← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.

стр. 5146

باب مَنْ لم يصل الضحى ورآه واسعًا قوله: ورآه أي الترك واسعًا أي: مباحًا. الحديث الخامس حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَبَّحَ سُبْحَةَ الضُّحَى، وَإِنِّي لأُسَبِّحُهَا. قوله: "سُبْحَةَ الضُّحَى" قد تقدم أن المراد بقوله: السبحة النافلة، وأصلها من التسبيح، وخصت النافلة بذلك؛ لأن التسبيح الذي في الفريضة نافلة، فقيل لصلاة النافلة؛ لأنها كالتسبيح في الفريضة، وهذا الحديث مرّت مباحثه عند حديث أُم هانىء في الباب المذكور آنفًا. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ محل آدم في الذي قبله، ومرّ ابن أبي ذيب في الستين من العلم، ومرّ الزهريّ في الثالث من بدء الوحي، وعُروة وعائشة في الثاني منه. ثم قال المصنف:

стр. 5147

باب صلاة الضحى في الحضر قاله عَتبان بن مالك عن النبي ﷺ ، كأنه يشير إلى ما رواه أحمد عن محمود بن الربيع عن عتبان بن مالك: أن رسول الله ﷺ ، صلى في بيته سبحة الضحى، فقاموا وراءه، فصلّوا بصلاته. وأخرجه مسلم عن يونس مطولًا، لكنه ليس فيه ذكر السبحة، وأخرجه المصنف مطولًا ومختصرًا في مواضع. وقد مرّ الكلام عليه مستوفىً في باب المساجد في البيوت، ومرّ هناك عتبان بن مالك. الحديث السادس حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الْجُرَيْرِيُّ هُوَ ابْنُ فَرُّوخَ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلاَثٍ لاَ أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ صَوْمِ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلاَةِ الضُّحَى، وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ. قوله: "أوصاني خليلي"، الصديق الخالص الذي تخللت محبته القلب، فصارت في خلاله، أي: في باطنه، واختلف هل الخلة أرفع من المحبة أو العكس؟ وقوله: "أبي هريرة" هذا لا يعارضه ما تقدم من قوله ﷺ : "لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر"؛ لأن الممتنع أن يتخذ هو ﷺ غير الله خليلًا، لا العكس ولا يقال: إن المخالة لا تتم حتى تكون من الجانبين؛ لأنا نقول: إنما نظر الصحابي إلى أحد الجانبين فأطلق ذلك، أو لعله أراد مجرد الصحبة أو المحبة. وقوله: "لا أدعهن حتى أموت" يحتمل أن يكون قوله: "لا أدعهن" من جملة الوصية، أي: أوصاني لا أدعهن، ويحتمل أن يكون من إخبار الصحابي بذلك عن نفسه. وقوله: "صوم ثلاثة أيام" بالخفض بدل من قوله: ثلاث، ويجوز الرفع على أَنه خبر مبتدأ محذوف. وقوله: "من كل شهر" الذي يظهر أن المراد بها البيْض، ويأتي تفسيرها في كتاب الصوم. وقوله: "ونوم على وتر" في رواية أبي التَّيّاح في الصيام "وأن أَوتر قبل أنام". وفيه استحباب تقدم الوتر على النوم، وذلك في حق مَنْ لم يثق بالاستيقاظ، ويتناول من يصلي بين النومين. وهذه الوصية لأبي هريرة ورد مثلها لأبي الدرداء فيما رواه مسلم، ولأبي ذَرٍ فيما رواه النَّسائيّ. والحكمة في الوصية على المحافظة على ذلك تمرينُ النفس على جنس الصلاة والصيام، ليدخل في الواجب منهما بانشراح، وليخير ما لعله يقع من نقص، واقتصر في الوصية للثلاثة المذكورين على الثلاثة المذكورة؛ لأن الصلاة والصيام أشرف العبادة البدنية، ولم يكن المذكورون من

стр. 5148

أصحاب الأموال، وخصت الصلاة بشيئين؛ لأنها تقع ليلاً ونهارًا، بخلاف الصيام، وليس في حديث أبي هريرة تقييد بسفر ولا حضر، والترجمة مختصة بالحضر، لكن الحديث يتضمن الحضر؛ لأن إرادة الحضر فيه ظاهرة، وحمله على الحضر والسفر ممكن، وأما حمله على السفر دون الحضر فبعيد؛ لأن السفر مظنة التخفيف، وقد مرّ بعض مباحث هذا الحديث عند حديث أم هانىء، في باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفًا به. رجاله خمسة: قد مرّوا إلا عباس، مرّ مسلم بن إبراهيم في السابع والثلاثين من الإيمان، ومرّ شعبة في الثالث منه، وأبو هريرة في الثاني منه، وأبو عثمان النَّهْدِيّ في الخامس من مواقيت الصلاة. وعباس هو ابن فَرُّوخ، بالخاء المعجمة وتشديد الراء المضمومة، الجرِيري، أبو محمد البصريّ. قال أحمد والنَّسائيّ: ثقة ثقة، وقال ابن مُعين: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق صالح الحديث، وذكره ابن حِبّان في الثقات، روى عن أبي عثمان النهديّ والحسن البَصْريّ وعمرو بن شعيب. وروى عنه شُعبة وهَمّام وكَهْمَس بن الحسن والحَمَّادان وغيرهم. مات كهلًا بعد العشرين ومئة. والجُريريَّ في نسبه، بضم الجيم، نسبة إلى جُرَير بن عُبَاد، بضم العين وتخفيف الباء الموحدة. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواته بصريون ما خلا شُعبة، فإنه واسطيّ، أخرجه البخاريّ أيضًا في الصوم، ومسلم والنَّسائيّ في الصلاة. الحديث السابع حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ الأَنْصَارِيَّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ وَكَانَ ضَخْمًا لِلنَّبِيِّ ﷺ إِنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ الصَّلاَةَ مَعَكَ. فَصَنَعَ لِلنَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا، فَدَعَاهُ إِلَى بَيْتِهِ، وَنَضَحَ لَهُ طَرَفَ حَصِيرٍ بِمَاءٍ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَكْعَتَيْنِ. وَقَالَ فُلاَنُ بْنُ فُلاَنِ بْنِ جَارُودٍ لأَنَسٍ ﵁ أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى فَقَالَ: مَا رَأَيْتُهُ صَلَّى غَيْرَ ذَلِكَ الْيَوْمِ. وهذا الحديث قد مرّ في باب "هل يصلي الإمام بمن حضر" من أبواب الإمامة، ومرّ الكلام عليه هناك، وقوله: "يصلي الضحى" قال ابن رشيد: هذا يدل على أن ذلك كان كالمتعارف عندهم، وإلا فصلاته، ﵊، في بيت الأنصاريّ، وإن كانت في وقت الضحى، لا يلزم نسبتها لصلاة الضحى، إلا على تقدير أن القصة لعتبان، فقد مرّ في صدر الباب أنه سماها

стр. 5149

صلاة الضحى، ولكن قد مرّ لك في الباب المذكور آنفًا، ما يدل على تغايرهما. وتقييده ذلك بالحضر ظاهر، لكونه في بيته. وقوله: "ما رأيته صلى" في الرواية الماضية "ما رأيته يصلي الضحى"، وقوله: "إلا ذلك اليوم"، يأتي فيه ما مرّ من الجميع في حديث عائشة وابن عمر. رجاله أربعة: قد مرّوا، وفيه ذكر رجل مبهم، وذكر فلان بن فلان بن الجارود، مرّ علي بن الجَعْد في السادس والأربعين من الإيمان، وشعبة في الثالث منه، وأنس بن مالك في السادس منه، وأنس بن سيرين في الرابع والعشرين من الجماعة، وفلان بن فلان المراد به عبد الحميد بن المنذر بن الجارود، وقد مرّ مع أنس بن سيرين، والرجل المبهم عَتبان بن مالك، وقد مرّ في التاسع والعشرين من استقبال القبلة، ومرّ الكلام على هذا الحديث في محل أنس بن سيرين. ثم قال المصنف:

стр. 5150

باب الركعتين قبل الظهر ترجمه أولًا بالرواتب التي بعد المكتوبة، ثم أورد بما يتعلق بما قبلها. الحديث الثامن حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: حَفِظْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَشْرَ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاَةِ الصُّبْحِ، وَكَانَتْ سَاعَةً لاَ يُدْخَلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِيهَا. حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَطَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. هذا الحديث قد مرّ الكلام عليه في باب "التطوع مثنى مثنى". رجاله خمسة: وفيه ذكر حفصة، وقد مرّ الجميع، مرّ سليمان بن حرب في الرابع من الإيمان، وحمّاد بن زيد في الرابع والعشرين منه، وأيوب في التاسع منه، وابن عمر في أوله قبل ذكر حديث منه، ونافع في الأخير من العلم، ومرّت حفصة في الثالث والستين من الوضوء. وقد أخرجه البخاريّ قريبًا في التهجد ومرّ الكلام عليه. الحديث التاسع حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لاَ يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ. قوله: "عن أبيه عن عائشة" في رواية وكيع عن شعبة عن إبراهيم عن أبيه: سمعت عائشة، فصرح بالسماع، أخرجه الِإسماعيليّ، وحكى عن شيخه أبي القاسم البغويّ أنه حدثه به عن عثمان بن عمر عن شعبة، فأدخل بين محمد بن المُنْتَشِر وعائشة مسروقاً، وأخبره أن حديث وكيع وَهْم، ورده الإسماعيليّ بأن محمد بن جعفر وافق وكيعًا على التصريح بسماع محمد من عائشة،

стр. 5151

ثم ساقه بسنده إلى شعبة عن إبراهيم بن محمد، أنه سمع أباه، أنه سمع عائشة. قال الإسماعيليّ: ولم يكن يحيى بن سعيد القَطّان، الذي أخرجه البخاريّ من طريقه، ليحمله مدلسًا، قال: والوهم عندي من عثمان بن عمرو، بذلك جزم الدارقطنيّ في "العلل"، وأوضح أن رواية عثمان بن عمر من المزيد في متصل الأسانيد، لكن أخرجه الدّارميّ عن عثمان بن عمر بهذا الإِسناد، فلم يذكر فيه مسروقًا، فإما أن يكون سقط عليه، أو على مَنْ بعده، أو يكون الوهم في زيادته ممن دون عثمان بن عمر، وقد مرّ الجمع بين قول عائشة في الحديث هنا أربعًا. وقول ابن عمر: "ركعتين" عند حديث ابن عمر في باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى. رجاله ستة: قد مرّوا، مرّ مسدد ويحيى القطان في السادس من الإيمان، وشعبة في الثالث منه، وإبراهيم بن محمد بن المُنْتَشِر وأبوه محمد في العشرين من الغُسل، وعائشة في الثاني من بدء الوحي. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة، ورواته بصريان وواسطيّ وكوفيان. أخرجه أبو داود والنَّسائيّ في الصلاة. ثم قال: تابعه ابن أبي عديّ وعمرو عن شُعبة، زاد الإِسماعيليّ وابن المبارك ومُعاذ بن معاذ ووهب بن جرير، كلهم عن شعبة بسنده، وليس فيه مسروق. وقوله: "وعمرو عن شعبة" يعني عمرو بن مرزوق، أما متابعة ابن أبي عديّ فلم أقف على مَنْ وصلها، ومتابعة عمرٍو وَصَلها البرقانيّ في المصافحة. وابن أبي عديّ هو محمد بن أبي عديّ، مرّ في العشرين من الغُسل، وعمرو المراد به عمرو بن مرزوق، وقد مرّ في الحادي والأربعين من الغُسل. ثم قال المصنف:

стр. 5152

باب الصلاة قبل المغرب لم يذكر المصنف الصلاة قبل العصر، وقد ورد فيها حديث لأبي هريرة مرفوعًا، لفظه: "رحم الله أمرأ صلى قبل العصر أربعًا" أخرجه أحمد وأبو داود والتِّرْمِذِيّ، وصححه ابن حِبّان، وورد من فعله أيضًا من حديث عَلِيّ بن أبي طالب. أخرجه التِّرمِذِيّ والنَّسائىّ، وفيه أنه كان يصلّي قبل العصر أربعًا، وليسا على شرط البخاريّ. الحديث العاشر حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنِ الْحُسَيْنِ عَنِ عبد الله ابْنِ بُرَيْدَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: صَلُّوا قَبْلَ صَلاَةِ الْمَغْرِبِ. قَالَ فِي الثَّالِثَةِ لِمَنْ شَاءَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً. قوله: "صلوا قبل صلاة المغرب" زاد أبو داود في روايته عن عبد الوارث بهذا الإِسناد "صلوا قبل المغرب ركعتين" ثم قال: "صلوا قبل المغرب ركعتين" وأعادها الإسماعيليّ من هذا الوجه ثلاث مرات، وهو موافق لقوله في رواية المصنف "قال في الثالثة: لمن شاء" وفي رواية أبي نعيم في المستخرج: صلوا قبل المغرب ركعتين، قالها ثلاثًا. ثم قال: لمن شاء. وقوله: "كراهية أن يتخذها الناس سنة"، قال المُحِبّ الطَّبريّ: لم يرد نفي استحبابها؛ لأنه لا يمكن أن يأمر بما لا يستحب، بل هذا الحديث من أقوى الأدلة على استحبابها، ومعنى قوله: "سنة" أي: شريعة وطريقة لازمة. وكأنَّ المراد انحطاط مرتبتها عن رواتب الفرائض، ولهذا لم يَعُدَّها أكثر الشافعية في الرواتب، واستدركها بعضهم، وتُعُقب بأنه لم يثبت أنّ النبيَّ ﷺ واظب عليها. وتقدم الكلام على ذلك مبسوطًا في باب "كم بين الأذان والإقامة" من أبواب الأذان. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ أبو معمر وعبد الوارث في السابع عشر من العلم، ومرّ حسين المعلم في السادس من الإيمان، ومرّ عبد الله بن بُرَيدة في الخامس والثلاثين من الحيض، ومرّ عبد الله بن المُغَفَّل في الأربعين من مواقيت الصلاة. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والقول، ورواته بصريون، غير ابن بريدة فمروزيّ،

стр. 5153

وأخرجه البخاريّ أيضًا في الاعتصام، وأبو داود في الصلاة. الحديث الحادي عشر حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ: سَمِعْتُ مَرْثَدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيَّ قَالَ: أَتَيْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ فَقُلْتُ: أَلاَ أُعْجِبُكَ مِنْ أَبِي تَمِيمٍ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاَةِ الْمَغْرِبِ. فَقَالَ: عُقْبَةُ إِنَّا كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قُلْتُ: فَمَا يَمْنَعُكَ الآنَ قَالَ: الشُّغْلُ. قوله: "ألا أُعَجِّبك" بضم الهمزة وتشديد الجيم، من التعجب. وقوله: "يركع ركعتين" زاد الإِسماعيليّ "حين يسمع أذان المغرب"، وفيه: فقلت لعقبة، وأنا أريد أن أغْمصه، وهو بمعجمة ثم مهملة، أي: أعيبه. وقوله: "فقال عقبة" استدل به على امتداد وقت المغرب، ولا حجة فيه. وقال قوم: إنما يستحب الركعتان المذكورتان لمن كان متأهبًا بالطهر وستر العورة، لئلا يؤخر المغرب عن أول وقتها، ولا شك أن إيقاعها في أول الوقت أولى، ولا يخفى أن محل استحبابهما ما لم تقم الصلاة. وذكر الأثرم عن أحمد أنه قال: ما فعلتهما إلا مرة واحدة حتى سمعت الحديث. وقد تقدم الكلام على هذا الحديث في الباب المذكور بما يكفي ويشفي. رجاله خمسة: قد مرّوا، وفيه ذكر أبي تميم، مرّ عبد الله بن يزيد في الثالث والعشرين من الأذان، وسعيد بن أبي أيوب في الثامن والثلاثين من التهجد ومرّ يزيد بن أبي حبيب ومَرْثَد في الخامس من الإيمان، ومرّ عقبة بن عامر في السابع والعشرين من كتاب الصلاة. وأما أبو تميم، فهو عبد الله بن مالك بن أبي الأسحم أبو تميم الجيشانيّ الرُّعَيْني المصريّ، أصله من اليمن، ولد هو وأخوه سيف في حياة النبي ﷺ ، وهاجر زمن عمر، ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال ابن مُعين: ثقة، وقال مَرْثد: كان من أعبد أهل مصر، وقال العجليّ: مصريّ تابعيّ ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، ومات قديمًا. وقال أبو يونس: قرأ القرآن على معاذ باليمن، وشهد فتح مصر. وذكره يعقوب بن سفيان في جملة الثقات من أهل مصر، ولم يعلم له المزيّ علامة البخاريّ. وقد أخرج له أثرًا من رواية أبي الخير مرثد عنه، وهو في الصلاة. روى عن عمر وعلي ومُعاذ بن جبل وعُقبة بن عامر الجُهَنِيّ وغيرهم، وروى عنه عبد الله بن هُبَيرة وجَعفر بن رَبيعة وأبو الخير مَرثد وغيرهم. مات سنة سبع وسبعين. والجيشانيّ في نسبه، بجيم وياء ساكنة بعدها شين معجمة، نسبة إلى جَيشان بن عَبدان بن حَجَر بن ذي رُعَين، وإليهم ينسب الجيشانيون باليمن، وبزبيد بقية منهم إلى الآن، منهم أبو تميم هذا، ومنهم أبو سالم

стр. 5154

سفيان بن هانيء الجيشانيّ: تابعيّ روى عن أبي ذَرٍّ وعُقبة بن عامر، مات بالإسكندرية. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإفراد والسماع والإتيان والقول، ورواته مصريون، غير أن شيخه من ناحية البصرة، وسكن مكة. ثم قال المصنف:

стр. 5155

باب صلاة النوافل جماعة قيل: مراده النفل المطلق، ويحتمل ما هو أعم من ذلك، ثم قال: ذكره أنس وعائشة رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ . أما حديث أنس، فأشار به إلى حديثه في صلاة النبيّ ﷺ ، في بيت أُم سُلَيم، وفيه "فصففت أنا واليتيم وراءه" وقد مرّ الكلام عليه في باب الصلاة على الحصير، وأما حديث عائشة فأشار به إلى حديثها في صلاة النبي ﷺ بهم في المسجد بالليل، وقد مرّ الكلام عليه في باب "إذا كان بين الإِمام وبين القوم حائط" وأنس مرّ في السادس من الإيمان، ومرّت عائشة في الثاني من بدء الوحي. الحديث الثاني عشر حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ أخبرنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيُّ أَنَّهُ عَقَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَعَقَلَ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِهِ مِنْ بِئْرٍ كَانَتْ فِي دَارِهِمْ. فَزَعَمَ مَحْمُودٌ أَنَّهُ سَمِعَ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الأَنْصَارِيَّ ﵁ وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: كُنْتُ أُصَلِّي لِقَوْمِي بِبَنِي سَالِمٍ، وَكَانَ يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ وَادٍ إِذَا جَاءَتِ الأَمْطَارُ فَيَشُقُّ عَلَىَّ اجْتِيَازُهُ قِبَلَ مَسْجِدِهِمْ، فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَإِنَّ الْوَادِيَ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَ قَوْمِي يَسِيلُ إِذَا جَاءَتِ الأَمْطَارُ فَيَشُقُّ عَلَيَّ اجْتِيَازُهُ، فَوَدِدْتُ أَنَّكَ تَأْتِي فَتُصَلِّي مِنْ بَيْتِي مَكَانًا أَتَّخِذُهُ مُصَلًّى. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : سَأَفْعَلُ. فَغَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ بَعْدَمَا اشْتَدَّ النَّهَارُ فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَذِنْتُ لَهُ فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَالَ: أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟. فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ فِيهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكَبَّرَ وَصَفَفْنَا وَرَاءَهُ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ، فَحَبَسْتُهُ عَلَى خَزِيرٍ يُصْنَعُ لَهُ فَسَمِعَ أَهْلُ الدَّارِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِي فَثَابَ رِجَالٌ مِنْهُمْ حَتَّى كَثُرَ الرِّجَالُ فِي الْبَيْتِ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: مَا فَعَلَ مَالِكٌ لاَ أَرَاهُ؟. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: ذَاكَ مُنَافِقٌ لاَ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لاَ تَقُلْ ذَاكَ أَلاَ تَرَاهُ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ. فَقَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. أَمَّا نَحْنُ فَوَاللَّهِ لاَ نَرَى وُدَّهُ وَلاَ حَدِيثَهُ إِلاَّ إِلَى

стр. 5156

الْمُنَافِقِينَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ. قَالَ مَحْمُودٌ: فَحَدَّثْتُهَا قَوْمًا فِيهِمْ أَبُو أَيُّوبَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَتِهِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا وَيَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَلَيْهِمْ بِأَرْضِ الرُّومِ، فَأَنْكَرَهَا عَلَيَّ أَبُو أَيُّوبَ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَظُنُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَا قُلْتَ قَطُّ. فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيَّ فَجَعَلْتُ لِلَّهِ عَلَيَّ إِنْ سَلَّمَنِي حَتَّى أَقْفُلَ مِنْ غَزْوَتِي أَنْ أَسْأَلَ عَنْهَا عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ إِنْ وَجَدْتُهُ حَيًّا فِي مَسْجِدِ قَوْمِهِ، فَقَفَلْتُ فَأَهْلَلْتُ بِحَجَّةٍ أَوْ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ سِرْتُ حَتَّى قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَأَتَيْتُ بَنِي سَالِمٍ، فَإِذَا عِتْبَانُ شَيْخٌ أَعْمَى يُصَلِّي لِقَوْمِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ مِنَ الصَّلاَةِ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَأَخْبَرْتُهُ مَنْ أَنَا، ثُمَّ سَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ فَحَدَّثَنِيهِ كَمَا حَدَّثَنِيهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ. قوله: "حدثنا إسحاق" قيل: هو ابن راهَوَيه، فإن هذا الحديث في مسنده بهذا الإسناد، لكن في لفظه مخالفة يسيرة، فيحتمل أن يكون إسحاق شيخ البخاريّ، فيه، هو وابن منصور. وقوله: "أخبرنا يعقوب" التعبير بالإخبار قرينة في كون إسحاق هو ابن راهَوَيه؛ لأنه لا يعبر عن شيوخه إلا بذلك، لكن في رواية كريمة وأبي الوقت بلفظ التحديث. وقوله: "وعقل مجة" قد مرّ الكلام على هذا الحديث في باب "متى يصح سماع الصغير" من كتاب العلم. وقوله: "كان في دارهم" أي: الدلو، وفي وراية الكشميهنيّ "كانت" أي: البئر. وقوله: "فزعم محمود" أي: أخبر، وهو من إطلاق الزعم على القول. وقوله: "فيشق عليّ" في رواية الكشميهنيّ "فشق" بالماضي. وقوله: "لا أراه" بفتح الهمزة من الرؤية، وقوله: "قال محمود بن الربيع" أي: بالإسناد الماضي. وقوله: "التي توفي فيها" ذكر ابن سعد وغيره أن أبا أيوب أوصى أن يدفن تحت أقدام الخيل. ويغيب موضع قبره، فدفن إلى جانب جدار القسطنطينية. وقوله: "ويزيد بن معاوية عليهم" أي: كان أميرًا، وذلك في سنة خمسين، وقيل بعدها في خلافة معاوية، ووصلوا في تلك الغزوة حتى حاصروا القسطنطينية. وقوله: "فأنكرها عليّ" قد بين أبو أيوب وجه الإنكار، وهو ما غلب على ظنه من نفي القول المذكور، وأما الباعث له على ذلك، فقيل إنه استشكل قوله: "أن الله قد حرم النار على مَنْ قال لا إله إلا الله" لأن ظاهره لا يدخل أحد من عصاة الموحدين النار، وهو مخالف لآيات كثيرة. وأحاديث شهيرة. وقد مرّ الجواب عن هذا عند ذكر هذا الحديث في باب المساجد في البيوت. وقوله: "حتى أقف" بقاف وفاء، أي: أرجع وزناً ومعنى. وكان الحامل لمحمود على الرجوع إلى عَتبان ليسمع الحديث منه ثاني مرة، أن أبا أيوب لما أنكر عليه اتهم نفسه بأن يكون ما ضبط القدر الذي أنكره عليه، ولهذا قنع بسماعه من عتبان ثاني مرة.

