← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.

стр. 5111

والخامس: الهيثم بن أبي سنان المدنيّ قال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال: هو أخو سِنان بن أبي سِنان، روى عن أبي هريرة وابن عمر، وعنه بكير بن عبد الله بن الأشج والزهريّ. وعبد الله هو ابن رُواحة بن ثَعلبة بن امرىء القيس بن عمرو بن امرىء القيس الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج، الأنصاري الخزرجيّ، الشاعر المشهور، يكنى أبا محمد، ويقال: أبو رواحة، ويقال أبو عمر، وأُمه كبشة بنت واقد بن عمرو بن الإطْنابة، خزرجية أيضًا، وليس له عقب، أحد السابقين إلى الإِسلام، واحد النقباء ليلة العقبة، شهد بدراً وما بعدها إلى أن استشهد بمؤتة. آخى النبي ﷺ بينه وبين المقداد، وبعثه رسول الله ﷺ في ثلاثين راكبًا إلى أسير بن رقرام اليهودي بخيبر، فقتله، وبعثه بعد فتح خيبر فحرض عليهم. وفي فوائد أبي طاهر عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "نِعْمَ الرجل عبد الله بن رواحة" في حديث طويل. وفي "الزهد" لأحمد عن أنس قال: كان عبد الله بن رُواحة إذا لقي رجلًا من أصحابه يقول: تعال نؤمن بربنا ساعة ... الحديث، وفيه أن النبي ﷺ قال: "رحم الله ابن رواحة، إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة" وأخرج البيهقي، بسند صحيح عن ابن أبي ليلى قال: كان النبيُّ ﷺ يخطب، فدخل عبد الله بن رواحة، فسمعه يقول: اجلسوا، فجلس، فكأنه خارجًا من المسجد، فلما فرغ قال: زادك الله حرصًا على طواعية الله وطواعية رسوله. وأخرج ابن سعد عن حَمّاد بن أبي عمران الجَوْنيَّ قال: مرض عبد الله بن رواحة، فأُغمي عليه، فعاده النبي ﷺ فقال: "اللهم إن كان أجله قد حضر فيسره، وإن لم يكن حضر فاشفه". فوجد خفة، فقال: يا رسول الله، أمي تقول: واجبلاه، واظهراه. وملك يقول: أين كذا هو قلت: نعم لقمعني بها. وفي "الزهد" لابن المبارك عن أبي ليلى بسند صحيح قال: تزوج رجل امرأة عبد الله بن رواحة، فسألها عن صنيعه فقالت: كان إذا أراد أن يخرج من بيته صلّى ركعتين، وإذا دخل بيته صلَّى ركعتين، لا يدع ذلك. قالوا: كان عبد الله أوّل خارج إلى الغزو، وآخر قافل منه. وهو أحد الشعراء المحسنين الذين كانوا يردُّون الأذى عن النبي ﷺ . وأخرج ابن سعد عن عُروة "لما أنزل الله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ قال عبد الله: أنا منهم، فأنزل الله فيه وفي صاحبه حسّان وكعب بن مالك: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ إلخ". وروى هشام بن عُروة عن أبيه قال: سمعت أبي يقول: ما سمعت بأحد أجرأ ولا أسرع شعرًا من عبد الله بن رواحة، سمعت رسول الله ﷺ يقول: أنشدنى ساعة وأنا انظر إليك، فانبعث مكانه يقول: أَنّي تفرست فيك الخير أعرفه ... والله يعلم أن ماخانني البصرُ أنت النبي ومن يُحرم شفاعته ... يوم الحساب فقد أزرى به القدرُ

стр. 5112

فثبت الله ما آتاك من حسن ... تثبيت موسى ونصرًا كالذي نصروا فأقبل بوجهه مبتسماً وقال: وأنت فَثَبَّتَكَ الله يا أبا رواحة. قال هشام بن عروة: فثبته الله أحسن ثبات. قتل شهيدًا وفتحت له الجنة ودخلها. وفي رواية ابن هشام: إني تفرست فيك خير نافلةٍ ... فِراسةً خالفتْ فيك الذي نظروا أنت النبي ومن يحرم نوافله ... والوجه منه فقد أزرى به القدر وأخرج أبو يعلى بسند صحيح عن أنس قال: دخل النبيُّ ﷺ مكة في عمرة القضاء، وابن رواحة بين يديه وهو يقول: خَلُّوا بني الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم على تأويله ضربًا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله فقال عمر: يا ابن رواحة، حَرَمُ اللهِ، وبين يدي رسوله ﷺ ، تقول هذا الشعر؟ فقال ﵊: "خل عنه يا عمر، فوالذي نفسي بيده، لكلامه أشد عليهم من وقع النبلْ"، وقصته مع زوجته مشهورة، وذلك أنه مشى ليلة إلى أمة له فنالها، وفطنت له امرأته فلامته فجحدها، وكانت قد رأت جماعه لها فقالت: إن كنت صادقًا فاقرأ القرآن، فإن الجُنُب لا يقرأ القرآن، فقال: شَهدِتُ بأنّ وعدالله حقٌ ... وأنّ النار مثوى الكافرين وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمين وتحمله ملائكة غلاظ ... ملائكة الإله المكرمين فقالت: صدق الله وكذبت عيني. وكانت لا تحفظ القرآن. وفي "الفتح" أن الأبيات التي تلاها عليها هي المذكورة في الحديث، وزاد أنه أعلم النبي ﵊ بذلك، فضحك حتى بدت نواجده. وذكر ابن إسحاق عن عُروة بن الزبير قال: لما تودع عبد الله بن رواحة في حين خروجه إلى مؤتة دعا له المسلمون ولمن معه أن يردهم الله سالمين، فقال ابن رواحة: لكنني أسال الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا أو طعنة بيدي حران مجهزة ... مروية تنفذ الأحشاء والكبدا حتى يقولوا إذا مرّوا على جدثي ... يا أرشد الناس من غازٍ وقد رشدا وذكر عبد الرزاق أنه قال يوم مؤتة يخاطب نفسه: ما لي أراك تكرهين الجنة ... وقبل ذا ما كنت تَكْرَهِنَّه هل أنت إلا نطفة في شَنَّه ... أقسمت بالله لتنزِلِنَّه طوعًا إليها أو لَتُكْرَهنَّه ثم قال:

стр. 5113

يا نفس إن لم تقتلي تموتي ... هذا حمامُ الموتِ قد صليت وما تمنيتِ فقد أعطيت ... إن تفعلي فعلهما هُديتِ يعني زيدًا وجعفرًا، ثم قاتل حينًا ثم نزل، فأتاه ابن عم بعَرْق من لحم فقال: شُدَّ بها ظهرك، فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فأخذه من يده وانتهش منه نهشة، ثم سمع حَطْمَة في الناس فقال: وأنت في الدنيا، فألقاه من يده، ثم أخذ سيفه فتقدم فقاتل حتى قتل، ﵀. ومن شعره في هذا اليوم ما مرّ في ترجمة زيد بن أرقم حين كان رديفًا على الراحلة، وأنشأ يقول: إذا أدنيتني وحملت رحلي: إلخ القصة المتقدمة وذكر ابن عبد البر عن أبي الدرداء قال: لقد رأينا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، في اليوم الحار الشديد، حتى إن الرجل ليضع من شدة الحريده على رأسه، وما في القوم صائم إلا رسول الله ﷺ ، وعبد الله بن رواحة. ومناقبه كثيرة، قال المرزبانيّ في "معجم الشعراء" كان عظيم القدر في الجاهلية والإِسلام، وكان يناقض قيس بن الخطيم في حروبهم، ومن أحسن ما مدح به النبي ﷺ قوله: لو لم تكن فيه آياتٌ مبينةٌ ... كانت بديهته تنبيكَ بالخبرِ له أحاديث، انفرد له البخاريّ بحديث موقوف، روى عنه ابن عباس وأبو هريرة، وأرسل له قيس بن أبي حازم وجماعة. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والسماع والقول، ورواته مصريان وأَيْلِىّ ومدنيان. أخرجه البخاريّ أيضًا في الأدب. ثم قال: تابعه عقيل، أي عن ابن شهاب، فالضمير ليونس، وهذه المتابعة أخرجها الطبرانيّ في الكبير، فذكر مثل رواية يونس، وعقيل قد مرّ في الثالث من بدء الوحي. ثم قال: وقال الزبيديّ: أخبرني الزهري عن سعيد والأعرج عن أبي هريرة ﵁، فيه إشارة إلى أنه اختلف عن الزهريّ في هذا الإسناد، فاتفق يونس وعقيل على أن شيخه فيه الهيثم، وخالفهما الزبيديّ فأبدله بسعيد بن المسيب والأعرج، ولا يبعد أن يكون الطريقان صحيحين، فإنهم حُفّاظ أَثْبات، والزهريّ صاحب حديث مكثر، ولكن ظاهر صنيع البخاريّ ترجيح رواية يونس لمتابعة عقيل له، بخلاف الزبيديّ. ولفظ رواية الزبيديّ هو أن أبا هريرة كان يقول في قصصه: إن أخًا لكم كان يقول شعرًا ليس بالرفث، وهو عبد الله بن رواحة، فذكر الأبيات. وهذا يبين أن قوله في الرواية الأولى: "من كلام أبي هريرة موقوفًا" بخلاف ما جزم به ابن بطّال كما مرّ، وهذا التعليق وصله البخاريّ في التاريخ الصغير والطبرانيّ في الكبير. ورجال التعليق خمسة، قد مرّ الزبيدي محمد بن الوليد في التاسع عشر من العلم، والزهريّ

стр. 5114

في الثالث من بدء الوحي وسعيد بن المسيب في التاسع عشر من الإيمان، والأعرج في السابع منه، وأبو هريرة في الثاني منه. الحديث السابع والثلاثون حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضى الله عنهما قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ كَأَنَّ بِيَدِي قِطْعَةَ إِسْتَبْرَقٍ، فَكَأَنِّي لاَ أُرِيدُ مَكَانًا مِنَ الْجَنَّةِ إِلاَّ طَارَتْ إِلَيْهِ، وَرَأَيْتُ كَأَنَّ اثْنَيْنِ أَتَيَانِي أَرَادَا أَنْ يَذْهَبَا بِي إِلَى النَّارِ فَتَلَقَّاهُمَا مَلَكٌ فَقَالَ: لَمْ تُرَعْ خَلِّيَا عَنْهُ. فَقَصَّتْ حَفْصَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إِحْدَى رُؤْيَايَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ. فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ ﵁ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ. وَكَانُوا لاَ يَزَالُونَ يَقُصُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الرُّؤْيَا أَنَّهَا فِي اللَّيْلَةِ السَّابِعَةِ مِنَ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَتْ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيْهَا فَلْيَتَحَرَّهَا مِنَ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ. قوله: "كان بيدي قطعةُ اسْتَبْرَق"، وفي رواية نافع بلفظ "سَرَقَةٌ من حرير" وأخرجه النَّسائيّ فجمع بين اللفظتين فقال: سَرَقَة من استبرق. قال أبو عبيدة: السَّرَقة قطعة من حرير، وكأنها فارسية. وقال الفارابىّ: شُقَّةٌ من حرير. وفي النهاية: قطعة من جيّد الحرير. زاد بعضهم: "بيضاء"، وأما تفسير المهلب للسرقة بأنها الكِلَّة، وهي كالهودج عند العرب، وكون عمودها في يد ابن عمر، دليل على الإِسلام، وطنبها الدين والعلم بالشرع الذي به يرزق التمكن من الجنة حيث شاء، فهو تفسير مردود، ويكفي في رده قوله في نفس الخبر: "رأيت كأن بيدي قطعة استبرق". والسَّرَقَة، بفتح الراء، تجمع على سَرَق، مثل قَصَبَة وقَصَب. وقوله: "فكأني لا أريد مكانًا من الجنة إلا طارت إليه" ويأتي في التعبير "لا أُهوي بها إلى مكان في الجنة إلاَّ طارت بي إليه" وقوله: "لا أُهوي" بضم الهمزة، أُهوي إلى الشيء، بالفتح يُهوي بالضم، أي: مال، وقد يعبر بالحرير عن شرف الدين والعلم؛ لأن الحرير أشرف ملابس الدنيا، وكذلك العلم بالدين أشرف العلوم، وأما دخول الجنة في المنام، فإنه يدل على دخولها في الجنة أيضًا بالدخول في الإِسلام الذي هو سبب لدخول الجنة، وطيران السَّرَقة قوة تدل على التمكن من الجنة حيث شاء. وقد مرّ في أوائل التهجد هذا الحديث، من وجه آخر عن ابن عمر، دون القصة الأولى، ودون ما ذكر في آخره من شأن ليلة القدر. وما ذكر هناك واستيفاء الكلام عليه هناك، ومرّ ما قيل في القصة الأُوْلى قريبًا. وقوله: "وكانوا" أي: الصحابة. وقوله: "إنها" أي: ليلة القدر، وقوله: "أرى رؤياكم قد تواطأت" أرى، بفتحتين، أي أعلم، والمراد أبصر مجازًا. وقوله: "رؤياكم" قال عِيَاض: كذا جاء

