Полный текст (6 753 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
رجعت. وعن هِنْد بنة سعيد بن أبي سَعيد الخُدْريّ، عن عمها، جاء رسول الله ﷺ عائدًا إلى أبي سَعيد، فقَدَّمنا إليه ذراع شاةٍ. وعن العَلاء ابن المُسيَّبِ، عن أبيه، عن أبي سعيد الخُدْرِيّ. قلنا له: هنيئًا لك برؤية رسول الله ﷺ وصحبته، قال: إنك لا تدري ما أحدثنا بعده. وروى أبو نُصْرة عن أبي سعيد أنه قال: تحدثوا فإن الحديث يَهيجُ الحديث.
له عن رسول الله ﷺ ألف حديث ومئة وسبعون حديثًا، اتفقا منها على ستة وأربعين، وانفرد البخاري بستة عشر، ومسلم باثنين وخمسين.
روى عن جماعة من الصحابة منهم الخلفاء الأربعة، ووالده مالك، وأخيه لأمه قَتادة بن النُّعمان، وزَيْد بن ثابت.
وروى عنه جماعة من الصحابة منهم ابن عُمر، وابن عَبّاس، وجابر، ومحمود بن لَبيد، وخلق من التابعين كابن المُسيِّب، وأبي عُثمان النَّهْدِيّ، وطارق بن شِهاب، وخلق كثير.
مات بالمدينة سنة أربع وستين، وقيل: أربع وسبعين، وقيل: سنة ثلاث وستين، وقيل: خمس وستين. وأمه أُنَيْسة بنت أبي حارثة من بني عَدي بن النجَّار.
والخُدريُّ في نسبه -بضم الخاء وسكون الدال المهملة- نسبة إلى خُدرة أحد أجداده كما مر، فخُدرة وخُدارة أخوان بطنان من الأنصار، فأبو مسعود الأنصاري البَدْريّ من خُدارة، وأبو سعيد من خُدرة، وهما ابنا عَوْف بن الحارث إلى آخر ما مر. وكان يقال لسنان جد أبي سعيد الخُدْري: الشهيد. وقَتادة بن النُّعمان أخو أبي سعيد الخُدْرِي لأمه، وضبط الدَّارَقُطنيّ خُدارة بالجيم المكسورة، وصوبه الرشالمي، وفي "تاج العروس" أنه بضم الجيم، وإن الصحيح أنه بالخاء لا بالجيم، ذكره في فصل جَدَرَ بالجيم.
ويشتبه الخُدْرِيّ بالضم بالخِدْريّ بالكسر نسبة إلى خِدرة بطن من ذُهْل
стр. 562
ابن شيبان، وبالخَدَريّ بالتحريك وهو محمَّد بن حسن متأخر، روى عن أبي حاتم وبالجَدَرِيّ بالجيم والدال مفتوحتين، وهو عُمير بن سالم، وبكسر الجيم وسكون الدال نسبة إلى جِدْرة بطن من كعب.
لطائف إسناده: منها أن هذا السند كله مدنيون، وفيه فرد تحديث، والباقي عنعنة وفيه صحابي ابن صحابي.
وهذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم، أخرجه هنا، وفي الفتن عن ابن يوسف، وفي إسناد الكتاب عن إسماعيل، وفي الرقاق، وعلامات النبوة عن أبي نُعيْم، وهو من أحاديث مالك في "الموطأ" وأخرجه أبو داود والنسائي أيضًا.
باب قول النبي ﷺ أنا أعلمكم بالله وأن المعرفة فعل القلب لقول الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾
باب هنا مضاف بلا تردد، وسقط في رواية الأصيلي.
"وأنا أعلمكم بالله" هو مقول القول، وفي رواية الأصيليّ: "أعرفكم" بدل أعلمكم، وإنما كان كذلك لأن الرجل كلما كان أقوى في دينه كان أعلم بربه.
وقوله: "وأن المعرفة" بفتح أن عطف على قول النبي، والتقدير: وباب بيان أن المعرفة، وورد بكسرها فهي استئنافية، والفرق بين المعرفة والعلم هو أن المعرفة عبارة عن الإِدراك الجُزْئِيّ، والعلم عن الإِدراك الكلي، وقيل: العلم إدراك المركبات، والمعرفة إدراك البسائط، وهذا مناسب لتعدي العلم إلى مفعولين، والمعرفة إلى مفعول واحد.
وقوله: "لقول الله تعالى .. إلخ" مراده الاستدلال بهذه الآية على أن الإِيمان بالقول وحده لا يتم إلا بانضمام الاعتقاد إليه، والاعتقاد فعل القلب، وقوله: "بما كَسَبَت قلوبُكُم" أي بما استقرَّ فيها.
стр. 563
والآية وإن وردت في الأيمان -بالفتح- فالاستدلال بها في الإِيمان -بالكسر- واضح، للاشتراك في المعنى، إذ مدار الحقيقة فيهما على عمل القلب، وكان المصنف لمح بتفسير زَيْد بن أسْلَم، فإنه قال في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] قال: هو كقول الرجل: إن فعلت كذا فأنا كافر، قال: لا يؤاخذه الله بذلك حتى يعقِدَ به قلبه، فظهرت المناسبة بين الآية والحديث. وظهر وجه دخولهما في مباحث الإِيمان، فإن فيه دليلًا على بُطلان قول الكَرّامِيّةِ: إن الإِيمان قول فقط، ودليلًا على زيادة الإِيمان ونقصانه، لأن قوله ﵊: "أنا أعلمكم بالله" ظاهر في أن العلم بالله درجات، وأن بعض الناس فيه أفضل من بعض، وأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم منه في أعلى الدرجات، والعلم بالله يتناول ما بصفاته وما بأحكامه وما يتعلق بذلك، فهذا هو الإِيمان حقًّا.
وقال إمام الحرمين: أجمع العلماء على وجوب معرفة الله تعالى، واختلفوا في أول واجب، فقيل: المعرفة، وقيل: النظر، وقال المقترح: لا اختلاف، فإن أول واجب خطابًا ومقصودًا المعرفة، وأول واجب اشتغالًا وأداءً القصد إلى النظر، وفي نقل الإِجماع منازعة طويلة، حتى نقل جماعة الإِجماع في نقيضه، واستدلوا بإطباق أهل العصر الأول على قبول الإِسلام ممن دخل فيه من غير تَنْقيب، والآثار في ذلك كثيرة جدًّا، وأجاب الأولون عن ذلك بأن الكفار كانوا يَذُبُّون عن دينهم ويقاتلون عليه، فرجوعهم عنه دليل على ظهور الحق لهم، ومقتضى هذا أن المعرفة المذكورة يُكْتَفَى فيها بأدنى نظر، بخلاف ما قرروه، ومع ذلك فقول الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] وحديث كل مولود يولد على الفطرة، ظاهر في دفع هذه المسألة من أصلها، وفي هذا المقصد طول، وقد أشبعنا الكلام عليه في كتاب متشابه الصفات، ويأتي مزيد الكلام عليه في كتاب التوحيد, لأنه هو مَحَلُّه الحقيقي. وقد قال النووي: في هذه الآية دليل على المذهب
стр. 564
الصحيح أن أفعال القلوب يؤاخَذُ بها إن استقرت، وأما قوله ﷺ : "إن الله تجاوز عن أُمّتي ماحَدَّثَت به أنفسها ما لم تَتَكَلَّم به أو تعمل" فمحمول على ما إذا لم يستقر، ويمكن أن يُستدلَّ لذلك من عموم قوله: "أو تعمل" لأن الاعتقاد هو عمل القلب.
والكلام على هذه المسألة طويل، ومحله عند قول المصنف في الرقاق باب من هَمَّ بحسنة أو بسيئة. وها أنا أريد أن أتكلم عليها هنا قبل وصول ذلك المحل، مخافة الموت قبل وصوله.
فأقول ملخصًا ما جمعه في "الفتح": أخرج البخاري في الباب المذكور عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فيما يرويه عن ربّه ، قال: "إن الله كتب الحسنات وكتب السيئات، ثم بين ذلك، فمن هَمَّ بحسنة فلم يعملْها كتبها الله عنده حسنة كاملة، فإن همَّ بها وعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبع مئة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها له سيئة واحدة" والهم بالحسنة قيل: المراد به العزم لا مطلق الهم والإِرادة، لما أخرجه أحمد وصححه ابن حِبّان والحاكم من حديث خُرَيْم بن فاتِك رفعه: "ومَنْ هم بحسنة يعلم الله أنه قد أشعر بها قلبه وحَرَص عليها" وقد تَمَسَّك به ابن حِبّان، فقال بعد إيراد حديث الباب في "صحيحه": المراد بالهم هنا العَزْم، ويحتمل أن الله يكتب الحسنة بمجرد الهم بها، وإن لم يعزم عليها، زيادة في الفضل. وقال الطوفي: إنما كتبت الحسنة بمجرد الإِرادة، لأن إرادة الخير سبب إلى العمل، وإرادة الخير خير، لأن إرادة الخير من عمل القلب، واستشكل بأنه إذا كان كذلك فكيف لا تُضاعف لعموم قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وأجيب يحمل الآية على عمل الجوارح، والحديث على مجرد الهم، لاقتضاء قوله: ﴿مَنْ جَاءَ﴾ على اختصاص التَّضْعيف بالمجيء، واستشكل أيضًا بأن عمل القلب إذا اعتبر في حصول الحسنة فكيف لا يُعتَبرُ في حصول
стр. 565
السيئة؟ وأجيب بأن ترك عمل السيئة التي وقع الهم بها يكفرها، لأنه قد نسخ قصده السيئة، وخالف هواه، ثم ظاهر الحديث حصول الحسنة مع مجرد الترك، سواء كان ذلك لمانع أم لا، ويتجه أن يقال: يتفاوت عظم الحسنة بحسب المانع، فإن كان خارجيًّا مع بقاء قصد الهم بفعل الحسنة فهي عظيمة القدر، ولا سيما إن قارنها ندم على تفويتها، واستمرت النية على فعلها عند القدرة، وإن كان الترك من الذي هَمَّ من قِبَل نفسه فهي دون ذلك إلا إن قارنَهَا قصد الإِعراض عنها جملة، والرغبة عن فعلها، ولا سيما إن وَقَع العمل في عكسها، كان يريد أن يتصدق بدرهم مثلًا فصرفه بعينه في معصية، فالذي يظهر في الأخير أنه لا تكتب له حسنة أصلًا، وأما ما قبله فعلى الاحتمال.
