Полный текст (6 753 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.
стр. 5006
باب هل يؤذن أو يقيم إذا جمع بين المغرب والعشاء
قال ابن رشيد: ليس في حديثي الباب تنصيص على الآذان، لكن في حديث ابن عمر منهما يقيم المغرب فيصليها، ولم يرد بالإقامة نفس الآذان، وإنما أراد يقيم للمغرب. فعلى هذا، فكان مراده بالترجمة هل يؤذن أو يقتصر على الإقامة؟ وجعل حديث أنس مفسرًا بحديث ابن عمر، لأن في حديث ابن عمر حكمًا زائدًا، ولعل المصنف أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرق حديث ابن عمر. ففي الدارقطني عن نافع عن ابن عمر في قصة جمعه بين المغرب والعشاء: فنزل فأقام الصلاة، وكان لا ينادي بشيء من الصلاة في السفر، فقام فجمع بين المغرب والعشاء. ثم رفع الحديث وقال الكرماني: لعل الراوي لما أطلق لفظ الصلاة استفيد منه أنّ المراد بها التامة بأركانها وشرائطها وسننها، ومن جملتها الآذان والإقامة، وسبقه ابن بطال إلى نحو هذا.
الحديث الثامن والعشرون
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ فِي السَّفَرِ يُؤَخِّرُ صَلاَةَ الْمَغْرِبِ، حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ. قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَفْعَلُهُ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ، وَيُقِيمُ الْمَغْرِبَ فَيُصَلِّيهَا ثَلاَثًا، ثُمَّ يُسَلِّمُ، ثُمَّ قَلَّمَا يَلْبَثُ حَتَّى يُقِيمَ الْعِشَاءَ، فَيُصَلِّيهَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ وَلاَ يُسَبِّحُ بَيْنَهَا بِرَكْعَةٍ، وَلاَ بَعْدَ الْعِشَاءِ بِسَجْدَةٍ حَتَّى يَقُومَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ.
قوله: "يؤخر صلاة المغرب" لم يبين غاية التأخير، وبينه مسلم عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر بأنه بعد أن يغيب الشفق. وفي رواية عبد الرزاق عن معمر. عن أيوب وموسى بن عقبة عن نافع: فأخر المغرب بعد ذهاب الشفق حتى ذهب هوى من الليل، وللمصنف في الجهاد عن أسلم مولى عمر عن ابن عمر في هذه القصة: حتى كان بعد غروب الشفق نزل، فصلَّى المغرب والعشاء جمعاً بينهما. ولأبي داود عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر في هذه القصة: فسار حتى غاب الشفق وتصوبت النجوم، فنزل فصلَّى الصلاتين جمعًا. وجاءت عن ابن عمر روايات أُخر: أنه صلّى المغرب في آخر الشفق ثم أقام الصلاة. وقد توارى الشفق فصلَّى العشاء. أخرجه أبو داود عن نافع. ولا تعارض بينه وبين ما سبق؛ لأنه كان في واقعة أخرى.
وقوله: "ثم قلّما يلبث حتى يقيم العشاء" فيه إثبات للبث قليل، وذلك نحو ما ثبت في الجمع
стр. 5007
بمزدلفة من إناخة الرواحل، ويدل عليه ما تقدم من الطرق التي فيها جمع بينهما وصلاهما جميعًا، وفيه حجة على مَنْ حمل أحاديث الجمع على الجمع الصوري، قال إمام الحرمين: ثبت في الجمع أحاديث نصوص لا يتطرق إليها تأويل. ودليله من حيث المعنى الاستنباط من الجمع بعرفة ومزدلفة، فإن سببه احتياج الحاج إليه لاشتغالهم بمناسكهم، وهذا المعنى موجود في كل الأسفار ولم تتقيد الرخص كالقصر والفطر بالنسك إلى أن قال: ولا يخفى على منصف أن الجمع أرفق من القصر، فإنّ القائم إلى الصلاة لا يشق عليه ركعتان يضمهما إلى ركعتيه. ورفق الجمع واضح لمشقة النزول على المسافر، واحتج به مَنْ قال باختصاص الجمع لمن جدَّ به السير. وسيأتي ذلك في الباب الذي بعده. وقوله: "من جوف الليل" أي: يتهجد.
وروى ابن أبي شيبة عن ابن عمر أنه كان لا يتطوع في السفر قبل الصلاة، ولا بعدها وكان يصلي من الليل. قال القسطلاني: وإذا قلنا بمشروعية الرواتب في السفر وهو مذهبنا، فإن جمع الظهر والعصر قدم سنة الظهر التي قبلها، وله تأخيرها، سواء جمع تقديمًا أو تأخيرًا وتوسطها إن جمع تأخيرًا سواء قدّم الظهر أم العصر وأخّر سنتها الذي بعدها، وله توسيطها إن جَمع تأخيرًا. وقدم الظهر وأخّر عنهما سنة العصر، وله توسطها وتقديمها إن جَمع تأخيرًا، سواء قدّم الظهر أم العصر، وإذا جَمع المغرب والعشاء أخّر سنتيهما مرتبة سنة المغرب، ثم سنة العشاء ثم الوتر، وله توسيط سنة المغرب إن جَمع تأخيرًا وقدّم المغرب، وتوسيط سنة العشاء إن جَمع تأخيرًا وقدّم العشاء، وما سوى ذلك ممنوع.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ أبو اليمان وشعيب في السابع من بدء الوحي، ومرّ الزهري في الثالث منه، ومرّ سالم في السابع عشر من الإيمان، وأبوه في أوله قبل ذكر حديث منه.
الحديث التاسع العشرون
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: أخبرنا عَبْدُ الصَّمَدِ بن عبد الوارث قَالَ: حَدَّثَنَا حَرْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنِى حَفْصُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّ أَنَسًا ﵁ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الصَّلاَتَيْنِ فِي السَّفَرِ. يَعْنِي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ.
هذا الحديث قد مرّ في الباب الذي قبله.
ورجاله ستة:
قد مرّوا، إسحاق يحتمل أنه ابن منصور الكوسج، وقد مرّ في الخامس والثلاثين من الإيمان، ويحتمل أنه ابن راهويه، وقد مرّ في تعليق بعد الحادي والعشرين من العلم، ومرّ يحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين منه، ومرّ عبد الصمد في السادس والثلاثين منه، ومرّ محل حرب في
стр. 5008
المتابعة قبله بحديث، ومرّ محل حفص بن عبيد الله في الذي قبله بحديث، وفيه محل أنس.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإفراد والإخبار بالأفراد والقول، ورواته ما بين يمامي ومروزي. ثم قال المصنف:
стр. 5009
باب يؤخر الظهر إلى العصر إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس
في هذا إشارة إلى أن جمع التأخير عند المصنف يختص بمن ارتحل قبل أن يدخل وقت الظهر. قلت: وهو كذلك عند المالكية كما مرَّ. ثم قال: فيه ابن عباس عن النبي ﷺ يشير إلى حديثه الماضي، قبل باب فإنه قيد الجمع فيه بما إذا كان على ظهر السير، ولا قائل بأنه يصليهما وهو راكب، فتعين أن المراد به جمع التأخير، ويؤيده رواية يحيى بن عبد الحميد الحماني في مسنده عن ابن عباس، ففيها التصريح بذلك، وإن كان في إسناده مقال، لكنه يصلح للمتابعة. وقد رواه أحمد والترمذي بما هو صريح في معنى الترجمة، فإن فيهما عنه أنه ﵊ كان إذا زاغت الشمس في منزله جمع بين الظهر والعصر قبل أن يركب. وإذا لم تزغ له في منزله سار، حتى إذا كانت العصر نزل فجمع بين الظهر والعصر. وقد مرّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي.
الحديث الثلاثون
حَدَّثَنَا حَسَّانُ الْوَاسِطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا زَاغَتْ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ.
قوله: "تزيغ" بزاي ومعجمة أي: تميل. وقد زاغت مالت، وذلك إذا قام الفيء.
وقوله: "ثم يجمع بينهما" أي: في وقت العصر، وفي رواية قتيبة عن المفضل في الباب الذي بعده: ثم نزل فجمع بينهما. ولمسلم عن عقيل: يؤخر الظهر إلى وقت العصر، فيجمع بينهما. ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها، وبين العشاء حين يغيب الشفق، وله من رواية شبابة عن عقيل: حتى يدخل أول وقت العصر، ثم يجمع بينهما.
وقوله: "وإذا زاغت" أي: قبل أن يرتحل كما سيأتي الكلام عليه في الباب الذي بعده.
رجاله خمسة:
مرّ منهم عقيل بن خالد والزهري في الثالث من بدء الوحي، ومرّ أنس في السادس من الإيمان، والباقي اثنان:
الأول: حسان بن عبد الله بن سهل الكندي الواسطي أبو علي سكن مصر، ذكره ابن حِبّان في
стр. 5010
الثقات. وقال أبو حاتم: ثقة. وقال ابن يونس: صدوق حسن الحديث كان أبوه واسطيًا. وولد حسان بمصر ومات بها. روى عن المفضل بن فضالة والليث وابن لهيعة وغيرهم، وروى عنه البخاري، وروى له النسائي وابن ماجه بواسطة ويحيى بن معين وأبو حاتم الرازي وغيرهم. مات بمصر سنة اثنين وعشرين ومائتين. ووهم مَنْ زعم أنه حسّان بن حسان الواسطي فإنه ليست له رواية عن المصريين، وقد ضعفه الدارقطني.
الثاني: المفضل بن فضالة بن عبيد بن ثمامة بن مزيد بن نوف الرُّعَيني ثم القِتباني أبو معاوية المصري قاضيها. قال ابن معين: ثقة. وقال أيضًا: رجل صدوق، وكان إذا انكسرت يد رجل أو رجله جبرها، وكان يصنع الأرحية. وقال أبو زرعة: لا بأس. وقال أبو حاتم: وابن خراش صدوق في الحديث. وقال ابن يونس: وُلِّي القضاء مرتين بمصر، وكان من أهل الفضل والدين، ثقة في الحديث من أهل الورع، ذكره أحمد بن شعيب يوماً وأنا حاضر فأحسن الثناء عليه، ووثقه وقال: سمعت قتيبة بن سعيد يذكر عنه فضلًا وقال أبو داود: كان مجاب الدعوة. ولم يحدث عنه ابن وهب، وذلك أنه قضى عليه بقضية، وذكره ابن حِبّان في الثقات وقال عيسى بن حماد: كان مجاب الدعوة طويل القيام مع ضعف البدن، وقال عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم: أخبرني بعض مشائخنا أن رجلًا لقي المفضل بن فضالة بعد أن عزل عن القضاء فقال له: حسبك الله قضيت علي بالباطل، فقال له المفضل: لكن الذي قضيت له يطيب الثناء. وقال ابن سعد: منكر الحديث، له في البخاري حديثان أحدهما في قصر الصلاة في السفر عن عقيل عن ابن شهاب الزهري عن أنس، والثاني في فضائل القرآن في التعوذ بالمعوذات عن عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة، وتابعه عليه عنده الليث.
روى عن يزيد بن أبي حبيب ومحمد بن عجلان وعقيل بن خالد وغيرهم. وروى عنه ابنه فضالة والوليد بن مسلم وحسّان بن عبد الله الواسطي وقتيبة بن سعيد وغيرهم. ولد سنة سبع ومائة، ومات سنة إحدى أو اثنتين وثمانين ومائة في شوال. والقتباني في نسبه نسبة إلى قتبان بالكسر، بطن من رعين من حمير. ويقال لموضع بعدن، وقيل إن الموضع سمّى بقتبان المذكور. والرعيني في نسبه أيضًا نسبة إلى ذي رعين كزبير ملك حمير. من ولد الحارث بن عمرو بن حمير بن سبأ، وهم آل ذي رعين، ورعين حصن له أو جبل فيه حصن ومخلاف باليمن يعرف بشعب ذي رعين وأنشد الجوهري:
جَاريةٌ من شعب ذي رعينِ ... حياكة تَمشي بعلطتَينِ
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، وشيخ البخاري من أفراده ورواته ما بين بصري وأيلي ومدني. أخرجه مسلم في الصلاة، وكذا أبو داود والنسائي. ثم قال المصنف:
стр. 5011
باب إذا ارتحل بعدما زاغت الشمس صلّى الظهر ثم ركب
الحديث الحادي والثلاثون
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بن سعيد قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ.
هذا هو الحديث المذكور قبله وفيه: فإذا زاغت الشمس قبل أنْ يرتحل صلّى الظهر ثم ركب فقط. وهو المحفوظ عن عقيل في الكتب المشهورة، ومقتضاه أنه كان لا يجمع بين الصلاتين إلاَّ في وقت الثانية منهما. وبه احتج مَنْ أبى جمع التقديم كما مرّ، وقد قال أبو داود: ليس في تقديم الوقت حديث قائم.
