Полный текст (6 753 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.
стр. 5356
باب نقض شعر المرأة
أي: الميتة قبل الغَسل، والتقييد بالمرأة خرج مخرج الغالب أو الأكثر، وإلا فالرجل إذا كان له شعر ينقض، لأجل التنظيف، وليبلغ الماء البَشَرة. وذهب من منعه إلى أنه قد يفضي إلى انتتاف شعره، وأجاب من أثبته بأنه يُضَم إلى ما انتثر منه. ثم قال: وقال ابن سيرين: لا بأس أن يُنْقَض شعر الميت، وهذا التعليق وَصَلَه سعيد بن منصور عن أيوب عنه، وابن سيرين مرَّ في أول الأحاديث محله.
الحديث الثاني والعشرون
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَيُّوبُ وَسَمِعْتُ حَفْصَةَ بِنْتَ سِيرِينَ قَالَتْ حَدَّثَتْنَا أُمُّ عَطِيَّةَ ﵂ أَنَّهُنَّ جَعَلْنَ رَأْسَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلاَثَةَ قُرُونٍ نَقَضْنَهُ ثُمَّ غَسَلْنَهُ ثُمَّ جَعَلْنَهُ ثَلاَثَةَ قُرُونٍ.
قوله: قال أيوب، في رواية الإِسماعيليّ عن ابن جُريج أن أيوب بن أبي تميمة أخبره، وقوله: سمعت، هو معطوف على محذوف تقديره: سمعت كذا، وسمعت حفصة، وقوله: "أنهن جعلن رأس بنت رسول الله ﷺ ثلاثة قرون نقضنه ثم غسلنه" في رواية الإِسماعيليّ قالت: نقضته، والظاهر أن القائلة أم عطية، ولعبد الرزاق عن أيوب في هذا الحديث "فقلت نقضته فغسلته فجعلته ثلاثة قرون، قالت: نعم" والمراد بالرأس شعر الرأس، فهو من مجاز المجاورة، وفائدة النقض تبليغُ الماء البشرةَ، وتنظيفُ الشعرِ من الأوساخ.
ولمسلم عن أيوب عن حفصة عن أم عطية "مشطناها ثلاثة قرون" وهو بتخفيف المعجمة، أي سرّحناها بالمِشْط، وفي حجة للشافعيّ ومن وافقه على استحباب تسريح الشعر، واعتل من كرهه بتقطيع الشعر، والرفق يُؤْمَنُ معه ذلك. وقوله: ثم جعلنه ثلاثة قرون، استدل به على ضفر شعر الميت خلافًا لمن منعه، فقال ابن القاسم: لا أعرف الضفر، بل يُكَفُّ، وقال الأوزاعي والحنفية: يرسل شعر المرأة خلفها وعلى وجهها.
قال القرطبيّ: وكان سبب الخلاف أن الذي فعلته أم عطية هل استندت فيه إلى النبي ﷺ ، فيكون مرفوعًا، أو هو شيء رأته ففعلته استحسانًا؟ كلا الأمرين محتمل، لكن الأصل أن لا يفعل
стр. 5357
في الميت شيءٌ من جنس القُرب إلاّ بإذنٍ من المشرع محقق، ولم يرد ذلك مرفوعًا، كذا قال.
وقال النووي: الظاهر اطَّلاع النبي ﷺ وتقريره له، وقد رواه سعيد بن منصور بلفظ الأمر عن أُم عطية، قالت: قال النبي ﷺ : "اغسلنها وِترًا، واجعلنَ شعرها ضفائر" وقال ابن حِبّان في صحيحه إن أُم عطيّة إنما مَشَطَت ابنة رسول الله ﷺ ، بأمره لا من تلقاء نفسها. ثم أخرج عن حماد عن أيوب قال: قالت حفصة عن أم عطية: اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا، واجعلن لها ثلاثة قرون.
وقول ابن القاسم السابق: لا أعرف الضفر، قال ابن رشد: يعني على جهة الوجوب، أما على جهة الندب فَنَعم، فمذهب المالكية والشافعية والحنابلة أن الشعر يضفر ثلاث ضفائر، ناصيتها وقرينها، كما يأتي، ويلقى الجميع خلفَها، وقالت الحنفية: يجعل ضفيرتان على صدرها.
رجاله ستة:
قد مرّوا، مرَّ أحمد بن صالح المصريّ، وأحمد بن عيسى في الرابع والسبعين من استقبال القبلة، ومرَّ ابن وهب في الثالث عشر من العلم، ومرَّ ابن جُريج في الثالث من الحيض، ومرَّ محل الثلاثة الباقية في أول هذه الأحاديث. ثم قال المنصف:
стр. 5358
باب كيف الاشعار للميت
أورد فيه حديث أم عطية أيضًا، وإنما أفرد له هذه الترجمة لقوله في هذا السياق: وزعم أن الإِشعار الففتها فيه، وفيه اختصار كما يأتي بيانه. ثم قال: وقال الحسن: الخرقة الخامسة يَشُدُّ بها الفخذين والوركين تحت الدرع، قوله: الفخذين والوركين منصوبان على المفعولية، والفاعل ضمير راجع إلى الغاسل، بالقرينة الدالة عليه، ويروى: الفخذان والوركان، بالرفع على أنهما نائبان عن الفاعل، ففي الأولى يَشُد مبنيٌّ للمعلوم، وفي الثانية مبنيٌ للغائب.
والدِّرع بكسر الدال، وهو القميص هنا. وقول الحسن هذا، يدل على أن أول الكلام، أن المرأة تكفن في خمسة أثواب، وقد وصله ابن أبي شيبة نحوه، وروى الجوزَقِيّ عن أمّ عطية قالت: فكفنَّاها في خمسة أثواب، وخَمَرناها كما يُخْمَر الحي، وهذه الزيادة صحيحة الإِسناد. وقول الحسن: في الخرقة الخامسة، قال به زُفَر، وقالت طائفة: تُشَد على صدرها لتَضم أكفانَها, ولا يكره القميص للمرأة، وهو الراجح عند الشافعية والحنابلة، وهو مذهب المالكية. والحسن البصريّ قد مرَّ في الرابع والعشرين من الإِيمان.
الحديث الثالث والعشرون
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَنَّ أَيُّوبَ أَخْبَرَهُ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ سِيرِينَ يَقُولُ: جَاءَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ ﵂ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ مِنَ اللاَّتِي بَايَعْنَ، قَدِمَتِ الْبِصْرَةَ، تُبَادِرُ ابْنًا لَهَا فَلَمْ تُدْرِكْهُ فَحَدَّثَتْنَا قَالَتْ دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ فَقَالَ اغْسِلْنَهَا ثَلاَثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي. قَالَتْ فَلَمَّا فَرَغْنَا أَلْقَى إِلَيْنَا حَقْوَهُ فَقَالَ أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ. وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، وَلاَ أَدْرِي أَيُّ بَنَاتِهِ. وَزَعَمَ أَنَّ الإِشْعَارَ الْفُفْنَهَا فِيهِ، وَكَذَلِكَ كَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَأْمُرُ بِالْمَرْأَةِ أَنْ تُشْعَرَ وَلاَ تُؤْزَرَ.
قوله: ولا أدري أي بناته، هو مقول أيوب، وفيه دليل على أنه لم يسمع تسميتها من حفصة، وقد مرَّ من وجه آخر عنه أنها أم كلثوم، وقوله: وزعم أن الإِشعار ألففنها فيه، فيه اختصار، والتقدير:
стр. 5359
وزعم أن معنى قوله: أشعرنها إياه: ألففنها، وهو ظاهر اللفظ, لأن الشعار ما يلي الجسد من الثياب، كما مرَّ، والقائل في هذه الرواية, وزعم، هو أيوب. وذكر ابن بطَّال أنه ابن سيرين، والأول أَوْلَى، وقد بيّنه عبد الرزاق في روايته عن ابن جُريج. قال: قلتُ لأيوب: قوله: أشْعِرنها: تُوْزَر به، قال: ما أراه إلا قال: ألففنها فيه.
وقوله: وكان ابن سيرين يأمر بالمرأة أنْ تُشْعَر، أي تُلَفّ، مبنيٌّ للمجهول. وقوله: ولا تؤزر، بالبناء للمفعول أيضًا، أي لا يجعل الشعار عليها مثل الإِزار, لأن الإزار لا يعم البدن بخلاف الشعار. وقد مرت بقية مباحثه في الرواية الأُولى.
رجاله ستة:
وهم رجال الحديث الذي قبله بعينهم، وفيه لفظ ابن مُبْهَم ولم يسم. ثم قال المصنف:
стр. 5360
باب يجعل شعر المرأة ثلاثة قرون أي ضفائر
الحديث الرابع والعشرون
حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أُمِّ الْهُذَيْلِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: ضَفَرْنَا شَعَرَ بِنْتِ النَّبِيِّ ﷺ . تَعْنِي ثَلاَثَةَ قُرُونٍ.
قوله: ثلاثة قرون، لا ينافي قوله "ناصيتها وقرنيها" لأن المراد بالقرون الضفائر، والمراد بالقرنين الجانبان، فهما ضفيرتان، والناصية ضفيرة، فهذه ثلاثة، وقد مرت مباحثه في الذي قبله بحديث.
رجاله خمسة:
قد مرّوا؛ مرَّ قُبَيْصَة في السابع والعشرين من الإيمان, ومرَّ هشام بن حسّان في تعليق بعد الثامن من الحيض، ومحل ابن جريج ذكر في الذي قبله بحديث، وأم الهذيل هي حَفصة بنت سيرين، وقد مرت هي وأم عطية في أول الأحاديث، ومرَّ سُفيان الثَّوْرِيّ في السابع والعشرين مع قبيصة.
ثم قال: وقال وكيع عن سفيان: ناصيتها وقرنيها، وهذا التعليق وصله الإِسماعيليّ والفريابيّ. وسفيان مرَّ محله في الذي قبله، ومرَّ وكيع في الحادي والخمسين من الإِيمان. ثم قال المصنف:
стр. 5361
باب يلقي شعر المرأة خلفها
في رواية الأصيليّ وأبي الوقت "يُجعل" وزاد الحموي "ثلاثة قرون".
الحديث الخامس والعشرون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ قَالَ حَدَّثَتْنَا حَفْصَةُ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ تُوُفِّيَتْ إِحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَتَانَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا بِالسِّدْرِ وِتْرًا ثَلاَثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي. فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ، فَضَفَرْنَا شَعَرَهَا ثَلاَثَةَ قُرُونٍ وَأَلْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا.
قوله: فضفرنا شعرها ثلاثة قرون فألقيناها خلفها، وأخرجه النَّسائيّ عن يحيى بلفظ "ومَشَطناها" وعند عبد الرزاق عن حفصة بلفظ "ضَفَرنا رأسها ثلاثة قرون: ناصيتها وقرنيها، وألقيناه إلى خلفها" وفي حديث أم عطية من الفوائد غير ما تقدم في هذه التراجم العشر: تعليمُ الإِمام من لا علم له بالأمر الذي يقع فيه، وتفويضه إليه إذا كان أهلًا لذلك، بعد أن ينبهه على علة الحكم، واستدل به على أن الغسل من غسل الميت ليس بواجب, لأنه موضع تعليم، ولم يأمر به، وفيه نظر لاحتمال أن يكون شرع بعد هذه الواقعة.
وقال ابن بُزيزة: الظاهر أنه مستحب، والحكمة فيه تتعلق بالميت, لأن الغاسل إذا علم أنه سيغتسل لم يتحفظ من شيء يصيبه من أثر الغسل، فيبالغ في تنظيف الميت وهو مطمئن، ويحتمل أن يتعلق بالغاسل، ليكون عند فراغه على يقين من طهارة جسده مما لعله أن يكون أصابه من رشاش ونحوه.