قال النّووي: أشار بقوله: "عنده" إلى مزيد الاعتناء والشرف، وبقوله: "كاملة" إلى تعظيم الحسنة، وتأكيد أمرها، وعكس في السيئة فلم يصفها بكاملة، بل أكدها بقوله: "واحدة" إشارة إلى تخفيفها، مبالغة في الفضل والإِحسان، ومعنى قوله: "كتبها الله" أمر الحفظة بكتابتها، بدليل حديث أبي هُريرة المذكور في التوحيد: "إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتُبوها عليه حتّى يَعْمَلَها" وفيه دليل على أن المَلَكَ يطَّلِعُ على ما في قلب الآدمي، إما بإطلاع الله إياه، أو بأن يخلُق له علمًا يُدْرِكُ به ذلك، ويؤيد الأول ما أخرجه ابن أبي الدُّنيا عن أبي عِمْران الجَوْني قال: يُنادي المَلَكُ اكتب لفلان كذا وكذا، فيقول: يا ربِّ لم يعملْه، فيقول: إنه قد نواه. وقيل: بل يجد المَلَك للهَمِّ بالسيئة رائحة خبيثة، وبالحسنة رائحة طيبة. وأخرج ذلك الطبري عن أبي مَعْشَرٍ المَدَني، وجاء مثله عن سفيان بن عُيينة، وفي شرح مُغْلُطاي أنه ورد مرفوعًا.
وقوله: "إلى أضعاف كثيرة" في حديث أبي ذر عند مسلم رفعه: "مَنْ عمل حسنةً فله عشرة أمثالها وأزيد" وهذا يدُلُّ على أن تضعيف حسنة العمل إلى عشرة مجزوم به، وما زاد عليها جائز وقوعه بحسب الزيادة في الإِخلاص وصدق العزم وحضور القلب وتعدي النفع، كالصدقة
стр. 566
الجارية، والعلم النافع، والسنة الحسنة، وشرف العمل، ونحوه، وقد قيل: إن العمل الذي يضاعف إلى سبعمائة ضعف خاص بالنفقة في سبيل الله، وتمسك قائل ذلك بما في حديث خُرَيمْ بن فاتِك المشار إليه قريبًا، ففيه: "ومن عمل حسنةً كانت له بعشر أمثالها، ومن أَنْفق نفقةً في سبيل الله كانت له بسبع مئة ضعف، وتعقب بأنه صريح في أن النفقة في سبيل الله تضاعف إلى سبع مئة ضعف وليس فيه نفي ذلك عن غيرها، ويدل على التعميم حديث أبي هُريرة المذكور في الصوم: "كل عمل ابن آدم يُضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف" واختلف في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ هل المراد المضاعفة إلى سبع مئة فقط، أو زيادة على ذلك، فالأول هو المحقق من سياق الآية، والثاني محتمل ويؤيد الجواز سعة الفضل، وكون من هم بسيئة ولم يعملها تكتب له حسنة كاملة، ظاهر الحديث كتبها بمجرد الترك، لكن في حديث أبي هُريرة في التوحيد: "إذا أراد عبدي أن يعملَ سيئةً فلا تكتبوها عليه حتى يعملَها، فإن عملَها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة" وفي رواية عند مسلم: "إنما تركها من جرّائي". ونقل عِياض أن بعض العلماء حمل حديث ابن عَبّاس على عمومه، ثم صوب حمل مطلقه على ما قُيّدَ في حديث أبي هُريرة، ويحتمل أن تكون حسنة من ترك بغير استحضار ما قيد به دون حسنة الآخر، لما مر أن ترك المعصية كفٌّ عن الشر، والكف عن الشر خير، ويحتمل أن تكتب لمن هم بالمعصية ثم تركها حسنة مجردة، فإن تركها من مخافة ربه تعالى كتبت حسنة مضاعفة، وقال الخطّابيّ: محل كتابة الحسنة على الترك أن يكون التارك قد قدر على الفعل ثم تركه لأن الإِنسان لا يسمى تاركًا إلا مع القدرة، ويدخل فيه من حال بينه وبين حرصه على الفعل مانع، كأن يمشي إلى امرأة ليزني بها مثلًا فيجد الباب مغلقًا، ويتعسر فتحه، ومثله من تمكن من الزنى مثلًا فلم ينتشر أو طرقه ما يخاف من أذاه عاجلًا، ووقع في حديث أبي كَبْشة الأنْماريّ ما قد يعارض ظاهر حديث الباب، وهو ما
стр. 567
أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه بلفظ: "إنّما الدُّنيا لأربعة" فذكر الحديث وفيه: "وعَبْدٌ رزقه الله مالًا ولم يرزقه علمًا، فهو يعمل في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه، ولا يَصِلُ فيه رَحِمَه، ولا يرى لله فيه حقا، فهذا بأخبث المنازل، ورجل لم يرزُقهُ الله مالًا ولا علمًا، فهو يقول: لو أنّ لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان، فهما في الوزر سواء" فقيل: الجمع بين الحديثين بالتنزيل على حالتين، فتحمل الحالة الأولى على من هم بالمعصية هما مجردًا من غير تصميم، والحالة الثانية على من صمم على ذلك وأصَرَّ عليه، وهو موافِق لما ذهب إليه البَاقِلّاني وغيره. قال المازَرِيّ: ذهب ابن الباقلّاني ومن تبعه إلى أن من عَزَمَ على المعصية بقلبه ووَطَّن عليها نفسه أنه يأثم, وحمل الأحاديث الواردة في العفو عمن هم بسيئة على الخاطر الذي يمرُّ بالقلب، ولا يستقرُّ. قال المازَرِيّ: وخالفه كثير من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين، ونُقِل ذلك عن نَصِّ الشافعِيّ. ويؤيده ما أخرجه مسلم عن أبي هُريرة بلفظ: "فأنا أغفرها له ما لم يعملها" فإن الظاهر أن المراد بالعمل هنا عمل الجوارح بالمعصية المهموم بها، وتعقبه عِياض بأن عامة السلف وأهل العلم على ما قال ابن الباقِلّانيّ لاتفاقهم على المؤاخذة بأفعال القلوب، لكنهم قالوا: إن العزم على السيئة يكتب سيئة مجردة لا السيئة التي هم أن يعملها، كمن يأمر بتحصيل معصية ثم لا يفعلها بعد حصولها فإّنه يأثم بالأمر المذكور لا بالمعصية، ويدل على ذلك حديث: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" الخ. فإنه يعاقب على عزمه بمقدار ما يستحقه، ولا يُعاقب عقاب من باشر بالقتل حِسًّا، ويأتي الكلام مستوفىً على هذا الحديث قريبًا.
وهنا قسم آخر، وهو من فعل المعصية ولم يَتُب منها، ثم هَمَّ أن يعود إليها، فإنه يُعاقب على الإِصرار كما جَزَمَ به ابن المبارك وغيره في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٣٥] ويؤيده أن الإِصرار معصية اتفاقًا، فَمن عزم على المعصية وصمم عليها كتبت عليه سيئة، فإذا عملها كتبت معصية ثانية، قال النَّوَويّ: وهذا ظاهر حسن لا
стр. 568
مزيد عليه، وقد تظاهرت نصوص الشريعة بالمؤاخذة على عزم القلب المستقر، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ [النور: ١٩] وقوله: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢] وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] وغير ذلك.
وقال ابن الجَوْزيّ: إذا حدث نفسه بالمعصية لم يؤاخذ، فإن عزم وصمم زاد على حديث النفس، وهو من عمل القلب، قال: والدليل على التفريق بين الهَمِّ والعزم أن من كان في الصلاة فوقع في خاطره أن يقطعها لم تنقطع، فإن صَمَّم على قطعها بَطَلت وأجيب عن القول الأول بأن المؤاخذة على أعمال القلوب المستقلة بالمعصية لا تستلزم المؤاخذة على عمل القلب بقصد معصية الجارحة إذا لم يعمل المقصود، للفرق بين ما هو بالقصد وما هو بالوسيلة، وقسم بعضهم ما يقع في النفس أقساما، أضعفها أن يَخْطُر له ثم يذهبَ في الحال، وهذا من الوسوسة، وهو مَعْفُوٌّ عنه، وهو دون التردد، وفوقه أن يتردد فيه، فيهتم به، ثم ينفر عنه فيتركه، ثم يَهِمُّ به ثم يترك كذلك ولا يستمر على قصده، وهذا هو التردد، فيعفى عنه أيضًا، وفوقه أن يميل إليه ولا ينفر عنه، لكن لا يصمم على فعله، وهذا هو الهم فيعفى عنه أيضًا، وفوقه أن يميل إليه ولا ينفر منه، بل يصمم على فعله، وهذا هو العزم، وهو منتهى الهم، وهو على قسمين: القسم الأول أن يكون من أعمال القلوب صِرْفًا، كالشك في الوحدانية أو النبوة أو البعث، فهذا كفر، ودونه المعصية التي لا تصل إلى الكفر كمن يحب ما يبغض الله، ويبغض ما يحب الله، ويحب للمسلم الأذى بغير موجب لذلك، فهذا يأثم ويلتحق به الكِبْر والعجب والبغي والمكر والحسد، وفي بعض هذا خلاف، فعن الحسن البصري: إن سوء الظن بالمسلم وحسده معفو عنه، وحَمَلَه على ما يقع في النفس مما لا يُقْدَرُ على دفعه، لكن من يقع له ذلك مأمور بمجاهدة النفس على تركه، والقسم الثاني أن يكون من أعمال الجوارح كالزنى والسرقة، فهو الذي وقع
стр. 569
فيه النزاع، فذهبت طائفة إلى عدم المؤاخذة بذلك أصلًا، ونقل عن نص الشافعي، ويؤيده ما وقع في حديث خُرَيْم بن فاتِك المنبه عليه قبل، فإنه حيث ذكر الهم بالحسنة قال: "يعلم الله أنه قد أشعرها قلبه، وحرص عليها" وحيث ذكر الهم بالسيئة لم يقيد بشيء بل قال فيه: "ومن هم بالسيئة لم تكتب عليه" والمقام مقام الفضل، فلا يَليق التحجير فيه، وذهب كثير من العلماء إلى المؤاخذة بالعزم المصمم، وسأل ابن المبارك سفيان الثوري: أيؤاخذ العبد بما يَهتُم به؟ قال: إذا جزم بذلك، واستدل كثير منهم بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] وحملوا حديث أبي هُريرة الصحيح المرفوع: "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلم" على الخطرات كما مرَّ، ثم افترق هؤلاء، فقالت طائفة: يعاقب عليه صاحبه في الدنيا خاصة بنحو الهم والغم، وقالت طائفة: يعاقب عليه في الآخرة لكن بالعتاب، واستدلوا بحديث النجوى، وقال السُّبكي الكبير: والعزم وهو قوة ذلك القصد أو الجزم ورفع التردد. قال المحققون: يؤاخذ به، وقال بعضهم: لا، واحتج بقول أهل اللغة: هَمَّ بالشيء عزم عليه، وهذا لا يكفي، قال: ومن أدلة الأول إذا التقى المسلمان بسيفيهما ففيه: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه" فَعَلَّلَ بالحرص، واحتج بعضهم بأعمال القلوب، ولا حجة معه, لأنها على قسمين: أحدهما لا يتعلق بفعل خارجي وليس البحث فيه، والثاني يتعلق بالملتقيين عزم كل منهما على قتل صاحبه واقترن بعزمه فعل بعض ما عزم عليه، وهو شهر السلاح، وإشارته به إلى الآخر، فهذا الفعل يؤاخذ به، سواء حصل القتل أو لم يحصُل.