وقد روى إسحاق بن راهويه حديث الباب عن شبابة بن سوار فقال: إذا كان في سفر فزالت الشمس صلّى الظهر والعصر جميعًا ثم ارتحل. أخرجه الإسماعيلي، ولا يقدح فيه. تفرد إسحاق به عن شبابة ولا تفرد جعفر الفريابي به عن إسحاق؛ لأنهما حافظان، والمشهور في جمع التقديم حديث أبي داود والترمذي وأحمد وابن حِبّان عن الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخّر الظهر حتى يجمعها إلى العصر، فيصليهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلّى الظهر والعصر جميعًا، لكنه أعل بتفرد قتيبة به عن الليث بل أشار البخاري إلى أنَّ بعض الضعفاء أدخله على قتيبة في حديثه، كما حكاه الحاكم في "علوم الحديث"، وله طريق أخرى عن معاذ بن جبل أخرجها أبو داود من رواية هشام بن سعد عن أبي الزبير عن أبي الطفيل، لكن هشام مختلف فيه، فقد ضعفه ابن معين.
وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقد خالف الحفاظ من أصحاب أبي الزبير كمالك والثوري وقرة بن خالد، فلم يذكروا في روايتهم جمع التقديم. وقد ورد فيه حديث عن ابن عباس، أخرجه أحمد. وقد تقدم ذكره أول الباب السابق وأورده أبو داود تعليقًا، والترمذي في بعض الروايات عنه، وفي إسناده حسين بن عبد الله الهاشمي، وهو ضعيف، لكن له شاهد عن حمّاد عن
стр. 5012
أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس لا أعلمه إلا مرفوعًا: أنه كان إذا نزل منزلًا في السفر فأعجبه أقام فيه، حتى يجمع بين الظهر والعصر، ثم يرتحل فإذا لم يتهيأ له المنزل مدّ في السفر، حتى ينزل فيجمع بين المغرب والعشاء. أخرجه البيهقي ورجاله ثقات إلاَّ إنه مشكوك في رفعه ووقفه، والمحفوظ أنه موقوف. وقد أخرجه البيهقي من وجه آخر مجزومًا بوقفه على ابن عباس. ولفظه: إذا كنتم سائرين فذكر نحوه.
وقد روى مسلم عن جابر أنه ﷺ جمع بين الظهر والعصر بعرفة في وقت الظهر، فلو لم يرد من فعله إلا هذا، لكان أول دليل على جوار جمع التقديم في السفر. قال الزهري: سألت سالمًا هل يجمع بين الظهر والعصر في السفر؟ قال: نعم، ألا ترى إلى صلاة الناس بعرفة. وعند المالكية فيه تفصيل، وحاصله أنه إذا زالت عليه الشمس وهو نازل مريدًا الإرتحال، فإنْ نوى النزول بعد الغروب جمعهما حينئذ قبل الارتحال، وإن نواه قبل الاصفرار أخّر العصر وجوبًا، وإن نواه في الاصفرار خُيِّر بين تأديتها قبل الارتحال وتأديتها بعد النزول في الاصفرار. وقد مرّ أن الثلث الأول في العشاءين ينزل منزلة ما قبل الاصفرار، والثلثان الأخيران منزلة الاصفرار، والفجر منزلة الغروب.
قال القسطلاني: ويشترط لجمع التقديم ثلاثة شروط: تقديم الأولى على الثانية؛ لأن الوقت لها، والثانية تبع فلا تتقدم على متبوعها. وأن ينوي الجمع في الأولى. وأن يوالي بينهما؛ لأن الجمع يجعلهما كصلاة واحدة، ولأنه ﵊ لما جمع بينهما بنمرة والى بينهما، وترك الرواتب، وأقام الصلاة بينهما. نعم لا يضر فصل يسير في العرف وإن جمع تأخيرًا فلا يشترط إلاَّ نيَّة التأخير للجمع في وقت الأولى ما بقي قدر ركعة، فإن أخّرها حتى فات وقت الأداء بلا نيّة للجمع عصى وقضى. وفي حديث أنس استحباب التفرقة في حال الجمع بين ما إذا كان سائرًا أو نازلًا. وقد استدل به على اختصاص الجمع بمن جدَّ به السّير، لكن وقع التصريح في حديث معاذ بن جبل في "الموطأ". ولفظه: أن النبي ﷺ أخّر الصلاة في غزوة تبوك خرج فصلَّى الظهر والعصر جميعًا ثم دخل ثم خرج، فصلَّى المغرب والعشاء جمعًا.
قال الشافعي في "الأم": قوله: دخل ثم خرج لا يكون إلا وهو نازل، فللمسافر أن يجمع نازلًا ومسافرًا. وقال ابن عبد البر: في هذا أوضح دليل على الرد على مَنْ قال لا يجمع إلا مَنْ جدَّ به السير، وهو قاطع للالتباس. وحكى عياض أن بعضهم أوّل قوله: ثم دخل أي في طريق مسافرًا ثم خرج أي عن طريق للصلاة ثم استبعده.
قلت: وهذا وإن كان بعيدًا، فهو أولى من الأول؛ لأن الأول يجعل النازل الذي لا يريد السفر يومًا أو يومين يجمع، وهذا بعيد جدًا إذْ لا مشقة عليه حتى يجمع، ولهذا رواه مالك في "موطئه"ولم يفهم منه هذا المعنى ولا عمل به قال في "الفتح": وكأنه ﷺ فعل ذلك لبيان الجواز، وكان أكثر
стр. 5013
عادته ما دلّ عليه حديث أنس. ومن ثم قال الشافعي: إنَّ الأفضل ترك الجمع. وعن مالك رواية أنه مكروه.
قلت: والأشهر ما مرّ من أنه جائز لا مكروه ولا مندوب، وفي هذه الأحاديث تخصيص لحديث الأوقات التي بيّنها جبريل للنبي ﷺ وبيّنها النبي ﷺ للأعرابي حيث قال في آخرها الوقت ما بين هاتين.
وقد تقدم الكلام على الجمع بين الصلاتين بعذر المرض، أو المصر أو الحاجة في الحضر في المواقيت في باب تأخير الظهر إلى العصر، وفي باب وقت المغرب.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ قتيبة بن سعيد في الحادي والعشرين من الإيمان، ومرّ المفضل بن فضالة في الذي قبله، ومرّ فيه محل الثلاثة الباقية. ثم قال المصنف:
стр. 5014
باب صلاة القاعد
قال ابن رشيد: أطلق الترجمة فيحتمل أن يريد صلاة القاعد للعذر، إِمامًا كان أو مأمومًا أو منفردًا، ويؤيده أن أحاديث الباب دالة على التقييد بالعذر، ويحتمل أن يريد مطلقًا لعذر ولغير عذر، ليبين أن ذلك جائز إِلاَّ ما دل الإجماع على منعه. وهو صلاة الفرض للصحيح قاعدًا.
الحديث الثاني والثلاثون
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ وَهْوَ شَاكٍ، فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا".
قوله: "وهو شاكٍ" بالتنوين مخففًا من الشكاية. وهذا الحديث قد مرّ الكلام عليه في أبواب الإمامة في باب حد المريض أن يشهد الجماعة، وفي باب إِنما جعل الأمام ليؤتم به، وفي باب الصلاة على السطوح أوائل كتاب الصلاة.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ محل قتيبة في الذي قبله، ومرّت الأربعة الباقية بهذا النسق في الثاني من بدء الوحي.
الحديث الثالث والثلاثون
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: سَقَطَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ فَرَسٍ فَخُدِشَ أَوْ فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ نَعُودُهُ، فَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَصَلَّى قَاعِدًا فَصَلَّيْنَا قُعُودًا وَقَالَ: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ".
بيَّن في هذا الحديث سبب الشكاية، وهي في صلاة الفرض بلا خلاف، وقد مرّت مباحث
стр. 5015
هذا الحديث مستوفاة غاية الاستيفاء في باب الصلاة على السطوح أوائل كتاب الصلاة.
رجاله أربعة:
قد مرّوا، مرّ أبو نعيم في الخامس والأربعين من الإيمان، ومرّ أنس في السادس منه، ومرّ ابن عيينة في الأول من بدء الوحي، والزهري في الثالث منه.
الحديث الرابع والثلاثون
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا حُسَيْنٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ أَنَّهُ سَأَلَ نَبِىَّ اللَّهِ ﷺ . أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ وَكَانَ مَبْسُورًا قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَلاَةِ الرَّجُلِ قَاعِدًا فَقَالَ: "إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَهْوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ".
قوله في السند الأول: "عن عمران بن حصين" في رواية عفان عن عبد الوارث حدّثنا عمران أخرجه الإسماعيلي، وفيه غنية عن تكلف ابن حِبّان إقامة الدليل على أن ابن بريدة عاصر عمران.
وقوله في السند: "سمعت أبي" عبد الوارث التنوري. وهذه أنزل من التي قبلها، ومن التي بعدها بدرجة، لكن استفيد منها تصريح ابن بريدة بقوله: حدّثني.
وقوله: "وكان مبسورًا" بسكون الموحدة بعدها مهملة أي: كانت به بواسير كما صرّح به بعد باب. والبواسير جمع باسور يقال بالموحدة وبالنون، والذي بالموحدة ورم في باطن المعدة، والذي بالنون قرحة فاسدة، لا تقبل البرء ما دام فيها هذا الفساد.
وقوله: "عن صلاة الرجل قاعدًا" قال الخطابي: كنت تأولت هذا الحديث على أن المراد به صلاة التطوع للقادر، لكن قوله فيه: ومَنْ صلّى نائمًا أي مضطجعًا يفسده؛ لأن المضطجع لا يصلي التطوع كما يفعل القاعد؛ لأني لا أحفظ عن أحدٍ من أهل العلم أنه رخص في ذلك، فإن صحت هذه اللفظة، ولم يكن بعض الرواة أدرجها قياسًا منه للمضطجع على القاعد كما يتطوع المسافر على راحلته، فالتطوع للقادر على القعود مضطجعًا جائز بهذا الحديث.
قال: وفي القياس المتقدم نظر؛ لأن القعود شكل من أشكال الصلاة، بخلاف الاضطجاع، قال: وقد رأيت الآن أن المراد بحديث عمران المريض المفترض الذي يمكنه أن يتحامل فيقوم على مشقة، فجعل أجر القاعد على النصف من أجر القائم؛ ترغيبًا له في القيام مع جواز قعوده، وهو حمل متجه، ويؤيده صنيع البخاري حيث أدخل في الباب حديثي عائشة وأنس، وهما في
стр. 5016
صلاة المفترض قطعًا، وكأنه أراد أن تكون الترجمة شاملة لأحكام المصلي قاعدًا أو يتلقى ذلك من الأحاديث التي أوردها في الباب، فمَنْ صلّى فرضًا قاعدًا، وكان يشق عليه القيام أجزاه، وكأنَّ هو ومَنْ صلّى قائمًا سواء. كما دل عليه حديث أنس وعائشة، فلو تحامل هذا المعذور وتكلف القيام، ولو شق عليه كان أفضل؛ لمزيد أجر تكلف القيام، فلا يمتنع أن يكون أجره على أصل الصلاة فيصح أن أجر القاعد على النصف من أجر القائم، بغير إشكال، وأما قول الباجي: إن الحديث في المفترض والمتنفل معًا، فإن أراد بالمفترض ما قررناه فذاك، وإلا فقد أبى ذلك أكثر العلماء. وحكى ابن التين وغيره عن أبي عبيد وابن الماجشون وإسماعيل القاضي وابن شعبان والإسماعيلي والداودي وغيرهم أنهم حملوا حديث عمران على المتنفل القادر، وكذا نقله الترمذي عن الثوري قال: وأما المعذور إذا صلّى جالسًا فله أجر القائم.
قال: وفي هذا الحديث ما يشهد له، يشير إلى ما أخرجه البخاري في "الجهاد" من حديث أبي موسى رفعه: "إذا مرضَ العبدُ أو سافرَ كُتِبَ له صالح ما كان يعمل وهو صحيح مقيم". ويشهد لهذا الحديث ما أخرجه عبد الرزاق وأحمد، وصححه الحاكم عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: "إنَّ العبد إذا كان على طريقةٍ حَسَنة من العبادة ثم مرض قيل للملك الموكل به: اكتب له مثل عمله إذا كان طليقًا حتى أطلقه أو أكفته إلى". ولأحمد عن أنس رفعه: "إذا ابتلى الله العبدَ المسلمَ ببلاءٍ في جسده قال الله: اكتب له صالحَ عَمله الذي كانَ يَعمَله فإنْ شفاهُ غَسلهُ وطهره وإنْ قَبَضَهُ غفَر له وَرَحِمَه". وللطبراني عن أبي موسى: "أنَّ الله يكتبُ للمريض أفضلَ ما كان يعمل في صحتهِ ما دام في وثاقِهِ". وعند النسائي من حديث عائشة: "ما من امريءٍ تَكونُ لهُ صلاة من الليلِ يغلبه عليها نومٌ أو وجع إلاَّ كُتبَ له أجْرُ صَلاتِه، وكان نَومُه عَليه صَدَقةٌ".
