السَّخْتياني محدث جُرجان ثقة، روى عن أبي الربيع الزَّهراني، ويُنسب إليه أيضًا أحمد بن عبد الله السَّخْتِياني روى عن السُّرِّي بن يحيى، وروى عنه أبو طاهِر.
وليس في الستة أيوب بن أبي تَميمة سواه، وأما أيوب فكثير. الرابع: أبو قِلابة -بكسر القاف- عبد الله بن زَيْد بن عمرو، ويقال: ابن عامر بن نابِل بن مالك بن عبيد بن عَلقمة بن سَعد الجَرْميّ البَصْريّ أحد الأعلام.
ذكره ابن سَعْد في الطبقة الثانية من أهل البصرة، وكان ثقة كثير الحديث، وكان ديوانه بالشام. وقال عَلِيّ بن أبي حملة: قلنا لمُسلم بن يسار: لو كان بالعراق أفضل منك لجاءنا الله به، قال: كيف لو رأيتم أبا قِلابة؟ وقال مسلم أيضًا: لو كان أبو قلابة من العجم لكان موبذ موبذان،
стр. 527
يعني: قاضي القضاة. وقال ابن سيرين: ذلك أخي حقًّا، وقال ابن عَوْن ذكر أيوب لمحمد حديثًا عن أبي قلابة، فقال: أبو قلابة إن شاء الله ثقة، رجل صالح، ولكن عَمَّن ذكره أبو قلابة؟ وقال أيوب: كان والله من الفقهاء ذوي الألباب، ما أدركت بهذا المصر رجلًا كان أعلم بالقضاء من أبي قِلابة، ما أدري ما محمَّد؟ وقال العِجليّ: بصري تابعي ثقة، وكان يَحْمِلُ على علي ولم يَرْوِ عنه شيئًا. وقال عُمَر بن عبد العزيز: لن تزالوا بخير يا أهل الشام ما دام فيكم هذا. وقال ابن خِراش: ثقة. وقال القابِسي فيما حكاه عنه ابن التين شارح "البخاري" في الكلام على القسامة بعد أن نقل قصة أبي قِلابة مع عمر بن عبد العزيز: العجب من عمر بن عبد العزيز على مكانه في العلم كيف لم يعارض أبا قِلابة في قوله، وليس أبو قِلابة من فقهاء التابعين وهو عند الناس معدود في البله. وقال ابن مَعين: أرادوه للقضاء فهرب إلى الشام، فمات بها.
روى عن: ثابت بن الضَّحاك الأنصاري، وسَمُرة بن جُندب، وأبي زيد بن عمرو بن أخطب، وعمرو بن سَلِمة الجَرْميّ، وأنس بن مالك، وابن عباس، وابن عُمر، وقيل: لم يسمع منهما، ومعاوية، وهشام، وغيرهم، وروى أيضًا عن التابعين كأبي المُهلب الجَرْميّ عمه، وزَهْدَم بن مُضِّرس وعبد الله بن يزيد رضيع عائشة.
وروى عنه: أيوب، وخالد الحذّاء، وأبو رجاء سلمان مولى أبي قِلابة، ويحيى بن أبي كَثير، وأشعث بن عبد الرحمن الجَرْمي، وعاصم الأحول، وغيرهم.
مات بالشام سنة سبع أو ست ومئة.
وفي الستة عبد الله بن زيد سواه خمسة، وليس فيهم من يكنى بأبي قلابة.
والجَرْمي في نسبه -بفتح الجيم- نسبة إلى جَرْم أبو بطن من طيء،
стр. 528
وهو ثعلبة بن عمرو بن الغوث بن جلهمة وهو طيء، مساكنهم صعيد مصر، ومنهم بقية في نواحي غزة، ومنهم حيان بن ثعلبة، وإليه ينسب أبو عبد الله محمَّد بن مالك النَّحوي المِصْري، وعَمرو بن سلمة الجَرْمي له صحبة، وأبو عُمر صالح بن إسحاق الجَرْمي لغوي مشهور أخذ عن الأخفش، وأبي عُبيدة، وأبي ذَرّ، والأصمعي، وفي قُضاعة جَرْم بن زَبّان ابن حُلوان بن عِمران بن الحافي بن قُضاعة منهم شهاب بن المَجْنون صحابي، وأخوه عامر مدرج الريح شاعر، وهوذة بن عمر، وله وفادة، وفي بجيلة جَرْم بن علقمة بن عَبْقر، وفي عاملة جَرْم بن شعَل بن معاوية.
الخامس: أنس بن مالك، وقد مر في السادس من هذا الكتاب.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته كلهم بَصْريون، وهم أئمة أجلاء، أخرجه البُخاريّ هنا، وفي هذا الكتاب بعد ثلاثة أبواب من طريق شُعبة، وفي الأدب، ومسلم عن محمَّد بن المُثَنّى وأخرجه الترمذي والنّسائي.
١٠ - باب علامة الإِيمان حب الأنصار
وبابٌ بالتنوين، وسقط عند الأصيلي، فتجر حينئذ علامة بالإِضافة، ولما ذكر في الحديث السابق أنه لا يحب إلا لله، عَقَّبه بما يشير إليه من أن حب الأنصار كذلك, لأن محبة من يحبهم من حيث هذا الوصف وهو النصرة إنما هو لله تعالى، فهم وإن دخلوا في عموم قوله: "لا يحبه إلا لله" لكن في التنصيص بالتخصيص دليل العناية، وقال ابن المُنير: علامة الشيء لا يخفى أنها غير داخلة في حقيقته، فكيف تفيد هذه الترجمة مقصوده من أن الأعمال داخلة في مسمى الإِيمان, وجوابه أن المستفاد منها كون مجرد التصديق بالقلب لا يكفي حتى تنصب عليه علامة من الأعمال الظاهرة التي هي مؤازرة الأنصار وموادتهم.
стр. 529
الحديث العاشر
١٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ».
[الحديث ١٧ - طرفه في: ٣٧٨٤]
قوله: "آية الإِيمان" بالهمزة الممدودة والمثناة المفتوحة، أي: علامة الإِيمان الكامل.
وقوله: "حب الأنصار" وهم الأوس والخزرج، وهو جمع قلة على وزن أفعال، جمع نصير، كشريف وأشراف، أو جمع ناصر كصاحب وأصحاب، واستشكل هذا الجمع بأنه لا يكون لما فوق العشرة، وهم ألوف، وأجيب بأن القلة والكثرة إنما يعتبران في نكرات الجُموع، وأما المعارف فلا فرق بينهما، وقد مر الكلام مستوفىً على الأنصار في الحديث الأول: "إنما الأعمال بالنيات".
وقوله: "وآية النفاق بغض الأنصار" النفاق هو إظهار الإِيمان وإبطان الكفر، وظاهر اللفظ أن بغُضْهم نفاق، وإن صَدَق وأقَرَّ، لكنه غير مراد، فيحمل على تقييد البغض بالجهة، فمن أبغضهم من جهة هذه الصفة، وهي كونهم نَصَروا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، أثَّر ذلك في تصديقه، فيصِحُّ أنه منافق، لأنه لا يجتمع مع التصديق، ويقرب هذا العمل زيادة أبي نُعيم في "المستخرج" من حديث البراء بن عازِب: "من أحبَّ الأنصار فبحبي أحبهم، ومن أبغض الأنصار فببغضي أبغضهم" وأخرج مسلم من حديث أبي سعيد رفعه: "لا يُبْغِضُ الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر" ولأحمد: "حبُّ الأنصار إيمان، وبغضُهم نفاقٌ" وإنما خُصّوا بهذه المنقبة العظيمة، والمنحة الجسيمة، لما فازوا به من نصره
стр. 530
عليه الصلاة والسلام، والسعي في إظهاره وإيوائه وأصحابه ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم وقيامهم بحقهم حق القيام مع معاداتهم جميع من وجد من قبائل العرب والعجم، فمن ثَمَّ كان حبهم علامة الإِيمان، وبغضهم علامة النفاق، مجازاة لهم علي عملهم، وتنويهًا بعظيم فضلهم، وإن كان من شاركهم في ذلك مشاركًا لهم في الفضل المذكور، وكلٌّ بقسطه، وقد ثبت في مسلم عن علي أن النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قال له: "لا يُحِبُّكَ إلا مؤمن، ولا يُبْغِضُك إلا منافق" وهذا جارٍ باطِّراد في أعيان الصحابة، لتحقق مشترك الإِكرام لما لهم من حسن العناء في الدين. قال صاحب "المفهم": "وأما الحروب الواقعة بينهم، فإن وقع من بعضهم بغض لبعض فذلك من غير هذه الجهة، بل للأمر الطارىء الذي اقتضى المخالفة، ولذلك لم يحكم بعضهم على بعض بالنفاق، وإنما كان حالهم في ذلك حال المجتهدين في الأحكام، للمُصيب أجران، وللمُخطىء أجر واحد، وإنما عدل عن لفظ الكفر إلى لفظ النفاق، لأن الكلام فيمن ظاهره الإِيمان وباطنه الكفر، فميزهم عن ذوي الإِيمانُ الحقيقي، فلم يقُل وآية الكفر كذا، إذ هو ليس بكافر ظاهرًا، وأما من يظهر الكفر فلا يخاطب بهذا الترهيب, لأنه مرتكب ما هو أشد من ذلك.
رجاله أربعة:
الأول: هشام بن عبد الملك الباهِلِي مولاهم أبو الوليد الطَّيالِسِيّ البَصْري الحافظ الإِمام الحجة.
قال أحمد بن حَنْبل: متقن، وهو اليوم شيخ الإِسلام، وما أُقَدِّم عليه أحدًا من المحدثين، وهو أسن من عبد الرحمن بن مَهدي بثلاث سنين.