واستثنى جماعة ممن ذهب إلى عدم مؤاخذة من وقع منه الهم بالمعصية ما وقع في الحرم المكي ولو لم يصمم، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] ذكره السُّدّي في "تفسيره" عن ابن مسعود، وأخرجه أحمد من طريقه مرفوعًا، ومنهم من رجحه موقوفًا، ويؤيد ذلك أن الحرم يجب اعتقاد تعظيمه، فمن هم
стр. 570
بالمعصية فيه خالف الواجب بانتهاك حرمته، وتعقب هذا بأن تعظيم الله آكد من تعظيم الحرم، ومع ذلك من هم بمعصية لا يؤاخذه، فكيف يؤاخذ بما دونه؟ وأجيب عن هذا بأن انتهاك حرمة الحرم بالمعصية مستلزم انتهاك حرمة الله تعالى، لأن تعظيم الحرم من تعظيم الله تعالى، فصارت المعصية في الحرم أشد من المعصية في غيره، وإن اشترك الجميع في ترك تعظيم الله تعالى، نعم من هم بالمعصية قاصدًا الاستخفاف بالحرم عصى، ومن هم بمعصية الله قاصدًا الاستخفاف بالله كفر، وإنما المعفو عنه من هم بمعصية ذاهلًا عن قصد الاستخفاف، وقوله في حسنة ترك المعصية: "حسنة كاملة"، المراد بالكمال فيها عظم القدر لا التضعيف، لأنه خاص بحسنة العمل بالجوارح كما مر، وقوله في الحديث المار: "كتبها الله سيئة واحدة" زاد مسلم عن أبي ذَرّ: "فجزاؤه بمثلها، أو أغفر" وفي حديث ابن عباس عنده: "أو يمحوها" والمعنى أن الله يمحوها بالفضل أو بالتوبة أو بالاستغفار أو بعمل الحسنة التي تكفرها، والأول أشبه لظاهر حديث أبي ذر، ويستفاد من التأكيد بقوله: "واحدة" أن السيئة لا تضاعف كما تضاعف الحسنة، وهو على وفق قوله تعالى: ﴿فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وذكر ابن عبد السلام في "أماليه" أن فائدة التأكيد دفع توهم من يظن أنه إذا عمل السيئة كتب عليه سيئة العمل، وأضيفت إليها سيئة الهم، وليس كذلك، إنما يكتب عليه سيئة واحدة، واستثنى بعض العلماء وقوع المعصية في الحرم المكي، قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: هل ورد في شيء من الحديث أن السيئة تكتب بأكثر من واحدة؟ قال: لا ما سمعت إلا بمكة لتعظيم البلد، والجمهور على التعميم في الأزمنة والأمكنة، لكن قد يتفاوت بالعظم، ولا يرد على ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] لأن ذلك ورد تعظيمًا لحق النبي ﷺ , لأن وقوع ذلك من نسائه يقتضي أمرًا زائدًا على الفاحشة، وهو أذى النبي ﷺ . هذا ملخص ما قيل في هذه المسألة.
стр. 571
الحديث الثالث عشر
٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ البيكَنْديّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمَرَهُمْ أَمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ قَالُوا: إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ. فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ يَقُولُ: «إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا».
وقوله: "إذا أمرهم أمرهم من الأعمال بما يُطيقون" في معظم الروايات تكرير أمرهم، والمعنى حينئذٍ كان إذا أمرهم بعمل من الأعمال أمرهم بما يطيقون الدوام عليه، فأمرهم الثانية جواب الشرط، وقالوا: جواب ثانٍ، وفي بعض الروايات أمرهم مرة واحدة، والمعنى كان إذا أمرهم بما يَسْهُلُ عليهم دون ما يَشُقُ، خشية أن يعجِزوا عن الدوام عليه، وعمل هو بنظير ما أمرهم به من التخفيف، طلبوا منه التكليف بما يَشُقُّ لاعتقادهم احتياجهم إلى المبالغة في العمل لرفع الدرجات دونه، فيقولون: لسنا كهيئتك، فيغضب من جهة أن حصول الدرجات لا يوجب التقصير في العمل بل يوجب الازدياد شكرًا للمنعم الوهاب، كما قال في الحديث: "أفَلا أكُونُ عبدًا شكورًا" وإنما أمرهم بما يسهل عليهم ليداوموا عليه، كما قال في الحديث الآخر: "أحب العمل إلى الله أدومُهُ".
وقوله: "لسنا كهيئتك" الهَيئة -بفتح الهاء- الحالة والصورة، أي ليس حالنا كحالك، فَحُذِف الحال، وأقيم المضاف إليه مقامه، فاتصل الفعل بالضمير، فقيل: لسنا كهيئتك.
وقوله: "إن الله قد غَفَر لك ما تقَدَّم من ذنبك وما تأخر" أي: حال بينك
стр. 572
وبين الذنوب فلا تأتيها، لأن الغفر الستر، وهو إما بين الذنب والعبد، وإما بين الذنب وعقوبته، واللائق بالأنبياء الأول، وبأممهم الثاني، قيل: المراد ترك الأولى والأفضل بالعدول إلى الفاضل، وترك الأفضل كأنه ذنب لجلالة قدر الأنبياء، وهذا من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، وقيل: المتقدم ما قبل النبوة، والمتأخر العصمة، وقيل: ما وقع عن سهو أو تأويل، وقيل: المتقدم ذنب آدم، والمتأخر ذنب أمته، وقيل: المعنى أنه مغفور له غير مؤاخذ لو وقع منه.
وقوله: "ثم يقول إنَّ أتقاكم وأعلمكم بالله أنا" يقول بالرفع عطف على يغضب، وأتقاكم اسم إن، وتاليه عطف عليه، وأنا خبره، كأنهم قالوا: أنت مغفور لك لا تحتاج إلى عمل، ومع ذلك تواظب على العمل، فكيف بنا مع كثرة ذنوبنا؟ فرد عليهم بقوله: أنا أولى بالعمل لأني أتقاكم وأعلمكم بالله، فجمع بين القوة العملية والقوة العلمية، أشار بالأول إلى كماله ﵊ في القوة العملية، وبالثاني إلى القوة العلمية، ووقع عند أبي نُعَيْم: "وأعلمكم بالله لأنا" بزيادة لام التأكيد، وفي رواية الإِسماعيلي: "والله إن أبركم وأتقاكم أنا" ويستفاد منه إقامة الضمير المنفصل مقام المتصل، وهو ممنوع عند أكثر النحاة إلا لضرورة، وأوَّلوا قول الشاعر:
وإنّما يُدَافِعُ عَنْ أحْسابهم أنا أوْ مِثْلي
بأن الاستثناء مقدر، أي: وما يدافع عن أحسابهم إلا أنا.
قال بعض الشراح: والذي وقع في هذا الحديث يشهد للجواز بلا ضرورة، فإن قيل: السياق يقتضي تفضيله على المخاطبين فيما ذكر، وليس هو منهم قطعًا، وشرط أفعل التفضيل إذا كان منويًّا في إضافته معنى من أن يكون جزءًا مما أضيف إليه، والأمر هنا ليس كذلك، وأجيب بأنه إنما قصد التفضيل على من سواه مطلقًا لا على المضاف إليه وحده، والإِضافة لمجرد التوضيح، فما ذكر من الشرط هنا لاغ، إذ يجوز في هذا
стр. 573
المعنى أن تضيفه إلى جماعة هو أحدهم نحو: نبينا ﵊ أفضل قريش، وأن تضيفه إلى جماعة من جنسه ليس داخلًا فيهم، نحو يوسف أحسن إخوته، وأن تضيفه إلى غير جماعة نحو فلان أعلم بغداد، أي: أعلم ممن سواه، وهو مختص ببغداد، لأنها مسكنه ومنشؤه.
وفي هذا الحديث فوائد:
الأولى: أن الأعمال الصالحة تُرقّي صاحبها إلى المراتب السنية، من رفع الدرجات، ومحو الخطيئات، لأنه ﷺ لم ينكر عليهم استدلالهم ولا تعليلهم من هذه الجهة، بل من جهة أخرى.
الثانية: أن العبد إذا بَلَغَ الغاية في العبادة وثمراتها، كان ذلك أدعى له إلى المواظبة عليها استبقاء للنعمة واستزادةً لها بالشكر عليها.
الثالثة: الوقوف عند ما حدّ الشارع من عزيمةٍ ورخصةٍ، واعتقاد أن الأخذِ بالأرفق الموافق للشرع أولى من الأشق المخالف له.
الرابعة: أن الأولى من العبادة القصد والملازمة لا المبالغة المُفْضية إلى الترك، كما جاء في الحديث الآخر: "المُنْبَتُّ -أي المجد في السير- لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى".
الخامسة: التنبيه على شدة رغبة الصحابة في العبادة، وطلبهم الازدياد من الخير.
السادسة: مشروعية الغضب عن مخالفة الأمر الشرعي والإِنكار على الحاذق المتأهل لفهم المعنى إذا قصر في الفهم تحريضًا له على التيقظ.
السابعة: جواز تحدث المرء بما فيه من فضل بحسب الحاجة لذلك عند الأمن من المباهاة والتعاظم.
الثامنة: بيان أن لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم رتبة الكمال الإِنساني، لأنه منحصر في الحكمتين العلمية والعملية، وقد أشار إلى
стр. 574
الأولى بقوله: "أعلمكم" وإلى الثانية بقوله "أتقاكم".
رجاله خمسة:
الأول: محمَّد بن سَلَام بن الفَرَج السُّلَمي مولاهم البُخاري أبو عبد الله البِيكَنْدِيّ الكبير، محدث ما وراء النهر.
قال يحيى بن يحيى: بخراسان كنزان، كنز عند محمَّد بن سَلَام، وكنز عند إسحاق بن راهوية. وقال سهل بن المتوكل: سمعت محمَّد بن سَلَام يقول: أنفقت في طلب العلم أربعين ألفًا، ومثلها في نشره، وانكسر قلمه يومًا في مجلس شيخه، فأمر أن يُنادى قلم بدينار، فتطايرت إليه الأقلام. وقال سهل بن المتوكل كان محمَّد بن سَلام من كبار المحدثين، وكان بينه وبين أبي حَفْص أحمد بن حفص مودة مع المخالفة في المذهب. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال علي بن الحسن: جاء شيخ إلى ابن سلام، فقال: يا أبا عبد الله، أنا رسول ملك الجنِّ إليك، يقرأ عليك السلام، ويقول لك: لا يكون لك مجلس يجتمع إليك الناس وإن كَثُرُوا، إلا يكون منا في مجلسك أكثر من مثلهم. قال محمَّد بن يعقوب: هذه الحكاية عندنا مستفيضة. وعن سهل بن المتوكل قال: قلت لأحمد بن حنبل: حدثني، فقال: من أين أنت؟ قلت: من بخارى، فقال: ألم تسمع من محمَّد بن سَلَام ما يكفيك؟ وعن علي بن الحسن قال: سمعت محمَّد بن سلام يقول: أدركت مالك بن أنس، فإذا الناس يقرؤون عليه، فلذلك لم أسمع منه شيئًا، وكان أحمد يعظمه. وروى عنه عُبيد بن شُرَيْح أنه قال: أحفظ نحو خمس آلاف حديث، وله حديث كثير ورحلة ومصنفات في كل أبواب العلم. وقال أبو حاتم: ثقة صدوق. وقال ابن ماكولا: كان ثقة.