ويؤيد ذلك قاعدة تغليب فضل الله تعالى وقبول عذر من له عذر، ولا يلزم من اقتصار العلماء المذكورين في حمل الحديث المذكور على صلاة النافلة أن لا ترد الصورة التي ذكرها الخطابي. وقد ورد في الحديث ما يشهد لها فعند أحمد عن ابن جريج عن ابن شهاب عن أنس قال: قدم النبي ﷺ المدينة وهي محمة فحمى الناس فدخل النبي ﷺ المسجد والناس يصلون من قعود فقال: "صلاةُ القاعدِ نِصفُ صَلاةِ القائمِ".
رجاله ثقات، وعند النسائي متابع له من وجه آخر، وهو وارد في المعذور، فيحمل على مَنْ تكلف القيام مع مشقته عليه، كما بحثه الخطابي. وأمّا نفي الخطابي جواز التنفل مضطجعًا، فقد تبعه ابن بطال على ذلك وزاد، لكن الخلاف ثابت. فقد نقله الترمذي بإسناده إلى الحسن البصري قال: إنْ شاء الرجل صلّى صلاة التطوع قائمًا وجالسًا ومضطجعًا. وقال به جماعة من أهل العلم. وهو أحد الوجهين للشافعية، وصححه المتأخرون. وحكى القاضي عياض في الإِكمال عن المالكية فيه ثلاثة أوجه: الجواز مطلقًا في الاختيار والاضطرار للصحيح والمريض، لظاهر الحديث، وهو الذي صَدّر به القاضي كلامه. والثاني: منعه مطلقًا لهما إذْ ليس في هيئة الصلاة.
стр. 5017
والثالث: جوازه لعدم قوة المريض فقط.
قلت: هذا الأخير هو مشهور مذهب مالك. وسؤال عمران عن الرجل خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، بل الرجل والمرأة في ذلك سواء.
وقوله: "ومَنْ صلى قاعدًا فَلهُ نِصفُ أجر القائم". يستثنى من عمومه النبي ﷺ فإن صلاته قاعدًا لا ينقص أجرها عن صلاته قائمًا، لحديث عبد الله بن عمرو قال: بلغني أن النبي ﷺ قال: "صلاةُ الرجل قاعدًا على نصف الصلاة". فأتيته فوجدته يصلي جالسًا فوضعت يدي على رأسي، فقال: ما لك يا عبد الله فأخبرته فقال: "أجل ولكني لست كأحدٍ منكم". أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي، وهذا ينبني على أن المتكلم داخل في خطابه، وهو الصحيح، وقد عدّ الشافعية هذه المسألة في خصائصه ﷺ .
وقال عياض في الكلام على تنفل ﷺ قاعدًا. قد علله في حديث عبد الله بن عمرو بقوله: "لست كأحدٍ منكم"، فيكون هذا مما خُصَّ به. قال: ولعله أشار بذلك إلى مَنْ لا عذر له، فكأنه قال: إني ذو عذرٍ، ولم يبين في الحديث كيفية القعود، فيؤخذ من إطلاقه جوازه على أي صفة شاء المصلي، وهو قضية كلام الشافعي في البويطي. وقد اختلف في الأفضل فعن الأئمة الثلاثة متربعًا، وقيل يجلس مفترشًا، وهو موافق لقول الشافعي في مختصر المزني، وصححه الرافعي ومَنْ تبعه، وقيل متوركًا وبه قال اللخمي من المالكية، واستدلت الحنفية بالحديث على جواز صلاة النفل قاعدًا مع القدرة على القيام، وحملوا الحديث على صلاة التطوع، كما مرّ عن غيرهم.
قال صاحب الهداية، وتصلى النافلة قاعدًا مع القدرة على القيام لقوله ﷺ : "صلاةُ القاعدِ على النصفِ من صلاةِ القَائم". وقوله: "ومن صَلّى نائمًا فلة نِصفُ أجرِ القاعد" بالنون يعني مضطجعًا على هيئة النائم، كما يدل عليه قوله ﷺ في الحديث الآتي في الباب التالي، فإن لم يستطع، فعلى جنب.
وترجم النسائي باب صلاة النائم، ويدل عليه أيضًا ما رواه أحمد في منده عن عبد الله بن بريدة عن عمران بن حصين. قال: كنت رجلًا ذا أسقام كثيرة، فسألت رسول الله ﷺ عن صلاتي قاعدًا فقال: "صلاتُك قاعدًا على النّصف من صلاتِك قائمًا وصلاة الرجل مُضطجعًا على النصف من صَلاتِه قاعدًا". وهذا يفسر أن معنى قوله: "نائمًا" بالنون يعني: مضطجعًا، وأنه في حق مَنْ به سقم بدلالة قوله: كنت رجلًا ذا أسقام كثيرة، وإنّ ثواب مَنْ يصلي قاعدًا نصف ثواب مَنْ يصلي قائمًا، وثواب مَنْ يصلي مضطجعًا نصف ثواب مَنْ يصلي قاعدًا، وادّعى ابن بطال أن الرواية مَنْ صلّى بإيماء على إنه جار ومجرور مصدر أو ما قال. وقد غلط النسائي في حديث عمران بن حصين، فصحفه وترجم له باب صلاة النائم، فظن أن قوله ﵊ مَنْ صلّى بإيماء أنه مَنْ صلّى نائمًا. والغلط فيه ظاهر؛ لأنه قد ثبت عنه أنه ﷺ أمر المصلي إذا غلبه النوم أن
стр. 5018
يقطع الصلاة، وبين معنى ذلك فقال: "لعله يستغفر فيسب نفسه" فكيف يأمره بقطع الصلاة وهي مباحة له؟ ثم يبين أن له عليها نصف أجر القاعد قال: والصلاة لها ثلاثة أحوال: أولها القيام، فإن عجز عنه، فالقعود، ثم إنْ عجز عنه فالإيماء، وليس النوم من أحوال الصلاة.
قال زين الدين العراقي بعد أن حكى كلام ابن بطال: لعل التصحيف من ابن بطال وإنما ألجأه إلى ذلك حمل قوله: نائمًا على النوم الحقيقي الذي أمر النبي ﵊ المصلي أن يقطع الصلاة، وليس المراد هاهنا إلا الاضطجاع لمشابهته لهيئة النائم، وحكى القاضي عياض في "الإكمال" أن في بعض الروايات مضطجعًا مكان نائمًا. وبه فسره أحمد بن خالد الوهبي فقال: نائمًا يعني مضطجعًا، وبه فسره البخاري في رواية كريمة وغيرها عقب حديث الباب، قال أبو عبد الله: يعني البخاري قوله: نائمًا عندي أي: مضطجعًا، فكأن البخاري كوشف بذلك، وهذا التفسير وقع مثله في رواية عفان عن عبد الوارث في هذا الحديث، قال عبد الوارث: النائم المضطجع. أخرجه الإسماعيلي وقال الإسماعيلي، معنى قوله: "نائمًا" أي: على جنب، وقد بوب عليه النسائي فضل صلاة القاعد على النائم.
رجاله ثمانية:
قد مرّوا، مرّ إسحاق بن منصور في الخامس والثلاثين من الإيمان، ومرّ روح بن عبادة في الأربعين منه، وحسين المعلم في السادس منه، ومرّ إسحاق بن إبراهيم في تعليق بعد الحادي والعشرين من العلم، ومرّ عبد الصمد في السادس والثلاثين منه، ومرّ أبوه عبد الوارث في السابع عشر منه، ومرّ عبد الله بن بريدة في الخامس والثلاثين من الحيض، ومرّ عمران بن حصين في الحادي عشر من التيمم.
لطائف إسناده:
فيه التحديث والإخبار بالجمع والعنعنة، والقول والسؤال والسماع، وفيه مروزيان والبقية بصريون. أخرجه البخاري في هذا القصر مرات، وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي. ثم قال المصنف:
стр. 5019
باب صلاة القاعد بالإِيماء
أورد فيه حديث عمران بن حصين أيضًا، وليس فيه ذكر الإيماء، وإنما فيه مثل ما في الذي قبله: "ومَنْ صلّى نائمًا فله نصف أجر القاعد". قال ابن رشيد: مطابقة الحديث للترجمة من جهة أن مَنْ صلّى على جنب فقد احتاج إلى الإيماء، وليس ذلك بلازم. نعم يمكن أن يكون البخاري يختار جواز ذلك، ومستنده ترك التفصيل فيه من الشارع، وهو أحد الوجهين للشافعية، وعليه شرح الكرماني، والأصح عند المتأخرين أنه لا يجوز للقادر الإيماء للركوع والسجود، وإن جاز التنفل مضطجعًا بل لابد من الإتيان بالركوع والسجود.
الحديث الخامس والثلاثون
حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ وَكَانَ رَجُلاً مَبْسُورًا، وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ مَرَّةً عَنْ عِمْرَانَ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ صَلاَةِ الرَّجُلِ وَهْوَ قَاعِدٌ فَقَالَ: "مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهْوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: نَائِمًا عِنْدِي مُضْطَجِعًا هَاهُنَا.
واعترض الإسماعيلي على البخاري فقال: ترجم بالإيماء ولم يقع في الحديث إلا ذكر النوم، فكأنه صحف.
قوله: "نائمًا" يعني بنون على اسم الفاعل من النوم، فظنه بإيماء يعني بموحدة بعدها مصدر أو ما ورد بما مرّ الرد به على ابن بطال عند الحديث السابق. وقد وقع في رواية الأصيلي على التصحيف بإيماء. حكاه ابن رشيد ووجهه بأن من معناه: مَنْ صَلّى قاعدًا أومأ بالركوع والسجود. قال في "الفتح": وهذا موافق للمشهور عند المالكية أنه يجوز له الإيماء إذا صلى نفلاً قاعدًا مع القدرة على الركوع والسجود، وهو الذي يتبين من اختيار البخاري، قلت: لم أعلم هذا مشهورًا عند المالكية، والصواب من الرواية "نائمًا" بالنون على اسم الفاعل من النوم، والمراد به الاضطجاع كما مرّ، ومَنْ قال غيره فهو الذي صحف، والذي غرهم ترجمة البخاري وعسر توجيهها عليهم.
رجاله خمسة:
قد مرّ محلهم في الذي قبله إلاّ أبو معمر وهو قد مرّ مع عبد الوارث. ثم قال المصنف:
стр. 5020
باب إذا لم يطق قاعدًا صلّي على جنب
قوله: إذا لم يطق أي: الإنسان الصلاة في حال القعود صلّى على جنبه. ثم قال: وقال عطاء: إذا لم يقدر أن يتحول إلى القِبْلَة، حيث كان وجهه.
قوله: إذا لم يقدر في رواية الكشميهني: إن لم يقدر ومطابقة هذا الأثر للترجمة من جهة أن الجامع بينهما أن العاجز عن أداء فرض ينتقل إلى فرض دونه، ولا يترك وهو حجة على مَنْ قال إن العاجز عن القعود في الصلاة تسقط عنه الصلاة وحكاه الغزالي عن أبي حنيفة، وتعقب بأنه لا يوجد في كتب الحنفية، وإنما الثابت عن أبي حنيفة إسقاط الصلاة إذا عجز عن الإيماء بالرأس، وقالوا: إنه يقضي بعد البرء. وهذا الأثر وصله عبد الرزاق عن ابن جريج وعطاء بن أبي رباح، قد مرّ في التاسع والثلاثين من العلم.
الحديث السادس والثلاثون
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ الْمُكْتِبُ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ: كَانَتْ بِى بَوَاسِيرُ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الصَّلاَةِ فَقَالَ: "صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ".
قوله: "عن عبد الله" هو ابن المبارك وسقط ذكره من رواية أبي زيد المروزي، ولابد منه، فإن عبدان لم يسمع من إبراهيم بن طَهمان، والحسين المُكتِب باسم الفاعل من التكتيب هو ابن ذكوان المعلم الذي سبق في الباب قبله، قال الترمذي: لا نعلم أحدًا روى هذا عن حسين إلا إبراهيم، وروى أبو أسامة وعيسى بن يونس وغيرهما عن حسين على اللفظ السابق، ولا يؤخذ من ذلك تضعيف رواية إبراهيم كما فهمه ابن العربي، تبعًا لابن بطال ورد على الترمذي بأن رواية إبراهيم توافق الأُصول، ورواية غيره تخالفها، فتكون رواية إبراهيم أرجح؛ لأن ذلك راجع إلى الترجيح من حيث المعنى لا من حيث الإسناد، وإلا فاتفاق الأكثر على شيء يقتضي أن رواية مَنْ خالفهم تكون شاذة، والحق أن الروايتين صحيحتان كما صنع البخاري، وكل منهما مشتملة على حكم غير الحكم الذي اشتملت عليه الأخرى.
وقوله: "عن الصلاة" المراد عن صلاة المريض: بدليل قوله في أوله: كانت بي بواسير. وفي رواية وكيع عن إبراهيم بن طَهمان عن صلاة المريض أخرجه الترمذي وغيره. قال الخطابي: لعلَّ هذا الكلام كان جواب فتيا استفتاها عمران، وإلا فليست علة البواسير بمانعة من القيام في الصلاة
стр. 5021
على ما فيها من الأذى، ولا مانع من أن يسأل عن حكم ما لم يعلمه، لاحتمال أن يحتاج إليه فيما بعد.
