← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.

стр. 5076

وردتا من فعله ﵊ كما تقدم عن عائشة، وهو منزه عن عقد الشيطان حتى ولو لم يرد الأمر بذلك، لأمكن أن يقال: يحمل فعله ذلك على تعليم أمته، وإرشادهم إلى ما يحفظهم من الشيطان. وقد وقع عند ابن خُزيمة من وجه آخر عن أبي هريرة في آخر الحديث: "فحلوا عقد الشيطان ولو بركعتين". الرابعة: إنما خص الوضوء بالذكر؛ لأنه الغالب، وإلا فالجنب لا يحل عقدته إلا الاغتسال، وهل يقوم التيمم مقام الوضوء أو الغسل لمن ساغ له ذلك؟ مقام بحث، والذي يظهر أجزاؤه، ولا شك أن في معاناة الوضوء عونًا كبيرًا على طرد النوم، لا يظهر مثله في التيمم. الخامسة: لا يتعين للذكر شيء مخصوص لا يجزىء غيره، بل كل ما صدق عليه ذكر الله أجزأ. ويدخل فيه تلاوة القرآن، وقراءة الحديث النبويّ، والاشتغال بالعلم الشرعي، وأَوْلى ما يذكر به ما جاء في باب "فضل من تعار من الليل" بعد ثمانية أبواب، ويؤيده ما عند ابن خزيمة من الطريق المذكورة، فإن تعار من الليل فذكر الله. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، وأبو الزِّناد والأعرج في السابع من الإيمان، وأبو هريرة في الثاني منه. والحديث أخرجه أبو داود. الحديث الرابع والعشرون حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بن علية قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الرُّؤْيَا قَالَ: أَمَّا الَّذِي يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفِضُهُ وَيَنَامُ عَنِ الصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ. قوله: "عن الصلاة المكتوبة" الظاهر أن المراد بها العشاء الآخرة، وهو اللائق بما تقدم من مناسبة الحديث الذي قبله. وقوله: "يُثْلَغُ" بضم التحتانية وسكون المثلثة وفتح اللام بعدها معجمة، أي: يشق أو يخدش، وقوله: "فيرفضه" بكسر الفاء وضمها، أي: يترك حفظه والعمل به. وأما الذي يترك حفظ حرفه، ويعمل بمعانيه فليس برافض له. وهذا الحديث يأتي في آخر الجنائز مطولًا في باب مفرد، بعد باب "ما قيل في أولاد المشركين". ويأتي الكلام إن شاء الله تعالى عليه هناك. رجاله خمسة: قد مرّوا إلا مُؤمَّلًا، مرّ إسماعيل بن علية في الثامن من الإيمان، ومرّ عَوْف الأعرابيّ في الأربعين منه، ومرّ أبو رَجاء في الحادي عشر من التيمم، ومرّ سمرةُ بن جندب في الخامس والثلاثين من الحيض.

стр. 5077

الخامس: مُؤَمَّل، باسم المفعول، ابن هشام اليَشْكُريّ أبو هشام البصريّ، ذكره ابن حِبان في الثقات، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال أبو داود والنَّسائيّ ومَسْلمة بن قاسم: ثقة. روى عن إسماعيل بن علية، وكان صهره، وعن أبي معاوية الضرير ويحيى بن عبّاد الضَّبَعيّ. وروى عنه البخاري وأبو داود والنَّسائيّ وأبو حاتم وغيرهم. مات في ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين ومئيتن. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع في الإسناد كله، وفيه القول، ورجاله كلهم بصريون، أخرجه البخاري مُقطَّعًا، وتمامه في آخر كتاب الجنائز، وأخرجه في الجهاد والبيوع وبدء الخلق، وأحاديث الأنبياء، وفي التعبير والتفسير، ومسلم والتِّرمِذِيّ في الرؤيا، والنَّسائيّ فيها وفي التفسير. ثم قال المصنف:

стр. 5078

باب إذا نام ولم يصل بال الشيطان في أُذنه هذه الترجمة للمستملي وحده وللباقين باب فقط وهو بمنزلة الفصل من الباب وتعلقه بالذي قبله ظاهر لما سنوضحه. الحديث الخامس والعشرون حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ فَقِيلَ: مَا زَالَ نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحَ مَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ. فَقَالَ: بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ. قوله: "ذكر عند النبي ﷺ رجل قال في "الفتح": لم أقف على اسمه، لكن أخرج سعيد بن منصور عن عبد الرحمن بن يزيد النخعيّ عن ابن مسعود، ما يؤخذ منه أنه هو ولفظه بعد سياق الحديث بنحوه، "وأيم الله لقد بال في أذن صاحبكم ليلة" يعني نفسه، وقوله: فقيل: ما زال نائمًا حتى أصبح، في رواية منصور في بدء الخلق: "رجل نام ليلة حتى أصبح". وقوله: "ما قام إلى الصلاة" المراد الجنس، ويحتمل العهد، ويراد به صلاة الليل أو المكتوبة، ويؤيده رواية سفيان "نام عن الفريضة" أخرجه ابن حِبان في صحيحه" وبهذا تتبين مناسبة الحديث لما قبله. وفي حديث أبي سعيد المتقدم ذكره، في فوائد المخلص، "أصبحت العقد كلها كهيئتها وبال الشيطان في أذنه" فيستفاد منه وقت بول الشيطان، ومناسبة هذا الحديث للذي قبله. وقوله: "في أذنه" في رواية منصور "في أذنيه" بالتثنية، واختلف في بول الشيطان، فقيل: هو على حقيقته، قال القرطبيّ وغيره: لا مانع من ذلك، إذ لا إحالة فيه؛ لأنه ثبت أن الشيطان يأكل ويشرب وينكح، فلا مانع من أن يبول، وقيل: هو كناية عن سد الشيطان أذن الذي ينام عن الصلاة، حتى لا يسمع الذكر، وقيل: معناه أن الشيطان ملأ سمعه بالأباطيل، فحجب سمعه عن الذكر. وقيل: هو كناية عن ازدراء الشيطان به، وقيل: معناه أن الشيطان استولى عليه واستخف به، حتى اتخذه كالكنيف المعد للبول، إذ من عادة المستخف بالشيء أن يبول عليه. وقيل: هو مَثَل مضروب للغافل عن القيام بثقل النوم، كمن وقع البول في أذنه، فثقل أذنه، وأفسد حسه. والعرب تكنى عن الفساد بالبول، قال الراجز: بالَ سُهَيْل في الفَضِيخ فَفَسد

стр. 5079

وكنى بذلك عن طلوعه لأنه وقت إفساد الفضيخ، فعبّر عنه بالبول. وفي رواية الحسن عن أبي هريرة في هذا الحديث عند أحمد، قال الحسن: إن بوله، والله، لثقيل. وروى محمد بن نصر عن ابن مسعود "حسبُ الرجل من الخيبة والشر أن ينام حتى يصبح وقد بال الشيطان في أذنه" وهو موقوف صحيح الإسناد. وقال الطيبيّ: خص الأذن بالذكر، وإن كانت العين أنسب بالنوم، إشارة إلى ثقل النوم، فإن المسامع هي موارد الانتباه. وخص البول؛ لأنه أسهل مدخلًا في التجاويف، وأسرع نفوذًا في العروق، فيورث الكسل في جميع الأعضاء. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرّ مسدد في السادس من الإيمان، ومرّ أبو وائل في الحادي والأربعين منه، وابن مسعود في أثر أوله، ومرّ أبو الأحوص في العشرين من صفة الصلاة، والرجل المبهم، قال في "الفتح": لم أقف على اسمه، ويحتمل أن يكون ابن مسعود بنفسه، لما يؤخذ مما أخرجه سعيد بن منصور. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإخبار، كذلك، وشيخه بصريّ، والباقون كوفيون، أخرجه البخاري أيضًا في صفة إبليس، ومسلم في الصلاة، وكذا النَّسائيّ وابن ماجه. ثم قال المصنف:

стр. 5080

باب الدعاء والصلاة من آخر الليل وقال الله : ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ في رواية أبي ذَرٍّ "الدعاء في الصلاة"، فزاد الأصيليّ: "ما يهجعون" أي: ما ينامون، وقد ذكر الطبريّ وغيره الخلافَ عن أهل التفسير في ذلك، فنقل ذلك عن الحسن والأحنف وإبراهيم النخعيّ وغيرهم، وعلى هذا تكون ما زائدة أو مصدرية، فعلى أنها زائدة "يهجعون" خبر كان، و"قليلًا" إما ظرف أي: زمانًا قليلًا، و"من الليل" إما صفة متعلق بيهجعون، وإما مفعول مطلق، أي: هجوعًا قليلًا، وعلى أنها مصدرية فما "يهجعون" فاعل "قليلًا"، و"من الليل" بيان أو حال من المصدر، و"مِن" للابتداء. ونقل عن قتادة ومجاهد أن معناه "كانوا لا ينامون ليلة، حتى الصباح لا يتهجدون" وعن سعيد بن عباس معناه: لم تكن تمضي عليهم ليلة إلا يأخذون منها ولو شيئًا. ورجح الأول؛ لأن الله تعالى وصفهم بذلك مادحًا لهم بكثرة العمل. قال الخليل: هجع يَهْجَع هُجُوعًا، وهو النوم بالليل دون النهار، وعلى الاخر تكون ما نافية، واعترض هذا بأن ما بعد ما النافية لا يعمل فيما قبلها. وقوله: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي: أنهم مع قلة هجوعهم وكثرة تهجدهم، إذا أسحروا، أخذوا في الاستغفار، كأنهم أسلفوا في ليلتهم الجرائم، وسقط عند أبي ذرٍّ والأصيليّ وأبي الوقت ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. الحديث السادس والعشرون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَأَبِى عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ. أورد المصنف هذا الحديث عن الأَغَرّ أبي عبد الله، وأبي سلمة جميعًا، عن أبي هريرة، وقد اختلف فيه على الزهريّ، فرواه عنه مالك وحفاظ أصحابه كما هنا، واقتصر بعضهم عنه على أحد الرجلين، وقال بعض أصحاب مالك عنه عن سعيد بن المُسَيِّب بدلهما، ورواه أبو داود الطيالسيّ عن إبراهيم بن سعد عن الزهريّ، فقال الأعرج بدل الأغر، فصحفه، وقيل عن الزهري عن عطاء بن يزيد بدل أبي سلمة. قال الدارقطنيّ: وهو وهم، والأغر المذكور لقب، واسمه سلمان، ويكنى أبا عبد الله، مدنيٌّ، ولهم راوٍ آخر يقال له الأغر أيضًا، لكنه اسمه وكنيته أبو مسلم، كوفي.

стр. 5081

وقد جاء هذا الحديث من طريقه أيضًا، أخرجه مسلم من رواية أبي إسحاق السَّبيعيّ عنه عن أبي هريرة وأبي سعيد جميعًا مرفوعًا، وغلط من جعلهما واحدًا، ورواه عن أبي هريرة أيضًا سعيدُ بن مَرْجَانة، وأبو صالح عند مسلم وسعيد المَقْبَرِيّ وعطاء مولى أم صُبَيَّة، بالمهملة مصغرًا، وأبو جعفر المدني ونافع بن جُبير بن مُطْعِم، كلهم عند النَّسائيّ، وفي الباب عن عليّ وابن مسعود وعثمان بن أبي العاص وعمرو بن عَنْبَسةَ عند أحمد، وعن جبير بن مطعم ورِفاعة الجُهَنىّ عند النَّسائيّ، وعن أبي الدَّرْدَاءْ وعُبادة بن الصامت وأبي الخطاب غير منسوب عند الطبرانيّ، وعن عُقبة بن عامر وجابر، وجَدّ عبد الحميد بن سَلَمة عند الدارقطنيّ في كتاب السنة. وسأذكر ما في رواياتهم من فائدةٍ زائدة. وقوله: "عن أبي سلمة" إلخ في رواية عبد الرزاق عن معمر عن الزهريّ أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو عبد الله الأغر صاحب أبي هريرة، أن أبا هريرة أخبرهما، وقوله: "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا" استدل به من أثبت الجهة وقال: هي جهة العلو، وأنكر ذلك الجمهور؛ لأن القول بذلك يفضي إلى التحيُّز، تعالى الله عن ذلك. وقد اختلف في معنى النزول على أقوال، فمنهم من حمله على ظاهره وحقيقته، وهم المشبهة، تعالى الله عن قولهم. ومنه مَنْ أنكر صحة الأحاديث الواردة في ذلك جملةً، وهم الخوارج والمعتزلة، وهو مكابرة، والعجب أنهم أَوّلوا ما في القرآن من نحو ذلك، وأنكروا ما في الحديث، إما جهلًا، وإما عنادًا. ومنهم مَنْ أجراه على ما ورد، مؤمنًا به على طريق الإجمال، منزهاً لله تعالى عن الكيفية والتشبيه، وهم جمهور السلف. ونقله البيهقيّ وغيره عن الأئمة الأربعة والسفيانين والحمادين والأوزاعي والليث وغيرهم، ومنهم مَنْ أوَّله على وجه يليق، مستعملٍ في كلام العرب، صارفًا له عن ظاهره المستحيل على الله تعالى، الواجبه تنزيهه عنه؛ لأن النزول انتقال من مكان إلى مكان، يفتقر إلى ثلاثة أجسام: عال هو مكان لساكنه، وجسم سافل، وجسم منتقل، وهذا لا يجوز على الله تعالى. ومنهم مَنْ أفرط في التأويل حتى كاد أن يخرج إلى نوع من التحريف. ومنهم مَنْ فضّل بين ما يكون تأويله قريبًا مستعملًا في كلام العرب، وبين ما يكون بعيدًا مهجورًا، فأوّل في بعض، وفوّض في بعض، وهو منقول عن مالك، وجزم به ابن دقيق العيد من المتأخرين. قال البيهقيّ: وأسلمها الإيمان بلا كيف، والسكوت عن المراد إلا أن يرد ذلك عن الصادق فيصار إليه. ومن الدليل على ذلك اتفاقهم على أن التأويل المعني غير واجب، فحينئذٍ التفويض أَسْلَم. وقال ابن العربي: حكى عن المبتدعة رد هذه الأحاديث، وعن السلف إقرارها، وعن قوم تأويلها وبه أقول. فأمّا قوله: "ينزل" فهو راجع إلى أفعاله لا إلى ذاته، بل ذلك عبارة عن ملكه الذي ينزل بأمره ونهيه، والنزول كما يكون في الأجسام يكون في المعاني، فإن حملته في الحديث على الحسيّ، فتلك صفة الملك المبعوث بذلك، وإنّ حملته على المعنويّ، بمعنى أنه لم يفعل ثم