روى عن: أبي إسحاق الفَزارِيّ، ومالك، وعبد الله بن إدريس وهُشَيم، ومروان بن معاوية، وابن المبارك، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، وإسماعيل بن عُليّة، وأخيه ربعيّ بن عُليّة، ومُعْتَمِر بن
стр. 575
سليمان، ووكيع، وغيرهم.
وروى عنه: البخاريُّ، وابنه إبراهيم بن محمَّد بن سَلام، ومحمد بن نَهْشَل المؤدب، وعبد الله بن عبد الرحمن الدّارِمِيّ، ومحمد بن علي بن حَمْزة، وغيرهم.
ولد محمَّد بن سَلَام في السنة التي مات فيها الثَّوْريّ، ومات في صفر سنة سبع وعشرين ومئتين وله خمس وستون سنه.
وانفرد البخاري به عن الستة.
وفي غير الستة محمَّد بن سَلَام بن السَّكن البيكنْدِيّ الصغير, روى عن أبي العلاء الحَسَنُ بن سَوّار، وعلي بن الجَعْد. وروى عنه عُبيد الله ابن واصِل البِيكَنْديّ، مات بمصر.
وفي غير الستة أيضًا محمَّد بن سلام شيخ، روى عن إبراهيم بن بشار الرَّمادِيّ، وروى عنه أبو العبّاس السّرّاج في "تاريخه" وقال صدوق.
واعلم أن سلامًا والد محمَّد بن سلام المذكور بالتخفيف على الصواب، وبه قطع المحققون، وذكره غُنْجار في "تاريخ بُخارى" وهو أعلم ببلده، وروى عنه سَهْل بن المتوكل أنه قال: أنا محمَّد بن سَلام بالتخفيف وليس بالتشديد، وذكر بعض الحفاظ أن تشديده لَحْن، وأما قول صاحب "المطالع": أن التشديد رواية الأكثر، فلعله أراد أكثر شيوخ بلده، قال النووي: لا يُوافق على هذه الدّعوى، فإنها مخالفة للمشهور، وأشار العراقي إلى جميع المخفف اللام من سلام بقوله:
نحو سلام كله فَثَقِّلِ ... لا ابن سلام الحبر والمعتزلي
أبا علي فهو خِفُّ الجد ... وهو الأصح في أبي البيكنْدِيّ
وابن أبي الحقيق وابن مِشْكم ... والأشهر التشديد فيه فاعلم
وابن محمد بن ناهض فخِفّ ... أو زده هاء فكذا فيه اختُلِفْ
قلت وللحبر ابن أخت خفف ... كذاك جد السيدي والنسفي
стр. 576
واعترض ابن حَجَر تشهير العراقي التشديد في سَلام بن مشْكم -بتثليث الميم وفتح الكاف- بأن الوارد في الشعر الذي هو ديوان العرب تخفيضه، وكونه للضرورة خلاف الأصل، لا سيما مع تكرره، والمراد بالمعتزلي أبو علي الجُبّائيّ الذي هو محمَّد بن عبد الوهاب بن سلام، والمراد بالسيد سعد بن جعفر بن سلام، والمراد بالنَّسفِيّ أبو نصر محمَّد ابن يعقوب بن إسحاق بن محمَّد بن موسى بن سلام.
والسُّلَميّ في نسبه بضم السين، وفتح اللام نسبة إلى سُلَيم كزبير، وهو أبو قبيلة من قَيْس عَيلان، سُليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة، والثاني في الأزد سُليم بن بهم بن غنم بن دَوْس، ومر في الحديث الرابع من بدء الوحي الكلام على السَّلَميّ بفتح السين وضمها.
والبِيكَنْديّ في نسبه -بكسر الباء الموحدة ثم ياء آخر الحروف ساكنة ثم كاف مفتوحة ثم نون ساكنة- نسبة إلى بيكَنْد بلدة من بلاد بُخارى، على مرحلة منها، خربت، ويقال: الباكِنْديّ أيضًا، ويقال: الفاكِنديّ ينسب إليها ثلاثة أنفس، انفرد بهم البخاري، أحدهم: محمَّد بن سلام هذا، والثاني: محمَّد بن يُوسف، والثالث: يحيى بن جَعفر الكِلَابي منسوب إلى كلاب بن ربيعة بن عامر بن صَعْصعة بن قَيس عَيْلان.
الثاني: عَبدة -بسكون الباء- ابن سُليمان بن حاجِب بن زُرارة بن عبد الرحمن بن صُرَد بن سمير بن مليل بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب أبو محمَّد الكِلابِيّ الكُوفي، وقيل: اسمه عبد الرحمن، وعَبدة لقبه، أدرك صُرَد الإِسلام وأسلم.
قال العِجليّ: ثقة، رجل صالح، صاحب قرآن.
وقال أحمد: ثقة ثقة وزيادة، مع صلاح في بدنه، وكان شديد الفقر. وقال عثمان الدّارميّ: قلت لابن مَعين: أبو أسامة أحب إليك أو عَبْدة بن سُليمان؟ قال: ما منهما إلا ثقة. وقال ابن سَعد: كان ثقة، وذكره ابن حِبّان في "الثقات"، وقال: مستقيم الحديث جدًّا. وقال ابن أبي حاتم: سُئل
стр. 577
أبي وأبو زُرْعَة عن عَبْدة ويونس بن بُكَيْر وسلمة بن الفَضْل: أيُّهم أحب إليك في ابن إسحاق؟ قالا: عَبْدة بن سُليمان. وقال عُثمان بن أبي شَيْبة: ثقةٌ مسلمٌ صدوق. وقال الدَّارَقُطني: ثقة.
روى عن إسماعيل بن أبي خالد، ويحيى بن سعيد الأَنْصارِيّ، وعاصم الأَحْول، وهشام بن عُروة، والأَعْمش، والثَّوْريّ، وأبي إسحاق، وطلحة بن يحيى بن طلحة، وسعيد بن أبي عَروبة، وغيرهم.
وروى عنه: أحمد، وإسحاق، وابنا أبي شَيبْة، وإبراهيم بن موسى الرّازيّ، ومحمد بن سَلام البيْكَنْديّ، وأبو كُرَيْب محمَّد بن العَلاء، وأبو سعيد الأَشَجّ، وهنّاد بن السَّرِيّ، وغيرهم.
مات بالكوفة في رجب، وقيل: في جُمادى الثانية سنة ثمان وثمانين ومئة، وقيل: سنة سبع.
وفي الستة عَبْدة بن سُليمان المَرْوَزِيّ أبو محمَّد صاحب ابن المُبارك المصّيصِيّ مات سنة تسع وثلاثين ومئتين.
وفي غير الستة: عَبدة بن سليمان بن بكر البصْريّ أبو سهل، مات بمصر سنة ثلاث وسبعين ومئتين، وأما عبدة فنحو سبعة.
والكِلابِي في نسبه نسبة إلى كِلاب بن رَبيعة بن عامر بن صَعْصعة من قَيْس عيلان، وفيه المثل: ثَوْرُ كلابٍ في الرِّهان أقْعَد، وفي قُريش كلاب ابن مُرة.
والثالث: هِشام بن عُروة.
والرابع: أبو عُروة.
والخامس: أم المؤمنين عائشة، وقد مروا في الثاني من بدء الوحي.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والإِخبار والعنعنة، والإِخبار في
стр. 578
قوله: أخبرنا سليمان، وفي رواية الأصيلي: حدثنا، وسنده مشتمل على بُخَاريّ، ومَدَني، وكوفي، ورواته أئمّة أجلّاء.
وهذا الحديث من أفراد البُخارِيّ عن مسلم، وهو من غرائب الصحيح، لم يُعرف إلا من هذا الوجه، وهو مشهورٌ عن هشام، فرد مطلق من حديثه عن أبيه، عن عائشة.
باب من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُلقى في النار من الإِيمان
سقط لفظ باب عند الأصيليّ، ويجوز فيه التنوين والإِضافة إلى تاليه، وعلى كل حال فمَن مبتدأ، ومن الإِيمان خبره، وأن في الموضعين مصدرية، وكذا ما ومَن موصولة.
وجرى المصنف على عادته في التبويب على ما يُستفاد من المَتْن مع مُغايرة الإِسناد هُنا إلى أنس، وبمغايرة السند وألفاظ من المتن سأبينها، يعلم أنه لا تكرير في سياقه له هنا.
стр. 579
الحديث الرابع عشر
٢١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ، مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ».
وقوله: "من أحب عبدًا" في الرواية السابقة في باب حلاوة الإِيمان: "أن يُحبَّ المرء".
وقوله: "كما يكره أن يُلقى في النار" في الرواية السابقة: "وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار" ومَن في المواضع الثلاثة موصولة، بخلاف التي بعد ثلاث فإنها شرطية.
ومرّ عند الحديث السابق أن هذه الحلاوة هل هي محسوسة أو معنوية، ويشهد للأول قول بلال: أحد أحد حين عُذِّب في الله إكراهًا على الكفر، فمزج مرارة العذاب بحلاوة الإِيمان، وعند موته كان أهله يقولون: واكرباه، وهو يقول: واطرباه، غدًا ألقى الأحبة محمدًا وصحبه، فمزج مرارة الموت بحلاوة اللقاء، وهي حلاوة الإِيمان، فالقلب السليم من أمراض الغفلة والهوى يذوق طعم الإِيمان، ويتنعم به، كما يذوق الفم طعم العسل وغيره من الملذوذات ويتنعم بها، وقد مرّ الكلام على هذا الحديث في باب حلاوة الإِيمان مستوفى، فلا حاجة إلى إعادته هنا.
رجاله أربعة:
الأول: سليمان بن حَرْب بن نَجِيل كأمير، أبو أيوب الأزْدِيّ الواشِحِيّ سكن مكة، وكان قاضيها.