стр. 5157

وفي الحديث ما ترجم له هنا، وهو صلاة النوافل، جماعة، فقد روى ابن وهب عن مالك: لا بأس بأن يؤم النفر في النافلة، فأما أن يكون جمعًا كثيرًا، أو بمكان مشتهر فيكره، وكذا الجمع ليلة النصف من شعبان، وليلة عاشوراء، فإنه يكره مطلقًا، وينبغي للأئمة المنع من ذلك، وهذا بناء على قاعدته في سد الذرائع لما يُخشى، من أن يظن من لا علم عنده، أن ذلك فريضة واستثنى ابنُ حبيب من أصحابه قيامَ رمضان، لاشهار ذلك من فعل الصحابة ومَنْ بعدهم، رضي الله تعالى عنهم. لكن الأفضل عنده الانفراد فيه، إن لم يُؤَد ذلك إلى تعطيل المساجد. وفيه عيب مَنْ تخلف عن حضور مجلس الكبير، وأن مَنْ عِيب بما يظهر منه لا يعد غيبة، وأن ذكر الإنسان بما فيه على جهة التعريف جائز، وأن التلفظ بالشهادتين كاف في إجراء أحكام المسلمين. وفيه استثبات طالب الحديث شيخه عمّا حدثه به إذا خشي نسيانه وإعادة الشيخ الحديث والرحلة في طلب العلم، وقد مرّت فوائده مستوفاة عند ذكره في الباب المذكور آنفًا. رجاله خمسة: قد مرّوا، وفيه ذكر عتبان وأبي بكر ومالك بن الدخشن وأبي أيوب ويزيد بن معاوية. ولفظ رجل مبهم، وإسحاق؟ إما ابن راهَوَيه أو ابن منصور، والأول مرّ في تعليق بعد الحادي والعشرين من العلم، والثاني مرّ في الخامس والثلاثين من الإيمان ومرّ يعقوب بن إبراهيم بن سعد في السادس عشر من العلم، ومرّ أبوه إبراهيم بن سعد في السادس عشر من الإيمان، ومرّ ابن شهاب في الثالث من بدء الوحي، ومحمود بن الربيع في التاسع عشر من العلم، ومرّ أبو بكر في باب "مَنْ لم يتوضأ من لحم الشاة" بعد الحادي والسبعين من الوضوء، ومرّ أبو أيوب في العاشر منه، والرجل المبهم؛ قيل: عتبان بن مالك، وعتبان بن مالك قد مرّ في التاسع والعشرين من استقبال القبلة، ومرّ مالك بن الدخشن في الذي بعده. وأما يزيد بن معاوية فأفعاله معروفة، وأنا لا أذكر من خبره إلا ما رواه يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية، أحد الثقات، من أن رجلًا كان عند عمر بن عبد العزيز، فذكر يزيد، وقال: قال أمير المؤمنين يزيد، فقال عمر: تقول أمير المؤمنين يزيد؟ وأمر به فضرب عشرين سوطًا، وهذا الحديث قد مرّ الكلام عليه في محل ذكر مالك بن الدخشن. ثم قال المصنف:

стр. 5158

باب التطوع في البيت الحديث الثالث عشر حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ أَيُّوبَ وَعُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اجْعَلُوا فى بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلاَتِكُمْ وَلاَ تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا. هذا الحديث قد مرّ الكلام عليه مستوفىً عند ذكره في باب كراهة الصلاة في المقابر، من أبواب المساجد. رجاله ستة: قد مرّوا، مرّ عبد الأعلي بن حمّاد في الرابع والثلاثين من الغُسل، ومرّ وُهَيب بن خالد في السادس والعشرين من العلم، ومرّ نافع في الأخير منه، ومرّ أيوب في التاسع من الإيمان، وابن عمر في أوله قبل ذكر حديث منه، ومرّ عُبَيد الله العُمَريّ في الرابع عشر من الوضوء. ثم قال: تابعه عبد الوهاب عن أيوب، وهذه المتابعة وصلها مسلم عن محمد بن المثنى عنه بلفظ: "صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا" وعبد الوهاب مرّ مع أيوب في التاسع من الإيمان. ثم قال المصنف:

стр. 5159

باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة ثبت في نسخة الصغاني البسملة قبل "باب"، قال ابن رشيد: لم يقل في الترجمة: "وبيت المقدس" وإن كان مجموعًا إليهما في الحديث، لكونه أفرده بعد ذلك بترجمة "قال"، وترجم بفضل الصلاة، وليس في الحديث ذكر الصلاة، ليبين أن المراد بالرحلة إلى المساجد قصد الصلاة فيها، لأن لفظ المساجد مشعر بالصلاة، وظاهر إيراد المصنف لهذه الترجمة في أبواب التطوع، يشعر بأن المراد بالصلاة في الترجمة صلاة النافلة، ويحتمل أن يراد بها ما هو أعم من ذلك، فتدخل النافلة، وهذا أوجه، وبه قال الجمهور في حديث الباب، وذهب الطَّحَاويّ إلى أن التفضيل مختص بالفريضة كما سيأتي. الحديث الرابع عشر حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ عَنْ قَزَعَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ ﵁ أَرْبَعًا قَالَ: سَمِعْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً ح. وَحَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ وَمَسْجِدِ الأَقْصَى. قوله: "عن قزعة" سيأتي بعد خمسة أبواب بهذا الإسناد، "سمعت قزعة مولى زياد"، وقوله: "سمعت أبا سعيد أربعًا" أي: يذكر أربعًا، أو سمعت منه أربعًا، أي: أربع كلمات. وقوله: "وكان غزا" القائل ذلك هو قزعة، والمقول عنه أبو سعيد الخدري، والأربع هي الآتية قريبًا في باب مسجد بيت المقدس، وهي: [لا تسافر المرأة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم، ولا صوم في يومين الفطر والأضحى، ولا صلاة بعد صلاتين؛ بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب. ولا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد]. وقوله: "ثنتي عشرة غزوة" اقتصر المؤلف على هذا القدر، ولم يذكر من المتن شيئًا، وذكر بعده حديث أبي هريرة في شد الرحال، فظن الداوديّ أن البخاريّ ساق الإسنادين لهذا المتن، وفيه نظر؛ لأن حديث أبي سعيد مشتمل على أربعة أشياء كما ذكر المؤلف، وهي المذكورة الآن. وحديث أبي هريرة مقتصر على شد الرحال فقط، لكن لا يمنع الجمع بينهما في سياق واحد، بناء على قاعدة البخاريّ في إجازة اختصار الحديث.

стр. 5160

وقال ابن رشيد: لما كان أحد الأربع هو قوله: "لا تشد الرحال" ذكر صدر الحديث إلى الموضع الذي يتلاقى فيه افتتاح أبي هُريرة لحديث أبي سعيد، فاقتطف الحديث، وكأنه قصد بذلك الإغماص لينبه غير الحافظ على فائدة الحفظ، على أنه ما أخلاه عن الإيضاح عن قرب، فإنه ساق بتمامه سادس ترجمة. وقوله: "وحدثنا عَلِيّ" عند البيهقي من وجه آخر "عن عليّ بن المَدِيْنىّ قال: حدّثنا به سفيان مُرة بهذا اللفظ"، وكان أكثر ما يحدث به "تشد الرحال" وقوله: لا تُشد الرحال، بضم أوله: بلفظ النفي، والمراد النهي عن السفر إلى غيرها، قال الطِّيبيّ: هو أبلغ من صريح النهي، كأنه قال: لا يستقيم أن يقصد بالرحيل إلاّ هذه البقاع، لاختصاصها بما اختصت به، والرحال، بالمهملة جمع رحل، وهو للبعير كالسرج للفرس، وكنى بشد الرحال عن السفر؛ لأنه لازمه، وخرج ذكرها مخرج الغالب في ركوب المسافر، وإلا فلا فرق بين ركوب الرواحل والخيل والبغال والحمير، والمشي في المعنى المذكور. وقوله: "إلا إلى ثلاثة مساجد" المستشنى منه محذوف، فإما أن يقدر عامًّا، فيصير لا تشد الرحال إلى مكان في أي أمر كان إلا إلى الثلاثة، أو أخص من ذلك لا سبيل إلى الأول، ولإفضائه إلى سد باب السفر للتجارة المجمع على طلبه، وصلة الرحم المطلوبة شرعًا، وطلب العلم الذي هو سنة أو واجب، ولعرفة لقضاء النّسُك الواجب اجماعًا، وللجهاد والهجرة من دار الكفر إلى دار الإِسلام، وغير ذلك من الحوائج المتعلقة بالدنيا أو الآخرة، فتعين الثاني، والأوْلى أنه يعد ما هو أكثر مناسبة، وهو لا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه إلاَّ إلى الثلاثة، فيبطل بذلك قول: "منع الرحال" إلى زيارة القبر الشريف، وغيره من قبور الصالحين. وقد حمله ابن تيمية على الوجه الأول من كون المقدر عامًّا، قاصدًا بذلك الاستدلال به على تحريم شد الرحال إلى زيارة قبر سيدنا رسول الله ﷺ . قال في "الفتح": وهي من أبشع المسائل المنقولة عن ابن تيمية، وأَعمته محبة مذهَبه من بغض ما فيه تعظيم للنبي، ﷺ ، وتكفير المسلمين به عمّا يلزم على تفسيره من منع ما أباحته الشريعة، أو أوجبته مما مرّ، وعمن يأتي من الفساد في تقديره. وقد حكت العلماء الإجماع على مطلوبيَّة شد الرحال إليه، ﵊، وقد قال تقي الدين السّبْكِيّ في الرد عليه: ليس في الأرض بقعة لها فضل لذاتها حتى تُشد الرحال إليها غير البلاد الثلاثة، ومرادي بالفضل ما شهد الشرع باعتباره، ورتب عليه حكمًا شرعيًا، وأما غيرها من البلاد فلا تشد إليها لذاتها، بل لزيارةٍ أو جهادٍ أو علمٍ أو نحو ذلك من المندوبات أو المباحات. قال: وقد التبس ذلك على بعضهم، فزَعم أن شد الرحال إلى الزيارة، لمن في غير الثلاثة، داخل في المنع، وهو خطأ؛ لأن الاستثناء إنما يكون من جنس المستثنى منه، فمعنى الحديث لا تُشد الرحال إلى مسجد من المساجد أو إلى مكان من الأمكنة لأجل ذلك المكان،

стр. 5161

إلاَّ إلى الثلاثة المذكورة، وشد الرحال إلى زيارة أو طلب علم ليس إلى المكان، بل إلى مَنْ في المكان. وقوله: لأن الاستثناء إنما يكون من جنس المستثنى منه، أي إلا بدليل؛ لأن ذلك هو الأصل في الاستثناء، وإخراج الكلام عن أصله لابد له من دليل، فإذا قلت مثلًا: ما رأيت إلا زيدًا فتقدير الكلام ما رأيت أحدًا أو رجلًا إلاَّ زيدًا، لا ما رأيت شيئًا أو حيوانًا إلاَّ زيدًا. وإذا كان الخروج عن الأصل لا يمكن إلا بدليل، فما بالك إذا كان الأصل معتضدًا بأقوى دليل؟ وهو ما رواه أحمد في مسنده عن أبي سعيد، مرفوعًا بإسناد حسن، وقد ذكرت عنده الصلاة في الطور، فقال: قال النبيّ ﷺ : "لا ينبغي للمَطِيّ أن تُشَدَّ رحالها إلى مسجد تبتغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام أو المسجد الأقصى ومسجدي هذا" ففي هذا الحديث النصُّ على المستثنى منه المحذوف في غيره، وأنه مسجد، وفيه بيان أن الصحابيّ ذكره عندما ذكرت له الصلاة في الطور لا عند الإتيان للطور للتبرك بآثار الصالحين، فكان في غاية التفسير للمحذوف في غيره، وخير ما فسر به الوحي الوحي، فما بعد هذا الحديث مقال لملبس أومدلِّس. وإذا قال مجيب عن ابن تيمية فيما أورد عليه على تقدير المستثنى منه عامَّاً، من تناوله للمسائل المذكورة، التي لا يتصور عند العوام منعها، فضلًا عن العلماء -إن ما أورد على تقدير المستثنى منه عامًّا خارجٌ عن العموم بأدلة خارجة نصت على إباحته أو طلبه- قيل له: إن زيارته ﵊ خارجة منه، بدليل الكتاب والسنة والإجماع، لما أوضحناه في كتابنا "الفتوحات الربانية" فما قاله في غيرها فليقله فيها، وكذلك زيارة غيره، ﵊، من قبور الصالحين، خارجة بما ورد من الأحاديث المصرحة بالأمر بها مما جلبناه في الكتاب المذكور، ومما هو صريح في إبطال ما قال من منع شد الرحال إليه ﵊، هو أن هذه المساجد الثلاثة معلوم عند جميع المسلمين ما حصل به الشرف لكل واحد منها، فالمسجد الحرام حصل له الشرف بكونه قبلة المسلمين إليه حجهم، والمسجد الأقصى شرف بكونه كان قبلة الأمم السالفة، ومسجده ﵊ شرف بتأسيسه على التقوى، ومعلوم أن محله كان مقبرة للمشركين، فاشتراه، ﵊، ونبش عظامهم من ذلك، وبنى فيه المسجد، فما حصل له شرف إلا منه ﷺ ، وهذا يعلمه من هو أقل علمًا من ابن تيمية، فكيف يقول عالم بهذا: إن الرحال تُشد إلى محل شُرِّف بغيره، ولا تُشد إلى من شرف به ذلك المحل؟ فهذا لا يمكن صدوره إلا من ناقص العقل مع الدين، فلو قدرنا تقديرًا فاسدًا؛ أن المستثنى منه عامّ، كان شد الرحال لزيارته ﵊ مفهومًا من شدها إلى الثلاثة بالأَوْلى، للإجماع القائم على فضله ﷺ على سائر المخلوقات، وفضل البقعة الضّامّة لأعضائه الشريفة على سائر البقاع، كما يأتي في الحديث الذي بعد هذا.