وقال ابن دارة: قلت لأحمد: أبو الوليد أحب إليك في شعبة أو أبو النَّضْر؟ فقال: إن كان أبو الوليد يكتب عند شعبة فأبو الوليد. قلت له: فإني سمعته يقول: بينا أنا أكتب عند شعبة إذ بَصُرَ بي، فقال: وتكتب؟ فوضعت الألواح. وقال أبو حاتم: كان إمامًا فقيهًا عاملًا ثقة حافظًا ما رأيت في يده
стр. 531
كتابًا قطُّ، وهو إمام حجة حافظ. وقال أبو زُرعة: أدرك أبو الوليد نصف الإِسلام، وكان إماما في زمانه جليلًا عند الناس، وقال أحمد بن عبد الله: هو ثقة في الحديث، يروي عن سبعين امرأة، وكانت إليه الرحلة بعد أبي داود الطَّيالِسِيّ. وقال ابن دارة: قال لي أبو نُعيم: لولا أبو الوليد ما أشرت عليك أن تَدْخُل البَصْرة. وقال أحمد بن سنان: حدثنا أبو الوليد أمير المحدثين، وقال ابن أبي حاتِم: سُئِل أبي عن أبي الوليد وحَجّاج بن منهال، فقال: أبو الوليد عند الناس أكبر، كان يقال: سماعه من حَمّاد ابن سَلَمة فيه شيء، سمع منه بآخِرِه، وكان حماد ساء حفظه في آخر عمره. وقال ابن دارة: قال لي علي بن المديني: اكتب عن أبي الوليد الأصول. وقال ابن دارة أيضًا: حدثني أبو الوليد وما أرى أني أدركت مثله.
وقال العِجْليّ: بصري ثقة ثبت في الحديث، وكانت الرحلة إليه بعد أبي داود، وقال أبو حاتم أيضًا: ما رأيت أصح من كتاب أبي الوليد. وقال معاوية بن عبد الكريم الرَّمادي: أدركت الناس وهم يقولون: ما بالبصرة أعقل من أبي الوليد، وبعده أبو بكر بن خَلّاد. وقال ابن سَعْد: كان ثقة ثبتًا في الحديث. وذكره ابن حِبّان في "الثقات" وقال: كان من عقلاء الناس. وقال ابن قانع: ثقة مأمون ثبت.
وفي "الزهرة"، روى عنه البخاري مئة وسبعة أحاديث.
روى عن عِكرمة بن عمار، وجَرير بن حازِم، ومهدي بن مَيْمون، وشُعبة، وهَمّام، ومالك، والليث، وحماد بن سَلَمة، وزُهير بن معاوية، وجماعة.
وروى عنه أبو داود، والبخاري، وروى أبو داود أيضًا، والباقون عنه بواسطة إسحاق بن راهَوَيه. وروى عنه أيضًا هشام بن عُبيد الله الرّازِيّ , وأبو حاتم، وأبو زُرعة، وابن دارة، ويعقوب بن شَيْبة، ويعقوب بن سفيان، وخلق كثير.
ولد سنة ثلاث وثلاثين ومئة، ومات سنة سبع وعشرين ومئتين.
стр. 532
وفي الستة هشام بن عبد الملك بن عمران أبو تقي الحمصي، مات سنة إحدى وخمسين ومئتين.
والطَّيالِسِي في نسبه نسبة إلى بيع الطيالسة، وهو جمع طَيْلسان بتثليث اللامَ، وأنكر بعضهم كسر اللام، وهو ضرب من الألبسة فارسي معرب، أصله تالسان بالمهملة والمعجمة، والهاء في الجمع للعجمة، ويقال في الشتم: يا ابن الطيلسان، أي: إنك أعجمي، لأن العجم هم الذين يَتَطَيْلسُون.
والباهِلِيّ في نسبه نسبة إلى باهلة، قبيلة من قَيس عَيْلان، وهي في الأصل اسم امرأة من هَمْدان كانت تحت معن بن أعصر بن سعد بن قيس عيلان، فنسب ولده إليها وقولهم: باهلة بن أعصر، إنما هو كقولهم: تميم بن مر، فالتذكير للحَيِّ، والتأنيث للقبيلة، سواء كان الاسم في الأصل لرجل أو امرأة.
الثاني: عبد الله بن عبد الله بن جَبْر -بالفتح - وقيل: ابن جابر بن عَتيك الأنصاري المدني، وقيل: إنهما اثنان.
قال ابن مَعين: ثقة. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: ثقة. قلت له: عبد الله أحب إليك أم موسى الجُهَنيّ؟ قال: عبد الله أحب إلي. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات" وقال الدَّارَقُطنيّ: لم يتابع مالكًا أحد على قوله: جابر بن عَتيك. وهو مما يعتمد عليه. قال ابن حَجَر: والراجح أنهما اثنان.
روى عن عبد الله بن عمر، وأنس، وجده لأمه عَتيك بن الحارث، وعن أبيه عبد الله بن جَبْر إن كان محفوظًا.
وروى عنه: مالك، وشعبة، ومِسْعر، وأبو العُمَيْس المسعودي، وعبد الله بن عيسى بن أبي لَيْلى، وغيرهم.
روى له: البخاري، ومسلم والترمذي.
стр. 533
وفي الستة عبد الله بن عبد الله سواه أحد عشر.
والمدني في نسبه نسبة إلى مدينة الرسول ﷺ ، كما يقال في النسبة إلى ربيعة: رَبَعيّ، وجَذِيمة: جَذَميّ. قيل: أصلها من مَدَنَ بالمكان: أقام، فهي فعيلة، وقيل: من دِنْت، أي: ملكت، فهي مفعلة. قال ابن بري: لو كانت الميم في مدينة زائدة لم يجز جمعها على مدن.
وسئل أبو علي الفَسَويّ عن همزة مدائن، فقال: فيه قولان، من جعله فعيلة همزه، ومن جعله مفعلة لم يهمِزه، ويقال في النسبة إليها: مديني أيضًا على غير القياس، وقيل: إن الياء للذي أقام بها ولم يفارقها، وحذفها للذي تحول عنها، وكان فيها، وقد تقع هذه النسبة إلى غيرها من المدن، وقال الرُّشاطِي: يقال في الرجل والثوب مَدَني وفي الطير ونحوه: مديني. وقال الجَوْهَريّ: إذا نسبت إلى مدينة الرسول ﵇، قلت: مَدَني، وإلى مدينة المنصور، وأصفهان، وغيرهما، قلت: مَديني، وإلى مدائن كسرى، قلت: مدائِني للفرق بين النسب، لَئِلا تختلط.
والمدينة ستة عشر بلدًا يسمى كل واحد منها بذلك.
والثالث والرابع: شعبة وأنس وقد مر شُعبة في الثالث وأنس في السادس من هذا الكتاب.
لطائف إسناده: منها أن هذا الإِسناد من رباعيات البخاري، فوقع له عاليًا، ووقع لمسلم خماسيًّا نازلًا، وفيه التحديث والإِخبار بصيغة الجمع، والإِفراد، والسماع، وفيه راو وافق اسمه اسم أبيه، أخرجه البخاري هنا، ومسلم في فضائل الأنصار عن مسلم بن إبراهيم، وغيره.
وأخرجه النسائي أيضًا.
١١ - باب
كذا هو في رواية بلا ترجمة، وسقط من رواية الأصيلي أصلًا،
стр. 534
فحديثه عنده هو من جملة الترجمة التي قبله، وعلى إثباتها فهو متعلق بها أيضًا, لأن الباب إذا لم تذكر له ترجمة خاصة يكون بمنزلة الفصل مما قبله، مع تعلقه به كصنيع مصنفي الفقهاء، ووجه التعلق أنه لما ذكر الأنصار في الحديث الأول أشار في هذا إلى ابتداء السبب في تلقيبهم بالأنصار، لأن أول ذلك كان ليلة العقبة، لما توافقوا مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عند عقبة مني في الموسم، وبايعوه على إعلاء توحيد الله تعالى وشريعته، فسماهم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الأنصار لذلك، وقد كانوا قبل ذلك يُسَمَّوْن بني قَيْلة -بقاف مفتوحة وياء ساكنة- وهي الأم التي تجمع القبيلتين، ثم إن في متن الحديث المذكور ما يتعلق بمباحث الإِيمان من وجهين آخرين، أحدهما: أن اجتناب المناهي من الإِيمان، كامتثال الأوامر، وثانيهما: أنه تضمن الرد على من يقول: إن مرتكب الكبيرة كافرٌ أو مخلدٌ في النار، كما يأتي تقريره إن شاء الله تعالى.
الحديث الحادي عشر
١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ﵁ -وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: «بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلاَ تَسْرِقُوا، وَلاَ تَزْنُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ، وَلاَ تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلاَ تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ، فَهُوَ إِلَى اللَّهِ: إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ». فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ.
[الحديث ١٨ - أطرافه في: ٣٨٩٢، ٣٨٩٣، ٣٩٩٩، ٤٨٩٤، ٦٧٨٤، ٦٨٠١، ٦٨٧٣، ٧٠٥٥، ٧١٩٩، ٧٢١٣، ٧٤٦٨].
стр. 535
قوله: "وكان شهد بدرًا" يعني حضر الوقعة الكائنة بالمكان المعروف ببدر، وهي أول وقعة قاتل فيها النبي ﷺ المشركين، وتأتي في المغازي، يحتمل أن يكون قائل ذلك أبو إدريس، فيكون متصلًا، إذا حُمل على أنه سمع ذلك من عُبادة، أو الزُّهري فيكون منقطعًا.
وكذا قوله: "وهو أحد النقباء" جمع نقيب، وهو الناظر على القوم وضمينهم وعريفهم، وكانوا اثني عشر رجلًا.
وقوله: "ليلة العَقبة" أي: بِمنى، والعقبة الموضع المرتفع العالي من الجبل، والواو في قوله: "وهو"، وقوله: "وكان" هي الواو الداخلة على الجملة الموصوف بها لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف، وإفادة أن اتصافه بها أمر ثابت، ولا ريب أن كون شهود عُبادة بدرًا وكونه من النقباء صفتان من صفاته، ولا يجوز أن تكون الواو للحال ولا للعطف كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] فإنها جملة واقعة صفة لقرية، والقياس أنه لا يتوسط الواو بينهما، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] وإنما توسطت الواو لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف، كما يقال في الحال: جاءني زيد عليه ثوب، وجاءني وعليه ثوب، قاله الزَّمَخْشَريّ، وتعقبه ابن مالك بأن ما قاله من توسط الواو بين الصفة والموصوف فاسدٌ، لم يقله أحد من النحاة، وأن ما علله به غير مناسب، لأن الواو تَدُلُّ على الجمع بين ما قبلها وما بعدها، وذلك مستلزم لتغايرهما، وهو ضد لما يراد من التأكيد، فلا يَصِحُّ أن يقال للعاطف مؤكد، وأيضًا لو صلحت الواو لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف لكان أولى المواضع بها موضعًا لا يصلُح للحال، نحو: إن رجلًا رأيُهُ سديدٌ لسعيدٌ، فرأيه سديد جملة نعت بها، ولا يصحُّ اقترانها بالواو لعدم صلاحيتها للحال، بخلاف، ولها كتاب معلوم فإنها جملة يصلُح في موضعها الحال، لأنها بعد نفي، وأجيب عن الزَّمَخْشرِيّ بأن المراد من الالتصاق عنده ليس الالتصاق اللفظي بل المراد عنده الالتصاق المعنوي، والواو تؤكد الثاني دون الأول.