стр. 5082

فعل، فيسمى ذلك نزولًا عن مرتبة إلى مرتبة، فهي عربية صحيحة. والحاصل أنه تأوله بوجهين، إما بأن المعنى ينزل أمره، أو الملك بأمره، وإما بأنه استعارة بمعنى التلطف بالداعين، وإجابة لهم ونحوه، وقد حكى أبو بكر بن فورك أن بعضِ المشائخ ضبطه بضم أوله على حذف المفعول، أي يُنَزِّل ملكًا، ويقويه ما رواه النَّسائيُّ عن الأَغَرّ عن أبي هُريرة وأبي سعيد بلفظ: "إن الله يمهل حتى يمضي شطر الليل، ثم يأمر مناديًا يقول: هل من داعٍ فيستجاب له" الحديث. وفي حديث عثمان بن أبي العاص: "ينادي منادٍ هل من داعٍ يستجاب له" الحديث. قال القرطبي: وبهذا يرتفع الإشكال، ولا يعكر عليه ما في رواية رِفاعة الجُهِّنيّ "ينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول: لا يسأل عن عبادي غيري"؛ لأنه ليس في ذلك ما يدفع التأويل المذكور. وقال البيضاويّ: ولما ثبت بالقواطع أنه سبحانه منزه عن الجسمية والتحيز، امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض منه، فالمراد نور رحمته، أي: ينتقل من مقتضى صفة الجلال التي تقتضي الغضب والانتقام، إلى مقتضى صفة الإكرام التي تقتضي الرأفة والرحمة. وتأوَّل ابن حزم النزول بأنه فعل يفعله الله في سماء الدنيا، كالفتح لقبول الدعاء، وأن تلك الساعة من مظان الإجابة، وهو معهود في اللغة، تقول: فلان نزل لي عن حقه، بمعنى وهبه. قال: والدليل على أنها صفة فعل، تعليقه بوقت محدود، ومن لم يزل لا يتعلق بالزمان، فصح أنه فِعْلٌ حادث. وقال ابن العربيّ أيضًا في "العواصم": قوله: "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا" أن الحركة والانتقال، وإن كانا محالًا عليه عقلًا، فإنه يلزمهم على محالهم أن يكونا محالًا عليه عندهم، يعني المشبهين، فإنهم قالوا: إنه أكبر من العرش بمقدار يسير، فكيف ينزل إلى السماء وهو أكبر من جميعها ولم يفهموا أن النبي ﷺ إنما خاطب بذلك العرب الفصحاء اللُّسُن. وقد ثبت في اللغة أن النزول على وجهين: نزول حركة، ونزول إحسان وبركة. فإن من أعطاك قد نزل إليك إلى درجة النبل المحبوبة عندك، عن درجة المنع المكروهة، كما أنه نزل في وده لك عن حال البغضاء والإعراض عنك. وهو نزول حقيقيّ في بابه، كما أنّ نزول المرء عن الجبل إلى السفح حقيقة في بابه، ألا ترى إلى قول عنترة: كامل وَلَقَدْ نَزَلْتِ فلا تَظُني غَيْرَه ... مني بمنزلةِ المُحَبِّ المكْرمِ وقال عمر رضي الله تعالى عنه، في الإِسلام: ما ينزل بعبد مسلم من منزل شدة إلخ، وهو معنوي لا حركة فيه ولا انتقال، وفائدته في الحديث، هي أن الكريم إذا حل بموضعٍ ونزل بأرض ظهرت فيها أفعاله، وانتشرت بركته، وبدت آثاره، فما بث الله من رحمته من السماء الدنيا على الخلق في تلك الساعة، عبر عنه بالنزول فيه، وهو عربية صحيحة، وقد ذكر الله تعالى أشياء بالنزول لا يراد بها النزول قطعًا، فقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ ومعدنه بالأرض،

стр. 5083

وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ والمراد بالإنزال فيهما الظهور والخلق. قال ابن الجوزيّ: مَنْ لم يعرف نزول الجمل كيف يتكلم في الجمل؟ وكون المراد بهما الإنزال حقيقة، لا يلتفت إليه، لضعفه. وقد قال ابن بطّال: إن قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فيه بيان لكل ما أشكل من كل فعل ينسب إلى الله تعالى، مما لا يليق به فعله المجيء والنزول، ونحو ذلك؛ لأن الفعل في الآية أسند إلى الله تعالى، والفاعل له حقيقة الملك الذي أمره بقراءته. وقد عقد شيخ الإِسلام أبو إسماعيل الهَرَوي، وهو من المبالغين في الإثبات حتى طعن فيه بعضهم، بسبب ذلك، في كتابه "الفاروق" بابًا لهذا الحديث، وأورده من طرق كثيرة، ثم ذكره من طرق زعم أنها لا تقبل التأويل، مثل حديث عطاء أُم صُبَيّة عن أبي هُريرة بلفظ: "إذا ذهب ثلث الليل" وذكر الحديث، وزاد: "فلا يزال بها حتى يطلع الفجر فيقول هل من داعٍ يستجاب له" أخرجه النسائيّ وابن خزيمة في صحيحه، وهو من رواية محمد بن إسحاق، وفيه اختلاف، وحديث ابن مسعود وفيه: "فإذا طلع الفجر صعد إلى العرش" أخرجه ابن خُزيمة، وهو من رواية إبراهيم الهجريّ، وفيه مقال. وأخرجه أبو إسماعيل عن ابن مسعود أيضًا، قال: جاء رجل من بني سُليم إلى رسول الله ﷺ ، فقال: علمني، فذكر الحديث، وفيه: "فإذا انفجر الفجر صعد" وهو من رواية عَوْن بن عبد الله بن عُتْبة بن مسعود عن عم أبيه، ولم يسمع منه، ومن حديث عُبادة بن الصامت وفي آخره: "ثم يعلو ربنا على كرسيه" وهو من رواية إسحاق بن يحيى عن عبادة، ولم يسمع منه، ومن حديث جابر، وفيه: "ثم يعلو ربنا إلى السماء العليا إلى كرسيه" وهو من رواية محمد بن إسماعيل الجعفريّ عن عبد الله بن سلمة بن أسلم، وفيهما مقال. ومن حديث أبي الخطاب: "أنه سأل النبي ﷺ عن الوِتر، فذكر الوتر، وفي آخره "حتي وإذا طلع الفجر ارتفع"، وهو من رواية ثُويَر بن أبي فاخِته، وهو ضعيف، فهذه الطرق كلها ضعيفة، وعلى تقدير ثبوتها، لا يقبل قوله: إنها لا تقبل التأويل، فإن محصلها ذكر الصعود بعد النزول، فكما قبل النزول التأويل، لا يمتنع قبول الصعود التأويل، والتسليم أسلم كما مرّ. وقد أجاد هو في قوله في آخر كتابه، فأشار إلى ما ورد من الصفات، وكلها من التقريب لا من التمثيل، وفي مذاهب العرب سعة، يقولون: أمرٌ بّينٌ كالشمس، وجواد كالريح، وحقٌ كالنهار، ولا تريد تحقيق الاشتباه، وإنما تريد تحقيق الإثبات والتقريب على الإفهام، فقد علم من عقل أن الماء أبعد الأشياء شبهًا بالصخر، والله يقول: ﴿فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ فأراد العِظَم والعلو لا الشبه في الحقيقة، والعرب تشبه الصورة بالشمس والقمر، والقول بالسحر، والمواعيد الكاذبة بالرياح، ولا تعد شيئًا من ذلك كذبًا، ولا توجب حقيقة. وقال بعض العلماء: النزول، لغةً، يستعمل لمعانٍ خمسة مختلفة: بمعنى الانتقال، ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾.

стр. 5084

والإعلام: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ أي: أعلم به الروح الأمين محمدًا ﷺ . وبمعنى القول: ﴿سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أي: سأقول مثل ما قال. والإِقبال على الشيء، وذلك مستعمل في كلامهم، جار في عرفهم، يقولون: نزل فلان من مكارم الأخلاق إلى دَنيّها، ونزل قدر فلان عند فلان، إذا انخفض. وبمَعنى نزول الحكم، من ذلك قولهم: كنا في خيرٍ وعدلٍ حتى نزل بنا بنو فلان، أي حَكَم. وذلك كله متعارف عند أهل اللغة، وإذا كانت مشتركة في المعنى وجب حمل ما وصف به الرب، ﷻ ، من النزول على ما يليق به من بعض هذه المعاني، وهي إقباله على أهل الأرض بالرحمة والاستيقاظ بالتذكير والتنبيه، الذي يلقى في القلوب، والزواجر التي تزعجهم إلى الإقبال على الطاعة، وقد بسطت القول في النزول في كتابي "استحالة المعية بالذات، وما يضاهيها من متشابه الصفات". وقوله: حين يبقى ثلث الليل الآخر، برفع الآخر؛ لأنه صفة الثلث، ولم تختلف الروايات عن الزهريّ في تعيين الوقت، واختلفت عن أبي هريرة وغيره، قال الترمذيّ: رواية أبي هريرة أصح الروايات في ذلك، ويقوّي ذلك أن الروايات المخالفة لها اختلف فيها على رواتها، وسلك بعضهم طريق الجمع، وذلك أن الروايات انحصرت في ستة أشياء: أولها: هذه، ثلث الليل الآخر، وهي أصحها، وإنما خص الثلث الأخير لأنه وقت التهجد، وغفلة الناس، عمن يتعرض لنفحات رحمة الله، وعند ذلك تكون النية خالصةً، والرغبة إلى الله تعالى وافرة، وذلك مظنة القبول والإجابة. ثانيها: إذا مضى الثلث الأول ثالثها: الثلث الأول، أو النصف. رابعها: النصف. خامسها: النصف أو الثلث. سادسها: الإِطلاق. فأما الروايات المطلقة، فهي محمولة على المقيدة، وأما التي بأو، فإن كانت "أو" للشك، فالمجزوم به مقدم على المشكوك فيه، وإن كانت للتردد بين حالين، فيجمع بذلك بين الروايات بأن ذلك يقع بحسب اختلاف الأحوال، لكون أوقات الليل تختلف في الزمان وفي الآفاق، باختلاف تقدم دخول الليل عند قوم، وتأخره عند قوم. وقال بعضهم: يحمل على أن ذلك يقع في جميِع الأوقات التي وردت بها الأخبار، ويحمل على أن النبي ﷺ ، أعلم بأحد الأمور في وقت فأخبر به، ثم أعلم به في وقت آخر، فأخبر به، فنقل الصحابة ذلك عنه.

стр. 5085

وقوله: مَنْ يدعوني إلخ، لم تختلف الروايات عن الزهريّ في الاقتصار على الثلاثة المذكورة، وهي الدعاء والسؤال والاستغفار، وهي إما بمعنى واحد، فذكرها للتوكيد، أو الفرق بينها أن المطلوب إما لدفع المضار أو جلب المسارّ، والثاني إما دنيويّ أو دينيّ، ففي الاستغفار إشارة إلى الأول، وفي السؤال إشارة إلى الثاني، وفي الدعاء إشارة إلى الثالث. وقال الكرمانيّ: الدعاء ما لا طلب فيه نحو: يالله، والسؤال الطلب، وزاد سعيد عن أبي هريرة: "هل من تائب فأتوب عليه" وزاد أبو جعفر عنه: "مَنْ ذا الذي يسترزقني فأرزقه، مَنْ ذا الذي يستكشف التفسير فأكشف عنه" وزاد عطاء مولى أم صبَيَّة عنه: "ألا سقيم يستشفي فيشفى" ومعانيها داخلة فيما تقدم. وزاد سعيد بن مَرْجانة عنه "مَنْ يقرض غير عدم ولا ظلوم" وفيه تحريض على عمل الطاعة، وإشارة إلى جزيل الثواب عليها. وزاد حجّاج بن مَنيع عن جده عن الزهريّ عند الدارقطنيّ، في آخر الحديث: "حتى الفجر" وفي رواية أبي سَلَمة عند مسلم: "حتى ينفجر الفجر"، وفي رواية عن أبي سَلَمة: "حتى يطلع الفجر". واتفق معظم الروايات على هذا، إلا أن في رواية نافع بن جبير عن أبي هريرة عند النَّسَائيّ: "حتى ترجل الشمس"، وهي شاذة، وزاد يونس عن الزهريّ في آخره أيضًا: "ولذلك كانوا يفضلون صلاة آخر الليل على أوله" أخرجها الدارقطنيّ. وله عن ابن سَمْعان عن الزُّهريّ ما يشير إلى أن قائل ذلك هو الزهريّ، وبهذه الزيادة تظهر مناسبة ذكر الصلاة في الترجمة، ومناسبة الترجمة التي بعد هذه لهذه. وقوله: "فأستجيب لها" بالنصب على جواب الاستفهام، وبالرفع على الاستئناف، أي: فأنا أستجيب له، وكذا قوله: "فأعطيه وأغفر له"، وقد قرىء بهما في قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ الآية، وليست السين في قوله تعالى: ﴿فأستجيب﴾ للطلب بل أستجيب بمعنى أجيب، وإنما خص الله تعالى هذا الوقت بالتنزل الإلاهي، والتفضل على عباده، بإجابة دعائهم وإعطائهم سؤلهم؛ لأنه وقت غفلة، واستغراق في النوم، واستلذاذ به، ومفارقة اللذة والدعة صعب، لاسيما أهل الرفاهية، وفي زمن البرد، وكذا أهل التعب، ولاسيما في قصر الليل، فمن آثر القيام لمناجاة ربه، والتضرع إليه مع ذلك، دل على خلوص نيته، وصحة رغبته فيما عند ربه تعالى. وفي الحديث تفضيل صلاة آخر الليل على أوله، وأن آخر الليل أفضل للدعاء، يشهد له قوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ وروى مُحَارب بن دِثَار عن عمه أنه كان يأتي المسجد في السَحر، ويمر بدار ابن مسعود، فسمعه يقول: "اللهم إنك أمرتني فأطعت، ودعوتني فأجبت، وهذا سحر فاغفر لي" فسئل ابن مسعود عن ذلك، فقال: إن يعقوب ﵊ أخر الدعاء لبنيه إلى السَحر، فقال: سوف أستغفر لكم. وروي أن داود ﵊، سأل جبريل ﵊: أي الليل أسمع؟ فقال: لا أدري، غير أن العرش يهتز في السَحر. وقد مرّ لك في باب "مَنْ نام عند السَحر" ما قدمناه من الاستشكال، في كون نوم السَحر أفضل للقائم ليله

