← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.

стр. 5391

رجاله ستة: قد مرّوا، مرَّ محمد بن مُقاتِل في السابع من العلم، ومرَّ عبد الله بن المبارك في السادس من بدء الوحي، ومرَّ شُعبة في الثالث، ومرَّ إبراهيم بن عبد الرحمن في الذي قبله، ومرَّ فيه محل سعد وعبد الرحمن، وتعريف حمزة ومصعب ثم قال المصنف:

стр. 5392

باب إذا لم يجد كفنًا إلا ما يواري رأسه أو قدميه غُطِّي رأسه قوله "إلا ما يواري رأسه" أي: رأسه مع بقية جسده، إلا قدميه أو العكس، كأنه قال: وما يواري جسده إلا رأسه، أو جسده إلا قدميه. وذلك بيِّنٌ من حديث الباب، حيث قال "خرجت رجلاه" ولو كان المراد أن يغطَّى رأسه فقط، دون جسده، لكان تغطية العورة أولى. الحديث الثامن والثلاثون حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا شَقِيقٌ حَدَّثَنَا خَبَّابٌ ﵁ قَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللَّهِ، فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ، فَمِنَّا مَنْ مَاتَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا. قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ نَجِدْ مَا نُكَفِّنُهُ إِلاَّ بُرْدَةً إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلاَهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ، وَأَنْ نَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإِذْخِرِ. قوله: هاجرنا مع النبي ﷺ ، أي: بأمره وإذنه، أو المراد بالمعية الاشتراك في حكم الهجرة، إذ لم يكن معه حبسًا إلا الصِّدِّيق وعامر بن فُهَيرة. وقوله: نلتمس وجه الله، في رواية الرِّقاق: "نبتغي وجه الله" أي: جهة ما عند الله من الثواب، لا جهة الدنيا. وقوله: فوقع أجرنا على الله، في رواية الهجرة "فوجب"، واطلاق الوجوب على الله بمعنى إيجابه على نفسه، بوعده الصادق، وإلا فلا يجب على الله شيء. وقوله: أجرُّنا، أي: إثابَتُنا وجزاؤنا. وقوله: لم يأكل من أجره شيئًا، أي: من عرض الدنيا، وهو كناية عن الغنائم التي تناولها من أدرك زمن الفتوح، وكأنّ المراد بالأجر ثمرتُه، فليس مقصورًا على أجر الآخرة. وقوله: ومنا من أينعت له ثمرته، بفتح الهمزة وسكون التحتانية وفتح النون، أي: نضجت واستحقت القطف، وفي رواية "ينعت" بغير ألف، وهي لغة. قال القزاز: وأينعت أكثر. وقوله "فهو يَهْدِبها" بفتح أوله وكسر المهملة، وضبطه النووي بضم الدال، وحكى ابن التين تثليثها. وقوله "فلم نجد ما نكفنه به" سقط لفظ "به" من رواية غير أبي ذَرٍّ. وقوله "وأن نجعل على رجليه من الإِذْخِر" بكسر الهمزة وسكون الذال المعجمة وكسر الخاء، نبت طيب الرائحة ينبت في