وقوله: "فإن لم يستطع فقاعدًا" استدل به مَنْ قال: لا ينتقل المريض إلى القعود إلاَّ بعد عدم القدرة على القيام. وقد حكاه عياض عن الشافعي ومالك وأحمد. وإسحاق لا يشترط العدم، بل وجود المشقة.
والمعروف عند الشافعية أن المراد بنفي الاستطاعة وجود المشقة الشديدة بالقيام، أو خوف زيادة مرض أو الهلاك، ولا يكتفي بأدنى مشقة.
قلت: مذهب المالكية: أن مشقة الصحيح غير معتبرة إمّا اتفاقًا كما عند الباجي أو على الصحيح كما عند غيره، وأما مشقة المريض، فمشهور مذهبهم فيها هو ما مرّ أنه هو المعروف عند الشافعية وروي عن ابن القاسم عدم اعتبارها أيضًا.
قال في "الفتح": ومن المشقة الشديدة دوران الرأس في حق راكب السفينة، وخوف الغرق لو صلّى قائمًا فيها، وهل يُعد في عدم الاستطاعة مَنْ كان كامنًا في الجهاد؟ ولو صلّى قائمًا لرآه العدو، فتجوز له الصلاة قاعدًا أو لا؟ فيه وجهان للشافعية، الأصح الجواز، لكن يقضي لكونه عذرًا نادرًا.
قلت: أما مذهب المالكية فلا يتردد في جوازه. ولا يجري فيه خلاف، واستدل به على تساوي عدم الاستطاعة في القيام والقعود في الانتقال خلافًا لمن فرق بينهما، كإمام الحرمين. ويدل للجمهور أيضًا حديث ابن عباس عند الطبراني بلفظ: يصلي قائمًا، فإن نالته مشقة فجالسًا، فإن نالته مشقة صلّى نائمًا، الحديث. فاعتبر في الحالين وجود المشقة، ولم يفرّق.
وقوله: "على جنب" في حديث علي عند الدارقطني على جنبه الأيمن مستقبل القبلة بوجهه وفيه: إن حالة الاستلقاء على الظهر تكون عند العجز من حالة الاضطجاع، وعند المالكية الترتيب بين الأيمن ثم الأيسر ثم الظهر مندوب، وأمّا الاضطجاع على البطن فتأخيره واجب، فإن قدم على الظهر مع القدرة على الظهر بطلت، وإذا استلقى على ظهره تكون أخمصاه للقبلة، وتوضع وسادة تحت رأسه، حتى يكون شبه القاعد ليتمكن من الإيماء بالركوع والسجود إذْ حقيقة الاستلقاء تمنع الأصحاء من الإيماء، فكيف بالمرضى. وعند الحنفية المقدم عندهم الظهر، وعند ابن كاس منهم أنه يصلي على جنبه الأيمن كما هو قول الشافعي ومالك وأحمد مستدلين بحديث الدارقطني المار، وبأنه هو الحالة التي يوجه عليها الميت في اللحد، لقوله ﵊ في أثناء حديث البيت الحرام: "قبلتكم أحياءً وأمواتًا".
وعند الشافعية يكره على الأيسر بلا عذر، كما في المجموع. وقالوا: إن الترتيب إنما هو في غير الكعبة، أما فيها فالمتجه جواز الاستلقاء على ظهره، وعلى وجهه؛ لأنه كيفما توجه متوجه لجزء منها، ويركع ويسجد بقدر إمكانه، فإن قدر على زيادة على أكمل الركوع، تعينت تلك الزيادة
стр. 5022
للسجود؛ لأن الفرق بينهما واجب على المتمكن، ولو عجز عن السجود إلاّ أن يسجد بمقدم رأسه أو صدغه، وكان بذلك أقرب إلى أرض وجب؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور، فإن عجز عن ذلك أيضًا أومأ برأسه والسجود أخفض من الركوع، واستدل بالحديث مَنْ قال: لا ينتقل المريض بعد عجزه عن الاستلقاء إلى حالة أخرى، كالإشارة بالرأس ثم الإيماء بالطرف ثم إجراء القرآن والذكر على اللسان ثم على القلب لكون جميع ذلك لم يذكر في الحديث، وهو قول الحنفية، وبعض الشافعية. وقال معظم المالكية والشافعية بهذا الترتيب المذكور، وجعلوا مناط الصلاة حصول العقل، فحيث كان حاضر العقل لا يسقط عنه التكليف بها، فيأتي بما يستطيعه.
واستدل الغزالي على هذا بقوله ﵊: "إذا أمرتُكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتُم". وتعقبه الرافعي بأن الخبر أمر بالإتيان بما يشتمل عليه المأمور، والقعود لا يشتمل على القيام، وكذا ما بعده إلى آخر ما ذكر، وأجاب عنه ابن الصلاح بأنّا لا نقول أن الآتي بالقعود، آتٍ بما استطاعه من القيام مثلًا، ولكنا نقول: يكون آتيًا بما استطاعه من الصلاة؛ لأن المذكورات أنواع لجنس الصلاة، بعضها أدنى من بعض فإذا عجز عن الأعلى وأتى بالأدنى، كان آتيًا بما استطاع من الصلاة، وتعقب بأنّ كون هذه المذكورات من الصلاة فرع لمشروعية الصلاة بها، وهو محل نزاع. قال في "الفتح": قال ابن المنير: اتفق لبعض شيوخنا فرع غريب في النقل، كثير في الوقوع، وهو أن يعجز المريض عن التذكر ويقدرِ على الفعل، فألهمه الله أن يتخذ من يلقنه، فكان يقول أحرم بالصلاة قل الله أكبر، اقرأ الفاتحة قل الله أكبر للركوع إلى آخر الصلاة، يلقنه ذلك تلقينًا، وهو يفعل جميع ما يقول له بالنطق أو بالإيماء.
رجاله ستة:
قد مرّوا، مرّ عبدان وابن المبارك في السادس من بدء الوحي، ومرّ إبراهيم بن طَهمان في التاسع والعشرين من الغسل، وحسين المُكتِب، هو المعلم وابن بريدة وعمران مرّ محلهم في الذي قبله بحديث. ثم قال المصنف:
стр. 5023
باب إذا صلّى قاعدًا ثم صح أو وجد خفة تمم ما بقي
في رواية الكشميهني: أتم ما بقي، أي: لا يستأنف، بل يبني عليه اتيانًا بالوجه الأتم من القيام ونحوه. وفي هذه الترجمة إشارة إلى الرد على مَنْ قال: مَنْ افتتح الفريضة قاعدًا لعجزه عن القيام ثم أطاق القيام وجب عليه الاستيناف، وهو محكي عن محمد بن الحسن، وخفي ذلك على ابن المنير حتى قال: أراد البخاري بهذه الترجمة رفع خيال مَنْ تخيل أن الصلاة لا تتبعض، فيجب الاستيناف على مَنْ صلّى قاعدًا، ثم استطاع القيام. ثم قال: وقال الحسن: إنْ شاءَ المريض صلّى ركعتين قائمًا، وركعتين قاعدًا. قوله: إن شاء المريض، أي: في الفريضة، صلّى ركعتين قائمًا وتعقبه ابن التين بأنه لا وجه للمشيئة هنا؛ لأن القيام لا يسقط عمن قدر عليه إلاَّ إن كان يريد بقوله: إن شاء أي: بكلفة كثيرة. ويظهر أن مراده أنّ مَنْ افتتح الصلاة قاعدًا ثم استطاع القيام كان له إتمامها قائمًا إن شاء بأن يبني على ما صلّى، وإن شاء استأنفها، فاقتضى ذلك جواز البناء وهو قول الجمهور. وهذا الأثر وصله ابن أبي شيبة بمعناه، ووصله الترمذي أيضًا بلفظ آخر، والحسن البصري قد مرّ في الرابع والعشرين من الإيمان.
الحديث السابع والثلاثون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا لَمْ تَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي صَلاَةَ اللَّيْلِ قَاعِدًا قَطُّ حَتَّى أَسَنَّ، فَكَانَ يَقْرَأُ قَاعِدًا حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ، فَقَرَأَ نَحْوًا مِنْ ثَلاَثِينَ آيَةً أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً ثُمَّ رَكَعَ.
أورد المصنف حديث عائشة من رواية مالك بإسنادين له، فذكر في الأول منهما تقييد ذلك بأنه ﷺ لم يصل صلاة اللَّيل قاعدًا، إلاَّ بعد أن أسن، وسيأتي في باب قيام النبي ﷺ بالليل في رمضان وغيره من أبواب التهجد بلفظ "حتى إذا كبر". وفي رواية أبي سلمة عن عائشة: لم يمت حتى كان أكثر صلاته جالسًا. وفي حديث حفصة: ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي في سبحته جالسًا حتى إذا كان قبل موته بعام، وكان يصلي في سبحته جالسًا، الحديث. أخرجهما مسلم قال ابن التين: قيدت عائشة ذلك بصلاة الليل لتخرج الفريضة، وبقولها: "حتى أسن" لتعلم أنه إنما فعل ذلك إبقاءً على نفسه ليستديم الصلاة وأفادت أنه كان يديم القيام وأنه كان لا يجلس عمّا يطيقه
стр. 5024
من ذلك. وقال ابن بطال: هذه الترجمة تتعلق بالفريضة. وحديث عائشة يتعلق بالنافلة، ووجه استنباطه أنه لما جاز بالنافلة القعود لغير علة مانعة من القيام، وكان ﵊ يقوم فيها قبل الركوع، كانت الفريضة التي لا يجوز القعود فيها إلا بعدم القدرة على القيام أولى، والذي يظهر أن الترجمة غير مختصة بالفريضة، بل قوله ثم صح يتعلق بالفريضة.
وقوله: "أو وجد خفة" يتعلق بالنافلة، وهذا الشق الثاني من الترجمة، يطابق حديث الباب؛ لأنه في النفل، ويؤخذ ما يتعلق بالشق الأول بالقياس عليه. والجامع بينهما جواز إيقاع بعض الصلاة قاعدًا، وبعضها قائمًا.
قال العيني: وهذا كله تعسف، وما أوقع الشراح في هذه التعسفات إلاَّ قول ابن بطال السابق: إن الترجمة تتعلق بالفريضة، وحديث عائشة يتعلق بالنافلة، وتقييده المطلق بلا دليل تحكم، بل الترجمة على عمومها، وإن كان حديث الباب في النفل؛ لأن أدنى شيء يلايم بين الترجمة والحديث يكفي، وبيان الملايمة هو أن القيام في حق المتنفل غير متأكد، وله أن يتركه من غير عذر لما رواه مسلم والأربعة عن عائشة أنه ﷺ كان يصلي ليلًا طويلًا قائمًا، وليلةً طويلةً قاعدًا، وفي حق المريض العاجز القيام يكون كذلك؛ لأن تحريمته لم تنعقد للقيام، لعدم القدرة عليه وقت الشروع في الصلاة، فليس فيه بناء الضعيف على القوي، فيكون المتنفل والمفترض العاجز سواء في ذلك فتتناولهما الترجمة من هذه الحيثية.
ودل الحديث على جواز القعود في أثناء النافلة لمن افتتحها قائمًا، كما يباح له أن يفتتحها قاعدًا، ثم يقوم إذ لا فرق بين الحالتين، ولاسيما مع وقوع ذلك منه ﵊ في الركعة الثانية، خلافًا لمن أبى ذلك. ومنع أشهب من المالكية الجلوس في أثناء النافلة بعد ابتدائها بالقيام، واستدل به على أن مَنْ افتتح صلاته مضطجعًا ثم استطاع الجلوس أو القيام أتمها على ما أدت إليه حاله، ودل على إنه لا يشترط لمن افتتح الصلاة قاعدًا أن يركع قاعدًا أو قائمًا أن يركع قائمًا، وهو محكي عن أشهب وبعض الحنفية، والحجة فيه ما رواه مسلم وغيره عن عبد الله بن شقيق عن عائشة في سؤاله لها عن صلاة النبي ﷺ وفيه: كان إذا قرأ قائمًا ركع قائمًا، وإذا قرأ قاعدًا ركع قاعدًا. وهذا صحيح، ولكن يلزم منه منع ما رواه عروة عنها فيجمع بينهما بأنه كان يفعل كلًا من ذلك بحسب النشاط وعدمه.
وقد أنكر هشام بن عروة على عبد الله بن شقيق هذه الرواية، واحتج بما رواه عن أبيه: أخرج ذلك ابن خزيمة في صحيحه ثم قال: ولا مخالفة عندي بين الخبرين؛ لأن رواية عبد الله بن شقيق محمولة على ما إذا قرأ جميع القراءة قاعدًا، أو قائمًا. ورواية هشام بن عروة محمولة على ما إذا قرأ بعضها جالسًا وبعضها قائمًا.
стр. 5025
رجاله خمسة:
قد مرّوا بهذا النسق في الثاني من بدء الوحي، والحديث أخرجه أبو داود وأخرجه مسلم من رواية علقمة بن وقاص عنها. وأخرجه النسائي من رواية الأسود عنها، وابن ماجه والنسائي من رواية عمرة عنها.