وقال الخطابيّ: لا أعلم أحدًا قال بوجوبه، وكأنه ما درى أنَّ الشافعيّ علق القول بوجوبه على صحة الحديث، وقد مرَّ الكلام فيه بأزيد من هذا عند أثر ابن عمر، وحَنْط ابن عمر. واستدل بعض الحنفية على أنَّ الزوج لا يتولى غسل زوجته, لأن زوج ابنة النبي ﷺ كان حاضرًا، وأمر النبيَّ، عليه
стр. 5362
الصلاة والسلام، النسوة بغسل ابنته دون الزوج، وتُعُقَّب بأنه يتوقف على صحة دعوى أنه كان حاضرًا، وعلى تقدير تسليمه، فيحتاج إلى ثبوت أنه لم يكن به مانع من ذلك، وإلاّ آثر النسوة على نفسه وعلى تسليمه، فغاية ما فيه أن يستدل به على أن النسوة أولى منه، لا على منعه من ذلك لو أراده. وقد مرَّ الكلام بأزيد من هذا في أول الروايات في رواية مالك.
رجاله خمسة:
قد مرّوا؛ مرَّ مسدد ويحيى القطّان في السادس من الإِيمان, ومرَّ محل هشام بن حسان في الذي قبله، ومرَّ محل حفصة في الثاني من أحاديث أم عطية، ومرَّ محل أم عطية وبنت رسول الله ﷺ في أول هذه الأحاديث. ثم قال المصنف:
стр. 5363
باب الثياب البيض للكفن
أي: هذا باب في بيان حكم الكفن بالثياب البِيض، بكسر الباء جمع أبيض، شرع في بيان أحكام الكفن بعد الفراغ من الغسل.
الحديث السادس والعشرون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُفِّنَ فِي ثَلاَثَةِ أَثْوَابٍ يَمَانِيَةٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ، لَيْسَ فِيهِنَّ قَمِيصٌ وَلاَ عِمَامَةٌ.
تقرير الاستدلال بحديث عائشة هو أن الله لم يكن ليختار لنبيه إلا الأفضل، وكأنَّ المصنف لم يثبت على شرطه الحديثُ الصريح في الباب، وهو ما رواه أصحاب السنن عن ابن عباس بلفظ "ألبسوا ثيابَ البياض، فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم" صححه التِّرْمِذِيّ والحاكم، وله شاهد عن سمرة ابن جُنْدُب، أخرجوه وإسناده صحيح أيضًا. وحكى بعض من ألّف في الخلاف عن الحنفية أن المستحب عندهم أن يكون في أحدها ثوبُ حِبْرَةٍ، وكأنهم أخذوا بما روي أنه ﵊ كُفَّن في ثوبين وبُرْدِ حِبْرَة. أخرجه أبو داود عن جابر، وإسناده حسن.
لكن روى مسلم والتِّرْمِذِيّ عن عائشة أنهم نزعوها عنه، قال الترمذي: وتكفينه في ثلاثة أثواب بيض أصحُّ ما ورد في كفنه. وقال عبد الرزاق عن هشام بن عُروة: لُفَّ في بردِ حِبرة جفف فيه، ثم نُزع عنه، ويمكن أن يستدل لهم بعموم حديث أنس "كان أحبَّ اللباس إلى رسول الله ﷺ الحِبْرَةُ" أخرجه الشيخان، وسيأتي في اللباس إنْ شاء الله تعالى.
وفي مسلم "إذا كَفَّن أحدكم أخاه، فليحسن كفنه". قال النوويّ: المراد بأحسن الكفن بياضُه ونظافتُه، قال البَغَويّ: وثوب القطن أولى. قوله: يمانِيَةٌ، بتخفيف الياء نسبة إلى اليمن وإنما خففوا الياء وإن كان القياس تشديد ياء النسب لأنهم حذفوا ياء النسب، لزيادة الألف، وكان الأصل يمنية، وقوله: سَحُوليّة، بفتح السين وتشديد المثناة التحتية، نسبة إلى السَّحُول، وهو القَصَّار, لأنه يسحلها، أي: يغسلها، أو إلى سَحُول قريةٍ باليمن. وقيل بالضم، قرية أيضًا، وقيل بالضم الثياب البِيض.
стр. 5364
وقوله "كُرْسُف" بضم أوله وثالثه، أي: قطن. وقوله: ليس فيهنّ، أي: في الثلاثة الأثواب. ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأصيليّ: ليس فيها. وقوله: قميصٌ ولا عمامة، أي ليس موجودًا أصلًا، بل هي الثلاثة فقط، قال النووي: وهو ما فسره به الشافعيّ والجمهور. قال القسطلانيّ: وهو الصواب الذي يقتضيه ظاهر الأحاديث، وهو أكمل الكفن للذكر، وكذلك الحكم عند الحنابلة وعند الحنفية؛ في ثلاثة أيضًا، لكن في قميص وإزارٍ ولُفافةٍ، أخذًا منهم بحديث جابر بن سمرة، رواه ابن عديّ في الكامل، وكره بعض مشائخهم العمامة، واستحسنها بعضهم. ويحتمل أن تكون الثلاثة الأثواب خارجة عن القميص والعمامة، فيكون ذلك خمسة. وهو تفسير مالك، لكن الأفضل عنده قميص وعمامة وإزار ولفافتان.
ومثال الحديث قوله تعالى: ﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ يحتمل بلا عمد أَصلًا، أو بعمد غير مرئية لهم، ومذهب الشافعي جواز زيادة القميص والعمامة على الثلاثة اللفائف من غير استحباب، وقال الحنابلة: إنه مكروه، والمرأة عند الأئمة الثلاثة تكفن في خمسة، نصت الحنابلة والشافعية على أنها قميص وإزار أو خمار، ولفافتان، وعند المالكية تكفن في سبع: قميص وإزار وخمار وأربع لفائف. والحنفية هذه الثلاثة ولفافة، والخامس خرقة تشد على ثدييها إلى السُّرَّة أو الرُّكبة.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرَّ محمد بن مقاتل في السابع من العلم، ومرَّ ابن المبارك في السادس من بدء الوحي، ومرت الثلاثة الباقية بهذا النسق في الثاني من بدء الوحي.
لطائف إسناده:
فيه التحديث والإِخبار بالجمع والعنعنة والقول، ورواته مَرْوَزِيَّان ومدنيان، أخرجه البخاريّ أيضًا مرتين في الجنائز، أخرجه مسلم وأبو داود والنَّسائيّ وابن ماجه. ثم قال المصنف:
стр. 5365
باب الكفن في ثوبين
كأنه أشار إلى أن الثلاثة في حديث عائشة ليست شرطًا في الصحة، وإنما هو مستحبّ، وهو قول الجمهور، واختلف فيما إذا شحَّ بعضُ الورثة بالثاني أو الثالث، قال في الفتح: والمرجح أنه لا يلتفت إليه، قلت: الراجح في مذهب مالك أنه لا يقضى بالفوائد إنْ شح الوارثُ أو الغريم، وأما الواحد الساتر لجميع البدن أو العورة على خلاف، مرجح عندنا وعند الشافعية، فلابد منه، والمصحح عند الحنفية الاكتفاء بستر العورة المغلظة: القبل والدبر.
الحديث السابع والعشرون
حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ أَوْ قَالَ فَأَوْقَصَتْهُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلاَ تُحَنِّطُوهُ وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا.
قوله: حماد، في رواية الأصيلي ابن زيد، وقوله: بينما رجل، قال في الفتح: لم أقف على تسميته، وقوله: واقف، استدل به على إطلاق لفظ الواقف على الراكب، قلت: يمكن أن لا يكون فيه دليل, لأن الوقوف بعَرفَة صار علمًا على النازلين فيها، سواء القائم والراكب والمضطجع، فيقال لمن حضر يومها, ولم يزل فيها مضطجعًا لعذر: وقف بعرفة، فتأمله.
وقوله: بعرفة، سيأتي بعد باب من وجه آخر، ونحن مع النبي ﷺ . وقوله: فَوَقَصَتْه، أو قال فأوْقَصَته، شكٌ من الراوي، والمعروف عند أهل اللغة الأول، والذي بالهمز شاذٌ، والوقص كسر العنق، ويحتمل أن يكون فاعل وقصته الوقعةُ أو الراحلة، بأن تكون أصابته بعد أن وقع. والأول أظهر، وقال الكرمانيّ: فوقصته أي: راحلته، فإنْ كان الكسر حصل بسبب الوقوع فهو مجاز، وإن حصل من الراحلةِ بعد الوقوع فهو حقيقة.
وقوله: وكفنوه في ثوبين، استدل به على إبدال ثياب المحرم، وليس بشيء, لأنه سيأتي في الحج بلفظ "في ثوبيه" وللنَّسائيّ عن عمرو بن دينار "في ثوبيه اللَّذين أحرم فيهما". وقال المحب
стр. 5366
الطَّبريّ: إنما لم يزده ثوبًا ثالثًا تكرُمَةً له، كما في الشهيد، حيث قال: "زمَّلوهم بدمائهم".
وقوله: ولا تُحَنِّطُوه، بالحاء المهملة، أي لا تَمَسُّوه حنوطًا. وقوله ولا تُخَمِّروا رأسه أي: لا تغطوها. وفي أفراد مسلم "ولا تغطوا رأسه ولا وجهه" قال البيهقيّ: ذكر الوجه وَهْمٌ من بعض رواته، والصحيح "لا تغطوا رأسه" ثم علل ذلك بقوله: فإنه يبعثُ ملبيًا أي: حال كونه قائلًا: لبيك، والمعنى أنه يحضر يوم القيامة على هيأته التي مات عليها, ليكون ذلك علامة لحجه، كالشهيد يأتي وأوداجه تشخب دمًا وفي رواية "مُلَبَّدًا" أي: على هيأته ملبدًا شعره بصمغ ونحوه، ودل التعليل على أن سبب النهي أنه كان مُحْرِمًا، فإذا انتفت العلة انتفى النهي. وكان الحنوطَ للميت، كان مقررًا عندهم، وكذلك تخمير الرأس.
قال البيهقي: فيه دليل على أن غير الميت يحنط، كما تخمر رأسه، وأن النهي، إنما وقع للإِحرام، فهو دال على أن الإِحرام لا ينقطع بالموت، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق والثَّوريّ وأهل الظاهر. وذهب مالك وأبو حنيفة والأوزاعي إلى أن الإِحرام ينقطع بالموت، فيصنع بالمحرم ما يصنع بالحلال. قال ابن دقيق: هو مقتضى القياس، لكن الحديث بعد أن يثبت يقدم على القياس.
وقال بعض المالكية: إثبات الحَنُوط في هذا الخبر بطريق المفهوم من صنع الحنوط للمحرم، ولكنها واقعة حال يتطرق الاحتمال إلى منطوقها، فلا يستدل بمفهومها. وقال بعض الحنفية هذا ليس عامًا بلفظه, لأنه في شخص مُعَيّن ولا بمعناه, لأنه لم يقل يبعث ملبيًا, لأنه محرم، فلا يتعدى حكمه إلى غيره إلا بدليل منفصل.
وقال ابن بُزَيرة: وأجاب بعض أصحابنا عن هذا الحديث بأن هذا مخصوص بذلك الرجل، لأن إخباره ﷺ بأنه يبعث مُلَبيًا شهادةٌ بأن حَجَّه قد قُبل، وذلك غير محقق لغيره، وتعقبه ابن دقيق العيد بأنّ هذه العلة إنما ثبتت لأجل الإِحرام، فتعم كل محرم.
وأما القبول وعدمه فأمر مُغَيّب، واعتل بعضهم بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ وبقوله ﷺ "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث"، وليس هذا منها، فينبغي أن ينقطع عمله بالموت، وأجيب بأن تكفينه في ثوبي إحرامه وتبقيته على هيأة إحرامه من عمل الحي بعده، كغسله والصلاة عليه، فلا معنى لما ذكروه، وقال ابن المنير في الحاشية: قد قال ﷺ في الشهداء "زملوهم بدمائهم" مع قوله: والله أعلم بمن يكلم في سبيله، فعمم الحكم في الظاهر بناء على ظاهر السبب، فينبغي أن يعمم الحكم في كل محرم.