стр. 5115

بإفراد الرؤيا، والمراد مرائيكم؛ لأنها لم تكن رؤيا واحدة، وإنما أراد الجنس. وقال ابن التين: كذا رُوِي بتوحيد الرؤيا، وهو جائز؛ لأنها مصدر. قال: وأفصح منه رؤاكم، جمع رلْايا، ليكون جمعًا في مقابلة جمع. وقوله: "تواطأت" بالهمز، أي: توافقت وزناً ومعنىً. وقال ابن التين: رُوِي بغير همز، والصواب بالهمز، وأصله أن يطأ الرجل برجله مكان وطء صاحبه. وفي هذا الحديث دلالة على عظم قدر الرؤيا، وجواز الاستناد إليها في الاستدلال على الأُمور الوجودية بشرط أن لا يخالف القواعد الشرعية. وقوله: "في العشر الأواخر" كذا للكُشْمِيهنيّ ولغيره "من العشر الأواخر". رجاله خمسة: وفيه حفصة، وقد مرّوا، مرّ أبو النعمان في الأخير من الإيمان، ومرّ حمّاد بن زيد في الرابع والعشرين منه، ومرّ أيوب في التاسع منه، ومرّ ابن عمر في أوله قبل ذكر حديث منه، ومرّ نافع في الأخير من العلم، ومرّت أمنا حفصة في الثالث والستين من الوضوء. أخرجه البخاريّ أيضًا في التعبير، ومسلم في الفضائل، والتِّرْمِذِيُّ في المناقب، والنَّسائيّ فيها وفي الرؤيا. ثم قال المصنف:

стр. 5116

باب المداومة على ركعتي الفجر أي سفر وحضر. الحديث الثامن والثلاثون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ هُوَ ابْنُ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ ثُمَّ صَلَّى ثَمَانَ رَكَعَاتٍ وَرَكْعَتَيْنِ جَالِسًا وَرَكْعَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءَيْنِ، وَلَمْ يَكُنْ يَدَعُهُمَا أَبَدًا. قوله: "عن عِراك بن مالك عن أبي سلمة" خالف الليث عن يزيد بن أبي حبيب، فرواه عن جعفر بن ربيعة عن أبي سلمة لم يذكر بينهما أحدًا أخرجه أحمد والنَّسائيّ، وكان جعفرًا أخذه عن أبي سلمة بواسطة ثم حمله عنه، وليزيد فيه إسناد آخر، رواه عن عراك بن مالك عن عروة عن عائشة: أخرجه مسلم، وكان لعراك فيه شيخين. وقوله: "وصلى" في رواية الكشميهني: "ثم صلى" وليس فيه ذكر الوتر، وهو في رواية الليث، ولفظه: "كان يصلي بثلاث عشرة ركعة، تسعًا قائمًا وركعتين وهو جالس". وقوله: "وركعتين بين النداءين" أي: بين الأذان والإقامة، وفي رواية الليث: "ثم يمهل حتى يؤذن بالأولى من الصبح، فيركع ركعتين" ولمسلم من رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة "يصلي ركعتين خفيفتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح" وقوله: "لم يكن يدعهما أبدًا" استدل به لمن قال بالوجوب، وهو منقول عن الحسن البصري، أخرجه ابن أبي شيبة عنه بلفظ: "كان الحسن يرى الركعتين قبل الفجر واجبتين" والمراد بالفجر هنا صلاة الصبح، ونقل المرغيناني مثله عن أبي حنيفة، وفي جامع المحيوبيّ عن الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: "لو صلاهما قاعدًا من غير عذر لم يجز" واستدل بعض الشافعية للقديم في أن ركعتي الفجر أفضل التطوعات. وقال الشافعي، في الجديد أفضلها الوتر، وقال بعض أصحابه أفضلها صلاة الليل وقد مرّ الكلام بأشبع من هذا في الباب الثاني من أبواب التهجد. وقوله: "أبدًا" قد تقرر في كتب العربية أنها تستعمل للمستقبل، وأما الماضي فيؤكد بقَطُّ، ويجاب عن الحديث المذكور بأنها ذكرت على سبيل المبالغة، إجراءً للماضي مجرى المستقبل،

стр. 5117

كأن ذلك دأبه لا يتركه. وعند المالكية، إذا أقيمت صلاة الصبح على إنسان لم يركع ركعتي الفجر، فإن كان داخل المسجد وما في حكمه كرحبته مما تصح به الجمعة، يتركهما ولو كان يأتي بهما قبل فوات ركعة. وإن كان خارج المسجد ركعهما إن لم يخف ذوات ركعة، وإلا تركهما وقضاهما بعد طلوع الشمس إلى الزوال، وهما عندهم رغيبة دون السنة، وقيل سنة، وعند الحنفية إذا علم إدراك ركعة مع الإمام صلاهما عند باب المسجد، ثم يدخل ولا يتركهما، وإذا خشي فوات الفرض دخل مع الإمام ولا يصليهما، واختلف العلماء في قضائهما وفي وقته، فعند المالكية هو ما مرّ، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف لا يقضيهما، وعند محمد بن الحسن يقضيهما بعد الطلوع إن أحب، والمشهور عند الشافعية أنه يقضيهما مؤبدًا، ولو بعد الصبح، ورواية البويطيّ عن الشافعيّ أنه يقضيهما بعد طلوع الشمس، ورويت في فضلهما أحاديث كثيرة، منها ما رواه أبو داود عن أبي هريرة مرفوعًا "لا تَدَعُوا ركعتي الفجر ولو طردتكم الخيل" وهذا كناية عن المبالغة، وفيه حث عظيم على مواظبتهما. ومنها ما رواه مسلم عن عائشة أنه ﷺ قال: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها"، وأخرجه التِّرمِذِيّ وقال: حسن صحيح، إلى غير هذا من الأحاديث. رجاله ستة: مرّ منهم عبد الله بن يزيد في الثالث والعشرين من الأذان، ومرّ عِراك بن مالك في السادس والثلاثين من كتاب الصلاة، ومرّ أبو سلمة في الرابع من بدء الوحي، وأُم المؤمنين عائشة في الثاني منه، والباقي سعيد بن أبي أيوب، واسمه مِقْلاص الخُزاعيّ مولاهم أبو يحيى المصريّ قال أحمد: لا بأس به، وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا، وذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال ابن معين والنَّسائيّ: ثقة، وقال ابن يونس: كان فقيهًا، وقال ابن وهب: كان فهمًا حلوًا، قيل له: كان فقيهًا؟ قال: نعم والله. وقال الساجي: صدوق، ووَثَّقه يحيى بن بكير، روى عن أبي الأسود وكعب بن علقمة، وعقيل بن خالد وغيرهم. وروى عنه ابن جريج، وهو أكبر منه وابن المبارك وابن وهب وغيرهم. ولد سنة مئة ومات سنة إحدى وستين ومئة وقيل سنة ست وستين وقيل سنة تسع وأربعين. ومرّ جعفر بن ربيعة بن شُرَحبيل بن حسنة الكنديّ، أبو شرحبيل المصريّ في الرابع من التيمم. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والقول، ورواته بصريّ ومكيّ ومصريان ومدنيان، أخرجه أبو داود والنَّسائيّ في الصلاة. ثم قال المصنف:

стр. 5118

باب الضِجعة على الشق الأيمن بعد ركعتي الفجر الضِجعة بكسر الضاد المعجمة لأن المراد الهيئة وبفتحها على إرادة المرة. الحديث التاسع والثلاثون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ. هذا الحديث قد مرّ الكلام عليه مستوفىً عند حديث عائشة في باب "مَنْ انتظر الإقامة" من أبواب الأذان. رجاله خمسة: مرّوا، مرّ محل عبد الله بن يزيد في الذي قبله، ومرّ فيه سعيد بن أبي أيوب، ومرّ أبو الأسود في الثامن والثلاثين من الغسل، ومرّ عروة وعائشة في الثاني من بدء الوحي. ثم قال المصنف:

стр. 5119

باب مَنْ تحدث بعد الركعتين ولم يضطجع أشار بهذه الترجمة إلى أنه، ﷺ ، لم يكن يداوم عليها، وبذلك احتج الأئمة على عدم وجوبها، وجملوا الأمر الوارد بذلك في حديث أبي هريرة عند أبي داود وغيره على الاستحباب، وقد تقدم في أول أبواب الوتر في حديث ابن عباس، أن اضطجاعه، ﷺ ، وقع بعد الوتر قبل صلاة الفجر، ولا يعارض ذلك حديث عائشة المذكور في هذا الباب؛ لأن المراد بحديث ابن عباس أنه ﵊ نام بين صلاة الليل وصلاة الفجر، وغايته أنه تلك الليلة لم يضطجع بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح، فيستفاد منه عدم الوجوب أيضًا. وأما ما رواه مسلم عن عائشة من أنه، ﷺ ، اضطجع بعد الوتر، فقد خالف مالكًا الراوي له عن الزُّهريّ أصحابَ الزهريّ عن عروة، فذكروا الاضطجاع بعد الفجر، وهو المحفوظ، ولم يصب من احتج به على ترك استحباب الاضطجاع، قاله في "الفتح". قلت: هذا كله انتصار لمذهبه، والحق أن حديث ابن عباس المذكور وحديث عائشة، في كل منهما الدلالة على أن فعلها على وجه الاستراحة لا على وجه السُّنَّة؛ لأن الأحاديث دالة على أنه يفعلها ويتركها، ويفعلها بعد الوتر وبعد الفجر، ولهذا قال مالك: إنها مكروهة إذا قصدت بها السنة؛ لأنَّ جَعْلَ ما ليس بسنةٍ سنةً خلافُ السنة. وقد مرّ الكلام على هذا في الباب المذكور آنفًا. الحديث الأربعون حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي وَإِلاَّ اضْطَجَعَ حَتَّى يُؤْذَنَ بِالصَّلاَةِ. قوله: "كان إذا صلى ركعتي الفجر" وسنذكر مستند ذلك في الباب الذي بعده، وقوله: "وإلا اضطجع"، قد مرّ الكلام على هذا عند حديث عائشة، آخر حديث من أبواب التقصير. وقوله: "حتى يُؤذَّن" أي: بضم أوله وفتح المعجمة الثقيلة. وللكشميهنيّ "حتى نودي" واستدل به على عدم استحباب الضجعة، وَرُدَّ بأنه لا يلزمُ من كونه ربما تركها عَدَمُ الاستحباب، بل يدل تركه لها أحيانًا على عدم الوجوب، كما تقدم أول الباب وقد مرّ البحث في ذلك. رجاله خمسة: قد مرّوا، إلاَّ شيخ البخاريّ، مرّ سفيان بن عُيينة في الأول من بدء الوحي، وأبو سلمة في

стр. 5120

الرابع منه، وعائشة في الثاني منه، ومرّ أبو النضر سالم في السابع والستين من الوضوء. وشيخ البخاريّ بشر بن الحكم بن حَبيب بن مِهران العَبديّ، أبو عبد الرحمن النَّيْسابوريّ الفقيه الزاهد، قال ابن عمه أبو أحمد الفراء: بِشرٌ عندي ثقةٌ صدوق ضيع نفسه، وذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال أحمد بن سَيّار: روى عن ابنَ عُيينة فأكثر، ورحل في الحديث، وجالس الناس. روى عن مالك، وابن عيينة، وشُريك، وغيرهم، وروى عنه البخاريّ ومسلم والنَّسائيّ وإسحاق بن راهَوَيه وغيرهم. مات سنة سبع أو ثمان وثلاثين ومئتين. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والقول، ورواته نيسابوريّ ومكيّ ومدنيان، أخرجه البخاريّ أيضًا، وأخرجه مسلم والتِّرمِذِيّ ثم قال المصنف:

стр. 5121

باب الحديث بعد ركعتي الفجر الحديث الحادي والأربعون حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: أَبُو النَّضْرِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي وَإِلاَّ اضْطَجَعَ. قُلْتُ لِسُفْيَانَ: فَإِنَّ بَعْضَهُمْ يَرْوِيهِ رَكْعَتَىِ الْفَجْرِ. قَالَ سُفْيَانُ: هُوَ ذَاكَ. أعاد هذا الحديث، ولفظه: "كان يصلي ركعتين" وفي آخره قلت لسفيان: فإن بعضهم يرويه ركعتي الفجر، قال سفيان: هو ذاك، والقائل، قلت لسفيان: هو علي بن المَدِينيّ شيخ البخاريّ فيه، ومراده بقوله: "بعضهم" مالك، كذا أخرجه الدارقطنيّ عن بشر بن عمر عن مالك أنه سأله عن الرجل يتكلم بعد طلوع الفجر، فحدثني عن سالم فذكره. وقد أخرجه ابن خُزيمة عن ابن عُيينة بلفظ: "كان يصلي ركعتي الفجر" واستدل به على جواز الكلام بين صلاة الفجر وصلاة الصبح، خلافًا لمن كره ذلك، وقد نقله ابن أبي شيبة عن ابن مسعود، ولا يثبت عنه، وأخرجه صحيحًا عن إبراهيم وأبي الشعثاء وغيرهما. وقد وقع هنا في بعض النسخ عن سفيان، قال سالم أبو النضر: حدّثني أبي. وقوله: "أبي" زيادة لا أصل لها بل هي غلط محض حمل عليها تقديم الاسم على الصفة، فظن من لا خبرة له أن فاعل حدّثني راوٍ غير سالم، فزاد في السند لفظ "أبي"، وقد تقدم الحديث بهذا السند قريبًا عن بشر بن الحكم عن سفيان عن أبي النضر عن أبي سلمة ليس بينهما أحد، وكذا في الذي قبله من رواية مالك عن أبي النضر عن أبي سلمة. وقد أخرجه الحُميديّ في مسنده عن سُفيان حدّثنا أبو النضر عن أبي سلمة، وليس لوالد أبى النضر مع ذلك رواية أصلًا، لا في الصحيح ولا في غيره. فمن زادها فقد أخطأ. رجاله خمسة: مرّ منهم عَلِيّ بن المَدِينيّ في الرابع عشر في العلم، ومرّ ابن عُيينة في الأول من بدء الوحي، وأبو سلمة في الرابع منه، وعائشة في الثاني منه، ومرّ أبو النضر في السابع والستين من الوضوء. قد وقع في أكثر الأصول الفصل بين هذه الترجمة وما بعدها من الترجمتين المتعلقتين بركعتي الفجر بالباب الآتي، وهو باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى، وقد وقع في كتاب الرجال هذا الفصل

стр. 5122

تبعًا للعينيّ، والصواب ما وقع في بعض الأُصول من تأخيره عنها، وإيرادها يتلو بعضها بعضًا، كما وقع في الفتح، وهو الذي اقتفيته في الشرح. قال ابن رشيد: الظاهر أن ذلك وقع من بعض الرواة، عند ضم بعض الأبواب إلى بعض، ويدل على ذلك أنه اتبع هذا الباب الذي هو قوله: "باب الحديث بعد ركعتي الفجر" كالمبين للحديث الذي أدخل تحت قوله: "باب مَنْ تحدث بعد الركعتين" إذ المراد بهما ركعتا الفجر، وبهذا نتبين فائدة إعادة الحديث، وإنما ضم المصنف ركعتي الفجر إلى التهجد، لقربها منه، كما ورد أن المغرب وتر النهار، وإنما المغرب في التحقيق من صلاة الليل، كما أن الفجر في الشرع من صلاة النهار. ثم قال المصنف:

стр. 5123

باب تعاهد ركعتي الفجر ومَنْ سماهما تطوعًا قوله: ومَنْ سماهما، في رواية الحمويّ والمستمليّ: ومَنْ سماهما، أي: سنة الفجر. وقوله: تطوعًا، أورده في الحديث بلفظ النوافل، وأشار بلفظ التطوع إلى ما ورد في بعض طرقه، ففي رواية أبي عاصم عن ابن جُريج عند البَيْهَقىّ قلتُ لعطاء: أواجبةٌ ركعتا الفجر أو هي من التطوع؟ فقال: حدّثني عبيد بن عُمير فذكر الحديث، وجاء عن عائشة أيضًا تسميتها تطوعًا من وجه آخر، فعند مسلم عن عبيد الله بن شقيق: سألت عائشة عن تطوع النبيّ ﷺ ، فذكر الحديث، وفيه: "وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين" الحديث الثاني والأربعون حَدَّثَنَا بَيَانُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ مِنْهُ تَعَاهُدًا عَلَى رَكْعَتَىِ الْفَجْرِ. قوله: "في عطاء"، في رواية مسلم عن ابن جُريج، حدّثني عطاء. وقوله: عن عبيد بن عمير، في رواية ابن خُزَيمة عن يحيى بن سعيد بسنده، أخبرني عبيد بن عمير. وقوله: أشد تعاهدًا، في رواية ابن خزيمة أشد معاهدة، ولمسلم عن ابن جُريج "ما رأيته إلى شيء من الخير أسرع منه إلى الركعتين قبل الفجر" زاد ابن خُزيمة من هذا الوجه "ولا إلى غنيمة". رجاله ستة: قد مرّوا إلاَّ شيخ البخاريّ، مرّ يحيى القطان في السادس من الإيمان، وابن جُريج في الثالث من الحيض، وعطاء في التاسع والثلاثين من العلم، وعُبيد بن عُمير في الرابع من الوضوء، وعائشة في الثاني من بدء الوحي. وشيخ البخاريّ بَيَان بن عمرو البخاريّ أبو محمد العابد أثنى عليه ابن المَدِينيّ، ووثَّقَه ابن حِبّان وابن عَدِيّ، وقال أبو حاتم: مجهول، والحديث الذي رواه عن سالم بن نوح باطل. قال في المقدمة: ليس بمجهول. مَنْ روى عنه البخاريُّ وأبو زرعة وعُبيد الله بن واصل، ووَثَّقه من ذكرنا، وأما الحديث فالعهدة فيه على غيره؛ لأنه لم ينفرد به، كما قال الدارقطنيّ في "المؤتلف والمختلف" روى عن ابن مَهْدي والقَّطان والنضر بن شُمَيل وغيرهم. وروى عنه من مرّ ذكرهم.

стр. 5124

مات سنة اثنين وعشرين ومئتين. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، وشيخ البخاريّ من أفراده، وهو بخاريّ ثم بصريّ ومكيون وفيه رواية التابعيّ عن التابعيّ، أخرجه مسلم في الصلاة، وكذا أبو داود والنَّسائيّ.

стр. 5125

باب ما يُقرأ في ركعتي الفجر هو بضم يقرأ بالبناء للمجهول. الحديث الثالث والأربعون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ يُصَلِّي إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ. قوله: "ثلاث عشرة ركعة" مخالف لما مضى قريبًا من طريق أبي سلمة عن عائشة "لم يكن يزيد على إحدى عشرة" وقد مرّ عند ذكر حديثها في أول أبواب الوتر، الحديث الرابعُ، الجمعُ بين ذلك مستوفى. وقوله: "خفيفتين"، قال الإسماعيليّ: كان حق هذه الترجمة أن تكون تخفيف ركعتي الفجر، ولكن لما ترجم به المصنف وجه وجيه، وهو أنه أشار إلى خلاف مَنْ زعم أنه لا يقرأ في ركعتي الفجر أصلًا، وهو قول محكيّ عن أبي بكر الأصم وإبراهيم بن علية، ويرد عليهما ما ورد من الأحاديث في القراءة بهما، وقد مرّ استيفاء الكلام على القراءة في ركعتي الفجر، عند حديث حفصة في باب الأذان بعد الفجر. رجاله خمسة: قد مرّوا بهذ النسق في الثاني من بدء الوحي. الحديث الرابع والأربعون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَمَّتِهِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُخَفِّفُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ صَلاَةِ الصُّبْحِ حَتَّى إِنِّي لأَقُولُ هَلْ قَرَأَ بِأُمِّ الْكِتَابِ؟ قوله: عن محمد بن عبد الرحمن عن عمته، وهي عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، وهي عمة أبيه؛ لأنه هو محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن أسعد بن زُرارة، وزعم

стр. 5126

ابن مسعود، وتبعه الحُميدي، أنه محمد بن عبد الرحمن بن حارثة إلخ، ما يذكر في السند، وقد رواه أبو داود الطيالسيّ عن شعبة، فقال عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة، وَوَهَّمُوه فيه أيضًا، ويحتمل أن كان حفظه، أن يكون لشُعبة فيه شيخان. وقوله في "السند الأخير": عن محمد بن عبد الرحمن، كذا في الأصل، غير منسوب، والظاهر أنه هو الذي قبله، وجزم بذلك أبو الأحوص عن يحيى بن سعيد عند الأسماعيليّ، وذكر الدارقطنيّ في "العلل" أن سليمان بن بلال رواه عن يحيى بن سعيد، قال: حدثني أبو الرجال، فيحتمل أن يكون ليحيى بن سعيد فيه شيخان، لكن رجح الدارقطنيّ الأول، ورواه مالك عن يحيى بن سعيد عن عائشة، فأسقط من الإسناد اثنين. وقوله: "هل قرأ بأم القرآن؟ "، هذه رواية الحمويّ، وفي رواية غيره "بأم الكتاب"، وزاد مالك في الرواية المذكورة "أم لا"، وقد ساق البخاريَّ المتن على لفظ يحيى بن سعيد. وأما لفظ شُعبة، فأخرجه أحمد عن محمد بن جعفر شيخ البخاريّ فيه "إذا طلع الفجر صلّى ركعتين"، أو "لم يصل إلاَّ ركعتين" أقول: لم يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب، وكذا رواه مسلم عن شُعبة، لكن لم يقل: أو لم يصل إلاَّ ركعتين، ورواه أحمد أيضًا عن شُعبة بلفظ: "كان إذا طلع الفجر لم يصلِّ إلا ركعتين"، فأقول هل قرأ فيهما بفاتحة الكتاب؟ وقد مرّت مباحث هذا الحديث في الباب المذكور آنفًا. رجاله تسعة: لأنه رواه من طريقين، قد مرّوا إلا محمد بن عبد الرحمن، مرّ محمد بن بشَّار في الحادي عشر من العلم، ومرّ غُنْدُر محمد بن جعفر في الخامس والعشرين من الإيمان، وشُعبة في الثالث منه، وأحمد بن يونس في التاسع عشر منه، وزهير بن معاوية في الثالث والثلاثين منه، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ في الأول من بدء الوحي، وعائشة في الثاني منه، وعَمْرة بنت عبد الرحمن في الثاني والثلاثين من الحيض. التاسع: محمد بن عبد الرحمن بن أسعد بن زُرَارة الأنصاريّ المدنيّ، ويقال محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، ويقال: ابن محمد بدل عبد الله، ومنهم مَنْ ينسبه إلى جده من أُمه، فيقول محمد بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة. ذكره ابن حِبَّان في الثقات، وقال ابن سعد: ثقة، وله أحاديث. وقال النَّسائيّ: ثقة. وقال مصعب بن عبد الله: كان واليًا على اليمامة لعمر بن عبد العزيز، وكان رجلًا صالحًا. روى عن عمته عَمْرة بنت عبد الرحمن ويحيى بن أسعد بن زرارة والأعرج وغيرهم، وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاريّ وشُعبة وسفيان بن عُيينة، وغيرهم. مات سنة أربع وعشرين ومئة وقال بعضهم: إن المراد بمحمد بن عبد الرحمن، في هذا السند، ابنُ حارثة بن النعمان الأنصاريّ البخاريّ الملقب بأبي الرِّجال؛ لأن له عشرة أولاد رجال، وهذا وهم؛ لأن شعبة لم يرو عن أبي