стр. 580
قال أبو حاتم: إمام من الأئمة، لا يُدَلِّس، ويتكلم في الرجال والفقه، وليس بدون عفان، ولعله أكبر منه، وظهر من حديثه نحو عشرة آلاف حديث، ما رأيت في يده كتابًا قط، وهو إلي أحب من أبي سَلَمة في حماد بن سلمة، وفي كل شيء، ولقد حضرت مجلسه ببغداد فحزروا من حَضَر مجلسه فوجدوه أربعين ألف رجل، فأتينا عفان، فقال: ما حدثكم أبو أيوب؟ فإذا هو يعظِّمُهُ. وقال النَّسائي: ثقة مأمون. وقال أبو حاتم: كان سُليمان بن حَرْب قَلَّ من يرضى من المشايخ، فإذا رأيته روى عن شيخ فاعلم أنه ثقة. وقال يَعْقوب بن سفيان: سمعت سُليمان بن حَرْب يقول: طلبت الحديث سنة سبع وخمسين. ولزمت حَمَّاد بن زيد تسع عشرة سنة، وسمعته يقول: أعقِل موتَ ابن عَوْف. وقال يحيى بن أكْثَم: قال لي المأمون: من تركت بالبصرة؟ فوصفت له مشايخ منهم سليمان بن حَرْب، وقلت: هو ثقة حافظ للحديث، عاقل في نهاية الستر والصيانة، فأمرني بحمله إليه، فكتبت إليه في ذلك، فقدم، وولاه قضاء مكة، فخرج إليها، وكان عليها، فلم يزل كذلك إلى أن عُزِل بعد خمس سنين.
وقال أحمد: كتبنا عن سُليمان بن حَرْب وابن عُيَيْنَة حي. وقال يَعْقوب بن شَيْبة: حدثنا سُليمان بن حَرْب، وكان ثقة ثبتًا صاحب حفظ. وقال ابن خِراش: كان ثقة. وقال ابن سَعْد: كان ثقة كثير الحديث. وذكره ابن حِبّان في "الثقات" وقال ابن قانع: ثقة مأمون. وقال أبو داود: كان سُليمان بن حَرْب يُحدث بالحديث، ثم يُحدث به كأنه ليس بذلك. وقال الخطيب: كان يروي على المعنى، فيغير ألفاظه. وقال ابن عَدِي: كان يغسل الموتى، وكان خيِّرًا فاضلًا، روى عنه البخاري مئة وسبعة وعشرين حديثًا.
روى عن: شُعبة، ومحمد بن طَلحة بن مُصَرِّف، ووُهَيب بن خالد، والحمادَيْن، وجرير بن حازم، وسلام بن أبي مُطيع، ومبارك بن فُضالة، وغيرهم.
وروى عنه: البُخاري، وأبو داود، وروى الباقون له بواسطة أبي بكر
стр. 581
ابن أبي شَيْبة، وأبي داود سليمان بن مَعْبَد السِّنْجيّ.
وروى عنه: إسحاق بن راهوية، وعَمرو بن علي الفَلّاس، وهارون الحَمّال، ويحيى القَطّان، وهو أكبر منه، والحُميْديّ ومات قبله، وأبو زُرعة، وأبو حاتم، وأبو مسلم الكُجّيّ، وغيرهم.
رجع إلى البصرة بعد أن عُزل عن قضاء مكة، ولم يزل بها حتى مات لأربع ليال بقين من شهر ربيع الآخر سنة أربع وعشرين ومئتين.
وليس في الستة سليمان بن حرب سواه، وأما سُليمان فكثير.
والواشِحِيّ في نسبه نسبة إلى واشِح بطن من الأزْد من اليمن، نزلوا البصرة، وهم بنو واشِح بن الحارِث. ومرّ الكلام على الأزْدي في الثالث من بدء الوحي.
الثاني: شعبة. والثالث: قتادة. والرابع: أنس بن مالك وقد مرُّوا في السادس من هذا الكتاب، إلا شعبة فقد مرّ في الثالث منه.
لطائف إسناده: منها أنهم كلهم بصريون، وهو أحد ضروب علو الرواية، ومرّ الكلام على محل إخراجه في التاسع من هذا الكتاب.
باب تفاضل أهل الإِيمان في الأعمال
لما ذكر الحديث المتضمن للخصال الثلاث، والناس متفاوتون فيها، وبالتفاوت يحصُلُ التفاضل في الأعمال شَرَعَ يذْكُرُ تفاضلَ الأعمال، ولفظ باب ساقط عن الأصِيليّ، وفي ظرفية، ويحتمل أن تكون سببية، أي التفاضل بسبب الأعمال.
стр. 582
الحديث الخامس عشر
٢٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا قَدِ اسْوَدُّوا فَيُلْقَوْنَ فِى نَهَرِ الْحَيَاء -أَوِ الْحَيَاةِ شَكَّ مَالِكٌ- فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي جَانِبِ السَّيْلِ أَلَمْ تَرَ أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً».
وهذا الحديث وافق إسماعيل على روايته عبد الله بن وَهب ومعنُ بن عيسى عن مالك، وأخرجه المؤلف أيضًا عن غيره، فانجبر اللين الذي في إسماعيل.
وقوله: "يدخل أهل الجنة الجنة" عبر فيه بالمضارع العاري عن سين الاستقبال، المتمحض للحال، لتحقق وقوع الإِدخال، وفي رواية الدَّارَقُطنيّ: "يُدْخِلُ الله" وفي رواية له وللاسماعيليّ: "يُدخِلُ من يشاء برحمته".
وقوله: "أخرِجوا" بهمزة قطع من الإِخراج، وفي رواية زيادة: "من النار".
وقوله: "مثقال حَبة" بفتح الحاء، وهو إشارة إلى ما لا أقلَّ منه. قال الخَطّابي: هو مَثَلٌ، ليكون عيارًا في المعرفة لا في الوزن، لأن ما يُشْكِل في المعقول يُرَدُّ إلى المحسوس ليُفهم. وقال إمام الحرمين: إن الوزن للصحف المشتملة على الأعمال، ويقع وزنها على قدر أجور الأعمال.
стр. 583
وقال غيره: يجوز أن تُجسّد الأعراض فتوزن، وما ثبت من أمور الآخرة بالشرع لا دخل للعقل فيه، والمراد بحبة الخردل هُنا ما زاد من الأعمال على أصل التوحيد، لقوله في الرواية الأُخرى: "أخرجوا من قال: لا إله إلا الله، وعمل من الخير ما يَزِنُ ذرَّةً".
وقوله: "من خَرْدل من إيمان" أي: بالتنكير ليفيد التقليل, وفي رواية من الإِيمان بالتعريف، وقد استنبط الغَزّالي من قوله: "أخرِجوا من النار من كان في قلبه" إلخ، نجاة من أيقن بالإِيمان، وحال بينه وبين النطق به الموت، قال: وأما مَنْ قَدَرَ على النُّطْق، ولم يفعل حتى مات مع إيقانه بالإِيمان بقلبه، فيحتمل أن يكون امتناعه منه بمنزلة امتناعه عن الصلاة، فلا يُخَلَّدُ في النار، ويحتمل خلافه، ورَجَّحَ غيرُه الثاني فيحتاج إلى تأويل قوله: "في قلبه" فيقدر فيه محذوف تقديره منضمًا إلى النُّطق به مع القدرة عليه، ومنشأ الاحتمالين الخلاف في أن النطق بالإِيمان شطرٌ، فلا يتم الإِيمان إلا به، وهو مذهب جماعة من العلماء، واختاره الإِمام شمس الدين وفخر الإِسلام، أو شرطٌ لإِجراء الأحكام الدنيوية فقط، وهو مذهب جمهور المحققين، وهو اختيار الشيخ أبي منصور، والنصوص معاضِدةٌ لذلك، ونظم صاحب المراصد ما قيل في هذه المسألة بقوله:
فإنْ يَكُن ذُو النُّطقِ مِنهُ ما اتَّفَق ... فَإنْ يَكُن عَجْزًا يَكُن كَمن نَطَقْ
وإنْ يَكُن ذلك عَنْ إبَاءِ ... فحُكْمُهُ الكُفر بِلَا امْترَاء
وإنْ يَكُن عَن غَفلةٍ فَكَالإِبا ... وذَا الّذي حَكَى عِياضٌ مَذْهَبَا
وقيلَ كالنُّطقِ ولِلجمهُورِ ... نُسبَ والشَّيخ أبي مَنصُورِ
وذَيَّلها شيخنا أحمد بن مُحمد بن محمَّد سالم بقوله:
وذلك التَّفصيلُ قطعًا عُهدَا ... تَخْصيصُه بِمنْ بكُفرٍ وُلِدا
أمّا الّذي وُلِد في الإِسلام ... فهُوَ مُؤمِنٌ لَدَى الأعْلامِ
وُجُوبُ نُطقهِ وجوبُ الفَرْع ... يعْصِي بِتركهِ فقط في الشَّرْع
стр. 584
وقوله: "قد اسودّوا" أي صاروا سودًا كالحمم من تأثير النار.
وقوله: "فيُلْقون" -بضم الياء- مبني للمفعول.
وقوله: "في نهر الحيا" رُوي بالقصر وهو المطر، وروي بالمد ولا معنى له، والمعنى على الأولى لأن المراد كل ما تحصُل به الحياة، وبالمطر تحصُل حياة الزرع، فهو ألْيق بمعنى الحياة من الحياء الممدود الذي معناه تغير وانكسار .. الخ ما مرّ، فإنه بعيد من المعنى المراد هنا.
وقوله: "والحياة" بالمثناة الفوقية آخره، وهو النهر الذي مَن غُمِسَ فيه حَيِيَ.
وقوله: "شكَّ مالك" في رواية: "يَشُكُّ" بالمثناة التحتية أوله، أي يشك في أيهما الرواية.
وقوله: "فينبُتون كما تنبُتُ الحِبّةُ" أي بكسر المهملة وتشديد الموحِدة بَزْر العُشب الذي لا يُقتات، فاللام فيه للجنس، وتجمع على حِبَب بكسر الحاء كقِربة وقِرب، والحِبّة بالكسر جمع حَبَة بالفتح، والحبُّ القمح والشعير واحدته حبة بالفتح أيضًا، وإنما افترقا في الجمع، ويُحتمل أن تكون اللام للعهد، ويراد به حِبّة بقلة الحمقاء، لأن شأنه أن ينبُت سريعًا على جانب السيل فيُتلفَه السيل، ثم ينبُت فيتلِفه السبل، ولهذا سميت الحمقاء, لأنه لا تمييز لها في اختيار المنبَت، وتسمى الرِّجْلة -بكسر الراء وبالجيم- بقلة الحمقاء، لأنها لا تنبُت إلا في المسيل.
وقوله: "في جانب السَّيْل" في رواية في حَميل السيل، وهو ما يحمِلُه السيل من طين ونحوه، فإذا اتفقت فيه الحِبّة، واستقرت على شَطِّ مجرى السيل، تنبُت في يوم وليلة، هي أسرع نابتة نباتًا.
وقوله: "ألم تر" خطاب لكل من تتأتّى منه الرؤية، على حد قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾.
стр. 585
وقوله: "صفراء ملتوية" الصفرة تزيد في حسن النظر، وتسر الناظر, كما قال الله تعالى: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ وملتوية أي منعطفة متثنية، وهذا مما يزيد الرياحين حسنًا باهتزازه وتميله، فالتشبيه من حيث الإِسراع والحسن، والمعنى مَنْ كان في قلبه مثقال حبة من الإِيمان يخرجُ من ذلك الماء نضِرًا متبخترًا كخروج هذه الرّيْحانة من جانب السيل صفراء متمايلة، وحينئذ فيتعين كون "ال" في الحِبّة للجنس، ووجه مطابقة هذا الحديث للترجمة ظاهر، وأراد بإيراده الرد على المُرجئة لما فيه من بيان ضرر المعاصي مع الإِيمان، وعلى المعتزلة في أن المعاصي موجبة للخلود في النّار، وسيأتي إن شاء الله تعالى مزيد في هذا الحديث، حيث أخرجه المؤلف في باب فضل السجود في صفة الصلاة.