стр. 5367
وبين المجاهد والمحرِم جامع, لأن كلا منهما في سبيل الله، وقد اعتذر الداوديّ عن مالك فقال: لم يبلغه هذا الحديث، وأورد بعضهم أنه لو كان إحرامه باقيًا لوجب أن يكمل به المناسك، ولا قائل به، وأجيب بأن ذلك ورد على خلاف الأصل، فيقتصر به على مورد النص، ولاسيما وقد وضح أن الحكمة في ذلك استبقاء شعار الإِحرام كاستبقاء دم الشهيد، وأُجيب عن هذا بأنّا لا نُسَلّم أنه ورد على خلاف الأصل، وكيف ورد على خلاف الأصل وقد أمر بغسله بالماء والسدر؟ وهو الأصل في الموتى، فلولا أنه خرج عن الإِحرام ما أمر بغسله بالسدر.
وفي الحديث أن المحرم إذا مات لا يكمل عليه غيره، كالصلاة، وقد وقع أجره على الله، وأخذ بعضهم منه أن النيابة في الحج لا تجوز, لأنه ﵊، لم يأمر أحدًا أن يكمل عن هذا الموقوص أفعال الحج، ولا يخفى ما فيه من النظر. وفيه أن من شرع في طاعة، ثم حال بينه وبين إتمامها الموت، يرجى له أن الله تعالى يكتبه في الآخرة من أهل ذلك العمل، ويقبله منه إذا صحت النية، ويشهد له قوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: وفيه لفظ رجل مبهم، مرَّ أبو النعمان في الحادي والخمسين من الإيمان, وحماد بن زيد. في الرابع والعشرين منه، وأيوب في التاسع منه، وسعيد بن جُبَير وابن عباس في الخامس من بدء الوحي.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، وثلاثة بصريون، وابن جبير كوفيٌّ. أخرجه البخاريّ في الجنائز وفي الحج، ومسلم في الحج، وكذا أبو داود والنَّسَائيّ. والرجل الذي وقصته الدابة لم يسم. ثم قال المصنف:
стр. 5368
باب الحنوط للميت أي غير المحرم
الحديث الثامن والعشرون
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَةَ إِذْ وَقَعَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَأَقْصَعَتْهُ أَوْ قَالَ فَأَقْعَصَتْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلاَ تُحَنِّطُوهُ وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا.
مطابقته للترجمة في قوله: "ولا تحنطوه"، وقوله: "فأقْصَعَته أو قال: "فاقعصته" شك من الراوي من ابن عباس، فالأول بتقديم القاف على الصاد المهملة، والثاني بتقديم العين على الصاد، من قُعَاص الغنم. وهذا الحديث هو الحديث السابق متنًا وسندًا، غير أن شيخه هنا قتيبة، وهناك أبو النعمان، وقد مرت مباحثه في الأول.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرَّ قتيبة في الحادي والعشرين من الإِيمان, ومرَّ محل الأربعة الباقية في الذي قبله. ثم قال المصنف:
стр. 5369
باب كيف يكفن المحرم
سقطت هذه الترجمة للأصيلي، وثبتت لغيره، وهو أوجه. قال الزين بن المنير: تضمنت هذه الترجمة الاستفهام عن الكيفية مع أنها مبينة، لكنها لما كانت تحتمل أن تكون خاصة بذلك الرجل، وأن تكون عامة لكل محرم، آثر المصنف الاستفهام. قال في الفتح: والذي يظهر أن المراد بقوله: "كيف يكفن" أي: كيفية التكفين، ولم يرد الاستفهام، وكيف يظن به أنه متردد فيه وقد جزم قبل ذلك بأنه عام في حق كل أحد، حيثُ ترجم بجواز التكفين في ثوبين.
الحديث التاسع والعشرون
حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَجُلاً وَقَصَهُ بَعِيرُهُ، وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ مُحْرِمٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلاَ تُمِسُّوهُ طِيبًا، وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّدًا.
قوله: فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيًا، كذا للمستملي، وللباقين مُلَبَّدًا، بدال بدل التحتانية، والتلبيد جمع الشعر بصمغ أو غيره، ليخف شَعَثُه، وكانت عادتهم في الإِحرام أن يصنعوا ذلك، وقد أنكر عِياض هذه الرواية, وقال: ليس قوله "ملبدًا" فاسد المعنى، بل توجيهه ظاهر، وهو أن الله تعالى يبعثه على هيأته التي مات عليها، وهذا الحديث رواية من الذي قبله.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرَّ محل أبي النعمان وسعيد وابن عباس في الذي قبله بحديث، ومرَّ أبو عُوانة في الخامس من بدء الوحي، ومرَّ أبو بشر جعفر بن أبي وَحْشِية في الثاني من العلم.
الحديث الثلاثون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرٍو وَأَيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَرَفَةَ فَوَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ قَالَ
стр. 5370
أَيُّوبُ فَوَقَصَتْهُ، وَقَالَ عَمْرٌو فَأَقْصَعَتْهُ فَمَاتَ فَقَالَ اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلاَ تُحَنِّطُوهُ وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ أَيُّوبُ: يُلَبِّي، وَقَالَ عَمْرو: مُلَبِّيًا.
قوله: كان رجل واقفًا، كذا لأبي ذَرٍّ وللباقين واقف، على أنه صفة لرجل، وكان تامة، أي: حصل رجل واقف. وقوله: فأَقْصَعَته أي: هشمته، يقال: أَقْصَعَ القملة إذا هشمها، وقيل: هو خاص بكسر العظم، ولو سلم فلا مانع أن يستعار لكسر الرقبة، وفي رواية الكَشْميهنيّ بتقديم العين على الصاد، والقعص القتل في الحال. ومنه قُعَاص الغنم، وهو موتها.
وقوله: ولا تُمِسوه، بضم أوله وكسر الميم من أَمَسَّ. قال ابن المنذر في حديث ابن عباس: إباحة غسل المحرم بالسدر خلافًا لمن كرهه له، وأنْ الوتر في الكفن ليس شرطًا في الصحة، وأن الكفن من رأس المال، لأمره ﵊ بتكفَينه في ثوبيه، ولم يستفصل هل عليه دَيْن يستغرق أم لا، وفيه استحباب تكفين المحرم في ثياب إحرامه، وقد مرَّ ما قيل في بقاء إحرامه وعدمه، وفيه أنه لا يكفن في المخيط، وفيه التعليل بالفاء، لقوله: فإنه، وفيه التكفين في الثياب الملبوسة، وفيه استحباب دوام التلبية إلى أن ينتهي الإِحرام، وأن الإحرام يتعلق بالرأس لا بالوجه، وقد مرَّ ما في رواية مسلم من الوَهْم.
وأغرب القرطبيّ فحكى عن الشافعيّ أنّ المحرم لا يصلى عليه، وليس ذلك بمعروف عنه، واقتصاره له على التكفين في ثوبيه يحتمل، لكونه مات فيهما وهو متلبس بتلك العبادة الفاضلة، ويحتمل أنه لم يجد له غيرهما.
رجاله ستة:
قد مرّوا، مَرَّ مسدد في السادس من الإِيمان، ومرَّ عمرو بن دينار في الرابع والخمسين من العلم، ومرَّ محل الباقين في الذي قبله بحديثين. ثم قال المصنف:
стр. 5371
باب الكفن في القميص الذي يُكَف أو لا يُكَف
قال ابن التين: ضبط بعضهم يُكَفّ، بضم أوله وفتح الكاف، وبعضهم بالعكس، والفاء مشددة فيهما، وضبطه بعضهم بفتح أوله وسكون الكاف وكسر الفاء مخففة، والأول أشبه بالمعنى، وتعقبه ابن رشيد بأن الثاني هو الصواب، وهو الذي في نسخة حاتم الطرابلسيّ، وأصل أبي القاسم بن الورد قال: والذي يظهر بي أن البخاريّ لحظ قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أي: أنّ النبي ﷺ ألبس عبد الله بن أُبَيّ قميصَه، سواء كان يَكُفُّ عنه العذاب أو لا يكف، استصلاحًا للقلوب المؤلفة، فكأنه يقول: يؤخذ من هذا التبرك بآثار الصحالين، سواء علمنا أنه مؤثر في حال الميت أم لا.
قال: ولا يصح أن يراد به سواء كان الثوب مكفوف الأطراف أو غير مكفوف, لأن ذلك وصف لا أثر له. قال: وأما الضبط الثالث فهو لحن، إذ لا موجب لحذف الياء الثانية فيه. وقد جزم المهلب بأنه الصواب، وأن، الياء سقطت من الكاتب غلطًا. قال ابن بطّال: المراد سواء كان القميص طويلًا سابغًا أو قصيرًا، فإنه يجوز أن يكفن فيه. ووجهه أن عبد الله كان مفرط الطول، وكان النبي ﷺ معتدل الخَلق، وقد أعطاه مع ذلك قميصه ليكفن فيه، ولم يلتفت إلى كونه ساترًا لجميع بدنه أو لا.
وتعقب بأن حديث جابر دال على أنه كفن في غيره، فلا تنتهض الحجة بذلك، وأما قول ابن رشيد: إنّ مكفوف الأطراف لا أثر له فغير مُسَلّم، بل المتبادر إلى الذهن أنه مراد البخاريّ، كما فهمه ابن التين. والمعنى أن التكفين في القميص ليس ممتنعًا سواء كان مكفوف الأطراف أو غير مكفوف.
والمراد بالكف تزريره دفعًا لقول من يدعي أنّ القميص لا يسوغ إلا إذا كانت أطرافه غير مكفوفة، أو كان غير مزرر، ليشبه الرداء. وأشار بذلك إلى الرد على من خالف في ذلك، وإلى أن التكفين في غير قميص مستحب، ولا يكره التكفين في القميص، وفي "الخلافيات" للبيهقيّ عن ابن عَون قال: كان محمد بن سيرين يستحب أن يكون قميص الميت كقميص الحي، مكففًا مزررًا.
стр. 5372
الحديث الحادي والثلاثون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ لَمَّا تُوُفِّيَ جَاءَ ابْنُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِنِى قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ، وَصَلِّ عَلَيْهِ وَاسْتَغْفِرْ لَهُ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ قَمِيصَهُ فَقَالَ آذِنِّي أُصَلِّي عَلَيْهِ. فَآذَنَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ عُمَرُ ﵁ فَقَالَ: أَلَيْسَ اللَّهُ نَهَاكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ فَقَالَ أَنَا بَيْنَ خِيرَتَيْنِ قَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾. فَصَلَّى عَلَيْهِ فَنَزَلَتْ ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾.
قوله: لما توفي، ذكر الواقديُّ والحاكم في الإِكليل، أن وفاته كانت بعد مُنْصَرَفهم من تبوك، وذلك في ذي القعدة سنة تسع، وكان قد تخلف هو ومن تبعه عن غزوة تبوك، وفيهم نزلت: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ وهذا يدفع قول ابن التين: إن هذه القصة كانت في أول الإِسلام قبل تقرير الأحكام. ويأتي تعريفه وتعريف ابنه في سند الحديث.
قوله: جاء ابنه، في رواية الطبريّ عن الشعبيّ "لما احتضر عبد الله، جاء ابنه عبد الله إلى النبي ﷺ ، وقال: يا نبي الله، إن أبي قد احتضر، فأحبُّ أنْ تشهده، وتصلي عليه. قال: ما اسمك قال الحُبَاب، أي بضم المهملة وموحدتين مخففًا، قال: بل أنت عبد الله، الحُبابُ اسم الشيطان.