стр. 536
وقوله: "إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال" محكية لقال ساقطة بعد قوله: "إن عبادة بن الصامت"، والساقطة هي خبر إن, لأن قوله: "وكان" وما بعدها معترض بين إن وخبرها الساقط من أصل الرواية هنا, ولعلها سقطت من ناسخ بعده، واستمر بدليل ثبوتها عند المصنف في باب من شهد بدرًا، والتقدير: أن عُبادة بن الصامت قال: إن رسول الله .. الخ، وقد جرت عادة كثير من أهل الحديث بحذف "قال" خطًّا لكن حيث يتكرر في مثل: قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا بد عندهم مع ذلك من النطق بها, ولأحمد عن أبي اليمان بهذا الإِسناد: أن عُبادة حدثه.
وقوله: "وحوله عِصابة من أصحابه" حول الشيء ما أحاط به، وقد تقدم في حديث هِرَقْل ما فيه من اللغات، وهو ظرف خبر مقدم لعصابة، ومن أصحابه صفة لعصابة، والعِصابة بكسر العين الجماعة من العَشَرة إلى الأربعين، ولا واحدَ له من لفظه، وقد جمعت على عَصائب وعُصُب، وأشار بهذا إلى المبالغة في ضبط الحديث، وأنه عن تحقيق وإتقان.
وقوله: "بايعوني" زاد في باب وفود الأنصار: "تعالَوا بايِعُوني" والمبايعة على الإِسلام عبارة عن المعاقدة والمعاهدة عليه، سميت بذلك تشبيهًا بالمعاوضة المالية، كأن كل واحد منهما يبيع ما عنده من صاحبه، فمن طرف النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وعد الثواب، ومن طرفهم التزام الطاعة، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] وقد تُعرف بأنها عقد الإِمام العهد بما يأمر الناس به.
وقوله: "على أن لا تُشركوا بالله شيئًا" أي على ترك الإِشراك، وهو عام لأنه نكرة في سياق النهي، وهو كالنفي، وقَدَّمه على ما بعده لأنه الأصل.
стр. 537
وقوله: "ولا تسرِقوا" فيه حذف المفعول ليدُلَّ على العموم.
وقوله: "ولا تقتُلوا أولادَكم" خصهم بالذكر لأنهم كانوا في الغالب يقتلونهم خشية الإِملاق، أو لأنه قَتْلٌ وقطيعة رحم، فالعناية بالنهي عنه آكد وأكثر، وقد كان شائعًا فيهم، وهو وأد البنات، وقتل البنين خشية الإِملاق، أو خصهم بالذكر لأنهم بصدد أن لا يدفعوا عن أنفسهم.
وقوله: "ولا تأتوا" بحذف النون، ولغير الأربعة "ولا تأتون".
وقوله: "ببُهتانٍ" هو بضم الباء، وهو الكذب الذي يَبْهَت سامعَه أي: يدهشه لفظاعته، كالرمي بالزنى مثلًا.
وقوله: "تفترونه" من الافتراء، أي: الاختلاق.
وقوله: "بين أيديكم وأرجلكم" أي من قِبَل أنفسكم، فَكَنّى باليد والرجل عن الذات, لأن معظم الأفعال بهما، إذ كانت هي العوامل والحوامل للمباشرة والسعي، وكذا يسمون الصنائع الأيادي، وقد يعاقب الرجل بجناية قولية، فيقال له: هذا بما كسبت يداك، والمعنى حينئذٍ لا تأتوا ببهتان من قِبَل أنفسكم، وقيل: المراد بما بين الأيدي والأرجل القلب لأنه هو الذي يُترجم اللسان عنه، فلذلك نسب إليه الافتراء، كأنَّ المعنى: لا ترموا أحدًا بكذب تزورونه في أنفسكم، ثم تَبْهتون صاحبه بألسنتكم، أو المراد: لا تَبْهتوا الناس كفاحا، وبعضُكم يشاهد بعضًا، كما يقال: قلت كذا بين يَدَي فلان، وعلى هذا فذكر الأرجل إنما هو تأكيد، ويُحتمل أن يكون قوله: "بين أيديكم" أي في الحال، وقوله: "وأرجلكم" في المستقبل، لأن السعي من أفعال الأرجل، وقيل: أصل هذا كان في بيعة النساء، وكَنّى بذلك عن نسبة المرأةِ الولدَ الذي تزني به أو تلتقطه إلى زوجها، ثم لما استعمل هذا اللفظ في بيعة الرجال احتيج إلى حمله على غير ما ورد فيه أولًا.
وقوله: "ولا تعصوا" في رواية الإِسماعيلي في وفود الأنصار: "ولا
стр. 538
تعصوني" وهو موافق للآية.
وقوله: "في معروف" المعروف هو ما عُرِف من الشارع حسنُه نهيًا وأمرًا، والتقييد بالمعروف مع أن الرسول لا يأمر إلا به للتنبيه على أنه لا تجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق، وقيل: قُيِّد به تطييبًا لخاطرهم، لأنه ﵊ لا يأمر إلا به، وقال النَّوَوِيّ: يحتمل أن يكون المعنى: ولا تعصوني ولا أحَدًا ولي الأمر عليكم في معروف، فيكون التقييد بالمعروف متعلقًا بشيء بعده، وخُصَّ ما ذكر من المناهي بالذكر دون غيره للاهتمام به، وإذا قيل: لِمَ اقتصر على المنهيات ولم يذكر المأمورات؟ فالجواب أنه لم يُهملها، بل ذكرها على طريق الإِجمال في قوله: "ولا تعصوا" إذ العصيانُ مخالفة الأمر، والحكمة في التنصيص على كثير من المنهيات دون المأمورات أن الكف أيسر من إنشاء الفعل، ولأن اجتناب المفاسد مقدَّمٌ على اجتلاب المصالح، والتخلّي عن الرذائل قبل التحلي بالفضائل.
وقوله: "فمن وَفَّى منكم" بالتخفيف والتشديد وهما بمعنى، أي: ثبت على العهد.
وقوله: "فأجره على الله" أي: فضلًا ووعدًا أطلق هذا على سبيل التفخيم، لأنه لما ذكر المبايعة المقتضية لوجود العوضين أثبت ذكر الأجر في موضع أحدهما وفي رواية الصُّنابِحِيّ في "الصحيحين" الإِفصاح بتعيين العوض، فيقال: "بالجنة" وعبر هنا بلفظ على للمبالغة في تحقيق وقوعه كالواجبات، ويتعين حمله على غير ظاهره للأدلة القائمة على أنه لا يجب على الله شيء، وسيأتي في حديث معاذ تفسير حق العباد على الله إذا أطاعوه بأنه لا يُعذِّبهم، والمراد بالحق في الحديث المذكور: المتحقق الثابت الذي لا يجوز عليه الكذب، ولا الخلف في الوعد، فإنه لا يجب عليه شيء بحكم الأمر، إذ لا آمر فوقه، ولا حكم للعقل، لأنه كاشف لا موجب، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق القول في هذا البحث.
стр. 539
وقوله: "ومن أصاب من ذلك شيئًا" بنصب شيئًا مفعول أصاب الذي هو صلة من الموصول المتضمن معنى الشرط.
وقوله: "فَعُوقِب" أي: به، كما رواه أحمد، أي: بسببه.
وقوله: "في الدنيا" أي: بأن أقيم عليه الحد.
وقوله: "فهو" أي: العقاب المفهوم من عوقب.
وقوله: "كفارة له" فلا يُعاقب عليه في الآخرة. وفي رواية الأربعة حذف له، وعموم هذا الحديث مخصوص بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] فالمرتد إذا قُتِل علي ارتدادِهِ لا يكون القتل كفارة له، وهذا بناء على أن قوله مِن ذلك شيئًا يتناول جميع ما ذكر، وهو ظاهر، وقيل: يحتمل أن يُراد ما بعد الشرك، بقرينة أن المخاطب بذلك المسلمون، فلا يدخل حتى يُحتاج إلى إخراجه ويؤيده رواية مسلم عن عُبادة في هذا الحديث: "ومَنْ أتى منكم حَدًّا" إذ القتل على الشرك لا يُسمى حدًّا، لكن يُعَكِّرُ على هذا أن الفاء في قوله: "فمن" لتُرَتِّب ما بعدها على ما قبلها، وخطاب المسلمين بذلك لا يمنع التحذير من الإِشراك، وما ذكر في الحد عرفي حادث، فالصواب الأول، وكون المراد بالشرك الشرك الأصغر الذي هُو الرياء لا يَصِحُّ لأن عرف الشارع إذا أطلق الشرك إنما يريد به ما يقابل التوحيد، ولأنه عقب الإِصابة بالعقوبة في الدنيا، والرياء لا عقوبة فيه، فوضح أن المراد الشرك، وأنه مخصوص، وكون الحدود كفارة لأهلها هُو الذي ذهب إليه أكثر العلماء لهذا الحديث، ولما رواه التِّرمذي وصححه الحاكم عن علي بن أبي طالب من ذلك، ففيه: "مَنْ أصابَ ذنبًا فعُوقِب عليه في الدنيا، فالله أكرم من أن يُثَنِّي العقوبة على عبده في الآخرة" وهو عند الطَّبراني بإسناد حسن من حديث أبي تَميمة الهُجَيْميّ، وله أيضًا عن ابن عمر مرفوعًا: "ما عُوقب رجلٌ على ذنبٍ إلا جعله الله كفارةً لما أصاب من ذلك الذنب" ولأحمد من حديث خُزَيْمة بن ثابت: "من أصاب ذنبًا أقيم عليه ذلك الذنب فهو كفارة
стр. 540
له" وذهب بعض العلماء إلى الوقف لحديث أبي هُريرة: أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "لا أدري الحدود كفارة لأهلها أم لا" أخرجه الحاكم في "المستدرك" والبزار من رواية مَعْمر، وهو صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه أحمد عن عبد الرزاق عن مَعْمر، وقال الدَّارقُطنيّ: إن عبد الرزاق تفرد بوصله عن مَعمر.