стр. 5086

مع ما في السَحر من الفضل. وهذا الحديث، وما ذكر عنده، يزيد الإشكال، ولم أر له جوابًا شافيًا. وفيه أيضًا أن الدعاء في ذلك الوقت مجابٌ، ولا يعترض على ذلك بتخلفه عن بعض الداعين؛ لأن سبب التخلف وقوع الخلل في شرط من شروط الدعاء، كالاحتراز في المطعم والمشرب والملبس، أو لاستعجال الداعي، أو بأن يكون الدعاء بإثم، أو قطيعة رحم، أو تحصل الإجابة ويتأخر وجود المطلوب، لمصلحة العبد أو لأمر يريده الله. رجاله ستة: قد مرّوا: مرّ عبد الله في الثاني عشر من الإيمان، وأبو هريرة في الثاني منه، ومرّ مالك في الثاني من بدء الوحي، والزهري في الثالث منه، وأبو سلمة في الرابع منه، ومرّ أبو عبد الله الأَغَرّ في الخمسين من الجمعة. فيه التحديث بالجمع والعنعنة، ورجاله كلهم مدنيون إلاَّ أن ابن مَسْلَمة سكن البصرة، أخرجه البخاريّ أيضًا في التوحيد، ومسلم في الصلاة، وكذا أبو داود والتِّرمذيّ وابن ماجه والنَّسائيّ. ثم قال المصنف:

стр. 5087

باب مَنْ نام أوّل الليل وأحيا آخره تقدم في الذي قبله ذكر مناسبته للذي قبله. ثم قال: وقال سلمان لأبي الدّرداء، رضي الله تعالى عنهما: نم، فلما كان من آخر الليل، قال: قُم، قال النبي ﷺ : "صدق سلمان"، وقوله: صدق سلمان، أي: في جميع ما ذكر، وفيه منقبة لسلمان، وهذا التعليق مختصر من حديث طويل أورده البخاري في كتاب الأدب عن أبي جحيفة، قال: "آخى النبي ﷺ بين أبي الدرداء وسلمان، فزار سلمان أبا الدرداء" فذكر القصة، وفي آخرها فقال: "إنّ لنفسك عليك حقًا" الحديث. وسلمان مرّ في الحادي والثلاثين من الجمعة، ومرّ أبو الدرداء في باب مَنْ حمل معه الماء لطهوره بعد السادس عشر من الوضوء. الحديث السابع والعشرون حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. وَحَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ كَيْفَ صَلاَةُ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّيْلِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَنَامُ أَوَّلَهُ وَيَقُومُ آخِرَهُ، فَيُصَلِّي ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَثَبَ، فَإِنْ كَانَ بِهِ حَاجَةٌ اغْتَسَلَ، وَإِلاَّ تَوَضَّأَ وَخَرَجَ. وقوله: "حدّثنا أبو الوليد" في رواية أبي ذَرٍّ: قال أبو الوليد، وقد وصله الإسماعيلىّ عن أبي خليفة عن أبي الوليد، وتبين من سياقه أن البخاريّ ساق الحديث على لفظ سليمان بن حرب. وقوله: "ثم يرجع إلى فراشه" أي: فإن كانت به حاجة إلى الجِماع جامع، ثم ينام. وقوله: "وثب" بواو ومثلثة وموحدة مفتوحات، أي: نهض. وقوله: "فإن كان به حاجة اغتسل"، ولأبي ذَرٍّ: "فإن كانت" وجواب الشرط محذوف، أي: قضى حاجته، ولفظ "اغتسل" قال عليه، وليس بجواب. وقوله: "وإلا توضأ وخرج" أي: وإن لم يكن جامع توضأ وخرج إلى المسجد للصلاة، ولمسلم قالت: كان ينام أوّل الليل ويحيي آخره، ثم إن كانت له حاجة إلى أهله، قضى حاجته، ثم ينام، فإذا كان عند النداء الأول، قالت: وثب، لا والله ما قالت قام، فأفاض عليه الماء، لا والله ما قالت اغتسل، وأنا أعلم ما تريد. وإن لم يكن جنبًا توضأ وضوء الرجل للصلاة، ثم صلى ركعتين. فصرح بجواب إن الشرطية المحذوف عند المصنف، وفي التعبير "بثم" في حديث الباب، فائدةٌ، وهي أنه ﵊، كان يقضي حاجته من نسائه بعد إحياء الليل بالتهجد، فإن الجدير به عليه

стр. 5088

الصلاة والسلام، أداء العبادة قبل قضاء الحاجة، أي الشهوة. قال في شرح المشكاة: ويمكن أن يقال إن "ثم" هنا لتراخي الإخبار، أخبرت أولًا أن عادته ﵊ كانت مستمرة بنوم أول الليل وقيام آخره، ثم إن اتفق أحيانًا أن يقضي حاجته من نسائه، قضاها ثم نام في كلتا الحالتين، فإذا انتبه عند النداء الأول إن كان جنبًا اغتسل، وإلا توضأ. قلت: كون الجدير به أداء العبادة قبل قضاء الحاجة ليس بظاهر عندي؛ لأن قضاء الحاجة من العبادة، وبه تحصل الاستعانة على العبادة، وتفرغ القلب لها. قال الإسماعيليّ: "هذا الحديث غلطَ الأسودُ في معناه، والأخبار الجياد فيها كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ" ولا يريد الإسماعيليّ أن حديث الباب غلط، وإنما أراد أن أبا إسحاق حدّث به عن الأسود بلفظ آخر، غلط فيه، وهو ما رواه الثَّوْرِيّ عنه، بلفظ: "كان رسول الله- ﷺ ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء"، والظن أن أبا إسحاق اختصره من حديث الباب، هذا الذي رواه عنه شُعبة وزهير، لكن لا يلزم من قولها: فإذا كان جنباً أفاض عليه الماء، أن لا يكون توضأ قبل أن ينام، كما دَلت عليه الأخبار الأخَر، فمِن ثَمَّ غلَّطوه في ذلك. ويستفاد من الحديث أنه كان ربما نام جنبًا قبل أن يغتسل. رجاله ستة: قد مرّوا، مرّ أبو الوليد في العاشر من الإيمان، وشعبة في الثالث منه، وسليمان بن حرب في الرابع عشر منه، وأبو إسحاق السَّبيعيّ في الثالث والثلاثين منه، ومرّ الأسود بن يزيد في السابع والستين من العلم، ومرّت عائشة في الثاني من بدء الوحي. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والافراد والعنعنة والسؤال والقول، ورواته ما بين بصريّ وواسطىّ وكوفيّ. أخرجه مسلم والنَّسائيّ في الصلاة، والتِّرْمِذِيّ في الشمايل. ثم قال المصنف:

стр. 5089

باب قيام النبي ﷺ بالليل في رمضان وغيره سقط قوله: "بالليل" من نسخة الضَّغانيّ. الحديث الثامن والعشرون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ ﵂ كَيْفَ كَانَتْ صَلاَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ فَقَالَتْ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلاَ فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلاَ تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلاَ تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاَثًا، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟. فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ، إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلاَ يَنَامُ قَلْبِي. هذا الحديث مرّ ما في معناه عن عائشة في باب "كيف صلاة النبي ﷺ "، ومرّ هناك ذكر المحل الذي استوفى عليه الكلام فيه. وقوله: إن عينيَّ تنامان إلخ، مرّ استيفاء الكلام عليه غاية عند حديث ابن عباس في باب "السمر في العلم"، وفيه دلالة على أن صلاته كانت متساوية في جميع السنة، وفيه كراهة النوم قبل الوِتر لاستفهام عائشة عن ذلك، كأنه تقرر عندها منع ذلك، فأجابها بأنه ﷺ ليس في ذلك كغيره، وقد مرّ الكلام على هذا في باب ساعات الوتر. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ عبد الله بن يوسف ومالك وعائشة في الثاني من بدء الوحي، وأبو سلمة في الرابع منه، وسعيد بن أبي سعيد في الثاني والثلاثين من الإيمان. أخرجه البخاريّ أيضًا في الصوم وفي صفة النبي ﷺ ، ومسلم وكذا أبو داود والتِّرْمِذِيّ والنَّسائيّ. الحديث التاسع العشرون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي شَيْءٍ مِنْ صَلاَةِ اللَّيْلِ جَالِسًا، حَتَّى إِذَا كَبِرَ قَرَأَ جَالِسًا، فَإِذَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ السُّورَةِ ثَلاَثُونَ أَوْ أَرْبَعُونَ آيَةً قَامَ فَقَرَأَهُنَّ ثُمَّ رَكَعَ.

стр. 5090

هذا الحديث قد مرّ الكلام عليه في آخر باب من أبواب التقصير، عند حديث عائشة. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ محمد بن المُثَنّى في التاسع من الإيمان ويحيى القَطّان في السادس منه، وهشام وعروة وعائشة في الثاني من بدء الوحي. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإخبار بالأفراد والقول والعنعنة، ورواته بصريان ومدنيون أخرجه مسلم. ثم قال المصنف:

стр. 5091

باب فضل الطهور بالليل والنهار وفضل الصلاة عند الطهور بالليل والنهار كذا ثبت في رواية الكَشْمَيهنيَّ، ولغيره بعد الوضوء، واقتصر بعضهم على الشق الثاني من الترجمة، وعليه اقتصر الإسماعيليّ وأكثر الشُّرَّاح. والشق ليس بظاهر في حديث الباب، إلا إن حُمِل على أنه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرق الحديث، كما سنذكره في شرح الحديث من حديث بريدة. الحديث الثلاثون حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ أَبِي حَيَّانَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِبِلاَلٍ عِنْدَ صَلاَةِ الْفَجْرِ: يَا بِلاَلُ حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الإِسْلاَمِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلاً أَرْجَى عِنْدِي أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طُهُورًا فِي سَاعَةِ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إِلاَّ صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: دَفَّ نَعْلَيْكَ يَعْنِي تَحْرِيكَ. قوله: "قال لبلال"، أي: ابن رباح المؤذن، وقوله: عند صلاة الفجر، فيه إشارة إلى أن ذلك وقع في المنام؛ لأن عادته ﷺ ، أنه كان يقص ما رآه، ويعبر ما رآه أصحابه، كما يأتي في كتاب التعبير بعد صلاة الفجر. وقوله: "بأرجى عمل" بلفظ أفعل التفضيل المبني من المفعول، وهو سماعي مثل أشغل وأعذر، أي: أكثر مشغولية ومعذورية، والعمل ليس براج للثواب، وإنما هو مرجوّ بالثواب، وأضيف إلى العمل؛ لأنه السبب الداعي إليه، والمعنى: حدثني بما أنت أرجى من نفسك به من أعمالك. وقوله: "فإني سمعت" أي: الليلة، كما في مسلم في النوم؛ لأنه لا يدخل أحد الجنة يقظة، وإن كان النبي ﷺ دخلها يقظة، كما وقع له ليلة المعراج، إلا أن بلالًا لم يدخل. وقال النّورْبَشْتّيّ: هذا شيء كوشف به، ﵊، من عالم الغيب في نومه أو يقظته. ونرى ذلك، والله أعلم، عبارة عن مسارعة بلال إلى العمل الموجب لتلك الفضيلة، قبل ورود الأمر عليه، وبلوغ الندب إليه، وذلك من قبيل قول القائل لعبده: تسبقني إلى العمل، أي: تعمل قبل ورود أمري إليك، لكنه لما كان ما استنبطه موافقًا لمرضاة الله ورسوله، أقره واستحمده عليه. وقوله: "دَفَّ نعليك" بفتح المهملة، وضبطها المُحِبّ الطبريّ بالإعجام وإلغاء مثقلة، وقد

