← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.

стр. 5041

باب طول السجود في قيام الليل الحديث الثالث حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، كَانَتْ تِلْكَ صَلاَتَهُ، يَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاَةِ الْفَجْرِ، ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُنَادِي لِلصَّلاَةِ. قد مرّ هذا الحديث بهذا الإسناد والمتن في أبواب الوتر، بعد ثلاثة أحاديث، ومرّ استيفاء الكلام على أوله عند ذكره هناك، واستيفاء الكلام على الاضطجاع عند ذكره، أيضًا، في باب مَنْ انتظر الإقامة من كتاب الأَذان. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ أبو اليَمان، وشُعيب في السابع من بدء الوحي، والزُّهريّ في الثالث منه، وعُروة وعائشة في الثاني منه، وقد جاء هذا الحديث في باب ما جاء في الوتر، والمنادي للصلاة إنه بلالَ. وقد مرّ في التاسع والثلاثين من العلم. ثم قال المصنف:

стр. 5042

باب ترك القيام للمريض الحديث الرابع حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا يَقُولُ: اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ. قوله: "اشتكى النبي ﷺ " أي المرض، كما في رواية قيس بن الرَّبيع الآتي ذكرها. قال في "الفتح": لم أقف في شيء من طرق الحديث على تفسير هذه الشكاية، لكن في التِّرمِذِيّ عن ابن عُيينة عن الأسود في أول هذا الحديث عن جُنْدُب قال: كنت مع النبي ﷺ في أنمار، فَدَمِيت أُصبعه، فقال: هل أنتِ إلا أُصبع دَمِيت ... وفي سبيلِ اللهِ ما لَقِيتْ؟ قال: وأبطأ عليه جبريل، فقال المشركون: قد وُدِّع محمد، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ فظن بعض الشرّاح أن هذا بيان للشكاية المجملة في الصحيح، وليس كما ظُن، فإن في طريق عبد الله بن شدّاد الآتية قريبًا أن نزول هذه السورة كان في أوائل البعثة، وجندب لم يصحب النبي ﷺ إلا متأخرًا، لما حكاه البَغَويّ في "معجم الصحابة" عن الإِمام أحمد، فعلى هذا هما قضيتان حكاهما جُنْدُب: إحداهما مرسلة، والأخرى موصولة؛ لأن الأُولى لم يحضرها، فروايته لها مرسلة من مراسيل الصحابة، والثانية شهدها، كما ذكر أنه كان مع النبي ﷺ ، ولا يلزم من عطف إحداهما على الأخرى في رواية سفيان اتحادُهُما. وقوله: "فلم يقم ليلة أو ليلتين" هكذا اختصره المصنف هنا، وساقه في فضائل القرآن تامًا، أخرجه عن شيخه، فيه هنا، أبي نعيم، فزاد فيه: "فأتته امرأة فقالت: يا محمد، ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالضُّحَى﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا قَلَى﴾. رجاله أربعة: مرّوا، مرّ أبو نعيم في الخامس والأربعين من الإيمان، ومرّ سفيان الثَّوري في السابع والعشرين منه، ومرّ الأسود بن قيس وجُنْدُب في الثالث والثلاثين من كتاب العيدين. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول والسماع، ورواته كلهم كوفيون، وهو من الرباعيات.

стр. 5043

أخرجه البخاريّ أيضًا في قيام الليل وفي فضائل القرآن وفي التفسير، ومسلم في المغازي، والتِّرمِذِيّ والنَّسَائيّ في التفسير. الحديث الخامس حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: احْتَبَسَ جِبْرِيلُ ﷺ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَبْطَأَ عَلَيْهِ شَيْطَانُهُ. فَنَزَلَتْ: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. سفيان في السندين هو الثَّوْرِيّ، ووهم مَنْ زعم أنه ابن عُيَينة، ووقع التصريح بسماع الأسود من جندب في طريق زهير عنه في التفسير: أخرجه في رواية محمد بن كثير هذه بلفظ: "احتبس جبريل"، ووافق أبا نعيم على الرواية الأولى أبو أُسامة عند أبي عُوانة، ووافق محمدَ بن كثير على هذه وكيعٌ عند الإسماعيليّ، ورواية زهير الآتية في التفسير كرواية أبي نعيم، إلا أنه قال فيها: "فلم يقم ليلة أو ليلتين أو ثلاثًا" ورواية ابن عُيينة عن الأسود عند مسلم، كرواية محمد بن كثير، فالظاهر أن الأسود حدّث به على الوجهين، فحمل عنه كل واحد ما لم يحمله الآخر، وحمل عنه سفيان الثَّوري كلًا من الأمرين، فحدّث به مرة هكذا، ومرة هكذا. وقد رواه شُعبة عن الأسود بلفظ آخر أخرجه المصنف في التفسير، قال: قالت امرأة: "يا رسول الله، ما أرى صاحبك إلاَّ أبطأَ عنك" والمرأة المذكورة في حديث الباب هي أُم جميل العَوْراء، بنت حَرْب بن أُمية أخت أبي سفيان بن حرب، وامرأة أبي لهب، كما روى الحاكم عن زيد بن أرقم قال: قالت امرأة أبي لهب لما مكث النبي ﷺ أيامًا لم ينزل عليه الوحي: يا محمد، ما أرى شيطانك إلا قد قَلَاك. فنزلت: ﴿وَالضُّحَى﴾. رجاله ثقات، وفي تفسير الطبريّ عن المفضل بن صالح عن الأسود في حديث الباب فقالت امرأةٌ من أهله أو من قومه، ولا شك أن أُمَّ جميل من قومه؛ لأنها من بني عبد مناف. وعند ابن عساكر أنها إحدى عَمّاته، ومستنده في ذلك ما أخرجه قيس بن الربيع في مسنده عن الأسود بن قيس راويه، وأخرجه الغِرْيابيّ شيخ البخاريّ في تفسيره عنه، ولفظه: "فأتته إحدى عمّاته أو بنات عمه، وقالت: إني لأرجو أن يكون شيطانك قد وَدَّعك" وهذه المرأة القائلة: "شيطانك" غير المذكورة عند مسلم والنَّسائي السابقة؛ لأن هذه، أعني التي عند مسلم، عبّرت بقولها: "صاحبك" ونلك عبّرت بقولها: "شيطانك" وهذه عبّرت بقولها: "يا رسول الله" والتي في الباب عبّرت بقولها: "يا محمد" وسياق الأولى يشعر بأنها قالته تاسفًا وتوجعًا، وسياق التي في الباب يشعر بأنها قالته تهكمًا وشماتة. وقد حكى ابن بطّال عن تفسير بَقِيّ بن مَخْلَد قال: قالت خديجة للنبي ﷺ ، حين أبطأ عليه الوحي: إنَّ ربك قد قلاك، فنزلت: ﴿وَالضُّحَى﴾. وتعقبه ابن المنير ومن تبعه بالإنكار؛ لأن

стр. 5044

خديجة قوية الإيمان، لا تليق نسبة هذا القول إليها، لكن إسناد ذلك قويّ أخرجه إسماعيل القاضي في أحكامه، والطبرىّ في تفسيره، وأبو داود في أعلام النبوءة، له كلهم عن عبد الله بن شداد بن الهاد، وهو من صغار الصحابة، والسند إليه صحيح، وأخرجه أبو داود عن هشام بن عُروة عن أبيه عن عائشة، لكن ليس عند أحد منهم أنها عبّرت بشيطانك، وهذه هي اللفظة المستنكرة في الحديث. وفي رواية إسماعيل وغيره "ما أرى صاحبك" بدل "ربك"، والظاهر أنها عنت بذلك جبريل. قاله في "الفتح". قلت: هذا كله لا يرد إنكار ابن المنير؛ لأن خديجة رضي الله تعالى عنها معلومّ ما عندها من اليقين والثبات، وما ثبتت به النبي ﷺ غير ما مرة، كما ثبت في الصحيح وغيره، فيستحيل أن يصدر منها أن ربك أو أن صاحبك قد قَلَاك، فهذا لا يصدر من موحِّد، فضلًا عن خديجة رضي الله تعالى عنها. فيجب أن تنزه عن هذا، ولو ورد بأصح الأسانيد. وأغرب سُنَيد بن داود فروى في تفسيره عن وَكيع عن هشام بن عُروة عن أبيه أن عائشة قالت للنبي ﷺ ، وغلط في ذلك، فقد رواه الطبري عن وكيع، فقال فيه: قالت خديجة .. ، وكذلك أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي معاوية عن هشام. واستشكل أبو القاسم بن الورد مطابقة حديث جُنْدُب الأخير للترجمة، وتبعه ابن التين، فقال: احتباس جبريل ليس ذكره في هذا الباب في موضعه، والجواب أن المصنف أراد أن ينبه على أن الحديث واحد، لاتحاد مخرجه، وإن كان السبب مختلفًا، لكنه في قصة واحدة كما مرَّ. وقد وقع في رواية قيس بن الربيع الماضية "فلم يطق القيام وكان يحب التهجد". وقوله: "أبطأ عليه" أي: تأخر عنه، وفي رواية شُعبة في التفسير "أبطاك" أي صَيَّرَكَ بطيئًا في القراءة؛ لأن بطأه في الإقراء يستلزم بطء الآخر في القراءة. وقوله ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ قرىء وَدَّعك بالتشديد والتخفيف، وهما بمعنى واحد: ما تركك ربك؛ لأن التوديع مبالغة في الوَدْع؛ لأن من ودعك مفرقًا فقد بالغ في تركك، وقراءة التشديد هي قراءة الجمهور، وقراءة التخفيف قراءة عُروة وابنه هشام وابن أبي عبلة، وقراءة التخفيف شاذة؛ لأن العرب أَماتوا ماضي يدع. وقوله: ﴿وَمَا قَلَى﴾ أي: وما قلاك، وما أبغضك، من القِلى، بكسر القاف وتخفيف اللام، وهو البغض، فإن فتحت القاف مددت، تقول قلاه بقلبه قِلى وقَلاء، ويَقلاه لغة طيء، وإنما حذف المفعول حيث لم يقل: "وما قلاك" رعاية للفواصل. وقد ورد في سبب نزول هذه الآية غير ما تقدم، ففي الطبرانيّ بإسناد فيه مَنْ لا يُعرف، أن سبب نزولها وجود جرو كلبٍ تحت سريره ﵊، ولم يشعر به، فأبطأ عنه جبريل لذلك، وقصة إبطاء جبريل بسبب كون الكلب تحت سريره مشهورة، لكن كونها سبب نزول هذه الآية غريب، وهو شاذ مردود بما في الصحيح. وورد أيضًا في سبب النزول ما أخرجه الطبريّ عن ابن عبّاس قال: لما نزل على رسول الله ﷺ القرآنُ أبطأَ عنه جبريل أيامًا، فتغير بذلك، فقالوا: ودعه ربه وقلاه، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وعن إسماعيل مولى آل الزبير قال: فَتَر

стр. 5045

الوحي حتى شقَّ على النبي، ﷺ ، ذلك وأحزنه، فقال: لقد خشيتُ أن يكون صاحبي قد قلاني، فجاء جبريل بسورة والضحى. وذكر سليمان التيمي في السيرة التي جمعها، قال: فَتَر الوحي، فقالوا: لو كان من عند الله لتتابع، ولكن الله قلاه، فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى﴾ و ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ بكمالهما. وكل هذه الروايات لا تثبت، والحق أن الفترة المذكورة في سبب نزول: ﴿وَالضُّحَى﴾ غير الفترة المذكورة في ابتداء الوحي، فإن تلك دامت أيامًا، وهذه لم تكن إلا ليلتين أو ثلاثًا فاختلطتا على بعض الرواة. وفي سيرة ابن إسحاق في سبب نزول: ﴿وَالضُّحَى﴾ شيء آخر، فإنه ذكر أن المشركين لما سألوا النبي ﷺ عن ذي القرنين والروح وغير ذلك، ووعدهم بالجواب، ولم يستثن فأبطأ عليه جبريل اثنتي عشرة ليلة أو أكثر، فضاق صدره، وتكلم المشركون، فنزل جبريل بسورة: ﴿وَالضُّحَى﴾، وبجواب ما سألوا، وبقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وذكر سورة الضحى هنا بعيد جدًا، لكن يجوز أن يكون الزمان في القصتين متقاربًا، فضم بعض الرواة إحدى القصتين إلى الأخرى، وكل منهما لم يكن في ابتداء البَعْث، وإنما كان بعد ذلك بمدة. رجاله أربعة: مرّ محمد بن كثير في الثاني والثلاثين من العلم، ومرّ محل الثلاثة الباقية في الذي قبله. ثم قال المصنف:

стр. 5046

باب تحريض النبي ﷺ على قيام الليل والنوافل من غير إيجاب قوله: تحريض النبي يعني أُمته أو المؤمنين على قيام الليل، وفي رواية الأصيلي وكريمة "صلاة الليل والنوافل" من غير إيجاب، قال ابن المنير: اشتملت الترجمة على أمرين: التحريض ونفي الإيجاب، فحديث أُم سَلَمة وعليّ للأول، وحديث عائشة للثاني بل يؤخذ من الأحاديث الأربعة نفي الإيجاب، ويؤخذ التحريض من حديثي عائشة من قولها: "كان يدع العمل وهو يحبه"؛ لأن كل شيء أحبه استلزم التحريض عليه، لولا ما عارضه من خشية الافتراض، ويحتمل أن يكون مراد البخاري بقوله: "قيام الليل" ما هو أعم من الصلاة والقراءة والذكر وسماع الموعظة والتفكر في الملكوت وغير ذلك، ويكون قوله: "والنوافل" من عطف الخاص على العام، وهذا على رواية الأكثر، لا على رواية كريمة والأصيلي. وقال ابن رشيد: كأنّ البخاري فهم أن المراد بالإيقاظ الإيقاظ للصلاة، لا لمجرد الإخبار بما أنزل؛ لأنه لو كان لمجرد الإخبار لكان يمكن تأخيره إلى النهار؛ لأنه لا يفوت، وهذا هو المعتمد، وقد وقع في رواية عُشيب عن الزُّهري عند المصنف في الأدب وغيره في هذا الحديث: "مَنْ يوقظ صَواحب الحُجَر" يريد أزواجه، حتى يصلين، فظهرت مطابقة الحديث للترجمة، وإن فيه التحريض على صلاة الليل، وعدم الإيجاب يؤخذ من ترك إلزامهن بذلك، وجرى البخاري على عادته في الحوالة على ما ورد في بعض طرق الحديث الذي يورده. ثم قال: وطرق النبي ﷺ فاطمة وعلياً، ﵉، ليلةً للصلاة، وهذا التعليق ذكره عُقيب هذا موصولًا، وفاطمة الزهراء قد مرّت في الخامس والمئة من الوضوء، ومرّ علي في السابع والأربعين من العلم. الحديث السادس حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَيْقَظَ لَيْلَةً فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْفِتْنَةِ، مَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الْخَزَائِنِ مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ، يَا رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ. قوله: "مَنْ يُوقِظُ صواحب الحُجَر" مرّ قريبًا أن البخاري فهم أنه للصلاة، ويحتمل أن يقال إن

стр. 5047

لمشاهدة حال المخبر حينئذ إثرًا لا يكون عند التأخير، فيكون الإيقاظ في الحال أبلغ، لوعيهن ما يخبرهن به ولسمعهن ما يعظهن به. وهذا الحديث قد مرّ في باب العلم والعظة بالليل، ومرّ استيفاء الكلام عليه هناك بما لا مزيد عليه. رجاله ستة: مرّوا، مرّ محمد بن مقاتل في السابع من العلم، ومرّ ابن المبارك في السادس من بدء الوحي، ومعمر في متابعة بعد الرابع منه والزهري في الثالث منه، وهند بنت الحارث وأُم سلمة في السادس والخمسين من العلم. الحديث السابع حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ بِنْتَ النَّبِيِّ ﵇ لَيْلَةً فَقَالَ: أَلاَ تُصَلِّيَانِ؟. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا. فَانْصَرَفَ حِينَ قُلْنَا ذَلِكَ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا. ثُمَّ سَمِعْتُهُ وَهْوَ مُوَلٍّ يَضْرِبُ فَخِذَهُ وَهْوَ يَقُولُ: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾. قوله: علي بن حسين هو زين العابدين، وهذا من أصح الأسانيد، ومن أشرف التراجم الواردة فيمن روى عن أبيه عن جده، وحكى الدارقطني أنّ كاتب الليث رواه عن الليث عن عَقيل عن الزُّهريّ، فقال عن علي بن الحسين عن الحسن بن عليّ، وكذا في رواية حجاج بن أبي منيع عن جده عن الزُّهريّ في تفسير ابن مَرْدَوَيه، وهو وهم، والصواب عن الحسين، ويؤيده رواية حكيم بن حكيم عن الزُّهريّ عن علي بن الحسين عن أبيه، أخرجها النَّسائي والطبري. وقوله: "طرقه وفاطمة" بالنصب على الضمير، والطروق الإتيان بالليل، وعلى هذا فقوله: "ليلة" للتأكيد، وحكى ابن فارس أن معنى طرق أتى، فعلى هذا يكون قوله: "ليلة" لبيان وقت المجيء، قلت: ويؤيد هذا قوله في الحديث: "ولا يطرقهم ليلًا" فإن التقييد بالليل دال على أن الطروق هو الإتيان مطلقًا، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: "ليلة" أي: مدة واحدة. وقوله: "ألا تصليان؟ " قال ابن بَّطال: فيه فضيلة صلاة الليل، وإيقاظ النائمين من الأهل والقرابة لذلك. وفي رواية حكيم بن حكيم المذكورة "ودخل النبيّ ﷺ ، على عليّ وفاطمة من الليل فأيقظنا للصلاة، ثم رجع إلى بيته، فصلّى هويًا من الليل، فلم يسمع لنا حسًا، فرجع إلينا فأيقظنا، الحديث. قال الطبريَّ: لولا ما علم النبي ﷺ ، من عظم فضل الصلاة بالليل، ما كان يزعج ابنته وابن عمه في وقت جعله الله سكنا لخلقه، لكنه اختار لهما إحراز تلك الفضيلة على الدعة والسكون، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ الآية.

стр. 5048

وقوله: "أنفسنا بيد الله" اقتبس ذلك من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ الآية. وفي رواية حكيم المذكورة قال علي: فجلست وأنا أعرك عيني، وأنا أقول: والله لا نصلي إلا ما كتب الله لنا، إنما أنفسنا بيد الله. وفيه إثبات المشيئة لله، وأن العبد لا يفعل شيئًا إلا بإرادة الله تعالى. وقوله: "بَعثَنَا" بالمثلثة، أيقظنا، وأصله إثارة الشيء عن موضعه، وقوله: "حين قلت" في رواية كريمة: "حين قلنا" وقوله: "ولم يرجع" بفتح أوله، أي: لم يجبني، وفيه أن السكوت يكون جوابًا، والإعراض عن القول الذي لا يطابق المراد، وإن كان حقاِّ في نفسه. وقوله: "يضرب فخذه" فيه جواز ضرب الفخذ عند التأسف، وقال ابن التين: كره احتجاجه بالآية المذكورة، أي الاقتباس منها، وأراد منه أن ينسب التقصير إلى نفسه، وفيه جواز الانتزاع من القرآن، وترجيح قول مَنْ قال: إن اللام في قوله: "وكان الإنسان" للعموم لا لخصوص الكافر، وفيه مَنْقَبة لعلي، حيث لم يكتم ما فيه عليه أدنى غضاضة، فقدم مصلحة نشر العلم وتبليغه على كتمه. وقال المهلب فيه: أنه ليس للإمام أن يشدد في النوافل، حيث قنع ﷺ بقول علي، رضي الله تعالى عنه: أنفسنا بيد الله؛ لأنه كلام صحيح في العذر عن التنفل، ولو كان فرضًا ما عذره. قال: وأما ضربه فخذه وقراءة الآية، فدالٌ على أنه ظن أنه أحرجهم، فندم على إنباههم كذا قال: وأقره ابن بطَّال، وليس بواضح، وما تقدم أَوْلى. وقال النوويُّ: المختار أنه ضرب فخذه تعجبًا من سرعة جوابه، وعدم موافقته له على الاعتذار بما اعتذر به. رجاله ستة: وفيه ذكر فاطمة البَتول، وقد مرّ الجميع، مرّ أبو اليَمان وشُعيب في السابع من بدء الوحي والزُّهريّ في الثالث منه، ومرّ محل فاطمة وعلي في تعليق قبله بحديث، ومرّ علي بن الحسين في الخامس من الغُسل، وأبوه الحسين في الثامن والثمانين من الوضوء. فيه التحديث بالجمع والإخبار بالجمع والإفراد والعنعنة، ورواته حُمْصِيَّان والبقية مدنيون، ورواية التابعيّ عن التابعيّ، ورواية الصحابيّ عن الصحابيّ، ورواية الابن عن أبيه عن جده. أخرجه البخاري أيضًا في الاعتصام والتوحيد والتفسير، ومسلم في الصلاة، والنَّسائيّ فيها وأعاده في التفسير. الحديث الثامن حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَدَعُ الْعَمَلَ وَهْوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ، وَمَا سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ، وَإِنِّي لأُسَبِّحُهَا. زاد فيه مالك في الموطأ "قالت: وكان يحب ما خف على الناس" وهذا الحديث مشتمل على

стр. 5049

حديثين: أحدهما صلاة الضحى، والثاني ترك العمل خشية افتراضه، أما صلاة الضحى فقد مرَّ استيفاء الكلام عليها عند حديث أُم هانىء أوائل كتاب الصلاة، في باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفًا به، ومرّ الكلام على الثاني مستوفى أيضًا غاية عند ذكر حديثها الثاني هنا، من رواية عمرة عنها قبيل أبواب صفة الصلاة، في باب "إذا كان بين الإِمام وبين القوم حائط أو سترة". وقوله: "إنْ كان" بكسر همزة إن، وهي المخففة من الثقيلة، وفيها ضمير الشأن. وقولِه: "لَيدع" بفتح اللام، أي: يترك. وقوله: "خشيةَ" بالنصب متعلق بقوله: "لَيدع"، وقوله: "فَيُفْرَضَ" بالنصب عطفًا على يعمل إلى آخر ما مرّ في الباب المذكور. رجاله خمسة: قد مرّوا في الثاني من بدء الوحي إلا الزُّهريّ مرّ في الثالث منه. الحديث التاسع حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : صَلَّى ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَصَلَّى بِصَلاَتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ صَلَّى مِنَ الْقَابِلَةِ فَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلاَّ أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ. قوله: " ثم صلّى من القابلَةِ أي: من الليلة المقبلة، وهو لفظ معمر عن ابن شهاب عند أحمد، وفي رواية المستملي: "ثم صلّى من القابل" أي: الوقت، وقوله: "ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة" كذا رواه مالك بالشك، إلى آخر ما مرّ مستوفى عند ذكر هذا الحديث من رواية عمرة في الباب المذكور قريبًا. رجاله خمسة: وهم عين الرجال الذي قبله. ثم قال المصنف:

стр. 5050

باب قيام النبي ﷺ اللَّيل كذا للكشميهنيّ من طريقين عنه، وزاد في رواية كريمة: "حتى ترم قدماه" وللباقين: "قيام الليل للنبي ﷺ ". ثم قال: "وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: كان يقوم حتى تفطر قدماه" والفطور الشقوق؛ انفطرت: انشقت. قوله: "كان يقوم" كذا للكشميهنيّ، ولغيره "قام رسول الله ﷺ " وقوله: "تفطر" بتاء واحدة. وفي رواية الأصيلي: تتفطر، بمثناتين، كذا ذكره أبو عبيدة في المجاز. وقوله: انفطرت، انشقت، هذا التفسير رواه ابن أبي حاتم موصولًا عن الضَّحَّاك. قال: ورُوي عن مُجاهِد والحسن وغيرهما ذلك، وكذا حكاه إسماعيل بن أبي زياد الشاميّ عن ابن عباس. وتعليق عائشة هذا أخرجه البخاري في التفسير في سورة الفتح، وعائشة مرّ كلها في الذي قبله. الحديث العاشر حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ عَنْ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ ﵁ يَقُولُ: إِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَيَقُومُ لِيُصَلِّيَ حَتَّى تَرِمُ قَدَمَاهُ أَوْ سَاقَاهُ، فَيُقَالُ لَهُ فَيَقُولُ أَفَلاَ أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا. قوله: عن زياد هو ابن عُلاقة، وللمصنف في الرِّقاق عن خَلاّد بن يحيى عن مِسْعَر: حدّثنا زياد، فقد رواه الحُفّاظ من أصحاب مِسْعَر عنه عن زياد، وخالفهم محمد بن بشر فرواه عن مسعر عن قتادة عن أنس، رواه البزّار وقال: الصواب عن مسعر عن زياد، وأخرجه الطبراني في الكبير عن أبي قتادة الحراني عن مسعر عن علي بن الأقمر عن أبي جحيفة، وأخطأ فيه أيضًا، والصواب مسعر عن زياد بن عُلاقة. وقوله: "إن كان لَيقوم أو ليصلي" إن مخففة من الثقيلة، ولَيقوم بفتح اللام، وفي رواية كريمة: "ليقوم يصلي" وفي حديث عائشة: "كان يقوم من الليلة وقوله: "حتى تَرِمَ" بفتح المثناة وكسر الراء وتخفيف الميم، بلفظ المضارع من الورم، هكذا سُمع، وهو نادر. وفي رواية خلاّد بن يحيي: "حتى تَرِمَ أو تنتفخ قدماه"، وفي رواية أبي عُوانة عن زياد عن التِّرْمِذِيّ: "حتى انتفخت قدماه". وقوله: "قدماه أو ساقاه" وفي رواية خلّاد: "قدماه" ولم يشك، وللمصنف في تفسير الفتح حتى تورمت قدماه، وللنَّسائيّ عن أبي هُريرة: "حتى تَزَلَّع قدماه" بزاي وعين مهملة، ولا اختلاف بين