стр. 5127

الرجال شيئًا، ولأن عمرة أمه لا عمته، وقد ذكر الجَيَّانيّ أَنّ محمد بن عبد الرحمن أربعة ما تابعيُ أهل المدينة، أسماؤهم متقاربة، وطبقتهم واحدة، وحديثهم مخرج في الكتابين: الأول: محمد بن عبد الرحمن بن ثَوْبان عن جابر وأبي سَلَمة. والثاني: محمد بن عبد الرحمن بن نَوْفل أبو الأسْود يَتيم عُروة. والثالث: محمد بن عبد الرحمن بن زُرارة. والرابع: محمد بن عبد الرحمن أبو الرجال. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواته ما بين بصريّ وواسطيّ ومدنيّ، وكوفيّ. ثم قال المصنف:

стр. 5128

باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى أي: في صلاة الليل والنهار، قال ابن رشيد: مقصوده أن يبين بالأحاديث والآثار التي أوردها أن المراد بقوله في الحديث: "مثنى مثنى" أن يسلم من كل اثنتين، ثم قال: قال محمد: ويذكر ذلك عن عَمّار وأبي ذَرٍّ وأنس وجابر بن زيد وعكرمة والزهريّ رضي الله تعالى عنهم. أما عمّار، فأشار إلى ما رواه ابن أبي شيبة عنه "أنه دخل المسجد فصلّى ركعتين خفيفتين"، إسناده حسن، وأما أبو ذر، فأشار إلى ما رواه ابن أبي شيبة أيضًا عنه "أنه دخل المسجد فأتى سارية وصلى عندها ركعتين". وأما أنس فأشار إلى حديثه المشهور "في صلاة النبي ﷺ في بيتهم ركعتين"، وقد تقدم في الصفوف، وذكره في هذا الباب مختصرًا، وأما عكرمة فروى ابن أبي شيبة عن أبي خَلْدة قال: رأيت عكرمة دخل المسجد، فصلى فيه ركعتين. وأما جابر بن زيد، وهو أبو الشعثاء البصري، والزهريّ، فقد قال في "الفتح": لم أقف على مَنْ وصلهما. ورجال هذه التعاليق ستة؛ لأن محمدًا المرادُ به البخاريُّ نفسه، والستة قد مرّوا، مرّ عمّار بن ياسر في تعليق بعد العشرين من الإيمان، ومرّ أبو ذَرٍّ في الثالث والعشرين منه، وأنس في السادس منه، وجابر بن زيد في السادس من الغُسل، ومرّ عكرمة في السابع عشر من العلم، ومرّ الزهريّ في الثالث من بدء الوحي. ثم قال: وقال يحيى بن سعيد الأنصاريّ: ما أدركت فقهاء أرضنا إلا يسلمون في كل اثنتين من النهار. قوله: "أرضنا" أي: المدينة، وقد أدرك كبار التابعين بها كسعيد بن المُسَيَّب، ولحق قليلًا من صغار الصحابة، كأنس بن مالك، قال في "الفتح": لم أقف عليه موصولًا، ويحيى بن سعيد مرّ في الأول من بدء الوحي. الحديث الخامس والأربعون حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا الاِسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ يَقُولُ: إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلاَ أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلاَ أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ

стр. 5129

أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ: عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ أَرْضِنِي قَالَ: وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ. وهذا الحديث، قال التِّرْمِذِيُّ بعد أن أخرجه: حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي الموالي، وهو مدنيّ ثقة، روى عنه غير واحد، وله بشواهد، فقد رواه غير واحد من الصحابة، كما رواه ابن أبي الموالي، فقد رواء ابن مسعود وأبو أيوب وأبو سعيد وأبو هريرة وابن عباس وابن عمر، فحديث ابن مسعود أخرجه الطبرانيّ وصححه الحاكم، وحديث أيوب أخرجه الطبرانيّ وصححه ابن حِبّان والحاكم، وحديث أبي سعيد وأبي هريرة أخرجهما ابن حِبّان في صحيحه، وحديث ابن عمر وابن عباس حديث واحد أخرجه الطبرانيّ عن عطاء عنهما، وليس في شيء منها ذكر الصلاة إلا حديث جابر، غير أن لفظ أبي أيوب "كتمْ الخطبةَ وتوضأ فأحسنِ الوضوء، ثم صلِّ ما كتب الله لكَ" الحديث، فالتقييد بركعتين خاص بحديث جابر، وجاء ذكر الاستخارة في حديث سعد، رفعه "من سعادة ابن آدم استخارته الله" أخرجه أحمد، وسنده حسن، وأصله عند التِّرْمِذِيّ، لكن بذكر الرضى والسخط، لا بلفظ الاستخارة. ومن حديث أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، أن النبيّ ﷺ كان إذا اراد أمرًا قال: "اللَّهمَّ خِرْ لي واختر لي" أخرجه التِّرمِذِيُّ، وسنده ضعيف. وفي حديث أنس، رفعه "ما خاب مَنْ استخار" الحديث، أخرجه الطبرانيّ في "الصغير" بسندٍ واهٍ جدًا. وقوله: عن محمد بن المُنْكَدِر عن جابر، وقع في التوحيد عن عبد الرحمن، سمعت محمد بن المُنْكَدِر يحدث عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب يقول: أخبرني جابر السّلَميّ، أي: بفتح اللام، نسبة إلى بني سَلِمة، بكسر اللام، بطن من الأنصار، وعند الإسماعيليّ عن بشر بن عمير، حدثني عبد الرحمن، سمعت ابن المُنْكَدِر، حدّثني جابر. وقوله: "يعلمنا الاستخارة"، في رواية معن "يعلَّم أصحابه"، وكذا في طريق بشر بن عمير، أي: صلاة الاستخارة ودعاءها، وهي طلب الخِيَرَة، على وزن العنَبة اسم من قولك خاره الله وخار له. وفي النهاية: خار الله لك، أي: أعطاك ما هو خيرٌ لك، والخيْرة بسكون الياء، الاسم منه، وأما بالفتح، فهو الاسم من قولك: خاره الله. ومحمد ﷺ خِيْرة اللهِ من خَلْقه، يقال بالفتح والسكون، وهو من باب الاستفعال، وهو في لسان العرب على معان، منها سؤال الفعل، والتقدير: أطلب منك الخَيْر فيما هممتُ به. والخير هو كل ما زاد نفعه على ضره. وقوله: "في الأمور كلها"، قال ابن أبي جَمْرة: هو عام أريدَ به الخصوص، فإن الواجب والمستحب لا يستخار في فعلهما، والحرام والمكروه لا يستخار في تركهما، فانحصر الأمر في

стр. 5130

المباح، وفي المستحب، إذا تعارض منه أمران أيهما يبدأ به، ويقتصر عليه، وتدخل الاستخارة في الواجب والمستحب، وفيما كان زمنه موسعًا، ويتناول العموم العظيم من الأمور والحقير، فرب حقير يستخف أمره فيكون في الإقدام عليه ضرر عظيم، أو في تركه. وقوله: "يعلمنا السورة من القرآن"، وفي الدعوات "كالسورة من القرآن" قيل: وجه التشبيه عمومُ الحاجة في الأُمور كلها إلى الاستخارة كعموم الحاجة إلى القراءة في الصلاة، ويحتمل أن يكون المراد مثل ما وقع في حديث ابن مسعود في التشهد "علمني رسول الله ﷺ التشهد، كفي بين كفيه" أخرجه المصنف في الاستيذان، وفي رواية "أخذت التشهد كلمة كلمة"، أخرجها الطحاويّ. وفي رواية: "حرفًا حرفًا" أخرجها الطبرانيّ، قال ابن أبي جمرة: التشبيه في تحفظ حروفه، وترتب كلماته، ومنع الزيادة والنقص منه، والدرس له، والمحافظة عليه، ويحتمل أن يكون من جهة الاهتمام به، والتحقق لبركته والاحترام له، ويحتمل أن يكون من جهة كون كل منهما علم بالوحي. قال الطيبيّ: فيه الإشارة إلى الاعتناء التام البالغ بهذا الدعاء، وهذه الصلاة، لجعلهما تِلْوَيْن للفريضة والقرآن. وقوله: "إذا هَمْ" فيه حذف تقديره "يعلْمنا قائلًا إذا هَمْ"، وهذا في روايةَ الدعوات، وفي رواية قتيبة هنا، يقول: إذا هم أحدكم، وزاد أبو داود عن قُتيبة لنا قال ابن أبي جمرة: ترتيب الوارد على القلب على مراتب: الهمَّة اللَّمَّة ثم الخَطْرَة ثم النِّيَّة ثم الإرادة ثم العزيمة، فالثلاث الأُوَل لا يؤاخذ بها، بخلاف الثلاث الأُخر. فقوله: "إذا هم" يشير إلى أول ما يرد على القلب، يستخير فيظهر له ببركة الدعاء والصلاة ما هو الخير، بخلاف ما إذا تمكن الأمر عنده، وقويت فيه عزيمته وإرادته، فإنه يصير له إليه ميل وحب، فيخشى أن يخفى عنه وجه الأَرْشَدِيَّة لغلبة ميلة إليه. ويحتمل أن يكون المراد بالهم العزيمة؛ لأن الخاطر لا يثبت، فلا يستمر إلا على ما يقصد التصميم على فعله، وإلا لو استخار في كل خاطر لاستخار فيما لا يعبأ به، فتضيع عليه أوقاته. وفي حديث ابن مسعود: "إذا أراد أحدكم أمرًا فليقل ... "، وقوله: "فليركع ركعتين" يقيد مطلق حديث أبي أيوب حيث قال: "صلِّ ما كتب الله لك"، ويمكن الجمع بأن المراد أنه لا يقتصر على ركعة واحدة للتنصيص على الركعتين، ويكون ذكرهما على سبيل التنبيه بالأدنى على الأعلى، فلو صلّى أكثر من ركعتين أجزأ، والظاهر أنه يشترط إذا أراد أن يسلم من كل ركعتين، ليحصل مسمى ركعتين، ولا يجزىء لو صلّى أربعًا مثلًا بتسليمة. وكلام النوويّ يشعر بالإجزاء. وقوله: "من غير الفريضة" فيه احتراز عن صلاة الصبح مثلًا، ويحتمل أن يريد بالفريضة عينها، وما يتعلق بها، فيحترز عن الراتبة، كركعتي الفجر مثلاً، وقال النوويّ في "الأذكار": ودعا بدعاء الاستخارة عقب راتبة صلاة الظهر مثلًا، وغيرها من النوافل الراتبة والمطلقة، سواء اقتصر

стр. 5131

على ركعتين أو أكثر، أجزأ، كذا أطلق، وفيه نظر، ويظهر أن يقال: إن نوى تلك الصلاة بعينها وصلاة الاستخارة معًا، أجزأ بخلاف ما إذا لم ينو، ويفارق صلاة تحية المسجد؛ لأن المراد بها شغل البقعة بالدعاء، والمراد بصلاة الاستخارة أن يقع الدعاء عَقِبَها أو فيها، ويبعد الإجزاء لمن عرض له الدعاء بعد فراغ الصلاة؛ لأن ظاهر الخبر أن تقع الصلاة والدعاء بعد وجود إرادة العزم، وأفاد النوويّ أنه يقرأ في الركعتين "الكافرون والإخلاص". قال العراقي في شرح التِّرمِذِيّ: لم أقف على دليل ذلك، ولعله ألحقهما بركعتي الفجر والركعتين بعد المغرب. قال: ولهما مناسبة بالحال لما فيهما من الإخلاص والتوحيد. والمستخير يحتاج لذلك. قال: ومن المناسب أن يقرأ فيهما مثل قوله: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَار﴾ وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ والأكمل أن يقرأ في كل منهما السورة والآية الأوليين في الأولى، والأخريين في الثانية، ويؤخذ من قوله: "من غير الفريضة" أن الأمر بصلاة ركعتي الاستخارة ليس على الوجوب، قال العراقيّ في شرح التِّرمِذِيّ: لم أر مَنْ قال بوجوب الاستخارة، لورود الأمر بها ولتشبيهها بتعليم السورة من القرآن، لما استدل بمثل ذلك في وجوب التشهد في الصلاة، لورود الأمر به في قوله: "فليقل"، ولتشبيهه بتعليم السورة من القرآن، فإن قيل: الأمر تعلق بالشرط، وهو قوله: "إذا أهم أحدكم بالأمر"، قلنا: وكذلك في التشهد، إنما يؤمر به من صلى، ويمكن الفرق، وإن اشتركا فيما ذكر، بأن التشهد جزء من الصلاة، فيؤخذ الوجوب من قوله: "صلّوا كما رأيتموني أُصلي"، ودل على عدم وجوب الاستخارة ما دل على عدم وجوب صلاة زائدة على الخمس في حديث "هل عَلَيّ غيرها؟ قال: لا، إلاَّ أن تَطَوَّع" وهذا، وان صلح للاستدلال به على عدم وجوب ركعتي الاستخارة، لكن لا يمنع من الاستدلال به على وجوب دعاء الاستخارة، فكأنهم فهموا أن الأمر فيه للإرشاد، فعدلوا به عن سنن الوجوب، ولما كان مشتملا على ذكر الله والتفويض إليه كان مندوبًا. والخبر ظاهر في تأخير الدعاء عن الصلاة، فلو دعا به في أثناء الصلاة احتمل الإجزاء، ويحمل الترتيب على تقديم الشروع في الصلاة قبل الدعاء، فإنَّ موطن الدعاء في الصلاة السجود أو التشهد. وقال ابن أبي جمرة: الحكمة في تقديم الصلاة على الدعاء أن المراد بالاستخارة حصول الجمع بين خيريّ الدنيا والآخرة، فيحتاج إلى قرع باب الملك، ولا شيء لذلك الجمع، ولا أنجح من الصلاة لما فيها من تعظيم الله، والثناء عليه، والافتقار إليه حالًا ومآلًا. وقوله: "اللَّهمَّ إني أستخيرك بعلمك" الباء للتعليل، أي: لأنك أعلم، وكذا هي في قوله: "بقدرتك" ويحتمل أن تكون للاستعانة، كقوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا﴾ ويحتمل أن تكون للاستعطاف، كقوله تعالى: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ الآية. وقوله: "وأستقدرك" أي: أطلب منك أن تجعل لي على ذلك قدرة، ويحتمل أن يكون المعنى