قال في "الفتح" وصله آدم بن أبي إياس عن مَعمر فهو صحيح، وعلى ذلك يُجمع بينه وبين حديث الباب وما معه، بأن حديث أبي هُريرة ورد أولًا قبل أن يُعَلِّمَهُ الله، ثم أعلمه، وما عورض به هذا الجمع من تأخر إسلام أبي هُريرة وتقدم حديث الباب إذ كان ليلة العقبة الأولى، مردود بما حرره في "الفتح" من أن حديث أبي هُريرة سابق على حديث الباب، وأن المبايعة المذكورة لم تكن ليلة العقبة، وإنما هي بعد فتح مكة، وآية الممتحنة كما هو مصرح به في الأحاديث، فقد أخرج البخاري في كتاب الحدود عن الزُّهري في حديث عُبادة أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لما بايَعَهم قرأ الآية كلها، وعنده في تفسير الممتحنة من هذا الوجه قال: قرأ النساء، ولمسلم عن الزهري قال: فتلا علينا آية النساء، قال: ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] وللنسائي عن الزهري أن النبي ﷺ قال: ألا تبايعوني على ما بايع عليه النساء، أن لا تشركوا بالله شيئًا الحديث. وللطَّبراني عن الزُّهري بهذا السند أيضًا: "بايَعَنا رسول الله ﷺ على ما بايَعَ عليه النساء يَوْم فتح مكة" ولمسلم عن عُبادة في هذا الحديث "أخذ علينا رسول الله ﷺ كما أخذ على النساء" فهذه أدلة ظاهرة في أن هذه البيعة إنما صدرت بعد نزول الآية، وبعد فتح مكة، وبعد صُدور بيعة النساء، وذلك بعد إسلام أبي هُريرة بمدة، ويؤيد هذا ما رواه ابن أبي خَيْثمة في "تاريخه" عن أيوب، عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: "أُبَايِعُكُم على أن لا تُشركوا بالله شيئًا" فذكر نحو حديث عُبادة، ورجاله ثقات، وقد قال إسحاق بن رَاهَوية: إذا صح الإِسناد إلى عمرو بن شعيب
стр. 541
فهو كأيوب، عن نافع، عن ابن عُمر، وإذا كان عبد الله بن عَمرو الذي هو جد عَمرو بن شعيب أحد من حضر البيعة، وليس هو من الأنصار، ولا ممن حضر بيعتهم، وإنما كان إسلامه قرب إسلام أبي هُريرة، وضح تغاير البيعتين بيعة الأنصار ليلة العقبة، وهي قبل الهجرة إلى المدينة، وبيعة أخرى وقعت بعد فتح مكة، شهِدَها عبد الله بن عمرو، وكان إسلامه بعد الهجرة بمدة طويلة، ومثل ذلك ما رواه الطبراني عن جَرير، قال: "بايَعَنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على مثل ما بايَعَ عليه النساء" وكان إسلام جَرير متأخرًا عن إسلام أبي هُريرة على الصواب، وإنما حصل التباس من جهة أن عبادة بن الصامت حضر البيعتين معًا، وكانت بيعة العقبة مما يَتَمَدَّحُ به، فكان يذكرها إذا حَدّث تنويهًا بسابقيَّته، فلما ذكر هذه البيعة التي صدرت على مثل بيعة النساء، عقب ذلك توهم من لم يقف على حقيقة الحال أن البيعة الأولى وقعت على ذلك، والحق أنها لم تقع على ذلك، ونَصُّ ما وقعت عليه على ما رواه ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي، أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال لمن حضر من الأنصار: "أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم" فبايعوه على ذلك، وعلى أن يرحل إليهم هو وأصحابه، وفي كتاب الفتن عن عُبادة بن الصامت أيضًا، قال: "بايَعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره" الحديث، وأصرح من ذلك في هذا المراد ما أخرجه أحمد والطبراني عن عُبادة أنه جرت له قصة مع أبي هُريرة عند معاوية بالشام، فقال: يا أبا هُريرة إنك لم تكن معنا إذ بايعنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول بالحق، ولا نخاف بالله لومة لائم، وعلى أن ننصر رسول الله ﷺ إذا قدم علينا يثرب، فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا ولنا الجنة، فهذه بيعة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم التي بايعناه عليها، فذكر بقية الحديث، وقد ذكرت في المقدمة عدد العقبات،
стр. 542
وعدد أهلها، فبان من هذا أن الذي وقع في بيعة العقبة ليس هو الواقع في البيعة المذكورة في هذا الحديث، ونظير ما وقع في هذا الحديث ما أخرجه أحمد عن محمَّد بن إسحاق عن عُبادة بن الوليد بن عُبادة بن الصامت، عن أبيه الوليد، عن جده عبادة بن الصامت، قال: وكان أحد النقباء، قال: "بايعنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بيعة الحرب، وكان عُبادة من الاثني عشر الذين بايعوا في العقبة الأولى على بيعة النساء وعلى السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا" الحديث، فإنه ظاهر في اتحاد البيعتين، ولكن الحديث في "الصحيحين" كما يأتي في الأحكام ليس فيه هذه الزيادة، والصواب أن بيعة الحرب بعد بيعة العقبة, لأن الحرب إنما شُرع بعد الهجرة، ويمكن تأويل رواية ابن إسحاق وردها إلى ما تقدم، وقد اشتملت روايته على ثلاث بيعات، بيعة العقبة وقد صرح بأنها كانت قبل أن يُفْرَضَ الحرب في رواية الصُّنابِحِيّ عن عُبادة عند أحمد، والثانية: بيعة الحرب ويأتي في الجهاد أنها كانت على عدم الفرار، والثالثة: بيعة النساء أي التي وقعت على نظير بيعة النساء، والراجح أن التصريح بذلك وهم من بعض الرواة، ويعكر على ذلك التصريح في رواية ابن إسحاق عن الصُّنابِحيّ عن عبادة أن بيعة ليلة العقبة كانت على مثل بيعة النساء، واتفق وقوع ذلك قبل أن تنزل الآية، وإنما أضيفت إلى النساء لضبطها بالقرآن، ونظيره ما وقع في "الصحيحين" أيضًا عن الصُنابحي عن عُبادة قال: إني من النقباء الذين بايعوا رسول الله ﷺ ، وقال: بايعناه على أن لا نشرك باللهِ شيئًا الحديث، فظاهر هذا اتحاد البيعتين، ولكن المراد ما قررته أن قوله: إني من النقباء الذين بايعوا أي ليلة العقبة على الإِيواء والنصر وما يتعلق بذلك ثم قال بايعناه إلى آخره أي في وقت آخر، ويشير إلى هذا الإِتيان بالواو العاطفة في قوله: وقال بايعناه.
وعليك برد ما أتى من الروايات موهمًا أن هذه البيعة كانت ليلة العقبة إلى هذا التأويل الذي نهجت إليه فيرتفع الإِشكال بذلك، ولا يبقى بين
стр. 543
حديثي أبي هُريرة وعبادة تعارض، ولا وجه بعد ذلك للتوقف في كون الحدود كفارة، هذا حاصل ما لخّصه في "الفتح" قائلًا: إنما أطلت في هذا الموضع لأني لم أر من أزال اللبس فيه على الوجه المرضي.
وقوله: "فعوقب به" أعم من أن تكون العقوبة حدًّا أو تعزيرًا، ورُوي عن القاضي إسماعيل وغيره أن قتل القاتل إنما هو رادع لغيره، وأما في الآخرة فالطلب للمقتول قائم، لأنه لم يصل إليه حق، قال في "الفتح": بل وصل إليه حق، وأي حق، فإن المقتول ظلمًا تكفر عنه ذنوبه بالقتل كما ورد في الخبر الذي صححه ابن حِبّان وغيره أن السيف مَحّاءٌ للخطايا.
وعن ابن مسعود قال: إذا جاء القتل محا كلَّ شيء. رواه الطَّبراني، وله عن الحسن بن علي نحوه، وعن عائشة مرفوعًا: لا يمر القتل بذنب إلا محاه، قال: فلولا القتل ما كفرت ذنوبه، وأي حق يصل إليه أعظم من هذا, ولو كان حد القتل إنما شرع للردع فقط لم يشرع العفو عن القاتل.
قلت: جميع ما استدل به لا دليل فيه إلا الجملة الأخيرة التي هي: "ولو كان إلخ"، وأما تكفير ذنوب المقتول بقتله ظلمًا فليس فيه وصول حق له من القاتل، إنما فيه أن الله يكفر عنه ذنوبه بما حصل له من الظلم، سواء عوقب القاتل أو لم يعاقب، وهل تدخل في العقوبة المذكورة المصائب الدنيوية من الآلام والأسقام فيه نظر، ويدل للمنع قوله الآتي:
"ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله" فإن هذه المصائب لا تنافي الستر، لكن بَيَّنَت الأحاديث الكثيرة أن المصائب تكفر الذنوب، فيحتمل أن يراد أنها تكفر ما لا حد فيه، ويستفاد من الحديث أن إقامة الحد كفارة للذنب، ولو لم يتب المحدود، وهو قول الجمهور، وقيل: لا بد من التوبة، وهو قول المعتزلة، ووافقهم ابن حَزْم والبَغَويّ من المفسرين وطائفة يسيرة، واستدلوا باستثناء من تاب في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] وأجيب بأن هذا في عقوبة الدنيا بدليل التقييد بالقدرة عليه.
стр. 544
وقوله: "ثم ستره الله" فيه حذف عليه، وفي رواية كريمة ذكرها، والحكمة في عطف الجملة المتضمنة للعقوبة على ما قبلها بالفاء والمتضمنة للستر بثم هي احتمال أن ذلك للتنفير عن مُواقَعَة المعصية، فإن السامع إذا علم أن العقوبة مفاجأة لإِصابة المعصية غير متراخية عنها، وأن الستر متراخ بعثه ذلك على اجتناب المعصية وتوقيها.