стр. 5092

فسره المصنف في رواية كريمة بالتحريك، وقال الخليل: دَفَّ الطائر، إذا حرك جناحيه وهو قائم على رجليه. وقال الحميديّ: الدف الحركة الخفيفة، والسير اللين. وفي رواة مسلم "خشف" بفتح وسكون الشين المعجمتين وتخفيف الفاء، وقال أبو عبيد وغيره: الخشف الحركة الخفيفة، وفي حديث بُريدة عند أحمد والترمذيّ: سمعت خشخشة، بمعجمتين مكررتين، وهو بمعنى الحركة أيضًا. وقوله: "أرجى عندي أني" بفتح الهمزة، ومن مقدرة قبلها صلة لأفعل التفضيل، وثبتت في رواية مسلم، وفي رواية الكشميْهنيّ "أنْ" بنون خفيفة بدل "أني" وقوله: "طهورًا" زاد مسلم: "تامًا"، والذي يظهر أنه لا مفهوم لها، ويحتمل أن يخرج بذلك الوضوء اللغوي، فقد يفعل ذلك لطرد النوم، لكن هذا الاحتمال يرده قوله بعد "إلا صليت بذلك الطهور"، فإن الوضوء اللغوي لا يُصلى به، فلا يحتاج إلى الإخراج. وقوله: "في ساعة ليل أو نهار" بتنوين ساعة، وخفض ليل على البدل، وبغير تنوين على الإضافة. وفي رواية مسلم: "في ساعة من ليل أو نهار"، وقوله: "إلا صليت" زاد الإسماعيليُّ "لربي". وقوله: ما كُتب لي، أي: قدر، وهو أعم من الفريضة والنافلة. قال ابن التين: إنما اعتقد بلال ذلك لأنه علم من النبي ﷺ ، أن الصلاةَ أفضل الأعمال، وأن عمل السر أفضل من عمل الجهر، والذي يظهر أن المراد بالأعمال التي سأله عن أرجاها، الأعمالُ المتطوعُ بها، وإلا فالمفروضة أفضل قطعًا. ويستفاد منه جواز الاجتهاد في توقيت العبادة؛ لأن بلالًا توصل إلى ما ذكرنا بالاستنباط، فصوبه النبي ﷺ . وقال ابن الجوزيّ: فيه الحث على الصلاة عقب الوضوء، لئلا يبقى الوضوء خاليًا عن مقصوده. وقال المهلب: فيه أن الله يعظم المجازاة على ما يسره العبد من عمله، وفيه سؤال الصالحين عمّا يهديهم الله به من الأعمال الصالحة، ليقتدي بها غيرهم في ذلك. وفيه أيضًا سؤال الشيخ عن عمل تلميذه، ليحضه عليه ويرغبه فيه، إن كان حسنًا، وإلا فينهاه. واستدل به على جواز هذه الصلاة في الأوقات المكروهة، لعموم قوله في كل ساعة، وتعقب بأن الأخذ بعمومه، ليس بأولى من الأخذ بعموم النهي. وتعقبه ابن التين بأنه ليس فيه ما يقتضي الفورية، يحمل على تأخير الصلاة قليلًا، ليخرج وقت الكراهة، أو أنه كان يؤخر الطهور إلى آخر وقت الكراهة، لتقع صلاته في غير وقت الكراهة، لكن عند التِّرْمِذِيّ وابن خزيمة من حديث بُرَيدة في نحو هذه القصة "ما أصابني حدث قط إلا توضأت عندها"، ولأحمد من حديثه: "ما أحدثت إلا توضأت وصليت ركعتين"، فدل على أنه كان يعقب الحدث بالوضوء، والوضوء بالصلاة في أي وقتٍ كان. وقال الكرّمانيّ: ظاهر الحديث أن السماع المذكور وقع في النوم؛ لأن الجنة لا يدخلها أحد إلا بعد الموت، ويحتمل أن يكون في اليقظة لأن النبي ﷺ دخلها ليلة المعراج، وأما بلال فلا يلزم من هذه القصة أنه دخلها؛ لأن قوله: "في الجنة" ظرف للسماع، ويكون الدف بين يديه خارجًا

стр. 5093

عنها. ولا يخفى بعد هذا الاحتمال؛ لأن السياق مشعر بإثبات فضيلة بلال، لكونه جعل السبب الذي بلّغه إلى ذلك، ما ذكره من ملازمة التطهر والصلاة، وإنما ثبتت له الفضيلة، بأن يكون رؤي داخل الجنة لا خارجًا عنها. وفي حديث بريدة المذكور "يا بلال بم سبقتني إلى الجنة؟ " وهذا ظاهر في كونه رآه داخل الجنة، ويؤيد كونه وقع في المنام، ما سيأتي في أول مناقب عمر من حديث جابر مرفوعًا "رأيتني دخلت الجنة فسمعت خشفة، فقيل: هذا بلال، ورأيت قصرًا بفنائه جارية، فقيل: هذا لعمر" الحديث، وبعده من حديث أبي هريرة مرفوعًا "ببنما أنا نائم رأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر، فقيل: هذا لعمر" الحديث، فعرف أن ذلك وقع في المنام، وثبتت الفضيلة بذلك لبلال؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي، ولذلك جزم النبي ﷺ له بذلك، ومشيه بين يدي النبي ﷺ ، كان من عادته في اليقظة، فاتفق مثله في المنام، ولا يلزم من ذلك دخول بلال الجنة قبل النبي ﷺ ؛ لأنه في مقام التابع، وكأنه أشار ﷺ إلى بقاء بلال على ما كان عليه في حال حياته، واستمراره على قرب منزلته. وفيه منقبه عظيمة لبلال، كما أنه لا يستدعي أفضليته على العشرة المبشرة بالجنة، بل هو سبق خدمة، كما يسبق العبد سيده، والحكمة في فضل الصلاة على هذا الوجه من وجهين: أحدهما أن الصلاة عقب الطهور أقرب إلى اليقين منها إذا تباعدت، لكثرة عوارض الحدث من حيث لا يشعر المكلف. ثانيهما ظهور أثر الطهور باستعماله في استباحة الصلاة، وإظهار آثار الأسباب مؤكدها ومحقق. وفي الحديث استحباب إدامة الطهارة، ومناسبة المجازاة على ذلك بدخول الجنة؛ لأن مِنْ لازم الدوام على الطهارة أن يبيت المرء طاهرًا، ومن بات طاهرًا عرجت روحه، فسجدت تحت العرش، كما رواه البيهقي في الشعب من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، والعرش سقف الجنة كما يأتي في هذا الكتاب، وزاد بُرَيدة في آخر حديثه: فقال النبي ﷺ بهذا، وظاهره أن هذا الثواب وقع بسبب ذلك العمل، ولا معارضة بينه وبين قوله ﷺ : "لا يُدْخِل أحدكم الجنة عَمَلُه" لأن أحد الأجوبة المشهورة في الجمع بينه وبين قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أن أصل الدخول إنما يقع برحمة الله، واقتسام الدرجات بحسب الأعمال، فيأتي مثله في هذا. وقد مرّ الكلام مستوفى على هذا، غاية الاستيفاء في باب "مَنْ قال إن الإيمان هو العمل" من كتاب الإيمان. وفيه أن الجنة موجودة الآن، خلافًا لمن أنكر ذلك من المعتزلة. وقول الكرمانيّ فيما مرّ: "لا يدخل أحد الجنة إلا بعد موته" مع قوله: "إن النبي ﷺ دخلها ليلة المعراج، وكان المعراج في اليقظة على الأصح" ظاهرهما التناقض، ويمكن حمل النفي إن كان ثابتًا على غير الأنبياء، أو تختص في الدنيا بمن خرج عن عالم الدنيا، ودخل في عالم الملكوت، وهو قريب مما أجاب به السهيليّ عن استعمال الطست ليلة المعراج. وقوله: "قال أبو عبد الله: دف نعليك" يعني تحريك

стр. 5094

سقط قول أبي عبد الله وما بعده عند أبوي ذر والوقت والأصيلي. رجاله خمسة: وفيه ذكر بلال، وقد مرّ الجميع، مرّ إسحاق بن نصر في تعليق بعد الحادي والأربعين من العلم، ومرّ أبو أسامة في هذا الحديث المذكور، ومرّ أبو حَيَّان في الثالث من الإيمان، وأبو زرعة في التاسع والعشرين منه، وأبو هريرة في السادس منه، ومرّ بلال في التاسع والثلاثين من العلم. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، وفيه أربعة مذكورون بالكنية، وثلاثة من الرواة كوفيون. أخرجه مسلم في الفضائل والنَّسائيّ في المناقب. ثم قال المصنف:

стр. 5095

باب ما يكره من التشديد في العبادة قال ابن بطال: إنما يكره ذلك خشية الملال المفضي إلى ترك العبادة. الحديث الحادي والثلاثون حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ فَقَالَ: مَا هَذَا الْحَبْلُ؟. قَالُوا: هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لاَ، حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ. قوله: "دخل النبي ﷺ " زاد مسلم: "المسجدَ"، وقوله: "بين الساريتين" أي: اللتين في جانب المسجد، وكأنهما كانتا معهودتين للمخاطب، لكن عند مسلم: "بين سارتين" بالتنكير، وقوله: هذا حبل لزينب، جزمٍ كثير من الشراح والمؤلفين أن المراد بها زينب بنت جحش، أُم المؤمنين، ويأتي تعريفها قريبًا في السند، وروي أنها حَمْنَة بنت جحش، وأطلق عليها زينب باعتبار اسمها الآخر؛ لأنها كانت تسمى زينب، ولعل نسبة الحبل إليهما باعتبار أنه ملك لأحداهما، والأخرى المتعلقة به، وفي صحيح ابن خُزيمة، فقالوا لميمونة بنت الحارث، وهي رواية شاذة، وقيل: يحتمل تعدد القصة. ووهم من فسرها بجُوَيرية بنت الحارث، وزاد مسلم، فقالوا لزينب تصلي. وقوله: "فإذا فترت" بفتح المثناة، أي كسلت عن القيام في الصلاة، وعند مسلم بالشك، "فإذا فترت أو كسلت" وقوله: فقال ﷺ : لا يحتمل النفي، أي: لا يكون هذا الحبل أو لا يحمد، ويحتمل النهي أي: لا تفعلوه، وسقطت هذه الكلمة في رواية مسلم. وقوله: نَشاطه، بفتح النون، مدة نشاطه. وقوله: فليقعد، يحتمل أن يكون أمرًا بالقعود عن القيام، فيستدل به على جواز افتتاح الصلاة قائمًا، والقعود في أثنائها. وقد مرّ نقل الخلاف فيه، ويحتمل أن يكون أمر بالقعود عن الصلاة، أي: بترك ما كان عزم عليه من التنفل، ويمكن أن يستدل به على جواز قطع النافلة بعد الدخول فيها، وقد تقدم في باب الوضوء من النوم من كتاب الوضوء، حديثُ "إذا نعس أحدكم في الصلاة، فلينم حتى يعلم ما يقرأ، وهو من حديث أنس أيضًا" ولعله طرف من هذه القصة. وفيه حديث عائشة أيضًا: "إذا نعس أحدكم وهو يصلي، فليرقد حتى يذهب عنه النوم" وفيه:

стр. 5096

"ليلًا يستغفر، فيسب نفسه وهو لا يشعر ويجيء من الاحتمال ما تقدم في حديث الباب، وفيه الحث على الاقتصاد في العبادة، والنهي عن التعمق فيها، والأمر بالإقبال عليه ابن شاط، وفيه إزالة المنكر باليد واللسان، وجواز تنفل النساء في المسجد، واستدل به على كراهة التعلق بالحبل في الصلاة. رجاله أربعة: قد مرّوا، وفيه ذكر زينب، مرّ أبو معمر وعبد الوارث في السابع عشر من العلم، ومرّ عبد العزيز بن صُهَيب في الثامن من الإيمان، وأنس في السادس منه. وزينب المراد بها أُم المؤمنين زينب بنت جحش بن رَباب بن يَعْمُر بن صُبَيرة بن مُرة بن كَبير بن غَنْم بن دَرْوان بن أَسَد بن خُزيمة، أمها أُميمَة بنت عبد المطلب، عمة النبي ﵊، تزوجها النبي ﷺ ، سنة ثلاث، وقيل سنة خمس، ونزلت بسببها آية الحجاب، وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة، وفيها نزل: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ وكان زيد يدعى ابن محمد، فلما تزوجها تكلم المنافقون في ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ فعندما تزوج النبيّ ﷺ امرأته بعده، انتفى ما كان الجاهلية يعتقدونه، مِنْ أَنَّ مَنْ تبنى غيره يصير ابنه، بحيث يتوارثان إلى غير ذلك. وكانت اسمها بُرْة، ولما دخلت على النبي ﷺ ، سماها زينب، وأخرج ابن سعد بسند مرسل: فبينما رسول الله ﷺ يتحدث عن عائشة، إذ أخذته غَشْية فَسُرِّيَ عنه، وهو يبتسم ويقول: مَنْ يذهب إلى زينب يبشرها؟ وتلا: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ الآية. قالت عائشة: فأخذني ما قرب وما بعد، لما يبلغني من جمالها، وأخرى هي أعظم وأشرف، ما صنع لها زوجها الله في السماء، وقلت: هي تفخر علينا بهذا. وعن ابن عباس، لما أُخبرت زينب بتزويج رسول الله ﷺ لها، سجدت. وأخرج ابن عبد البَرّ بسنده، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال لزيد بن حارثة: "اذكرها" قال زيد: فذهبتُ فقلتُ: يا زينب، أبشري، فإن رسول الله ﷺ أرسل بذكرك، فقالت: ما أنا بصانعة شيئًا حتى أقضي أوامر ربه. فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله ﷺ ، ودخل عليها بغير إذن. وأخرج ابن عبد البر، أنَّ النبيّ ﷺ ، قال لعمر بن الخطاب: "إن زينب بنت جحش أَوّاهة"، قال رجل: يا رسول الله، ما الأوّاهة؟ قال: "الخاشع المتضرع، إن إبراهيم لأوّاهٌ حليم". وقد وصفت عائشة زينب بالوصف الجميل في قصة الإفك، فقالت: إن الله عصمها بالورع، وهي التي كانت تسأمني من أزواج النبي ﷺ ، وكاتت تفخر على أزواج النبي ﷺ بأنها بنت عمته، وبأن الله زوجها له، وهن زوجهن أولياؤهن. ومن طريق عبد الواحد بن أبي عوف، قالت: يا رسول الله، إني والله ما أنا كإحدى، ليست امرأةٌ إلاَّ زوجها أبوها أو أخوها أو وليها غيري، زوجنيك الله من