رجاله خمسة:
الأول: إسماعيل بن عبد الله بن أبي أُوَيس بن مالك بن أبي عامر الأصْبَحيّ أبو عبد الله بن أبي أُوَيْس ابن أخت الإِمام مالك ونَسيبه، فأبو أويس عم الإِمام مالك بن أنس، فإن أنسًا، وأبا أُوَيْس، والربيع، وأبا سهيل نافعًا، أولاد مالك بن أبي عامر.
قال أبو حاتم: محله الصدق وكان مغفلًا، وقال أحمد: لا بأس به وقال ابن مَعين: هو ووالده ضعيفان. وعنه: يسرقان الحديث. وعنه: ضعيف العقل. ليس بذلك، يعني أنه لا يحسن الحديث، ولا يعرف أن يؤديه أو يقرأ في غير كتابه. وعنه: مختلط يكذب، ليس بشيء. وعنه: يساوي فلسين. وعنه: لا بأس به. وقال النّسائي: ضعيف. وقال في موضع آخر: غير ثقة. وقال أبو القاسم اللّالَكَائِي: بالغ النسائي في الكلام عليه بما يؤدي إلى تركه، ولعله بان له ما لم يَبِن لغيره، لأن كلام هؤلاء كلهم يؤول إلى أنه ضعيف. وقال عبد الله بن عُبيد الله العبّاسي صاحب اليمن: إن إسماعيل ارْتَشَى من تاجر عشرين دينارًا، حتى باع له على الأمير ثوبًا يُساوي خمسين بمئة. وقال الدَّارَقُطنيّ: لا أختاره في الصحيح.
стр. 586
وقال الخليلي: إن أبا حاتم قال: كان ثبتًا في حاله، وفي "الكمال": إن أبا حاتم قال: كان من الثقات، وقال ابن عَدِيّ: روى عن خاله أحاديث غرائب لا يتابعه عليها أحد، وقد حدث عنه الناس، وأثنى عليه ابن مَعين، وأحمد، والبُخاري يحدث عنه الكثير، وهو خير من أبي أُويس.
وقال سلمة بن شَبيب: سمعت إسماعيل بن أبي أُويس يقول: ربما كنت أضع الحديث لأهل المدينة إذا اختلفوا في شيء فيما بينهم. قال ابن حَجَر: ولعل هذا هو الذي بان للنسائي حتى ترك التحديث عنه، وأطلق القول فيه بأنه ليس بثقة، ولعل هذا كان من إسماعيل في شبيبته ثم صَلُح بعد ذلك، وأما الشيخان فلا يظن بهما أنهما أخرجا عنه إلا الصحيح من حديثه الذي شارك فيه الثقات، فاللين الذي فيه يُجبر إذًا.
روى عن: أبيه وخاله فأكثر، وعن سَلمة بن وَردان، وابن أبي الزِّناد، وعبد العزيز الماجَشُون، وإسماعيل بن إبراهيم بن عُقبة، وغيرهم.
وروى عنه: البخاري، ومسلم، وروى هما والباقون بواسطة، وروى عنه إسماعيل بن إسحاق القاضي، وأبو حاتم، وقُتيبة، ونَصر بن علي الجُهَنيّ، وخلق.
مات في رجب سنة سبع وعشرين ومئتين.
وليس في الستة إسماعيل بن أبي أويس سواه، وأما إسماعيل فكثير.
الثاني: مالك بن أنس، وقد مرّ في الثاني من بدء الوحي.
الثالث: عمرو بن يحيى بن عُمارة بن أبي حسن الأنْصاريّ المازني المدني، واسم أبي حسن تميم بن عمرو فيما قيل، وعمرو ابن بنت عبد الله بن زيد بن عاصم. وقال ابن عبد البر: كونه ابن بنت عبد الله بن زيد غَلط، وسببه ما في رواية مالك عن عمرو بن يحيى عن أبيه أن رجلًا سأل عبد الله بن زيد، وهو جد عمرو بن يحيى، فظنوا أن الضمير يعود على عبد الله، وليس كذلك، بل إنما يعود على الرجل، وهو عمرو بن أبي
стр. 587
حسن عم يحيى، وقيل له: جد عمرو بن يحيى تجوزًا, لأن العم صنو الأب، وأما عمرو بن يحيى فأُمه فيما ذكر ابن سَعْد في "الطبقات" حَميدة بنت محمَّد بن إياس بن البُكَير. وقال غيره أمه أم النعمان بنت أبي حَنّة -بالنون- ابن عَمرو بن عُزَيّة بن عمرو بن عَطية بن خنساء بن مندول ابن عَمرو بن غانم بن مازن بن النجار.
وثقه أبو حاتم، والنّسائي، والعِجليّ، وابن نُمير، وذكره ابن حِبّان في "الثقات" وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال ابن مَعين: ثقة إلا أنه اختُلِف عليه في حديثين: "الأرض كلها مسجد"، و"كان يسلم عن يمينه".
روى عن: أبيه، وعَبّاد بن تَميم، ومحمد بن يَحيى بن حِبّان، وعباس بن سَهل، ومحمد بن عَمرو بن عطاء، وغيرهم.
وروى عنه: يحيى بن أبي كثير، ويحيى بن سَعيد الأنصاري -وهما من أقرانه- ومالك، وأيوب، وابن جُريج، ووَهْب بن خالد، والحَمّادان، والسُّفيانان، وغيرهم.
مات سنة أربعين ومئة.
والمازنِيّ في نسبه نسبة إلى مازن بن النجّار، وقد مر الكلام على مازن في الثاني عشر من هذا الكتاب.
وفي الستة عَمْرو بن يحيى سواه اثنان الأُمَوِيّ السَّعِيدِيّ أبو أمية المكي، والثاني الحمصي الزَّنْجارِيّ.
الرابع: يحيى بن عُمارة بن أبي حسن المازِني المدني.
قال ابن إسحاق: كان ثقة. وقال النَّسائي، وابن خِراش: ثقة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات".
стр. 588
روى عن عبد الله بن زَيْد بن عاصم، وأنَس بن مالك، وأبي سعيد الخُدرْي.
وروى عنه: ابنه عمرو، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي صَعْصَعة، وعُمارة بن غَزِيّة، والزُّهريّ، وأبو طُوالة.
وفي الستة يحيى بن عُمارة سواه واحد، وهو كوفي، روى عن ابن عَباس قصة موت أبي طالب، وروى عنه الأعْمش وقيل: إنه ابن عَبّاد أو عُبادة.
الخامس: أبو سعيد الخُدْرِيّ، وقد مرّ في الثاني عشر من هذا الكتاب.
لطائف إسناده: فيه التحديث بالإِفراد والجمع والعنعنة، والقول، ورواته كلهم مدنيّون، وفيه رواية الرجل عن خاله، ورواية الابن عن أبيه، وقد مر الكلام على ذلك في الثاني من بدْء الوحي.
أخرجه البخاري هُنا وفي صفة الجنة والنار، عن وُهيب بن خالد، ومسلم في الإِيمان عن هارون، ووقع عاليًا للبخاري عن مسلم برجل، وأخرجه النَّسائي، وهو قطعة من حديث طويل يأتي إن شاء الله تعالى، وليس في "الموطأ"، وقال الدَّارَقُطني: هو غريب صحيح اهـ ثم قال البخاري:
قال وُهيب: حدثنا عمر: "والحياة" وقال: "خَرْدل مِن خَيْر الحياة" بالخفض على الحكاية، أتى به هنا معلقًا، ومراده أن وُهيبًا وافق مالكًا في روايته لهذا الحديث عن عمرو بن يَحيى، وجزم بقوله "في نَهر الحياة" ولم يَشُكَّ كما شك مالك.
وقوله: "وقال مِنْ خَرْدل" هو على الحكاية أيضًا، أي: وقال وُهيب في رواية: "مثقال حبةٍ من خردل من خير": فخالف مالكًا أيضًا في هذه
стр. 589
الكلمة، وهذه الرواية أخرجها عنه أبو بكر بن أبي شَيْبة في "مسنده" بهذا اللفظ، كما علقه المصنف، فهذا مراده لا لفظ موسى بن إسماعيل، فإن البُخاري أخرجه مسندًا في كتاب الرقاق، عن موسى بن إسماعيل، عن وُهَيْب إلخ، ولفظه "من خَرْدل من خير" كما عنده هنا، والتعليق مر الكلام عليه في الرابع من بدء الوحي.
وأما وُهَيب: فهو بالتصغير ابن خالد بن عَجْلان الباهِلِيّ مولاهم أبو بكر البَصْريّ صاحب الكرابِيس.
قال ابن سَعْد: كان قد سُجن فذهب بصره، وكان ثقة كثير الحديث، حجة، وكان يُملي من حفظه، وهو أحفظ من أبي عَوانة. وقال أبو داود: حدثنا وُهيب، وكان ثقة.
وقال العِجليّ: ثقة ثبت. وقال أبو حاتم: ما أنقى حديثه، لا تكاد تجده يحدث عن الضعفاء، وهو الرابع من حفاظ البصرة، وهو ثقة، ويقال: إنه لم يكن بعد شُعبة أعلم بالرجال منه، وكان يقال: إنه يَخلُفُ حَمَّاد بن سَلَمة. وقال البُخاري: كان متقنًا. وقال الفَضْل بن زياد: قلت: سألت أحمد عن وهَيب وابن عُليّة إذا اختلفا، قال: كان عبد الرحمن يختار وُهَيبًا. قلت: في حفظه؟ قال: في كل شيء، وإسماعيل ثبت. وقال معاوية بن صالح: قلت لابن مَعين: من أثبت شيوخ البَصريين؟ قال: وُهيب، وذكر جماعة. وقال ابن المَدِيني عن ابن مَهدي: كان من أبصر أصحابه بالحديث والرجال. وقال عَمرو بن علي: سمعت يحيى بن سَعيد ذكره، فأحسن الثناء عليه. وقال الآجُرّي عن أبي داود: تغير وُهَيب بن خالد، وكان ثقة. وقال ابن المَديني: قال يحيى بن سعيد: إسماعيل أثبت من وُهيب.
روى عن حُميد الطّويل، وخالد الحذاء، وداود بن أبي هِند،
ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وهشام بن عُروة، وابن شُبْرُمة، وعبد العزيز ابن صُهيب، ومنصور بن المُعتمر، وجماعة.
стр. 590
وروى عنه إسماعيل بن عُليّة، وابن المُبارك، وابن مَهدي، والقَطّان، وأبو داود وأبو الوليد الطّيالِسِيّان، وسُليمان بن حَرْب، وسُفيان ابن فَرُّوخ، وآخرون.