стр. 5132

أطلب منك أن تقدره لي، والمراد بالتقدير التيسير، وقوله: "وأسألك من فضلك العظيم" إشارة إلى أن إعطاء الرب فضل منه، وليس لأحد عليه حق في نعمه، فكلما يهب زيادة مبتدأة من عنده لم يقابلها منا عوض، فيما مضى، ولا يقابلها فيما يستقبل، فإن وفق للشكر والحمد، فهو فضل منه ونعمة يفتقر إلى حمدٍ وشكر، وهكذا إلى غير نهاية خلاف ما تعتقده المبتدعة، حيث يقولون: إنه واجب على الله تعالى أن يبتدىء العبد بالنعمة، وقد خلق له القدرة، وهي باقية فيه دائمة يعصي ويطيع. وقوله: "فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم" إشارة إلى أن العلم والقدرة لله وحده، وليس للعبد من ذلك إلا ما قدر الله له، وكأنه قال: أنت يا رب تقدر قبل أن تخلق فيَّ القدرة، وعندما تخلقها فيَّ، وبعدما تخلقها. فدلّ على أن العبد لا يكون قادرًا إلاّ بالفعل لا قبله، كما يقول القدرية. وقال ابن بطال: القوة والقدرة من صفات الذات، والقوة والقدرة بمعنىً واحدٍ مترادفان، فالباري تعالى لم يزل قادرًا قويًا ذا قدرة وقوة. وذكر الأشعري أن القدرة والقوة والاستطاعة اسم، ولا يجوز أن يوصف بأنه مستطيع لعدم التوقيف بذلك. وإن كان قد جاء القرآن بالاستطاعة، فقال: هل يستطيع ربك؟ وإنما هو خبر عنهم ولا يقتضي إثبات صفة له. وقوله: "وأنت علّام الغيوب" المعنى: أنا أطلب مستأنَفًا لا يعلمه إلا أنت. وقوله: "اللَّهمَّ إن كنت تعلم أن هذا الأمر" في رواية معن وغيره "فإن كنت تعلم هذا الأمر" زاد أبو داود "والذي يريد" وفي رواية معن "ثم يسميه بعينه" وقد ذكر ذلك في آخر الحديث في الباب. وظاهر سياقه أن ينطق به، ويحتمل أن يكتفي باستحضاره بقلبه عند الدعاء، وعلى الأول تكون التسمية بعد الدعاء. وعلى الثاني تكون الجملة حالية، والتقدير: فليدع مسميًا حاجته. وقوله: "إن كنت" استشكل الكرمانيّ الإتيان بصيغة الشك هنا ولا يجوز الشك في كون الله عالمًا، وأجاب بأن الشك في أن العلم متعلق بالخير والشر، لا في أصل العلم. وقوله: "ومعاشي" زاد أبو داود "ومعادي" وهو يؤيد أن المراد بالمعاش الحياة، ويحتمل أن يريد بالمعاش ما يعاش فيه، ولذلك في بعض طرق حديث ابن مسعود عند الطبرانيّ في الأوسط "في ديني ودنياي"، وفي حديث أبي أيوب عند الطبرانيّ "في دنياي وآخرتي"، زاد ابن حِبّان "وديني". وفي حديث أبي سعيد "في ديني ومعيشتي". وقوله: "وعاقبة أمري" أو قال: "في عاجل أمري وآجله" هو شك من الرواي، ولم تختلف الطرق في ذلك، واقتصر في حديث أبي سعيد على "عاقبة أمري" وكذا في حديث ابن مسعود، وهو يؤيد أحد الاحتمالين في أن العاجل والآجل مذكوران بدل الألفاظ الثلاثة، أو بدل الأخيرين فقط. ولهذا قال الكرمانيّ: لا يكون الداعي جازمًا بما قال رسول الله ﷺ ، إلا أن يدعو ثلاث مرات، يقول مرة: "في ديني ومعاشي وعاقبة أمري"، ومرة: "في عاجل أمري وآجله"، ومرة: "في ديني وعاجل أمري وآجله". ولم يقع الشك في حديث أبي أيوب. ولا أبي هريرة أصلًا.

стр. 5133

وقوله: "فاقدُره لي" بضم الدال وبكسرها، قال الكرمانيّ: معناه اجعله مقدورًا لي أو قدره. وقيل: معناه يسره، قال القرافيّ في "أنوار البروق": من الدعاء المحرم الدعاء المرتب على استئناف المشيئة، كمن يقول: اقدر لي الخير؛ لأن الدعاء بوضعه اللغويّ إنما يتناول المستقبل دون الماضي؛ لأنه طلب، وطلب الماضي محال، فيكون مقتضى هذا الدعاء أن يقع تقدير الله في المستقبل من الزمان، والله تعالى يستحيل عليه استئناف المشيئة والتقدير، بل وقع جميعه في الأزل، فيكون هذا الدعاء مقتضى مذهب مَنْ يرى أن لا قضاء، وأن الأمر أنُفٌ، كما أخرجه مسلم عن الخوارج، وهو فسق بالإِجماع. وحينئذ فيجاب عن قوله هنا: "فاقدره لي" بأن يتعين أن يعتقد أن المرادَ بالتقدير هنا التيسيرُ على سبيل المجاز والداعي إنما أراد هذا المجاز، وإنما يحرم الإطلاق عند عدم النية. قلت: ما قاله القرافيّ، وإن كان ما وجهه به ظاهرًا، كيف يجوز أو يصح أن يقال بتحريمه مع تصريح الشارع به؟ وتعليمه لأصحابه في الأحاديث الصحيحة ولم يأمرهم بنية شيء؟ فكان الأولى له أن يقول: إنه من ألفاظ المتشابه، وكونه من المتشابه لا يوجب تحريم الدعاء به. وقوله: "ثم بارك لي فيه" أي أدمه وضاعفه. وقوله: "فاصرفه عني، واصرفني عنه" أي: حتى لا يبقى قلبه بعد صرف الأمر عنه متعلقًا به، ولم يكتف بقوله: "فاصرفه عني"؛ لأنه قد يصرف الله تعالى عن المستخير ذلك الأمر، ولا يصرف قلبه عنه، بل يبقى متعلقاً متشوفًا إلى حصوله، فلا يطيب له خاطر، فإذا صرفه الله، وأصرفه هو عنه، كان ذلك أكمل. وفيه دليل لأهل السنة أن الشر من تقدير الله على العبد؛ لأنه لو كان يقدر على اختراعه لقدر على صرفه، ولم يحتج إلى طلب صرفه عنه. وقوله: "واقدر لي الخير حيث كان" في حديث أبي سعيد بعد قوله: "واقدر لي الخير أينما كان، لا حول ولا قوة إلا بالله" وقوله: "ثم رضنّي به" بالتشديد، وفي رواية قُتيبة هنا "ثم أَرْضِنِي به" بهمزة قطع أي: اجعلني به راضيًا، وفي بعض طرق حديث ابن مسعود عند الطبرانيّ في الأوسط "ورضنَّي بقضائك" وفي حديث أبي أيوب: "ورضّني بقدرتك" والسر فيه أن لا يبقى قلبه متعلقًا به، فلا يطمئن خاطره، والرضى سكون النفس إلى القضاء. وفي الحديث شفقة النبي ﷺ على أُمته، وتعليمهم جميع ما ينفعهم في دينهم ودنياهم. وفي بعض طرقه عند الطبرانيّ في حديث ابن مسعود أنه ﷺ ، كان يدعو بهذا الدعاء إذا أراد أن يصنع أمرًا. وفيه أن العبد لا يكون قادرًا إلاَّ مع الفعل لا قبله، والله خالق العلم بالشيء للعبد، وهمه به واقتداره عليه، فإنه يجب على العبد رد الأمور كلها إلى الله تعالى، والتَّبَرُّؤ من الحول والقوة إليه، وأن يسأل ربه في أموره كلها. واستدل به على أن الأمر بالشيء ليس نهيًا عن ضده؛ لأنه لو كان كذلك لاكتفى بقوله: "إن كنت تعلم أنه خيرٌ لي" عن قوله: "وإن كنت تعلم أنه شرٌ لي" إلخ؛ لأنه إذا لم يكن خيرًا فهو شر. وفيه نظر لاحتمال وجود الواسطة، قاله في "الفتح". قلت: الخير والشر ضدّان ولا واسطة بينهما، والخلاف في المسألة شهير عند أهل الأُصول.

стр. 5134

واختلف في ماذا يفعل المستخير بعد الاستخارة، فقال ابن عبد السلام: يفعل ما اتفق عليه. ويستدل له بقوله في بعض طرق حديث ابن مسعود في آخره: "ثم يعزم"، وأول الحديث: "إذا أراد أحدكم أمرًا فليقل" وقال النوويّ في "الأذكار": يفعل بعد الاستخارة ما ينشرح له صدره، ويستدل له بحديث ابن السني عن أنس: "إذا هممت بأمرٍ فاستخر ربك سبعًا ثم انظر إلى ما يسبق في قلبك، فإنّ الخير فيه" وهذا لو ثبت لكان هو المعتمد، لكن سنده واهٍ جدًا، والمعتمد أنه لا يفعل ما انشرح له صدره مما كان له فيه هوى قوى قبل الاستخارة، وإلى ذلك الإشارة بقوله، في حديث أبي سعيد: "ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله". ويستحب تكرار الاستخارة في الأمر الواحد إذا لم يظهر له وجه الصواب في الفعل أو الترك، حتى ينشرح صدره لما يفعل، ويستدل لهذا بأن النبيّ ﵊، كان إذا دعا دعا ثلاثًا، وأما حديث إبراهيم بن البرّاء بأنه يكرر الاستخارة سبعًا فإنه باطل. رجاله أربعة: مرّ منهم قتيبة بن سعيد في الحادي والعشرين من الإيمان، ومرّ محمد بن المُنْكَدِر في التاسع والخمسين من الوضوء، ومرّ جابر في الرابع من بدء الوحي. الرابع: عبد الرحمن بن أبي الموالي، واسمه زيد، مرّ في الخامس من كتاب الصلاة، أخرجه البخارجي أيضًا في الدعوات والتوحيد، وأبو داود والتِّرْمِذِيَّ وابن ماجه في الصلاة، والنَّسائيّ في النكاح وفي التصوت وفي اليوم والليلة. الحديث السادس والأربعون حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ سَمِعَ أَبَا قَتَادَةَ بْنَ رِبْعِيٍّ الأَنْصَارِيَّ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلاَ يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ. وهذا الحديث مرّ الكلام عليه مستوفىً في أوائل الصلاة في باب "مَنْ دخل المسجد فليركع ركعتين". رجاله خمسة: مرّ منهم المكيّ بن إبراهيم في السابع والعشرين من العلم، ومرّ عامر بن عبد الله في الثامن والأربعين منه، ومرّ عمرو بن سليم في الثامن والأربعين من استقبال القبلة، ومرّ أبو قتادة في التاسع عشر من الوضوء. والخامس: عبد الله بن سعيد بن أبي هند الفزاريّ، مولاهم، أبو بكر المدنيّ. قال أحمد: ثقة ثقة، وقال ابن مُعين: ثقة، وقال أبو داود: ثقة، روى عنه يحيى، ولم يرفعه كما رفع غيره، وقال