стр. 5097

السماء. وأخرج ابن عبد البر بسنده عن عائشة، أنها ذكرت زينب بنت جحش، فقالت: ولم تكن امرأة خيرًا منها في الدارين، وأتقى لله، وأصدق حديثًا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد تبذيلًا لنفسها في العمل الذي يتصدق به، ويتقرب به إلى الله . ومن حديث أُم سلمة عند الواقديّ بسند موصول، قالت أُم سلمة: كانت زينب لرسول الله ﷺ مصحبة، وكان يستكثر منها، وكانت صالحة قوّامة صوّامة صَناعًا، تَتَصدَّق بذلك كله على المساكين، وكانت أول نساء النبي، ﷺ ، ماتت بعده. ففي الصحيحين، واللفظ لمسلم عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "أسرعكن لحاقاً بي أطولكن يدًا" فكن يتطاولن أيتهن أطول يدًا، قالت: وكانت زينب أطولنا يدًا؛ لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق. وروى عنها من نحو المرفوع قالت: كنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا، بعد وفاة النبي ﷺ ، نمد أيدينا في الجدار، نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك، حتى توفيت زينب بنت جحش، وكانت امرأة قصيرة، ولم تكن بأطولنا، فعرفنا حينئذٍ أن النبي ﷺ إنما أراد طول اليد بالصدقة، وكانت زينب امرأة صَناعَ اليدين، فكانت تدبغ وتخرز، وتتصدق به في سبيل الله. وأخرج ابن سَعْد عن محمد بن كَعب قال: كان عطاءُ زينبَ بنت جحش إثني عشر ألفًا، لم تأخذه إلا عاماً واحدًا، فجعلت تقول: اللهم لا يدركني هذا المال من قابل، فإنه فتنة، ثم قسمته في أهل رحمها، وفي أهل الحاجة، فبلغ عمر فقال: هذه امرأة يراد بها خير، فوقف عليها، وأرسل بالسلام، وقال: بلغني ما فرقتِ، فأرسل بألف درهم تستبقينها، فسلكت بها ذلك المسلك، وفي رواية بُرّة بنت رافع زيادة أنها لما أُدخل عليها العطاء، قالت: غفر الله لعمر، غيري من أخواني كان أقوى على قسم هذا مني، قالوا: هذا كله لك، قالت: سبحان الله، واستترت منه بثوب، وقالت: ضعوه واطرحوا عليه ثوبًا، ثم قالت لي: أدخلي يدك فاقبضي منه قبضة، فاذهبي بها إلى بني فلان، وبني فلان من أهل رحمها وأيتامها، حتى بقيت منه بقية تحت الثوب، فقالت بُرّة: غفر الله لك يا أُم المؤمنين، والله لقد كان لنا في هذا حق، قالت: فلكم ما تحت الثوب، قالت: فوجدنا ما تحته خمسة وثمانين درهمًا. ثم رفعت يدها إلى السماء، وقالت: اللهم لا يدركني عطاء عمر بعد عامي هذا، فماتت. وأخرج ابن سعد عن القاسم بن محمد قال: قالت زينب حين حضرتها الوفاة: إني قد أعددت كفني، وإنّ عمر سيبعث إليّ بكفن، فتصدقوا بأحدهما، وإن استطعتم أن تتصدقوا بحَفْويَّ فافعلوا. ومن وجه آخر عن عَمْرة، قالت: عمر بخمسة أثواب بخّرها ثوبًا ثوبًا من الحَرّاني، فكفنت منها، وتصدقت عنها أختها بكفنها الذي كانت أعدته، قالت عمرة: فسمعت عائشة تقول: لقد ذهبت حَميدة متعبدة، مفزع اليتامى والأرامل. لها أحد عشر حديثًا، اتفقا على حديثين، روى عنها ابن أخيها محمد بن عبد الله، وزينب بنت أبي سلمة، تزوجها النبي ﷺ وهي بنت خمس وثلاثين سنة، وماتت سنة عشرين، وهي بنت

стр. 5098

خمسين، وقيل ثلاث وخمسين. وهي أوّل مَنْ حُمِل على النعش، قاله في "الخلاصة"، وانظره مع ما مرّ، في ترجمة فاطمة الزهراء، من أنها أول من غُطي نعشها في الإِسلام، ثم زينب بنت جحش. وحيث إن الحديث فيه لفظ زينب من غير تعيين، ويحتمل أن تكون زينب بنت خزيمة، أردت أن أذكر ترجمتها تتمة للفائدة، فأقول: هي زينب بنت خُزيمة بن عبد الله بن عبد مناف بن هِلال بن عامر بن صعصعة الهلالية، أُم المؤمنين، زوج النبي ﷺ ، وكان يقال لها أم المساكين؛ لأنها كانت تطعمهم وتتصدق عليهم، وكانت، على الصحيح، تحت عبد الله بن جحش، فاستشهد بأُحُد، فتزوجها النبيّ ﷺ وقيل: كانت تحت الطُّفيل بن الحارث بن المطلب، ثم خَلَّفَ عليها أخاه عُبَيدة بن الحارث، وكانت أخت ميمونة بنت الحارث لأمها، وكان دخوله ﷺ بها بعد دخوله على حفصة بنت عمر، ثم لم تلبث عنده إلا شهرين أو ثلاثة وماتت. وذكر الواقديّ إن عمرها كان ثلاثين سنة، وقال ابن الكلبي: كانت عند الطفيل بن الحارث، فطلقها، فخلف عليها أخاه عبيدة بن الحارث، فقتل عنها ببدر، فخطبها رسول الله ﷺ ، فجعلت أمرها إليه، فتزوجها في شهر رمضان سنة ثلاث، فأقامت عنده ثمانية أشهر. وأما ما ذكره ابن الأثير من كونها صاحبة "أسرعكن لحاقاً بي" المتقدم في ترجمة زينب بنت جحش، فظاهرُ البطلان؛ لأن المراد بلحوقهن به، موتهن بعده، وهذه ماتت في حياته، وكذلك حديث الهلالية التي كانت عند النبي ﷺ ، كانت لها خادمة سوداء، فقالت: يا رسول الله، أردت أن أعتق هذه، فقال لها: ألا تفدين بها بني أخيك أو بني أختك من رعاية الغنم؟ فالمراد بها ميمونة بنت الحارث؛ لأنها هلالية. وفي الصحيح نحو هذا من حديثها. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورجاله كلهم بصريون. أخرجه مسلم في الصلاة، وهذا النَّسائيّ وابن ماجه. الحديث الثاني والثلاثون قَالَ: وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟. قُلْتُ: فُلاَنَةُ لاَ تَنَامُ بِاللَّيْلِ. فَذُكِرَ مِنْ صَلاَتِهَا فَقَالَ: مَهْ عَلَيْكُمْ مَا تُطِيقُونَ مِنَ الأَعْمَالِ، فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا. كذا للأكثر، بلفظ: "وقال"، وللحمويّ والمستمليّ "حدثنا عبد الله"، وهو كذلك في الموطأ في رواية عبد الله القَعْنبي، وقال ابن عبد البَرّ: تفرد القعنبيّ بروايته عن مالك في الموطأ، دون بقية رواته، فإنهم اقتصروا منه على طرف مختصر. قوله: "تَذْكرُ للمستملي" بفتح أوله بلفظ المضارع

стр. 5099

ألمؤنث، وللحمويّ بضم أوله على البناء للمفعول بالتذكير، وللكَشْميهنيّ "فَذُكِرَ" بفاء وضم المعجمة وكسر الكاف، ولكل وجه. وعلى الأول يكون ذلك قول عروة، أو من دونه، وعلى الثاني والثالث يحتمل أن يكون من كلام عائشة، وهو على كل حال تفسير لقولها "لا تنام الليل" ووصفها بذلك خرج مخرج الغالب، قلت: لا يظهر إلا أن الألفاظ الثلاثة من كلام عائشة، تفسيرًا لقولها، وأي وجه للفرق بينها؟ وسئل الشافعي عن قيام جميع الليل فقال لا أكرهه إلا لمن خشى أن يضر بصلاة الصبح. وفي قوله ﷺ في جواب ذلك "مه" إشارة إلى كراهة وذلك خشية الفتور والملال على فاعله، لئلا ينقطع عن عبادة التزمها فيكون رجوعاً عمّا بذل لربه من نفسه. وقوله: "عليكم ما تطيقون من الأعمال" هو عام في الصلاة، وفي غيرها. وفي الرواية المتقدمة في الإيمان بدون قوله: "من الأعمال" فحمله الباجىّ وغيره على الصلاة. خاصة؛ لأن الحديث ورد فيها، وحمله على جميع العبادات أولى، وقد تقدمت مباحث حديث عائشة هذا، والكلام على قوله: "إن الله لا يمل حتى تملوا" في باب "أحب الدين إلى الله أدومه" من كتاب الإيمان. رجاله خمسة: وفيه ذكر امرأة مبهمة، وقد مرّ الجميع، مرّ عبد الله بن مَسلمة في الثاني عشر من الإيمان، ومرّت المرأة المبهمة، وهي الحولاء بنت التويت في السادس والثلاثين منه، ومرّت الأربعة الباقية، بهذا النسق، في الثاني من بدء الوحي. ثم قال المصنف:

стр. 5100

باب ما يكره من ترك قيام الليل لمن كان يقومه أي: إذا أشعر ذلك بالإعراض عن العبادة. الحديث الثالث والثلاثون حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ الْحُسَيْنِ حَدَّثَنَا مُبَشِّرٌ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَالَ: قَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا عَبْدَ اللَّهِ، لاَ تَكُنْ مِثْلَ فُلاَنٍ، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ. قوله: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا الأوزاعيّ صَرّح في سياقه بالتحديث في جميع الإسناد، فأمن من تدليس الأوزاعي وشيخه. وقوله: مثل فلان، قال في "الفتح" لم أقف على تسميته في شيء من الطرق، وكان إبهام مثل هذا القصد الستر عليه، كالذي تقدم قريبًا في "الذي نام حتى أصبح"، ويحتمل أن يكون النبيّ ﷺ لم يقصد شخصًا بعينه، وإنما أراد تنفير عبد الله بن عمرو من الصنيع المذكور. وقوله: "من الليل"، أي: بعض الليل، وسقط لفظ "من" من رواية الأكثر، وهي مراده. قال ابن العربيّ: في هذا الحديث دليل أن قيام الليل ليس بواجب، إذ لو كان واجبًا لم يكتف لتاركه بهذا القدر، بل كان يذمه أبلغ الذم. وقال ابن حِبّان: فيه جواز ذكر الشخص بما فيه من عيب، إذا قصد بذلك التحذير من صنيعه. قلت: إنما يتم هذا لو كان المحذر منه صرح باسمه، وذلك لم يقع سترًا عليه كما مرّ، وحينئذ فلا دلالة فيه على ما ذكر. وفيه استحباب الدوام على ما اعتاده المرء من الخير من غير تفريط، ويستنبط منه كراهة قطع العبادة، وإن لم تكن واجبة، وما أحسن ما عقب المصنف هذه الترجمة بالتي قبلها؛ لأن الحاصل منها الترغيب في ملازمة العبادة، والطريق الموصل إلى ذلك الاقتصاد فيها؛ لأن التشديد فيها قد يؤدي إلى تركها وهو مذموم. رجاله ثمانية: وفيه ذكر فلان مبهم، مرّ منهم الأوزاعي في العشرين من العلم، ومحمد بن مقاتل في السابع

стр. 5101

منه، ويحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين منه، وعبد الله بن المبارك في السادس من بدء الوحي، وأبو سلمة في الرابع منه، وعبد الله بن عمرو بن العاص في الثالث من الإيمان، وفلان المذكور في الحديث، قال في "الفتح": لم يقف على اسمه. والباقيان اثنان، الأول: عباس بن الحُسين القَنْطَريّ، أبو الفضل البغداديّ، ويقال البصريّ، ذكره ابن حِبّان في الثقات. وقال عبد الله بن أحمد: كان ثقة، سألت أبي عنه فذكره بخير. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: مجهول، قال في المقدمة: له في الصحيح حديثان، قرنه في أحدهما، وتوبع في الآخر. روى عن يحيى بن آدم، ومبشر بن إسماعيل وغيرهم. وروى عنه البخاري والحسن بن عليّ المعمريّ، وموسى بن هارون وغيرهم. مات سنة أربعين ومئتين. والقَنْطَريّ في نسبه، بفتح القاف والطاء بينهما نون ساكنة، نسبة إلى قنطرة البروان، محلةٌ ببغداد منها هو هذا، ومنها أبو الحسن علي بن داود التيميّ القنطريّ. الثاني: مبشر بن إسماعيل الحلبيّ أبو إسماعيل الكلبيّ، مولاهم، ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال ابن معين: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا. وقال أحمد: ثقة، وقال الذهبيّ: تكلم فيه بلا حجة، وقال ابن قانع: ضعيف، قال في المقدمة، لم يتكلم فيه أحد من أهل الجرح والتعديل، وابن قانع ليس بمعتمد، وليس له في البخاريّ سوى حديث واحد عن الأوزاعيّ في كتاب "التهجد" بمتابعة ابن المبارك. وروى له الباقون، روى عن الأوزاعي، وحريز بن عثمان وحسان بن نوح وغيرهم. وروى عنه إبراهيم بن موسى الرازيّ، وأحمد بن حنبل، وعباس بن الحسين وغيرهم. مات بحلب سنة مئتين. والحلبيّ في نسبه، بالتحريك، نسبة إلى مدينة مشهورة بالشام واسعة، كثيرة الخيرات طيبة الهواء، وهي قصبة جُنْد قِنِّسْرين، سميت باسم تل قلعتها، وقيل: سميت باسم من بناها من العمالقة، وهم ثلاثة إخوة: حلبَ وبَرْدَعة وحُمْص أولاد المُهْر بن حيض، فكل منهم بني مدينة سميت باسمه، منها إلى قنسرين يوم، وإلى المعرة يومان، وإلى منبج وبالس يومان. وقد بسط ياقوت الكلام عليها. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، وفيه إسنادان، وفيه حلبي وشامي ومروزيان، أخرجه مسلم في الصوم، والنَّسائيّ في الصلاة وكذا ابن ماجه. ثم قال: وقال هشام: حدّثنا ابن أبي العشرين قال: حدّثنا الأوزاعيّ قال: حدّثنا يحيى عن عمر بن الحكم بن ثوبان قال: حدّثني أبو سلمة بهذا، مثله رواية هشام المذكورة، وصلها الإسماعيليّ وغيره، وقصد المصنف بإيرادها التنبيه على أن زيادة عمر بن الحكم بين يحيى وأبي سلمة، من المزيد في متصل الإسناد؛ لأن يحيى قد صرّح بسماعه من أبي سلمة، ولو كان بينهما واسطة لم يصرح بالتحديث. قوله: "بهذا" في رواية كريمة والأصيلي مثله.