وكان ابنه عبد الله هذا من فضلاء الصحابة، كما يأتي في تعريفه قريبًا، وكأنه كان يحمل أمر أبيه على ظاهر الإِسلام، فلذلك التمس من النبي ﷺ أن يحضر عنده ويصلي عليه، ولاسيما وقد ورد ما يدل على أنه فعل هذا بعهدٍ من أبيه، ويؤيد ذلك ما أخرجه عبد الرزاق والطبريّ كلاهما عن قتادة قال: أرسل عبد الله بن أُبي إلى النبي ﷺ ، فلما دخل عليه قال: "أهلكك حب اليَهود"، فقال: يا رسول الله، إنما أرسلت إليك لتستغفر لي لا لتوبخني، ثم سأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه، فأجابه.
وهذا مرسل مع ثقة رجاله، ويعضده ما أخرجه الطبرانيّ عن ابن عباس قال: لما مرض عبد الله بن أُبيّ، جاء النبي ﷺ ، فكلمه فقال: فهمت ما تقول، فامنن عليّ فكفني في قميصك، وصل عليّ. والأحسن في الجواب عن هذا أن عبد الله أراد بهذا دفع العار عن ولده وعشيرته بعد موته، فأظهر الرغبة في صلاة النبي ﷺ ، ووقعت إجابته إلى سؤاله بحسب ما ظهر من حاله إلى أن كشف الله الغطاء عن ذلك كما سيأتي.
стр. 5373
وقوله: فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عمر ﵁، وفي رواية براءة "فقام ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﷺ " وفي رواية ابن عباس هناك "فلما قام رسول الله ﷺ " وعند التِّرْمِذِيّ من هذا الوجه "فقام إليه، فلما وقف عليه يريد الصلاة عليه، وثبتُ عليه، وقلت: يا رسول الله، أتصلي على ابن أُبَيّ؟ وقد قال يوم كذا: كذا وكذا، اعدد عليه قوله" يشير بذلك إلى قوله ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ وقوله ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ ونحو ذلك.
وقوله: أليس الله نهاك أن تصلي على المنافقين؟ كذا في الرواية, إطلاق النهي عن الصلاة، وقد استشكل جدًا حتى قال بعضهم: هذا وهم من بعض رواته، وأجاب بعضهم بأن عمر لعله اطّلع على نهيٍ خاص في ذلك، وقال القرطبيُّ: لعل ذلك وقع في خاطر عمر، فيكون من قبيل الإِلهام أو يكون فهم ذلك من قوله ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ وما قاله القرطبي أقرب, لأنه لم يتقدم النهي عن الصلاة على المنافقين، بدليل أنه قال في آخر الحديث: فأنزل الله ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ والذي يظهر أن في رواية الباب تجوزًا بينته رواية عبد الله بن عمر في التفسير بلفظ "فقال: تصلي عليه وقد نهاك الله أن تستغفر لهم؟ ".
وروى عبد بن حميد والطبريّ عن ابن عمر عن عمر قال: أراد رسول الله ﷺ ، أن يصلي على عبد الله بن أُبَيّ، فأخذتُ بثوبه، فقلت: والله ما أمرك الله بهذا، لقد قال ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ وعند ابن مَرْدَوَيه عن ابن عباس، فقال عمر: أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟ قال: أين؟ قال: قال ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية. فكأن عمر فهم من الآية المذكورة ما هو الأكثر الأغلب من لسان العرب من أن "أو" ليست للتخيير، بل للتسوية في عدم الوصف المذكور، رأي أن الاستغفار لهم وعدم الاستغفار سواء. وهو كقوله تعالى ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ لكن الثانية أصرح. ولهذا ورد أنها نزلت بعد هذه القصة، وفهم عمر من قوله ﴿سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ أنها للمبالغة، وأن العدد المعين لا مفهوم له، بل المراد نفي المغفرة لهم، ولو كثر الاستغفار، فيحصل من ذلك النهي عن الاستغفار، فأطلقه، وفهم أيضًا أن المقصود الأعظم من الصلاة على الميت طلب المغفرة له، والشفاعة له، فلذلك استلزم عنده النهي عن الاستغفار تركُ الصلاة، فلذلك جاء عنه في هذه الرواية إطلاق النهي عن الصلاة.
ولهذه الأمور استنكر إرادة الصلاة على عبد الله بن أُبَيّ هذا تقرير ما صدر من عمر مع ما عرف من شدة صلابته في الدين، وكثرة بغضه للكفار والمنافقين، وهو القائل في حق حاطب بن أبي بَلْتَعة، مع ما كان له من الفضل، كشهوده بدرًا وغير ذلك، لكونه كاتَبَ قريشًا قبل الفتح: دعني يا رسول الله أضربُ عنقَه، فقد نافق. ولذلك أقدم على كلامه للنبي ﷺ بما قال، ولم يلتفت إلى احتمال إجراء الكلام على ظاهره، لما غلب عليه من الصلابة المذكورة.
стр. 5374
قال الزين بن المنير: إنما قال ذلك عمر حرصًا على النبي ﷺ ، ومشورةً لا إلزامًا، وله عوائد بذلك، ولا يبعد أن يكون النبي كان أذن له في مثل ذلك، فلا يستلزم ما وقع من عمر أنه اجتهد مع وجود النص، كما تمسك به قوم في جواز ذلك، وإنما أشار بالذي ظهر له فقط، ولهذا احتمل منه النبي ﷺ أخذه بثوبه، ومخاطبته له في مثل ذلك المقام، حتى التفت إليه مبتسمًا، كما يأتي عن ابن عباس، وإنما جزم عمر بكونه منافقًا جريًا على ما كان يطَّلع عليه من أحواله.
وقوله: فقال أنا بين خِيْرَتين، قال الله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ وفي رواية ابن عمر في التفسير إنما خيرني الله، فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ وسأزيد على السبعين. قال: إنه منافق.
وفي حديث ابن عباس عن عمر من الزيادة "فتبسم النبي ﷺ وقال: أخِّر عنّي يا عمر، فلما أكثر عليه قال: "إني خُيّرت فاخترت"، أي خيرت بين الاستغفار وعدمه، كما بينه حديث ابن عمر، وفي رواية عن ابن عمر "إنما خيرني الله أو أخبرني الله بالشك" والأول من التخيير بالياء، والثاني من الإِخبار بموحدة. وأخرجه الإِسماعيليّ من هذا الوجه بلفظ "إنما أخرني الله بغير شك". وفي حديث ابن عباس عن عمر "لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له، لزدت عليها".
وحديث ابن عمر جازم بالزيادة، وأكد منه ما روى عبد بن حُميد عن قتادة قال: لم نزلت ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ قال النبي ﷺ : "قد خيّرني ربي، فوالله لأزيدنّ على السبعين" ودل ذلك على أنه ﵊ أطال في حال الصلاة عليه من الاستغفار له، وقد ورد ما يدل على ذلك، فذكر الواقدي أن مجمع بن جارية، قال "ما رأيت رسول الله ﷺ ، أطال على جنازة قطُّ ما أطال على جنازة عبد الله بن أُبَيّ من الوقوف. وروى الطبريّ عن الشعبيّ قال: قال النبي ﷺ : قال الله ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ فأنا استغفر لهم سبعين وسبعين وسبعين".
وقد تمسك بهذه القصة من جعل مفهوم العدد حجة، وكذا مفهوم الصفة من باب الأولى، ووجه الدلالة أنه ﷺ فهم أن ما زاد على السبعين بخلاف السبعين، فقال: سأزيد على السبعين، وأجاب من أنكر القول بالمفهوم بما وقع في بقية القصة، وليس ذلك بدافعٍ للحجة, لأنه لو لم يقم الدليل على أن المقصود بالسبعين المبالغة، لكان الاستدلال بالمفهوم باقيًا، وإنما لم يأخذ النبيّ ﷺ بقول عمر، وصلى عليه إجراءًا له على ظاهر حكم الإِسلام، كما مرَّ تقريره، واستصحابًا لظاهر الحكم، ولما فيه من إكرام ولده الذي تحققت صلاحيته، ومصلحة الاستئلاف لقومه ودفع المفسدة.
وكان النبيّ ﷺ ، في أول الأمر يصبر على أذى المشركين، ويعفو ويصفح، ثم أمر بقتال
стр. 5375
المشركين، فاستمر صفحه وعفوه عمن يُظهر الإِسلام، ولو كان باطنه على خلاف ذلك، لمصلحة الاستئلاف وعدم التنفير عنه، ولذلك قال: "لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه" فلما حصل الفتح، ودخل المشركون في الإِسلام، وقل أهل الكفر وذلوا، أمر بمجاهرة المنافقين، وحملهم على حكم مُرِّ الحق، لاسيما وقد كان ذلك قبل نزول النهي الصريح عن الصلاة على المنافقين، وغير ذلك مما أمر فيه بمجاهرتهم، وبهذا التقرير يندفع الإِشكال عما وقع في هذه القصة.
قال الخطابيّ: إنما فعل النبي ﷺ مع عبد الله بن إِبَيّ ما فعل، لكمال شفقته على من تعلق بشيء من الدين، ولتطبيب قلب ولده عبد الله، الرجلِ الصالحِ، ولتَأَلُّف قومه من الخزرج لرياسته فيهم، فلو لم يجب سؤل ابنه وترك الصلاة عليه قبل ورود النهي الصريح، لكان سُبَّة على ابنه، وعارًا على قومه، فاستعمل أحسن الأمرين في السياسة، إلى أن نُهي فانتهى.
وتبعه ابن بطال، وزاد "ورجا أن يكون معتقدًا لبعض ما كان يظهره من الإِسلام" وتعقبه ابن المنير بأن الإِيمان لا يتبعض، وهو كما قال، لكن مراد ابن بطال أن إيمانه كان ضعيفًا، وقد مال بعض أهل الحديث إلى تصحيح إسلام عبد الله بن أُبَيّ، لكون النبي ﷺ ، صلى عليه، وذهل هذا القائل عن الوارد في حقه من الآيات والأحاديث الصريحة، بما ينافي ذلك، ولم يقف على جواب شافٍ في ذلك، فأقدم على الدعوى المذكورة، وهو محجوج بإجماع من قبله على نقيض ما قال، وإطباقهم على ترك ذكره في كتب الصحابة مع شهرته. وذكر من هو دونه في الشرف والشهرة بأضعاف مضاعفة، وقد أخرج الطبريّ عن قتادة في هذه القصة قال: فأنزل الله تعالى ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ قال: فذكر لنا أن نبي الله ﷺ قال: "وما يُغني قميصي من الله، وإني لأرجو أن يسلم بذلك ألف من قومه" واستشكل الداوديّ، ما مرَّ في رواية ابن عباس، من تبسمه ﵊ قائلًا: إن ضحكه ﷺ كان تبسمًا، ولم يكن عند شهود الجنائز يستعمل ذلك، وجوابه أنه عبر عن طلاقة وجهه بذلك، تأنيسًا لعمر وتطييبًا لقلبه، كالمعتذر عن ترك قبول كلامه ومشورته، واستشكل فهم التخيير من الآية، حتى أقدم جماعة من الأكابر على الطعن في صحة هذا الحديث مع كثرة طرقه، واتفاق الشيخين وسائر الذين خرجوا الصحيح على تصحيحه. وذلك ينادى على منكري صحته بعدم معرفة الحديث، وقلة الاطلاع على طرقه.
قال ابن المنير: مفهوم الآية زلت فيه الأقدام حتى أنكر القاضي أبو بكر صحة الحديث، وقال: لا يجوز أن يقبل هذا, ولا يصح أن الرسول قاله، وقال: هذا الحديث من أخبار الآحاد التي لا يعلم ثبوتها. وقال إمام الحرمين في مختصره: هذا الحديث غير مخرج في الصحيح. وقال في البرهان: لا يصححه أهل الحديث، وقال الغزاليّ في المستصفى: الأظهر أن هذا الخبر غير صحيح، وقال الداوديّ: هذا الحديث غير محفوظ، والسبب في إنكارهم صحته ما تقرر عندهم مما مرَّ، وهو
стр. 5376
الذي فهمه عمر رضي الله تعالى عنه من عملٍ، أو على التسوية لما يقضيه سياق القصة، وحمل السبعين على المبالغة.