стр. 5135

ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، وقال العجليُّ ويعقوب وسفيان: مدنيّ ثقة، ووَثّقَه ابن المَدِينيّ وابن البّرقِيّ، وذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال: يخطىء. وقال الباهليّ: سألت يحيى بن سعيد عنه فقال: كان صالحًا يعرف وينكر. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، روى عن أبيه وأبي أُمامة بن سهل بن حُنَيف وسعيد بن المُسَيَّب وغيرهم. وروى عنه مالك وابن المبارك ووكيع وغيرهم. مات سنة ست أو سبع وأربعين ومئة. الحديث السابع والأربعون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ. وهذا الحديث مرّ الكلام عليه مستوفىً في باب الصلاة على الحصير. رجاله أربعة: قد مرّوا، مرّ عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ إسحاق بن عبد الله في الثامن من العلم، وأنس في السادس من الإيمان. الحديث الثامن والأربعون حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ. وقوله: "قبل الظهر ركعتين" في حديث عائشة الآتي بعد أربعة أبواب كان لا يدع أربعًا قبل الظهر" قال الداودي: وقع في حديث ابن عمر أن "قبل الظهر ركعتين". وفي حديث عائشة: "أربعًا" وهو محمول على أن كل واحد منهما وصف ما رأى، قال: ويحتمل أن يكون نسي ابن عمر ركعتين من الأربع، وهذا احتمال بعيد. والأولى أن يحمل على حالين، فكان تارة يصلي ثِنتين، وتارة يصلي أربعًا. وقيل: هو محمول على أنه كان في المسجد يقتصر على ركعتين، وفي بيته يصلي أربعًا. ويحتمل أن يكون يصلي إذا كان في بيته ركعتين، ثم يخرج إلى المسجد فيصلي ركعتين، فرأى ابن عمر ما في المسجد دون ما في بيته، واطلعت على الأمرين. ويُقويّ الأول ما رواه أحمد وأبو داود عن عائشة: "كان يصلي في بيته قبل الظهر أربعًا، ثم يخرج" قال أبو جعفر الطبريّ: الأربع كانت في كثير من أحواله، والركعتان في قليلها. وقوله:

стр. 5136

"وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء" في الباب التالي لهذا زيادة، "فأما المغرب والعشاء ففي بيته" وقد ورد في باب الصلاة "بعد الجمعة وقبلها" في آخر كتاب الجمعة ما فيهما من الترغيب. واستدل بقوله: "في بيته" على أن فعل النوافل الليلية أفضل في البيوت من المسجد، بخلاف رواتب النهار، وحُكِي ذلك عن مالك والثَّوْرِيّ، وفي الاستدلال به لذلك نظر، والظاهر أن ذلك لم يقع عن عمد، وإنما كان ﵊ يشاغل في النهار بالناس غالبًا وبالليل يكون في بيته غالبًا، وقد تقدم في الجمعة عن مالك: "وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف" والحكمة في ذلك أنه كان يبادر إلى الجمعة ثم ينصرف إلى القائلة، بخلاف الظهر، فإنه كان ببرد بها، وكان يقيل قبلها، وقد مرّ ما في هذا في الجمعة، وأغرب ابن أبي ليلى فقال: لا تجزىء سنة المغرب في المسجد، حكاه عبد الله بن أحمد عنه عقب روايته لحديث محمود بن لبيد "أن الركعتين بعد المغرب من صلاة البيوت". وقال: إنه حكى ذلك لأبيه عن ابن أبي ليلى فاستحسنه. رجاله ستة: قد مرّوا، مرّت الأربعة الأول بهذا النسق في الثالث من بدء الوحي، ومرّ سالم بن عبد الله في السابع عشر من الإيمان ومرّ أبوه في أوله قبل ذكر حديث منه. الحديث التاسع والأربعون حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ أَوْ قَدْ خَرَجَ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ. وهذا الحديث مرّ الكلام عليه مستوفىً في الجمعة في باب "إذا رأى الإِمام رجلًا جاء وهو يخطب". رجاله أربعة: مرّوا، مرّ آدم وشعبة في الثالث من الإيمان، ومرّ عمرو بن دينار في الرابع والخمسين من العلم، وجابر في الرابع من بدء الوحي. الحديث الخمسون . حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَيْفُ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: أُتِيَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ فِي مَنْزِلِهِ فَقِيلَ لَهُ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ دَخَلَ الْكَعْبَةَ قَالَ: فَأَقْبَلْتُ فَأَجِدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ خَرَجَ، وَأَجِدُ بِلاَلاً عِنْدَ الْبَابِ قَائِمًا فَقُلْتُ: يَا بِلاَلُ، صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ

стр. 5137

- ﷺ فِي الْكَعْبَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ فَأَيْنَ؟ قَالَ: بَيْنَ هَاتَيْنِ الأُسْطُوَانَتَيْنِ. ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي وَجْهِ الْكَعْبَةِ. وهذا الحديث قد مرّ في باب "واتخذوا من مقام إبراهيم مصلَّى" ومرّ الكلام عليه هناك مستوفى. رجاله أربعة: وفيه ذكر بلال، وقد مرّ الجميع، مرّ أبو نعيم في الخامس والأربعين من الإيمان، ومرّ سيف بن سليمان في الخامس من استقبال القبلة، ومرّ مجاهد وابن عمر في أول الإيمان، قبل ذكر حديث منه. ومرّ بلا ل التاسع والثلاثين من العلم. ثم قال: قال أبو عبد الله: قال أبو هريرة، رضي الله هـ تعالى عنه: أوصاني النبيّ ﷺ ، بركعتي الضحى. هذا قطعة من حديث يأتي موصولًا عند المصنف في باب صلاة الضحى في الحضر. ويأتي الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى. وأبو هريرة مرّ في الثاني من الإِيمان. ثم قال: وقال عَتبان: "غدا عليَّ رسول الله ﷺ ، وأبو بكر ﵁ بعدما احتد النهار، وصففنا وراءه، فركع ركعتين" وهذا أيضًا قطعة من حديث تقدم مطولًا في باب المساجد في البيوت، وتقدم الكلام عليه هناك مستوفىً غاية الاستيفاء، ثم أعلم أن مراد المصنف بهذه الأحاديث الرد على مَنْ زعم أن التطوع في النهار يكون أربعًا موصولة. واختار الجمهور التسليم من كل ركعتين في صلاة الليل والنهار، وقال أبو حنيفة وصاحباه: يخير في صلاة النهار بين الثنتين والأربع، وكرهوا الزيادة على ذلك. وقد تقدم في باب الحلق والجلوس في المسجد حكايةُ استدلال مَنْ استدل بقوله ﷺ : "صلاة الليل مثنى" على أن صلاة النهار بخلاف ذلك، وتقدم الرد عليه هناك، ومرّ استيفاء الكلام على هذا البحث هناك. وقال ابن المنير: إنما خص الليل بذلك؛ لأن فيه الوتر، فلا يقاس على الوتر غيره، فيتنفل المصلى بالليل أوتارًا، فبين أن الوتر لا يعاد، وأن بقية صلاة الليل مثنى مثنى، وإذا ظهرت فائدة تخصيص الليل صار حاصلُ الكلام صلاةَ النافلة غير الوتر مثنى، فيعم الليل والنهار. ومرّ عتبان في التاسع والعشرين من استقبال القبلة في الباب المذكور آنفًا، ومرّ أبو بكر في باب مَنْ لم يتوضأ من لحم الشاة بعد الحادي والسبعين من الوضوء، ومرّ عمر في الأول من بدء الوحي.

стр. 5138

خاتمة اشتملت أبواب التهجد وما انضم إليها على ستة وستين حديثًا، المعلق اثنا عشر حديثًا، والبقية موصولة، المكرر منها فيه وفيما مضى ثلاثة وأربعون حديثًا، والخالص ثلاثة وعشرون، وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث عائشة في صلاة الليل سبعٌ وتسعٌ وإحدى عشرة، وحديث أنس: "كان يفطر حتى نظن أن لا يصوم"، وحديث سمرة في الرؤيا، وحديث سلمان وأبي الدرداء، وحديث عبادة مَنْ تَعَارَّ من الليل، وحديث أبي هريرة في شعر ابن رواحة، وحديث جابر في الاستخارة، وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين عشرة آثار والله تعالى أعلم. ثم قال المصنف:

стр. 5139

أبواب التطوع قال في "الفتح": لم يفرد المصنف هذه الترجمة فيما وقفت عليه من الأصول. ثم قال: باب التطوع بعد المكتوبة ترجم أولًا بما بعد المكتوبة، ثم ترجم بعد ذلك بما قبل المكتوبة، وكان الموضع الطبيعي يقتضي تقديم ما قبل المكتوبة. قلت: الظاهر أنه فعل ذلك نظرًا إلى شدة احتياج الاهتمام في أداء التطوعات بعد الفرائض، ولعله فعل ذلك لما يأتي عنه قريبًا من أنه موجود من لم يتطوع بعد المكتوبة، فأوجب ذلك الاهتمام والحكمة في مشروعية التطوع بعد الفريضة تكميل الفرائض إن فرض فيها نقص. والتطوع عند الشافعية ما رجح الشرع فعله على تركه، وجاز تركه، فالتطوع والمستحب والمندوب والنافلة والمرغب فيه ألفاظٌ مترادفة. وعند المالكية الفضيلةُ والمستحبُّ والمندوب مترادفةٌ، والتطوع هو ما ينشئه الإنسان لنفسه من الأوراد، والنافلة لُغةً، الزيادة، واصطلاحًا مرادفة للنَّدْب. وقال بعضهم: هي ما أعلم ﵊ بأن فيه ثوابًا، ولم يأمر به، ولم يرغب فيه الترغيب الحاصل في الرغيبة الحاصل في ما لم يداوم على فعله، والرغيبة ما رغَّب فيه الشارع بأن ذكر ما فيه من الأجر، كقوله: مَنْ فعل كذا فله كذا، أو داوم على فعله ولم يظهره في جماعة. والسنة ما واظب عليه، ﵊، وأظهره في جماعة ولم يقم دليل على وجوبه. الحديث الأول حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَني نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ، فَأَمَّا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ فَفِي بَيْتِهِ. قوله: "مع النبي ﷺ سجدتين" أي: ركعتين، والمراد بقوله: مع التبيعة أي: أنهما اشتركا في كون كل منهما صلاهما لا التجميع، فلا حجة فيه لمن قال: يجمع في رواتب الفرض، وسيأتي بعد أربعة أبواب عن ابن عمر أنه قال: حفظت من النبي ﷺ عشر ركعات، وقد مرّ الكلام على هذا الحديث في آخر الباب الذي قبله. وقوله: "وحدثتني أختي حفصة" أي: بنت عمر، وقائل ذلك هو