стр. 5393

السهول وفي الحزون، في الحجاز وفي غيره، ويستفاد من الحديث أنه إذا لم يوجد ساترٌ البتة، أنه يغطى جميعه بالإِذْخِر، فإن لم يوجد فبما تيسر من نبات الأرض. ويأتي في كتاب الحج، وقد مرَّ في كتاب العلم قول العباس "الإِذْخِر، فإنه لبيوتنا وقبورنا" فكأنها كانت عادة استعماله في القبور. قال المهلب: وإنما استحب لهم النبيّ ﷺ التكفين في تلك الثياب التي ليست مسابغة، لكونهم قتلوا فيها، ويحتمل أنه لم يجد لهم غيرها، وهو الموافق للترجمة، واستشكل قوله: "لم يأكل من أجره شيئًا"، مع ما تقدم من تفسير ابتغاء وجه الله. يجمع بأن إطلاق الأجر على المال في الدنيا بطريق المجاز بالنسبة لثواب الآخرة، وذلك أن القصد الأول هو ما تقدم. لكن منهم من مات قبل الفتوح، كمصعب بن عمير، ومنهم من عاش إلى أن فتح عليهم، ثم انقسموا، فمنهم من أعرض عنه وواسى به المحاويج، أولًا فأولًا، بحيث بقي على تلك الحالة الأُولى، وهم قليل، ومنهم أبو ذَرٍّ، وهؤلاء ملتحقون بالقسم الأول .. ومنهم تبسط في بعض المباح، فيما يتعلق بكثرة النساء والسراري، أو الخدم والملابس ونحو ذلك، ولم يستكثر، وهم كثير، ومنهم ابن عمر، ومنهم من زاد فاستكثر بالتجارة وغيرها مع القيام بالحقوق الواجبة والمندوبة، وهم كثير أيضًا، منهم عبد الرحمن بن عوف. وإلى هذين القسمين أشار خَبّاب، فالقسم الأول، ومن التحق به، توفر له أجره في الآخرة، والقسم الثاني مقتضى الخبر إنه يحسب عليهم ما وصل إليهم من مال الدنيا من ثوابهم في الآخرة، ويؤيده ما أخرجه مسلم عن عبد الله بن عمر، ورفعه "ما من غازية تغزو فتغنم، وتَسْلَم، إلا تعجَّلوا ثلثي أجرهم" الحديث ومن ثم آثر كثيرٌ من السلف قلة المال، وقنعوا به إما ليتوفر لهم ثوابهم في الآخرة، وإما ليكون أقل لحسابهم عليه. قال ابن بطال: في الحديث ما كان عليه السلف من الصدق في وصف أحوالهم، وفيه أن الصبر على مكابدة الفقر وصعوبته من منازل الأبرار، وفيه أن الكفن يكون ساترًا لجميع البدن، وأن الميت يصير كله عورة، ويحتمل أن يكون ذلك بطريق الكمال. قلت: قد مرَّ ما فيه من الخلاف، هل الواجب ثوب يستر أو الواجب ما يستر العورة؟ في باب الكفن في ثوبين. ثم قال ابن بطّال: ليس في حديث خَبّاب تفضيل الفقير على الغني، وإنما فيه أن هجرتهم لم تكن لدنيا يصيبونها, ولا نعمة يتعجلونها، وإنما كانت لله خالصة، لِيُثَيبهم عليها في الآخرة، فمن مات قبل فتح البلاد تَوَفّر له ثوابه، ومن بقي حتى نال من طيبات الدنيا خشي أن يكون عجل لهم أجر طاعتهم، وكانوا على نعيم الآخرة أحرص.

стр. 5394

رجاله خمسة: قد مرّوا، مرَّ عمر بن حفص وأبوه في الثاني عشر من الغُسل، ومرَّ الأعمش في الخامس والعشرين من الإيمان, ومرَّ أبو وائل في الحادي والأربعين منه، ومرَّ خبّاب بن الأَرت في الخامس عَشَر من صفة الصلاة، ومصعب مرَّ في الذي قبله بحديث. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع، وبالسند كله. بالتحديث، وهو عزيز الوجود، وفيه القول، ورواته كلهم كوفيون، وفيه رواية التابعيّ عن التابعيّ، أخرجه البخاريُّ أيضًا في الهجرة وفي الرقاق وفي المغازي، ومسلم والنَّسَائيّ في الجنائز، وأبو داود في الوصايا، والتِّرمذيّ في المناقب ثم قال المصنف:

стр. 5395

باب من استعد الكفن في زمن النبي ﷺ فلم يُنكَر عليه ضبط بفتح الكاف على البناء للمفعول، وحكى الكسر على أن فاعل الإنكار النبي ﷺ . وحكى الزين بن المنير عن بعض الروايات، "فلم ينكره" بها بدل عليه، وإنما قيد الترجمة بذلك ليشير إلى أن الإنكار الذي وقع من الصحابة، كان على الصحابي في طلب البُردة، فلما أخبرهم بعذره لم ينكروا عليه ذلك، فيستفاد منه جواز تحصيل ما لابد للميت منه من كفن ونحوه، في حال حياته، وهل يلتحق بذلك حَفْر القبر؟ بحثٌ يأتي قريبًا عن آخر الحديث. الحديث التاسع والثلاثون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلٍ ﵁ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ فِيهَا حَاشِيَتُهَا أَتَدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ قَالُوا الشَّمْلَةُ. قَالَ نَعَمْ. قَالَتْ نَسَجْتُهَا بِيَدِي، فَجِئْتُ لأَكْسُوَكَهَا. فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَأَنَّهَا إِزَارُهُ، فَحَسَّنَهَا فُلاَنٌ فَقَالَ اكْسُنِيهَا، مَا أَحْسَنَهَا. قَالَ الْقَوْمُ مَا أَحْسَنْتَ، لَبِسَهَا النَّبِيُّ ﷺ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، ثُمَّ سَأَلْتَهُ وَعَلِمْتَ أَنَّهُ لاَ يَرُدُّ. قَالَ إِنِّي وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ لأَلْبَسَهَا إِنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِي. قَالَ سَهْلٌ فَكَانَتْ كَفَنَهُ. قوله: إن امرأة، لم تُسَمَّ. قوله: فيها حاشيتها، يعني أنها لم تقطع من ثوب فتكون بلا حاشية، وقيل حاشية الثوب هَدَبُه، فكأنه قال: إنها جديدة لم يقطع هَدَبُها, ولم تلبس بعد، وقال القزاز، حاشيتا الثوب ناحيتاه اللتان في طرفهما الهَدَب. وقوله: أتدرون، هو مَقُول سَهل بن سعد، بيَّنه أبو غسان عن أبي حازم، كما أخرجه المصنف في الأدب، ولفظه "فقال سهل للقوم: أتدرونَ ما البُردة؟ قالوا: الشَّمْلَة" وفي تفسير البردة بالشملة تجوُّزٌ, لأن البردة كساء، والشملة ما يُشْتَمَل به، فهي أعم، لكن لما كان أكثر استعمالهم بها أطلقوا عليها اسمها. والشملة، بفتح الشين وسكون الميم، وتجمع على شَمَلات كَسَجْدة وسَجَدات، وعلى شِمال، ككَلْبة وكِلاب. وقوله: فأخذها النبي ﷺ محتاجًا إليها، كأنهم عرفوا ذلك بقرينة حال، أو تقدُّم قولٍ صريح. وقوله: فخرج إلينا وإنها إزاره، ولابن ماجه عن عبد العزيز، "فخرج إلينا فيها" وعند الطبرانيّ "فاتَّزر

стр. 5396

بها ثم خرج" وقوله: فَحَسَّنها فلان، بمهملتين من التحسين، أي: نسبها للحُسْن، وللمصنف في اللباس "فجسها" بالجيم بغير نون، وكذا للطبرانيّ والإِسماعيليّ. وقوله: فلان، أفاد المحب الطبريّ عن الطبرانيّ أنه عبد الرحمن بن عوف. وقال في "الفتح": لم أره في المعجم الكبير، لا في مسند سهل ولا عبد الرحمن. وأخرج الطبرانيّ أيضًا أنه سعد بن أبي وقاص. وفي رواية له أيضًا عن زَمْعَة بن صالح أن السائل المذكور أعرابيٌّ، فلو لم يكن زمعة ضعيفًا، لانتفى أن يكون هو عبد الرحمن بن عوف أو سعد بن أبي وقاص، أو يقال: تعددت القصة على ما فيه من البعد، وقد يذكر محل كل واحد منهما في السند. وقوله: ما أحسنَها، بنص النون، وما للتعجب، ولابن ماجه والطبرانيّ "قال: نعم، فلما دخل طواها، وأرسلها إليه" وللمصنف في اللباس "فقال: نعم، فجلس ما شاء الله في المجلس، ثم رجع فطواها، ثم أرسل بها إليه" وقوله: قال القوم: ما أحسن، ما نافية، وقد وقعت تسمية المعاتب له من الصحابة، فعند الطبراني "قال سهل: فقلت للرجل: لم سألته وقد رأيت حاجته إليها؟ فقال؛ رأيت ما رأيتم، ولكن أردت أن أُخبئها حتى أكفن فيها". وقوله: إنه لا يرد وقع هنا بحذف المفعول، وعند ابن ماجه بلفظ "لا يرد سائلًا" وكذلك عند المصنف في البيوع، وفي رواية أبي غسان في الأدب "لا شيئًا فَيَمْنَعهُ". وقوله: ما سألته لألبسها، في رواية أبي غسان "فقال: رجوت بركتها حين لبسها النبي ﷺ " وأفاد الطبراني في رواية زَمْعة بن صالح أن النبي ﷺ ، أمر أن يصنع له غيرها، فمات قبل أنْ تفرغ. وفي هذا الحديث من الفوائد حُسْنُ خلق النبي ﷺ ، وسعة جوده، وقبوله الهدية. واستنبط منه المُهَلَّب جواز ترك مكافأة الفقير على هديته، وليس ذلك بظاهر منه، فإن المكافأة كان عادة النبي ﷺ مستمرة، فلابد من السكوت عنها هنا أن يكون لم يفعلها، بل ليس في سياق الحديث الجزم بكون ذلك كان هدية، فيحتمل أن تكون عرضتها عليه ليشتريها. قلت: سياق الحديث لا يفهم منه إلا الهدية، وهو الذي يعطيه لفظ "جاءت ببردة" ولم يذكر فيه بيع ولا مساومة، وفيه جواز الاعتماد على القرائن، ولو تجردت لقولهم "فأخذها محتاجًا إليها"، وفيه نظر لاحتمال أن يكون سبق لهم منه قول يدل على ذلك، كما تقدم. وفيه الترغيب في المصنوع بالنسبة إلى صانعه، إذا كان ماهرًا، ويحتمل أن تكون أرادت بنسبتها إليها إزالة ما يخشى من التدليس، وفيه جواز استحسان ما يراه الإِنسان على غيره من الملابس وغيرها، إما ليعرفه قدرها، وإما ليعرض له بطلبه منه، حيث يسوغ له ذلك. وفيه مشروعية الإِنكار عند مخالفة الأدب ظاهرًا وإن لم يبلغ المنكر درجة التحريم. وفيه التبرك بآثار الصالحين،