قال ابن المنير: ليس عند أهل البيان تردد أن التخصيص بالعدد في هذا السياق غير مراد، وأيضًا، فشرط القول بمفهوم الصفة والعدد عندهم مماثلة المنطوق للمسكوت، وعدم فائدة أخرى، وهنا للمبالغة فائدة واضحة، فأشكل قولهُ "سأزيد على السبعين" مع أن حكم ما زاد عليها حكمها.
وقد أجاب بعض المتأخرين عن ذلك بأنه إنما قال: سأزيد على السبعين، استمالة لقلوب عشيرته، لا أنه أراد إن زاد على السبعين يغفر له. ويؤيده تردده المار، حيث قال: لو أعلم أني إنْ زدت على السبعين يغفر له لزدت، لكنْ قدمنا أن الرواية ثبتت بقوله "سأزيد" ووعده صادق، ولاسيما وقد ثبت قوله "لأزيدن" بصيغة المبالغة في التأكيد. وأجاب بعضهم باحتمال أن أن يكون فعل ذلك استصحابًا للحال, لأن جواز المغفرة كان ثابتًا قبل مجيء الآية، فجاز أن يكون باقيًا على أصله في الجواز، وهذا جواب حسن، وحاصله أن العمل بالبقاء على حكم الأصل مع فهم المبالغة لا يتنافيان، فكأنه جوّز أنَّ المغفرة تحصل بالزيادة على السبعين، لا أنه جازم بذلك، ولا يخفى ما فيه.
وقيل: إن الاستغفار يتنزل منزلة الدعاء، والعبد إذا سأل ربه حاجة، فسؤاله إياه يتنزل منزلة الذكر، لكنه من حيث طلب تعجيل حصول المطلوب ليس عبادة، فإذا كان كذلك، والمغفرة في نفسها ممكنة، وتعلق العلم بعدم نفعها, لا بغير ذلك، فيكون طلبها لا لفرض حصولها، بل لتعظيم المدعو، فإذا تعذّرت المغفرة عُوَّض الداعي عنها ما يليقُ به من الثواب، أو دفع السوء, كما ثبت في الخبر.
وقد يحصل بذلك عن المدعو لهم تخفيف، كما في قصة أبي طالب، هذا معنى ما قاله ابن المنير. وفيه نظر, لأنه يستلزم مشروعية طلب المغفرة لمن يستحيل المغرفة له شرعًا، وقد ورد إنكار ذلك في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ووقع في أصل هذه القصة إشكالٌ آخر، وذلك أنه ﷺ أطلق أنه خُيِّر بين الاستغفار لهم وعدمه، بقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ وأخذ بمفهوم العدد من السبعين، فقال: "سأزيد عليها" مع أنه قد سبق قبل ذلك بمدة طويلة نزولُ قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ فإن هذه الآية نزلت في قصة أبي طالب حين قال ﷺ "والله لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنك" فنزلت، وكانت وفاة أبي طالب بمكة قبل الهجرة اتفاقًا، وقصة عبد الله بن أُبيّ هذه في السنة التاسعة من الهجرة كما مرَّ، فكيف يجوز مع ذلك الاستغفار للمنافقين مع الجزم بكفرهم؟ في نفس الآية.
стр. 5377
وأجيب عنه بما حاصله أن المنهيّ عنه استغفار ترجى إجابته، حتى يكون مقصوده تحصيل المغفرة لهم، كما في قصة أبي طالب، بخلاف الاستغفار لمثل عبد الله بن أُبَيّ، فإنه استغفار لقصد تطبيب قلوب من بقي منهم، وهذا الجواب ليس بمرضيّ، ونحوه قول الزمخشريّ، فإنه قال: فإن قلت كيف خفي على أفصح الخلق وأخيرهم بأساليب الكلام وتمثيلاته أن المراد بهذا العدد، أن الاستغفار ولو كثر لا يجدي، ولاسيما وقد تلاه قوله تعالى: ﴿.. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ..﴾ الآية، فبين الصارف عن المغفرة لهم. قلت: لم يخف عليه ذلك، ولكنه فعل ما فعل، وقال ما قال، إظهارًا لغاية رحمته ورأفته على من بُعث إليه، وهو كقول إبراهيم ﵊ ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وفي إظهار النبي ﷺ الرأفة المذكورة لطفٌ بأمته، وباعثٌ على رحمة بعضهم بعضًا.
وتعقبه ابن المنير وغيره، وقالوا: لا يجوز نسبة ما قاله إلى رسول الله, لأن الله أخبر أنه لا يغفر للكفار، وإذا كان لا يغفر لهم، فطلب المغفرة لهم مستحيل، وطلب المستحيل لا يقع من النبي ﷺ . ومنهم من قال: إنّ النهيَ عن الاستغفار لمن مات مشركًا، لا يستلزم النهي عن الاستغفار لمن مات مظهرًا للإِسلام، لاحتمال أن يكون معتقده صحيحًا، وهذا جواب جيد. والراجح أن نزول قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ متراخيًا عن قصة أبي طالب جدًا، وأن الذي نزل في قصته ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾، ويأتي تحرير ذلك إن شاء الله تعالى في آخر الجنائز.
وفي بقية هذه الآية من التصريح بأنهم كفروا بالله ورسوله، ما يدل على أن نزول ذلك وقع متراخيًا عن القصة، ولعل الذي نزل أولًا، وتمسك النبي ﷺ به، قولُه تعالى ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ إلى قوله ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ولذلك اقتصر في جواب عمر على التخيير، وعلى ذكر السبعين، فلما وقعت القصة المذكورة كشف الله عنهم الغطاء، وفضحهم على رؤوس الملأ، ونادى عليهم بأنهم كفروا بالله ورسوله. ولعل هذا هو السر في اقتصار البخاريّ فيما يأتي عنه في التفسير في الترجمة من هذه الآية على هذا القدر، إلى قوله: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾. ولم يقع في شيء من نسخ كتابه تكميل الآية، كما جرت به العادة، من اختلاف الرواة عنه في ذلك.
وإذا تأمل المصنف وجد الحاصل لمن رد الحديث أو تعسف في التأويل ظنه بأن قوله تعالى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ مع قوله ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أي: نزلت الآية كاملة, لأنه لو فرض نزولها كاملة، لاقترن بالنهي العلةُ، وهي صريحة في أن قليل الاستغفار وكثيره لا يجدي، وإلاّ، فإذا فرض ما حررته من أن هذا القدر نزل متراخيًا عن صدر الآية، ارتفع الإِشكال، وإذا كان الأمر كذلك فحجة المتمسك من القصة بمفهوم العدو صحيحٌ، وكون ذلك وقع من النبي ﷺ متمسكًا بالظاهر، على ما هو المشروع في الأحكام إلى أن يقوم الدليل الصارف عن ذلك، لا إشكال فيه.
стр. 5378
وقوله: فصلى عليه فنزلت ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ وفي رواية ابن عباس في التفسير وفي آخر الجنائز زيادة "ثم انصرف، فلم يمكث إلا يسيرًا حتى نزلت الآيتان من براءة ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ﴾ إلى ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾. وقال: فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله ﷺ ، والله ورسوله أعلم، وفي رواية لابن عمر "فصلى عليه رسول الله ﷺ ، وصلينا معه، ثم أنزل الله عليه ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ﴾ الخ.
وفي حديث مسدد عند ابن أبي حاتم زيادة "فترك الصلاة عليهم"، وزاد ابن إسحاق في المغازي "فما صلى رسول الله ﷺ على منافق بعده حتى قبضه الله"، وزاد فيه الطبريّ عن ابن إسحاق "ولا قام على قبره"، وأخرج عبد الرزاق عن قتادة قال "لما نزلت ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ إلى آخرها، قال النبي ﷺ : لأزيدنّ على السبعين"، فأنزل الله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾.
ورجاله ثقات مع إرساله، ويحتمل أن تكون الآيتان معًا، نزلتا في ذلك، وظاهر الآية أنها نزلت في جميع المنافقين، لكن ورد ما يدل على أنها نزلت في عدد معين منهم، فقد أخرج الواقديُّ عن الزُّهريّ قال: قال حُذيفة: قال لي رسول الله ﷺ : "إني مُسِرٌّ إليك سرًا فلا تذكره لأحد، إني نهيت أن أُصلّي على فلان وفلان" رهطٍ ذوي عددٍ من المنافقين. قال: فلذلك كان عمر إذا أراد أن يصلي على أحد استتبع حُذيفة، فإن مشى معه وإلا لم يصل عليه، ومن طريق أخرى عن جُبير بن مُطْعِم أنهم اثنا عشر رجلًا، ولعل الحكمة في اختصاص المذكورين بذلك، أن الله تعالى علم أنهم يموتون على الكفر بخلاف من سواهم، فإنهم تابوا.
وقوله في رواية ابن عباس الماضية: فعجبت من جُرأتي، بضم الجيم وسكون الراء بعدها همزة، أي إقدامي عليه، وقد مرَّ توجيهه. وقوله: والله ورسوله أعلم، ظاهرة أنه قول عمر، ويحتمل أن يكون قول ابن عباس، وقد روى الطبريّ عن ابن عباس قال: فالله أعلم أيَّ صلاةٍ كانت، وما خادع محمدٌ أحدًا قط.
وقال بعض الشراح: يحتمل أن يكون عمر ظن أنَّ النبي ﷺ ، حين تَقَدَّم للصلاة على عبد الله بن أُبَيّ، كان ناسيًا لما صدر من عبد الله بن أُبَيّ، وتُعُقب بما في السياق من تكرير المراجعة، فهي دافعة لاحتمال النسيان. وقد صرح في الحديث بقوله: "فلما أكثرت المراجعة" فهي دافعة لاحتمال النسيان، وقد صرح في الحديث بقوله: "فلما أكثرت عليه" قال: فدل على أنه كان ذاكرًا، وقد مرَّ ما يشفي في هذا، ويأتي في آخر الجنائز زيادةٌ في سبب إلباسه ﵊ ثوبه له.
стр. 5379
وفي قول ابن عمر المار: فصلى رسول الله ﷺ ، وصلينا معه، أن عمر ترك رأي نفسه، وتابع النبي ﵊، ونبه على أن ابن عمر حمل القصة عن النبي ﷺ ، بغير واسطة، بخلاف ابن عباس، فإنما حملها من عمر، إذ لم يشهدها.
وفي الحديث جواز الشهادة على المرء بما كان عليه حيًا وميتًا، لقول عمر: إن عبد الله منافق، ولم ينكر النبيّ ﷺ قوله. ويؤخذ منه أن المنهيّ عنه من سَبِّ الأموات ما قصد به الشتم لا التعريف، وأن المنافق تجري عليه أحكام الإِسلام الظاهرة، وأن الإعلام بوفاة الميت مجردًا لا يدخل في النعي المنهي عنه.
وفيه جواز سؤال الموسر من المال من ترجى بركته شيئًا من ماله، لضرورة دينية. وفيه رعاية الحي المطيع بالإحسان إلى الميت العاصي. وفيه التكفين بالمخيط، وجواز تأخير البيان عن وقت النزول إلى وقت الحاجة، والعمل بالظاهر إذا كان النص متحملًا، وفيه جواز تنبيه المفضولِ للفاضل على ما يظن أنه قد سها عنه، وتنبيه الفاضل المفضولَ على ما يشكل عليه، وجواز استفسار السائلِ المسؤولَ، وعكسه عما يحتملُ، ما دار بينهما. وفيه جواز التبسم في حضور الجنازة، عند وجود ما يقتضيه، وقد استحب أهل العلم عدم التبسم من أجل تمام الخشوع، فيستثنى منه ما تدعوا إليه الحاجة.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، وفيه ذكر عبد الله بن أُبَيّ وابنه. مرَّ مسدد ويحيى القَطّان في السادس من الإِيمان, ومرَّ عبيد الله العمريّ في الرابع عشر من الوضوء، ومرَّ نافع في الأخير من العلم، ومرَّ ابن عمر في أول الإِيمان قبل ذكر حديث منه، وفي الحديث ذكر عمر بن الخطاب، وقد مرَّ في الأول من بدء الوحي.