стр. 5140

ابن عمر، وقوله: "يصلي سجدتين" في رواية الكشميهنىّ "ركعتين"، وقوله: "وكانت ساعة" قائل ذلك ابن عمر، وسيأتي من رواية أيوب بلفظ "ركعتين قبل صلاة الصبح، وكانت ساعة لا أدخل على النبي ﷺ فيها، وحدثتني حفصة أنه كان إذا أذن المؤذن، وطلع الفجر صلّى ركعتين، وهذا يدل على أنه إنما أخذ من حفصة وقت إيقاع الركعتين قبل الصبح، لا أصل مشروعيتهما، وقد تقدم الحديث في أواخر الجمعة من رواية مالك عن نافع، وليس فيه ذكر الركعتين اللتين قبل الصبح أصلًا. قلت: قد مرّ أيضًا من رواية مالك عن نافع في باب الأذان "بعد الفجر"، وفيه ذكر ركعتين خفيفتين قبل أن تقام الصلاة، ومرّ استيفاء الكلام عليهما عند ذلك المحل. وفيه حجة لمن ذهب إلى أن للفرائض رواتب تستحب المواظبة عليها، وهو قول الجمهور. وذهب مالك في المشهور عنه، إلى أنه لا توقيت في ذلك حماية للفرائض، لكن لا يمنع من تطوع بما شاء إذا أَمِن ذلك. وذهب العراقيون من أصحابه إلى موافقة الجمهور. قلت: الرواتب، التي قبل الفرض وبعده، تستحب المداومة عليها عند المالكية، إلا أنها غير محدودة بعدد مخصوص لا يتعداه ولا ينقص عنه، بحيث تكون الزيادة عليه أو النقص عنه مفوتًا له، أو يكون مكروهًا أو خلاف الأَوْلى، والأعداد الواردة في الأحاديث ليست للتحدد عندهم. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ مسدد ويحيى القَطّان في السادس، من الإيمان، وابن عمر في أوله قبل ذكر حديث منه، ومرّ عبيد الله العمريّ في الرابع عشر من الوضوء، ونافع في الأخير من العلم. وفي الحديث رواية ابن عمر عن أخته حفصة أُم المؤمنين، وقد مرّت في الثالث والستين من الوضوء. والحديث أخرجه البخاريّ فيما مضى، وفيما يأتي، وأخرجه مسلم. ثم قال: وقَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ: بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي أَهْلِهِ، أي: بدل قوله: "في بيته"، وهذا التعليق لم أقف على مَنْ وصله. ورجاله ثلاثة، مرَّ ابن أبي الزناد، واسمه عبد الرحمن، في الثاني من الاستسقاء، ومرّ موسى بن عقبة في الخامس من الوضوء، ومرَّ نافع في الأخير من العلم. ثم قال: تابعه كثير بن فَرْقَد، وأيوب عن نافع، كذا عند أبي ذَرٍّ، والأصيليّ، بتقديم "قال ابن أبي الزناد" على قوله: "تابعه"، ولغيره تأخيره، أما متابعة كثير فلم يقف صاحب "الفتح" على مَنْ وصلها، ومتابعة أيوب تأتي للمصنف بعد أربعة أبواب، وقد مرت الإشارة لها. وقد مرّ كثير بن فرقد في الثلاثين من كتاب العيدين، ومرّ أيوب في التاسع من الإيمان. ثم قال المصنف:

стр. 5141

باب مَنْ لم يتطوع بعد المكتوبة الحديث الثاني حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الشَّعْثَاءِ جَابِرًا قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَمَانِيًا جَمِيعًا وَسَبْعًا جَمِيعًا. قُلْتُ: يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ أَظُنُّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ وَعَجَّلَ الْعَصْرَ وَعَجَّلَ الْعِشَاءَ وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ. قَالَ: وَأَنَا أَظُنُّهُ. مطابقته للترجمة من حيث أن الجمع يقتضي عدم التخلل بين الصلاتين بصلاة راتبة أو غيرها، فيدل على ترك التطوع بعد الأولى، وهو المراد، وأما التطوع بعد الثانية فمسكوت عنه، وكذا التطوع قبل الأولى محتمل، وهذا الحديث قد تقدم في باب تأخير الظهر إلى العصر، من المواقيت، وتقدم الكلام عليه هناك. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ عَلِي بن المَدِينيّ في الرابع عشر من العلم، وعمرو بن دينار في الرابع والخمسين منه، ومرّ ابن عُيينة في الأول من بدء الوحي، وابن عباس في الخامس منه، ومرّ أبو الشعثاء جابر بن زيد في السادس من الغُسل، والحديث أخرجه في باب المواقيت، وقد مرّ الكلام عليه هناك. ثم قال المصنف:

стр. 5142

باب صلاة الضحى في السفر الحديث الثالث حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ تَوْبَةَ عَنْ مُوَرِّقٍ قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ ﵄: أَتُصَلِّى الضُّحَى؟ قَالَ: لاَ. قُلْتُ: فَعُمَرُ. قَالَ: لاَ. قُلْتُ: فَأَبُو بَكْرٍ. قَالَ: لاَ. قُلْتُ: فَالنَّبِىُّ ﷺ قَالَ: لاَ إِخَالُهُ. قوله: "عن مُوَرَّق" عند الإسماعيليّ "عن شعبة سمعت مورقًا" أخرج المصنف هذا الحديث وحديث أم هانىء في هذا الباب، واستشكل دخول هذا الحديث في هذه الترجمة. قال ابن بطّال: ليس هو من هذا الباب، وإنما يصح في باب "مَنْ لم يُصَلِّ الضحى"، وأظنه من غلط الناسخ، وقال ابن المنير: الذي يظهر لي أن البخاريّ لما تعارضت عنده الأحاديث نفيًا، كحديث ابن عمر هذا، وإثباتًا كحديث أبي هريرة في الوصية له أن يصلي الضحى -نَزَّل حديث النفي على السفر، وحديث الإثبات على الحضر. ويؤيد ذلك أنه ترجم لحديث أبي هريرة صلاة الضحى في الحضر، وتقدم عن ابن عمر أنه كان يقول: لو كنت مسبحًا في السفر لأتممت. قلت: هذا لا يصح، فلو كان مُنَزِّلًا لحديث النفي على السفر، ما ذكره في ترجمة إثبات صلاة الضحى. وأما حديث أم هانىء ففيه إشارة إلى أنها تصلي في السفر بحسب السهولة لفعلها، قلت: وهو موافق للترجمة. وقال ابن رشيد: ليس في حديث أبي هريرة التصريح بالحضر، لكن استند ابن المنير إلى قوله فيه: "ونم على وتر" فإنه يفهم من كون ذلك في الحضر؛ لأن المسافر غالب أحواله الاستيفاز وسهر الليل، فلا يفتقر لإِيصاء على أن لا ينام إلا على وتر، وكذا الترغيب في صيام ثلاثة أيام، قال: والذي يظهر لي أن المراد باب "صلاة الضحى في السفر" نفيًا وإثباتًا، وحديث ابن عمر ظاهره نفي ذلك حضرًا وسفرًا، وأقل ما يحمل عليه نفي ذلك في السفر لما تقدم في باب "مَنْ لم يتطوع في السفر" عن ابن عمر قال: صحبت النبيّ ﷺ ، فكان لا يزيد على ركعتين. قال: ويحتمل أن يقال لما نفى صلاتهما مطلقًا من غير تقييد بحضر ولا سفر، وأقل ما يتحقق حمل اللفظ عليه السفر، ويبعد حمله على الحضر، دون السفر -فحمل على السفر دون الحضر؛ لأنه المناسب للتخفيف، لما عرف من عادة ابن عمر أنه كان لا يتنفل في السفر نهارًا. قلت: هذا الاحتمال لا يستقيم مع كون الترجمة بالإثبات، والحديث بالنفي، ثم قال: وأورد حديث أم هانىء ليبين أنها إذا كانت في السفر حالُ طمانينةٍ تشبه حالةَ الحضر، كالحلول بالبلد،

стр. 5143

شُرِعت الضحى، وإلا فلا. قال في "الفتح": الظاهر أن البخاريّ أشار بالترجمة المذكورة إلى ما رواه أحمد عن أنس بن مالك، قال: رأيت رسول الله ﷺ ، صلّى في السفر سَبْحَة الضحى ثمان ركعات، فأراد أن تَرَدُّدَ ابن عمر في كونه صلاّها أم لا، لا يقتضي رَدَّ ما جزم به أنس، بل يؤيده حديث أم هانىء في ذلك. وحديث أنس المذكور صححه ابن خُزيمة والحاكم. وقوله: "لا إخاله" بكسر الهمزة وتفتح، والخاء معجمة، أي: لا أظنه، وكان سبب توقف ابن عمر في ذلك، أنه بلغه عن غيره أنه صلّاها ولم يثق بذلك عمن ذكره، وقد جاء عنه الجزم بكونها محدثة، فروى سعيد بن منصور، بإسناد صحيح عن ابن عمر، أنه قال: إنها محدثة، وإنها لمن أحسن ما أحدثوا، وسيأتي في أول أبواب العمرة عن مجاهد قال: "دخلت أنا وعُروة بن الزبير المسجد، فإذا عبد الله بن عمر جالس إلى حُجْرة عائشة، وإذا ناس يصلون الضحى، فسألناه عن صلاتهم، فقال: بدعة". وروى ابن أبي شيبة، بإسناد صحيح عن الأعرج، قال: سألت ابن عمر عن صلاة الضحى قال: بدعة ونِعْمَت البدعة. وروى عبد الرزاق، بإسنادٍ صحيح عن سالم عن أبيه، قال: لقد قتل عثمان وما أحد يسبحها، وما أحدث الناس شيئًا أحب إليَّ منها. وروى ابن أبي شيبة، بإسنادٍ صحيح عن الشعبيّ عن ابن عمر، قال: ما صليت الضحى منذ أسلمت، إلا أن أطوفَ بالبيت فأُصلي في ذلك الوقت، لا على نية الضحى، بل على نية الطواف، ويحتمل أنه كان ينويهما معًا. وقد جاء عن ابن عمر أنه كان يفعل ذلك في وقت خاص، كما يأتي بعد سبعة أبواب عن نافع أن ابن عمر كان لا يصلي الضحى إلا يوم يقدم مكة، فإنه كان يقدمها ضحى، فيطوف بالبيت، ثم يصلي ركعتين، ويوم يأتي مسجد قباء. وروى ابن خزيمة عن نافع عن ابن عمر: "كان النبي ﷺ ، لا يصلي الضحى إلا أن يقدم من غيبة"، وأما مسجد قباء، فقال سعيد بن منصور عن عبد الله بن دينار: إن ابن عمر كان لا يصلي الضحى، ويحتمل أن يكون ينويهما معًا كما مرّ في الطواف. وفي الجملة ليس في أحاديث ابن عمر هذه ما يدفع مشروعية صلاة الضحى؛ لأن نفيه محمول على عدم رؤيته، لا على عدم الوقوع في نفس الأمر، أو الذي نفاه صفة مخصوصة، كما جاء نحوه في الكلام على حديث عائشة. قال عياض وغيره: إنما أنكر ابن عمر ملازمتها وإظهارها في المسجد وصلاتها جماعة، لا أنها مخالفة للسنة. ويؤيده ما رواه ابن أبي شَيبة عن ابن مسعود أنه رأى قومًا يصلونها فأنكر عليهم. وقال: إن كان ولابد، ففي بيوتكم. رجاله ستة: وفيه ذكر أبي بكر وعمر. مرّ مُسدد ويحيى القَطّان في السادس من الإيمان، وشُعبة في الثالث منه، وابن عمر في أوله قبل ذكر حديث منه، ومرّ أبو بكر في باب "مَنْ لم يتوضأ من لحم الشاة" بعد الحادي والسبعين من الوضوء، ومرّ عمر في الأول من بدء الوحي.

стр. 5144

والباقيان اثنان الأول: تَوْبةَ بن أبي الأسد العَنبريّ أبو المُوَرِّع، بضم الميم وكسر الراء مشددة، البصريّ، واسم أبي الأسد كَيْسانُ بن راشد، وقيل توبة بن أبي راشد، ويقال ابن أبي المورع. قال ابن مُعين وأبو حاتم والنَّسائيّ: ثقة، وذكره ابن حِبّان في الثقات. ولّاه يوسف بن عمر سابورَ ثم ولّاه الأهواز. وروى المدائنيّ عن توية قال: عملت ليوسف بن عمر فحبسني حتى لم يبق في رأسي شعرة سوداء. وقال الأزديّ: وَحَدَّهُ توبة منكر الحديث. قال في المقدمة: تفرد بهذا الأزديّ. وليس له في البخاريّ إلا حديثان أو ثلاثة. روى عن أنس. ومورق العجليّ والشعبيّ وغيرهم. وروى عنه شُعبة والثَّوري وأَبو الأشهب وغيرهم. مات بعد ثلاثين ومئة، وله أربع وسبعون سنة. الثاني: مُورِّق، بضم الميم وكسر الراء المشددة، ابن مُشَمْرَج، بضم الميم الأول وسكون الثانية وفتح الشين والراء، ويقال ابن عبد الله العجليّ، أبو معمر البصريَّ، ذكره ابن حِبّان في الثقات. وقال النَّسائيّ: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة عابدًا، وقال ابن حِبّان: كان من العُبَّاد الخشن. وقال العجلي: بصريّ تابعيّ ثقة. روى عن عمر وسلمان الفارسيّ وأبي ذَرٍّ وأبي الدرداء وابن عمر وغيرهم. وروى عنه قَتَادة وعاصم الأحول ومُجاهد وحُمَيد الطويل وغيرهم. مات سنة ثلاث أو خمس أو ثمان ومئة. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواته كلهم بصريون ما خلا شعبة، فإنه واسطيّ، وفيه رواية التابعيّ عن التابعيّ، وشيخ البخاريّ من أفراده، والحديث أيضًا من أفراده. الحديث الرابع حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى يَقُولُ: مَا حَدَّثَنَا أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى غَيْرَ أُمِّ هَانِىء فَإِنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَاغْتَسَلَ وَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ فَلَمْ أَرَ صَلاَةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ. قوله: "ما حدثنا أحد" في رواية ابن أبي شيبة من وجه آخر، عن ابن أبي ليلى قال: أدركتُ الناس وهم متوافرون، فلم يخبرني أحد أن النبي ﷺ صلى الضحى، إلاَّ أم هانىء. ولمسلم عن عبد الله بن الحارث الهاشميّ قال: سألت وحرصت على أن أجد أحدًا من الناس يخبرني أن النبي ﷺ سبح سبحة الضحى، فلم أجد غير أُم هانىء، وبيّن ابن ماجه في روايته وقت سؤال عبد الله بن الحارث عن ذلك، ولفظه: "سألت في زمن عثمان. والناس متوافرون". وقوله: "غير أُم هانىء"، برفع غير؛ لأنه بدل من قوله أحد. وقوله "ثمان ركعات" زاد كريب عن أُم هانىء: "فسلم من كل ركعتين" أخرجه ابن خزيمة.