стр. 5397

وقال ابن بطّال: فيه جوز إعداد الشيء قبل وقت الحاجة إليه، وقد حفر جماعة من الصالحين قبورهم قبل الموت بأيديهم ليتمثلوا حلول الموت فيه. وتعقبه ابن المنير بأنّ ذلك لم يقع من أحد من الصحابة، ولو كان مستحبًا لكثر فيهم، وما نعقب به غير لازم, لأن ابن بطّال لم يقل إلا بالجواز، وعدم وقوعه من الصحابة لا يدل على عدم الجواز، لاسيما وقد ورد ما يدل على فضله، فقد قال ﵊: "أفضل المؤمنين إيمانًا أكثرهم للموت ذكرًا، وأحسنهم له استعدادًا" وهذا الفعل يدخل في ذكر الموت، وفي الاستعداد. وقال بعض الشافعية: ينبغي لمن استعد شيئًا من ذلك أن يجتهد في تحصيله من جهة يثق بحلها، أو من أثر من يعتقد فيه الصلاح والبركة. وفيه جواز السؤال من السلطان، وفيه دخوله ﵊ في جملة المُؤْثرين على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. وفيه أنه ﵊ لا يرد سائلًا. رجاله أربعة: قد مرّوا، وفيه لفظ امرأة وفلان، مبهمين. مرَّ عبد الله بن مَسْلمة في الثاني عشر من الإِيمان, ومرَّ عبد العزيز بن أبي حازم في الخامس والأربعين من استقبال القبلة، ومرَّ أبو حازم وسهل في الثامن والمئة من الوضوء. والمرأة المبهمة لم تسم، وفلان قيل: إنه عبد الرحمن بن عوف، وقد مرَّ في السابع والخمسين من الجمعة، وقيل: إنه سعد بن أبي وقّاص، وقد مرَّ في العشرين من الإيمان, وقيل إنه أعرابيٌّ لم يسم. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة. والقول، ورواته مدنيون، غير أن عبد الله سكن البصرة، وهو من رباعيات البخاريّ أخرجه ابن ماجه في اللباس. ثم قال المصنف:

стр. 5398

باب اتباع النساء الجنائز قال الزين بن المنير: فصل المصنف بين هذه الترجمة، وبين فضل اتباع الجنائز الآتي، بتراجم كثيرة تشعر بالتفرقة بين النساء والرجال، وأن الفضل الثابت في ذلك يختص بالرجال دون النساء, لأن النهي يقتضي التحريم أو الكراهة، والفضل يدل على الاستحباب، ولا يجتمعان. وأطلق الحكم هنا لما يتطرق إليه من الاحتمال، ومن ثم اختلف العلماء في ذلك، ولا يخفى أنَّ محل النزاع حيث تؤمن الفتنة. الحديث الأربعون حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أُمِّ الْهُذَيْلِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا. وهذا الحديث مرَّ الكلام عليه مستوفى في باب "الطيب للمرأة عند غسلها من المحيض" من كتاب الحيض. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرَّ قبيصة وسفيان الثَّوْرِيّ في السابع والعشرين من الإِيمان, ومرَّ خالد الحذاء في السابع عشر من العلم، ومرت أُمُّ الهُذَيل، وهي حفصة بنت سيرين، وأُم عطية في الثاني والثلاثين من الوضوء. ثم قال المصنف:

стр. 5399

باب "إحداد المرأة على غير زوجها " قال ابن بطال: الإحداد، بالمهملة، امتناع المرأة المتوفى عنها زوجها، من الزينة كلها، من لباس وطيب وغيرهما، وكل ما كان من دواعي الجماع. وأباح الشارع للمرأة أن تحد على غير زوجها ثلاثة أيام، لما يغلب من لوعة الحزن، ويهجم من ألم الوجد، وليس ذلك واجبًا، لاتفاقهم على أن الزوج لو طالبها بالجماع لم يحل لها منعه في تلك الحال. وقوله: على غير زوجها، يعم كل ميت غير الزوج، سواء كان قريبًا أو أجنبيًا. ودلالة الحديث له ظاهرة، ولم يقيده في الترجمة بالموت, لأنه يختص به عرفًا، ولم يبيّن حكمه, لأن الخبر دلّ على عدم التحريم في الثلاث، وأقل ما يقتضيه إثبات المشروعية. الحديث الحادي والأربعون حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: تُوُفِّيَ ابْنٌ لأُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ دَعَتْ بِصُفْرَةٍ، فَتَمَسَّحَتْ بِهِ وَقَالَتْ نُهِينَا أَنْ نُحِدَّ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثٍ إِلاَّ بِزَوْجٍ. وقوله: فلما كان يوم الثالث، كذا للأكثر، وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة، وللمستملي اليوم الثالث، وقوله: دعت بصفرة، الصفرة في الأصل لون أصفر، والمراد هنا نوع من الطيب فيه صفرة، وقوله: نُهينا، رواه أيوب عن ابن سيرين بلفظ "أمرنا بأنْ لا نحد على هالك فوق ثلاث .. " الحديث. أخرجه عبد الرزاق. وقوله: أن نحد، بضم النون من الرباعي، وبفتحها وضم الحاء من الثلاثي، وقد مرَّ ما فيه في المحل الآتي ذكره قريبًا. وقوله: إلا بزوج، للكَشْميهنيّ إلا لزوج، باللام، وفي العدد من طريقه الأعلى "زوج"، والكل بمعنى السببية، وهذا الحديث والثلاثة بعده قد استوفي البحث عليها غاية في باب "الطيب للمرأة عند غسلها من المحيض" من كتاب الحيض، إلا بعض ما يتعلق بألفاظ الحديث، فأذكره هنا في محله.

стр. 5400

رجاله أربعة: قد مرّوا، مرَّ مسدد في السادس من الإيمان, ومرَّ ابن سيرين في الأربعين منه، ومرَّ بشر بن المفضل في التاسع من العلم، ومرَّ سَلَمة بن عَلْقَمة في السادس من السهو. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواته بصريون. الحديث الثاني والأربعون حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى قَالَ أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَتْ: لَمَّا جَاءَ نَعْيُ أَبِي سُفْيَانَ مِنَ الشَّأْمِ دَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ ﵂ بِصُفْرَةٍ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، فَمَسَحَتْ عَارِضَيْهَا وَذِرَاعَيْهَا وَقَالَتْ إِنِّي كُنْتُ عَنْ هَذَا لَغَنِيَّةً، لَوْلاَ أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ لاَ يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ، فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا. قوله: عن زينب بنت أبي سَلَمة، صرح في العدد بالإخبار بينها وبين حميد بن نافع. وقوله: نعي، بفتح النون، وسكون المهملة وبكسر المهملة، وتشديد الياء، هو الخبر بموت الشخص. وقوله: من الشام، فيه نظر, لأن أبا سفيان مات بالمدينة بلا خلاف بين أهل العلم بالأخبار، وقد رواه المصنف في العدد عن مالك وسفيان الثَّوريّ عن حميد بن نافع بلفظ "حين توفي عنها أبوها أبو سفيان بن حرب" ولم يقل فيه واحد منهما من الشام، وفي مسند ابن أبي شَيبة عن حُميد بن نافع "جاء نعي أخي أُم حبيبة، أو حميم لها، فدعت بصفرة، فلطخت به ذراعيها" وكذا رواه الدارميّ عن شعبة بلفظ "إن أخًا لأم حبيبة مات، أو حميم لها". ورواه أحمد عن شعبة بلفظ "إن حميًا لها مات" من غير تردد، وإطلاق الحميم على الأخ أقرب من إطلاقه على الأب، فقوي الظن عند هذا أن تكون القصة تعددت لزينب مع أم حبيبة عند وفاة أخيها يزيد، ثم عند وفاة أبيها أبي سفيان، لا مانع من ذلك. وقوله: بصفرة، في رواية مالك في العدد "بطيب فيه صفرة خَلُوق" وزاد فيه "فدهنت منه جاريةٌ ثم مَسَّتْ بعارضيها" أي: بعارضي نفسِها.