الحديث الثامن والثلاثون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، وَأَبِى النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي جَالِسًا فَيَقْرَأُ وَهْوَ جَالِسٌ، فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ نَحْوٌ مِنْ ثَلاَثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً قَامَ فَقَرَأَهَا وَهْوَ قَائِمٌ، ثُمَّ يَرْكَعُ ثُمَّ يَسْجُدُ، يَفْعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَإِذَا قَضَى صَلاَتَهُ نَظَرَ، فَإِنْ كُنْتُ يَقْظَى تَحَدَّثَ مَعِي، وَإِنْ كُنْتُ نَائِمَةً اضْطَجَعَ.
زاد في هذه الرواية عن الأولى: أنه كان يفعل ذلك في الركعة الثانية، كما أنه قيد في الأولى أنه لم يفعل ذلك إلاّ بعد أن أسن.
وقوله: "فإذا بقي من قراءته" فيه إشارة إلى إن الذي كان يقرؤه قبل أن يقوم أكثر؛ لأن البقية تطلق في الغالب على الأقل، ويؤخذ من الحديث تطويل القراءة في صلاة الليل، والأصح عند المالكية والشافعية أن تطويل القيام أفضل من تكثير الركوع والسجود مع تقصير القراءة، وكذلك عند الحنفية.
وقال أبو يوسف: إن كان له ورد من الليل فالأفضل أن يكثر عدد الركعات، وإلا فطول القيام أفضل. وقال محمد: كثرة الركوع أفضل. وقال بذلك بعض المالكية أيضًا. ومحل الخلاف عند المالكية مع اتحاد الزمن وإلا فالأطول زمنًا أفضل، سواء كان كثرة السجود أو طول القيام، واستدل القائلون بأفضلية طول القيام بما أخرجه مسلم عن جابر: "أفضل الصلاة طول القنوت" أي: القيام. ويحتمل أن يراد بالقنوت الخشوع، واستدل القائلون بأفضلية السجود بحديث ثوبان عند مسلم: "أفضل الأعمال كرة السجود" والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال.
وقوله: "فإن كنتُ يقظى تحدّث معي، وإن كنت نائمة اضطجع" وفي رواية التهجد: فإن كنت مستيقظة حدثني، وإلا اضطجع. وظاهر هاتين الروايتين أنه كان يضطجع إذا لم يحدثها، وإذا حدئها لم يضطجع، وإلى هذا جنح المصنف في الترجمة. حيث قال: في التهجد باب مَنْ تحدث بعد الركعتين، ولم يضطجع، وكذا ترجم له ابن خزيمة في ترك الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، ويعكر على هذا ما وقع عند أحمد عن مالك عن أبي النضر في هذا الحديث: كان يُصلي من الليل
стр. 5026
فإذا فرغ من صلاته اضطجع، فإن كنتُ يقظى تحدث معي وإن كنتُ نائمة نام، حتى يأتيه المؤذن. فقد يقال إنه كان يضطجع على كل حال، فإما أن يحدثها، وإما أن ينام.
وقوله: في هذا الحديث نام، إمّا أن يفسر باستمراره على نومه. أي اضطجاعه، فيكون معنى نام اضطجع، أو يفسر بالنوم حقيقة، وأما تفسير نام هنا باضطجع كما قال في "الفتح"، معتمدًا على أنها قالت في حديث الباب: وإن كنتُ نائمة اضطجع. فغير ممكن؛ لأن هذا الحديث ذكر فيه اضطجع أولًا.
رجاله ستة:
قد مرّوا إلاّ عبد الله بن يزيد، مرّ عبد الله بن يوسف ومالك وعائشة في الثاني من بدء الوحي، وأبو سلمة في الرابع منه، وأبو النضر سالم في السابع والستين من الوضوء وعبد الله بن يزيد المخزومي المدني المقري الأعور أبو عبد الرحمن مولى الأسود بن سفيان، ويقال مولى الأسود بن عبد الأسد. ذكره ابن حِبّان في الثقات. وقال العجلي: مدني ثقة. وقال أحمد وابن معين والنسائي: ثقة. وقال ابن أبي حاتم: سئل عنه أبي فقال: ثقة، فقيل له: حجة؟ فقال: إذا روى عنه مالك ويحيى بن أبي كثير وأسامة فهو حجة، روى عن زيد أبي عباس ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان وأبي سلمة بن عبد الرحمن وغيرهم، وروى عنه يحيى بن أبي كثير ومالك وإسماعيل بن أمية وهم. مات سنة ثمان وأربعين ومائة. وهذا الحديث أخرجه بقية الستة في الصلاة.
خاتمة
اشتملت أبواب التقصير وما معه من الأحاديث المرفوعة على اثنين وخمسين حديثًا، المعلق منها ستة عشر، والبقية موصولة، المكرر منها فيه وفيما مضى اثنان وثلاثون، والبقية خالصة. وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث ابن عباس في قدر الإقامة بمكة، وحديث جابر في التطوع راكبًا إلى غير القِبْلة، وحديث أنس في الجمع بين المغرب والعشاء، وحديث عمران في صلاة القاعد، وفيه من الآثار الموقوفة على الصحابة فمن بعدهم ستة آثار، والله تعالى أعلم.
стр. 5027
كوثر المعاني الدراري
في
كشف خبايا صحيح البخاري
تأليف
الامام المحدث العلامة الشيخ محمد الخضر الجكينى الشنقيطي
(المتوفى سنة ١٣٥٤هـ)
الجزء الحادي عشر
مؤسسة الرسالة
стр. 5028
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 5029
كوثر المعاني الدراري
فيد
كشف خبايا صحيح البخاري
стр. 5030
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤١٥هـ - ١٩٩٥م
مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع
مؤَسَّسَة الرّسَالة بيروت - شارع سوريَا - بنَاية صَمَدي وَصَالحَة
هَاتف: ٦٠٣٢٤٣ - ٨١٥١١٢ - صَ. بَ: ٧٤٦٠ - بَرقيًا: بيُوشرَان
стр. 5031
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
باب التهجد باللَّيلِ وقوله : ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ .
قوله: بالليل، في رواية الكشميهنيّ "من الليل"، وهو أوفق للفظِ الآية، وسفطت البسملة من رواية أبي ذَرٍّ. وقصد البخاريّ إثبات مشروعية قيام اللّيل مع عدم التَعرَّض لحكمه، وقد أجمعوا إلا شذوذًا من القدماء على أن صلاة الليل ليست مفروضة على الأُمة، واختلفوا في كونها من خصائص النبيّ ﷺ . وسيأتي في الباب الخامس تصريح البخاريّ بعدم وجوبه على الأُمة، وقد ذكر بعض السلف أنه يجب على الأُمة قيام الليل ما يقع عليه الاسم، ولو قدر حَلْب شاة. وقال النّوويّ: هذا غلط مردود، وقيام الليل أمر مندوب إليه، وسنته متأكدة. قال أبو هريرة، كما عند مسلم: أفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل، فإنْ قسمتَ الليل نصفين فالنصف الآخر أفضل، وإن قسمته أثلاثًا فالأوسط أفضل، وأفضل منه صلاة السدس والرابع والخامس، لحديث ابن عمر في صلاة داود ﵊.
ويكره أن يقوم كل الليل لقوله ﷺ لعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: "بلغني أنك تقوم الليل؟ قلت: نعم، قال: لكني أصلي وأنام، فمَنْ رغب عن سُنّتي فليس مني". فإن قيل: ما الفرق بينه وبين صوم الدهر غير أيام النهي فإنه لا يكره عند الشافعية، قيل له: صلاة الليل تضر بالعين وسائر البدن، بخلاف الصوم، فإنه يستوفي في الليل ما فاته من أكل النهار، ولا يمكنه نوم النهار إذا صلّى اللّيل، لما فيه من تفويت مصالح دنياه وعياله، وأما بعض الليالي فلا يكره إحياؤها، مثل العشر الأواخر من رمضان، وليلتي العيد.
وقوله: "فتهجد به" زاد أبو ذر في روايته "سهر به" حكاه الطبريّ أيضًا. وفي المجاز لأبي عبيدة قوله: "فتهجد به، أي اسهر بصلاتك" وتفسير التهجد بالسهر معروف في اللغة، وهو من الأضداد، يقال: تَهجّدَ إذا سَهر، وتهجَد إذا نام، قاله الجوهريّ وغيره، ومنهم مَنْ فرّق بينهما، فقال: هَجدتُ نمتُ، وتهجدتُ سهرتُ، فعلى هذا أصل الهجود النوم، ومعنى تهجدت طرحت عني النوم. وقال الطبريُّ: التهجد السهر بعد نومه، ثم ساقه عن جماعة من السلف. وقال ابن فارس: المتهجد: المصلي ليلًا. وقال كُرَاع: التهجد: صلاة الليل خاصة.
وقوله: "نافلة لك" النافلة في اللغة الزيادة، فقيل: معنا عبادة زائدة في فرائضك. وروى الطبريَّ عن ابن عباس أن النافلة للنبي ﷺ خاصة، لأنه أمر بقيام الليل، وكتب عليه دون أُمته،
стр. 5032
وإسناده ضعيف. وقيل: معناه زيادة لك خالصة، لأن تطوع غيره يكفر ما على صاحبه من ذنب، وتطوعه هو ﵊ يقع خالصًا له، لكونه لا ذنب عليه. وروى معنى ذلك الطبريُّ وابن أبي حاتم عن مجاهد بإسناد حسن، وعن قتادة كذلك، ورجَّح الطبريُّ الأول وليس الثاني ببعيد عن الصواب.
الحديث الأول
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَكَ الْحَمْدُ، لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ أَوْ لاَ إِلَهَ غَيْرُكَ.
قوله: "إذا قام من الليل يتهجد" في رواية مالك عن أبي الزُّبير عن طاوس: "إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل" وظاهر السياق أنه كان يقوله أوّل ما يقوم إلى الصلاة، وترجم عليه ابن خُزيمة الدليل على أن النبيَّ ﷺ كان يقولُ هذا التحميد بعد أن يكبر، ثم ساقه عن قيس بن سعد عن طاووس عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام للتهجد قال بعدما يكبِّر: "اللهُمَّ لك الحمد" وسيأتي هذا في الدعوات عن كُريب عن ابن عباس، في حديث مبيته عند النبي ﷺ في بيت ميمونة، وفي آخره: "وكان في دعائه: اللهم اجعل في قلبي نورًا" الحديث. وهذا قاله لما أراد أن يخرج إلى صلاة الصبح، كما بيَّنه مسلم من رواية علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه.
وقوله: "قيّم السموات" في رواية أبي الزبير المذكور "قيَّام السموات" وفي رواية "قيّم السموات والأرض" بدون لفظة "أنت" ولكنه مقدر في صورة الحذف. لأن قيّم السموات والأرض مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوفٍ، وهو أنت والقَيِّم والقَيَّام والقَيُّوم بمعنى واحد، وهو الدائم القائم بتدبير الخلق المعطي له ما به قوامه، أو القائم بنفسه المقيم لغيره من كل موجود، حتى لا يتصور وجود شيء، ولا دوام وجوده إلاّ به. وقال التَّورْبَشْتيّ: والمعنى أنت الذي تقوم بحفظها، وحفظ من أحاطت به، واشتملت عليه، تؤتي كلًا ما به قوامُه، وتقوم على كل شيء من خلقك بما تراه من تدبيرك. وعبّر "بمن" في قوله: "ومَنْ فيهنّ" دون ما تغليب للعقلاء على غيرهم. وقيل: "قيّام" على المبالغة من قام بالشيء، إذا هَيّأ له جميع ما يحتاج إليه، وقيل: "قيّم السموات والأرض" خالقهما
стр. 5033
وممسكهما أن تزولا، وأصل قَيِّم قَيْوم على وزن فيْعِل مثل صَيِّب، وأصل القَيّوم القَيْوُوم، اجتمعت الياء والواو، وسبق إحداهما بالسكون، فوجب قلب الواو ياء، وأُدغمت الأولى في الثانية على القاعدة التصريفية.
وقوله: "أنت نور السموات والأرض" أي: منورهما، وبك يهتدي مَنْ فيهما. وقيل: المعنى أنت المنزه عن كل عيب. يقال: فلان مُنَوِّر أي مُبَرَّأ من كل عيب. ويقال: هو اسم مدح، تقول: فلان نور البلد، أي: مُزَيِّنُه. وقال أبو العالية: مُزَيّن السموات بالشمس والقمر والنجوم، ومزين الأرض بالأنبياء والعلماء والأولياء.
وقوله: "أنت ملك السموات والأرض" كذا للأكثر، وللكشميهنيّ "لك ملك السموات" والأول أشبه بالسياق. وقوله: "أنت الحق" أي: المتحقق الوجود، الثابت بلا شك فيه، قال القرطبيّ: هذا الوصف، له سبحانه، بالحقيقة خاص، لا ينبغي لغيره، إذ وجوده لنفسه، فلم يسبقه عدم، ولا يلحقه عدم، بخلاف غيره. وقال ابن التين: يحتمل أن يكون معناه أنت الحق بالنسبة إلى مَنْ يدعي فيه أنه إله، أو بمعنى إنْ من سَمّاك إلهًا فقد قال الحق.