стр. 5162

قال في "الفتح": من جملة ما استدل به ابن تيمية على دفع ما ادّعاه غيرُه من الإجماع على مشروعية زيارة قبره ﷺ ، ما نُقِل عن مالك أن كره أن يقول: زرت قبر النبيّ ﷺ ، وقد أجاب عنه المحققون من أصحابه بأنه كره اللفظ، أدبًا، لا أصل الزيارة، فإنها من أفضل الأعمال، وأجل القُرُبات الموصّلة إلى ذي الجلال، وإن مشروعيَّتها محل إجماع بلا نزاع. وقيل: كره هذا اللفظ لأن الزيارة مَنْ شاء فعلها ومَنْ شاء تركها، وهي كالواجب عنده، وقيل: إنما كره إضافة الزيارة للقبر، فلو قال: زرنا النبي ﵊ لم يكره عنده، وهذا مردود بما نقله ابن رُشْد وغيره: أنه كره هذا أيضًا، وقيل: كرهه لأنّ المضيّ إلى قبره ﷺ ليس ليصله بذلك، وينفعه به، وإنما هو رغبة في الثواب. قال السّبْكي: وهذا هو المختار في تأويل كلام مالك، ومع ذلك لا نُسَلِّم أنَّ "زرنا النبي ﷺ " يُوهم ذلك؛ لأن كل مسلم يعلم جلالته ﷺ ، وأن كل أحد من أمته، وإن جلت مرتبته، مفتقر إلى التبرك به، والمثول بين يديه ﵊، لكن لكون مذهب مالك، رضي الله تعالى عنه، مبنيًا على سد الذرائع، لا يمنع عنده العلم بهذا من جملة الناس، كراهيةَ إطلاق اللفظ لهذا المعنى، لكثرة الجهل وفُشُوّه. وقيل غير هذا. وعلى كل حال. ما قاله مالك لا تشم منه رائحة منع الزيارة حتى يستدل به ابن تيمية على مقالته الشنيعة، ومناظرة الإِمام مالك لأبي جعفر المنصور كافية في مطلوبيّة الزيارة عنده، وتأتي زيادة في حديث مسجد قباء. وقوله: "المسجد الحرام" أي: المحرم، وهو كقولهم الكتاب بمعنى المكتوب، والمسجدِ، بالخفض على البدلية، ويجوز الرفع على الاستئناف، والمراد جميع الحرم. وقيل: يختص بالموضع الذي يصلى فيه، دون البيوت وغيرها من أجزاء الحرم. قال الطبريّ: ويتأيّد بقوله: "مسجدي هذا" لأن الإشارة فيه إلى مسجد الجماعة، فينبغي أن يكون المستثنى معه كذلك. وقيل: المراد به الكعبة، حكاه المُحِبُّ الطبريّ، وذكر أنه يتأيّد بما رواه النَّسَائيّ بلفظ: "إلاَّ الكعبة" وفيه نظر؛ لأن الذي عند النَّسائيّ: "إلا مسجد الكعبة"، حتى لو سقطت لفظة مسجد، لكانت مرادة، ويؤيد الأول ما رواه الطيالسيّ عن عطاء أنه قيل له: "هذا الفضل في المسجد وحده أو في الحرم؟ قال: بل في الحرم؛ لأنه كله مسجد". وقوله: "ومسجد الرسول" أي: محمد ﷺ ، وفي العدول عن مسجدي إشارة إلى التعظيم، ويحتمل أن يكون ذلك من تصرف الرواة، ويؤيده قوله في حديث أبي سعيد الاتي قريبًا "ومسجدي" وروى أحمد بإسنادٍ رواتُهُ رواةُ الصحيح عن أنس مرفوعًا "مَنْ صلى في مسجدي أربعين صلاة لا تفوته صلاة، كتبت له براءة من النار، وبراءة من العذاب، وبراءة من النفاق". وقوله: "ومسجد الأقصى" بيت المقدس، وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة عند الكوفيين، والبصريون يؤوِّلونه بإضمار، أيْ: ومسجد المكان الأقصى. وسمي الأقصى لبعده عن المسجد الحرام في المسافة، وقيل في الزمان، وفيه نظر؛ لأنه ثبت في الصحيح أن بينهما أربعين سنة، وقد استشكل من حيث إن بين آدم وداود عليهما الصلاة والسلام أضعاف ذلك من الزمن، وأُجيبَ

стр. 5163

بأنَّ الملائكة وضعتهما أولًا، بينهما في الوضع أربعون سنة، وأن داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام جَددوا بنيان المسجد الأقصى، كما جدد إبراهيم ﵊ بناء البيت الحرام. ويأتي في ترجمة إبراهيم الخليل من أحاديث الأنبياء استيفاء الكلام على هذا. وقال الزمخشريّ: المسجد الأقصى بيت المقدس؛ لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد، وقيل: لبعده عن الخبث والأقذار، وقيل: هو قَصِيّ بالنسبة إلى مسجد المدينة؛ لأنه بعيد من مكة، وبيت المقدس أبعد منه. وقيل: لأنه أقصى موضع من الأرض ارتفاعاً وقربًا إلى السماء. ولبيت المقدس عدة أسماء تَقْرُب من العشرين، منها إيلياء بالمد والقصر، وبحذف الياء الأولى، وعن ابن عباس إدخال الألف واللام على هذا الثالث، وبيت المقدس، بسكون القاف، وبفتحها مع التشديد، والقُدس بغير ميم مع ضم القاف وسكون الدال، وبضمها أيضًا، وشَلّم بالمعجمة وتشديد اللام، وبالمهملة، وشلام بمعجمة، وسَلِم بفتح المهملة وكسر اللام الخفيفة، وأَوْرِي سلم بسكون الواو وكسر الراء بعدها تحتانية ساكنة. قال الأعشى: وطُفْتُ للمال آفاقه ... دمشق فحمص فأوري سَلِم ومن أسمائه كَوْرَه، وبيت إيل، وصَهْيون، ومَصْروُث آخره مثلثة، وكورشيلا، وبابوش بموحدتين ومعجمة. وفي هذا الحديث فضيلة هذه المساجد، ومزيتها على غيرها، لكونها مساجد الأنبياء، ولأن الأوَّل قبلة الناس، وإليه حجهم إلى آخر ما مرّ. واختلف في شد الرحال إلى غيرها، كالذهاب إلى زيارة الصالحين أحياءاً وأمواتًا، وإلى المواضع الفاضلة لقصد التبرك بها والصلاة فيها، فقال أبو محمد الجُوَيْنِيّ: يحرم شد الرحال إلى غيرها عملًا بظاهر هذا الحديث، وأشار القاضي حسين إلى اختياره، ويه قال عِياضُ وطائفة. ويدل عليه ما رواه أصحاب السنن من إنكار نَضْرَة الغِفارِيّ على أبي هريرة خروجه إلى الطُّور، وقال له: لو أدركت قبل أن تخرج ما خرجت، واستدل بهذا الحديث، فدل على أنه يرى حمل الحديث على عمومه، ووافقه أبو هريرة، والصحيح عند إمام الحرمين وغيره من الشافعية أنه لا يحرم، وأجابوا عن الحديث بأجوبة منها أن المراد أن الفضيلة التَّامة إنما هي في شد الرحال إلى هذه المساجد، بخلاف غيرها، فإنه جائز. وفي رواية أحمد الماضية "لا ينبغي للمصلي أن يشد رحاله إلى مسجد إلخ" وهذا لفظ ظاهر في غير التحريم. ومنها أن النهي مخصوص بمن نذر على نفسه الصلاة في مسجد من سائر المساجد غير الثلاثة، فإنه لا يجب الوفاء به، قاله ابن بَطّال. وقال الخطابيّ: اللفظ لفظ الخبر، ومعناه الإيجاب فيما ينذره الإنسان من الصلاة في البقاع التي يتبرك بها، أي لا يلزم الوفاء بشيء من ذلك غير هذه المساجد الثلاثة. ومنها أن المراد حكم المساجد فقط، وأنه لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد للصلاة فيه غير هذه الثلاثة، وأما قصد غير المساجد لزيارة صالح أو قريب أو صاحب،

стр. 5164

أو طالب علم أو تجارة أو نزهة، فلا يدخل في النهي، ويؤيده ما مرّ عند أحمد عن أبي سعيد الخُدْرِيّ: "لا ينبغي للمصلي إلخ" وقد مرّ تقرير أن هذا الوجه لا يصح تفسير الحديث بغيره، وأن هذا الحديث نص في ذلك. ومنها أن المراد قصدها بالاعتكاف فيما حكاه الخطابيّ عن بعض السلف، أنه قال: "لا يعتكف في غيرها" وهو أخص من الذي قبله، ولم يُبْدِ له دليلًا، واستدل به على أن من نذر إتيان أحد هذه المساجد لزمه ذلك، وبه قال مالك والشافعيّ والبويطيّ، واختاره أبو إسحاق المروزيّ. وقال أبو حنيفة: لا يجب مطلقًا، وقال الشافعيّ: يجب في المسجد الحرام لتعلق النُّسُك به، بخلاف المسجدين الأخيرين. وهذا هو المتصور لأصحاب الشافعيّ. وقال ابن المنذر: يجب إلى الحرمين، وأما الأقصى فلا، واستأنس بحديث جابر أن رجلًا قال للنبي ﷺ : إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أُصلي ببيت المقدس، قال: "صل هاهنا". وقال ابن التين: الحجة على الشافعيّ أن إعمال المَطِيّ إلى مسجد المدينة والمسجد الأقصى، والصلاة فيها قربة، فوجب أن يلزم بالنذر كالمسجد الحرام، واستدل به على أن من نذر إتيان غير هذه المساجد الثلاثة لصلاة أو غيرها لم يلزمه غيرها؛ لأنه لا فضل لبعضها على بعض، فتكفي صلاته في أي مسجد كان. قال النوويّ: لا اختلاف في ذلك إلا ما رُوي عن الليث أنه قال: يجب الوفاء به. وعن الحنابلة رواية تلزمه كفارةُ يمين، ولا ينعقد نذره. وعن المالكية رواية إنْ تعلقتْ به عبادَةٌ تختص به، كرباطٍ، لزم، وإلا فلا. وذكر عن محمد بن سَلَمَة المالكيّ أنه يلزم في مسجد قُباء، لأن النبي ﵊ كان يأتيه كل سبت. اشتمل هذا الحديثين الأولَ حديثَ أبي سعيد المصدر به. رجاله خمسة: قد مرّوا إلا قزعة، مرّ حفص بن عمر في الثالث والثلاثين من الوضوء، ومرّ شُعبة في الثالث من الإيمان، وأبو سيعد الخدري في الثاني عشر منه، ومرّ عبد الملك بن عُمير في الحادي والثلاثين من الجماعة والإمامة. وقَزَعَة بفتح الزاي وسكونها، وهو ابن يحيى، ويقال ابن الأسود، أبو الفادية البصريّ، مولى زياد بن أبي سفيان، ويقال مولى عبد الملك. ويقال بل هو من بني الحُرَيش. ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال العجليّ: بصري تابعي ثقة. وقال ابن خِراش: صدوق، وقال عبد الملك بن عُمير: حدّثنا قَزَعة، وكان رجلًا يسبق الحاج في سلطان معاوية، له عند البخاريّ حديث أبي سعيد الخدريّ في سفر المرأة. روى عن أبي سعيد الخُدْرِيّ وابن عمر وابن عمرو بن العاص وغيرهم. وروى عنه عبد الملك بن عُمير وقتادة ومجاهد وغيرهم.