стр. 5051

الروايات، فإنه إذا حصل الانتفاخ والورم حصل الزلع والتشقق. وقوله: "فيقال له" لم يذكر المقول، ولم يسم القائل. وفي تفسير الفتح فقيل له: غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. وفي رواية أبي عُوانة فقيل له: "أنتكلف هذا" وفي حديث عائشة، فقالت له عائشة: "لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك؟ " وفي حديث أبي هريرة عند البَزَّار، فقيل له: "تفعل هذا وقد جاءك من الله أن قد غفر لك؟ " وقوله: أفلا أكون، في حديث عائشة: "أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا" وزادت فيه: "فلما كثر لحمه صلى جالسًا" الحديث، وإلغاء في قوله: "أفلا أكون" للسببية، وهي عن محذوف تقديره: أأترك تهجدي فلا أكون عبدًا شكورًا، والمعنى أن المغفرة سبب لكون التهجد شكرًا، فكيف أتركه؟ قيل: أخرج البخاري هذا الحديث لينبه على أن قيام جميع الليل غير مكروه، ولا تعارضه الأحاديث الآتية بخلافه؛ لأنه يُجمع بينهما بأنه ﷺ لم يكن يداوم على قيام جميع الليل، بل كان يقوم وينام، كما أخبر عن نفسه، وأخبرت عنه عائشة. قال ابن بطّال في هذا الحديث: أخذ الإنسان على نفسه بالشدة في العبادة، وإن أضر ذلك ببدنه؛ لأنه ﷺ ، إذا فعل ذلك مع علمه بما سبق له، فكيف بمن لم يعلم ذلك؟ فضلًا عمن لم يأمن أنه استحق النار؟ ومحل ذلك ما لم يفض إلى المَلال؛ لأن حال النبي ﷺ ، كانت أكمل الأحوال، فكان لا يمل من عبادة ربه، وإن أضرذلك ببدنه، بل صح أنه قال: "وجُعِلتْ قُرَّة عيني في الصلاة" كما أخرجه النَّسَائيّ عن أنس، فأما غيره ﷺ ، فإذا خشي الملل، لا ينبغي له أن يكره نفسه، وعليه يحمل قوله ﷺ "خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يَمل حتى تملوا". وفيه مشروعية الصلاة للشكر، وفيه أن الشكر يكون بالعمل كما يكون باللسان، كما قال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ وقال القُرطبيّ: ظن مَنْ سأله عن سبب تحمله المشقة في العبادة أنه إنما يعبد الله خوفًا من الذنوب وطلبًا للمغفرة والرحمة، فمن تحقق أنه غفر له لا يحتاج لذلك، فأفادهم أن هناك طريقًا آخر للعبادة، وهي الشكر على المغفرة، وإيصال النعمة لمن لا يستحق عليه فيها شيئًا. فيتعين كثرة الشكر على ذلك، والشكر الاعتراف بالنعمة والقيام بالخدمة، فمن كثر ذلك منه سمي شكورًا، ومن ثم قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ والشكور من أبنية المبالغة يستدعي نعمة خطيرة، وتخصيص العبد بالشكر مشعر بغاية الإكرام والقرب من الله تعالى، ومن ثم وصفه به في مقام الإِسراء، ولأن العبود ية تقتضي صحة النسبة، وليست العبادة إلاَّ عين الشكر. وفيه ما كان عليه النبي ﷺ من الاجتهاد في العبادة، والخشية من ربه قال العلماء: إنما ألزم الأنبياء أنفسهم بشدة الخوف، لعلمهم بعظيم نعمة الله تعالى عليهم، وأنه ابتدأهم بها، فبذلوا مجهود هم في عبادته، ليؤدوا بعض شكره، مع أن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد. رجاله أربعة: قد مرّوا، مرّ أبو نعيم في الخامس والأربعين من الإِيمان، ومرّ زياد بن عُلاقة والمُغيرة بن شُعبة

стр. 5052

في الحادي والخمسين منه، ومرّ مِسْعَر بن كدام في السادس والستين من الوضوء. فيه التحديث بالجمع والعنعنة والسماع والقول، ورواته كلهم كوفيون، وهو من الرباعيات. أخرجه البخاري أيضًا في الرقاق وفي التفسير، ومسلم في أواخر الكتاب، والتِّرمذيّ وابن ماجه في الصلاة، والنَّسائي فيها وفي التفسير. ثم قال المصنف:

стр. 5053

باب مَنْ نام عند السَحر أي: بالتحريك في رواية الأصيلي والكشميهنيّ السَحُور بفتح السين وضم الحاء ما يتسحر به ولا يكون إلا قبيل الصبح بقليل فلكل منها وجه والأول أوجه. الحديث الحادي عشر . حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: أَحَبُّ الصَّلاَةِ إِلَى اللَّهِ صَلاَةُ دَاوُدَ ﵇ وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا. قوله: "أحب الصلاة إلى الله صلاة داود" قال المهلب: كان داود ﵇ يجم نفسه بنوم أول الليل، ثم يقوم في الوقت الذي ينادي الله تعالى فيه: هل من سائل فأعطيه سؤله؟ ثم يستدرك بالنوم ما يستريح به من نصب القيام في بقية الليل، وهذا هو النوم عند السَحر كما ترجم به المصنف، وإنما صارت هذه الطريقة أحب من أجل الأخذ بالرفق للنفس، التي يخشى منها السآمة، وقد قال ﷺ : "إن الله لا يمل حتى تملوا" والله يحب أن يديم فضله، ويوالي إحسانه، وإنما كان ذلك أرفق؛ لأن النوم بعد القيام يريح البدن، ويذهب خور السهر، وذبول الجسم، بخلاف السهر إلى الصبح. وفيه من المصلحة أيضًا، استقبال صلاة الصبح، وأذكار النهار بنشاط وإقبال، وأنه أقرب إلى عدم الرياء؛ لأن مَنْ نام السدس الأخير أصبح ظاهر اللون سليم القوى، فهو أقرب إلى أن يخفى عمله الماضي على مَنْ يراه، أشار إلى هذا ابن دقيق العيد. قال ابن رشيد: الظاهر من سياق حديث عبد الله بن عمر مطابقة ما ترجم له، إلا أنه ليس نصًا فيه، فبينه بالحديث الثالث، وهو قول عائشة ما ألفاه السحر عندي إلا نائمًا. قلت: انظر كيف التوفيق بين ما ترجم له البخاري من فضل النوم عند السَحر للقائم ليله، وما ذكر فيه من الأحاديث. وبين ما في القرآن من مدح الله تعالى للقائمين المستغفرين بالأسحار كقوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ فقد قال المفسرون: خصت الأسحار بالذكر لأنها وقت الغفلة ولذة النوم، وقالوا عند الآية الأخيرة، وفي بناء الفعل على الضمير، إشعارٌ بأنهم الأحقاء بالاستغفار دون غيرهم، لكمال خشيتهم، والسَحر

стр. 5054

السدس الأخير من الليل، أي فكيف يخص أهل الأسحار بالمدح من بين القائمين بالليل، ويكون الأفضل النوم فيه والقيام فيما قبله؟ وحكى بعض القوم أن معنى قوله: "أحب الصلاة" هو بالنسبة إلى مَنْ حاله مثل حال المخاطب بذلك، وهو مَنْ يشق عليه قيام أكثر الليل، وعمدة هذا القائل اقتضاء القاعدة: زيادة الأجر بزيادة العمل، لكن يعارضه هنا اقتضاء العادة والجِبِلّة: التقصير في حقوق يعارضها طول القيام، ومقدار ذلك الفائت مع مقدار الحاصل من القيام غير معلوم لنا، فالأولى أن يجري الحديث على ظاهره وعمومه، وإذا تعارضت المصلحة والمفسدة، فمقدار تأثير كل واحد منهما في الحث أو المنع غير محقق لنا، فالطريق أننا نفوض الأمر إلى صاحب الشرع على ما دل عليه اللفظ، مع ما ذكرنا من قوة الظاهر. وقال ابن التين: ظاهره أنه في حق الأُمة، وأما النبي ﷺ ، فقد أمره الله تعالى بقيام أكثر الليل، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾ وفيه نظر؛ لأن هذا الأمر قد نسخ بقوله في آخر السورة: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ وقد تقدم في حديث ابن عباس: فلما كان نصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل، وهو نحو المذكور هنا، ويأتي بعد نحو ثلاثة أبواب أنه ﵊، لم يكن يجرى الأمر في ذلك على وتيرةٍ واحدة. قوله: "وأحب الصيام إلى الله صيام داود" يأتي فيه ما تقدم في الصلاة، وقوله: "ويصوم يومًا ويفطر يومًا"، قال ابن المنير: كان داود ﵊ يقسم ليله ونهاره، لحق ربه وحق نفسه، فاما الليل فاستقام له ذلك فيه، وأما النهار، فلما تعذر عليه أن يُجَزِّئه بالصيام؛ لأنه لا يتبعض، جعل عوضًا من ذلك أن يصوم يومًا ويفطر يومًا، فينزل ذلك منزلة التجزئة في شخص اليوم. وفي رواية ابن جريج عن عمرو بن دينار عند مسلم: "كان يرقد شطرَ الليل ثم يقوم ثلث الليل بعد شطره". قال ابن جريج: قلت لعمرو بن دينار: عمرو بن أوس هو الذي يقول: يقوم ثلث الليل؟ قال: نعم، وظاهره أن تقدير القيام بالثلث من تفسير الراوي، فيكون في الرواية الأولى إدراج، ويحتمل أن يكون قوله عمرو بن أوس ذكره، أي بسنده، فلا يكون مدرجًا. وفي رواية ابن جُريج من الفائدة ترتيب ذلك بثم، ففيه رد على مَنْ أجاز في حديث الباب أن تحصل السنة بنوم السدس الأول مثلًا، وقيام الثلث ونوم النصف الأخير، مستدلًا على ذلك بأن الواو لا ترتب، وإنما كان صيام داود أفضل؛ لأن من اعتاده لا يشق عليه، بل تضعف شهوته من الأكل، وتقل حاجته إلى الطعام والشراب نهارًا، ويألف تناوله بالليل، بحيث يتجدد له طبع زائد، بخلاف من يصوم يومًا ويفطر يومًا، فإنه ينتقل من فطر إلى صوم، ومن صوم إلى فطر. وقد نقل الترمذي عن بعض أهل العلم إنه أشق الصيام، ويأمن مع ذلك غالبًا من تفويت الحقوق؛ لأن من أسباب تفويتها ضعف الجسد، ولا شك أن سرد الصوم ينهكه، وعلى ذلك يحمل

стр. 5055

قول ابن مسعود فيما رواه سعيد بن منصور بإسناد صحيح عنه أنه قيل له: إنك تقل الصيام، فقال: إني أخاف أن يضعفني عن القراءة، والقراءة أحب إليّ من الصيام، نعم إنْ فُرِض أن شخصًا لا يفوته شيء من الأعمال الصالحة بالصيام أصلًا، ولا يفوت حقًا من الحقوق التي خوطب بها، لم يبعد أن يكون في حقه أرجح، وإلى ذلك أشار ابن خُزيمة، فترجم الدليل على أن صيام داود إنما كان أعدل الصيام، وأحبه إلى الله تعالى؛ لأن فاعله يؤدي حق نفسه وأهله وزائره أيام فطره، بخلاف مَنْ يتابع الصوم. وهنا يشعر بأن مَنْ لا يتضرر في نفسه، ولا يفوت حقًا، أن يكون أرجح، وعلى هذا فيختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأحوال، فمن يقتضي حاله الإكثار من الصوم أكْثَرَ منه، ومَنْ يقتضي حاله الإكثار من الإفطار أكثر منه، ومَنْ يقتضي حاله المزج فعله، حتى أن الشخص الواحد قد تختلف عليه الأحوال في ذلك، وإلى هذا أشار الغزاليّ أخيرًا. رجاله خمسة: مرّ منهم عليّ بن المدِينىّ في الرابع عشرمن العلم، ومرّ ابن عُيينة في الأول من بدء الوحي، ومرّ عمرو بن دينار في الرابع والخمسين من العلم، ومرّ عبد الله بن عمرو في الثالث من الإيمان. والخامس: عمرو بن أوس بن أبي أوس، واسمه حُذيفة الثَّقفيّ الطائفيّ، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو هريرة: تسألوني وفيكم عمرو بن أوس؟ ذكره مسلم في الطبقة الأولى من التابعين، وذكره ابن مَنْدَة في الصحابة، وأورد حديثًا عن عثمان بن عمرو بن أوس عن أبيه، قال: قدمت على رسول الله ﷺ وفي وقد ثقيف، وفي إسناده وهم، والصواب أنه عن أبي عمرو أوس بن أبي أوس لا عن عمرو. روى عن أبيه والمغيرة وعبد الرحمن وأبي بكر الصديق وعبد الله بن عمرو بن العاص، روى عنه ابن أخيه عثمان بن عبد الله، وعمرو بن دينار، وأبو إسحاق السَّبِيعي وغيرهم. مات قبل سَعيد بن جُبير سنة تسعين. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإخبار بالإفراد، وشيخه مدنيّ، والبقية مكيُّون، ورواية التابعيّ عن التابعيّ، وعلى أن عمرو بن أوس صحابي تكون فيه. رواية صحابي عن صحابي، أخرجه البخاريّ في أحاديث الأنبياء، ومسلم في الصوم، وكذا أبو داود وابن ماجه، والنَّسائيّ في الصوم وفي الصلاة. الحديث الثاني عشر حَدَّثَنِي عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَشْعَثَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ مَسْرُوقًا قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂: أَيُّ الْعَمَلِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى

стр. 5056

النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَتِ: الدَّائِمُ. قُلْتُ: مَتَى كَانَ يَقُومُ؟ قَالَتْ: يَقُومُ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ. قوله: "قالت الدائم" أي: المواظبة العرفية. وقوله: "الصارخ" أي: الديك، وفي مسند الطيالسيّ في هذا الحديث "الصارخ" والصرخة: الصيحة الشديدة، وجرت العادة بأن الديك يصيح عند نصف الليل غالبًا، قاله محمد بن ناصر. وقال ابن التين: هو موافق لقول ابن عباس: "نصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل، وقال ابن بطال: الصارخ يصرخ عند ثلث الليل، وكان داود يتحرى الوقت الذي ينادي الله فيه "هل من سائل كذا" قال: والمراد بالدوام قيامه كل ليلة في ذلك الوقت، لا الدوام المطلق. وروى الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه عن زَيد بن خالد الجُهنيّ أن النبيّ ﷺ قال: "لا تَسُبّوا الديك، فإنه يوقظ للصلاة" وإسناده جيد، وفي لفظ "فإنه يدعو إلى الصلاة" وليس المراد أن يقول بصراخه حقيقة الصلاة، بل العادة جرت أنه يصرخ صرخات متتابعة عند طلوع الفجر، وعند الزوال، فطرة فطره الله عليها، فيذكر الناس بصراخه الصلاةَ. وفي معجم الطبرانيّ عن النبي ﷺ قال: "إن لله ديكًا أبيض، جناحاه مُوشَّيان بالزَّبَرجد والياقوت واللؤلؤ، جناح بالمشرق وجناح بالمغرب، رأسه تحت العرش، وقوائمه في الهواء، يؤذن في كل سَحر، فيسمع تلك الصيحة أهل السموات والأرضين، إلاَّ الثّقلين: الجن والإنس، فعند ذلك تجيبه ديوك الأرض، فإذا دنا يوم القيمة قال الله تعالى: "ضُمَّ جناحيك، وغض صوتك، فيعلم أهل السموات والأرض إلا الثقلين، أن الساعة قد اقتربت". وعند الطّبرانيّ والبَيْهقيّ في الشعب عن محمد بن المُنكدر عن جابر أن النبي ﷺ قال: "إن لله ديكًا رجلاه في التخوم، وعنقه تحت العرش مطوية، فإذا كان هنيئة من الليل صاح: سُبّوح قُدّوس، فصاحت الدَّيَكَة" وهو في "كامل ابن عدي" في ترجمة علي بن علي اللُّهْبيّ قال: وهو يروي أحاديث منكرة عن جابر. وفي حديث الباب الاقتصاد "في العبادة، وترك التعمق فيها؛ لأن ذلك أنشط، والقلب به أشد انشراحًا. رجاله سبعة: وقد مرّوا، مرّ عُبدان في السادس من بدء الوحي، وعائشة في الثاني منه، ومرّ أبو عبدان عثمان بن جَبلة في الخامس والمئة من الوضوء، ومرّ شعبة في الثالث من الإيمان، مسروق في السابع والعشرين منه، ومرَّ أشعث وأبو الشعثاء في الثالث والثلاثين من الوضوء. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإخبار بالإفراد، والعنعنة والسماع، والقول والسؤال، ورواته ما بين مروزيّ وواسطيّ وكوفى ومدنيّ، ورواية الابن عن الأب في موضعين أخرجه البخاري هنا أيضًا وفي الرقاق، ومسلم في الصلاة، وكذا أبو داود والنَّسائيّ.

стр. 5057

الحديث الثالث عشر حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنِ الأَشْعَثِ قَالَ: إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ قَامَ فَصَلَّى. قوله: "عن الأشعث"، يعني بإسناده المذكور، وظن بعضهم أنه موقوف على أشعث فأخطأ، فقد أخرجه مسلم وأبو داود عن أبي الأحوص بهذا الإسناد بلفظ: "سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ فقلت لها: أي حين كان يصلي؟ قالت: إذا سمع الصارخ قام فصلى" لفظ أبي داود، وزاد مسلم في أوله: "كان يحب الدائم" وللإسماعيلىّ عن أبي الأحوص بالإسناد: سألت عائشة أي العمل كان أحب إلى رسول الله ﷺ ؟ قالت: أدومه. قال الإسماعيلي: لم يذكر البخاري في رواية أبي الأحوص بعد الأشعث أحدًا، وأفادت هذه الرواية ما كان يصنع إذا قام، وهو قوله: "قام فصلّى" بخلاف رواية شعبة، فإنها مجملة. وهذه رواية أخرى للحديث الأول. رجالها ثلاثة: مرّ محمد بن سلام البِيْكَنْدِيّ في الثالث عشر من الإيمان على أنه هو المراد بمحمد، ومرّ أبو الأحوص في العشرين من صفة الصلاة، والأشعث مرّ في الذي قبله، وقيل إنّ المراد بمحمد محمد بن سالم، وهو خطأ، فليس في أشياخ البخاري مَنْ اسمه محمد بن سالم، وقيل محمد بن يحيى المَرْوَزيّ، وهذا أيضًا خطأ؛ لأن البخاري لم يرو عنه. الحديث الرابع عشر حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ذَكَرَ أَبِي عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا أَلْفَاهُ السَّحَرُ عِنْدِي إِلاَّ نَائِمًا. تَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ . قوله: "ما ألفاه السحر" بالفاء: أي: وجده، والسحر مرفوع بأنه فاعل، والمراد بنومه بعد القيام الذي مبدؤه عند سماع الصارخ، جمع أبي نه وبين رواية مسروق التي قبلها. وقوله: "إلاَّ نائمًا" قال ابن التين: تعني مضطجعًا على جنبه؛ لأنها قالت في حديث آخر: "فإن كنت يقظانة حدثني، وإلاّ اضطجع" وتعقبه ابن رشيد بأنه لا ضرورة لحمل هذا التأويل؛ لأن السياق ظاهر في النوم حقيقة، وظاهر في المداومة على ذلك، ولا يلزم من إنه ربما لم ينم وقت السحر هذا التأويل، فدار الأمر بين حمل النوم على مجاز التشبيه، أو حمل التعميم على إرادة التخصيص، والثاني أرجح، وإليه ميل البخاري؛ لأنه ترجم بقوله: "من نام عند السحر"، ثم ترجم عقبه بقوله: "مَنْ تسحر فلم ينم، فأومأ إلى تخصيص رمضان من غيره، فكأن العادة جرت في جميع السنة بأنه كان ينام عند السحر إلا في

стр. 5058

رمضان، فإنه كان يتشاغل بالسحور في آخر الليل، ثم يخرج إلى صلاة الصبح عقبة. وقال ابن بطّال: النوم وقت السحر كان يفعله النبيّ ﷺ في الليالي الطوال، وفي غير شهر رمضان، كذا قال. ويحتاج في إخراج الليالي القصار إلى دليل، قلت: لو حمل النوم على الاضطجاع لالْتأم مع ما قدمته من مدح المستغفرين بالأسحار؛ لأن الاضطجاع لا ينافي الاستغفار، وزال ما قدمته من الإشكال. وقوله: "تعني النبي ﷺ ": في رواية مسلم: "ما ألفيَ رسول الله ﷺ السحرَ على فراشي، أو عندي إلا نائمًا" وأخرجه الإسماعيلي بلفظ: "ما ألفي النبي ﷺ عندي بالأسحار إلا وهو نائم"، وفي هذا التصريحُ برفع الحديث. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ موسى بن إسماعيل في الخامس من بدء الوحي، وأبو سَلَمة في الرابع منه، وعائشة في الثاني منه وإبراهيم بن سعد في السادس عشر من الإيمان، ومرّ أبوه سعد في السابع والأربعين من الوضوء. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواية الابن عن الأب، والرجل عن عمه، ورواية التابعيّ عن التابعيّ. أخرجه مسلم في الصلاة، وكذا أبو داود وابن ماجه. ثم قال المصنف:

стр. 5059

باب مَنْ تسحر فلم ينم حتى صلّى الصبح كذا للأكثر وللحموي والمستملي من تسحر ثم قام إلى الصلاة. الحديث الخامس عشر حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ﵁ تَسَحَّرَا، فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا قَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِلَى الصَّلاَةِ فَصَلَّى. قُلْنَا لأَنَسٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلاَةِ؟ قَالَ: كَقَدْرِ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً. قوله: "قام إلى الصلاة فصلى" هو ظاهر فيما ترجم له، والمراد بالصلاة صلاة الصبح، وقبلها صلاة الفجر. وهذا الحديث قد مرّ في باب وقت الفجر من مواقيت الصلاة، واستوفي الكلام عليه هناك. رجاله خمسة: قد مّروا، مرّ يعقوب بن إبراهيم في الثامن من الإيمان، ومرَّ رُوح بن عُبادة في الأربعين منه، ومرّ قتادة وأنس في السادس منه، ومرّ سعيد بن أبي عَرُوبة في الحادي والعشرين من الغُسل، ومرّ زيد بن ثابت في تعليق بعد الثاني والعشرين من كتاب الصلاة. ثم قال المصنف:

стр. 5060

باب طول القيام في صلاة الليل كذا للأكثر، وللحمويّ والمستملي: طول الصلاة في قيام الليل، وحديث الباب موافق لهذا؛ لأنه دال على طول الصلاة لا على طول القيام بخصوصه، إلاَّ أن طول الصلاة يستلزم طول القيام؛ لأن غير القيام، كالركوع مثلًا، لا يكون أطول من القيام، كما عرف بالاستقراء من صنيعه ﵊، ففي حديث الكسوف: "فركع نحوًا من قيامه" وفي حديث حُذيفة الآتي ذكره قريبًا نحوه، ومضى حديث عائشة قريبًا أن السجدة تكون قريبًا من خمسين آية، ومن المعلوم في غير هذه الرواية أنه كان يقرأ بما يزيد على ذلك. الحديث السادس عشر حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةً، فَلَمْ يَزَلْ قَائِمًا حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْرِ سَوْءٍ. قُلْنَا وَمَا هَمَمْتَ قَالَ: هَمَمْتَ أَنْ أَقْعُدَ وَأَذَرَ النَّبِيَّ ﷺ . قوله: "بأمر سوء" بإضافة أمر إلى سوء، وفي الحديث دليل على اختيار النبي ﷺ ، تطويل صلاة الليل. وقد كان ابن مسعود قويًا محافظًا على الاقتداء بالنبي ﷺ ، وما هم بالقعود إلا بعد طول كثير ما اعتاده، وقد مرّ عند حديث عائشة، آخر حديث من أبواب التقصير، ما قيل من الخلاف في فضل طول القيام، أو كثرة السجود. وفي الحديث أن مخالفة الإِمام في أفعاله معدودة في العمل السيء، وفيه تنبيه على فائدة معرفة ما بينهم من الأحوال وغيرها؛ لأن أصحاب ابن مسعود ما عرفوا مراده من قوله: "هممت بأمر سوء" حتى استفهموه عنه، ولم ينكر عليهم استفهامهم عن ذلك. وقد قال الدارقطنيّ: أن سليمان بن حَرْب تَفَرَّد برواية هذا الحديث عن شُعبة، وإنما هو من الأفراد والمقيدة، فإن مسلمًا أخرجه من طريق أخرى عن الأعمش. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ سليمان بن حرب في الرابع عشر من الإيمان، وشعبة في الثالث منه، وسليمان الأعمش في الخامس والعشرين منه، ومرّ أبو وائل في الحادي والأربعين منه، وعبد الله بن مسعود في أول أثر منه.