وقوله: "فهو إلى الله" أي أمره مفوض إلى الله تعالى، وفي هذا رد على الخوارج الذي يكفرون بالذنوب، ورد على المعتزلة الذي يوجبون تعذيب الفاسق إذا مات بلا توبة، لأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أخبر بأنه تحت المشيئة، ولم يقل: إنه لا بد أن يعذبه، وفيه إشارة إلى الكف عن الشهادة بالنار على أحد، أو بالجنة لأحد، إلا من ورد النص فيه بعينه.
قال في "الفتح": أما الشق الأول فواضح، وأما الثاني فالإِشارة إليه إنما تستفاد من الحمل على غير ظاهر الحديث، وهو متعين.
وقوله: "إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه" هذا يتناول من تاب ومن لم يتب، وإنه لم يتحتم دخوله النار، بل هو إلى مشيئة الله، وقال الجمهور: إن التوبة ترفع المؤاخذة، نعم لا يأمن من مكر الله لأنه لا اطّلاع له على قبول توبته، وقيل بالتفرقة بين ما يجب فيه الحد وما لا يجب، واختلف فيمن أتى ما يوجب الحد، فقيل: يجوز أن يتوب سرًّا ويكفيه ذلك، وقيل: الأفضل له أن يأتي الإِمام ويعترف به، ويسأله أن يقيم عليه الحد، كما وقع لماعِز والغامِدية، وفصل بعض العلماء بين أن يكون معلنًا بالفجور، فيُستحب أن يعلن توبته، وإلا فلا.
رجاله خمسة:
الأول: أبو اليمان، والثاني: شعيب، وقد مرا في السابع من بدء الوحي.
стр. 545
والثالث: ابن شِهاب، وقد مر أيضًا في الثالث منه.
والرابع: عائذ الله بن عبد الله بن عمرو، ويقال عبد الله بن إدريس ابن عائذ بن عبد الله بن عتبة بن غَيْلان أبو إدريس الخَوْلاني العَوْذِيّ والعَيْذي.
قال مكحول: ما رأيت أعلم منه. وقال الزُّهري: كان قاضي أهل الشام، وقاضيهم في خلافة عبد الملك. وقال سعيد بن عبد العزيز: كان أبو إدريس عالم الشام من بعد أبي الدَّرداء. وقال أبو زُرعة الدِّمشقي: أحسن أهل الشام لقيا لأجلة أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جُبَير بن نُفَيْر، وأبو إدريس، وقد قلت لدُحيم: من المقدم منهم؟ قال: أبو إدريس. قال أبو زُرعة: وأبو إدريس أروى عن التابعين من جُبَير بن نُفير، فأما معاذ بن جَبَل فلم يَصِحَّ له منه سماع، وإذا حدث أبو إدريس عن معاذ أسند ذلك إلى يزيد بن عَميرة، وروى مالك عن أبي حازم، عن أبي إدريس، قال: دخلت مسجد دمشق فإذا أنا بفتى براق الثنايا، فسألت عنه , فقالوا: معاذ، فلما كان من الغد هَجَّرْت، فوجدته يصلي، فلما انصرف سلمت عليه، فقلت: والله إني لأحبك الحديث.
وقال العِجليّ: بصري تابعي دمشقي ثقة. وقال أبو حاتم والنّسائي وابن سَعد: ثقة. وذكره الطَّبريّ في "طبقات الفقهاء" في نفر أهل فقه في الدين وعلم بالأحكام والحلال والحرام. وقال ابن حِبّان في "الثقات": ولاه عبد الملك القضاء بعد عزل بلال بن أبي الدَّرداء، وكان من عباد أهل الشام وقرائهم، ولم يسمع من معاذ، وقد سُئل الوليد بن مسلم، وكان عالمًا بأيام أهل الشام، هل لَقِي أبو إدريس معاذ بن جبل؟ قال: نعم، أدرك معاذًا وأبا عُبيدة، وهو وابن عشر سنين، وُلد يوم حُنين.
روى عن عمر بن الخطاب، وأبي الدرداء، ومعاذ بن جبل، وأبي ذر، وبلال، وحُذيفة، وعبادة بن الصامْت، والمغيرة، ومعاوية، وواثِلة ابن الأسْقع، وغيرهم.
стр. 546
وروى عنه: الزّهري، وربيعة بن يزيد، والقاسم بن محمَّد، ومكحول، وشَهر بن حَوْشَب، وأبو حازم سلمة بن دينار، والوليد بن عبد الرحمن بن أبي مالك، وغيرهم.
مات سنة ثمانين.
وفي الستة عائذ الله سواه واحد أبو معاذ المُجاشِعِي، روى له ابن ماجه، وقال البخاري: لا يَصِحُّ حديثه، ووثقه ابن حبّان.
والخَوْلاني في نسبه نسبة إلى خَوْلان بن عمرو بن الحارث بن مُرة بنِ أُدَد، ومنهم أبو مسلم الخَوْلاني، واسمه عبد الرحمن بن مشكم، وخَوْلان في قبائل من العرب هذه، وخولان بن عمرو بن الحافي بن قُضاعة، وخَوْلان بن سعد بن مذحج، وخَوْلان حضور، وخَوْلان ردع هو ابن قَحْطان.
والعَوْذيّ في نسبه -بفتح المهملة وسكون الواو- نسبة إلى عَوْذ، وهما اثنان: عَوْذ بن غالب بن قَطيعة بن عَبْس، وعَوْذ بن سود بن الحجر بن عِمران بن عَمْرو بن مُزَيْقِيا قبيلتان، من الأولى سعد بن سَهْم بن عَوْذ، وحبيب بن قرفة العَوْذي، ومن الثانية أبو عبد الله هَمّام بن يحيى بن دينار الأزْدِيّ العَوْذيّ مولاهم.
الخامس: عُبادة -بضم العين- بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فِهْر ابن ثعلبة بن غُنم بن سالم بن عَوْف بن عمرو بن عَوْف بن الخزرج الأنصاري السّالميّ، يُكنى أبا الوليد، وأمه قرة العين بنت عُبادة بن نَضْلة ابن مالك بن العَجْلان، وكان عبادة نقيبًا، وشهد العقبة الأولى والثانية والثالثة، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين أبي مَرْثَد الغَنَويّ، وشهد بدرًا والمشاهد كلها.
قال ابن يُونس: شهد فتح مصر، وكان أمير ربع المدد. وفي "الصحيحين" عن الصُّنابحيّ، عن عُبادة قال: أنا من النقباء الذين بايعوا
стр. 547
رسول الله ﷺ ليلة العقبة، الحديث.
وهو أول من وَلي قضاء فلسطين، ومن مناقبه ما قال ابن اسحاق في "مغازيه" عن عُبادة بن الصامت، قال: لما حارب بنو قَيْنُقَاع بسبب ما أمرهم عبد الله بن أبي، وكانوا حلفاء، فمشى عُبادة بن الصامت، وكان له من الحلف مثل الذي لعبد الله بن أُبي، فخلعهم، وِتبرأ إلى الله ورسوله من حلفهم، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى ..﴾ الخ. وذكر خليفة أن أبا عُبيدة ولاه إمرة حمص، ثم صرفه وولى عبد الله بن قُرْظ.
وروى ابن سعد من طريق محمَّد بن كعب القُرظِيّ أنه ممن جمع القرآن في عهد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وزاد أن يزيد بن أبي سفيان كتب إلى عمر: قد احتاج أهل الشام إلى من يعلمهم القرآن، ويفقههم، فأرسل معاذًا وعُبادة وأبا الدّرداء، فأقام عُبادة بفلسطين.
وروى مجاهد عن جنادة، قال: دخلت على عُبادة، وكان قد تفقه في دين الله.
وعن يعلي بن شَدّاد، قال: ذكر معاوية الفرار من الطاعون، فذكر قصة له مع عُبادة، فقام معاوية عند المنبر بعد صلاة العصر، فقال: الحديث كما حدثني عُبادة، فاقتبِسوا منه، فإنه أفقه مني.
ولعبادة قصص متعددة مع معاوية، وإنكاره عليه أشياء، وفي بعضها رجوع معاوية له، وفي بعضها شكواه إلى عثمان منه تَدُلُّ على قوته في دين الله، وقيامه بالأمر بالمعروف، وروى الأوْزَاعيّ أن عُبادة خالف معاوية في شيء أنكره عليه في الصرف، فأغلظ له معاوية في القول، فقال له عُبادة: لا أساكنك في أرض واحدة أبدًا، ورحل إلى المدينة، فقال له عمر: ما أقدمك؟ فأخبره، فقال له: ارجع إلى مكانك، فقبح الله أرضًا لست فيها ولا أمثالك، وكتب إلى معاوية: لا إمرة لك على عُبادة. وروى ابن سعد أنه كان جميلا جسيمًا طويلًا.
стр. 548
له عن رسول الله ﷺ مئة وواحد وثمانون حديثًا، اتفقا على ستة منها، وانفرد البخاري باثنين، ومسلم باثنين أيضًا.
روى عنه: أبو أمامة، وأنس، وجابر، وأبو أُبَيّ بن أم حرام، وفُضالة ابن عبيد من الصحابة، وروى عنه من كبار التابعين أبو إدريس الخَوْلاني، وأبو مسلم الخَوْلاني، وعبد الرحمن بن عُسَيلة الصُّنابِحيّ، وأبو الأشْعَث الصّنعاني، وجُبير بن نُفير، وبنوه الوليد وعبد الله ودَاود وآخرون.
مات بفلسطين سنة أربع وثلاثين، ودفن ببيت المقدس، وقبره بها معروف إلى اليوم، وقيل: مات بالمدينة، والأول أشهر، وأورد ابن عساكر أخبارًا له مع معاوية تدل على أنه عاش بعد ولاية معاوية الخلافة، وقيل: إنه عاش إلى سنة خمس وأربعين.
وعُبادة بن الصامت في الصحابة فرد، وبدون الصامت ثلاثة عشر.