стр. 5165

لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإخبار بالإفراد والسماع والقول، ورواته بين بصريّ وواسطيّ وكوفيّ، وفيه رواية التابعيّ عن التابعيّ. أخرجه البخاريّ أيضًا في الصلاة ببيت المقدس، وفي الحج وفي الصوم، ومسلم في المناسك، والتِّرمِذِي في الصلاة، والنَّسَائيّ في الصوم، وابن ماجه في الصوم وفي الصلاة. والثاني حديث أبي هريرة، وهو الخامس عشر. ورجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ عليّ بن المَدِيْنيّ في الرابع عشر من العلم، ومرّ ابن عُيينة في الأول من بدء الوحي، والزُهريّ في الثالث منه، وسعيد بن المسيب في التاسع عشر من الإيمان، وأبو هريرة في الثاني منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والقول والعنعنة، ورواته مدنيون ما عدا سفيان، فإنه مكيّ، أخرجه مسلم وأبو داود في الحج، والنَّسَائيّ في الصلاة. الحديث السادس عشر حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ رَبَاحٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عُبيدِ اللَّهِ الأَغَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ. قوله: "صلاة في مسجدي هذا" قال النوويّ: ينبغي أن يحرص المصلي على الصلاة في الموضع الذي كان في زمانه ﷺ ، دون ما زيد فيه بعده؛ لأن التضعيف إنما ورد في مسجده، وقد أكده بقوله: "هذا" بخلاف مسجد مكة، فإنه يشمل جميع مكة، بل رجح النوويّ أنه يعم جميع الحرم، وقد اختلف العلماء هل يدخل في التضعيف ما زيد في المسجد النبوي في زمن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم؟ فقد صرّح النوويّ فيما مرّ عنه أنه خاص بما كان في زمنه ﵊، والجمهور على خلاف ما قاله النوويّ، فَلِما زيد في مسجده الشريف حكمُ المسجد الأصليّ عندهم. وقوله: "إلا المسجد الحرام" قال ابن بطال: يجوز في هذا الاستثناء أن يكون المراد فإنه مساوٍ لمسجد المدينة، أو فاضلًا أو مفضولًا، والأول أرجح؛ لأنه لو كان فاضلًا أو مفضولًا لم يعلم مقدار ذلك إلاَّ بدليل، بخلاف المساواة. قال في "الفتح": دليل الثاني ما أخرجه الإِمام أحمد وصححه

стр. 5166

ابن حِبّان عن عطاء عن عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة صلاة في هذا"، وفي رواية ابن حِبّان: "وصلاة في ذلك أفضل من مئة صلاة في مسجد المدينة". قال ابن عبد البَرّ: اختلف على ابن الزبير في رفعه ووقفه، ومن رفعه أحفظ وأثبت، ومثله لا يقال بالرأي، وفي ابن ماجه عن جابر مرفوعًا: "صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلاَّ المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة ألف صلاة فيما سواه" وفي بعض النسخ: "من مئة صلاة فيما سواه"، فعلى الأول معناه فيما سواه إلاّ مسجد المدينة، وعلى الثاني معناه من مئة صلاة في مسجد المدينة. ورجال إسناده ثقاتٌ، لكنه من رواية عطاء في ذلك عنه قال ابن عبد البر: جائز أن يكون عند عطاء في ذلك عنهما، وعلى ذلك يحمله أهل العلم بالحديث، ويؤيده أن عطاء إمام واسع الرواية عن جابر وابن الزبير. وروى البزّار والطبرانيّ عن أبي الدرداء، رفعه "الصلاة في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمس مئة صلاة. قال البزّار: إسناده حسن، فوضح بذلك أن المراد بالاستثناء تفضيل المسجد الحرام، وهو يرد على تأويل عبد الله بن نافع وغيره. وروى ابن عبد البَرّ عن يحيى بن يحيى اللَّيْثيّ أنه سأل عبد الله بن نافع عن تأويل هذا الحديث، فقال: معناه فإن الصلاة في مسجدي أفضل من الصلاة فيه بدون ألف، قال ابن عبد البر: لفظ "دون" يشمل الواحد، فيلزم أن تكون الصلاة في مسجد المدينة أفضل من الصلاة في مسجد مكة بتسع مئة وتسع وتسعين، وحسبك بقول يؤول إلى هذا ضعفًا. قلت: ما قاله لا يبطل التأويل، فكما أن الدون يشمل الواحد، فكذلك يشمل النصف والثلث والربع وغير ذلك، فتكون أفضل من مكة بدون ألف بخمس مئة أو ثلاث مئة أو بمئة أو مئتين، وإنما ذكر الواحد الذي هو أقل العدد ليحصل الاستبشاع، ولو استلزمناه وقلنا إنها أفضل منها بالعدد المذكور، ما يلزم على ذلك من المحذور. واستدل بهذه الأحاديث على تفضيل مكة على المدينة، لأن الأمكنة تشرف بفضل العبادة فيها على غيرها مما تكون العبادة فيه مرجوحة، وهو قول الجمهور، وحُكِيَ عن مالك، وبه قال ابن وهب ومطرف وابن حبيب من أصحابه، لكن المشهور عن مالك، وهو مذهب عمر بن الخطاب وبعض الصحابة وأكثر المدنيين، وهو أحد الروايتين عن أحمد. واستدل ابن عبد البر على تفضيل مكة على المدينة بحديث عبد الله بن عديّ بن الحمراء قال: رأيت رسول الله ﷺ واقفًا على الخَزْوَرَة فقال: "والله إنك لخيرُ أرْضِ الله، وأحبّ أرضِ الله إلى الله. ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت" وهو حديث صحيح، أخرجه أصحاب السنن، وصححه الترمِذِيّ وابن خُزيمة وابن حِبّان وغيرهم. قال ابن عبد البر: هذا نص في محل الخلاف،

стр. 5167

فلا ينبغي العدول عنه. قلت: أجيب عن هذا الحديث بما قاله السَّمْهُوديّ بأن ذلك محمول على بدء الأمر قبل ثبوت الفضل للمدينة، وإظهار الدين وافتتاح البلاد منها حتى مكة، فقد أنالها وأنال بها ما لم يكن لغيرها من البلاد، فظهر إجابةُ دعوته وصيرورتها أحب مطلقًا، ولهذا افترض الله تعالى على نبيه ﷺ الإقامة بها، وحث هو ﷺ على الاقتداء به في سكناها، والموت بها، فكيف لا تكون أفضل؟ واستدل القائلون بتفضيل المدينة بحديث البخاريّ "ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة" مع قوله: "موضع سوط في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها"، وقول ابن عبد البر: هذا استدلال بالخبر في غير ما ورد فيه، ولا يقاوم النص الوارد في فضل مكة تحامل منه بعيد من الصواب، فإن الحديث نص في تفضيل المدينة؛ لأن معنى الحديث كما قال ابن أبي جَمرة وغيرها: أنها تنقل تلك البقعة بعينها في الجنة، فتكون روضة من رياض الجنة. وأنَّ العمل فيها يوجب لصاحبه روضة من رياض الجنة؛ لأن البقع المباركة والأيام المباركة ما فائدة بركتها لنا، والإخبار بها لنا، إلا لتعميرها بالطاعات، فإن الثواب فيها أكثر، وكذلك الأيام المباركة أيضًا، وإنما كانت هكذا لعلو منزلته ﵊، فلما خص الخليل ﵊ بالحجر من الجنة، خص الحبيب ﵊ بالروضة من الجنة. واستدل المفضلون لمكة بما مرّ من المضاعفة في حديث ابن الزبير وجابر، وأجاب عنه القَرَافيّ وغيره بأنَّ سبب التفضيل لا ينحصر في كثرة الثواب على العمل، بل قد يكون لغيرها كتفضيل جلد المصحف على سائر الجلود. قال السمهودي: فالصلوات الخمس، بمنىً للمتوجه لعرفة، أفضل منها بمسجد مكة. وإنْ انتفت عنها المضاعفة إذ في الاتباع ما يربو عليها، ولهذا قال عمر رضي الله تعالى عنه بمزيد المضاعفة لمسجد مكة، مع قوله بتفضيل المدينة. قال: ولم يصب من أخذ من قوله بمزيد المضاعفة تفضيلَ مكة، إذ غايته أن للمفضول مزية ليس للفاضل، مع أن دعاءه ﷺ بمزيد تضعيف البركة بالمدينة على مكة شاملٌ للأمور الدينية أيضًا، وقد يبارك في العدد القليل فيربو نفعه على الكثير، ولهذا استدل به على تفضيل المدينة. وإن أُريد من حديث المضاعفة الكعبة فقط، فالجواب أنَّ الكلام فيما عداها، فلا يرد شيء مما جاء في فضلها، ولا ما بمكة من مواضع النسك، لتعلقه بها، ولذا قال عمر لعبد الله بن عيّاش المخزوميّ: أنت القائل لَمَكَّة خير من المدينة؟ فقال عبد الله: هي حرم الله وأمنه، وفيها بيته. فقال عمر: لا أقول في حرم الله وبيته شيئًا. ثم كرر عمر قوله الأول، فأعاد عبد الله جوابه، فأعاد له عمر: "لا أقول في حرم الله وبيته شيئًا" فأشير إلى عبد الله فانصرف. واستدل المفضلون للمدينة بما في الصحيحين عن أبي هريرة من قوله ﷺ : "أُمرتُ بقرية تأكل القرى" يقولون: يثرب، وهي المدينة تنفي الناس كما ينفى الكِيْرُ خَبَثَ الحديد، أي: أمرني الله بالهجرة إليها إن كان قاله، ﵊، بمكة. أو بسكناها، إن كان قاله بالمدينة. قال

стр. 5168

القاضي عبد الوهاب: لا معنى لقوله: "تأكل القرى" إلا رجوح فضلها على القرى، وقال ابن المنير: يحتمل أن يكون المراد بذلك غلبة فضلها على فضل غيرها، أي: أن الفضائل تضمحلّ في جنب عظيم فضلها، حتى تكون عَدَمًا، وهذا أبلغ من تسمية مكة أم القرى؛ لأن الأُمومة لا ينمحي معها ما هي له أُم، لكن يكون لها حق الأمومة. ويحتمل أن يكون المراد غلبة أهلها على القرى، والأقرب حمله عليهما، وهو أبلغ في الفرض المسوق له. واستدلوا أيضًا بما رواه أبو يعلى عن أبي بكر الصديق أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يقبض النبي إلا في أحبّ الأمكنة إليه" ولا شك أن أحبها إليه أحبها إلى ربه تعالى، فإن حبه تابع لحب ربه جل وعلا، وما كان أحب إلى الله ورسوله فكيف لا يكون أفضل؟ وقد قال ﵊: "اللهم إن إبراهيم دعاك لمكة، وأنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك إبراهيم لمكة، ومثله معه،، ولا ريب أن دعاء النبيّ ﷺ أفضل من دعاء إبراهيم؛ لأن فضل الدعاء على فضل قدر الداعي، وقد صح أنه ﷺ قال: "اللَّهمَّ حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد" وفي رواية: "بل أشد" وقد أُجيبتْ دعوته حتى كان يحرك دابته، إذا رآها، من حبها. وروى الحاكم أنه ﵊ قال: "اللَّهمّ إنك أخرجتني من أحب البلاد إليّ فأسكنيّ في أحب البقاع إليك" أي: في بلد تصيره كذلك، فيجتمع فيه الحبان. وقد قيل: إن ابن عبد البر ضعَّفه، وإنه لو سلمت صحته، فالمراد أحب إليك بعد مكة، لحديث: "إن مكة خير بلاد الله". وفي رواية: "أحب أرض الله إلى الله" ولزيادة التضعيف بمسجد مكة، وتعقب هذا المسهوديّ بأن ما ذكره لا يقتضي صرفه عن ظاهره، إذ القصد به الدعاء لدار هجرته، بأن يصيرها الله كذلك، وحديث: "إن مكة خير بلاد الله" محمول على بدء الأمر إلى آخر ما مر. قلت: كيف يصح تضعيف هذا الحديث مع ما صح من دعائه ﵊: "أن تكون المدينة أحب إليه"؟ وقد مرّ قريبًا أن حبه تابع لحب ربه، فلا معنى لتضعيفه. وروى الطبرانيّ: المدينة خيرٌ من مكة، وفي رواية للجنديّ: "أفضل من مكة" وفيه محمد بن عبد الرحمن الرداد، وقد تكلم فيه، واستدلوا أيضًا بما رواه ابن عبد البَرّ في آخر تمهيده عن عطاء الخراسانيّ موقوفًا "أن المرء يدفن في البقعة التي أُخذ منها ترابُه عندما يخلق، فتكون هذه البقعة أشرف البقاع لشرف من خلق منها. وروى الزبير بن بكّار أنّ جبريل أخذ التراب التي خلق منها النبي ﷺ من تراب الكعبة. قال الناصرون لتفضيل مكة: فعلى هذا فالبقعة التي ضمت أعضاءه الشريفة من تراب الكعبة، فيرجع لفضل المذكور إلى مكة إن صح ذلك. قلت: هذا لا دليل فيه لما قالوا، بل عليه تكون البقعة جمعت فضل الكعبة ومكة، لكونها من الكعبة وحلت بالمدينة، وقد أجمعوا على أن الموضع الذي ضم أعضاءه الشريفة ﵊، أفضل بقاع الأرض، حتى موضع الكعبة. كما قاله