وقوله: "ووعدك الحق" الوعد يطلق، ويراد به الخير والشر كلاهما، والخير أو الشر خاصة. قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ وليس في وعد الله خُلْفٌ، فلا تخلف الميعاد، ويجزي الذين أساؤوا بما عملوا إلاَّ مَنْ تجاوز عنه، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، وقيل في قوله: "إن الله وعدكم وعد الحق" أي وعد الجنة مَنْ أطاعه، ووعد النار مَنْ عصاه وكفر به، ويحتمل أن يريد أن وعده حق، بمعنى إثبات أنه قد وعد بالحق: بالبعثِ والحشرِ والثوابِ والعقابِ، إنكارًا لقول مَنْ أنكر وعده بذلك، وكذب الرسل فيما بلغوه من وعده ووعيده.
وقوله: "ولقاؤك حق" فيه الإقرار بالبعث بعد الموت، وهو عبارة من مآل الخلق في الدار الآخرة بالنسبة إلى الجزاء على الأعمال، وقيل: معنى "لقاؤكَ حق" أي: الموت، وأبطله النّوويّ. وقيل: رؤيتك في الدار الآخرة، حيث لا مانع. وقولك: "حق" أي: مدلوله ثابت، واللقاء وما ذكر بعده داخل تحت الوعد، لكن الوعد مصدر، وما ذكر بعده هو الموعود به، ويحتمل أن يكون من الخاص بعد العام، كما أن ذكر القول بعد الوعد من العام بعد الخاص.
وقوله: "والجنة حق، والنار حق" فيه إشارة إلى أنهما موجودتان، وقوله: "ومحمد ﷺ حق" خصه بالذكر بعد تعريف النبيئين بلام الاستغراق الداخل هو فيه، تعظيمًا له، وعطفه عليهم إيذانًا بالتغاير وأنه فائق عليهم بأوصاف مختصة به، فإن تغير الوصف بمنزلة التغير في الذات، ثم حكم عليه استقلالًا بأنه حق وجرده عن ذاته كأنه غيّره، وأوجب عليه الإيمان به، وتصديقه، مبالغة في إثبات نبوّته، كما في التشهد.
وقوله: "والساعة حق" أي: يوم القيامة، وأصل الساعة القطعة من الزمان، ثم استعيرت للوقت
стр. 5034
الذي تقام فيه القيامة، يريد أنها ساعة خفيفة يحدث فيها أمر عظيم. وقد مرّ الكلام عليها في حديث سؤال جبريل. وإطلاق اسم الحق على ما ذكر من الأمور معناه أنه لابد من كونها، وأنها مما يجب أن يُصَدَّق بها، وتكرار لفظ حق للمبالغة في التأكيد، وتكرير الحمد للاهتمام بشأنه، وليناط به كل مرة معنى آخر. وفي تقدم الجار والمجرور إفادة التخصيص. وكأنه ﵊ لما خَصَّ الحمد بالله قيل: لِمَ خصصتني بالحمد؟ قال: لأنك أنت الذي تقوم بحفظ المخلوقات، إلى غير ذلك، وإنما عرف الحق في قوله: "أنت الحق، ووعدك الحق" ونكر البواقي للحصر؛ لأن الله هو الحق الثابت الدائم الباقي، وما سواه في معرض الزوال. قال لبيد:
طويل
ألا كُلُّ شيء ما خلا الله باطلُ ... وكلُّ نعيم، لا محالَةَ، زائل
وكذا وعده مختص بالإنجاز دون وعد غيره. قال السّهيليُّ: التعريف للدلالة على أنه المستحق لهذا الاسم بالحقيقة، إذ هو مقتضى هذه الأداة، وكذا في وعدك الحق؛ لأن وعده كلامه، ونكرت في البواقي لأنها أُمور محدَثَة، والمُحْدَثُ لابجب له البقاء من جهة ذاته، وبقاء ما يدوم منه علم بالخبر الصادق لا من جهة استحالة فنائه. وتَعَقَّبه في المصابيح بأنه يرد عليه قوله في هذا الحديث. وقولك: "حق" مع أن قوله كلامه القديم، فينظر وجهه.
وقوله: "اللهم لك أسلمت" أي انقَدْتُ، وخضعتُ لأمرك ونهيك، واستسلمت لجميع ما أمرت به، ونهيت، لما رجع ﷺ إلى مقام العبودية، ونظر إلى افتقار نفسه، نادى بلسان الاضطرار في مطاوي الانكسار فقال: "اللهم لك أسلمت ... " إلخ. وقوله: "وبك آمنت" أي: صدَّقْت بك، وبما أنزلت من أخبار وأمر ونهي. وظاهره أن الإيمان والإسلام متغايران، وقد مرّ تحقيق ذلك في أوّل كتاب الإيمان، وفي حديث سؤال جبريل.
وقوله: "وعليك توكلت" أي: فوّضت أمري إليك قاطعًا النظر عن الأسباب العادية. ويقال: أي: تبرأت من الحول والقوة، وصغت أمري إليك، وأيقنت أنه لن يصيبني إلاّ ما كتب لي أو عَلَيّ، ففوضت أمري إليك، ونِعْم المفوَّض إليه، والوكيل الكافي. وقوله: "وإليك أنبَتُ" أي: رجعت إليك في تدبير أمري، والنيابة الرجوع، أي: رجعت ذليلًا مقبلًا بالقلب عليك، ومعناه رجعت إلى عبادتك. وقوله: "وبك خاصمت" أي: وبما أعطيتني من البرهان، ولقنتني من الحجة خاصمت المعاند، وقمعته بالحجة والسيف.
وقوله: "وإليك حاكمت" أي: كل مَنْ جحد الحق حاكمته إليك، وجعلتك الحاكم بيننا، لا ما كانت الجاهلية تتحاكم إليه من كاهن ونحوه. والمحاكمة رفع القضية إلى الحاكم، وقدم مجموع صلاة هذه الأفعال عليها إشعارًا بالتخصيص، وإفادة للحصر. وقوله: "فاغفر لي" قال: وذلك مع كونه مغفورًا له، إما على سبيل التواضع والهضْم لنفسه، وإجلالًا وتعظيمًا لربه، أو على سبيل
стр. 5035
التعليم لتقتدي به أُمته، كذا قيل، والأَوْلى أنه لمجموع ذلك، وإلا لو كان للتعليم فقط، لكفى فيه أمرهم بأن يقولوا. والمغفرة تغطية الذنب، وكل ما غُطِّي فقد غُفِر، ومنه المغفرة.
وقوله: "ما قدمتُ وما أخرت" أي قيل: هذا الوقت وما أخرت عنه، وقوله: "وما أسررت وما أعلنت" أي. أخفيت وأظهرت، أو ما حدثت به نفسي، وما تحرك به لساني. وزاد في "التوحيد" عن ابن جُرَيج "وما أنت أعلم به مني" وهو من العام بعد الخاص، وقوله: "أنت المقدَّم والمؤخَّر" باسم المفعول فيهما، أي: أنت الأول، وأنت الآخر، أو باسم الفاعل، أي: أنت المقدِّم لي، والمؤخِّر، أشار بذلك إلى نفسه؛ لأنه المقدم له في البعث في الآخرة، والمؤخر له في البعث في الدنيا. كما قال في الحديث: "نحن الآخرون السابقون" وفي رواية ابن جُرَيج في الدعوات: "أنت إلهي لا إله غيرك" قال الكَرَمانيّ: هذا الحديث من جوامع الكلم، لأن لفظ "القيّم" إشارة إلى أن وجود الجواهر وقوامها منه، والنور إلى أن الأعراض أيضًا منه، والمُلك إلى أنه حاكم عليها ايجادًا وإعدامًا بفعل ما يشاء، وكل ذلك من نِعَم الله تعالى على عباده، فلهذا قرن كلًا منها بالحمد، وخصص الحمد به.
ثم قوله: "أنت الحق" إشارة إلى المبدأ. والقول ونحوه إلى المعاش، والساعة ونحوها إشارة إلى المعاد، وفيه إشارة إلى النبوة، وإلى الجزاء ثوابًا وعقابًا، ووجوب الإيمان، والإِسلام والتوكل، والإنابة والتضرع إلى الله، والخضوع له. وفيه زيادة معرفة النبي ﷺ ، بعظمة ربه وعظيم قدرته، ومواظبته على الذكر والدعاء والثناء على ربه، والاعتراف بحقوقه، والإقرار بصدق وعده ووعيده. وفيه استحباب تقديم الثناء على المسألة عند كل مطلوب، اقتداء به ﷺ .
رجاله خمسة:
مرّ منهم عليّ بن المَدِينيّ في الرابع عشرمن العلم، ومرّ ابن عُيينة في الأول من بدء الوحي، ومرّ طاوس في باب مَنْ لم يرَ الوضوء إلاَّ من المخرجين بعد الأربعين من الوضوء، ومرّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي.
الخامس: سليمان بن أبي مسلم المكيّ الأَحْول خال أبي نَجِيح، يقال: اسم أبي مسلم عبد الله، قال سفيان: حدثنا سليمان الأحول، وكان ثقة. وقال أحمد وابن مُعين وأبو حاتم وأبو داود والنَّسَائيّ: ثقة. وذكره ابن حِبان في الثقات. وقال ابن شاهين في "الثقات" قال أحمد: ثقة ثقة، وقال العَجْليّ: ثقة. روى عن طارق بن شِهاب وسعيد بن جُبير ومُجاهد وعطاء وغيرهم. وروى عنه ابن جُرَيج وحُسين المعلم وشُعبة وغيرهم.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والسماع والقول، ورواته بصريٌّ ومكيّان ويمانيّ. أخرجه البخاري أيضًا في الدعوات وفي التوحيد، والنَّسائيُّ وابن ماجةَ في الصلاة ثم قال: قال سفيان:
стр. 5036
وزاد عبد الكريم أبو أُمية: ولا حول ولا قوة إلا بالله. وهذا موصول بالإسناد الأول، ووهم مَنْ زعم أنه معلَّق، وقد بين ذلك الحُميديّ في مسنده وأبو نعيم في مستخرجه، وسفيان بن عُيَينة قد مرّ الآن في السند، وعبد الكريم أبو أمية ابن أبي المَخارق، واسم أبي المخارق قَيْس، ويقال: طارق البَصْريّ.
قال معمر: ما رأيت أيوب اغتاب أحدًا إلا عبد الكريم أبا أُمية، فإنه ذكره فقال: ﵀، كان غير ثقة. قال أبو داود: ما روى مالك عن أضعف منه، ويقال: إن مالكًا لم يرو عن ضعيف سواه. قال ابن عبد البرّ: مُجْمع على ضعفه، ومن أجَلّ من جَرَّحه أبو العالية وأيوب مع ورعه، غَرَّ مالكًا سمتُه، ولم يكن من أهل بلده، ولم يخرج عنه حكمًا إنما ذكر عنه ترغيبًا.
لم يذكر له البخاريُّ إلا هذا الموضع. قال ابن حَجَر: وبعتذر عن البخاري بأمرين. أحدهما أنه إنما أخرج له زيادة في حديث تتعلق بفضائل الأعمال. الثاني أنه لم يقصد التخريج له، وإنما ساق الحديث المتصل، وهو على شرطه، ثم أتبعه بزيادة عبد الكريم؛ لأنه سمعه هكذا، كما وقع له قريب من ذلك في حديث صخر الغامديّ بالنسبة للحسن بن عُمارة في البيوع، وفي حديث عبد الله بن زيد المازنيّ في الاستسقاء بالنسبة للمسعوديّ، وأما كون الشيخين أخرجا لعبد الكريم هذا في كتاب الحج عن مُجَاهِد، فهو وهم. فعبد الكريم المذكور في ذلك الحديث المرادُ به الجَزَريَّ. وقيل: إن مسلمًا روى له في المتابعات، وقال الحافظ المنذريّ، إن مسلمًا لم يخرج له شيئًا أصلًا، لا متابعة ولا غيرها، وإنما أخرج لعبد الكريم الجزريّ، وقال معمر: سألني حمّاد بن أبي سُليمان عن فقهائنا، فذكرتهم. فقال: تركت أفقههم، يعني عبد الكريم أبا أُمية. قال أحمد بن حنبل: كان يوافقه على الأرجاء. وقال خالد الحذّاء: كان عبد الكريم إذا سافر يقول أبو العالية: اللهم لا ترد علينا صاحب الأكسية. وعده أبو داود من خير أهل البصرة.
روى عن أنس بن مالك وعمرو بن سعيد بن العاص، وطاوس، وحسان بن بلال، وغيرهم. وروى عنه عطاء ومجاهد، وهما من شيوخه، ومالك والسفيانان وأبو حَنيفة وحمّاد بن سَلَمة وغيرهم. مات سنة ست أو سبع وعشرين ومئة. ثم قال: قال سفيان: قال سليمان بن أبي مسلم: سمعه من طاوس عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ . وهذا موصول أيضًا. وإنما أراد بيان سماع سليمان له من طاوس لإيراده له أولًا بالعنعنة. وفي رواية الحُميدي المذكورة التصريح بالسماع أيضًا، ولأبي ذَرٍّ وحده، قال عليّ بن خَشرم: قال سفيان ... إلخ.