لطائف إسناده: منها أن السند كله شاميون، وفيه التحديث والإِخبار والعنعنة، وفيه رواية قاضٍ عن قاضٍ، وهما أبو إدريس وعُبادة بن الصامت، وفيه رواية من رأى النبي ﷺ عن الصحابي لأن أبا إدريس من حيث الرواية كبير، وقد ذكر في الصحابة لأن له رؤية، وأبوه عبد الله بن عَمرو الخَوْلاني صحابي، وهذا الحديث أخرجه البخاري في خمسة مواضع هنا، وفي المغازي والأحكام عن أبي اليَمان، وفي وُفود الأنصار عن إسحاق بن منصور وغيره، وفي الحدود عن ابن يوسف عن مَعْمر، ومسلم في الحدود عن يحيى بن يحيى، والتِّرمذي مثل إحدى روايات البخاري، وأخرجه النسائي بلفظ آخر.
١٢ - باب من الدّين الفِرار مِنَ الفتن
بتنوين باب، وإنما عدل المصنف عن الترجمة بالإِيمان مع أنه ترجم لأبواب الإِيمان مراعاةً للفظ الحديث، ولما كان الإِيمان والإِسلام مترادفين في عرف الشرع، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل
стр. 549
عمران: ١٩] صح إطلاق الدين في موضع الإِيمان، ولم يرد الحقيقة لأن الفرار ليس بدين، فالتقدير الفرار من الفتن شعبة من شعب الإِيمان، كما دل عليه أداة التبعيض.
بعونه تعالى وتوفيقه، تم الجزء الأول من "كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري" ويليه الجزء الثاني وأوله الحديث الثاني عشر
стр. 550
كَوثَر المَعَاني الدَّرارِي في كَشْفِ خَبَايا صَحِيحِ البُخَاري
تأليف
الإمَامِ المُحَدِّثِ العَلَّامَةِ الشَّيْخ مُحَمَّد الخِضْر الجَكيني الشِّنْقِطيْ
(المتوفى سنة ١٣٥٤ هـ)
الجزءُ الثَّاني
مؤسسة الرسالة
стр. 551
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 552
كَوثَر المَعَاني الدَّرارِي في كَشْفِ خَبَايا صَحِيحِ البُخَاري
стр. 553
حقوق الطبع محفوظة
الطبعَة الأولى
١٤١٥هـ - ١٩٩٥ م
مؤَسَّسَة الرّسَالة للطباعَة والنشر والتوزيع
مؤَسَّسَة الرّسَالة بَيرْوت -شارع سوريَا- بنَاية صَمَدي وَصَالحَة
هَاتف: ٦٠٣٢٤٣ - ٨١٥١١٢ - صَ. بَ: ٧٤٦٠ - بَرقيًا: بيُوشرَان
стр. 554
الحديث الثاني عشر
١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتَّبعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ».
قوله: "يوشِك" بكسر الشين المعجمة أي يُسرع وزنًا ومعنى، ويجوز فتح الشين في لغة رديئة.
وقوله: "أن يكون خير مال المسلم" يجوز في خير الرفع والنصب، فإن كان غنم بالرفع فالنصب، وإلا فالرفع، ويجوز رفعهما على الابتداء والخبر، ويقدر في يكون ضمير الشأن، لكن لم تجىء به الرواية، والأشهر في الرواية غنم بالرفع.
وقوله: "شَعَفَ الجبال" بفتح المعجمة، والعين المهملة، جمع شَعَفة كأكَمة وأكَم، وهي رؤوس الجبال، ووقع عند بعض رواة الموطأ شُعَب بضم أوله وفتح ثانيه جمع شعبة، وهي ما انفرج بين جبلين، ويجوز في يتبع تشديد التاء وإسكانها.
وقوله: "مواقعَ القَطْر" بكسر قاف مواقع كمواضع وزنًا ومعنى، عطف على شَعَف، والقطر المطر، والمواقع هي بطون الأودية، وخصهما بالذكر لأنهما مظان المرعى.
стр. 555
وقوله: "يفرُّ بدينه" جملة حالية، وذو الحال إما الضمير المستتر في يتبع، أو المسلم لوجود شرط جواز الحال من المضاف إليه وهو شدة الملابسة، فكأنه جزء منه، ويجوز أن تكون استئنافية، والباء في بدينه سببية، أو بمعنى مع، أي يفر بسبب دينه، أو معه.
وقوله: "من الفتن" أي طلبًا لسلامة لا لقصد دنيوي، ومن ابتدائية.
قال النّووي في الاستدلال بهذا الحديث: للترجمة نظر، لأنه لا يلزم من لفظ الحديث عد الفرار دينًا وإنما هو صيانة للدين. قال: فلعله لما رآه صيانة للدين أطلق عليه اسم الدين، وقال غيره: إن أريد بمن كونها جنسية أو تبعيضية فالنظر متجه، وإن أريد كونها ابتدائية أي: الفرار من الفتنة منشؤه الدين فلا يتجه النظر.
وفي معنى هذا الحديث ما أخرجه البخاري في الرقاق عن أبي سعيد أيضًا، قال: جاء أعرابي فقال: يا رسول الله، أي الناس خير؟ قال: "رجلٌ جاهد بنفسه وماله، ورجل في شِعْب من الشِّعاب، يعبدُ ربه ويدعُ الناس من شره".
والحديثان دالّان على فضل العُزلة لمن خاف على دينه، وقد اختلف السلف في أصل العُزلة، فالعزلة عند الفتنة ممدوحةٌ إلا لقادر على إزالتها، فتجب الخلطة عينًا أو كفاية بحسب الحال والإِمكان، واختلف فيها عند عدم الفتنة، فقال الجمهور بتفضيل الصحبة لتعلمه، وتعليمه، وعبادته، وأدبه، وتحسين خُلُقه بحلم واحتمال وتواضع ومعرفة أحكام لازمة، وتكثير سواد المسلمين، وعيادة مريضهم، وتشييع جنازتهم، وحضور الجُمَع والجماعات، واختار آخرون العزلة لتحقق السلامة، وليعمل بما علم، ويأنس بدوام ذكره، فبالصحبة والعزلة كمال المرء.
وقال الجُنَيْد نفعنا الله ببركته: مكابدة العزلة أيسر من مداراة الخلطة. وقال الخطّابي: لو لم يكن في العزلة إلا السلامة من الغِيبة ورؤية المنكر الذي لا يقدِرُ على إزالته لكان في ذلك خير كثير. وقال البُخاري: العزلة راحة
стр. 556
من خِلاط السوء. ورواه ابن أبي شَيْبة عن عُمر، وقد تجب العزلة لفقيه لا يسلم دينه بالصحبة، وتجب الصحبة لمن عرف الحق فاتبعه والباطل فاجتنبه، وتجب على من جهل ذلك ليعلمه. وقال النووي: المختار تفضيل المخالطة لمن لا يغلِبُ على ظنه أنه يقع في معصية، فإن أشكل الأمر فالعزلة أولى. وقال غيره: يختلف باختلاف الأشخاص، فمنهم من يتحتم عليه أحد الأمرين، ومنهم من يترجح, وليس الكلام فيه، بل إذا تساويا فيختلف باختلاف الأحوال، فإن تعارضا اختلف باختلاف الأوقات، فممن تتحتم عليه المخالطة من كانت له قدرة على إزالة المنكر، فيجب عليه إما عينًا وإما كفاية بحسب الحال والإِمكان، وممن يترجح من يغلِبُ على ظنه أنه يسلم في نفسه إذا قام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وممن يستوي من يأمن على نفسه ولكنه يتحقق أنه لا يُطاع، وهذا حيث لا يكون هناك فتنة عامة، فإن وقعت الفتنة ترجحت العُزلة لما ينشأ فيها غالبًا من الوقوع في المحذور، وقد تقع العقوبة بأصحاب الفتنة فتعم من ليس من أهلها كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥].
وفي حديث أبي سعيد هذا عند البخاري في الرقاق: "يأتي على الناس زمانٌ خير مال المسلم الخ" قال في "الفتح": ولفظه هنا صريح في أن المراد بخيرية العُزلة أن تقع في آخر الزمان، وأما زمنه ﵊ فكان الجهاد فيه مطلوبًا حتى كان يجب على الأعيان إذا خرج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم غازيًا أن يخرج معه إلا من كان معذورًا، وأما من بعده فيَخْتَلِف ذلك باختلاف الأحوال. وقال الخَطّابي: إن العزلة والاختلاط يختلفان باختلاف متعلقاتهما، فتحمل الأدلة الواردة في الحض على الاجتماع على ما يتعلق بطاعة الأئمة وأمور الدين، وعكسها في عكسه، وأما الاجتماع والافتراق بالأبدان فَمَن عرف الاكتفاء بنفسه في حق معاشه ومحافظة دينه فالأولى له الانكفاف عن مخالطة الناس بشرط أن يحافظ على الجماعة والسلام والرد وحقوق المسلمين من العيادة وشهود
стр. 557
الجنازة ونحو ذلك، والمطلوب إنما هو ترك فضول الصحبة لما في ذلك من شغل البال، وتضييع الوقت عن المهمات، وبجعل الاجتماع بمنزلة الغداء والعشاء، فيقتصر منه على ما لا بد له منه، فهو أروح للبدن والقلب. وقال القُشَيْريّ في "الرسالة": طريق من آثر العزلة أن يعتقد سلامة الناس من شر لا العكس، فإن الأول ينتجه استصغاره نفسه وهي صفة المتواضع، والثاني شهوده مَزِيّةً له على غيره وهذه صفة المتكبر، وقد وقع لبعض الصحابة الاعتزال كسَلَمَة بن الأكْوَع لما قتل عثمان ووقعت الفتن اعتزل عنها، وسكن الرَّبَذَة، وتأهل بها, ولم يلابِس شيئًا من تلك الحروب كما في "البخاري".
قال في "الفتح": والحق حمل عمل كل أحد من الصحابة على السداد، فمن لابس القتال اتضح له الدليل لثبوت الأمر بقتال الفئة الباغية، وكانت له قدرة على ذلك، ومن قعد لم يتضح له أي الفئتين هي الباغية، أو لم تكن له قدرة على القتال، وقد وقع لخُزَيْمة بن ثابت أنه كان مع علي، وكان مع ذلك لا يقاتل حتى قُتِلَ عمّار فقاتل حينئذٍ، وحدّثَ بحديث: "تَقْتُلُ عمّارًا الفئة الباغية" أخرجه أحمد وغيره، وقد لخصت هنا جميع ما قيل في العزلة والاختلاط لشدة الحاجة إليهما في هذا الزمان.