стр. 5145

وفيه رد على مَنْ تمسك به في صلاتها موصولة، سواء صلى ثمان ركعات أو أقل. وقوله: "فلم أر صلاةً قط أخف منها" يعني من صلاة النبي ﷺ ، وقد تقدم في أواخر أبواب التقصير بلفظ: "فما رأيته صلّى صلاة قط أخف منها" وفي رواية عبد الله بن الحارث المذكورة "لا أدري أقيامه فيها أطول أم ركعه أم سجوده؟ كل ذلك متقارب" واستدل به على استحباب تخفيف صلاة الضحى، وفيه نظر، لاحتمال أن يكون السبب فيه التنوع لمهمات الفتح، لكثرة شغله به، وقد ثبت من فعله ﷺ ، أنه صلّى الضحى فطول فيها. أخرجه ابن أبي شَيبة عن حُذيفة، وقد مرّت مباحث هذا الحديث مستوفاة في باب الصلاة في الثوب الواحد، ملتحفًا به، في أوائل الصلاة، استوفيت فيه أبحاث صلاة الضحى إلى ما ذكر هنا. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ آدم وشُعبة في الثالث من الإِيمان، ومرّ عَمْرو بن مُرَّة في السبعين من الجماعة، ومرّ عبد الرحمن بن أبي ليلى في الثالث والستين من صفة الصلاة، ومرّت أُم هانىء في الثلاثين من الغُسل، وقد مرّ الكلام عليه في باب مَنْ تطوع في السفر. ثم قال المصنف:

стр. 5146

باب مَنْ لم يصل الضحى ورآه واسعًا قوله: ورآه أي الترك واسعًا أي: مباحًا. الحديث الخامس حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَبَّحَ سُبْحَةَ الضُّحَى، وَإِنِّي لأُسَبِّحُهَا. قوله: "سُبْحَةَ الضُّحَى" قد تقدم أن المراد بقوله: السبحة النافلة، وأصلها من التسبيح، وخصت النافلة بذلك؛ لأن التسبيح الذي في الفريضة نافلة، فقيل لصلاة النافلة؛ لأنها كالتسبيح في الفريضة، وهذا الحديث مرّت مباحثه عند حديث أُم هانىء في الباب المذكور آنفًا. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ محل آدم في الذي قبله، ومرّ ابن أبي ذيب في الستين من العلم، ومرّ الزهريّ في الثالث من بدء الوحي، وعُروة وعائشة في الثاني منه. ثم قال المصنف:

стр. 5147

باب صلاة الضحى في الحضر قاله عَتبان بن مالك عن النبي ﷺ ، كأنه يشير إلى ما رواه أحمد عن محمود بن الربيع عن عتبان بن مالك: أن رسول الله ﷺ ، صلى في بيته سبحة الضحى، فقاموا وراءه، فصلّوا بصلاته. وأخرجه مسلم عن يونس مطولًا، لكنه ليس فيه ذكر السبحة، وأخرجه المصنف مطولًا ومختصرًا في مواضع. وقد مرّ الكلام عليه مستوفىً في باب المساجد في البيوت، ومرّ هناك عتبان بن مالك. الحديث السادس حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الْجُرَيْرِيُّ هُوَ ابْنُ فَرُّوخَ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلاَثٍ لاَ أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ صَوْمِ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلاَةِ الضُّحَى، وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ. قوله: "أوصاني خليلي"، الصديق الخالص الذي تخللت محبته القلب، فصارت في خلاله، أي: في باطنه، واختلف هل الخلة أرفع من المحبة أو العكس؟ وقوله: "أبي هريرة" هذا لا يعارضه ما تقدم من قوله ﷺ : "لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر"؛ لأن الممتنع أن يتخذ هو ﷺ غير الله خليلًا، لا العكس ولا يقال: إن المخالة لا تتم حتى تكون من الجانبين؛ لأنا نقول: إنما نظر الصحابي إلى أحد الجانبين فأطلق ذلك، أو لعله أراد مجرد الصحبة أو المحبة. وقوله: "لا أدعهن حتى أموت" يحتمل أن يكون قوله: "لا أدعهن" من جملة الوصية، أي: أوصاني لا أدعهن، ويحتمل أن يكون من إخبار الصحابي بذلك عن نفسه. وقوله: "صوم ثلاثة أيام" بالخفض بدل من قوله: ثلاث، ويجوز الرفع على أَنه خبر مبتدأ محذوف. وقوله: "من كل شهر" الذي يظهر أن المراد بها البيْض، ويأتي تفسيرها في كتاب الصوم. وقوله: "ونوم على وتر" في رواية أبي التَّيّاح في الصيام "وأن أَوتر قبل أنام". وفيه استحباب تقدم الوتر على النوم، وذلك في حق مَنْ لم يثق بالاستيقاظ، ويتناول من يصلي بين النومين. وهذه الوصية لأبي هريرة ورد مثلها لأبي الدرداء فيما رواه مسلم، ولأبي ذَرٍ فيما رواه النَّسائيّ. والحكمة في الوصية على المحافظة على ذلك تمرينُ النفس على جنس الصلاة والصيام، ليدخل في الواجب منهما بانشراح، وليخير ما لعله يقع من نقص، واقتصر في الوصية للثلاثة المذكورين على الثلاثة المذكورة؛ لأن الصلاة والصيام أشرف العبادة البدنية، ولم يكن المذكورون من

стр. 5148

أصحاب الأموال، وخصت الصلاة بشيئين؛ لأنها تقع ليلاً ونهارًا، بخلاف الصيام، وليس في حديث أبي هريرة تقييد بسفر ولا حضر، والترجمة مختصة بالحضر، لكن الحديث يتضمن الحضر؛ لأن إرادة الحضر فيه ظاهرة، وحمله على الحضر والسفر ممكن، وأما حمله على السفر دون الحضر فبعيد؛ لأن السفر مظنة التخفيف، وقد مرّ بعض مباحث هذا الحديث عند حديث أم هانىء، في باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفًا به. رجاله خمسة: قد مرّوا إلا عباس، مرّ مسلم بن إبراهيم في السابع والثلاثين من الإيمان، ومرّ شعبة في الثالث منه، وأبو هريرة في الثاني منه، وأبو عثمان النَّهْدِيّ في الخامس من مواقيت الصلاة. وعباس هو ابن فَرُّوخ، بالخاء المعجمة وتشديد الراء المضمومة، الجرِيري، أبو محمد البصريّ. قال أحمد والنَّسائيّ: ثقة ثقة، وقال ابن مُعين: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق صالح الحديث، وذكره ابن حِبّان في الثقات، روى عن أبي عثمان النهديّ والحسن البَصْريّ وعمرو بن شعيب. وروى عنه شُعبة وهَمّام وكَهْمَس بن الحسن والحَمَّادان وغيرهم. مات كهلًا بعد العشرين ومئة. والجُريريَّ في نسبه، بضم الجيم، نسبة إلى جُرَير بن عُبَاد، بضم العين وتخفيف الباء الموحدة. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواته بصريون ما خلا شُعبة، فإنه واسطيّ، أخرجه البخاريّ أيضًا في الصوم، ومسلم والنَّسائيّ في الصلاة. الحديث السابع حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ الأَنْصَارِيَّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ وَكَانَ ضَخْمًا لِلنَّبِيِّ ﷺ إِنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ الصَّلاَةَ مَعَكَ. فَصَنَعَ لِلنَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا، فَدَعَاهُ إِلَى بَيْتِهِ، وَنَضَحَ لَهُ طَرَفَ حَصِيرٍ بِمَاءٍ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَكْعَتَيْنِ. وَقَالَ فُلاَنُ بْنُ فُلاَنِ بْنِ جَارُودٍ لأَنَسٍ ﵁ أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى فَقَالَ: مَا رَأَيْتُهُ صَلَّى غَيْرَ ذَلِكَ الْيَوْمِ. وهذا الحديث قد مرّ في باب "هل يصلي الإمام بمن حضر" من أبواب الإمامة، ومرّ الكلام عليه هناك، وقوله: "يصلي الضحى" قال ابن رشيد: هذا يدل على أن ذلك كان كالمتعارف عندهم، وإلا فصلاته، ﵊، في بيت الأنصاريّ، وإن كانت في وقت الضحى، لا يلزم نسبتها لصلاة الضحى، إلا على تقدير أن القصة لعتبان، فقد مرّ في صدر الباب أنه سماها

стр. 5149

صلاة الضحى، ولكن قد مرّ لك في الباب المذكور آنفًا، ما يدل على تغايرهما. وتقييده ذلك بالحضر ظاهر، لكونه في بيته. وقوله: "ما رأيته صلى" في الرواية الماضية "ما رأيته يصلي الضحى"، وقوله: "إلا ذلك اليوم"، يأتي فيه ما مرّ من الجميع في حديث عائشة وابن عمر. رجاله أربعة: قد مرّوا، وفيه ذكر رجل مبهم، وذكر فلان بن فلان بن الجارود، مرّ علي بن الجَعْد في السادس والأربعين من الإيمان، وشعبة في الثالث منه، وأنس بن مالك في السادس منه، وأنس بن سيرين في الرابع والعشرين من الجماعة، وفلان بن فلان المراد به عبد الحميد بن المنذر بن الجارود، وقد مرّ مع أنس بن سيرين، والرجل المبهم عَتبان بن مالك، وقد مرّ في التاسع والعشرين من استقبال القبلة، ومرّ الكلام على هذا الحديث في محل أنس بن سيرين. ثم قال المصنف:

стр. 5150

باب الركعتين قبل الظهر ترجمه أولًا بالرواتب التي بعد المكتوبة، ثم أورد بما يتعلق بما قبلها. الحديث الثامن حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: حَفِظْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَشْرَ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاَةِ الصُّبْحِ، وَكَانَتْ سَاعَةً لاَ يُدْخَلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِيهَا. حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَطَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. هذا الحديث قد مرّ الكلام عليه في باب "التطوع مثنى مثنى". رجاله خمسة: وفيه ذكر حفصة، وقد مرّ الجميع، مرّ سليمان بن حرب في الرابع من الإيمان، وحمّاد بن زيد في الرابع والعشرين منه، وأيوب في التاسع منه، وابن عمر في أوله قبل ذكر حديث منه، ونافع في الأخير من العلم، ومرّت حفصة في الثالث والستين من الوضوء. وقد أخرجه البخاريّ قريبًا في التهجد ومرّ الكلام عليه. الحديث التاسع حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لاَ يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ. قوله: "عن أبيه عن عائشة" في رواية وكيع عن شعبة عن إبراهيم عن أبيه: سمعت عائشة، فصرح بالسماع، أخرجه الِإسماعيليّ، وحكى عن شيخه أبي القاسم البغويّ أنه حدثه به عن عثمان بن عمر عن شعبة، فأدخل بين محمد بن المُنْتَشِر وعائشة مسروقاً، وأخبره أن حديث وكيع وَهْم، ورده الإسماعيليّ بأن محمد بن جعفر وافق وكيعًا على التصريح بسماع محمد من عائشة،
следующие страницы →