стр. 5401

رجاله ستة: وفيه ذكر أبي سفيان، وقد مرّوا إلاَّ اثنين، مرَّ الحميدي وسفيان في الأول من بدء الوحي، ومرَّ أبو سفيان في السابع منه، ومرت زينب بنت أبي سلمة في السبعين من العلم، ومرت أم حبيبة في الثاني والثلاثين من استقبال القبلة. والاثنان الباقيان الأول منهما: أيوب بن موسى بن عمرو بن سعيد بن العاص الأمويّ، أبو موسى المكيّ. قال أحمد وابن مُعين والنَّسائي: ثقة، زاد أحمد: ليس به بأس، وقال ان المدينيّ: له نحو أربعين حديثًا، وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال الدارقطنيّ: أيوب هو ابن عم إسماعيل بن أميّة، ثقتان، وقال ابن عُيَينة: كان أيوب أفقههما. وقال ابن عبد البَرّ: كان ثقة حافظًا، وشذ الأَزْدِيُّ فقال: لا يقوم إسناد حديثه، ولا عبرة بقوله. روي عن نافع ومكحول وحميد بن نافع والزُّهريّ وغيرهم. وروى عنه يحيى بن سعيد، وهو من أقرانه، والسفيانان والليث وغيرهم. مات سنة اثنين وثلاثين ومئة. الثاني حميد بن نافع الأنصارييّ، أبو أفلح المَدَنيّ، مولى صفوان بن أَوْس، ويقال: ابن خالد الأنصاريّ، ويقال: مولى أبي أيّوب. قال النَّسائيّ: حميد بن نافع ثقة، ووثَّقه أبو داود، وفَرَّق ابن المدينيّ بين حميد بن نافع الذي يروي عن زينب بنت أم سَلَمة والذي يروى عن أبي أيوب وعبد الله بن عمرو، وجعلهما أبو حاتم واحدًا، ورجح البخاريّ قول ابن المَدِينيّ. روى عن أيوب وعبد الله بن عمرو وزينب بنت أم سَلَمة وغيرهم، وروى عنه أفلح وبكير بن الأَشَجّ، ويحيى بن سعيد وأيوب بن موسى وغيرهم. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإخبار بالأفراد والعنعنة والقول، والثلاثة الأول من الرواة مكيّون، والرابع مَدَني. الحديث الثالث والأربعون حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لاَ يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ

стр. 5402

تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا. ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا، فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ ثُمَّ قَالَتْ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ لاَ يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا. وقوله: ثم دخلت، هو مقول زينب بنت أم سلمة، وهو مصرح به في رواية العدد، وظاهره أن هذه القصة وقعت بعد قصة أم حبيبة، ولا يصح ذلك إلا إن قلنا بالتعدد، ويكون ذلك بعد وفاة يزيد بن أبي سفيان, لأن وفاته سنة ثمان عشرة أو تسع عشرة، ولا يصح أن يكون ذلك عند وفاة زينب بنت جحش. ماتت قبل أبي سفيان بأكثر من عشر سنين، على الصحيح عند أهل العلم، فيُحمل على أنها لم ترد ترتيب الوقائع، وإنما أرادت ترتيب الأخبار. وفي رواية أبي داود "ودخلت" وذلك لا يقتضي الترتيب، وقوله "حين توفي أخوها" قد استشكل المراد بأخي زينب, لأن إخوتها ثلاثة، إلى آخر ما ذكرنا في سند هذا الحديث. وقوله: فمست به، أي: شيئًا من جسدها. وفي رواية العدد بلفظ "فمست منه". رجاله خمسة: وفيه ذكر زينب بنت جحش، وذكر أخ لها مبهم، وقد مرَّ رجاله، مرَّ إسماعيل بن أبي أُوَيس في الخامس عشر من الإِيمان, ومرَّ مالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ عبد الله بن أبي بكر في الرابع والعشرين من الوضوء, ومرَّ حميد بن نافع في الذي قبله، ومرَّ فيه محل زينب بنت أبي سَلَمة، ومرت زينب بنت جحش في الحادي والثلاثين من التهجد. وأما أخو زينب الذي نُعِيَ لها، فهو مشكل, لأن إخوتها ثلاثة: عبد الله، وقد استشهد بأُحد، وزينب بنت أبي سلمة إذ ذاك صغيرة جدًا, لأن أباها مات ببدر، وتزوج النبي ﷺ أمها، وهي ترضع، فلا تمكن روايتها في أُحد. والثاني: عُبَيد الله، وقد هاجر إلى الحبشة مع زوجته أم حبيبة، وارتد هناك وتنصر، ولا مانع من أن يكون هو المراد, لأن الإِنسان قد يحزن على قريبه الكافر، ولاسيما إذا تذكر سوء مصيره. والثالث: عَبْد، بغير إضافة، مشهور بكنيته أبي أحمد، وهذا قد جزم إبن إسحاق وغيره من أهل العلم بالإخبار بأنه مات بعد أخته زينب بسنة، وروى ابن سعد أنه حضر جنازتها مع عمر بن الخطاب.