رجاله خمسة:
الأول: عبد الله بن مَسْلَمة بن قَعْنَب القَعْنَبيّ الحارِثي أبو عبد الرحمن المَدَني نزيل البصرة، كان يسمى الراهب لعبادته وفضله.
وقال عبد الله بن أحمد بن الهَيثم: سمعت جدي يقول: كنا إذا أتينا عبد الله بن مسلمة القَعْنَبي خرج إلينا كأنه مشرف على جهنم نعوذ بالله منها. وقال عبد الله بن داود الخُرَيْبِيّ: حدثني القَعْنبي عن مالك، وهو والله عندي خير من مالك. وقال العِجليّ: بصري ثقة، رجل صالح، قرأ مالك عليه نصف "الموطأ" وقرأ هو على مالك النصف الباقي. وقال أبو حاتم: حجة ثقة، لم أر أخشع منه. وقال أبو زُرعة: ما كتبت عن أحد أجلّ في
стр. 558
عيني منه. وقال عَمرو بن علي: كان مجاب الدعوة. وقال ابن سعد: كان عالمًا فاضلًا، واعلم مالك بقدومه، فقال: قوموا بنا إلى خير أهل الأرض. وقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: القَعْنَبِيّ أحب إليك في "الموطأ" أو ابن أبي أُوَيْس؟ قال: القعنبي أحب إلي، لم أر أخشع منه. وقال عبد الصمد بن المُفَضَّل البَلْخيّ: ما رأت عيناي مثل أربعة، رجلين بالعراق: قُبيصة والقَعْنَبِيّ ورجلين بِبَلْخ: خَلَف وشَدّاد. وقال ابن مَعين: ما رأيت رجلًا يحدث لله تعالى إلا وكيعًا والقَعْنَبيّ. وقال ابن حِبّان في "الثقات": كان من المتقشفة الخشن، وكان لا يحدث إلا بالليل، وربما خرج وعليه بارِيّة اتَّشَح بها، وكان من المتقنين في الحديث، وكان يحيى ابن مَعين لا يُقدِّم عليه أحدًا في مالك. وقال النسائي: القَعْنَبِيّ فوق عبد الله ابن يوسف في "الموطأ". وقال الحاكم: سُئل ابن المَديني عنه، فقال: لا أقدم من رواة "الموطأ" أحدًا على القَعْنَبيّ. وقال بن قانِع: بصري ثقة، وفي الزهرة: روى عنه البخاري مئة وثلاثة وعشرين حديثًا، ومسلم سبعين حديثًا.
روى عن: أبيه، وأفْلَح بن حُمَيد، وسَلَمة بن وَرْدان، ومالك، واللَّيث، وداود بن قَيْس، وسليمان بن بلال، وزيد بن أسلم، وشُعبة، وفُضَيل بن عِياض، وغيرهم.
وروى عنه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، وأخرج له مسلم أيضًا والتِّرمذي والنسائي بواسطة أحمد بن الحسن الترمذي، وروى عنه أبو زُرعة، وأبو حاتم، والذُّهلي، ويعقوب بن سُفيان، وحدث عبد الله بن داود الخُرَيْبيّ وهو أكبر منه، وخلق كثير.
مات بطريق مكة، وقيل: بالبصرة، سنة إحدى وعشرين ومئتين وقيل: بمكة بالمحرم سنة إحدى إلخ ...
والقَعْنَبيّ في نسبه نسبة إلى جده المتقدم قَعْنب كجَعْفَر، والقَعْنَب في
стр. 559
اللغة الشديد، ومنه يقال للأسد القَعْنَب، وللثعلب الذكر، وليس في الستة عبد الله بن مَسْلمة سواه.
الثاني: الإِمام مالك، وقد مر في الثاني من بدء الوحي.
والثالث: عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صَعْصَعَة الأنصاري المازِني ومنهم من يُسقط عبد الرحمن من نسبه، ومنهم من ينسبه إلى جده، فيقول: عبد الرحمن بن أبي صَعْصعة.
قال الدّارَقطني: لم يختلف على مالك في تسميته عبد الرحمن بن عبد الله، واسم جده أبي صَعْصَعة عمرو بن زيد بن عَوْف بن مندُول بن غُنْم بن مازِن بن النجّار بن ثعلبة بن عَمرو بن الخَزْرج. ذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أبو حاتم، والنسائي، وابن عبد البر في "التمهيد": ثقة.
روى عن: أبيه، وعطاء بن يسار، والزُّهْري، وعُمر بن عبد العزيز والحارث بن عبد الله بن كعْب بن مالك.
وروى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك، ويزيد بن الهاد،
وابن عُيَيْنة، وعبد العزيز بن أبي سليمان المَاجشُون.
روى له: البخاري، والنسائي، وابن ماجه.
مات سنة تسع وثلاثين ومئة
والمازني في نسبه نسبة إلى مازن بن النَّجار المار في نسبه، ومازن في قبائل في قيس عيلان، مازن بن منصور بن عِكْرمة بن خصفة بن قيس عيلان، وفي قيس عيلان أيضًا مازن بن صَعْصَعَة، وفي فَزَارة مازن بن فَزَارة، وفي ضُبّة مازن بن كعب، وفي مذحج مازن بن ربيعة، وفي تميم مازن بن مالك، وفي شَيْبان بن ذهل مازن بن شَيْبان، وفي هُذَيْل مازن ابن معاوية، وفي الأزْد مازن بن الأزْد.
الرابع: أبوه عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري، شهد جده أُحُدًا،
стр. 560
وقتل يوم اليمامة مع خالد بن الوليد شهيدًا، وأبوه عُمِّرَ ومات في الجاهلية، قتله بردع بن زيد بن عامر بن سواد بن ظفر بن الأوس ثم أسلم بردع، وشهد أحدًا، وثقه النسائي، وابن حِبّان.
روى عن: أبيه، وعن أبي سعيد الخُدري.
وروى عنه: ابنه عبد الرحمن، ومالك.
روى له: البُخاري، وأبو داود.
الخامس: أبو سعيد الخُدْريّ، سعد بن مالك بن سِنان بن عُبيد، وقيل عبد بن ثَعْلبة بن عُبيد بن الأَبْجَر، وهو حُذرة بن عوف بن الحارث ابن الخزرَج مشهور بكنيته، استصغر يوم أحد، واستشهد أبوه بها، وغزا هو ما بعدها.
قال حَنْظلة بن أبي سفيان: كان من أفقه أحداث الصحابة. وروى الهَيثم في "مسنده" قال سَهْل بن سَعد: بايعت النبي ﷺ أنا، وأبو ذَرٍّ، وعُبادة بن الصّامت، ومحمد بن مَسْلمة، وأبو سَعيد الخُدْريّ، وسادس على أن لا تأخذنا في الله لومة لائم، فاستقال السادس، فأقاله. وعن عبد الله بن الشِّخِّير: خرج أبو سعيد يوم الحَرّة، فدخل غارًا، فدخل عليه شامي، فقال: اخرج، فقال: لا أخرج، وإن تدخل علي أقتلك، فدخل عليه، فَوَضَع أبو سعيد السيف، وقال: بُؤْ بِإِثْمِكَ. قال: أنت أبو سعيد الخُدْرِيّ؟ قال: نعم. قال: فاستغفر لي. وعن عطية عن أبي سعيد: قتل أبي يوم أحد شهيدًا، وتركنا بغير مال، فأتيت رسول الله ﷺ أسأله, فحين رآني قال: "من اسْتَغنى أَغناه الله، ومن يَسْتَعْفِف يُعِفَّهُ الله" فرجعت، ولفظه في "الصحيحين": "من يَسْتَغْنِ يُغْنِه الله، ومن يَستعْفِف يُعِفَّهُ الله، ومن يَتَصبَّر يُصبِّرهُ الله". وعن أبي نصْرة، عن أبي سَعيد الخُدريّ رفعه: "لا يَمْنَعَنَّ أحدكم مخافة النّاس أن يتكلم بالحق إذا رآه، أو علمه" قال أبو سعيد: فحملني ذلك على أن ركبت إلى معاوية، فملأت أذنيه، ثم
стр. 561
رجعت. وعن هِنْد بنة سعيد بن أبي سَعيد الخُدْريّ، عن عمها، جاء رسول الله ﷺ عائدًا إلى أبي سَعيد، فقَدَّمنا إليه ذراع شاةٍ. وعن العَلاء ابن المُسيَّبِ، عن أبيه، عن أبي سعيد الخُدْرِيّ. قلنا له: هنيئًا لك برؤية رسول الله ﷺ وصحبته، قال: إنك لا تدري ما أحدثنا بعده. وروى أبو نُصْرة عن أبي سعيد أنه قال: تحدثوا فإن الحديث يَهيجُ الحديث.
له عن رسول الله ﷺ ألف حديث ومئة وسبعون حديثًا، اتفقا منها على ستة وأربعين، وانفرد البخاري بستة عشر، ومسلم باثنين وخمسين.
روى عن جماعة من الصحابة منهم الخلفاء الأربعة، ووالده مالك، وأخيه لأمه قَتادة بن النُّعمان، وزَيْد بن ثابت.
وروى عنه جماعة من الصحابة منهم ابن عُمر، وابن عَبّاس، وجابر، ومحمود بن لَبيد، وخلق من التابعين كابن المُسيِّب، وأبي عُثمان النَّهْدِيّ، وطارق بن شِهاب، وخلق كثير.
مات بالمدينة سنة أربع وستين، وقيل: أربع وسبعين، وقيل: سنة ثلاث وستين، وقيل: خمس وستين. وأمه أُنَيْسة بنت أبي حارثة من بني عَدي بن النجَّار.
والخُدريُّ في نسبه -بضم الخاء وسكون الدال المهملة- نسبة إلى خُدرة أحد أجداده كما مر، فخُدرة وخُدارة أخوان بطنان من الأنصار، فأبو مسعود الأنصاري البَدْريّ من خُدارة، وأبو سعيد من خُدرة، وهما ابنا عَوْف بن الحارث إلى آخر ما مر. وكان يقال لسنان جد أبي سعيد الخُدْري: الشهيد. وقَتادة بن النُّعمان أخو أبي سعيد الخُدْرِي لأمه، وضبط الدَّارَقُطنيّ خُدارة بالجيم المكسورة، وصوبه الرشالمي، وفي "تاج العروس" أنه بضم الجيم، وإن الصحيح أنه بالخاء لا بالجيم، ذكره في فصل جَدَرَ بالجيم.