وعبد الله بن أُبَيّ بن سَلُول راس المنافقين، وأُبَيْ هو أبو مالك بن الحارث بن عُبَيد، وسلول امرأةٌ من خُزاعة، وهي أم أبي مالك بن الحارث، وأمّ عبد الله بن أَبي خَولة بنت المنذر بن حَرام من بني النجار، وكان عبد الله سيد الخزرج في الجاهلية، وكانت الخزرج قد اجمعت أمرها على أن يتوِّجوه، ويسندوا أمرهم إليه قبل مبعث النبي ﷺ . فلما جاء الإِسلام نَفَسَ على رسول الله ﷺ النبوةَ، وأخذته العزة، فلم يُخْلص الإِيمان, وأضمر النفاق حَسدًا.
وهو الذي قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، وقال ابنه لرسول الله ﷺ : هو والله الذليل يا رسول الله، وأنت العزيز. وهو الذي تولّى كِبْرَهُ في قصة الصديقة، وهو الذي قال: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى يَنْفَضُّوا، ورجع يوم أحد بثلث العسكر إلى المدينة، بعد أن خرجوا مع رسول الله ﷺ .
стр. 5380
قال الواقدي: مرض عبد الله بن أُبَيّ في ليال بقينَ من شوال، ومات في ذي القعدة سنة تسعٍ، مُنْصَرَفَ رسول الله ﷺ من تَبوك، وكان مرضه عشرين ليلة، وكان رسول الله ﷺ يعوده فيه، فلما كان اليوم الذي توفي فيه، دخل عليه رسول الله ﷺ ، وهو يجود بنفسه، فقال: قد نهيتك عن حُبّ اليهود، فقال: قد أبغضهم أسعد ابن زُرَارة فما نفعه، ثم قال: يا رسول الله، ليس هذا بحين عِتاب، هو الموت، فإن مِتُّ فاحضرْ غَسلي، وأعطني قميصك الذي يلي جسدك، فكفني فيه، وصلَّ عليَّ واستغفر لي، ففعل ذلك به رسول الله ﷺ .
قال الحاكم: كان على النبي ﷺ قميصان، فقال عبد الله: واعطني قميصك الذي يلي جسدك، فأعطاه. وفي حديث الباب أنّ ابنه هو الذي أعطاه رسول الله ﷺ قميصَه.
وأما ابنه فهو عبد الله بن عبد الله بن أُبَيّ، كان اسمه الحُباب، بضم الحاء، وبه يكنى أبوه، فسمّاه النبيّ ﷺ عبد الله، باسم أبيه، شهد عبد الله هذا بدرًا وأحدًا والمشاهد. وقال ابن حِبّان: لم يشهد بدرًا، وروى ابن مَنْدَه أنه استأذن النبيّ ﷺ في قتل أبيه، فقال: لا يتحدث الناس أنه يقتل أباه، بل بُرَّ أباك، وأحسن صحبته. وكان رسول الله ﷺ يثني عليه.
وروى أبو نعيم أن النبي ﷺ أمره أن يتخذ أَنْفًا من ذهب حين أُصيب أنفه، استشهد عبد الله هذا يوم اليمامة، في خلافة أبي بكر، سنة اثنتي عشرة.
وهذا الحديث أخرجه البخاريّ أيضًا في اللباس، ومسلم في اللباس والتوبة، والتِّرمذيّ في التفسير، والنَّسَائيُّ فيه وفي الجنائز، وابن ماجه في التفسير.
الحديث الثاني والثلاثون
حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو سَمِعَ جَابِرًا ﵁ قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَمَا دُفِنَ فَأَخْرَجَهُ، فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ.
وظاهر قوله: أتى النبيّ ﷺ عبدَ الله بن أبيّ بعدما دفن، فأخرجه فنفث فيه من ريقه وألبسه قميصه، مخالفٌ لقوله في حديث "لما مات عبد الله بن أبيّ جاء ابنه فقال يا رسول الله أعطني قميصك" الخ، وقد جُمع بينهما بأنّ معنى قوله في حديث ابن عمر "فأعطاه" أي أنعم له بذلك، فأطلق على العِدَة اسم العطية مجازًا، لتحقق وقوعها. وكذا قوله في حديث جابر "بعدما دفن عبد الله بن أبيّ" أيْ: دُلّي في حفرته. وكان أهل عبد الله بن أبيّ خشوا على النبي ﷺ المشقة في حضوره، فبادروا إلى تجهيزه قبل وصوله ﵊، فلما وصل وجدهم قد دلُّوه في
стр. 5381
حفرته، فأمر بإخراجه، إنجازًا لوعده، في تكفينه في القميص، والصلاة عليه.
وقيل: أعطاه ﷺ أحد قميصيه أولًا، ثم لما حضر أعطاه الثاني بسؤال ولده. وفي "الإِكليل" للحاكم ما يؤيد ذلك، وقيل: ليس في حديث جابر دلالة على أنه ألبسه قميصه بعد إخراجه من القبر, لأن لفظه فيما يأتي "فوضعه على ركبتيه، ونفث عليه من ريقه، وألبسه قميصه" فلعله أراد أن يذكر ما وقع في الجملة من إكرامه من غير إرادة ترتيب.
رجاله أربعة:
قد مرّوا، مرَّ مالك بن إسماعيل في الخامس والثلاثين من الوضوء ومرَّ عمرو بن دينار في الرابع والخمسين من العلم، ومرَّ ابن عُيينة في الأول من بدء الوحي، وجابر في الرابع منه. ثم قال المصنف:
стр. 5382
باب الكفن بغير قميص
ثبتت هذه الترجمة للأكثر، وسقطت للمستملي، ولكنه ضمَّنها الترجمة التي قبلها، فقال بعد قوله: "ولا يكفن": ومن كُفن بغير قميص، والخلاف في هذه المسألة بين الحنفية وغيرهم في الاستحباب وعدمه، والثاني عن الجمهور، وقد مرت صفة أثواب الكفن عند الأئمة الأربعة في باب الثياب البيض للكفن.
الحديث الثالث والثلاثون
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُفِّنَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ثَلاَثَةِ أَثْوَابِ سَحُولَ كُرْسُفٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلاَ عِمَامَةٌ.
وقوله: ليس فيها قميص ولا عمامة، قد مرَّ في باب الثياب البيض للكفن، أن هذا القول يحتمل نفي وجودهما أصلًا، ويحتمل أن يراد به نفي المعدود، أي: الثلاثة خارجةً عن القميص والعمامة. وقال بعض الحَنَفية: معناه ليس فيها قميص، أي: جديد، وقيل: ليس فيها القميص الذي غسل فيه، أو ليس فيها قميص مكفوف من الأطراف. وباقي مباحثه قد مرت عند ذكره في الباب المذكور.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرَّ أبو نعيم في الرابع والأربعين من الإيمان, ومرّ سفيان الثَّوريّ في السابع والعشرين منه، ومرت الثلاثة الباقية بهذا النَّسَق في الثاني من بدء الوحي.
الحديث الرابع والثلاثون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُفِّنَ فِي ثَلاَثَةِ أَثْوَابٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلاَ عِمَامَةٌ.
وهذا الحديث قد مرَّ تفسير ما فيه من الألفاظ عند ذكره في الباب المذكور.
стр. 5383
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرَّ مسدد ويحيى القطان في السادس من الإِيمان, ومرت الثلاثة الباقية في الذي قبله. ثم قال المنصف:
стр. 5384
باب الكفن بلا عمامة
كذا للأكثر، وللمستملي "الكفن في الثياب البِيض" والأول أوْلى، لئلا تتكرر الترجمة بدون فائدة.
الحديث الخامس والثلاثون
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُفِّنَ فِي ثَلاَثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلاَ عِمَامَةٌ.
قوله: ثلاثة، في طبقات ابن سعد عن الشعبيّ "إزار ورداء ولُفافة" قلت: هذا مخالف لما مرَّ من صفة الكفن في باب الثياب البيض للكفن، ومرَّ الكلام على الحديث هناك.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرَّ إسماعيل بن أبي أُويس في الخامس من الإِيمان ومرَّ مالك وما بعده في الثاني من بدء الوحي. ثم قال المصنف:
стр. 5385
باب الكفن من جميع المال
أي: من رأس المال، وكأن المصنف راعى لفظ حديث مرفوع ورد بهذا اللفظ، أخرجه الطبرانيّ في "الأوسط" عن عليّ بإسناد ضعيف، وذكره ابن أبي حاتم عن جابر، وحكى عنه أبيه أنه منكر، قال ابن المنذر: قال جميع أهل العلم بذلك، إلا رواية شاذةٌ عن خلاس بن عمر، وقال: الكفن من الثلث، وقال طاوس من الثُّلُث إن كان قليلًا، أخرجهما عبد الرزاق. وقد يرد على هذا الإطلاق ما استثناه المالكية والشافعية وغيرهم من الزكاة، وسائر ما يتعلق بعين المال، فإنه يقدم على الكفن، وغيره من مؤنة تجهيزه، كما لو كانت التركة شيئًا مرهونًا أو عبدًا جانيًا.
ثم قال: وبه قال عطاء والزُّهريّ وقتادة فقد وصله عبد الرزاق، وكذلك قول عمرو بن دينار.
وعطاء قد مرَّ في التاسع والثلاثين من العلم، ومرَّ الزهري في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ قتادة في السادس من الإِيمان, ومرَّ عمرو بن دينار في الرابع والخمسين من العلم.
ثم قال: وقال عمرو بن دينار: الحَنُوط من جميع المال. وقول عمرو هذا هو الذي مرَّ أنّ عبد الرزاق وصله، وعمرو مرَّ محله الآن.
ثم قال: وقال إبراهيم: يبادر بالكفن، ثم بالدين، ثم بالوصية. وهذا وصله الدارميّ. وإبراهيم مرَّ في الخامس والعشرين من الإِيمان. ثم قال: وقال سفيان: أجر القبر والغسل هو من الكفن، وأثره وصله عبد الرزاق، وسفيان، وهو الثَّوْريّ، مرَّ في السابع والعشرين من الإِيمان.
الحديث السادس والثلاثون
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أُتِيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁ يَوْمًا بِطَعَامِهِ فَقَالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَكَانَ خَيْرًا مِنِّي فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إِلاَّ بُرْدَةٌ، وَقُتِلَ حَمْزَةُ أَوْ رَجُلٌ آخَرُ خَيْرٌ مِنِّي فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إِلاَّ بُرْدَةٌ، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عُجِّلَتْ لَنَا طَيِّبَاتُنَا فِي حَيَاتِنَا الدُّنْيَا، ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي.
стр. 5386
وهذا الحديث يأتي سياقه في الباب الذي يليه أصرح اتصالًا من هذا، وشاهد الترجمة منه قوله في الحديث "فلم يوجد له" لأن ظاهره أنه لم يوجد ما يملكه، إلا البُرد المذكور. وفي رواية الأكثر "إلا بُرْدهُ، بالضمير العائد عليه، وفي رواية الكَشْميهنيّ" "إلاَّ بُرْدَةً" بلفظ واحدة البرود، وفي حديث خَبّاب في الباب الذي بعده بلفظ "ولم يترك إلا نمرة".
واختلف فيما إذا كان عليه دَيْن مستغرق، هل يكون كفنه ساترًا لجميع بدنه أو للعورة فقط؟ المرجح الأول، ونقل ابن عبد البَرّ الإجماع عَلى أنه لا يجزىء ثوب واحد يصف ما تحته من البدن. وقوله: "وكان خيرًا مني" لعله قال ذلك تواضعًا، ويحتمل أن يكون ما استقر عليه الأمر من تفضيل العشيرة على غيرهم، بالنظر إلى مَنْ لم يُقْتَل في زمن النبي ﷺ .