ولعل هذه الزيادة عن الغَربريّ، فإن عليّ بنَ خشرم لم يذكروه في شيوخ البخاري، وأما الغربريّ فقد سمع من عليّ بن خشرم كما يأتي في أَحاديث الأنبياء، في قصة الخضر وموسى، فكان هذا الحديث أيضًا. كان عنده عاليًا عن عليّ بن خشرم عن سفيان، فذكره لأجل العلو.
رجاله أربعة: مرّوا في الذي قبله تعريفًا ومحلًا.
ثم قال المصنف:
стр. 5037
باب فضل قيام الليل
كأنّ المصنف لم يصح عنده حديث صريح في هذا الباب، فاكتفى بحديث ابن عمر المذكور فيه، وقد أخرج مسلم عن أبي هُريرة "أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل" وتوقف فيه البخاريّ، ولم يخرجه للاختلاف في وصله وإرساله وفي رفعه. ووقفه، وهو يدل على أنه أفضل من ركعتي الفجر. وقوّاه النّوويُّ في "الروضة" والمعتمد تقديم الوتر على الرواتب وغيرها كالضحى أو قيل بوجوبه. ثم ركعتي الفجر لحديث عائشة المروي في الصحيحين "لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل، أشد تعاهدًا منه على ركعتي الفجر" وحديث مسلم: "ركعتا الفجر خيرٌ من الدنيا وما فيها، وهما أفضل من ركعتين في جوف الليل". وحملوا حديث أبي هريرة السابق على أن النفل المطلق المفعول في الليل أفضل من المطلق المفعول في النهار، وقد مدح الله المتهجدين في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ ويكفي ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ وهي الغاية، فمن عرف فضيلة قيام الليل بسماع الآيات والأخبار والآثار الواردة فيه، واستحكم رجاؤه وشوقه إلى ثوابه، ولذة مناجاته لربه، وخلوته به، هاجه الشوق وباعث التوق، وطرد عنه النوم.
قال بعض الكبراء من القدماء: أوحى الله تعالى إلى بعض الصديقين "أن لي عبادًا يحبونني وأُحبهم، ويشتاقون إليّ وأشتاق إليهم، ويذكرونني وأذكرهم، فإنْ حذوت طريقهم أحببتك" قال: يا ربّ: وما علامتهم؟ قال: "يحنُّون إلى غروب الشمس كما تحن الطير إلى وكرها، فإذا جَنَّهم الليل، نصبوا إليّ أقدامهم، وافترشوا إليَّ وجوههم، وناجوني بكلامي، وتملقوا بإنعامي، فبين صارخ وباكٍ، ومتأَوَّةٍ وشاك، بعيني ما يتحملون من أجلي، وبسمعي ما يشتكون من حبي، أول ما أعطيهم أنْ أقذف من نوري في قلوبهم، فيخبرون عني كما أخبر عنهم".
الحديث الثاني
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. وَحَدَّثَنِي مَحْمُودٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا رَأَى رُؤْيَا قَصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى رُؤْيَا فَأَقُصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكُنْتُ غُلاَمًا شَابًّا، وَكُنْتُ أَنَامُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ
стр. 5038
كَطَيِّ الْبِئْرِ، وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ، وَإِذَا فِيهَا أُنَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ فَجَعَلْتُ أَقُولُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ. قَالَ: فَلَقِيَنَا مَلَكٌ آخَرُ فَقَالَ لِي: لَمْ تُرَعْ. فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ، لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فَكَانَ بَعْدُ لاَ يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلاَّ قَلِيلاً.
قوله: "كان الرجل" اللام للجنس، ولا مفهوم له، وإنما ذكر للغالب، وقوله: "فتمنيت أن أرى" في رواية الكشميهني: "أني أرى" وزاد في التعبير من وجه آخر: "فقلت في نفسي لو كان فيك خير لرأيت مثل ما يرى هؤلاء" وقوله: "رؤُيا" بالضم والقصر من غير تنوين. ويؤخذ منه أن الرؤيا الصالحة تدل على خير رائيها. وقوله: "كان مَلَكين" لم يقف صاحب "الفتح" على تسميتهما. وقوله: "فذهبا بي إلى النار فإذا هي مطوية" في رواية أيوب عن نافع الآتية قريبًا "كان اثنين أتياني" أرادا أن يذهبا بي إلى النار، فتلقاهما مَلَكٌ فقال: لن تراع خليا عنه. وظاهر هذا أنهما لم يذهبا به. ويجمع بينهما يحمل الثاني على إدخاله فيها، فالتقدير أن يذهبا إلى النار فيُدخلاني فيها، فلما نظرتها فإذا هي مطوية، ورأيت مَنْ فيها واستعذت، فلقينا مَلَكٌ آخر.
وقوله: "فإذا هي مطوية" أي مبنية، والبئر قبل أن يبنى يسمى قَليبًا. وقوله: "وإذا لها قرنان" هكذا بالرفع للجمهور، وحكى الكَرَماني: "أن في نسخة قرنين" فأعربها بالجر أو بالنصب على أن فيه شيئًا مضافًا حُذِف، وترك المضاف إليه على ما كان عليه، وتقديره فإذا لها "مثل قرنين" وهو كقراءة مَنْ قرأ: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ بالجر أي: يريد عَرَض الآخرة، أو ضمَّن إذا الفجائية معنى الوجدان، أي: فهذا بي وجدت لها قرنين. والمراد بالقرنين هنا خشبتان أو بناءان تمد عليهما الخشبة العارضة التي تعلق فيها الحديدة التي فيها البكرة، فإن كانا من بناء فهما القرنان، وإن كانا من خشبٍ فهما الزرنوقان، بزاي منقوطة قبل المهملة ثم نون ثم قاف، وقد يطلق على الخشبة أيضًا القرنان.
وقوله: "وإذا فيها أُناس قد عرفتهم" قال في الفتح": لم أقف على تسمية أحد منهم، وقوله: لم تُرَعْ بضم أوله وفتح الراء بعدها مهملة ساكنة، أي: لم تخف، والمعنى: لا خوف عليك بعد هذا. وفي رواية الكشميهنيّ في "التعبير" لن تراع وهي رواية الجمهور بإثبات الألف، وفي رواية القابسيّ لن تُرَع بحذف الألف، وهي لغة قليلة، أي الجزم بلن، حتى قال القزّاز: لا أعلم له شاهدًا. وتعقب بقول الشاعر:
لن يخبْ الآن من رجائك مَنْ ... حَرَّك من دون بابك الحَلْقة
وأجيب أيضًا بأن العين سكنت للوقف، ثم شبه بسكون المجزوم فحذف الألف قبله، ثم أجرى الوقف. قال ابن مالك: وتعقبه في المصابيح فقال: لا نُسلِّم أنَّ فيه إجراء الوصل مجرى
стр. 5039
الوقف، إذ لم يصله الملك بشي بعده وأجاب عنه فقال: لا نسلم إذ يحتمل أن المَلَك نطق بكل جملة منها منفردة عن الأخرى، ووقف على آخرها، فحكاه كما وقع.
وقوله: "فقال: نِعْم الرجل عبد الله" وفي التعبير من رواية نافع عن ابن عمر أن عبد الله رجل صالح، لو كان يصلي من الليل. لو: للتمني لا للشرط، ولذلك لم يذكر له جواب. وهذا هو شاهد الترجمة، فمقتضاه أن مَنْ كان يصلي من الليل، يوسف بكونه نِعْم الرجل. ورواية نافع المذكورة أبين في المقصود. وقوله: "فكان بعد لا ينام من الليل إلاَّ قليلًا" ظاهره أن هذا من كلام سالم، لكن في "التعبير" بهذا السند. قال الزُّهريّ: فكان عبد الله بعد ذلك يكثر الصلاة من الليل، ومقتضاه أن في السياق الأول أدراجًا. لكنْ ورد في "المناقب" عن عبد الرزاق قال سالم: وكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلًا، فظهر أنْ لا إدراج فيه، وأيضًا كلام سالم في ذلك مغاير لكلام الزُّهريّ، فانتفى الإدراج عنه أصلًا ورأسًا.
قال القرطبي: إنما فسر الشارع من رؤيا عبد الله ما هو ممدوح، لأنه عُرض على النار ثم عوفي منها، وقيل له: لا روع عليك، وذلك لصلاحه. غير أنه لم يكن يقوم من الليل، فحصل لعبد الله من ذلك تنبيه على أنَّ قيام الليل مما تُتَّقى به النار والدنوّ منها، فلذلك لم يترك قيام الليل بعد ذلك. وأشار المُهَلَّب إلى أنَّ السر في ذلك كون عبد الله كان ينام في المسجد، ومن حق المسجد أن يتعبد فيه، فنبه على ذلك بالتخويف بالنار، وقال: إنما فسر ﵊ هذه الرؤيا بقيام الليل، لأنه لم ير شيئًا يغفل عنه من الفرائض يذكر بالنار، وعلم مبيته بالمسجد، فعبّر عن ذلك بأنه منبه على قيام الليل فيه.
وفي الحديث وقوع الوعيد على ترك السنن، وجواز وقوع العذاب على ذلك، ولكن يشترط المواظبة على الترك رغبةً عنها، فالوعيد والتعذيب إنما يقع على المحرم، وهو الترك بقيد الإعراض. وفيه أن أصل التعبير من قبل الأنبياء، ولذلك تمنى ابن عمر أنه يرى رؤيا، فيعبرها له الشارع، ليكون ذلك عنده أصلًا. وقد صرّح الأشعريّ بأن أصل التعبير بالتوقيف من قبل الأنبياء وعلى ألسنتهم. قال ابن بَطّال: وهو كما قال، لكن الوارد عن الأنبياء في ذلك، وإن كان أصلًا، فلا يعم جميع المرائي، فلابد للحاذق في هذا الفن أن يستدل بحسن نظره، فيرد ما لم ينص عليه إلى حكم التمثيل. ويحكم له بحكم النسبة الصحيحة، فيجعل أصلًا يلحق به غيره، كما يفعل الفقيه في فروع الفقه.
وفيه مشروعية النيابة في قصّ الرؤيا، وتأدّب ابن عمر مع النبي ﷺ ، ومهابته له، حيث لم يقص رؤياه بنفسه، وكأنه لما هالته لم يؤثر أن يقصها بنفسه، فقصها على أخته لا دلالة عليها. وفضل قيام الليل، وأنه ينجي من النار، وفيه تمني الرؤيا الصالحة ليعرف صاحبها ما له عند الله تعالى، وتمنى الخبر والعلم والحرص عليه. وفيه رؤية الملائكة في المنام، وتحذيرهم للرائي،
стр. 5040
لقوله: فرأيت مَلَكين أخذاني. وفيه الانطلاق بالصالح إليها في المنام تخويفًا. وفيه السَّتر على مسلم وترك غيبته، وذلك قوله: "وإذا فيها أُناس قد عرفتهم" إنما أخبر بهم على الإجمال ليزدجروا، وسكت عن بيانهم لئلا يغتابهم إن كانوا مسلمين، وليس ذلك مما يختم عليهم. وإما أن يكون ذلك تحذيرًا كما حُذِّر ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما.
وفيه قبول خبر المرأة، وفيه فضل عبادة الشباب، وفيه مدح لابن عمر، وفيه تنبيه على صلاحه، وفيه جواز النوم في المسجد. ولا كراهة فيه عند الشافعي، وقال التِّرْمِذِيّ: قد رخص قوم من أهل العلم فيه، وقال ابن عباس: لا تتخذه مبيتًا ومقيلًا. وذهب إليه قوم من أهل العلم. وقال ابن العَرَبيّ: وذلك لمن كان له مأوى، فأما الغريب فهو داره، والمعتكف فهو بيته، وهو الصحيح عند المالكية. وكره المبيت فيه للحاضر القويّ، وجوزه ابن القاسم للحاضر المريض، ويجوز للإمام أن يجعل المريض في المسجد إذا أراد افتقاده، كما ضرب الشارع فيه قبة لسعد رضي الله تعالى عنه، حين سال الدم من جرحه. وفيه كراهة كثرة النوم، وروى سُنَيد عن يوسف بن محمد بن المُنْكَدِر عن أبيه عن جابر مرفوعًا، قالت أُم سليمان لسليمان: يا بُنيَ لا تكثر النوم بالليل، فإن كثرة النوم بالليل تدع الرجل فقيرًا يوم القيامة.
وكان بعض الكبراء يقف على المائدة كل ليلة، ويقول: يا معشر المريدين، لا تأكلوا كثيرًا فتشربوا فتناموا كثيرًا، فتتحسروا عند الموت كثيرًا. وهذا هو الأصل الكبير، وهو تخفيف المعدة من ثقل الطعام.
رجاله ثمانية:
وفيه ذكر أُم المؤمنين حفصة، وقد مرّ الجميع، مرّ عبد الله بن محمد المسندي في الثاني من الإيمان، وعبد الرزاق في الخامس والثلاثين منه. وسالم بن عبد الله في السابع عشر منه، وأبوه عبد الله في أوله قبل ذكر حديث منه، والزُّهري في الثالث من بدء الوحي، ومعمر في منابعة بعد الرابع منه، وهشام بن يوسف في الثالث من الحيض، ومحمود بن غَيلان في السابع والأربعين من مواقيت الصلاة، ومرت حفصة في الثالث والستين.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإفراد والإخبار بالجمع والعنعنة والقول. أخرجه البخاريّ فيما مضى، في باب نوم الرجال في المسجد وفي ما يأتي في باب "فضل مَنْ تعار من الليل" وأخرجه مسلم في فضائل عبد الله بن عمر. ثم قال المصنف.