ويشتبه الخُدْرِيّ بالضم بالخِدْريّ بالكسر نسبة إلى خِدرة بطن من ذُهْل
стр. 562
ابن شيبان، وبالخَدَريّ بالتحريك وهو محمَّد بن حسن متأخر، روى عن أبي حاتم وبالجَدَرِيّ بالجيم والدال مفتوحتين، وهو عُمير بن سالم، وبكسر الجيم وسكون الدال نسبة إلى جِدْرة بطن من كعب.
لطائف إسناده: منها أن هذا السند كله مدنيون، وفيه فرد تحديث، والباقي عنعنة وفيه صحابي ابن صحابي.
وهذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم، أخرجه هنا، وفي الفتن عن ابن يوسف، وفي إسناد الكتاب عن إسماعيل، وفي الرقاق، وعلامات النبوة عن أبي نُعيْم، وهو من أحاديث مالك في "الموطأ" وأخرجه أبو داود والنسائي أيضًا.
باب قول النبي ﷺ أنا أعلمكم بالله وأن المعرفة فعل القلب لقول الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾
باب هنا مضاف بلا تردد، وسقط في رواية الأصيلي.
"وأنا أعلمكم بالله" هو مقول القول، وفي رواية الأصيليّ: "أعرفكم" بدل أعلمكم، وإنما كان كذلك لأن الرجل كلما كان أقوى في دينه كان أعلم بربه.
وقوله: "وأن المعرفة" بفتح أن عطف على قول النبي، والتقدير: وباب بيان أن المعرفة، وورد بكسرها فهي استئنافية، والفرق بين المعرفة والعلم هو أن المعرفة عبارة عن الإِدراك الجُزْئِيّ، والعلم عن الإِدراك الكلي، وقيل: العلم إدراك المركبات، والمعرفة إدراك البسائط، وهذا مناسب لتعدي العلم إلى مفعولين، والمعرفة إلى مفعول واحد.
وقوله: "لقول الله تعالى .. إلخ" مراده الاستدلال بهذه الآية على أن الإِيمان بالقول وحده لا يتم إلا بانضمام الاعتقاد إليه، والاعتقاد فعل القلب، وقوله: "بما كَسَبَت قلوبُكُم" أي بما استقرَّ فيها.
стр. 563
والآية وإن وردت في الأيمان -بالفتح- فالاستدلال بها في الإِيمان -بالكسر- واضح، للاشتراك في المعنى، إذ مدار الحقيقة فيهما على عمل القلب، وكان المصنف لمح بتفسير زَيْد بن أسْلَم، فإنه قال في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] قال: هو كقول الرجل: إن فعلت كذا فأنا كافر، قال: لا يؤاخذه الله بذلك حتى يعقِدَ به قلبه، فظهرت المناسبة بين الآية والحديث. وظهر وجه دخولهما في مباحث الإِيمان، فإن فيه دليلًا على بُطلان قول الكَرّامِيّةِ: إن الإِيمان قول فقط، ودليلًا على زيادة الإِيمان ونقصانه، لأن قوله ﵊: "أنا أعلمكم بالله" ظاهر في أن العلم بالله درجات، وأن بعض الناس فيه أفضل من بعض، وأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم منه في أعلى الدرجات، والعلم بالله يتناول ما بصفاته وما بأحكامه وما يتعلق بذلك، فهذا هو الإِيمان حقًّا.
وقال إمام الحرمين: أجمع العلماء على وجوب معرفة الله تعالى، واختلفوا في أول واجب، فقيل: المعرفة، وقيل: النظر، وقال المقترح: لا اختلاف، فإن أول واجب خطابًا ومقصودًا المعرفة، وأول واجب اشتغالًا وأداءً القصد إلى النظر، وفي نقل الإِجماع منازعة طويلة، حتى نقل جماعة الإِجماع في نقيضه، واستدلوا بإطباق أهل العصر الأول على قبول الإِسلام ممن دخل فيه من غير تَنْقيب، والآثار في ذلك كثيرة جدًّا، وأجاب الأولون عن ذلك بأن الكفار كانوا يَذُبُّون عن دينهم ويقاتلون عليه، فرجوعهم عنه دليل على ظهور الحق لهم، ومقتضى هذا أن المعرفة المذكورة يُكْتَفَى فيها بأدنى نظر، بخلاف ما قرروه، ومع ذلك فقول الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] وحديث كل مولود يولد على الفطرة، ظاهر في دفع هذه المسألة من أصلها، وفي هذا المقصد طول، وقد أشبعنا الكلام عليه في كتاب متشابه الصفات، ويأتي مزيد الكلام عليه في كتاب التوحيد, لأنه هو مَحَلُّه الحقيقي. وقد قال النووي: في هذه الآية دليل على المذهب
стр. 564
الصحيح أن أفعال القلوب يؤاخَذُ بها إن استقرت، وأما قوله ﷺ : "إن الله تجاوز عن أُمّتي ماحَدَّثَت به أنفسها ما لم تَتَكَلَّم به أو تعمل" فمحمول على ما إذا لم يستقر، ويمكن أن يُستدلَّ لذلك من عموم قوله: "أو تعمل" لأن الاعتقاد هو عمل القلب.
والكلام على هذه المسألة طويل، ومحله عند قول المصنف في الرقاق باب من هَمَّ بحسنة أو بسيئة. وها أنا أريد أن أتكلم عليها هنا قبل وصول ذلك المحل، مخافة الموت قبل وصوله.
فأقول ملخصًا ما جمعه في "الفتح": أخرج البخاري في الباب المذكور عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فيما يرويه عن ربّه ، قال: "إن الله كتب الحسنات وكتب السيئات، ثم بين ذلك، فمن هَمَّ بحسنة فلم يعملْها كتبها الله عنده حسنة كاملة، فإن همَّ بها وعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبع مئة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها له سيئة واحدة" والهم بالحسنة قيل: المراد به العزم لا مطلق الهم والإِرادة، لما أخرجه أحمد وصححه ابن حِبّان والحاكم من حديث خُرَيْم بن فاتِك رفعه: "ومَنْ هم بحسنة يعلم الله أنه قد أشعر بها قلبه وحَرَص عليها" وقد تَمَسَّك به ابن حِبّان، فقال بعد إيراد حديث الباب في "صحيحه": المراد بالهم هنا العَزْم، ويحتمل أن الله يكتب الحسنة بمجرد الهم بها، وإن لم يعزم عليها، زيادة في الفضل. وقال الطوفي: إنما كتبت الحسنة بمجرد الإِرادة، لأن إرادة الخير سبب إلى العمل، وإرادة الخير خير، لأن إرادة الخير من عمل القلب، واستشكل بأنه إذا كان كذلك فكيف لا تُضاعف لعموم قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وأجيب يحمل الآية على عمل الجوارح، والحديث على مجرد الهم، لاقتضاء قوله: ﴿مَنْ جَاءَ﴾ على اختصاص التَّضْعيف بالمجيء، واستشكل أيضًا بأن عمل القلب إذا اعتبر في حصول الحسنة فكيف لا يُعتَبرُ في حصول
стр. 565
السيئة؟ وأجيب بأن ترك عمل السيئة التي وقع الهم بها يكفرها، لأنه قد نسخ قصده السيئة، وخالف هواه، ثم ظاهر الحديث حصول الحسنة مع مجرد الترك، سواء كان ذلك لمانع أم لا، ويتجه أن يقال: يتفاوت عظم الحسنة بحسب المانع، فإن كان خارجيًّا مع بقاء قصد الهم بفعل الحسنة فهي عظيمة القدر، ولا سيما إن قارنها ندم على تفويتها، واستمرت النية على فعلها عند القدرة، وإن كان الترك من الذي هَمَّ من قِبَل نفسه فهي دون ذلك إلا إن قارنَهَا قصد الإِعراض عنها جملة، والرغبة عن فعلها، ولا سيما إن وَقَع العمل في عكسها، كان يريد أن يتصدق بدرهم مثلًا فصرفه بعينه في معصية، فالذي يظهر في الأخير أنه لا تكتب له حسنة أصلًا، وأما ما قبله فعلى الاحتمال.
قال النّووي: أشار بقوله: "عنده" إلى مزيد الاعتناء والشرف، وبقوله: "كاملة" إلى تعظيم الحسنة، وتأكيد أمرها، وعكس في السيئة فلم يصفها بكاملة، بل أكدها بقوله: "واحدة" إشارة إلى تخفيفها، مبالغة في الفضل والإِحسان، ومعنى قوله: "كتبها الله" أمر الحفظة بكتابتها، بدليل حديث أبي هُريرة المذكور في التوحيد: "إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتُبوها عليه حتّى يَعْمَلَها" وفيه دليل على أن المَلَكَ يطَّلِعُ على ما في قلب الآدمي، إما بإطلاع الله إياه، أو بأن يخلُق له علمًا يُدْرِكُ به ذلك، ويؤيد الأول ما أخرجه ابن أبي الدُّنيا عن أبي عِمْران الجَوْني قال: يُنادي المَلَكُ اكتب لفلان كذا وكذا، فيقول: يا ربِّ لم يعملْه، فيقول: إنه قد نواه. وقيل: بل يجد المَلَك للهَمِّ بالسيئة رائحة خبيثة، وبالحسنة رائحة طيبة. وأخرج ذلك الطبري عن أبي مَعْشَرٍ المَدَني، وجاء مثله عن سفيان بن عُيينة، وفي شرح مُغْلُطاي أنه ورد مرفوعًا.
وقوله: "إلى أضعاف كثيرة" في حديث أبي ذر عند مسلم رفعه: "مَنْ عمل حسنةً فله عشرة أمثالها وأزيد" وهذا يدُلُّ على أن تضعيف حسنة العمل إلى عشرة مجزوم به، وما زاد عليها جائز وقوعه بحسب الزيادة في الإِخلاص وصدق العزم وحضور القلب وتعدي النفع، كالصدقة
следующие страницы →