стр. 5102

رجاله ستة: مرّ محل الأوزاعي، ويحيى بن أبي كثير، وأبو سلمة في الذي قبله، ومرّ هشام بن عمّار في الثاني والأربعين من الوضوء، والباقي اثنان: الأول منهما ابن أبي العشرين واسمه عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين الدمشقيّ، أبو سعيد البيروتيّ، كاتب الأوزاعي، قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة، وكان أبو مسهر يرضاه، ويرضى هِقْلاً، ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال: ربما أخطأ. وقال أبو زرعة: ثقة مستقيم الحديث وقال أبو حاتم: ثقة كان كاتب ديوان، ولم يكن صاحب حديث. وقال هشام بن عمار ليحيى بن أكثم لما سأله: أوثقُ أصحابِ الأوزاعيّ كاتبُهُ عبد الحميد. وقال الدارقطنيّ: ثقة، وقال البخاريّ: ربما يخالف في حديثه، وقال مرّة: ليس بالقوي. وقال النَّسائيّ: ليس بالقوي، وقال ابنَ عدِيّ: يعرف بغير حديث لا يرويه غيره، وهو ممن يكتب حديثه. وقال دُحَيم: ضعيف، وعمر بن عبد الواحدِ ثقة، أصح حديثًا منه. روى عن الأوزاعي وحده، وروى عنه هشام بن عَمّار وجُنادة بن محمد ووساج بن عُقْبة وغيرهم. والبيروتيّ في نسبه نسبة إلى بيروت، بلد بساحل الشام معروف، منه هو هذا، ومنه أبو محمد سعد بن محمد، مُحدِّث، ومنه أبو الفضل العباس بن الوليد، من خيار عباد الله، مات سنة سبعين ومئتين. الثاني: عمر بن الحَكَم بن ثَوْبان الحجازيّ، أبو حفص المدنيّ، ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال: كان من جلَّة أهل المدينة، وهو عمر بن أبي الحكم. واسم أبي الحكم ثَوْبان من ولد فَطْيون ملك يثرب، خَلَيفِ الأوس: وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث صالحة. روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وعن أُسامة بن زيد وسعد بن أبي وقاص، وكعب بن مالك وغيرهم. وروى عنه سعيد المَقْبَريّ، وشريك بن أبي نمر، ويحيى بن أبي كثير وغيرهم. مات سنة سبع عشرة ومئة، وله ثمانون سنة. ثم قال: وتابعه عمرو بن أبي سلمة عن الأوزاعي، أي تابع ابن أبي العشرين على زيادة عمر بن الحكم. ورواية عمرو المذكورة وصلها مسلم عن أحمد بن يونس عنه، وظاهر صنيع البخاريّ ترجيحُ رواية يحيى عن أبي سلمة بغير واسطة، وظاهر صنيع مسلم يخالفه؛ لأنه اقتصر على الرواية الزائدة، والراجح عند أبي حاتم والدارقطنيّ وغيرهما صنيع البخاريّ، وقد تابع كلا من الروايتين جماعة من أصحاب الأوزاعيّ، فالاختلاف منه، وكأنه كان يحدث به على الوجهين، فيحمل على أن يحيى حمله عن أبي سلمة بواسطة، ثم لقيه فحدثه به، فكان يرويه عنه على الوجهين. والأوزاعيّ مرّ محله في الحديث السابق. وعمرو بن أبي سَلَمة التَّنِيْسِيّ الدمشقي، أبو حفص مولى بني هاشم، صاحب الأوزاعي، وثَّقَه

стр. 5103

ابن سعد ويونس، وأثنى عليه أحمد، وقال: إلا أنه روى عن زهير بن محمد أحاديث بواطيل، وضعَّفه يحيى بن مُعين الساجي. وقال العَقِيليّ: في حديثه وهم، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، قال في المقدمة: ليس له في البخاري سوى حديثين: أحدهما في التوحيد عن الأوزاعي في قصة الخِضر وموسى ﵉، وهو عنده في العلم من حديث محمد بن حرب. والثاني حديثه في الجنائز، عن الأوزاعي في حق المسلمُ على المسلم خمس ... الحديث. وقال بعده: تابعه معمر عن الزُّهْري، وليس هو من أفراد عمرو بن أبي سلمة، بل رواه مسلم من طريق معمر وابن حِبّان في صحيحه عن الوليد بن مسلم. وأخرج لعمرو باقي الجماعة. روى عن الأوزاعيّ ومالك والليث وزهير بن محمد التميميّ وغيرهم. وروى عنه ابنه سعيد والشافعيّ وعبد الله بن محمد المسنديّ وغيرهم. مات بتنيس سنة ثلاث عشرة ومئتين. ثم قال المصنف:

стр. 5104

باب كذا في الأصل بغير ترجمة وهو كالفصل من الذي قبله، وتعلقه به ظاهر، وكأنه أوحا إلى أن المتن الذي قبله طرفٌ من قصة عبد الله بن عمرو في مراجعة النبي ﷺ له في قيام الليل وصيام النهار. الحديث الرابع والثلاثون حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ﵄ قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ؟ قُلْتُ إِنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ. قَالَ: فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ عَيْنُكَ وَنَفِهَتْ نَفْسُكَ، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ حَقٌّ، وَلأَهْلِكَ حَقٌّ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ. قوله: "عن عمرو عن أبي العباس"، في مسند الحميديّ عن سفيان حدّثنا عمرو سمعت أبا العباس. وقوله: "ألم أخبر" فيه أن الحكم لا ينبغي إلا بعد التثبت؛ لأنه ﷺ ، لم يكتف بما نقل له عن عبد الله بن عمرو حتى لقيه واستثبته فيه، لاحتمال أن يكون قال ذلك بغير عزم، أو علقه بشرط لم يطلع عليه الناقل، ونحو ذلك. وقوله: "هَجَمت عينك" بفتح الجيم، أي: غارت، أو ضعفت لكثرة السهر. وقوله: "ونَفِهَتْ" بفتح النون وكسر الفاء، أي: كلَّت. وحكى الإسماعيليّ أن أبا يعلى رواه له "تَفِهت" بالتاء بدل النون، واستضعفه. وقوله: "وإن لنفسك عليك حقًا" أي: تعطيها ما تحتاج إليه ضرورة البشرية، مما أباحه الله للإنسان، من كل الأكل والشرب والراحة، التي يقوم بها بدنه، ليكون أعون على عبادة ربه. ومن حقوق النفس قطعها عمّا سوى الله تعالى، لكن ذلك يختص بالتعلقات القلبية. والمراد بالحق هنا المطلوب أعم من أن يكون واجبًا أو مندوبًا، فأما الواجب، فيختص بما إذا خاف التلف، وليس مرادًا هنا. ولأهلك عليك حقًا، أي: تنظر لهم فيما لابد لهم منه من أمور الدنيا والآخرة، والمراد بالأهل الزوجة، أو أعم من ذلك ممن تلزمه. وقوله: "حقًا"، في الموضعين بالنصب للأكثر، على أنه اسم إن، وفي رواية كريمة بالرفع فيهما، على أنه الخبر، والاسم ضمير الشأن. وفي رواية الصوم زيادة: "وإن لعينيك عليك حقًا".

стр. 5105

وللكَشْميهنيّ "لعينك"، بالإفراد، وزيادة: "وإن لزَوْرك" الزور بفتح الزاي وسكون الواو، أي: لضيفك، وهو مصدر وضع موضع الاسم، كصوم في موضع صائم، ونوم في موقع نائم، ويقال للواحد والجمع والذكر والأُنثى زور. قال ابن التين: ويحتمل أن يكون زور جمع زائر، كركب جمع راكب، وتجر جمع تاجر. وزاد مسلم: "ولولدك عليك حقًا" وسبب الإخبار للنبي ﷺ ، بحال عبد الله بن عمرو، هو ما يأتي في فضائل القرآن عنه، أنه قال: أنكحني أبي امرأة ذات حسب، وكان يتعاهدها، فسألها عن بعلها فقالت: "نِعْم الرجل من رجل لم يطأ لنا من فراشًا، ولم يفتش لنا كنفًا منذ أتيناه". فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال لي: القَني، فلقيته، فذكر الحديث. زاد النَّسائِيّ وابن خُزيمة وسعيد بن منصور عن مجاهِد: "فوقع على أبي" فقال: زوجتك امرأة فعضلتها، وفعلت وفعلت. قال: فلم التفت إلى ذلك لما كان لي من القوة، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: القني به، فأتيته معه. ولأحمد من هذا الوجه "ثم انطلق إلى النبي ﷺ فشكاني". وفي رواية في الصوم "فذكر للنبي ﷺ صومي، فدخل عليّ فألقيت له وسادة". وفي رواية فيه أيضًا: "بلغ النبيَّ ﷺ أني أسْرُدُ الصوم، وأصلي"، فإما أرسل وإما لقيته، ويجمع بينهما بأن يكون عمرو توجه بابنه إلى النبي ﷺ ، فكلَّمه من غير أن يستوعب ما يريد من ذلك، ثم أتاه إلى بيته زيادة في التأكيد. وقوله: "فصم" أي: فإذا عرفت ذلك فصم تارة، وأفطر تارة، لتجمع بين المصلحتين. وفيه إيماء إلى ما تقدم في باب "مَنْ نام عند السحر" أنه ذكر له صوم داود، وقد مرّ الكلام عليه. وعلى القيام والنوم. وفي الحديث جواز تحدُّث المرء بما عزم عليه من فعل الخير، وتفقد الإِمام لأُمور رعيته كلياتها وجزئياتها، وتعليمهم ما يصلحهم، وفيه تعليل الحكم لمن فيه أهلية ذلك، وأن الأولى في العبادة تقديم الواجبات على المندوبات، وأن من تكلف الزيادة على ما طبع عليه يقع له الخلل في الغالب. وفيه الحض على ملازمة العبادة؛ لأنه ﷺ ، مع كراهته له التشديد على نفسه، حضه على الاقتصاد، كأنه قال له: ولا يمنعك اشتغالك بحقوق من ذكر أن تضيع حق العبادة وتترك المندوب جملة. ولكن أجمع بينهما. رجاله خمسة: مرّ منهم علي بن المَدِينيّ في الرابع عشر من العلم، وعمرو بن دينار في الرابع والخمسين منه، وسفيان بن عُيينة في الأول من بدء الوحي، وعبد الله بن عمرو بن العاص في الثالث من الإيمان. والرابع: أبو العباس بن السايب بن فَرّوخ أبو العباس المكيّ الشاعر. قال أحمد والنَّسائيّ: ثقة، وقال ابن مُعين: ثَبْتٌ، وقال مسلم: كان ثقة عدلًا، وقال ابن سعد: كان بمكة زمن ابن الزبير، وهواه مع بني أمية، وكان قليل الحديث. وذكره ابن حِبّان في الثقات. روى عن ابن عمر، وابن

стр. 5106

عمرو بن العاص، وعنه حبيب بن أبي ثابت، وعمرو بن دينار وعطاء بن أبي رباح. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول. وشيخ البخاريَّ من أفراده، وفيه ثلاثة مكيون: سفيان وعمرو وأبو العباس، أخرجه البخاريَّ أيضًا في الصوم، وفي أحاديث الأنبياء ﵈، ومسلم في الصوم، وكذا الترمِذِيَّ والنَّسَائيّ وابن ماجه. ثم قال المصنف:

стр. 5107

باب فضل مَنْ تَعَارَّ من اللَّيل فصلّى تعارَّ بمهملة وراء مشددة، قال في المحكم: تعارَّ الظليمُ مُعَارَّةً: صاح، والتَّعَارُّ أيضًا السَّهَرُ والتمطي والتقليب على الفراش ليلًا مع كلام. وقال ثعلب: اختلف في تعار، فقيل: انتبه، وقيل: تكلَّم، وقيل: علم، وقيل: تمطَّى، وأنَّ. وقال الأكثر: التعار اليقظة مع صوت، وقال ابن التين: ظاهر الحديث أن معنى تعار استيقظ؛ لأنه قال: "مَنْ تعارَّ فقال" فعطف القول على التعار، ويحتمل أن تكون الفاء تفسيرية لما صوت به المستيقظ؛ لأنه قد يصوت بغير ذكر، فخص الفضل المذكور بمن صوت بما ذَكر من ذِكر الله تعالى، وهذا هو السِّرُّ في اختيار لفظ تغار دون استيقظ أو انتبه، وإنما يتفق ذلك لمن تعود الذكر، واستأنس به وغلب عليه، حتى صار حديث نفسه في نومه ويقظته، فأَكْرَمَ من اتصف بذلك بإجابة دعوته وقبول صلاته. الحديث الخامس والثلاثون حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَيْرُ بْنُ هَانِىء قَالَ: حَدَّثَنِي جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ. ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي. أَوْ دَعَا اسْتُجِيبَ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلاَتُهُ. قوله: عن الأوزاعيّ قال: حدّثنا عُمير بن هانىء، كذا لمعظم الرواة عن الوليد بن مسلم، وأخرجه الطبرانيّ في الدعاء عن صفوان بن صالح عن الوليد عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثَوْبان عن عُمَير بن هانىء، وأخرجه الطبرانيّ فيه أيضًا عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقيّ الحافظ، الذي يقال له دحيم عن أبيه عن الوليد، مقرونًا برواية صفوان، وما هذا إلا وَهْم، فإنه أخرجه في المعجم الكبير عن إبراهيم عن أبيه عن الوليد عن الأوزاعيّ كالجادة، وكذا أخرجه أبو داود وابن ماجه وجعفر الفِرْيابيّ في الذكر عن دحيم، وكذا أخرجه ابن حِبّان عن عبد الله بن سليم عن دحيم، ورواية صفوان شاذةٌ، فإنْ كان حفظها عن الوليد احتمل أن يكون عند الوليد فيه شيخان، ويؤيده ما في آخر الحديث من اختلاف اللفظ، حيث جاء في جميع الروايات عن الأوزاعي، فإنه قال: اللَّهم اغفر لي إلخ. ووقع في هذه الرواية "كان من خطاياه كيوم ولدته أُمه" ولم

стр. 5108

يذكر رب اغفر لي، ولا دعاء، وقال في أوله: ما من عبدٍ يتعارّ من اللَّيل بدل قوله "من تعارّ" لكن تخالف اللفظ في هذه أخف من التي قبلها. وقوله: "له الملكُ وله الحمد" زاد عَلِيّ بن المَدِيْنِيّ عن الوليد "يُحيي ويميت"، أخرجه أبو نعيم في "الحلية" من وجهين عنه. وقوله: "الحمد لله وسبحان الله" زاد في رواية كريمة "لا إله إلا الله" وكذا عند الإسماعيليّ والنَّسائيّ والتِّرمِذِيّ وابن ماجه وأبي نعيم في الحلية ولم تختلف الروايات في البخاريّ على تقديم الحمد على التسبيح، لكن عند الإسماعيليّ بالعكس، والظاهر أنه من تَصرُّف الرواة؛ لأن الواو لا تستلزم الترتيب. وقوله: "لا حول ولا قوة إلا بالله" زاد النَّسائيّ وابن ماجه وابن السني: "العليّ العظيم". وقوله: "ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا، كذا فيه بالشك، ويحتمل أن تكون للتنويع، ويؤيد الأول ما عند الإسماعيلي بلفظ: "ثم قال رب اغفر لي غفر له" أو قال: "فدعا استجيب له" شك الوليدُ، وكذا عند أبي داود وابن ماجه بلفظ: "غفر له" قال الوليد: أو قال: "دعا استجيب له" وفي رواية عَلِيّ بن المَدِينيّ: "ثم قال رب اغفر لي" أو قال: "ثم دعا" واقتصر في رواية النَّسائيّ على الشق الأول. وقوله: استجيب، زاد الأصيلي "له"، وكذا في الروايات. وقوله: "فإن توضأ وصلّى" كذا في رواية أَبوَي ذر والوقت، وكذا الإسماعيليّ: وزاد في أوله: "فإن هو عزم فقام وتوضأ وصلّى" وكذا في رواية علي بن المَدِينيّ. قال ابن بطّال: وعد الله على لسان نبيه أنّ مَنْ استيقظ من نومه لَهِجًا لسانه بتوحيد ربه، والإذعان له بالملك، والاعتراف بنعمة يحمده عليها، وينزهه عمّا لا يليق به بتسبيحه: والخضوع له بالتكبير، والتسليم له بالعجز عن القدرة، إلا بعونه أنه إذا دعاه أجابه، وإذا صلى قبلت صلاته، فينبغي لمن بلغه هذا الحديث أن يغتنم العمل به، ويخلص نيته لربه تعالى. وقوله: "قبلت صلاته"، قال ابن المنير: وجه ترجمة البخاريّ بفضل الصلاة، وليس في الحديث إلا القبول، وهو من لوازم الصحة سواء كانت فاضلة أو مفضولة؛ لأن القبول في هذا الموطن أرجى منه في غيره، ولولا ذلك لم يكن في الكلام فائدة، فلأجل قرب الرَّجاء فيه من اليقين تَمَيَّزَ على غيره وثبت له الفضل. والذي يظهر أن المراد بالقبول هنا قدر زائد على الصحة، ومن ثَمَّ قال الداوديّ ما محصله: من قَبلَ الله له حسنة لم يعذبه؛ لأنه يعلم عواقب الأُمور، فلا يقبل شيئًا ثم يحبطه، وإذا أمن الإحباط أمن التعذيب. ولهذا قال الحسن: وددت أني أعلم أن الله قبل لي سجدة واحدة. وقال أبوَ عبد الله الغَرْبريّ الراوي عن البخاري: أجريت هذا الذكر على لساني عند انتباهي، ثُمَّ نمت فأتاني آتٍ، فقرأ. ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾. رجاله ستة: مرّ منهم صدقة بن الفضل في السادس والخمسين من العلم، ومرّ الأوزاعيَّ في العشرين منه،

стр. 5109

ومرّ الوليد بن مسلم في السادس والثلاثين من مواقيت الصلاة، ومرّ عُبادة بن الصامت في الحادي عشر من الإيمان. والباقيان اثنان الأول منهما عُمير بن هانىء العَبْسِيّ أبو الوليد الدمشقيّ الدَّارانيّ. قال الترمذيّ: كان عمير بن هانىء يصلي كل يوم ألف سجدة، ويسبح مئة ألف تسبيحة. وقال العجليّ: شاميّ تابعيّ ثقة، وذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال أبو داود: وكان قدريًا، وكان يسبح في اليوم مئة ألف تسبيحة. قال في "المقدمة": احتج به الجماعة، وليس له في البخاري سوى ثلاثة أحاديث، روى عن معاوية ومالك بن يُخَامر، وجُنَادة بن أبي أُمية. وروى عنه ابن عُمير وعبد الرحمن بن ثابت بن ثَوْبان وسعيد بن بشير وغيرهم. قتله مروان الحمار لكونه كان قائمًا في بيعة يزيد بن الوليد بعد موت يزيد بن الوليد، سنة سبع وعشرين ومئة. والدارانيّ في نسبه نسبة إلى دَارَيّا، بفتح الراء، وتشديد الياء، قرية بالشام، والنسبة إليها دارانيَّ على غير قياس، منها الإِمام أبو سليمان الداراني عبد الرحمن بن أحمد بن عطية الزاهد، أخذ عن الربيع بن صبيح. الثاني: جُنادة بن أبي أُمية الأزديّ ثم الزهرانيّ، ويقال الدوسيّ أبو عبد الله الشاميّ، يقال اسم أبي أُمية كثير، مختلف في صحبته. قال ابن يونس: كان من الصحابة، شهد فتح مصر، وولي البحرين لمعاوية. وقال العجليّ: شاميّ تابعيّ ثقة من كبار التابعين، سكن الأردن. وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام، وذكره ابن حِبّان في ثقات التابعين. وقال: قيل إن له صحبة، وليس ذلك بصحيح. وقال الواقديّ: كان ثقة صاحب غزو. وجعل في الإصابة جُنادةَ بن أبي أُمية اثنين، أحدهما هو هذا، وقال: إنه مخضرم أدرك النبيّ ﵊. وأخرج له الشيخان عن عُبادة، سكن الشام، ومات بها سنة سبع وستين. وهو الذي قال فيه العجليّ وغيره ما مرّ من كونه تابعياً. والثاني: صحابي روى له أحمد والنَّسَائيّ أنهم دخلوا على النبي ﷺ ثمانية نفر، وهو ثامنهم، فقرب إليهم طعامًا يوم الجمعة الحديث في النهي عن صيام الجمعة. وروى له أحمد أيضًا، أن رجالًا من الصحابة قال بعضهم: إن الهجرة قد انقطعت، فاختلفوا في ذلك، فانطلقت إلى النبي ﷺ فقال: "إن الهجرة لا تنقطع ما دام الجهاد"، وهو الذي ذكر ابن يونس أنه حضر فتح مصر. وأخرج الطبرانيّ عنه بسند ضعيف أن جُنادة أَمَّ قومًا ... الحديث. وفيه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ أَمَّ قوماً وهم له كارهون فإن صلاته لا تجاوز تَرْقُوَته". هذا ما قاله في الإصابة. روى صاحب الترجمة عن عمر وعَلِيّ ومُعاذ بن الصامت وغيرهم. وروى عنه ابنه سُليمان وعُمير بن هانىء وبسر بن سعيد وغيرهم. مات سنة ثمانين وقيل سنة خمس وسبعين.

стр. 5110

لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإفراد والإخبار بالجمع والقول، ورواته كلهم شاميون غير شيخه مَرْوَزِيَّ. ورواية الصحابيّ عن الصحابيّ على قول مَنْ يقول إن جُنادة صحابي. أخرجه أبو داود في الأدب، والنَّسَائيّ في اليوم والليلة، والترْمِذِيّ وابن ماجه في الدعوات. الحديث السادس والثلاثون حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْهَيْثَمُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ وَهُوَ يَقْصُصُ فِي قَصَصِهِ وَهُوَ يَذْكُرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنَّ أَخًا لَكُمْ لاَ يَقُولُ الرَّفَثَ. يَعْنِي بِذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ: وَفِينَا رَسُولُ اللَّهِ يَتْلُو كِتَابَهُ ... إِذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنَ الْفَجْرِ سَاطِعُ أَرَانَا الْهُدَى بَعْدَ الْعَمَى فَقُلُوبُنَا ... بِهِ مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِعُ يَبِيتُ يُجَافِى جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ ... إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْمُشْرِكِينَ الْمَضَاجِعُ قوله: "وهو يقص في قصصه"، أي: مواعظه التي كان أبو هريرة يذكر أصحابه بها. وقوله: "وهو يذكر النبي ﷺ أن أخًا لكم" معناه أن أبا هريرة ذكر رسول الله ﷺ ، فاستطرد إلى حكايه ما قيل في وصفه، فذكر كلام عبد الله بن رواحة بما وصف به من هذه الأبيات. وقوله: إن أخًا لكم، هو المسموع للهيثم، والرفث: الباطل أو الفحش من القول، والقائل يعني هو الهيثم، ويحتمل أن يكون الزهريَّ. وقال ابن بطّال: إن قوله ﵊: "إن أخًا لكم لا يقول الرفث" فيه أن حُسْن الشِّعر محمود كحسن الكلام، واعترضه في "الفتح" بأنه ليس في سياق الحديث ما يفصح بأن ذلك من كلامه ﷺ ، بل هو ظاهر في أنه من كلام أبي هريرة. ويأتي التصريح بذلك في رواية الزبيديّ المعلقة قريبًا. وقوله: "إذا انشق" كذا للأكثر، وفي رواية أبي الوقت: "كما انشق" والمعنى مختلف، وكلاهما واضح. وقوله: "من الفجر" بيان للمعروف الساطع، يقال: سطع إذا ارتفع، وقوله: "العمى" أي: الضلالة. وقوله: "يجافي جنبه" أي: يرفعه عن الفراش، وهو كناية عن قيام الليل، وفي هذا البيت الأخير معنى الترجمة؛ لأن التَّعَارْ هو السهر والتقلب على الفراش كما مرّ. وكأن الشاعر أشار إلى قوله تعالى في صفة المؤمنين: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ الآية. رجاله ستة: وفيه ذكر عبد الله بن رواحة، مرّ منهم يحيى بن بكير واللَّيْث والزُّهريّ في الثالث من بدء الوحي، ويونس بن يزيد في متابعة بعد الرابع منه، ومرّ أبو هريرة في الثاني من الإيمان.