وقد وقع من أبي بكر الصديق نظير ذلك، فذكر ابن هشام: إن رجلًا دخل على أبي بكر الصديق، وعنده بنت سعد بن الربيع، وهي صغيرة، فقال: من هذه؟ فقال: "هذه بنت رجل خير مني"، سعد بن الربيع كان من نقباء العَقَبة، شهد بدرًا واستشهد يوم أحد.
وقوله: خشيت أن تكون عُجَّلَتْ لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا، وفي رواية المغازي "أن تكون حسناتنا قد عجلت لنا" وفي رواية نوفل بن إلياس "ولا أرادنا أُخِّرتا لما هو خير لنا". وقوله: أو رجل آخر، قال في الفتح، لم أقف على اسمه، ولم يقع في أكثر الروايات إلا بذكر حمزة ومصعب فقط، وكذا أخرجه أبو نعيم في مستخرجه عن منصور بن أبي مُزاحم عن إبراهيم بن سعد.
قال الزين بن المنير: يستفاد من قصة عبد الرحمن إيثار الفقر على الغنى، وإيثار التخلي للعبادة على الاكتساب، فلذلك امتنع من تناول ذلك الطعام مع أنه كان صائمًا.
رجاله خمسة:
قد مرّوا إلا إبراهيم بن عبد الرحمن، مرَّ أحمد بن محمد أبو الوليد، وأبو محمد، في الحادي والعشرين من الوضوء، ومرَّ سعد بن إبراهيم في السابع والأربعين منه، ومرَّ ولده إبراهيم بن سعد في السادس عشر من الإيمان, ومرَّ عبد الرحمن بن عوف في السابع والخمسين من الجمعة.
والباقي إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزُّهريّ، أبو إسحق، وقيل: أبو محمد، وقيل أبو عبد الله المَدَنِيّ، أمه أم كلثوم بنت عُقبة بن أبي مُعَيط. قال العجلي: تابعي ثِقة وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة يُعدُّ في الطبقة الأولى من التابعين. ولا نعلم أحدًا من وَلَد عبد الرحمن روى عن عمر سماعًا غيرَه. وذكره ابن حِبّان في ثقات التابعين.
стр. 5387
وقال النَّسَائيّ: ثقة، وذكر أبو نعيم والواقديّ أنه ولد في حياة النبي ﷺ . روى عن أبيه وعمر وعثمان وعليّ وغيرهم. وروى عنه ابناه سعد وصالح والزُّهري وغيرهم. مات سنة ستين، وقيل سنة خمس وتسعين، وهو ابن خمس وسبعين.
وفي الحديث ذكر حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير وها أنا أذكر تعريفهما.
الأول حمزة بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي يكنى أبا عمارة، وأبا يعلى بولديه، عم النبي ﷺ ، وأخوه من الرضاعة، أرضعتهما ثُوَيْبَةُ مولاة أبي لهب، كما ثبت في الصحيحين، وقريبه من أم أيضًا, لأن أم حمزة هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة بنت عم آمنة بنت وهب بن عبد مناف، أم النبي ﷺ .
ولد قبل النبي ﷺ بسنتين، وقيل بأربع، وأسلم في السنة الثانية من البعثة، وقيل أسلم بعد دخول النبي ﷺ دار الأرقم في السنة السادسة من البعثة، ولازم نصر النبي ﷺ ، وهاجر معه، وآخى بينه وبين زيد بن حارثة، وشهد بدرًا، وأبلى في ذلك، وقَتَل شيبةَ بن ربيعة، وشارك في قتل عُتبة بن ربيعة، أو بالعكس. وقتل طُعَيمة بن عَدي.
وعَقَد له رسول الله ﷺ لواءًا وأرسله في سرية إلى سِيفَ البحر، فكان أول لواء عُقِد في الإِسلام، كما قال المدائنيّ. وقال ابن إسحاق: إن ذلك كان لعُبَيدة بن الحارث، واستشهد بأُحد، وقصة قتل وحشيّ له أخرجها البخاري في الصحيح، وكان ذلك في النصف من شوال، سنة ثلاث من الهجرة، وكان ذلك بعد أن قتل بأحد أكثر من ثلاثين نفسًا. وكان يوم قتل ابن تسع وخمسين، ولقبه النبي ﷺ أسد الله، وأسد رسوله، وسماه سيد الشهداء.
وفي البخاريّ عن جابر: كان النبي ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في قبر، ودفن حمزة وعبد الله بن جحش في قبر واحد. وفي الغيلانيّات عن أبي هريرة أن النبي ﷺ ، وقف على حمزة حين استشهد، وقد مُثَّل به، وجعل ينظر إليه منظرًا كان أوجع قلبه منه. فقال: "رحمك الله" أي: عَمَّ، لقد كنت وَصولًا للرحم، فَعولًا للخيرات، فوالله لئن أظفرني الله بالقوم لأمثلنَّ بتسعين. قال فما برح حتى نزلت: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ الآية. فقال رسول الله ﷺ "بل نصبر، وكفّر عن يمينه".
وروى أنه ﵊ قال: "لولا أنْ تَجِدَ صفيةَّ لتركت دفنه حتى يحشر من بطون الطير والسباع. ولم يبق أحدٌ من أهل أُحد إلا مثل به الكفار ما عدا حنظلة بن الراهب، تركوا التمثيل به, لأن أبا عامر الراهب كان يومئذ مع أبي سفيان، وما مثلوا بأحد مثل حمزة، جَدَعَت هندٌ أنفه،
стр. 5388
وقطعت أُذنيه، وبقرتْ بطنه، أخذت كبده، جعلت تلوكها، ثم لفظتها، فقال النبي ﷺ "لو دخلت بطنها لما تدخله النار".
وذكر الواقدي قال: لم تبك امرأة من الأنصار على ميت بعد قول رسول الله ﷺ "لكنَّ حمزة لا بواكيَ له إلى اليوم، إلا بدأت بالبكاء على حمزة"، ثم بكت على ميتها وفي فوائد أبي الطاهر عن جابر قال: استصرخنا على قتلانا بأُحد يوم حَفَر معاوية العين، فوجدناهم رطابًا، وأصاب المرّ، أي: المِسحاةُ رجلَ حمزة فطار منها الدم، ورثاه كعبُ بن مالك بقصيدة فقال:
بكت عيني وحق لها بكاها ... وما يغني البكاء ولا العويلُ
على أُسدِ الإِله غداةَ قالوا: ... لحَمزةُ ذاكم الرجل القتيلُ
أُصيب المسلمون به جميعًا ... هناك، وقد أُصيب به الرسولُ
أبا يعلى لك الأركان هُدَّتْ ... وأنت الماجد البَرُّ الوصُولُ
عليك سلام ربك في جنانٍ ... يخالطها نعيمٌ لا يزول
ألا يا هاشمَ الأخيار صَبرًا ... فكلّ فِعالكم حَسَنٌ جميلُ
رسولُ الله مصطبرٌ كريمٌ ... بأمر الله ينطق إذ يقول
ألا من مبلغٌ عني لُؤيّسًا ... فَبَعْد اليوم دائلةٌ تدول
وقبل اليوم ما عرفوا وذاقوا ... وقائعنا بها يُشفى الغليلُ
نسيتم ضربنا بقَليب بدرٍ ... غداةَ أتاكم الموتُ العَجيل
غَداةَ ثوى أبو جهل صريعًا ... عليه الطير حائمة تجولُ
وعتبةُ وابنُه خرّا جميعا ... وشيبةُ عضَّه السيفُ الصقيلُ
ألا يا هندُ لا تُبدي شِماتا ... بحمزةَ إن عزكم ذليلُ
ألا يا هند بكِّي لا تَمَلّي ... فأنتِ الواله العَبْرى الهَبُولُ
الثاني مصعب بن عُمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد البر بن قُصَي بن كلاب العبدريّ، أحد السابقين إلى الإِسلام، يكنى أبا عبد الله، أسلم قديمًا، والنبي ﷺ في دار الأرقم، وكتم إسلامه خوفًا من أمه وقومه، وكان يختلف إلى النبي ﷺ سرًا، فرآه عثمان بن طلحة يصلي، فأعلم أهله، فأوثقوه، فلم يزل محبوسًا إلى أن هرب مع من هاجر إلى الحبشة، ثم رجع مع من رجع إلى مكة، ثم هاجر إلى المدينة.
قال ابن إسحاق: لما انصرف الناس عن العقبة، بعث النبي ﷺ معهم مُصْعَبَ بن عُمير يُقرئهم القرآن، ويفقههم في الدين، وكان يسمى القارىء والمقرىء، وهو أول من جمع الجمعة بالمدينة قبل الهجرة. قال البراء بن عازب: أول من قدم علينا المدينة من المهاجرين مصعب بن
стр. 5389
عمير ثم أتى عمرو بن أم كلثوم ثم أتى عمرو بن إياس وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود وبلال ثم أتى عمر في عشرين راكبًا ثم قدم النبي ﷺ وأبو بكر".
شهد مصعب بدرًا ولم يشهدها من بني عبد الدار إلا هو وسُوَيْبِط بن حَرْمُلَة، وقتل يوم أحد، قتله ابن قَمِيئَةَ اللَّيْثِي، وهو ابن أربعين سنة، ولم تختلف أهل السير عن راية النبي ﷺ يوم بدر ويوم أحد كانت بيد مصعب بن عمير، فلما قُتل يوم أحد أخذها عليّ بن أبي طالب. وفي الصحيح أن مصعبًا لم يترك يوم أحد إلا نمرة إذا غطى بها رأسه خرجت رجلاه، إذا غطيت بها رجلاه خرج رأسه، فقال رسول الله ﷺ "غطوا بها رأسه واجعلوا على رجليه من الإِذْخَر".
قال الواقدي: كان مصعب بن عُمير فتى مكة شبابًا وجمالًا وسَيْبًا، وكان أبواه يحبانه، وكانت أمه تكسوه أحسن ما يكون من الثياب، وكان أعطر أهل مكة، يلبس الحضرميّ من النِّعال، وكان النبي ﷺ يذكره فيقول: "ما رأيت بمكة أحسن لِمّةً ولا أرقّ حُلّة ولا أنعم نعمة من مصعب بن عمير". وأخرج التِّرْمِذيُّ بسند ضعيف عن عليّ قال: رأى رسول الله ﷺ مصعب بن عمير، فبكى للذي كان فيه من النعمة، ولما صار إليه، فإنه لما أسلم زِهِد في الدنيا وتقشَّف وتخشَّف. ونزل فيه وفي أصحابه ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، وشيخ البخاريّ والثلاثة مدنيون، وإبراهيم عن أبيه عن جده عن جد أبيه، أخرجه البخاري أيضًا في الجنائز وفي المغازي ثم قال المصنف:
стр. 5390
باب إذا لم يوجد إلا ثوب واحد
أي: اقتصر عليه ولا ينتظر بدفنه ارتقاب شيء آخر.
الحديث السابع والثلاثون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ﵁: أُتِيَ بِطَعَامٍ وَكَانَ صَائِمًا فَقَالَ قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي، كُفِّنَ فِي بُرْدَةٍ، إِنْ غُطِّيَ رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلاَهُ، وَإِنْ غُطِّيَ رِجْلاَهُ بَدَا رَأْسُهُ وَأُرَاهُ قَالَ: وَقُتِلَ حَمْزَةُ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي، ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ أَوْ قَالَ أُعْطِينَا مِنَ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا، ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ.
قوله: "أُتي بطعام" في رواية نوفل بن إياس أن الطعام كان خبزًا ولحمًا، أخرجه التِّرمذي في الشمائل. قوله: وكان صائمًا، ذكر ابن عبد البَرّ أن ذلك في مرض موته، وقوله: هو خير مني، مرَّ ما فيه في الذي قبله. وقوله: ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، يشير إلى ما فتح لهم من الفتوح والغنائم، وحصل لهم من الأموال. وكان لعبد الرحمن من ذلك الحظ الوافر.