стр. 5061

لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواته ما بين بصريّ وواسطيّ وكوفيَّينْ، وفيه رواية التابعيّ عن التابعيّ. أخرجه مسلم وابن ماجه في الصلاة، والتِّرْمِذِيّ في الشمايل. الحديث السابع عشر حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : كَانَ إِذَا قَامَ لِلتَّهَجُّدِ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ. هذا الحديث قد مرّ في باب السواك في كتاب الوضوء ومرّ الكلام عليه هناك، واستشكل ابن بطال دخوله في هذا الباب، فقال: لا مدخل له هنا؛ لأن التسوك في صلاة الليل لا يدل على طول الصلاة. قال: ويمكن أن يكون ذلك من غلط الناسخ، فكتبه في غير موضعه، أو أن البخاريّ أعجلته المنية قبل تهذيب كتابه، فإن فيه مواضع مثل هذا تدل على ذلك. وقال ابن المنير: يحتمل أن يكون أشار إلى أن استعمال السواك يدل على ما يناسبه، من إكمال الهيئة والتأهب، وهو دليل طول القيام إذ التخفيف لا يتهيأ له هذا التهيؤ الكامل، وقال ابن رشيد: الذي عندي أن البخاري إنما أدخله لقوله: "إذا قام للتهجد"، أي إذا قام لعادته، وقد تبينت عادته في الحديث الآخر. ولفظ التهجد مع ذلك، مشعر بالسهر. ولا شك أن في التسوك عونًا على دفع النوم، فهو مشعر بالاستعداد للإطالة، وهذا أحسن التوجيهات. وقال البدر بن جُماعة: يظهر لي أن البخاريّ أراد بهذا الحديث استحضار حديث حذيفة الذي أخرجه مسلم، ولم يخرجه هو، لكونه على غير شرطه؛ فإما أن يكون أشار إلى أن الليلة واحدة، أو نبه بأحد حديثي حذيفة على الآخر. والذي أخرجه مسلم هو أنه صلّى مع النبي ﷺ ليلة، فقرأ البقرة وآل عمران والنساء في ركعة، "وكان إذا مرَّ بآية فيها تسبيح سبح، أو سؤال سأل، أو تعوُذ تَعوَّذ، ثم ركع نحوًا مما قام، ثم قام نحوًا مما ركع، ثم سجد نحوًا مما قام، وهذا إنما يتأتى في نحو ساعتين"، فلعله ﵊ أحيا تلك الليلة كلها وأما ما يقتضيه حاله في غير هذه الليلة، فإن في أخبار عائشة أنه كان يقوم قدر ثلث الليل، وفيها أنه كان لا يزيد على إحدى عشرة ركعة، فيقتضي ذلك تطويل الصلاة. وقيل: يحتمل أن يكون بيَّض الترجمة لحديث حذيفة، فضم الكاتب الحديث إلى الحديث الذي قبله، وحذف البياض. ولم يرتضِ العينيّ هذه الأجوبة كلها، وأجاب بجواب جاعلًا له من نفسه، وهو مأخوذ من جواب ابن رشيد المتقدم. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ حفص بن عمر في الثالث والثلاثين من الوضوء ومرّ خالد بن عبد الله الطَّحان في السادس والخمسين منه، ومرّ حَصِين بن عبد الرحمن في الثالث والسبعين من مواقيت الصلاة، ومرّ

стр. 5062

أبو وائل في الحادي والأربعين من الإيمان، ومرّ خذيفة بن اليَمان في تعليق بعد الثاني من العلم. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، وشيخ البخاري من أفراده بصريّ، وخالد واسطىّ، والباقيان كوفيان، والحديث أخرجه البخاري أيضًا في باب السواك في كتاب الوضوء. ثم قال المصنف:

стр. 5063

باب كيف صلاة ﷺ وكم كان النبي ﷺ يصلي باللَّيل الحديث الثامن عشر حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: إِنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ صَلاَةُ اللَّيْلِ؟ قَالَ: مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خِفْتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ. قوله: "مثنى مثنى" هذا هو الأفضل في حق الأُمة، لكونه أجاب به السائل، وأنه ﵊ صح عنه فعل الفصل والوصل، وهذا الحديث قد مرّ في باب الحلق، والجلوس في المسجد، وفي أول أبواب الوتر. وقد استوفي الكلام عليه في الموضع الأول. وذكرت بقية في الموضع الثاني. رجاله خمسة: قد مرّوا، وفيه لفظ رجل مبهم، مرّ أبو اليمان وشعيب في السابع من بدء والزُّهريّ في الثالث منه، وسالم بن عبد الله في السابع عشر من الإيمان وأبوه أوله قبل ذكر حديث منه. والرجل المبهم. مرّ الكلام عليه في أول أحاديث الوتر. الحديث التاسع عشر حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَمْرَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ صَلاَةُ النَّبِيِّ ﷺ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً. يَعْنِي بِاللَّيْلِ. هذا الحديث قد مرّ في باب قراءة القرآن بعد الحدث وغيره من كتاب الوضوء، وفي أوائل أبواب الوتر، وقد مرّ استيفاء الكلام عليه في الموضعين. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرّ مسدد ويحيى القطّان في السادس من الإيمان، ومرّ شُعبة في الثالث منه، ومرّ أبو جمرة الضبعىّ في السادس والأربعين منه، ومرّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي.

стр. 5064

الحديث العشرون حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ صَلاَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاللَّيْلِ. فَقَالَتْ سَبْعٌ وَتِسْعٌ وَإِحْدَى عَشْرَةَ سِوَى رَكْعَتَي الْفَجْرِ. رجاله سبعة: الأول: إسحاق غير منسوب، والصحيح أنه ابن راهَوَيه، وقد مرّ في تعليق بعد الحادي والعشرين من العلم، ومرّ عبيد الله بن موسى في الأول من الإيمان، ومرّ مسروق في السابع والعشرين منه، ومرّ إسرائيل بن يونس في السابع والستين من العلم، ومرّ أبو حَصِين في الحادي والخمسين منه، ومرّت عائشة في الثاني من بدء الوحي. والسابع: يحيى بن وثَاب الأسَدي، مولاهم، الكوفىّ المقرىء، ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال النَّسائيّ: ثقة، وقال الأعمش: كان يحيى بن وثّاب من أحسن الناس قراءة، وكان إذا قرأ لا يسمع في المسجد حركة، وقال أيضًا: كنت إذا رأيت يحيى بن وثّاب قد جاء قلت: هذا قد وقف للحساب يقول: أي رب، أذنبت كذا، أذنبت كذا، قد عفوت عني فلا أعود. وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة، وكان مقرىء أهل الكوفة. وقال ابن سعد: ثقة قليل الحديث، صاحب قرآن. وقال ابن مُعين وأبو زرعة: ثقة. وروى نَهْشل الأيادي عن أبيه قال: خرجت مع أبي موسى الأشعريّ إلى أصبهان، فبعث سراياه إلى قاسان، ففتحها وسبق أهلها، فكان منهم يَزْدَوَيه بن ماهَوَيه، فتى من أبناء أشرافها، فصار إلى ابن عباس، فسماه وثّابًا، وهو والد يحيى إمام أهل الكوفة في القرآن. وقال أبو محمد الأصبهانيّ: يقال: كان وثّاب من أهل قاسان، فوقع إلى ابن عباس، فأقام معه، فاستأذنه في الرجوع إلى قاسان، فأَذن له فرحل مع ابنه يحيى، فلما بلغا الكوفة قال له ابنه يحيى: إني مؤثرٌ حَظَّ العلم على حَظَّ المال، فأعطني الإذن في المقام، فأذن له فأقام بالكوفة، فصار إمامًا. وله أحاديث كثيرة، روى عن ابن عمر وابن عباس وعلقمة، وروى عنه أبو إسحاق السَّبيعيَّ وأبو إسحاق الشيبانيّ وأبو حَصِين الأَسَدي وغيرهم. مات سنة ثلاث ومئة. لطائف إسناده: فيه التحديث بالإفراد والإخبار بالجمع والعنعنة والسؤال والقول، وشيخ البخاريّ مروزيّ، والبقية كوفيون، وفيه ثلاثة من التابعين، وثلاثة بلا نسب، وواحد بالكناية.

стр. 5065

الحديث الحادي والعشرون حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنْهَا الْوِتْرُ وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ. وهذان الحديثان مرّ استيفاء الكلام عليهما عند الحديث الرابع من أبواب الوتر حديث عائشة، وقد ذكَرَ هذين الحديثين عُبَيد الله وهو ابن موسى، وقد روى البخاري عنه في هذين الحديثين المتوالين بواسطة، وبغير واسطة، وهو من كبار شيوخه، وكان أولهما لم يقع له سماعه منه. رجاله أربعة: قد مرّوا، مرّ عُبيد الله بن موسى وحَنْظَلة في الأول من الإيمان، ومرّ القاسم بن محمد في الحادي عشر من الغُسل، وعائشة في الثاني من بدء الوحي. لطائف إسناده: فيه التحديث والإخبار بالجمع والعنعنة والقول. أخرجه مسلم في الصلاة، وكذا أبو داود والنَّسائيّ. ثم قال المصنف:

стр. 5066

باب قيام النبي ﷺ باللّيل من نومه وما نسخ من قيام الليل وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) إِنَّ لَكَ في النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾. وقوله: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾. قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ أي: المتلفف في ثيابه، وروى ابن أبي حاتم عن عِكرمة عن ابن عباس قال: يا أيها المزمل، أيْ: يا محمد قد زُمِّلْتَ القرآن، وكأنَّ الأصل: يا أيها المتزمل، قلبت التاء زايًا، وأدغمت في الأخرى. وقوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ كأنه يشير إلى ما أخرجه مسلم عن عائشة قالت: إن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة، يعني: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ فقام نبي الله ﷺ وأصحابه، حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعًا بعد فرضيته، واستغنى البخاري عن إيراد هذا الحديث، لكونه على غير شرطه، بما أخرجه عن أنس، فإن فيه "ولا تشاء أن تراه من اللَّيل نائمًا إلا رأيته" فإنه يدل على أنه كان ربما نام كل الليل، وهذا سبيل التطوع، فلو استمر الوجوب لما أخل بقيام الليل، وبهذا تظهر مطابقة الحديث للترجمة. وقد روى محمد بن نصر في قيام الليل عن ابن عباس، شاهد الحديث عائشة، في أن بين الإيجاب والنسخ سنة، وكذا أخرجه عن أبي عبد الرحمن السُّلُميّ والحسن وعِكرمة وقَتَادة بأسانيد صحيحة عنهم، ومقتضى ذلك أن النسخ وقع بمكة؛ لأن الإيجاب متقدم على فرض الخمس ليلة الإسراء، وكانت قبل الهجرة بأكثر من سنة على الصحيح، وحكى الشافعي عن بعض أهل العلم أن آخر السورة نسخ افتراض قيام اللّيل إلا ما تيسر منه، لقوله: ﴿مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ ثم نسخ فرض ذلك بالصلوات الخمس. واستشكل محمد بن نصر ذلك، كما تقدم كلامه والتعقب عليه، عند الحديث الثاني من كتاب الصلاة، وتضمن كلامه أن الآية التي نسخت الوجوب مدنية، وهو مخالف لما عليه الأكثر من أن السورة كلها مكّيّة، نعم ذكر أبو جعفر النحاس أن السورة كلها مكّيّة، إلا الآية الأخيرة، وقوّى محمد بن نصر هذا القول بما أخرجه عن جابر، أن نسخ قيام الليل وقع لما توجهوا مع أبي عبيدة

стр. 5067

في جيش الخبط، وكان ذلك بعد الهجرة لكن في إسناده عَلِيّ بن يَزيد بن جَدعان، وهو ضعيف، وأما ما رواه الطبري عن عائشة قالت: احتجب رسول الله ﷺ حَصِيرًا ... فذكر الحديث الذي تقدمت الإشارة إليه قبل خمسة أبواب، ومرّ هناك محل استيفاء الكلام عليه، وفيه: "اكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن خير العمل أدومه وإنْ قَلّ" ونزلت عليه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ فكتب عليه قيام الليل: وأنزلت منزلة الفريضة، حتى إن كان بعضهم ليربط الحبل فيتعلق به، فلما رأى الله تكلفهم ابتغاء رضاه، وضع ذلك عنهم، فردهم إلى الفريضة، ووضع عنهم قيام اللّيل إلا ما تطوعوا به فإنه يقتضي أن السورة كلها مدنية، لكن فيه موسىِ بن عُبَيدة، وهو شديد الضعف، فلا حجة فيما تفرّد به، ولو صح ما رواه لاقتضى ذلك وقوع ما خَشي منه ﵊، حيث ترك قيام اللّيل بهم خشية أن يفرض عليهم. والأحاديث الصحيحة دالة على أن ذلك لم يقع، وقد مرّ بعض الكلام على وجوب قيام اللّيل في أول التهجد. وقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: منه، وروى ابن أبي حاتم عن وَهْب بن مُنَبّه قال: القليل ما دون المعشار والسدس، وفيه نظر، لما سيأتي قريبًا. وقوله: ﴿نِصْفَهُ﴾ يحتمل أن يكون بدلًا من "قليلاً" فكأنَّ في الآية تخييراً بين قيام النصف بتمامه، أو قيام أنقص منه أو أزيد. ويحتمل أن يكون قوله: ﴿نِصْفَهُ﴾ بدلًا من الليل، وإلا قليلًا استثناء من النصف، حكاه الزمخشريّ، وعليه المعنى قم أقل من نصف الليل، والضمير في منه من قوله: ﴿أَوِ انْقُصْ مِنْهُ﴾ للنصف، والمعنى التخيير بين أمرين: أن يقوم أقل من النصف على البت، وبين أن يختار أحد الأمرين؛ النقصان من النصف، والزيادة عليه. وتعقبه في "البحر" بأنه يلزم منه التكرار؛ لأنه على تقديره قم أقل من نصف الليل، يكون قوله: ﴿أَوِ انْقُصْ﴾ من نصف الليل تكرارًا، ووصف النصف بالقلة بالنسبة إلى الكل. قال في "الفتح" وبالأول جزم الطبري، وأسند ابن أبي حاتم معناه عن عطاء الخراسانى، وقوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ أي: اقرأه مترسلاً، بتبيين الحروف وإشباع الحركات. وروى مُسْلم عن حفصة أن النبيّ ﷺ "كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها". وقوله: ﴿قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ أي: القرآن، وعن الحسن العمل به. أخرجه ابن أبي حاتم، وأخرج أيضًا من طريقة أخرى عنه قال: ثقيلًا في الميزان يوم القيامة، وتأوَّله غيره على ثقل الوحي حين ينزل كما تقدم في بدء الوحي. وقوله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ قال ابن عباس: تنشّأ قام، بالحبشة يعني، فيكون قوله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ﴾ أي: قيام الليل، وهذا التعليق وصله غيد بن حميد بإسناد صحيح عن سعيد بن جُبير عنه، ووصله ابن أبي حاتم عن أبي ميسرة عن ابن مسعود أيضًا، وذهب الجمهور إلى أنه ليس في القرآن شيء بغير العربية، وقالوا: ما ورد من ذلك فهو من توافق اللغتين، وعلى هذا فناشئة الليل مصدر بوزن فاعلة من نشأ إذا قام، أو اسم فاعل، أي: النفس الناشئة بالليل، أي التي تنشأ من مضجعها إلى العبادة، أي تنهض. وحكى أبو عبيد في "الضريبين" أن كل ما حدث بالليل وبدا فهو ناشىء،