стр. 5111

والخامس: الهيثم بن أبي سنان المدنيّ قال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال: هو أخو سِنان بن أبي سِنان، روى عن أبي هريرة وابن عمر، وعنه بكير بن عبد الله بن الأشج والزهريّ. وعبد الله هو ابن رُواحة بن ثَعلبة بن امرىء القيس بن عمرو بن امرىء القيس الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج، الأنصاري الخزرجيّ، الشاعر المشهور، يكنى أبا محمد، ويقال: أبو رواحة، ويقال أبو عمر، وأُمه كبشة بنت واقد بن عمرو بن الإطْنابة، خزرجية أيضًا، وليس له عقب، أحد السابقين إلى الإِسلام، واحد النقباء ليلة العقبة، شهد بدراً وما بعدها إلى أن استشهد بمؤتة. آخى النبي ﷺ بينه وبين المقداد، وبعثه رسول الله ﷺ في ثلاثين راكبًا إلى أسير بن رقرام اليهودي بخيبر، فقتله، وبعثه بعد فتح خيبر فحرض عليهم. وفي فوائد أبي طاهر عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "نِعْمَ الرجل عبد الله بن رواحة" في حديث طويل. وفي "الزهد" لأحمد عن أنس قال: كان عبد الله بن رُواحة إذا لقي رجلًا من أصحابه يقول: تعال نؤمن بربنا ساعة ... الحديث، وفيه أن النبي ﷺ قال: "رحم الله ابن رواحة، إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة" وأخرج البيهقي، بسند صحيح عن ابن أبي ليلى قال: كان النبيُّ ﷺ يخطب، فدخل عبد الله بن رواحة، فسمعه يقول: اجلسوا، فجلس، فكأنه خارجًا من المسجد، فلما فرغ قال: زادك الله حرصًا على طواعية الله وطواعية رسوله. وأخرج ابن سعد عن حَمّاد بن أبي عمران الجَوْنيَّ قال: مرض عبد الله بن رواحة، فأُغمي عليه، فعاده النبي ﷺ فقال: "اللهم إن كان أجله قد حضر فيسره، وإن لم يكن حضر فاشفه". فوجد خفة، فقال: يا رسول الله، أمي تقول: واجبلاه، واظهراه. وملك يقول: أين كذا هو قلت: نعم لقمعني بها. وفي "الزهد" لابن المبارك عن أبي ليلى بسند صحيح قال: تزوج رجل امرأة عبد الله بن رواحة، فسألها عن صنيعه فقالت: كان إذا أراد أن يخرج من بيته صلّى ركعتين، وإذا دخل بيته صلَّى ركعتين، لا يدع ذلك. قالوا: كان عبد الله أوّل خارج إلى الغزو، وآخر قافل منه. وهو أحد الشعراء المحسنين الذين كانوا يردُّون الأذى عن النبي ﷺ . وأخرج ابن سعد عن عُروة "لما أنزل الله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ قال عبد الله: أنا منهم، فأنزل الله فيه وفي صاحبه حسّان وكعب بن مالك: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ إلخ". وروى هشام بن عُروة عن أبيه قال: سمعت أبي يقول: ما سمعت بأحد أجرأ ولا أسرع شعرًا من عبد الله بن رواحة، سمعت رسول الله ﷺ يقول: أنشدنى ساعة وأنا انظر إليك، فانبعث مكانه يقول: أَنّي تفرست فيك الخير أعرفه ... والله يعلم أن ماخانني البصرُ أنت النبي ومن يُحرم شفاعته ... يوم الحساب فقد أزرى به القدرُ

стр. 5112

فثبت الله ما آتاك من حسن ... تثبيت موسى ونصرًا كالذي نصروا فأقبل بوجهه مبتسماً وقال: وأنت فَثَبَّتَكَ الله يا أبا رواحة. قال هشام بن عروة: فثبته الله أحسن ثبات. قتل شهيدًا وفتحت له الجنة ودخلها. وفي رواية ابن هشام: إني تفرست فيك خير نافلةٍ ... فِراسةً خالفتْ فيك الذي نظروا أنت النبي ومن يحرم نوافله ... والوجه منه فقد أزرى به القدر وأخرج أبو يعلى بسند صحيح عن أنس قال: دخل النبيُّ ﷺ مكة في عمرة القضاء، وابن رواحة بين يديه وهو يقول: خَلُّوا بني الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم على تأويله ضربًا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله فقال عمر: يا ابن رواحة، حَرَمُ اللهِ، وبين يدي رسوله ﷺ ، تقول هذا الشعر؟ فقال ﵊: "خل عنه يا عمر، فوالذي نفسي بيده، لكلامه أشد عليهم من وقع النبلْ"، وقصته مع زوجته مشهورة، وذلك أنه مشى ليلة إلى أمة له فنالها، وفطنت له امرأته فلامته فجحدها، وكانت قد رأت جماعه لها فقالت: إن كنت صادقًا فاقرأ القرآن، فإن الجُنُب لا يقرأ القرآن، فقال: شَهدِتُ بأنّ وعدالله حقٌ ... وأنّ النار مثوى الكافرين وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمين وتحمله ملائكة غلاظ ... ملائكة الإله المكرمين فقالت: صدق الله وكذبت عيني. وكانت لا تحفظ القرآن. وفي "الفتح" أن الأبيات التي تلاها عليها هي المذكورة في الحديث، وزاد أنه أعلم النبي ﵊ بذلك، فضحك حتى بدت نواجده. وذكر ابن إسحاق عن عُروة بن الزبير قال: لما تودع عبد الله بن رواحة في حين خروجه إلى مؤتة دعا له المسلمون ولمن معه أن يردهم الله سالمين، فقال ابن رواحة: لكنني أسال الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا أو طعنة بيدي حران مجهزة ... مروية تنفذ الأحشاء والكبدا حتى يقولوا إذا مرّوا على جدثي ... يا أرشد الناس من غازٍ وقد رشدا وذكر عبد الرزاق أنه قال يوم مؤتة يخاطب نفسه: ما لي أراك تكرهين الجنة ... وقبل ذا ما كنت تَكْرَهِنَّه هل أنت إلا نطفة في شَنَّه ... أقسمت بالله لتنزِلِنَّه طوعًا إليها أو لَتُكْرَهنَّه ثم قال:

стр. 5113

يا نفس إن لم تقتلي تموتي ... هذا حمامُ الموتِ قد صليت وما تمنيتِ فقد أعطيت ... إن تفعلي فعلهما هُديتِ يعني زيدًا وجعفرًا، ثم قاتل حينًا ثم نزل، فأتاه ابن عم بعَرْق من لحم فقال: شُدَّ بها ظهرك، فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فأخذه من يده وانتهش منه نهشة، ثم سمع حَطْمَة في الناس فقال: وأنت في الدنيا، فألقاه من يده، ثم أخذ سيفه فتقدم فقاتل حتى قتل، ﵀. ومن شعره في هذا اليوم ما مرّ في ترجمة زيد بن أرقم حين كان رديفًا على الراحلة، وأنشأ يقول: إذا أدنيتني وحملت رحلي: إلخ القصة المتقدمة وذكر ابن عبد البر عن أبي الدرداء قال: لقد رأينا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، في اليوم الحار الشديد، حتى إن الرجل ليضع من شدة الحريده على رأسه، وما في القوم صائم إلا رسول الله ﷺ ، وعبد الله بن رواحة. ومناقبه كثيرة، قال المرزبانيّ في "معجم الشعراء" كان عظيم القدر في الجاهلية والإِسلام، وكان يناقض قيس بن الخطيم في حروبهم، ومن أحسن ما مدح به النبي ﷺ قوله: لو لم تكن فيه آياتٌ مبينةٌ ... كانت بديهته تنبيكَ بالخبرِ له أحاديث، انفرد له البخاريّ بحديث موقوف، روى عنه ابن عباس وأبو هريرة، وأرسل له قيس بن أبي حازم وجماعة. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والسماع والقول، ورواته مصريان وأَيْلِىّ ومدنيان. أخرجه البخاريّ أيضًا في الأدب. ثم قال: تابعه عقيل، أي عن ابن شهاب، فالضمير ليونس، وهذه المتابعة أخرجها الطبرانيّ في الكبير، فذكر مثل رواية يونس، وعقيل قد مرّ في الثالث من بدء الوحي. ثم قال: وقال الزبيديّ: أخبرني الزهري عن سعيد والأعرج عن أبي هريرة ﵁، فيه إشارة إلى أنه اختلف عن الزهريّ في هذا الإسناد، فاتفق يونس وعقيل على أن شيخه فيه الهيثم، وخالفهما الزبيديّ فأبدله بسعيد بن المسيب والأعرج، ولا يبعد أن يكون الطريقان صحيحين، فإنهم حُفّاظ أَثْبات، والزهريّ صاحب حديث مكثر، ولكن ظاهر صنيع البخاريّ ترجيح رواية يونس لمتابعة عقيل له، بخلاف الزبيديّ. ولفظ رواية الزبيديّ هو أن أبا هريرة كان يقول في قصصه: إن أخًا لكم كان يقول شعرًا ليس بالرفث، وهو عبد الله بن رواحة، فذكر الأبيات. وهذا يبين أن قوله في الرواية الأولى: "من كلام أبي هريرة موقوفًا" بخلاف ما جزم به ابن بطّال كما مرّ، وهذا التعليق وصله البخاريّ في التاريخ الصغير والطبرانيّ في الكبير. ورجال التعليق خمسة، قد مرّ الزبيدي محمد بن الوليد في التاسع عشر من العلم، والزهريّ

стр. 5114

في الثالث من بدء الوحي وسعيد بن المسيب في التاسع عشر من الإيمان، والأعرج في السابع منه، وأبو هريرة في الثاني منه. الحديث السابع والثلاثون حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضى الله عنهما قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ كَأَنَّ بِيَدِي قِطْعَةَ إِسْتَبْرَقٍ، فَكَأَنِّي لاَ أُرِيدُ مَكَانًا مِنَ الْجَنَّةِ إِلاَّ طَارَتْ إِلَيْهِ، وَرَأَيْتُ كَأَنَّ اثْنَيْنِ أَتَيَانِي أَرَادَا أَنْ يَذْهَبَا بِي إِلَى النَّارِ فَتَلَقَّاهُمَا مَلَكٌ فَقَالَ: لَمْ تُرَعْ خَلِّيَا عَنْهُ. فَقَصَّتْ حَفْصَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إِحْدَى رُؤْيَايَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ. فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ ﵁ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ. وَكَانُوا لاَ يَزَالُونَ يَقُصُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الرُّؤْيَا أَنَّهَا فِي اللَّيْلَةِ السَّابِعَةِ مِنَ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَتْ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيْهَا فَلْيَتَحَرَّهَا مِنَ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ. قوله: "كان بيدي قطعةُ اسْتَبْرَق"، وفي رواية نافع بلفظ "سَرَقَةٌ من حرير" وأخرجه النَّسائيّ فجمع بين اللفظتين فقال: سَرَقَة من استبرق. قال أبو عبيدة: السَّرَقة قطعة من حرير، وكأنها فارسية. وقال الفارابىّ: شُقَّةٌ من حرير. وفي النهاية: قطعة من جيّد الحرير. زاد بعضهم: "بيضاء"، وأما تفسير المهلب للسرقة بأنها الكِلَّة، وهي كالهودج عند العرب، وكون عمودها في يد ابن عمر، دليل على الإِسلام، وطنبها الدين والعلم بالشرع الذي به يرزق التمكن من الجنة حيث شاء، فهو تفسير مردود، ويكفي في رده قوله في نفس الخبر: "رأيت كأن بيدي قطعة استبرق". والسَّرَقَة، بفتح الراء، تجمع على سَرَق، مثل قَصَبَة وقَصَب. وقوله: "فكأني لا أريد مكانًا من الجنة إلا طارت إليه" ويأتي في التعبير "لا أُهوي بها إلى مكان في الجنة إلاَّ طارت بي إليه" وقوله: "لا أُهوي" بضم الهمزة، أُهوي إلى الشيء، بالفتح يُهوي بالضم، أي: مال، وقد يعبر بالحرير عن شرف الدين والعلم؛ لأن الحرير أشرف ملابس الدنيا، وكذلك العلم بالدين أشرف العلوم، وأما دخول الجنة في المنام، فإنه يدل على دخولها في الجنة أيضًا بالدخول في الإِسلام الذي هو سبب لدخول الجنة، وطيران السَّرَقة قوة تدل على التمكن من الجنة حيث شاء. وقد مرّ في أوائل التهجد هذا الحديث، من وجه آخر عن ابن عمر، دون القصة الأولى، ودون ما ذكر في آخره من شأن ليلة القدر. وما ذكر هناك واستيفاء الكلام عليه هناك، ومرّ ما قيل في القصة الأُوْلى قريبًا. وقوله: "وكانوا" أي: الصحابة. وقوله: "إنها" أي: ليلة القدر، وقوله: "أرى رؤياكم قد تواطأت" أرى، بفتحتين، أي أعلم، والمراد أبصر مجازًا. وقوله: "رؤياكم" قال عِيَاض: كذا جاء

стр. 5115

بإفراد الرؤيا، والمراد مرائيكم؛ لأنها لم تكن رؤيا واحدة، وإنما أراد الجنس. وقال ابن التين: كذا رُوِي بتوحيد الرؤيا، وهو جائز؛ لأنها مصدر. قال: وأفصح منه رؤاكم، جمع رلْايا، ليكون جمعًا في مقابلة جمع. وقوله: "تواطأت" بالهمز، أي: توافقت وزناً ومعنىً. وقال ابن التين: رُوِي بغير همز، والصواب بالهمز، وأصله أن يطأ الرجل برجله مكان وطء صاحبه. وفي هذا الحديث دلالة على عظم قدر الرؤيا، وجواز الاستناد إليها في الاستدلال على الأُمور الوجودية بشرط أن لا يخالف القواعد الشرعية. وقوله: "في العشر الأواخر" كذا للكُشْمِيهنيّ ولغيره "من العشر الأواخر". رجاله خمسة: وفيه حفصة، وقد مرّوا، مرّ أبو النعمان في الأخير من الإيمان، ومرّ حمّاد بن زيد في الرابع والعشرين منه، ومرّ أيوب في التاسع منه، ومرّ ابن عمر في أوله قبل ذكر حديث منه، ومرّ نافع في الأخير من العلم، ومرّت أمنا حفصة في الثالث والستين من الوضوء. أخرجه البخاريّ أيضًا في التعبير، ومسلم في الفضائل، والتِّرْمِذِيُّ في المناقب، والنَّسائيّ فيها وفي الرؤيا. ثم قال المصنف:
следующие страницы →