وقوله: ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام، في رواية أحمد عن شُعبة "وأحسبه لم يأكله" وزاد في هذه الرواية "إن غطى رأسه بدت رجلاه" الخ، وهو موافق لما في الرواية التي في الباب الذي يليه. وروى الحاكم في "الإِكليل" عن أنس أن حمزة أيضًا كفن كذلك. وفي قول عبد الرحمن "هو خير مني" إشارة إلى تعظيم فضل من قتل في المشاهد الفاصِلة مع النبي ﷺ .
وفي الحديث فضل الزهد وأن الفاضل في الدين ينبغي له أن يمتنع من التوسع في الدنيا، لئلا تنقص حسناته، وإلى ذلك أشار عبد الرحمن بقوله "خشينا أن تكون حسناتنا قد عُجَّلت" وقال ابن بطال: وفيه أنه ينبغي ذكر سير الصالحين، وتقللهم في الدنيا لتقل رغبته فيها. قال: وكان بُكاء عبد الرحمن شَفَقًا أنْ لا يلحق بمن تقدمه، وفيه أنه ينبغي للمرء أن يتذكر نعم الله عنده، ويعترف بالتقصير عن أداء شكرها، ويتخوف أن يُقَاصَّ بها في الآخرة، ويذهب سعيه فيها.
стр. 5391
رجاله ستة:
قد مرّوا، مرَّ محمد بن مُقاتِل في السابع من العلم، ومرَّ عبد الله بن المبارك في السادس من بدء الوحي، ومرَّ شُعبة في الثالث، ومرَّ إبراهيم بن عبد الرحمن في الذي قبله، ومرَّ فيه محل سعد وعبد الرحمن، وتعريف حمزة ومصعب ثم قال المصنف:
стр. 5392
باب إذا لم يجد كفنًا إلا ما يواري رأسه أو قدميه غُطِّي رأسه
قوله "إلا ما يواري رأسه" أي: رأسه مع بقية جسده، إلا قدميه أو العكس، كأنه قال: وما يواري جسده إلا رأسه، أو جسده إلا قدميه. وذلك بيِّنٌ من حديث الباب، حيث قال "خرجت رجلاه" ولو كان المراد أن يغطَّى رأسه فقط، دون جسده، لكان تغطية العورة أولى.
الحديث الثامن والثلاثون
حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا شَقِيقٌ حَدَّثَنَا خَبَّابٌ ﵁ قَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللَّهِ، فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ، فَمِنَّا مَنْ مَاتَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا. قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ نَجِدْ مَا نُكَفِّنُهُ إِلاَّ بُرْدَةً إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلاَهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ، وَأَنْ نَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإِذْخِرِ.
قوله: هاجرنا مع النبي ﷺ ، أي: بأمره وإذنه، أو المراد بالمعية الاشتراك في حكم الهجرة، إذ لم يكن معه حبسًا إلا الصِّدِّيق وعامر بن فُهَيرة. وقوله: نلتمس وجه الله، في رواية الرِّقاق: "نبتغي وجه الله" أي: جهة ما عند الله من الثواب، لا جهة الدنيا. وقوله: فوقع أجرنا على الله، في رواية الهجرة "فوجب"، واطلاق الوجوب على الله بمعنى إيجابه على نفسه، بوعده الصادق، وإلا فلا يجب على الله شيء.
وقوله: أجرُّنا، أي: إثابَتُنا وجزاؤنا. وقوله: لم يأكل من أجره شيئًا، أي: من عرض الدنيا، وهو كناية عن الغنائم التي تناولها من أدرك زمن الفتوح، وكأنّ المراد بالأجر ثمرتُه، فليس مقصورًا على أجر الآخرة. وقوله: ومنا من أينعت له ثمرته، بفتح الهمزة وسكون التحتانية وفتح النون، أي: نضجت واستحقت القطف، وفي رواية "ينعت" بغير ألف، وهي لغة. قال القزاز: وأينعت أكثر.
وقوله "فهو يَهْدِبها" بفتح أوله وكسر المهملة، وضبطه النووي بضم الدال، وحكى ابن التين تثليثها. وقوله "فلم نجد ما نكفنه به" سقط لفظ "به" من رواية غير أبي ذَرٍّ. وقوله "وأن نجعل على رجليه من الإِذْخِر" بكسر الهمزة وسكون الذال المعجمة وكسر الخاء، نبت طيب الرائحة ينبت في
стр. 5393
السهول وفي الحزون، في الحجاز وفي غيره، ويستفاد من الحديث أنه إذا لم يوجد ساترٌ البتة، أنه يغطى جميعه بالإِذْخِر، فإن لم يوجد فبما تيسر من نبات الأرض. ويأتي في كتاب الحج، وقد مرَّ في كتاب العلم قول العباس "الإِذْخِر، فإنه لبيوتنا وقبورنا" فكأنها كانت عادة استعماله في القبور.
قال المهلب: وإنما استحب لهم النبيّ ﷺ التكفين في تلك الثياب التي ليست مسابغة، لكونهم قتلوا فيها، ويحتمل أنه لم يجد لهم غيرها، وهو الموافق للترجمة، واستشكل قوله: "لم يأكل من أجره شيئًا"، مع ما تقدم من تفسير ابتغاء وجه الله. يجمع بأن إطلاق الأجر على المال في الدنيا بطريق المجاز بالنسبة لثواب الآخرة، وذلك أن القصد الأول هو ما تقدم.
لكن منهم من مات قبل الفتوح، كمصعب بن عمير، ومنهم من عاش إلى أن فتح عليهم، ثم انقسموا، فمنهم من أعرض عنه وواسى به المحاويج، أولًا فأولًا، بحيث بقي على تلك الحالة الأُولى، وهم قليل، ومنهم أبو ذَرٍّ، وهؤلاء ملتحقون بالقسم الأول .. ومنهم تبسط في بعض المباح، فيما يتعلق بكثرة النساء والسراري، أو الخدم والملابس ونحو ذلك، ولم يستكثر، وهم كثير، ومنهم ابن عمر، ومنهم من زاد فاستكثر بالتجارة وغيرها مع القيام بالحقوق الواجبة والمندوبة، وهم كثير أيضًا، منهم عبد الرحمن بن عوف.
وإلى هذين القسمين أشار خَبّاب، فالقسم الأول، ومن التحق به، توفر له أجره في الآخرة، والقسم الثاني مقتضى الخبر إنه يحسب عليهم ما وصل إليهم من مال الدنيا من ثوابهم في الآخرة، ويؤيده ما أخرجه مسلم عن عبد الله بن عمر، ورفعه "ما من غازية تغزو فتغنم، وتَسْلَم، إلا تعجَّلوا ثلثي أجرهم" الحديث ومن ثم آثر كثيرٌ من السلف قلة المال، وقنعوا به إما ليتوفر لهم ثوابهم في الآخرة، وإما ليكون أقل لحسابهم عليه.
قال ابن بطال: في الحديث ما كان عليه السلف من الصدق في وصف أحوالهم، وفيه أن الصبر على مكابدة الفقر وصعوبته من منازل الأبرار، وفيه أن الكفن يكون ساترًا لجميع البدن، وأن الميت يصير كله عورة، ويحتمل أن يكون ذلك بطريق الكمال.
قلت: قد مرَّ ما فيه من الخلاف، هل الواجب ثوب يستر أو الواجب ما يستر العورة؟ في باب الكفن في ثوبين. ثم قال ابن بطّال: ليس في حديث خَبّاب تفضيل الفقير على الغني، وإنما فيه أن هجرتهم لم تكن لدنيا يصيبونها, ولا نعمة يتعجلونها، وإنما كانت لله خالصة، لِيُثَيبهم عليها في الآخرة، فمن مات قبل فتح البلاد تَوَفّر له ثوابه، ومن بقي حتى نال من طيبات الدنيا خشي أن يكون عجل لهم أجر طاعتهم، وكانوا على نعيم الآخرة أحرص.
стр. 5394
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرَّ عمر بن حفص وأبوه في الثاني عشر من الغُسل، ومرَّ الأعمش في الخامس والعشرين من الإيمان, ومرَّ أبو وائل في الحادي والأربعين منه، ومرَّ خبّاب بن الأَرت في الخامس عَشَر من صفة الصلاة، ومصعب مرَّ في الذي قبله بحديث.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع، وبالسند كله. بالتحديث، وهو عزيز الوجود، وفيه القول، ورواته كلهم كوفيون، وفيه رواية التابعيّ عن التابعيّ، أخرجه البخاريُّ أيضًا في الهجرة وفي الرقاق وفي المغازي، ومسلم والنَّسَائيّ في الجنائز، وأبو داود في الوصايا، والتِّرمذيّ في المناقب ثم قال المصنف:
стр. 5395
باب من استعد الكفن في زمن النبي ﷺ فلم يُنكَر عليه
ضبط بفتح الكاف على البناء للمفعول، وحكى الكسر على أن فاعل الإنكار النبي ﷺ . وحكى الزين بن المنير عن بعض الروايات، "فلم ينكره" بها بدل عليه، وإنما قيد الترجمة بذلك ليشير إلى أن الإنكار الذي وقع من الصحابة، كان على الصحابي في طلب البُردة، فلما أخبرهم بعذره لم ينكروا عليه ذلك، فيستفاد منه جواز تحصيل ما لابد للميت منه من كفن ونحوه، في حال حياته، وهل يلتحق بذلك حَفْر القبر؟ بحثٌ يأتي قريبًا عن آخر الحديث.
الحديث التاسع والثلاثون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلٍ ﵁ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ فِيهَا حَاشِيَتُهَا أَتَدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ قَالُوا الشَّمْلَةُ. قَالَ نَعَمْ. قَالَتْ نَسَجْتُهَا بِيَدِي، فَجِئْتُ لأَكْسُوَكَهَا. فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَأَنَّهَا إِزَارُهُ، فَحَسَّنَهَا فُلاَنٌ فَقَالَ اكْسُنِيهَا، مَا أَحْسَنَهَا. قَالَ الْقَوْمُ مَا أَحْسَنْتَ، لَبِسَهَا النَّبِيُّ ﷺ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، ثُمَّ سَأَلْتَهُ وَعَلِمْتَ أَنَّهُ لاَ يَرُدُّ. قَالَ إِنِّي وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ لأَلْبَسَهَا إِنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِي. قَالَ سَهْلٌ فَكَانَتْ كَفَنَهُ.
قوله: إن امرأة، لم تُسَمَّ. قوله: فيها حاشيتها، يعني أنها لم تقطع من ثوب فتكون بلا حاشية، وقيل حاشية الثوب هَدَبُه، فكأنه قال: إنها جديدة لم يقطع هَدَبُها, ولم تلبس بعد، وقال القزاز، حاشيتا الثوب ناحيتاه اللتان في طرفهما الهَدَب. وقوله: أتدرون، هو مَقُول سَهل بن سعد، بيَّنه أبو غسان عن أبي حازم، كما أخرجه المصنف في الأدب، ولفظه "فقال سهل للقوم: أتدرونَ ما البُردة؟ قالوا: الشَّمْلَة" وفي تفسير البردة بالشملة تجوُّزٌ, لأن البردة كساء، والشملة ما يُشْتَمَل به، فهي أعم، لكن لما كان أكثر استعمالهم بها أطلقوا عليها اسمها. والشملة، بفتح الشين وسكون الميم، وتجمع على شَمَلات كَسَجْدة وسَجَدات، وعلى شِمال، ككَلْبة وكِلاب.
وقوله: فأخذها النبي ﷺ محتاجًا إليها، كأنهم عرفوا ذلك بقرينة حال، أو تقدُّم قولٍ صريح. وقوله: فخرج إلينا وإنها إزاره، ولابن ماجه عن عبد العزيز، "فخرج إلينا فيها" وعند الطبرانيّ "فاتَّزر
следующие страницы →