стр. 5068

وقد نشأ. وفي "المجاز" لأبي عبيدة: ناشئة الليل آناء الليل ناشئةٌ بعد ناشئةٌ، قال ابن التين: والمعنى أن الساعات الناشئة من الليل، أي: المقبلة بعضها في إثر بعض، هي أشد. قوله: "وطأً" قال: مواطأة للقرآن، أشد موافقة لسمعه وبصره وقلبه، وهذا وصله عبد بن حُميد عن مجاهد قال: أشد وطأً، أي: يوافق سمعك وبصرك وقلبك بعضه بعضًا، قال الطبري: هذه القراءة على أنه مصدر من قولك: واطأ اللسان القلبَ وَوِطاءً قال: وقرأ الأكثر "وَطْأ" بفتح الواو وسكون الطاء، ثم حكى عن العرب "وطئنا الليل" أي: سرنا فيه. وروي عن قتادة أشد وطأً أثبت في الخير، وأقوم قيلًا أبلغ في الحفظ. وقال الأخفش: أشد وطأ أي قيامًا، وأصل الوطء في اللغة الثقل، كما في الحديث "أشدد وطأتك على مُضَر" وقوله: "ليواطئوا" ليوافقوا، هذه الكلمة من تفسير براءة، وإنما أوردها هنا تأييدًا للتفسير الأول، وقد وصله الطبريّ عن ابن عباس لكن بلفظ "ليشابهوا". وقوله: ﴿سَبْحًا طَوِيلًا﴾ أي: فراغًا، وصله ابن أبي حاتم عن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد وغيرهم. وعن السّدِّيّ سبحًا طويلًا، أي: تطوعًا كثيرًا، كأنه جعله من السّبحة وهي النافلة. وقوله: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ هذا مرتبط بما قبله، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ إلخ أي: علم الله أن لن تطيقوا قيام الليل. وقيل: الضمير المنصوب فيه، يرجع إلى مصدر مقدر، أي: علم أن لا يصح منكم ضبط الأوقات، ولا يتأتى حسابها بالتعديل والتسوية، إلا أنْ تاخذوا بالأوسع للاحتياط، وذلك شاقّ عليكم. وقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ عبارةعن الترخيص في ترك القيام المقدر، وقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ قال الزمخشريَّ: عبَّر عن الصلاة بالقراءة، كما عبّر عنها بالقيام والركوع والسجود، يريد فصلوا ما تيسر عليكم من صلاة الليل، وهذا ناسخ للأول، ثم نسخا جمعيًا بالصلوات الخمس كما مرّ. وقيل: هي قراءة القرآن بعينها، قيل: يقرأ مئة آية، ومَنْ قرأ مئة آية في ليلة لم يُحَاجّه القرآن. وقيل: مَنْ قرأ مئة آية كُتِب من القانتين، وقيل خمسين آية. وقد بيّن الحكمة في النسخ بقوله: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ لا يقدرون على قيام الليل: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني يسافرون الأرض يبتغون من الله، يعني في طلب المعيشة، يطلبون الرزق من الله تعالى، وآخرون يقاتلون في سبيل الله، أي: يجاهدون في طاعة الله، وكل من الفِرَق الثلاث يشق عليهم ما ذكر في قيام الليل، وهذا إخبار عمّا يكون مستقبلًا بالإعجاز، على القول بأن الآية مكية، والتسوية بين الضارب للتجارة والمجاهد في سبيل الله، دلت على أن طلب الرزق إذا قرن بالنية الصالحة له مكان عند الله، كيف وقد قدمه على المجاهدة؟ وكذا قال ابن عمر: ما من موتة أحب إليّ بعد القتل في سبيل الله من أن أموت بين شعبتي رحل أضرب في الأرض ابتغاء فضل الله تعالى.

стр. 5069

وقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ أي: من القرآن، قيل في صلاة المغرب والعشاء، وقد قال بعضهم الركعتان بعد العشاء مع الوتر كافيتان في امتثال هذا الأمر، فمن زاد زاده الله ثوابًا. قال في "الجواهر": ينبغي للعاقل تحصيل الخيرات قبل صولة الممات. وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي المفروضة، وآتوا الزكاة أي: الواجبة، وقيل زكاة الفطر؛ لأنه لم يكن بمكة زكاة، وإنما وجبت بالمدينة، ومن فسرها بالواجبة جعل آخر السورة مدنيًا، قلت: وكذلك زكاة الفطر، لم تجب إلا بالمدينة، والصحيح فيها أنها إنما وجبت بالسُنّة لا بالقرآن، كما يأتي في محله إن شاء الله تعالى. وقوله: ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ قيل: يريد سائر الصدقات المستحبة، وسماه قرضًا تأكيدًا للجزاء، وقيل: تصدقوا من أموالكم بنية خالصة عن طيب قلب، من مال حلال. وقوله: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ يعني ما تعملون من الأعمال الصالحة، وتتصدقون به بنية خالصة، تجدوه عند الله، أي تجدون ثوابه في الآخرة. وقوله: ﴿هُوَ خَيْرًا﴾ خيرًا ثاني مفعولي وجد، وهو فصل، وجاز وإنْ لم يقع بين معرفتين؛ لأن أفعل من أشبه في امتناعه من حروف التعريف المعرفة. وقوله: ﴿وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ أي: مما خلَّفتم من متاع الدنيا، ومما تؤخرونه إلى الوصية عند الموت. واستغفروا الله لما فَرَط منكم في جميع أحوالكم؛ لأن الاستقامة متعسرة أو متعذرة، إن الله غفور، أي: للذنوب، رحيم للمومنين المستغفرين، يجعل مكان الذنوب الحسنات. الحديث الثاني والعشرون حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لاَ يَصُومَ مِنْهُ، وَيَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لاَ يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ لاَ تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلاَّ رَأَيْتَهُ وَلاَ نَائِمًا إِلاَّ رَأَيْتَهُ. قوله: "أن لا يصوم منه" زاد أبو ذر والأصيليّ "شيئًا". وقوله: "وكان لا تشاء أن تراه من الليل مصليًا" إلخ أي: صلاته ونومه كان يختلف بالليل، ولا يرتب وقتًا معينًا، بل بحسب ما تيسر له القيام، ولا يعارضه قول عائشة: "كان إذا سمع الصارخ قام" فإن عائشة تخبر عمالها عليه إطّلاع، وذلك أن صلاة الليل كانت تقع منه غالبًا في البيت، فخبر أنس محمول على ما وراء ذلك، وقد مضى في حديثها في أبواب الوتر من كل الليل، قد أوتر، فدل على أنه لم يكن يخص الوتر بوقت بعينه، والمعنى أن حاله في التَطوع بالصيام والقيام، كان يختلف، فكان تارة يقوم من أول الليل، وتارة في وسطه، وتارة من آخره، فكان مَنْ أراد أن يراه في وقت من أوقات الليل قائمًا، أو في وقت من أوقات الشهر صائمًا، فراقبه المرة بعد المرة، فلابد أن يصادفه قام أو صام على وفق ما أراد أن يراه.

стр. 5070

هذا معنى الخبر، وليس المراد أنه كان يسرد الصوم، ولا أنه كان يستوعب الليل، ولا يشكل على هذا قول عائشة الآتي في الصوم "كان إذا صلّى صلاة داوم عليها" وقولها الجائي فيه أيضًا: "كان عمله دِيمة" لأن المراد بذلك ما اتخذه راتبًا، لا مطلق النافلة، فهذا وجه الجمع بين الحديثين، وإلا فظاهرهما التعارض. رجاله أربعة: قد مرّوا، مرّ منهم محمد بن جعفر في التاسع من الحيض، ومرّ حُميد الطويل في الثاني والأربعين من الإيمان، وأنس في السادس منه، والرابع عبد العزيز بن عبد الله بن يحيى بن عمرو بن أويس بن سعد بن أبي سرح العامري القرشي، وقد مرّ في الأربعين من العلم. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والسماع والقول، واثنان من رواته مدنيان وبصريٌّ. أخرجه البخاري أيضًا في الصوم. ثم قال: تابعه سليمان وأبو خالد الأحمر عن حُميد، كذا ثبتت الواو في جميع الروايات، فعلى هذا يحتمل أن يكون سليمان وابن بلال، كما جزم به خلف، ويحتمل أن تكون الواو زائدة من الناسخ، فإن أبا خالد الأحمر اسمه سليمان، وعلى الاحتمال الأول إما متابعة سليمان بن بلال فسيأتي بها البخاري في كتاب الصوم، في باب ما يذكر من صوم النبيّ ﷺ وكذلك متابعة أبي خالد، ذكرها البخاري في الصيام أيضًا، وسليمان بن بلال مرّ في الثاني من الإيمان. وأبو خالد الأحمر اسمه سليمان بن حَيّان بالتحتانية الأزْديّ الكوفي، الجعفريّ، نزل فيهم، ولد بجرجان. قال إسحاق بن راهَوَيه: سألت وكيعًا عن أبي خالد فقال: وأبو خالد ممن يسأل عنه؟ وقال ابن مُعين: صدوق وليس بحجة، وقال مُرَّة: ثقة، وقال: ليس به بأس، وقال أبو هاشم: حدثنا أبو خالد الأحمر الثقة الأمين، وقال الخطيب: كان سفيان يعيب أبا خالد لخروجه مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن، وأما أمر الحديث فلم يكن يطعن عليه فيه، وذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال العجليّ: ثقة ثبت صاحب سنة، وكان محترفًا، وكان يؤاجر نفسه من التجار، كان أصله شاميًا إلا أنه نشأ بالكوفة، وقال ابن عدي: إنما أُتيَ من سوء حفظه، فيغلط ويخطيء، وقال أبو بكر البَزّار: اتفق أهل العلم بالنقل على أنه لم يكن حافظًا، وأنه روى عن الأعمش وغيره أحاديث لم يتابع عليها. قال في المقدمة: له عند البخاري نحو ثلاثة أحاديث من روايته عن حُميد وهشام بن عُروة وعُبيد الله بن عبد الله بن عمر، كلها مما توبع عليه، وعَلَّق له عن الأعمش حديثاً واحدًا في الصيام، وروى له الباقون. روى عن سليمان التيميّ، وحميد الطويل وهشام بن عُروة وغيرهم، وروى عنه أحمد وإسحاق وابنا أبي شيبة وأبو كريب وغيرهم. ولد سنة أربع عشر ومئة، ومات سنة تسعين ومئة، وفي المتابعة حميد، وقد مرّ في الحديث المتابع عليه محله. ثم قال المصنف:

стр. 5071

باب عقد الشيطان على قافية الرأس إذا لم يصل بالليل قال ابن التين وغيره: قوله: إذا لم يصل، مخالف لظاهر حديث الباب؛ لأنه دال على أنه يعقد على رأس مَنْ صلى ومَنْ لم يصل، لكن مَنْ صلّى بعد ذلك تنحل عقده، بخلاف مَنْ لم يصل، وأجاب ابن رشيد بأن مراد البخاريّ "باب بقاء عقد الشيطان" إلخ وعلى هذا فيجوز أن يقرأ قوله: "عقد" بلفظ المصدر، أو بلفظ الجمع، وقد ذكر المازريّ الإيراد بعينه ثم قال: يعتذر عنه بأنه إنما قصد من يسند أم العقد على رأسه بترك الصلاة، وكأنه قدر من انحلت عقده، كأنْ لم يعقد عليه. ويحتمل أن تكون الصلاة المنفية في الترجمة صلاة العشاء، فيكون التقدير إذا لم يصل العشاء، فكأنه يرى أن الشيطان إنما يفعل ذلك بمن نام قبل صلاة العشاء، بخلاف مَنْ صلاها، ولاسيما في الجماعة، وكأن هذا هو السر في إيراده لحديث سمرة عقب هذا الحديث؛ لأنه قال فيه: وينام عن الصلاة المكتوبة، ولا يعكر على هذا كونه أورد هذه الترجمة في تضاعيف صلاة الليل؛ لأنه يمكن أن يجاب عنه بأنه أراد دفع توهم من يحمل الحديثين على صلاة الليل؛ لأنه ورد في بعض طرق حديث سمرة مطلقًا غير مقيد بالمكتوبة، والوعيد علامة الوجوب، وكأنه أشار إلى خطأ من احتج به على وجوب صلاة الليل، حملًا للمطلق على المقيد. ويقوّي الاحتمال المذكور ما ثبت عنه ﷺ : "أنّ مَنْ صلّى العشاء في جماعة كان كمن قام نصف الليل" لأن مسمَّى قيام الليل يحصل للمؤمن بقيام بعضه، فحينئذ يصدق على مَنْ صلّى العشاء في جماعة، أنه قام الليل، والعقد المذكورة تنحل بقيام، فصار مَنْ صلّى العشاء في جماعة كمن قام الليل في حل عقد الشيطان، وخفيت المناسبة على الإسماعيليّ فقال: ورفض القرآن ليس هو ترك الصلاة بالليل، ويتعجب من إغفاله آخر الحديث، حيث قال فيه: وينام عن الصلاة المكتوبة. الحديث الثالث والعشرون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلاَثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلاَّ

стр. 5072

أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلاَنَ. قوله: "الشيطان" كأن المراد به الجنس، وفاعل ذلك هو القرين أو غيره، ويحتمل أن يراد به رأس الشياطين، وهو إبليس، وتجوز نسبة ذلك إليه لكونه الأمر به، الداعي إليه. ولذلك أورده المصنف في "باب صفة إبليس" من "بدء الخلق". وقوله: قافية رأس أحدكم، أي مؤخر عنقه. وقافية كل شيء مؤخره، ومنه قافية القصيدة، وفي "النهاية": القافية القفا، وقيل: موخر الرأس، وقيل وسطه. وظاهر قوله: "أحدكم" التعميم في المخاطبين، ومن في معناهم، ويمكن أن يخص منه من تقدم ذكره، ومن ورد في حقه أنه يحفظ من الشياطين، كالأنبياء، ومن تناوله قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ وكمن قرأ آية الكرسي، عند نومه، فقد ثبت أنه يُحفظ من الشيطان حتى يُصبح، فقد جاء في هذا الحديث عن أبي هريرة في الوكالة: "أن قارىء آية الكرسيّ عند نومه لا يقربه شيطان" وقد يظن أن بينهما معارضة، وليس كذلك؛ لأن العقد إن حمل على الأمر المعنوي، والقرب على الأمر الحسين، وكذا العكس، فلا إشكال، إذ لا يلزم من سحره إياه مثلًا، أن يماسَّه، كما لا يلزم من مماسته أن يقربه بسرقة أو أذىً في جسده ونحو ذلك، وإن حُملا على المعنويين، أو العكس، فيجاب بادعاء الخصوص في عموم أحدهما، والأقرب أن المخصوص حديث الباب، لما قال ابن عبد البر: إن الذم في الحديث يختص بمن لم يقم إلى صلاته وضيعها، أما من كانت عادته القيام إلى الصلاة المكتوبة أو إلى النافلة بالليل، فغلبته عينه فنام، فقد ثبت أن الله يكتب له أجر صلاته، ونومه صدقة عليه. ويأتي في تفسير العقد. وقوله: "إذا هو نام" كذا للأكثر، وللحمويَّ والمستملي: "إذا هو نائم" على وزن فاعل، والأول أصوب، وهو الذي في الموطأ. وقوله: "يضرب على مكان كل عقدة" كذا للمستملي، ولبعضهم بحذف "على" وللكشميهنيّ بلفظ: "عند مكان". وقوله: "يضرب" أي: بيده على العقدة، تأكيدًا أو إحكامًا لها، قائلاً ذلك. وقيل: معنى "يضرب" يحجب الحسّ عن النائم حتى لا يستيقظ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ أي: حجبنا الحس أن يلج في آذانهم فينتبهوا. وفي حديث أبي سعيد: "ما أحد ينام إلا ضرب على سماخه بجرير معقود". أخرجه المخلص في فوائده، والسِماخ بكسر السين المهملة وآخره معجمة، ويقال بالصاد المهملة بدل السين، والجرير، بفتح الجيم، الحبل. وعن سعيد بن منصور بسند جيد عن ابن عمر "ما أصبح رجل على غير وتر إلا أصبح على رأسه جرير قدر سبعين ذراعًا". وقوله: "عليك ليل طويل"، كذا في جميع الطرق عن البخاري، بالرفع على الابتداء، أي: باق عليك طويل، أو بإضمار فعل، أي: بقي، وفي رواية أبي مصعب عن مالك في الموطأ "عليك ليلًا طويلًا" وهي رواية ابن عُيينة عن أبي الزِّناد عند مسلم. قال عِياض: رواية الأكثر عن مسلم بالنصب على الإغراء، وقال القرطبيّ: الرفع أولى من جهة المعنى؛ لأنه الأمكن في الفرور من حيث أن يخبره عن طول الليل، ثم يأمره بالرقاد، بقوله: "فارقد"، وإذا نصب على الإغراء لم يكن

стр. 5073

فيه إلا الأمر بملازمة طول الرقاد، وحينئذٍ يكون قوله: "فارقد" ضائعًا، ومقصود الشيطان بذلك تسويفه بالقيام والإلباس عليه. وقد اختلف في هذا العقد، فقيل: هو على الحقيقة، وأنه كما يعقد الساحر من يسحره، وأكثر من يفعله النساء، تأخذ إحداهن الخيط فتعقد منه عقدة، وتتكلم عليه بالسحر، فيتأثر المسحور عند ذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ وعلى هذا، فالمعقود شيء عند قافية الرأس، لا قافية الرأس نفسها. وهل العقد في شعر الرأس أو غيره؟ الأقرب الثاني، إذ ليس لكل أحد شعر، ويؤيده ما ورد في بعض طرقه: "أن على رأس كل آدمي حبلًا" ففي ابن ماجه ومحمد بن نصر عن أبي هريرة مرفوعًا "على قافية رأس أحدكم حبل فيه ثلاث عقد"، ولأحمد عن أبي هريرة أيضًا: "إذا نام أحدكم عقد على رأسه بجرير" ولابن خُزيمة وابن حِبّان عن جابر مرفوعًا "ما من ذكر ولا أُنثى إلا على رأسه جرير معقود حين يرقد" الحديث، وفي الثواب لآدم بن أبي إياس من مرسل الحسن نحوه، وفهم بعضهم من هذا أن العقد لازمة، ويرده التصريح بأنها تنحل بالصلاة". فتلزم إعادة عقدها، فابهم فاعله في حديث جابر، وفسر في حديث غيره، وقيل: هو على المجاز، كأنه شبه فعل الشيطان بالنائم، بفعل الساحر بالمسحور، فلما كان الساحر يمنع بعقده ذلك تصرفَ من يحاول عقده، كان هذا مثله من الشيطان للنائم. وقيل: المراد به عقد القلب وتصميمه على الشيء، كأنه يوسوس له بأنه بقي من الليل قطعة طويلة، فيتأخر عن القيام. وانحلال العقد كناية عن علمه بكذبه فيما وسوس به. وقيل: العقد كناية عن تثبيط الشيطان للنائم بالقول المذكور، ومنه: "عقدتُ فلانًا عن امرأته" أي: منعته عنها، أو عن تثقيله عليه النوم، كأنه قد شد عليه شدادًا. وقال بعضهم: المراد بالعُقَد الثلاث الأكل والشرب والنوم؛ لأن مَنْ أكثر الأكل والشرب كثُر نومه، واستبعده المُحِبّ الطَّبريّ؛ لأن الحديث يقتضي أن العُقَد تقع عند النوم، فهي غيره. قال القرطبي: الحكمة في الاقتصار على الثلاث أن أغلب ما يكون انتباه الإنسان في السحر، فإذا اتفق له أن يرجع إلى النوم ثلاث مرات، لم تنقض النومة الثالثة إلا وقد ذهب الليل. وقال البيضاوي: بالثلاث إما للتأكيد، أو لأنه يريد أن يقطعه عن ثلاثة أشياء: الذكر، والوضوء والصلاة، فكأنه مَنع من كل واحدة منها بعقدة عقدها على رأسه، وكأن تخصيص القفا بذلك لكونه محل الوهم، ومجال تصرفه. وهو أطوع القوى للشيطان، وأسرعها إجابةً لدعوته، وفي كلام الشيخ الملويّ أن العَقْد يقع على خزانة الإلهيات من الحافظة، وهي الكنز المحصَّل من القويّ، ومنها يتناول القلب ما يريد التذكر به. وقوله: "انحلت عقده" أي: بلفظ الجمع، بغير اختلاف في البخاري، ولبعض رواة الموطأ بالإفراد، ويؤيده رواية أحمد المشار إليها قبل، فإنَّ فيها "فإنْ ذكر الله انحلت عقدة واحدة، وإن قام

стр. 5074

فتوضأ أطلقت الثانية، فإن صلى أطلقت الثالثة" وكأنه محمول على الغالب، وهو من ينام مضطجعاً فيحتاج إلى الوضوء إذا انتبه، فيكون لكل فعل عقدة قال في "الفتح": قلت: هذا منه جرى على مذهبه، وكأنه جعل السنة جاريةً على مذهبه، ولم ينتبه إلى أن نقض وضوء الجالس بالنوم هو مذهب مالك. وكثير من العلماء. ثم قال: ويؤيد الأول ما يأتي في بدء الخلق من وجه آخر. بلفظ: "عقده كلها" ولمسلم من رواية ابن عُيينة عن أبي الزناد "انحلت العقد"، وظاهره أن العقد تنحل كلها بالصلاة خاصة، وهو كذلك في حق مَنْ لم يحتج إلى الطهارة، كمن نام متمكنًا مثلًا، ثم انتبه فصلى من قبل أن يذكر أو يتطهر، فإن الصلاة تجزئه في حل العُقد كلها؛ لأنها تستلزم الطهارة، وتتضمن الذكر، وعلى هذا فيكون معنى قوله: "فإذا صلّى انحلت عقده كلها" إن كان المراد به مَنْ لا يحتاج إلى الوضوء، فظاهر على ما قررناه، وإن كان من يحتاج إليه، فالمعنى انحلت عقده كلها بانحلال الأخيرة، التي بها يتم انحلال العقد. وفي رواية أحمد المذكورة قبل: "فإن قام فذكر الله انحلت واحدة، فإن قام فتوضأ أطلقت الثانية، فإن صلى أطلقت الثالثة" وهذا محمول على الغالب، وهو مَنْ ينام مضطجعًا فيحتاج إلى تجديد الطهارة عند استيقاظه، فيكون لكل فعل عقدة يحلها. قلت: هذا البحث كله غير محتاج إليه، ولا مخالفة بين الروايات قطعًا ولا فيها شيء يوهم المخالفة، فإن البخاري، ومن وافقه، ممن أتى بلفظ الجمع عند الصلاة، قصد تمام انحلال العقد بانحلال الأخيرة منها، ومن عبر بالإفراد قصد انحلال الأخيرة، وبانحلالها يتم انحلال الثلاث، ولا دخل لكون الإنسان قاعدًا أو مضطجعًا في معنى الحديث، بل الحديثُ عبر بالنوم، فيشمل كل نائم على أي حالٍ كان، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: "طيب النفس" أي: لسروره بما وفقه الله له من الطاعة، وبما وعده من الثواب، وبما زال عنه من عقد الشيطان، كذا قال. والذي يظهر أن في صلاة الليل سرًا في طيب النفس، إن لم يستحضر المصلي شيئًا مما ذكر، وكذا عكسه، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ وقد استنبط بعضهم منه، أنَّ مَنْ فعل ذلك مرة ثم عاد إلى النوم، لا يعود إليه الشيطان بالعقد المذكررثانيًا، واستثنى بعضهم، ممن يقوم ويذكر ويتوضأ ويصلي، مَنْ لم ينهه ذلك عن الفحشاء، بل يفعل ذلك من غير أن يقلع، والذي يظهر فيه التفصيل بين مَنْ يفعل ذلك مع الندم والتوبة والعزم على الإقلاع، وبين المصرِّ. وقوله: "وإلا أصبح خبيث النفس" أي: بتركه ما كان اعتاده، أو أراد من فعل الخير، كذا قيل. وفيه ما تقدم. وقوله: "كسلان" غير مصروف للوصف وزيادة الألف والنون، ومقتضى قوله: وإلا أصبح أنه إنْ لم يجمع الأمور الثلاثة، دخل تحت من يصبح خبيثًا كسلان، وإن أتى ببعضها، وهو كذلك، لكن يختلف ذلك بالقوة والخفة، فمن ذكر الله مثلًا كان في ذلك أخف ممن لم يذكر الله أصلًا، وفي حديث أبي سعيد المشارُ إليه عند قوله: "يضرب على مكان كل عقدة، فإن قام وصلّى