стр. 5041
باب طول السجود في قيام الليل
الحديث الثالث
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، كَانَتْ تِلْكَ صَلاَتَهُ، يَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاَةِ الْفَجْرِ، ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُنَادِي لِلصَّلاَةِ.
قد مرّ هذا الحديث بهذا الإسناد والمتن في أبواب الوتر، بعد ثلاثة أحاديث، ومرّ استيفاء الكلام على أوله عند ذكره هناك، واستيفاء الكلام على الاضطجاع عند ذكره، أيضًا، في باب مَنْ انتظر الإقامة من كتاب الأَذان.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ أبو اليَمان، وشُعيب في السابع من بدء الوحي، والزُّهريّ في الثالث منه، وعُروة وعائشة في الثاني منه، وقد جاء هذا الحديث في باب ما جاء في الوتر، والمنادي للصلاة إنه بلالَ. وقد مرّ في التاسع والثلاثين من العلم. ثم قال المصنف:
стр. 5042
باب ترك القيام للمريض
الحديث الرابع
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا يَقُولُ: اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ.
قوله: "اشتكى النبي ﷺ " أي المرض، كما في رواية قيس بن الرَّبيع الآتي ذكرها. قال في "الفتح": لم أقف في شيء من طرق الحديث على تفسير هذه الشكاية، لكن في التِّرمِذِيّ عن ابن عُيينة عن الأسود في أول هذا الحديث عن جُنْدُب قال: كنت مع النبي ﷺ في أنمار، فَدَمِيت أُصبعه، فقال:
هل أنتِ إلا أُصبع دَمِيت ... وفي سبيلِ اللهِ ما لَقِيتْ؟
قال: وأبطأ عليه جبريل، فقال المشركون: قد وُدِّع محمد، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ فظن بعض الشرّاح أن هذا بيان للشكاية المجملة في الصحيح، وليس كما ظُن، فإن في طريق عبد الله بن شدّاد الآتية قريبًا أن نزول هذه السورة كان في أوائل البعثة، وجندب لم يصحب النبي ﷺ إلا متأخرًا، لما حكاه البَغَويّ في "معجم الصحابة" عن الإِمام أحمد، فعلى هذا هما قضيتان حكاهما جُنْدُب: إحداهما مرسلة، والأخرى موصولة؛ لأن الأُولى لم يحضرها، فروايته لها مرسلة من مراسيل الصحابة، والثانية شهدها، كما ذكر أنه كان مع النبي ﷺ ، ولا يلزم من عطف إحداهما على الأخرى في رواية سفيان اتحادُهُما.
وقوله: "فلم يقم ليلة أو ليلتين" هكذا اختصره المصنف هنا، وساقه في فضائل القرآن تامًا، أخرجه عن شيخه، فيه هنا، أبي نعيم، فزاد فيه: "فأتته امرأة فقالت: يا محمد، ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالضُّحَى﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا قَلَى﴾.
رجاله أربعة:
مرّوا، مرّ أبو نعيم في الخامس والأربعين من الإيمان، ومرّ سفيان الثَّوري في السابع والعشرين منه، ومرّ الأسود بن قيس وجُنْدُب في الثالث والثلاثين من كتاب العيدين.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول والسماع، ورواته كلهم كوفيون، وهو من الرباعيات.
стр. 5043
أخرجه البخاريّ أيضًا في قيام الليل وفي فضائل القرآن وفي التفسير، ومسلم في المغازي، والتِّرمِذِيّ والنَّسَائيّ في التفسير.
الحديث الخامس
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: احْتَبَسَ جِبْرِيلُ ﷺ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَبْطَأَ عَلَيْهِ شَيْطَانُهُ. فَنَزَلَتْ: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾.
سفيان في السندين هو الثَّوْرِيّ، ووهم مَنْ زعم أنه ابن عُيَينة، ووقع التصريح بسماع الأسود من جندب في طريق زهير عنه في التفسير: أخرجه في رواية محمد بن كثير هذه بلفظ: "احتبس جبريل"، ووافق أبا نعيم على الرواية الأولى أبو أُسامة عند أبي عُوانة، ووافق محمدَ بن كثير على هذه وكيعٌ عند الإسماعيليّ، ورواية زهير الآتية في التفسير كرواية أبي نعيم، إلا أنه قال فيها: "فلم يقم ليلة أو ليلتين أو ثلاثًا" ورواية ابن عُيينة عن الأسود عند مسلم، كرواية محمد بن كثير، فالظاهر أن الأسود حدّث به على الوجهين، فحمل عنه كل واحد ما لم يحمله الآخر، وحمل عنه سفيان الثَّوري كلًا من الأمرين، فحدّث به مرة هكذا، ومرة هكذا.
وقد رواه شُعبة عن الأسود بلفظ آخر أخرجه المصنف في التفسير، قال: قالت امرأة: "يا رسول الله، ما أرى صاحبك إلاَّ أبطأَ عنك" والمرأة المذكورة في حديث الباب هي أُم جميل العَوْراء، بنت حَرْب بن أُمية أخت أبي سفيان بن حرب، وامرأة أبي لهب، كما روى الحاكم عن زيد بن أرقم قال: قالت امرأة أبي لهب لما مكث النبي ﷺ أيامًا لم ينزل عليه الوحي: يا محمد، ما أرى شيطانك إلا قد قَلَاك. فنزلت: ﴿وَالضُّحَى﴾.
رجاله ثقات، وفي تفسير الطبريّ عن المفضل بن صالح عن الأسود في حديث الباب فقالت امرأةٌ من أهله أو من قومه، ولا شك أن أُمَّ جميل من قومه؛ لأنها من بني عبد مناف. وعند ابن عساكر أنها إحدى عَمّاته، ومستنده في ذلك ما أخرجه قيس بن الربيع في مسنده عن الأسود بن قيس راويه، وأخرجه الغِرْيابيّ شيخ البخاريّ في تفسيره عنه، ولفظه: "فأتته إحدى عمّاته أو بنات عمه، وقالت: إني لأرجو أن يكون شيطانك قد وَدَّعك" وهذه المرأة القائلة: "شيطانك" غير المذكورة عند مسلم والنَّسائي السابقة؛ لأن هذه، أعني التي عند مسلم، عبّرت بقولها: "صاحبك" ونلك عبّرت بقولها: "شيطانك" وهذه عبّرت بقولها: "يا رسول الله" والتي في الباب عبّرت بقولها: "يا محمد" وسياق الأولى يشعر بأنها قالته تاسفًا وتوجعًا، وسياق التي في الباب يشعر بأنها قالته تهكمًا وشماتة.
وقد حكى ابن بطّال عن تفسير بَقِيّ بن مَخْلَد قال: قالت خديجة للنبي ﷺ ، حين أبطأ عليه الوحي: إنَّ ربك قد قلاك، فنزلت: ﴿وَالضُّحَى﴾. وتعقبه ابن المنير ومن تبعه بالإنكار؛ لأن
стр. 5044
خديجة قوية الإيمان، لا تليق نسبة هذا القول إليها، لكن إسناد ذلك قويّ أخرجه إسماعيل القاضي في أحكامه، والطبرىّ في تفسيره، وأبو داود في أعلام النبوءة، له كلهم عن عبد الله بن شداد بن الهاد، وهو من صغار الصحابة، والسند إليه صحيح، وأخرجه أبو داود عن هشام بن عُروة عن أبيه عن عائشة، لكن ليس عند أحد منهم أنها عبّرت بشيطانك، وهذه هي اللفظة المستنكرة في الحديث.
وفي رواية إسماعيل وغيره "ما أرى صاحبك" بدل "ربك"، والظاهر أنها عنت بذلك جبريل. قاله في "الفتح". قلت: هذا كله لا يرد إنكار ابن المنير؛ لأن خديجة رضي الله تعالى عنها معلومّ ما عندها من اليقين والثبات، وما ثبتت به النبي ﷺ غير ما مرة، كما ثبت في الصحيح وغيره، فيستحيل أن يصدر منها أن ربك أو أن صاحبك قد قَلَاك، فهذا لا يصدر من موحِّد، فضلًا عن خديجة رضي الله تعالى عنها. فيجب أن تنزه عن هذا، ولو ورد بأصح الأسانيد. وأغرب سُنَيد بن داود فروى في تفسيره عن وَكيع عن هشام بن عُروة عن أبيه أن عائشة قالت للنبي ﷺ ، وغلط في ذلك، فقد رواه الطبري عن وكيع، فقال فيه: قالت خديجة .. ، وكذلك أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي معاوية عن هشام. واستشكل أبو القاسم بن الورد مطابقة حديث جُنْدُب الأخير للترجمة، وتبعه ابن التين، فقال: احتباس جبريل ليس ذكره في هذا الباب في موضعه، والجواب أن المصنف أراد أن ينبه على أن الحديث واحد، لاتحاد مخرجه، وإن كان السبب مختلفًا، لكنه في قصة واحدة كما مرَّ. وقد وقع في رواية قيس بن الربيع الماضية "فلم يطق القيام وكان يحب التهجد".
وقوله: "أبطأ عليه" أي: تأخر عنه، وفي رواية شُعبة في التفسير "أبطاك" أي صَيَّرَكَ بطيئًا في القراءة؛ لأن بطأه في الإقراء يستلزم بطء الآخر في القراءة. وقوله ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ قرىء وَدَّعك بالتشديد والتخفيف، وهما بمعنى واحد: ما تركك ربك؛ لأن التوديع مبالغة في الوَدْع؛ لأن من ودعك مفرقًا فقد بالغ في تركك، وقراءة التشديد هي قراءة الجمهور، وقراءة التخفيف قراءة عُروة وابنه هشام وابن أبي عبلة، وقراءة التخفيف شاذة؛ لأن العرب أَماتوا ماضي يدع. وقوله: ﴿وَمَا قَلَى﴾ أي: وما قلاك، وما أبغضك، من القِلى، بكسر القاف وتخفيف اللام، وهو البغض، فإن فتحت القاف مددت، تقول قلاه بقلبه قِلى وقَلاء، ويَقلاه لغة طيء، وإنما حذف المفعول حيث لم يقل: "وما قلاك" رعاية للفواصل.
وقد ورد في سبب نزول هذه الآية غير ما تقدم، ففي الطبرانيّ بإسناد فيه مَنْ لا يُعرف، أن سبب نزولها وجود جرو كلبٍ تحت سريره ﵊، ولم يشعر به، فأبطأ عنه جبريل لذلك، وقصة إبطاء جبريل بسبب كون الكلب تحت سريره مشهورة، لكن كونها سبب نزول هذه الآية غريب، وهو شاذ مردود بما في الصحيح. وورد أيضًا في سبب النزول ما أخرجه الطبريّ عن ابن عبّاس قال: لما نزل على رسول الله ﷺ القرآنُ أبطأَ عنه جبريل أيامًا، فتغير بذلك، فقالوا: ودعه ربه وقلاه، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وعن إسماعيل مولى آل الزبير قال: فَتَر
стр. 5045
الوحي حتى شقَّ على النبي، ﷺ ، ذلك وأحزنه، فقال: لقد خشيتُ أن يكون صاحبي قد قلاني، فجاء جبريل بسورة والضحى. وذكر سليمان التيمي في السيرة التي جمعها، قال: فَتَر الوحي، فقالوا: لو كان من عند الله لتتابع، ولكن الله قلاه، فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى﴾ و ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ بكمالهما. وكل هذه الروايات لا تثبت، والحق أن الفترة المذكورة في سبب نزول: ﴿وَالضُّحَى﴾ غير الفترة المذكورة في ابتداء الوحي، فإن تلك دامت أيامًا، وهذه لم تكن إلا ليلتين أو ثلاثًا فاختلطتا على بعض الرواة. وفي سيرة ابن إسحاق في سبب نزول: ﴿وَالضُّحَى﴾ شيء آخر، فإنه ذكر أن المشركين لما سألوا النبي ﷺ عن ذي القرنين والروح وغير ذلك، ووعدهم بالجواب، ولم يستثن فأبطأ عليه جبريل اثنتي عشرة ليلة أو أكثر، فضاق صدره، وتكلم المشركون، فنزل جبريل بسورة: ﴿وَالضُّحَى﴾، وبجواب ما سألوا، وبقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وذكر سورة الضحى هنا بعيد جدًا، لكن يجوز أن يكون الزمان في القصتين متقاربًا، فضم بعض الرواة إحدى القصتين إلى الأخرى، وكل منهما لم يكن في ابتداء البَعْث، وإنما كان بعد ذلك بمدة.
رجاله أربعة:
مرّ محمد بن كثير في الثاني والثلاثين من العلم، ومرّ محل الثلاثة الباقية في الذي قبله.
ثم قال المصنف:
следующие страницы →