стр. 5169

ابن عساكر والباجيّ والقاضي عياض، بل نقل تاج الدين السّبكيّ كما ذكره السيد السَّمهودِيّ عن ابن عُقيل الحنبليّ أنه أفضل من العرش. وصرّح الفاكهانيّ بتفضيلها على السموات، فقال، وأنا أقول: هي أفضل من بقاع السموات أيضًا. وقد جاء أن السماوات شرفت بمواطىء قدميه، بل لو قال قائل: إن جميع بقاع الأرض أفضل من جميع بقاع السماء لشرفها بكونه ﵊ حالاًّ فيها لم يبعد، بل هو المتعيِّن عندي. وحكاه بعضهم عن الأكثرين، لخلق الأنبياء منها ودفنهم فيها. لكنْ قال النوويّ: الجمهور على تفضيل السماء على الأرض ما عدا ما ضم الأعضاء الشريفة، وقد استشكل ما ذكر من الإجماع على أفضلية ما ضم أعضاءه الشريفة، بأن أفضلية الأماكن والأزمان إنما تكون بكثرة الثواب على الأعمال، ولا عمل على القبر، والجواب أن هذا ممنوع، ويلزمه أن لا يكون جلد المصحف بل المصحف مفضلًا، وبطلانه معلوم من الدين. وتعقبه تقي الدين السبكيّ بما حاصله أنّ الذي قيل لا ينفي أن يكون التفضيل لأمر آخر فيها، وإن لم يكن عملًا لأن قبره ﵊ ينزل عليه من الرحمة والرضوان والملائكة، وله عند الله من المحبة ولساكنه ما تقصر العقول عن إدراكه، وليس لمكان غيره، فكيف لا يكون أفضل؟ وليس محل عمل لنا؛ لأنه ليس مسجدًا، ولا له حكم المسجد. بل هو مستحق للنبيّ ﷺ ، وأيضًا قد تكون الأعمال مضاعفة فيه باعتبار أن النبيّ ﷺ حي كما تقرر، وأن أعماله مضاعفة فيه أكثر من كل أحد، فلا يختص التضعيف بأعمالنا نحن، ففضل البقعة باعتبارين، أحدهما ما قيل، أن كل أحد يدفن في الموضع الذي خلق منه كما مرّ، والثاني تنزل الملائكة والبركات عليه، وإقبال الله تعالى، ولا نسلّم أن الفضل للمكان لذاته، ولكن لأجل من حلّ فيه ﷺ . وقد استنبط العارف ابن أبي جَمرة من قوله ﵊ المروي في البخاريّ "ليس من بلد إلاَّ سيطؤه الدَّجَال إلاَّ مكة والمدينة" التساويّ بينهما. قال: ظاهر هذا الحديث يعطي التسوية بينهما في الفضل؛ لأن جميع الأرض يطؤها الدّجّال إلا هذين البلدين، فدل على تسويتهما في الفضل. قال: ويؤيد ذلك أيضًا من وجه النظر أنه إن كانت المدينة خصت بمدفنه ﵊، وإقامته بها، ومسجده، فقد خصت مكة بمسقطه ﵊ بها، ومبعثه، وهي قبلته، فمطلع شمس ذاته الكريمة مكة، ومغربها المديها، وإقامته بعد النبوءة بمكة مثل إقامته بالمدينة، عشر سنين في كل واحدة منهما على قول. قلت: قد عُوّضت المدينة عن العُمرة ما صح في إتيان مسجد قُباء مما يأتي، وعن الحج ما جاء في فضل الزيارة النبوية والإقامة بالمدينة بعد النبوة، وإن كانت أقل من مكة على المشهور، فقد كانت سببًا لإعزاز الدين وإظهاره ونزول أكثر الفرائض، وإكمال الدين حتى كثر تردد جبريل ﵊ بها، ثم استقر بها ﷺ إلى قيام الساعة، ولهذا قيل لمالك: أيُّما أحب إليك المقام بالمدينة أو مكة؟ فقال: هاهنا، وكيف لا أختار المدينة وما بها طريق إلا سلكها رسول الله ﷺ ، وجبريل ينزل عليه من رب العالمين في أقل من ساعة؟

стр. 5170

وقد جاءت أحاديث كثيرة دالّة على تفضيل المدينة، منها ما أخرجه مسلم: "يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه، هَلُمّ إلى الرخاء، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، والذي نفسي بيده، لا يخرج أحد رغبة عنها إلاَّ أَخلف الله فيها خيرًا منها". ففي الحديث الذم لمن خرج منها إلى أي محل كان من غير تقييد بمكة، وحكى المحبُّ الطبريّ عن قوم أنه عامٌّ أبدًا مطلقًا. قال: وهو ظاهر اللفظ، ومنها ما أخرجه مسلم عن أبي هُريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يصبر على لْأواءِ المدينة وشدتها أحدٌ من أمتي إلا كنت له شفيعًا يوم القيامة" أو "شهيدًا". وفيه عن سعيد مولى المَهَرِيّ أنه جاء إلى أبي سعيد الخُدريّ ليالي الحَرَّة، فاستشاره في الجلاء من المدينة، وشكى إليه أسعارها، وكثرة عياله، وأخبره أن لا صبر له على جهد المدينة ولأوائها، فقال: ويحك، لا آمرك بذلك، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يصبر أحد على لأوائها إلاَّ كنتُ له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة" واللأواء، بالمد، الشدةُ والجوع. وهذه خصوصية زائدة على الشفاعة للمذنبين، أو للعالمين في القيامة، وعلى شهادته على جميع الأمم، فيكون لتخصيصهم بهذا كله علوُّ مرتبة وزيادةُ منزلةٍ وحُظوةٍ، وهذه الشفاعة لأهل المدينة تكون بزيادة الدرجات، أو تخفيف الحساب أو بما شاء الله من ذلك أو بإكرامهم يوم القيامة بأنواع الكرامات، ككونهم على منابر، أو في ظل العرش، أو الإسراع بهم إلى الجنة، أو غير ذلك من خصوص الكرامات. ومنها ما أخرجه البخاريّ عن أبي هُريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إنّ الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جُحرها" أي: ينقبضِ وينضم ويلتجىء، مع أنها أصلُ في انتشاره. ومنها ما أخرجه التِّرْمِذِيّ وابن ماجه وابن حِبّان في صحيحه عن ابن عُمر أن رسول الله ﷺ قال: مَنْ استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها"، ورواه الطبرانيّ في الكبير عن سُبَيعة الأسلمية، إلى غير هذا من الأحاديث. وقد ذكر الشِّهاب الخَفَاجِيّ بحثًا حق له أن يكتب بماء الذهب، ولفظه هاهنا "بحث"، وهو أن البقعة التي ضمت الجسد العظيم، إذا كانت أفضل من سائر البقاع، يلزم أن تكون المدينة أفضل من مكة بلا نزاع؛ لأن المدينة هي تلك البقعة، مع زيادة، وزيادة الخير خير، فكيف يُتَصَوَّر الخلاف بينهم على هذا؟ بل نقول: المدينةُ بعد هجرته ﷺ إليها، وإقامته بها، تَفْضُلُ مكةَ حينئذ، لأن شرف المكان بالمكين، فلابد من تحرير الخلاف حتى يقام عليه الدليل. منه وإيضاح هذا البحث هو أن المذاهب، إذا سلّموا أن الموضع الذي ضم أعضاءه الشريفة أفضل من الكعبة التي شُرِّفت مكة بسببها، كيف يقولون إن مكة أفضل من المدينة؟ فإن الكعبة صارت مفضولة، ومعلوم عند كل أحد أن التابع للأفضل أفضل من تابع المفضول، ولهذا كانت أصحابه ﷺ أفضل من أصحاب غيره من الأنبياء، لفضله هو ﵊ على غيره من الأنبياء ﵈.

стр. 5171

وقد ذكر الرهونيّ المالكيّ في حاشيته على الزُّرْقاني هذا البحث، في باب النَّذْر مختصرًا عند قول المتن "والمدينة أفضل ثم مكة" قال: قد انعقد الإجماع على أن الروضة الشريفة أفضل بقاع الأرض والسماء، فيكون ما قاربها وجاورها أفضل من غيره، إذ بجيرانها تغلو الديار، وترخص، فتأمله بإنصاف منه. وهو كما أوضحنا، فإنه عسير على من سلّم هذا الإجماع ورضي به، أن يقول بفضل مكة على المدينة، فالراضي بهذا الإجماع يتعين عليه أن يقول بتفضيل المدينة، ويحمل الحديث الوارد بتفضيل مكة على بدء الأمر، قبل ثبوت الفضل للمدينة كما مرّ، وقد أطلتُ الكلام في أدلة تفضيل المدينة لما في القلب -لله الحمد والمِنة- من محبة ما فيه تعظيمٌ للنبي ﷺ ، لا لكوني مالكي المذهب. وقد اختلف في تضعيف الصلاة في المساجد المذكورة، هل هو مطلق أو مختص بالنفل؟ وقد تقدم عن الطحاويّ أن ذلك مختص بالفرائض، لقوله ﷺ : "أفضل صلاة المرء في بيته إلاَّ المكتوبة"، ويمكن أن يقال: لا مانع من إبقاء الحديث على عمومه، فتكون صلاة النافلة في بيت بالمدينة أو بمكة تضاعف على صلاتها في البيت بغيرهما، وكذا في المسجدين، وإن كانت في البيوت أفضل مطلقًا، ثم إن التضعيف المذكور يرجع إلى الثواب، ولا يتعدى إلى الإجزاء باتفاق العلماء، كما نقله النوويّ وغيره. فلو كان عليه صلاتان، فصلى في أحد المساجد الثلاثة صلاة لم تجزه إلاَّ عن واحدة، وعلى هذا يحمل قول أبي بكر النقّاش في تفسيره: حَسَبت الصلاة في المسجد الحرام، فبلغت صلاة واحدة بالمسجد الحرام عمر خمس وخمسين سنة وستة أشهر وعشرين ليلة، وهذا مع قطع النظر عن التضعيف بالجماعة، فإنها تزيد سبعًا وعشرين درجة، كما مرّ في أبواب الجماعة، لكن هل يجتمع التضعيفان أم لا؟ محلُّ بحث. رجاله ستة: مرّ منهم عبد الله بن يوسف، ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرّ أبو عبد الله سلمان الأغر في الخمسين من الجمعة، ومرّ أبو هريرة في الثاني من الإيمان، والباقي اثنان: الأول: زيد بن رباح المدنيّ، ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال أبو حاتم: ما أرى بحديثه بأسًا، وقال ابن عبد البَرّ: ثقة مأمون، روى عن أبي عبد الله الأغر، وعنه مالك مقرونًا بعبُيد الله بن أبي عبد الله الأغر في غالب المواضع، قتل بقُدَيد سنة خمس وثلاثين ومئة. الثاني: عُبيد الله بن أبي عبد الله الأغر، ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال ابن مُعين وأبو داود والنَّسائيّ: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، أخرجوا له مقرونًا في الغالب يزيد بن رباح، ووَثَّقَه ابن البَرْقِيّ أيضًا. روى عن أبيه، وروى عنه موسى بن عُقبة ومالك وابن عَجْلان وسليمان بن بلال.