مات سنة خمس وستين ومئة. وقيل سنة تسع، وهو ابن ثمان وخمسين سنة.
ووُهَيب في الستة سواه اثنان، وُهَيب بن عمرو بن عُثمان النَّمَريّ أبو عثمان البَصْري، روى عنه أبيه، وهارون النَّحْوي، والثاني وُهيب بن الوَرْد بن أبي الوَرْد أبو عُثمان أو أبو أمية القُرَشيّ، مولى بني مَخْزوم، روى عن عطاء بن أبي رَباح، وغيره، وروى عنه ابن المُبارك، وغيره، كان يتكلم ودموعه تَقْطُر، وكان متجردًا عن الدنيا، تاركًا لها.
والباهِلِيّ في نسبه مر الكلام عليه في العاشر من هذا الكتاب.
стр. 591
الحديث السادس عشر
٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ. وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ» قَالُوا. فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الدِّينَ».
قوله: "بينا أنا نائم" أصل بينا بين، ثم أُشْبعت الفتحة، وفيه استعمال بينا بدون إذا، وبدون إذ وهو فصيح عند الأصمعي، وإن كان الأكثر على خلافه، ففي هذا الحديث حجة.
وقوله: "رأيتُ الناس" من الرؤيا الحُلُمية على الأظهر، أو العلمية، وحينئذ تطلب مفعولين، وهما: الناس، ويُعرضون علي أي يظهرون لي، وقيل: من الرؤية البصرية، فتطلب مفعولًا واحدًا، وهو الناس، وحينئذٍ يكون يعرضون جملة حالية.
وقوله: "وعليهم قُمُصٌ" بضم الأوَّلَين جمع قميص، والجملة حالية.
وقوله: "منها ما يبلُغُ الثُّدِيّ" ما موصول مبتدأ خبره منها، والثدي مفعول به، وهو بضم الثاء وكسر الدال وتشديد المثناة التحتية جمع ثَدْي بفتح الثاء وسكون الدال، يذكر ويؤنث للمرأة والرجل والحديث يرد على من خصه بها, ولعل قائل هذا يَدَّعي أنه أُطْلق في الحديث مجازًا.
стр. 592
وقوله: "ومنها ما دُون ذلك" أي: لم يصل للثدي لقصره.
وقوله: "وعُرِض علي عُمر" مبني للمفعول، وعُمر نائبه.
وقوله: "قالوا: فما أولت" أي: الصحابة، وفي رواية: قال: أي عمر، أو غيره، أو السائل أبو بكر الصديق كما يأتي إن شاء الله تعالى في التعبير.
وقوله: قال "الدين" بالنصب، مفعول أوَّلْتُ مقدر.
ولا يلزم منه أفضلية الفاروق على الصديق، إذ القسمة غير حاصرة، إذ يجوز رابع، وعلى تقدير الحصر فلم يَخُصَّ الفاروق بالثالث، ولم يقصُرْه عليه، ولئن سَلَّمنا التخصيص به فهو معارَض بالأحاديث الكثيرة البالغة درجة التواتر المعنوي الدالة على أفضلية الصديق، فلا تعارضها الآحاد، ولئن سَلَّمنا التَّساوي بين الدليلين، لكن إجماع أهل السنة والجماعة على أفضليته وهو قطعي، فلا يُعارضه ظني.
وفي هذا الحديث التشبيه البليغ، وهو تشبيه الدين بالقميص, لأنه يستُر عورة الإِنسان، وكذلك الدين يستُره من النار ومن الفضائح الدنيوية.
وفيه الدِّلالة على التفاضل في الإِيمان كما هو مفهوم تأويل القميص بالدين، مع ما ذكره من أن اللابِسين يتفاضلون في لُبْسه.
رجاله ستة:
الأول: محمَّد بن عُبيد الله بن محمَّد بن زَيْد بن أبي زَيد الأُمَوي مولى عثمان أبو ثابت المَدَني.
قال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حِبّان في "الثقات" وقال الدّارقُطنيّ: ثقة حافظ. وفي "الزهرة": روى عنه البُخاريّ ثلاثة عشر حديثًا.
стр. 593
روى عن: مالك، وإبراهيم بن سَعْد، وابن أبي حازِم، وأسامة بن حَفْص، وحاتم بن إسماعيل، والدَّرَاوَدِيّ، وغيرهم.
وروى عنه: البخاري، وروى النسائي عن أبي زُرعة عنه، وروى عنه أبو حاتم، وموسى بن سَهل، والعباس بن الفَضْل الأسْفاطِيّ، وإسماعيل بن إسحاق القاضي، وغيرهم.
وفي الستة محمَّد بن عُبيد الله بن محمَّد سواه واحد، روى عن أبيه، وروى عنه النّسائي في "مسند علي"، ومحمد بن عُبيد الله بدون محمَّد ستة سواه.
ومرّ الكلام على الأُمَوي.
الثاني: إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عَوْف الزُّهْرِيّ أبو إسحاق المدني، نزيل بغداد.
قال أحمد وأبو حاتم ويحيى وأبو زُرعة: ثقة. وقال أبو زُرعة: كثير الحديث، وربما أخطأ في أحاديث، قدم بغداد فأقام بها، وكان قاضيًا بها، وولي بيت المال بها لهارون الرشيد، وأبوه سعد ولي قضاء المدينة.
وقال ابن عُيَيْنة: كنت عند ابن شِهاب، فجاء إبراهيم بن سعد، فأكرمه ورفعه، وقال: إن سعدًا أوصاني بابنه، وسعْدٌ سعد. وقال ابن عَدِيّ: هو من ثقات المسلمين، حدث عن جماعة من الأئمة، ولم يختلف أحد في الكتابة عنه، وقول من تكلم فيه تحامل، وله أحاديث صالحة مستقيمة عن الزُّهريّ وغيره، وقال ابن مَعين: حجة ثقة. وقال أيضًا: إبراهيم أحب إلي في الزُّهريّ من ابن أبي ذئب. وقال أيضًا: إبراهيم أثبت من الوليد بن كثير ومن ابن إسحاق. وقال الدُّوريّ: قلت ليحيى: إبراهيم أحب إليك في الزُّهريّ أو الليث؟ فقال: كلاهما ثقة. وقال علي بن الجَعْد: سألت شعبة عن حديث لسعد بن إبراهيم، فقال لي: فأين أنت من ابنه؟ قلت: فأين ذا؟ قال: نازلٌ على عُمارة بن حمزة، فأتيته، فحدثني. وقال إبراهيم بن
стр. 594
حَمزة: كان عند إبراهيم بن سَعْد عن ابن إسحاق نحو من سبعة عشر ألف حديث في الأحكام سوى المَغازي، وإبراهيم بن سعد من أكثر أهل المدينة حديثًا في زمانه. وقال ابن مَعين في حديث جمع القرآن: ليس أحد حدث به أحسن من إبراهيم بن سَعْد، وقد حدث مالك بطرف منه. وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: كان وكيع كَفَّ عن حديث إبراهيم بن سعد، ثم حدث عنه بعدُ. قلت: لِم؟ قال: لا أدري إبراهيم ثقة. وقال عبد الرحمن بن أحمد: سمعت أبي يقول: ذكر عند يحيى بن سعيد عقيل وإبراهيم بن سعد، فجعل كأنه يضعفهما، يقول: عقيل وإبراهيم، ثم قال أبي: أيش ينفع؟ هؤلاء ثقات لم يخبرهما يحيى. وذكر الخطيب أن إبراهيم كان يجيز الغناء بالعود، وأنه ولي قضاء المدينة. وقال ابن خِراش: ثقة. وقال صالح جزرة: حديثه عن الزُّهريّ ليس بذلك، لأنه كان صغيرًا حين سمع من الزُّهرِي.
روى عن: أبيه، وصالح بن كَيْسان، والزُّهريّ، وهشام بن عُروة، وصفوان بن سُليم، وشعبة، وخلق.
وروى عنه: الليث، وقَيْس بن الربيع -وهما أكبر منه- ويزيد بن الهاد، وشُعبة -وهما من شيوخه- وأبو داود، وأبو الوليد الطّيالِسِيّان. قال الخطيب: حدث عنه يزيد بن الهاد، والحسين بن سَيّار وبين وفاتيْهِما مئة واثنتا عشرة سنة.
ولد سنة ثمان ومئة، ومات ببغداد سنة اثنتين أو ثلاث وثمانين ومئة وهو ابن خمس وسبعين سنة.
وفي الستة إبراهيم بن سَعْد بن أبي وقّاص الزُّهْرِيّ المدني روى عن أبيه، وأسامة بن زيد. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، ذكره البخاري في الطب والمناقب.
الثالث: صالح بن كَيْسان مرّ في السابع من بدء الوحي. ومرّ ابن
стр. 595
شِهاب في الثالث منه أيضًا. ومرّ أبو سَعيد الخُدريّ في الثاني عشر من هذا الكتاب. وفيه عُمر وقد مرّ في الأول من الوحي.
والسادس: أبو أُمامة أسعد بن سَهْل بن حُنيف -بالتصغير- أمه حبيبة بنت أبي أمامة أسعد بن زُرارة، وكان أسعد بن زُرارة أوصى ببناته إلى النبي ﷺ ، فزوج رسول الله ﷺ حبيبة من سَهْل بن حُنيف، فولدت له أسعد هذا، سماه النبي ﷺ ، وكناه باسم جده لأمه وكنيته، وبرَّك عليه.
قال أبو مَعشر: رأيته شيخًا كبيرًا يخضِب بالصُّفرة. وقال ابن سَعْد: كان ثقةً كثير الحديث. وقال يونُس عن ابن شِهاب أخبرني أبو أُمامة بن سهْل، وكان من أكابر الأنصار وعلمائهم. وقال ابن أبي حاتِم: سمعت أبي قيل له: هو ثقة؟ فقال: لا يُسأل عن مثله، هو أجل من ذلك. وقال أبو منصور الباوَرْدِيّ: مختلَف في صحبته، إلا أنه وُلِد في عهد النبي ﷺ ، وهو ممن يُعَدُّ في الصحابة الذين روى عنهم الزُّهْرِيّ. وسئل الدارقُطني: هل أدرك النبي ﷺ ؟ قال: نعم، وأخرج حديثه في المسند.
وقال البخاري: أدرك النبي ﷺ ، ولم يسمع منه. وقال الزُّهري: حدثني أبو أُمامة، وكان قد أدرك النبي ﷺ وسماه وحَنّكه. ونقل ابن مَنْدة عن أبي داود أنه قال: صحب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وبايعه. قال ابن مَنْدة: وقول البخاري أصح.
روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مرسلًا، وعن عُمر، وعثمان، وأبيه سَهْل، وعمه عثمان، وابن عباس، وأبي هُريرة، وزيد بن ثابت، وعائشة، وغيرهم.