стр. 5075

انحلت العقد كلهن، وإن استيقظ ولم يتوضأ ولم يصل أصبحت العُقد كلها كهيئتها". وزعم قوم أن هذا الحديث يعارض قوله ﷺ : "لا يقولنَّ أحدكم خبثتْ نفسي" وليس كذلك؛ لأن النهي إنما ورد عن إضافة المرء ذلك إلى نفسه، كراهةً لتلك الكلمة. وهذا الحديث وقع ذمًا لفعله، ولكل من الحديثين وجه. وقال الباجيّ: لا اختلاف بين الحديثين؛ لأنه نهى عن إضافة ذلك إلى النفس، لكون الخبث بمعنى فساد الدين، ووصف بعض الأفعال بذلك تحذيرًا منها وتنفيرًا، وتقدير الأشكال هو أنه ﷺ ، نهى عن إضافة ذلك إلى النفس، فكل ما نهي المؤمن أن يضيفه إلى نفسه، نهي أن يضيفه إلى أخيه المؤمن، وقد وصف، ﷺ ، هذا المرء بهذه الصفة، فيلزم جواز وصفنا له بذلك، لمحل التآسي، ويحصل الانفصال فيما يظهر، بأن النهي محمول على ما إذا لم يكن هناك حامل على الوصف بذلك، كالتنفير والتحذير. وهنا فوائد ينبغي التنبيه عليها: الأولى: ذكر الليل في قوله: "عليك ليل"، ظاهره اختصاص ذلك بنوم الليل، وهو كذلك، لكن لا يبعد أن يجيء مثله في نوم النهار، كالنوم حالة الإيراد مثلًا، ولاسيما على تفسير البخاري مِن أن المراد بالحديث الصلاةُ المفروضة، كما مرّ. الثانية: ادَّعى ابن العَرَبيّ أن البخاري أومأ هنا إلى وجوب قيام الليل، لقوله: "يعقد الشيطان" وفيه نظر، فقد صرّح البخاري في الترجمة الخامسة من أبواب التهجد بخلافه، حيث قال: من غير إيجاب، وأيضًا فما مرّ تقريره من حمل الصلاة هنا على المكتوبة، يدفع ما قاله ابن العربي أيضًا. وما في القول بإيجابه نقلٌ إلا عن بعض التابعين. وقال ابن عبد البَرّ: شذ بعض التابعين، فأوجب قيام الليل، ولو قدر حلب شاة، والذي عليه جماعة العلماء أنه مندوب إليه، ونقله غير عن الحسن وابن سيرين، والذي وجد عن الحسن، ما أخرجه محمد بن نصر وغيره عنه، أنه قيل له: ما تقول في رجل استظهر القرآن كله لا يقوم به، إنما يصلي المكتوبة؟ فقال: لعن الله هذا، إنما يتوسد القرآن. فقيل له: قال الله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ قال: نعم، ولو قدر خمسين آية. وكان هذا هو مستند من نقل عن الحسن الوجوب. ونقل التِّرْمِذِيّ عن إسحاق بن راهَوَيه أنه قال: إنما قيام الليل على أصحاب القرآن، وهذا يخصص ما نقل عن الحسن، وهو أقرب، وليس فيه تصريح بالوجوب أيضاِّ. وقد مرّ بعض الكلام عليه في أول التهجد. الثالثة: ذَكر الحافظ أبو الفضل بن الحسين في شرح التِّرمِذِيّ أن السر في استفتاح صلاة الليل بركعتين خفيفتين، المبادرةُ إلى حل عقد الشيطان، وبناه على أن الحل لا يتم إلا بتمام الصلاة، وهو واضح؛ لأنه لو شرع في صلاة، ثم أفسدها لم يساوِ من أتمها، وكذا الوضوء. وكأنَّ الشروع في حل العقد يحصل بالشروع في العبادة، وينتهي بانتهائها. وقد ورد الأمر بصلاة الركعتين الخفيفتين عند مسلم، من حديث أبي هريرة، فاندفع إيراد مَنْ أورد أن الركعتين الخفيفتين إنما

стр. 5076

وردتا من فعله ﵊ كما تقدم عن عائشة، وهو منزه عن عقد الشيطان حتى ولو لم يرد الأمر بذلك، لأمكن أن يقال: يحمل فعله ذلك على تعليم أمته، وإرشادهم إلى ما يحفظهم من الشيطان. وقد وقع عند ابن خُزيمة من وجه آخر عن أبي هريرة في آخر الحديث: "فحلوا عقد الشيطان ولو بركعتين". الرابعة: إنما خص الوضوء بالذكر؛ لأنه الغالب، وإلا فالجنب لا يحل عقدته إلا الاغتسال، وهل يقوم التيمم مقام الوضوء أو الغسل لمن ساغ له ذلك؟ مقام بحث، والذي يظهر أجزاؤه، ولا شك أن في معاناة الوضوء عونًا كبيرًا على طرد النوم، لا يظهر مثله في التيمم. الخامسة: لا يتعين للذكر شيء مخصوص لا يجزىء غيره، بل كل ما صدق عليه ذكر الله أجزأ. ويدخل فيه تلاوة القرآن، وقراءة الحديث النبويّ، والاشتغال بالعلم الشرعي، وأَوْلى ما يذكر به ما جاء في باب "فضل من تعار من الليل" بعد ثمانية أبواب، ويؤيده ما عند ابن خزيمة من الطريق المذكورة، فإن تعار من الليل فذكر الله. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، وأبو الزِّناد والأعرج في السابع من الإيمان، وأبو هريرة في الثاني منه. والحديث أخرجه أبو داود. الحديث الرابع والعشرون حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بن علية قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الرُّؤْيَا قَالَ: أَمَّا الَّذِي يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفِضُهُ وَيَنَامُ عَنِ الصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ. قوله: "عن الصلاة المكتوبة" الظاهر أن المراد بها العشاء الآخرة، وهو اللائق بما تقدم من مناسبة الحديث الذي قبله. وقوله: "يُثْلَغُ" بضم التحتانية وسكون المثلثة وفتح اللام بعدها معجمة، أي: يشق أو يخدش، وقوله: "فيرفضه" بكسر الفاء وضمها، أي: يترك حفظه والعمل به. وأما الذي يترك حفظ حرفه، ويعمل بمعانيه فليس برافض له. وهذا الحديث يأتي في آخر الجنائز مطولًا في باب مفرد، بعد باب "ما قيل في أولاد المشركين". ويأتي الكلام إن شاء الله تعالى عليه هناك. رجاله خمسة: قد مرّوا إلا مُؤمَّلًا، مرّ إسماعيل بن علية في الثامن من الإيمان، ومرّ عَوْف الأعرابيّ في الأربعين منه، ومرّ أبو رَجاء في الحادي عشر من التيمم، ومرّ سمرةُ بن جندب في الخامس والثلاثين من الحيض.

стр. 5077

الخامس: مُؤَمَّل، باسم المفعول، ابن هشام اليَشْكُريّ أبو هشام البصريّ، ذكره ابن حِبان في الثقات، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال أبو داود والنَّسائيّ ومَسْلمة بن قاسم: ثقة. روى عن إسماعيل بن علية، وكان صهره، وعن أبي معاوية الضرير ويحيى بن عبّاد الضَّبَعيّ. وروى عنه البخاري وأبو داود والنَّسائيّ وأبو حاتم وغيرهم. مات في ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين ومئيتن. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع في الإسناد كله، وفيه القول، ورجاله كلهم بصريون، أخرجه البخاري مُقطَّعًا، وتمامه في آخر كتاب الجنائز، وأخرجه في الجهاد والبيوع وبدء الخلق، وأحاديث الأنبياء، وفي التعبير والتفسير، ومسلم والتِّرمِذِيّ في الرؤيا، والنَّسائيّ فيها وفي التفسير. ثم قال المصنف:

стр. 5078

باب إذا نام ولم يصل بال الشيطان في أُذنه هذه الترجمة للمستملي وحده وللباقين باب فقط وهو بمنزلة الفصل من الباب وتعلقه بالذي قبله ظاهر لما سنوضحه. الحديث الخامس والعشرون حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ فَقِيلَ: مَا زَالَ نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحَ مَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ. فَقَالَ: بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ. قوله: "ذكر عند النبي ﷺ رجل قال في "الفتح": لم أقف على اسمه، لكن أخرج سعيد بن منصور عن عبد الرحمن بن يزيد النخعيّ عن ابن مسعود، ما يؤخذ منه أنه هو ولفظه بعد سياق الحديث بنحوه، "وأيم الله لقد بال في أذن صاحبكم ليلة" يعني نفسه، وقوله: فقيل: ما زال نائمًا حتى أصبح، في رواية منصور في بدء الخلق: "رجل نام ليلة حتى أصبح". وقوله: "ما قام إلى الصلاة" المراد الجنس، ويحتمل العهد، ويراد به صلاة الليل أو المكتوبة، ويؤيده رواية سفيان "نام عن الفريضة" أخرجه ابن حِبان في صحيحه" وبهذا تتبين مناسبة الحديث لما قبله. وفي حديث أبي سعيد المتقدم ذكره، في فوائد المخلص، "أصبحت العقد كلها كهيئتها وبال الشيطان في أذنه" فيستفاد منه وقت بول الشيطان، ومناسبة هذا الحديث للذي قبله. وقوله: "في أذنه" في رواية منصور "في أذنيه" بالتثنية، واختلف في بول الشيطان، فقيل: هو على حقيقته، قال القرطبيّ وغيره: لا مانع من ذلك، إذ لا إحالة فيه؛ لأنه ثبت أن الشيطان يأكل ويشرب وينكح، فلا مانع من أن يبول، وقيل: هو كناية عن سد الشيطان أذن الذي ينام عن الصلاة، حتى لا يسمع الذكر، وقيل: معناه أن الشيطان ملأ سمعه بالأباطيل، فحجب سمعه عن الذكر. وقيل: هو كناية عن ازدراء الشيطان به، وقيل: معناه أن الشيطان استولى عليه واستخف به، حتى اتخذه كالكنيف المعد للبول، إذ من عادة المستخف بالشيء أن يبول عليه. وقيل: هو مَثَل مضروب للغافل عن القيام بثقل النوم، كمن وقع البول في أذنه، فثقل أذنه، وأفسد حسه. والعرب تكنى عن الفساد بالبول، قال الراجز: بالَ سُهَيْل في الفَضِيخ فَفَسد

стр. 5079

وكنى بذلك عن طلوعه لأنه وقت إفساد الفضيخ، فعبّر عنه بالبول. وفي رواية الحسن عن أبي هريرة في هذا الحديث عند أحمد، قال الحسن: إن بوله، والله، لثقيل. وروى محمد بن نصر عن ابن مسعود "حسبُ الرجل من الخيبة والشر أن ينام حتى يصبح وقد بال الشيطان في أذنه" وهو موقوف صحيح الإسناد. وقال الطيبيّ: خص الأذن بالذكر، وإن كانت العين أنسب بالنوم، إشارة إلى ثقل النوم، فإن المسامع هي موارد الانتباه. وخص البول؛ لأنه أسهل مدخلًا في التجاويف، وأسرع نفوذًا في العروق، فيورث الكسل في جميع الأعضاء. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرّ مسدد في السادس من الإيمان، ومرّ أبو وائل في الحادي والأربعين منه، وابن مسعود في أثر أوله، ومرّ أبو الأحوص في العشرين من صفة الصلاة، والرجل المبهم، قال في "الفتح": لم أقف على اسمه، ويحتمل أن يكون ابن مسعود بنفسه، لما يؤخذ مما أخرجه سعيد بن منصور. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإخبار، كذلك، وشيخه بصريّ، والباقون كوفيون، أخرجه البخاري أيضًا في صفة إبليس، ومسلم في الصلاة، وكذا النَّسائيّ وابن ماجه. ثم قال المصنف:

стр. 5080

باب الدعاء والصلاة من آخر الليل وقال الله : ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ في رواية أبي ذَرٍّ "الدعاء في الصلاة"، فزاد الأصيليّ: "ما يهجعون" أي: ما ينامون، وقد ذكر الطبريّ وغيره الخلافَ عن أهل التفسير في ذلك، فنقل ذلك عن الحسن والأحنف وإبراهيم النخعيّ وغيرهم، وعلى هذا تكون ما زائدة أو مصدرية، فعلى أنها زائدة "يهجعون" خبر كان، و"قليلًا" إما ظرف أي: زمانًا قليلًا، و"من الليل" إما صفة متعلق بيهجعون، وإما مفعول مطلق، أي: هجوعًا قليلًا، وعلى أنها مصدرية فما "يهجعون" فاعل "قليلًا"، و"من الليل" بيان أو حال من المصدر، و"مِن" للابتداء. ونقل عن قتادة ومجاهد أن معناه "كانوا لا ينامون ليلة، حتى الصباح لا يتهجدون" وعن سعيد بن عباس معناه: لم تكن تمضي عليهم ليلة إلا يأخذون منها ولو شيئًا. ورجح الأول؛ لأن الله تعالى وصفهم بذلك مادحًا لهم بكثرة العمل. قال الخليل: هجع يَهْجَع هُجُوعًا، وهو النوم بالليل دون النهار، وعلى الاخر تكون ما نافية، واعترض هذا بأن ما بعد ما النافية لا يعمل فيما قبلها. وقوله: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي: أنهم مع قلة هجوعهم وكثرة تهجدهم، إذا أسحروا، أخذوا في الاستغفار، كأنهم أسلفوا في ليلتهم الجرائم، وسقط عند أبي ذرٍّ والأصيليّ وأبي الوقت ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. الحديث السادس والعشرون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَأَبِى عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ. أورد المصنف هذا الحديث عن الأَغَرّ أبي عبد الله، وأبي سلمة جميعًا، عن أبي هريرة، وقد اختلف فيه على الزهريّ، فرواه عنه مالك وحفاظ أصحابه كما هنا، واقتصر بعضهم عنه على أحد الرجلين، وقال بعض أصحاب مالك عنه عن سعيد بن المُسَيِّب بدلهما، ورواه أبو داود الطيالسيّ عن إبراهيم بن سعد عن الزهريّ، فقال الأعرج بدل الأغر، فصحفه، وقيل عن الزهري عن عطاء بن يزيد بدل أبي سلمة. قال الدارقطنيّ: وهو وهم، والأغر المذكور لقب، واسمه سلمان، ويكنى أبا عبد الله، مدنيٌّ، ولهم راوٍ آخر يقال له الأغر أيضًا، لكنه اسمه وكنيته أبو مسلم، كوفي.
следующие страницы →