стр. 5172

لطائف إسناده: فيه التحديث والإخبار بالجمع والعنعنة والقول، وشيخ البخاريّ من أفراده، وهو دمشقيُّ والبقية مدنيون. أخرجه مسلم في المناسك، والتِّرْمِذِيّ في الصلاة، وكذا ابن ماجه، والنَّسائيّ في الحج. ثم قال المصنف:

стр. 5173

باب مسجد قباء أي: فضله، وقُباء، بضم القاف ممدوداً وقد يقصر، ويُذَكَّر على أنه موضع فيصرف، ويؤنث على أنه اسم بقعة فلا يصرف، ويينه ويين المدينة ثلاثة أميال، وقيل ميلان، وهو أوّل مسجد أسسه ﷺ ، فقد روى يونس بن بكير عن الحَكَم بن عُتيبة قال: لما قَدِم النبي ﷺ فنزل بقُباء، قال عمّار بن ياسر: ما لرسول الله ﷺ بدٌّ من أنْ يجعل له مكانًا يستظل به إذا استيقظ، ويصلى فيه، فجمع حجارة، فبنى مسجد قُباء. فهو أوّل مسجد بُني بالمدينة، وهو في التحقيق أول مسجد صلى النبي ﷺ فيه بأصحابه جماعة ظاهرًا، وأول مسجد بني لجماعة المسلمين عامّة، وإن كان قد تقدم بناءُ غيره من المساجد، لكن لخصوص الذي بناها، كما في حديث عائشة الآتي في بناء أبي بكر مسجده. وروى ابن أبي شَيبَةَ عن جابر قال: لقد لبثنا بالمدينة قبل أن يقدم علينا رسول الله ﷺ بسنين، نعمر المساجد، ونقيم الصلاة. وقباء على يسار قاصد مكة، وهي من عوالي المدينة، والمسجد المذكور هو مسجد بني عمرو بن عوف، وسمي باسم بئر هناك، وفي وسطه مَبْرَك ناقته ﵊، وفي صحته، مما يلي القبلة، شبهُ محراب هو أوّل موضع ركع فيه ﷺ . وقد اختُلف في المراد بقوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ فالجمهور على أن المراد به مسجد قباء، وهو ظاهر الآية، وهو الذي أخرجه البخاريّ عن عائشة في حديث الهجرة الطويل. وفي رواية عبد الرزاق عن عُروة قال: الذين بني فيهم المسجد الذي أُسس على التقوى هم بنو عمرو بن عوف. وكذا في حديث ابن عباس عند ابن عائذ، ولفظه: "ومكث في بني عمرو بن عوف ثلاث لَيالٍ، واتخذ مكانه مسجدًا، فكان يصلي فيه، ثم بناه بنو عمرو بن عوف، فهو الذي أُسس على التقوى". وروى مسلم عن أبي سعيد: سألت النبيّ ﷺ عن المسجد الذي أُسس على التقوى، فقال: "مسجدكم هذا". ولأحمد والتِّرمِذِيّ من وجه آخر عن أبي سعيد: اخْتَلف رجلان في المسجد الذي أُسس على التقوى، فقال أحدهما: هو مسجد النبي ﷺ ، وقال الآخر: هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله ﷺ ، فسألاه عن ذلك، فقال: "هو هذا"، وفي ذلك، يعني مسجد قباء، خير كثير. ولأحمد عن سَهْل بن سعد نحوه، وأخرجه آخر عن سَهْل بن سعد عن أُبيّ بن كعب مرفوعًا. قال القُرطبيّ: هذا السؤال صدر ممن ظهرت له المساواة بين المسجدين، لاشتراكهما في أن كلاً منهما

стр. 5174

بناه النبي ﷺ ، فلذلك سئل النبي ﷺ عنه، فأجاب بأن المراد مسجده، وكأنَّ المزيةَ التي اقتضت تعيينه دون مسجد قباء كونُ مسجد قباء لم يكن بناؤه بأمر جُزِم من الله لنبيه، أو كان رأياً رآه، بخلاف مسجده، أو كان حصل له أو لأصحابه فيه من الأحوال القلبية ما لم يحصل في غيره، ويحتمل أن تكون المزية لما اتفق من طول إقامته ﷺ بمسجد المدينة، بخلاف مسجد قُباء، فما أقام فيه إلا أيامًا قلائل، وكفى بهذا مزية، وفيه كفاية عما أبداه القرطبيّ، والحق أن كلًا منهما أُسس على التقوى. وقوله تعالى في بقية الآية: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ ويؤيد كون المراد مسجد قباء، وعند أبي داود، بإسناد صحيح عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: "نزلت ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ في أهل قُباء"، وعلى هذا فالسر في جوابه ﵊ بأن المسجد الذي أُسس على التقوى مسجده، رفع توهم أن ذلك خاص بقباء، وقال الداوديّ وغيره: ليس هذا اختلافًا؛ لأن كلًا منهما أُسس على التقوى، وكذا قال السُّهيليّ، وزاد غيره: أن قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ يقتضي أنه مسجد قُباء؛ لأن تأسيسه كان في أول يوم حلّ النبي ﷺ فيه دار الهجرة. الحديث السابع عشر حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ لاَ يُصَلِّي مِنَ الضُّحَى إِلاَّ فِي يَوْمَيْنِ يَوْمَ يَقْدَمُ بِمَكَّةَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَقْدَمُهَا ضُحًى، فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ، وَيَوْمَ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَأْتِيهِ كُلَّ سَبْتٍ، فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَرِهَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ حَتَّى يُصَلِّيَ فِيهِ. قَالَ وَكَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَزُورُهُ رَاكِبًا وَمَاشِيًا. قَالَ: وَكَانَ يَقُولُ إِنَّمَا أَصْنَعُ كَمَا رَأَيْتُ أَصْحَابِي يَصْنَعُونَ، وَلاَ أَمْنَعُ أَحَدًا أَنْ يُصَلِّيَ فِي أَيِّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، غَيْرَ أَنْ لاَ تَتَحَرَّوْا طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلاَ غُرُوبَهَا. قوله: "كان لا يصلي الضحى" وفي رواية: "لا يصلي من الضحى" أي: من جهة الضحى، أو في الضحى، وقوله: "يوم يقدم مكة" بجر يوم بدل من يومين، أو بالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي: أحدهما يوم، وللهرويّ والأصيلي "يوم" بالنصب على الظرفية، ودال "يقدم" مفتوحة. وقال العينيّ: مضمومة، وبمكة بموحدة، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأصيليّ وابن عساكر "مكة" بحذفها. وقوله: "فإنه كان يقدمها ضحى" أي: فإنه، أي: ابن عمر، وضحى، أي: في ضحوة النهار. وقوله: "يصلي ركعتين" أي: سنة الطواف. وقوله: "ويوم يأتي" عطف على يوم السابق، فيعرب إعرابه. وقوله: "حتى يصلي فيه" أي ابتغاء الثواب، وقد تقدم الكلام على هذا الحديث في باب صلاة الضحى في السفر. وقوله: "راكبًا وماشيًا" أي: بحسب ما تيسر، والواو بمعنى أو،

стр. 5175

وقوله: "وكان يقول" أي ابن عمر، وهذا قد مرّ في أواخر المواقيت في باب "لم يكره الصلاة إلا بعد العصر والفجر". وفي الحديث دلالة على فضل قباء، وفضل المسجد الذي بها، وفضل الصلاة فيه، لكن لم يثبت في ذلك تضعيف بخلاف المساجد الثلاثة. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقي، وابن علية في الثامن من الإيمان، وأيوب في التاسع منه، وابن عمر في أوله قبل ذكر حديث منه، ونافع في الأخير من العلم. أخرجه مسلم في الحج وأبو داود، وأخرجه البخاري أيضًا في الصلاة. ثم قال المصنف:

стр. 5176

باب من أتى مسجد قباء كل سبت أراد بهذه الترجمة بيان تقييد ما أُطلق في التي قبلها؛ لأنه قيد فيها في الموقوف بخلاف المرفوع، فأطلق، يعني بالموقوف والمرفوع الكائنين في الحديث السابق. الحديث الثامن عشر حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ كُلَّ سَبْتٍ مَاشِيًا وَرَاكِبًا. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ ﵄ يَفْعَلُهُ. قوله: "ماشيًا وراكبًا" أي: بحسب ما تيسر، والواو بمعنى أو، وقوله: "وكان عبد الله" أي: ابن عمر، كما ثبت في رواية أبي ذَرٍّ والأصيليّ. وقوله: "كل سبت" أطلق في السابقة المرفوعة إتيانه ﵊ مسجدَ قُباء من غير تقييد بيوم، وقيده هنا، فيحمل المطلق على هذا المقيد، لأنه قيد في السابقة في الموقوف، بخلاف المرفوع. رجاله أربعة: قد مرّوا، مرّ عبد العزيز بن مسلم في أثر بعد الأربعين من العلم، ومرّ موسى بن إسماعيل في الخامس من بدء الوحي، ومرّ عبد الله بن دينار في الثاني من الإيمان، ومرّ ابن عمر الآن في الذي قبله. ثم قال المصنف:

стр. 5177

باب إتيان مسجد قباء راكبًا وماشيًا أورد هذه الترجمة لاشتمال الحديث على حكم آخر غير ما تقدم. الحديث التاسع عشر حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْتِي قُبَاءً رَاكِبًا وَمَاشِيًا. زَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ. قوله: "زاد ابن نمير" أي: عَبد الله عن عُبيد الله بن عمر، وطريق ابن نمير وصلها مسلم وأبو يعلى، قالا: أخبرنا محمد بن عبد الله بن نمير، أخبرنا أبي به. وقال أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده: حدّثنا عبد الله بن نمير وأبو أُسامة عن عبيد الله، فذكره بالزيادة، وادّعى الطحاويّ أنها مُدْرَجة، وأن أحد الرواة قاله من عنده، لعلمه أن النبيَّ ﷺ كان من عادته أن لا يجلس حتى يصلي. وفي هذا الحديث، على اختلاف طرقه، دلالةٌ على جواز تخصيص بعض الأيام ببعض الأعمال الصالحة، والمداومة على ذلك. وفيه أن النهي عن شد الرحال لغير المساجد الثلاثة، ليس على التحريم، لكون النبي ﷺ ، كان يأتي مسجد قباء راكبًا، ومعلوم أن مسجد قباء ليس أحد المساجد الثلاثة المنصوص على مضاعفة الصلاة فيها، فلو كان شد الرحال إلى غيرها ممنوعًا ما فعله ﵊، وداوم عليه أصحابه من بعده، كما رواه البخاريّ قريبًا عن ابن عمر من أنه "كان يأتيه كل سبتٍ ويصلي فيه، ويقول: إنما أصنع كما رأيت أصحابي يصنعون"، فقوله هذا يعلم منه بديهةً أن أصحابه ﵊، كانوا يفعلون مثل فعله بعد موته ﵊، فيلزم من هذا جواز شد الرحال لغير المساجد الثلاثة، ويكون النهي عنه نهي إرشاد من جهةِ أنه لا يحصل فيه أجر زائد على غيره من المساجد، كما مرّ. ففي الترك إبقاء على النفس، حيث لا مصلحة دينية في شد الرحال. وجواب مَنْ أجاب عن هذا، بأنه ﷺ إنما كان يأتي قُباء كل سبت لمواصلة الأنصار، وتفقد حالهم وحال مَنْ لم يحضر الجمعة معه، وهذا هو السر في تخصيص ذلك بالسبت، مردودٌ بما ورد من الأحاديث الصريحة في طلب الإتيان إليه للصلاة خاصة، فقد روى النَّسائيّ عن سَهل بن

стр. 5178

حُنيف مرفوعًا: "مَنْ خرج حتى يأتي مسجد قُباء فيصلي فيه كان له عَدِل عُمرة"، وعند التِّرْمِذِيّ عن أَسِيد بن حُضَير، رفعه، "الصلاة في مسجد قُباء كعمرة". وعند ابن أبي شيبة في أخبار المدينة، بإسناد صحيح عن سعد بن أبي وقاص، قال: لأَن أصلي في مسجد قباء ركعتين أحب إليّ من آتي بيت المقدس مرتين، لو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإِبل. وهذا، وإن كان موقوفًا، له حكم الرفع، لكونه لا مجال للرأي فيه، فلا يقوله سعد، رضي الله تعالى عنه، إلا بتوقيف من الشارع ﷺ . وأخرج الطبرانيّ عن كعب بن عُجْرَة، رفعه، "مَنْ توضأ فأسبغ الوضوء، ثم غدا إلى مسجد قُباء لا يريد غيره، ولا يحمله على الغُدُوّ إلا الصلاة في مسجد قُباء، فصلى فيه أربع ركعات، يقرأ في كل ركعة بأم القرآن، كان له أجر المعتمر إلى بيت الله". وفيه يزيد بن عبد الملك، النَّوْفَلِيّ ضَعَّفه بعضهم، فانظر قوله "لا يحمله على الغدو إلا الصلاة" ففي هذه الأحاديث كفاية لرد الجواب المتقدم. رجاله ستة: قد مرّوا: مرّ مسدد ويحيى في السادس من الإيمان، ومرَّ ابن عمر أَوَّلَه قبل ذكر حديث منه، ومرَّ عبد الله العمريّ في الرابع عشر من الوضوء، ونافع في الأخير من العلم، ومرَّ عبد الله بن نمير في الثالث من التيمم. ثم قال المصنف:

стр. 5179

باب فضل ما بين القبر والمنبر لما ذكر فضل الصلاة في مسجد المدينة أراد أن ينبه على أن بعض بقاع المسجد أفضل من بعض. الحديث العشرون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْمَازِنِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ. ترجم المؤلف بذكر القبر، وأورد الحديثين بذكر البيت؛ لأن القبر صار في البيت، وقد وقع في بعض طرقه بلفظ القبر، كما أخرجه البزّار بسندٍ رجالُه ثقاتٌ، عن سعد بن أبي وقُاص، والطبرانيّ عن ابن عمر، قال القرطبيّ: الرواية الصحيحة "بيتي" ويروى "قبري" وكأنه بالمعنى؛ لأنه دفن في بيتِ سكناه، فالمراد بالبيت في قوله: "بيتي أحد بيوته لا كلها، وهو بيت عائشة الذي صار فيه قبره، وقد ورد الحديث بلفظ "ما بين المنبر وبيت عائشة روضة من رياض الجنة" أخرجه الطبرانيّ في الأوسط، وعنده أيضًا عن سعد بن أبي وقّاص، رضي الله تعالى عنه "ما بين بيتي ومُصَلاَّي روضةٌ من رياض الجنة". وقوله: "روضة من رياض الجنة" أي: كروضة من رياضها في نزول الرحمة، وحصول السعادة بما يحصل من ملازمة حَلَق الذكر، لاسيما في عهده صلى الله تعالى عليه وسلم، فيكون تشبيهًا بغير أداة، أو أن المعنى أن العبادة فيها تؤدي إلى الجنة، فيكون مجازًا باعتبار المآل، كقوله: "الجنة تحت ظلال السيوف" أي: الجهادُ مآلُه الجنة، أو هو على ظاهره، وأن المراد أنه روضة حقيقية بأن ينتقل ذلك الموضع بعينه في الآخرة إلى الجنة. هذا مُحَصَّل أقوال العلماء على هذا الحديث، وهي على ترتيبها هذا في القوة. ونقل ابن زبالة أن ذَرْع ما بين المنبر والبيت الذي فيه القبر الشريف الآن ثلاث وخمسون ذراعًا، وقيل أربع وخمسون وسدس، وقيل خمسون إلا ثلثي ذراع، وهو الآن كذلك، فكأنه نَقَص لِمَا أُدْخِل من الحجرة في الجدار، واستدل به على أنَّ المدينة أفضل من مكة؛ لأنه أثبت أن الأرض التي بين البيت والمنبر من الجنة. وقد قال في الحديث الآخر: "لقاب قوس أحدكم في الجنة خير

стр. 5180

من الدنيا وما فيها"، وتعقبه ابن حزم بأن قوله: "إنها من الجنة" مجازٌ إذ لو كانت حقيقة لكانت كما وصف الله الجنة ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ وإنما المراد أن الصلاة فيها تؤدي إلى الجنة، كما يقال في اليوم الطيب: هذا من أيام الجنة، وكما قال صلى الله تعالى عليه وسلم: "الجنة تحت ظلال السيوف"، قال: فلو ثبت أنه على الحقيقة لما كان الفضل إلاَّ لتلك البقعة خاصة، فإنْ قيل: إن ما قَرُب منها أفضل مما بعد، لزمهم أن يقولوا إن الجُحفة أفضل من مكة، ولا قائل به. قلت: ما تُعُقِّعب به الاستدلال باطلٌ؛ لأن قوله: إن الصلاة فيها تؤدي إلى دخول الجنة، أي: فضيلة مثل هذه الفضيلة، وأي بقعة قيل فيها هذا القول غير هذه البقعة. لا في مكة ولا في غيرها، وما قاله من لزوم تفضيل الجحفة على مكة باطل غير وارد، فإن الكلام في تفضيل مكة أو المدينة، فلا يتعدى إلى ما ليس داخلًا في مسمى إحداهما من البلاد، ويا ليت شعري، ما حمله على التأويل مع أنه ظاهريّ يحمل الأحاديث على ظاهرها دائمًا؟ وقد مرّ الاستدلال بهذا الحديث عند حديث "صلاة في مسجدي هذا الخ". رجاله خمسة: قد مرّوا؛ مرّ عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ عبد الله بن أبي بكر في الرابع والعشرين من الوضوء، ومرَّ عباد بن تميم وعبد الله بن زيد في الثالث منه. فيه التحديث والإخبار بالجمع والعنعنة، ورواته مدنيون ما عدا شيخه، فإنه مصريّ، وفيه الرجل عباد عن عمه، أخرجه مسلم أيضًا في المناسك، والنَّسَائِيّ فيها وفي الصلاة. الحديث الحادي والعشرون حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي. قوله: عن عبيد الله، هو ابن عمر العمريّ، وثبت ذلك في رواية أبي ذَرٍّ والأصيليّ، وقوله: "ومنبري على حوضي" سقطت هذه الجملة من رواية أبي ذَرٍّ، ومعناها أنه ينقل يوم القيامة، فينصب على الحوض، أي نهر الكوثر الكائن داخل الجنة، لا حوضه الذي هو خارجها بجانبها، المستمد من الكوثر. قال الأكثر: المراد منبره بعينه الذي قال هذه المقالة وهو فوقه، وقيل: المراد المنبر الذي يوضع له يوم القيامة، والأول أظهر، ويؤيده حديث أبي واقِد اللَّيْثِيّ، رفعه "إن قوائم منبري رواتب في الجنة" وقيل: معناه أن قصد منبره والحضور عنده، لملازمة الأعمال الصالحة يورد صاحبه إلى الحوض، ويقتضي شربه منه، وعند النِّسائي "ومنبري على تُرْعَةِ من ترع الجنة".

стр. 5181

رجاله ستة: مرّ محل مسدد ويحيى وعبيد الله في الذي قبله بحديث، ومرَّ خُبيب بن عبد الرحمن في الثاني والستين من مواقيت الصلاة، ومعه حفص بن عاصم، ومرَّ أبو هُريرة في الثاني من الإيمان. فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والقول، والاثنان الأوّلان بصريَّان، والبقبة مدنيون، أخرجه البخاريّ أيضًا في الحج والاعتصام، ومسلم في الحج ثم قال المصنف:

стр. 5182

باب مسجد بيت المقدس أي فضله، وقد مرّ ما فيه من اللغات عند حديث "لا تشد الرحال". الحديث الثاني العشرون حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ سَمِعْتُ قَزَعَةَ مَوْلَى زِيَادٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ يُحَدِّثُ بِأَرْبَعٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَعْجَبْتنَي وَآنَقْتنَي قَالَ: لاَ تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ يَوْمَيْنِ إِلاَّ مَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ. وَلاَ صَوْمَ فِي يَوْمَيْنِ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى، وَلاَ صَلاَةَ بَعْدَ صَلاَتَيْنِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ، وَلاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الأَقْصَى وَمَسْجِدِي. وقوله "فاعجبتني" أي: الأربع، وهو بسكون الموحدة بصيغة الجمع للمؤنث، وقوله: وآنقتني، بالمد ثم نون مفتوحة ثم قاف ساكنة بعدها نونان، يقال: آنقه كذا، إذا أعجبه، وشيء مونق، أي مُعْجب. وحكى ابن الأثير أنه روى "أينقنني" بتحتانية بدل الألف، قال: وليس بشيء، وضبطه الأصيلي "أتقنني" بمثناة فوقية من التوق، وإنما يقال منها "توقني" كشوقني. وقوله: "لا تسافر المرأة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم" وهذا قد مرّ استيفاء الكلام عليه في أبواب السفر في باب "كم تقصر الصلاة". وقوله: "ولا صوم في يومين الفطر" ليحصل الفصل بين الصوم والفطر، ليعلم انهاء الصوم، ودخول الفطر، وقوله: "والأضحى" لأن فيه دعوة الله التي دعا عباده إليها من تضييفه وإكرامه لأهل مِنىً وغيرهم، لما شرع لهم من ذبح النسك والأكل منها، والإجماع على تحريم صومهما، لكنَّ مذهب أبي حنيفة لو نذر صوم يوم النحر أفطر، وقضى يومًا مكانه. وقوله: "ولا صلاة بعد صلاتين" الخ تقدم الكلام عليه في أواخر المواقيت، وقوله: "ولا تشد الرحال" الخ مرّ استيفاء الكلام عليه في باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة.

стр. 5183

رجاله خمسة: قد مرّوا: مرّ أبو الوليد في العاشر من الإيمان، وشُعبة في الثالث منه، وأبو سعيد الخُدْرِيّ في الثاني عشر منه، وعبد الملك بن عمير في الحادي والثلاثين من الجماعة والإمامة، وقُزعة بن يحيى في الرابع عشر من هذه الأبواب. وقد مرّ في الرابع عشر الكلام عليه لأنه هو بعينه، إلاَّ أنه هنا مطوّل وهناك مختصر.

стр. 5184

خاتمة اشتملت أبواب التطوع وما معها على أربعة وثلاثين حديثًا من الأحاديث المرفوعة، المعلق منها عشرة أحاديث، والباقي موصول، المكرر منها فيها وفيما مضى اثنان وعشرون حديثًا، والخالص اثنا عشر، وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث ابن عمر في صلاة الضحى، وحديث عبد الله بن مغفل في الركعتين قبل المغرب، وحديث عقبة بن عامر فيه، وفيها من الآثار الموقوفة على الصحابة ومن بعدهم أحد عشر أثرًا، وهي الستة المذكورة في الباب الأول، وأثر ابن عمر عن أبيه وأبي بكر، ونفسه في ترك صلاة الضحى، وأثر أبي تميم في الركعتين قبل المغرب، وأثر محمود بن الربيع عن أبي أيوب، وكلها موصولة والله تعالى أعلم ثم قال المصنف: أبواب العمل في الصلاة ثبتت في نسخة الصغاني هنا بسملة ثم قال:

стр. 5185

باب استعانة اليد في الصلاة إذا كان من أمر الصلاة في نسخة الصغاني "أبواب" وقوله: "من أمر الصلاة" احترز به عما يصدر عن قصد العبث، فإنه مكروه، ثم قال: وقال ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما: يستعين الرجل في صلاته من جسده بما شاء، كَيدِهِ إذا كان من أمر الصلاة، مثل تحويله ﵊ ابنَ عباس إلى جهة يمينه في الصلاة في الحديث التالي، وإذا جازت الاستعانة بها للصلاة، فكذا بما شاء من جسده قياسًا عليها، وهذا الأثر لم أقف عليه موصولًا. وابن عباس مرّ في الخامس من بدء الوحي. ثم قال: ووضع أبو إسحاق قَلَنْسُوَتَه في الصلاة ورفعها، وهذا الأثر أيضًا لم أره موصولًا، وأبو إسحاق السّبيعي قد مرّ في الثالث والثلاثين من الإيمان. ثم قال: "ووضع عليٌّ رضي الله تعالى عنه، كفه على رُصْغِه الأيسر إلا أن يحك جلدًا أو يصلح ثوبًا والرُّصْغ، بسكون المهملة بعدها معجمة، قال صاحب العين: هو لغةٌ في الرُّسْغ، وهو مَفْصِل ما بين الكف والساعد. وقوله: "إلا أن يحك جلدًا" الخ هذا الاستثناء جعله ابن رشيد والإسماعيلي في مستخرجه، وعلاء الدين مُغَلْطَاي في شرحه، مستثنىً من الترجمة، وقالوا: الصواب أن يكون مقدمًا قبل قوله: وقال ابن عباس وهذا غلط، فإن الاستثناء بقية أثر عليّ، كما رواه مسلم بن إبراهيم شيخ البخاريّ عن غَزوان بن جرير الضَّبَيّ عنِ أبيه. وكان شديد الملازمة لعليّ رضي الله تعالى عنه، قال: كان إذا قام إلى الصلاة فكبّر ضَرَب بيده اليمنى على رُسُغِه الأيسر، فلا يزال كذلك حتى يركع، إلاَّ أنْ يحك جلدًا أو يُصلح ثوبًا، كذا رواه في السفينة الجرائدية عن السلفي بسنده إلى مسلم بن إبراهيم، وكذلك أخرجه ابن أبي شَيبة من هذا الوجه بلفظ "إلاَّ أنْ يصلح ثوبه أو يحك جسده"، وهذا هو الموافق للترجمة. ولو كان أثر عليّ انتهى عند قوله: "الأيسر" لما كان فيه تعلق بالترجمة إلا ببعد، وهذا من فوائد تخريج التعليقات، ثم إن ظاهر هذه الآثار يخالف الترجمة؛ لأنها مفيدة بما إذا كان العمل من أمر الصلاة، وهي مطلقة، وكان المصنف أشار إلى أن إطلاقها مقيد بما ذكر ليخرج العبث، ويمكن أن يقال لها تعلق بالصلاة؛ لأن رفع ما يؤدي المصلي، يعين على دوام خشوعه المطلوب في الصلاة، ويدخل في الاستعانة التعلق بالحبل عند التعب، والاعتماد على العصا ونحوهما. وقد رخَّصَ فيه بعضُ السلف، وقد مرّ الأمر بحل الحبل في أبواب قيام الليل، وسيأتي ذكر الاختصار بعد أبواب، وقد مرّ عليّ في السابع والأربعين من العلم.
следующие страницы →