وروى عنه: ابناه سَهل ومحمد، وابنا عمه عثمان وحكيم ابنا حكيم ابن عَبّاد بن حُنَيْف، والزُّهْري، ويحيى بن سعيد، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند، وغيرهم.
مات سنة مئة، وهو ابن نيف وتسعين سنة. وقال ابن الكَلْبيّ: تراضى الناس أن يصلي بهم وعثمان محصور.
стр. 596
والأوْسِيُّ في نسبه نسبة إلى الأوس أخي الخزرج ابني حارثة بن ثعلبة العنقاء بن عمرو مُزَيْقيا الخارج من اليمن أيام سيل العرم ابن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف ابن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة بن مازن، وهو جماع غسان بن الأزد بن الغَوْث ابن بنت بن مالك بن زيد بن كهلان أخي حِمْيَر.
لطائف إسناده: منها أنه كالذي قبله في أن رجاله مدنيون، وهذا في غاية الاستطراف، إذ اقتران إسنادين مدنيين قليل جدًّا، ومنها أن فيه التحديث والعنعنة والتصريح بالسماع، وفيه رواية ثلاثة من التابعين، أو تابِعيّين وصحابِيَّيْن، وقد مر في حديث "إنما الأعمال بالنيات" أعلى ما يكون من رواية تابعي عن تابعي أو صحابي عن صحابي.
أخرجه البخاري هنا، وفي التفسير عن علي عن يعقوب، وفي فَضل عمر عن يحيى بن بُكير، وفي التعمير عن سعيد بن عُفَير. ومسلم في الفضائل عن منصور وغيره، والترمذي والنّسائي.
بابٌ: الحياء من الإِيمان
بالتنوين، والحياء مبتدأ، خبره: من الإِيمان، ووجه كون الحياء من الإِيمان تقدم مع بقية مباحثه في باب أمور الإِيمان، وفائدة إعادته هنا أنه ذُكِرَ هناك بالتبعية، وهنا بالقصد مع فائدة مغايرة الطريق.
стр. 597
الحديث السابع عشر
٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ».
قوله: "مرّ على رجل" في رواية لمسلم: "مرّ برجل" ومرّ بمعنى اجتاز، يُعَدّى بعلى وبالباء. قال في "الفتح" لم أعرف اسم هذين الرجلين الواعظ وأخيه.
وقوله: "يَعِظُ أخاه" أي: ينصح، أو يخوف، أو يذكر، والأوْلى أن يُفَسَّر بما جاء عند المصنف في الأدب عن ابن شِهاب، ولفظه: "يعاتِبُ أخاه في الحياء، يقول: إنك لَتَسْتَحي حتى كأنه يقول: أضَرَّ بك" ويحتمل أن يكون جمع له العتاب والوعظ، فذكر بعض الرواة ما لم يذكره الآخر، لكن المخرج متحد، فالظاهر أنه من تصرف الراوي بحسب ما اعتقد أن كل لفظ منهما يقوم مقام الآخر. وتعقبه العيني قائلًا: إن معنى الوعظ الزَّجْر، ومعنى العتب الوَجْد، يقال: عَتَبَ عليه إذا وَجَد، مع أن الروايتين تَدُلّان على معنيين جَلِيّين ليس في واحد منهما خفاء، حتى يفسر أحدهما بالآخر، وغايته أنه وعظ أخاه في استعمال الحياء، وعاتبه عليه، والراوي حكى في إحدى روايتيه بلفظ الوعظ، وفي الأخرى بلفظ المعاتبة. وما اعترض به هو ما ذكره ابن حَجَر أولًا احتمالًا، لكن منعه من الاعتماد عليه اتحاد المخرج، فاحتاج إلى ما ذكر، والسبب في وعظه له
стр. 598
هو أنَّ الرجل كان في الحياء، فكان ذلك يمنعه من استيفاء حقوقه، فعاتبه أخوه على ذلك، فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: اتركه على هذا الخلق السَّنِيّ ثم زاده في ذلك ترغيبًا لحكمه بأنه من الإِيمان، وإذا كان الحياء يمنع صاحبه من استيفاء حق نفسه، جرَّ له ذلك تحصيل أجر ذلك الحق، لا سيما إذا كان المتروك له مستحقًا.
وقوله: "فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: دعه فإن الحياء من الإِيمان" قال ابن قُتَيبْة: معناه أن الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي، كما يمنع الإِيمان فسُمِّي إيمانًا كما يسمى الشيء باسم ما قام مقامه، وحاصله أن إطلاق كونه من الإِيمان مجاز، ومن تبعيضية، كقوله في الحديث السابق: "الحياء شعبة من الإِيمان" ولا يقال: إذا كان الحياء بعض الإِيمان فينتفي الإِيمان بانتفائه، لأن الحياء من مكملات الإِيمان، ونفي الكمال لا يستلزم نفي الحقيقة، والظاهر أن الواعظ كان شاكًّا، بل كان منكرًا، ولذلك وقع التأكيد بإنَّ، ويجوز أن يكون من جهة أن القصة في نفسها مما يجب أن يهتم به ويؤكد، وإنْ لم يكن ثَمَّ إنكارٌ أو شكٌ. وقد مرّت مباحث الحياء في باب أمور الإِيمان.
رجاله خمسة:
الأول: عبد الله بن يوسُف. والثاني: الإِمام مالك بن أنس، وقد مرّا في الثاني من بدء الوحي. والثالث: ابن شِهاب ومرّ في الثالث منه أيضًا، ومر عبد الله بن عُمر في الأثر الرابع أول كتاب الإِيمان قبل ذكر حديث منه.
الرابع من السند: سالِم بن عبد الله بن عُمر بن الخطاب العَدَويّ أبو عُمر، ويقال: أبو عبد الله المدني الفقيه، أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال المتقدمة في ترجمة عُروة بن الزُّبير في الثالث من بدء الوحي.
قال علي بن الحسن العَسْقلاني، عن ابن المُبارك: كان فقهاء أهل المدينة، فذكره فيهم. قال: وكانوا إذا جاءتهم المسألة دَخَلوا فيها
стр. 599
جميعًا، فنظروا فيها, ولا يَقْضي القاضي حتى يرفع إليهم، فينظرون، فيُصدرون. وقال ابن المُسَيِّب: كان عبد الله أشبه أولاد عمر به، وكان سالم أشبه ولد عبد الله به. وقال مالك: لم يكن في زمان سالم أشبه بمن مضى من الصالحين في الزهد والفضل والعيش منه، كان يلبس الثوب بدرهمين. وقال: كان ابن عُمر يخرُج إلى السوق فيشتري، وكان سالم دَهْرَه يشتري في الأسواق، وكان من أفضل أهل زمانه. وقال أبو الزِّناد: كان أهل المدينة يكرهون اتِّخاذ أمهات الأولاد حتى نشأ فيهم القُراء السادة: علي بن الحُسَيْن، والقاسم بن محمَّد، وسالم بن عبد الله، ففاقوا أهل المدينة علمًا وتقىً وعبادةً وورعًا، فرغب الناس حينئذٍ في السَّراري. وقال ابن راهويه: أصح الأسانيد كلها: الزُّهريّ عن سالم، عن أبيه. وكان أبوه يُلام في إفراط حب سالم، ويقول:
يَلُومونَني في سالمٍ وألُومُهُم ... وجِلْدةُ بين العين والأنْفِ سالمُ
وكان يقبله، ويقول: ألا تعجبون من شيخ يقبل شَيخًا. وقال ابن سَعد: كان ثقة كثير الحديث عاليًا من الرجال. وقال ابن مَعين: سالم والقاسم حديثهما قريب من السَّواء، وسعيد بن المُسَيِّب قريب منهما، وإبراهيم أعجب إليّ مرسلًا منهم. وقال العِجليّ: مدني تابعي ثقة.
وكتب عُمر بن عَبْد العزيز إلى سالم بن عبد الله أن اكتب لي بشيء من رسائل عُمر بن الخطاب، فكتب إليه: يا عمر اذكر الملوك الذين تَفَقَّأت أعينهم التي كانت لا تَنْقضي لذتهم بها، وانفقأت بطونهم التي كانوا لا يشبعون بها، وصاروا جِيَفًا في الأرض آكامها, لو كانت بجنب مساكن لنا لتَأذَّيْنا بريحهم.
ودخل سليمان بن عبد الملك الكعبة فوجد فيها سالمًا، فقال له: سلني حوائجَكَ. فقال: والله ما سألتُ في بيت الله غير الله تعالى.
ودخل سالم يومًا على الوليد بن عبد الملك: فقال له: ما أحسن
стр. 600
جسمك: فما طعامك؟ قلت: الكعك والزيت. قال: وتشتهيه؟ قلت: أدعه حتى أشتهيه، وآكله. وكان يقول إياكم ومداومة اللحم، فإن له ضراوة كضراوة الشراب.
وقال ابن إسحاق: رأيت سالم بن عبد الله يلبس الصوف، وكان عَلِجَ الخلق يعالج بيديه ويعمل. وقال ابن حِبّان في "الثقات" كان يُشبه أباه في السَّمْت والهُدى، وأمه من بنات يَزْدَجرد لما قدم سَبْيُ فارس على عمر بن الخطاب كانت فيه بنات يَزْدَجرد، فَقُوِّمْنَ فأخذهن علي بن أبي طالب، فأعطى واحدة لابن عمر فولدت له سالمًا، وأعطى أختها لولده الحسين فولدت له عليًّا، وأعطى أختها لمحمد بن أبي بكر فولدت له القاسم.
روى عن: أبيه، وأبي هُريرة، وأبي رافع، وأبي أيوب، وزيد بن الخطاب. وأبي لُبابة على خلاف فيه، وغيرهم.
وروى عنه: ابنه أبو بكر، وأبو بكر بن محمَّد بن عَمرو بن حَزْم، والزُّهريّ، وصالح بن كَيْسان، وحَنْظلة بن أبي سُفيان، وحُميد الطّويل، وعُمر بن حمزة بن عبد الله بن عُمر، وعَمرو بن دينار، وغيرهم.
له إخوة: عبد الله، وعاصم، وحمزة، وبلال، وواقد، وزيد، وكان عبد الله وصي أبيهم فيهم، وروى عنه منهم: عبد الله وحمزة وبلال.
مات بالمدينة سنة ست ومئة، وقيل: سنة خمس، وقيل: ثمان، وهشام بن عبد الملك يومئذ بالمدينة، وكان قد حجّ بالناس تلك السنة، فقدم المدينة، فوافق موت سالم، فصلى عليه بالبقيع لكثرة الناس، فلما رأى كَثْرة الناس، قال لإِبراهيم بن هِشام المخزوميّ: اضرب على الناس بعث أربعة آلاف، فَسُمِّي عام أربعة آلاف.
وفي الستة سالم بن عبد الله سواه ثلاثة: أبو عبد الله النَّصريّ مولى شدّاد بن الهاد، روى عن عُثمان، وأبي هُريرة، وعائشة، وغيرهم.
والثاني الخَيّاط البَصْريّ مولى عُكّاشة، روى عن الحسن، وابن أبي
следующие страницы →