стр. 5403

وعبد الله قد مرَّ في تعليق بعد الخامس من العلم، والظاهر عندي بل المتعين أن يكون عبد هو المراد، كما يأتي عن بعض العلماء, لأن عبد الله غير ممكن، كما مرَّ، اللهم إلاَّ إذا قيل بقول ابن عبد البَرّ مِن أن زينب بنت أمَّ سَلَمة ولدت بأرض الحبشة، وأما الذي تنصر فقد قيل: إن تزوج النبي ﷺ لزوجته أم حبيبة كان بعد موته بأرض الحبشة، وبعيد أيضًا أن زينبَ تحزنُ لموت كافر، فلم يبق إلا أن يكون المراد به عبد، بغير إضافة، فيحتاج إلى التعريف. فأقول: هو مشهور بكنيته أبي أحمد بن جحش الأسَدِيّ، أخو أم المؤمنين زينب، اسم عبد، بغير إضافة، اتفقوا على أنه كان من السابقين الأولين، وقيل إنه هاجر إلى الحبشة، وضُعِّف ذلك، وقال ابن إسحاق: كان أول من قدم المدينة من المهاجرين بعد أبي سَلمة عامر بن ربيعة وعبد الله بن جحش، احتمل بأهله وأخيه عبد، وكان أبو أحمد ضريرًا يطوف مكة أعلاها وأسفلها بغير قائد، وكانت عنده الفارعة بنت أبي سفيان بن حرب، وشهد بدرًا والمشاهد، وفي طوافه مكة بغير قائد يقول: حبذا مكةُ من وادِ ... بها أهلي وعُوادي بها ترسخ أوتادي ... بها أمشي بلا هاد وذكره المرزباني في معجم الشعراء وقال: أنشد النبيّ ﷺ : لقد حلفتْ على الصفا أُمُّ أحمدٍ ... ومروةَ، بالله، بَرَّتْ يمينها لنحن الأولى بها ثُمّ لَمْ نَزَلْ ... بمكةَ حتى كاد عنها سمينها إلى الله نعدو بين مثنى ومَوحد ... ودين رسول الله والحقُّ دينها وجزم ابن عبد البَرّ بأنه مات بعد أخته زينب، وكانت وفاتها سنة عشرين، فجزم ابن الأثير بأنه مات بعدها، فيه نظر. كما قال في الإصابة. أخرجه البخاريّ أيضًا في الطلاق، وكذا مسلم وأبو داود، وأخرجه التِّرْمِذِيّ في النكاح، والنَّسائيُّ فيه وفي التفسير. ثم قال المصنف:

стр. 5404

بعبادة الأوثان، واتخاذ القبور مساجد، فلما استحكم الإِسلام وقوي في قلوب الناس، وأمِنَتْ عبادةُ القبور والصلاة إليها نُسخ النهيُ عن زيارتها, لأنها تذكر الآخرة، وتزهد في الدنيا. وعن طاوس "كانوا يستحبون أن لا ينفرقوا عن الميت سبعة أيام, لأنهم يفتنون ويحاسبون في قبورهم سبعة أيام" والحاصل أن زيارة النساء للقبور مكروهة، بل حرام في هذا الزمان، ولاسيما نساء مصر, لأن خروجهن على وجه فيه الفساد والفتنة، وإنما رخصت الزيارة لتذكر أمر الآخرة، وللاعتبار بمن مضى، وللتزهيد في الدنيا، قاله العيني. قلت: يا ليت الأمر بقي على ما كان في زمنه، فاليوم صار محل القبور هو محل الزنى والشرب وجميع الفواحش. قال القسطلاني: ولا تكره لهن زيارة قبره ﵊، بل تندب، وينبغي كما قال ابن الرّفعَة والقموليّ أن تكون سائر قبور الأنبياء والأولياء كذلك، قلت: هذا مقيد بما إذا لم يحصل في الزيارة شيء من المفاسد وإلاّ حَرُم قطعًا. وقال ابن المنير: قدم المصنف ترجمة زيارة القبور على غيرها من أحكام تشييع الجنازة وما بعد ذلك، مما يتقدم الزيارة, لأن الزيارة يتكرر وقوعها، فجعلها أصلًا ومفتاحًا لتلك الأحكام. وأشار أيضًا إلى أن مناسبةَ ترجمة زيارة القبور تناسبُ اتّباع النساء الجنائز، فكأنه أراد حصر الأحكام المتعلقة بخروج النساء متوالية. رجاله أربعة: قد مرّوا، مرَّ آدم وشعبة في الثالث من الإيمان, ومرَّ أنس في السادس منه، مرَّ ثابت البنانيّ في تعليق بعد الخامس من العلم، أخرجه البخاريّ أيضًا في الجنائز وفي الأحكام، ومسلم وأبو داود والتِّرْمذِيّ في الجنائز، والنسائيّ فيها وفي اليوم واليلة. ولم يُعرف اسم المرأة الباكية، ولا اسم صاحب القبر، ولا اسم القائل لها، وفي رواية أنس أن القائل لها الفضلُ بن ميّاس، وقد مرَّ في الثامن عشر من الجماعة. ثم قال المصنف:

стр. 5405

باب قول النبي ﷺ - يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه إذا كان النوح من سنته، لقول الله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ وقال النبي ﷺ "كل مسلم راعٍ ومسؤول عن رعيته" فإذا لم يكن من سنته، فهو كما قالت عائشة ﵂: ولا تزر وازرةٌ وِزر أخرى، وهو كقوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ ذنوبًا ﴿إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ وما يرخص من البكاء في غير نوح، وقال النبي ﷺ "لا تقتل نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كِفْلٌ من دمها" وذلك لأنه أول من سن القتل. قوله: ببعض بكاء أهله، تقييد منه لمطلق الحديث، وحمل منه لرواية ابن عمر المطلقة على رواية ابن عباس المقيدة بالبعضية، كما ساقه في الباب عنهما، وتفسير منه للبعض المبهم في حديث ابن عباس بأنه النَّوح، ويؤيده أن المحذور بعض البكاء لا جميعه كما يأتي بيانه، وقوله: إذا كان النوح من سنته، يوهم أنه بقية الحديث المرفوع، وليس كذلك، بل هو كلام المصنف قاله تفقهًا. وبقية السياق يرشد إلى ذلك، وهذا الذي جزم به هو أحد الأقوال في تأويل الحديث المذكور، كما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى. واختُلف في ضبطه قوله "من سنته" فلأكثر في الوضعين بضم المهملة وتشديد النون، أي طريقته وعادته. وضبطه بعضهم بفتح المهملة بعدها موحدتان، الأُولى مفتوحة، أي: من أجله. ورجح أبو الفضل بن ناصر الأخير، وأنكر الأول وقال: أي: سُنَّة للميت؟ وقال ابن المنير: بل الأول أولى لإشعاره بالعناية بذلك، إذ لا يقال من سُنَّته إلا عند غلبة ذلك عليه، واشتهاره به، وكان البخاري أُلهم هذا الخلاف، فأشار إلى ترجيح الأول، حيث استشهد بالحديث الذي فيه, لأنه أول من سَنَّ القتل، فإنه يُثبت ما استبعده ابن ناصر بقوله: وأي سُنَّة للميت؟ وأما تعبير المصنف بالنوح، فمراده ما كان من البكاء بصياح وعويل، وما يلتحق بذلك من لطم الخد وشق الجيب، وغير ذلك من المنهيات. وقوله: لقول الله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ وجه الاستدلال لما ذهب إليه من هذه الآية أن هذا الأمر عام في جهات الوقاية، ومن جملتها أن لا يكون الأصل مولعًا بأمر منكر لئلا يجري عليه أهله بعده، أو يكون قد عرف أن لأهله عادة بفعل أمر منكر، وأهمل نهيهم عنه، فيكون لم يق نفسه ولا أهله. وقوله: وقال ﷺ "كل مسلم راع ومسؤول عن رعيته" هذا طرف من حديث

стр. 5406

باب زيارة القبور أي: مشروعيتها، وكأنه لم يصرح بالحكم لما فيه من الخلاف الآتي قريبًا، وكأنه لم يثبت على شرطه الأحاديث المصرحة بالجواز، وقد أخرجه مسلم عن بُرَيدة، وفيه نسخ النهي عن ذلك، ولفظه "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" زاد أبو داود والنَّسَائي عن أنس "فإنها تذكر الآخرة". وللحاكم من حديثه "وتُرِقُّ القلبَ، وتُدْمع العين، فلا تقولوا هُجْرًا" أي: كلامًا فاحشًا، وهو بضم الهاء وسكون الجيم. وله من حديث ابن مسعود "فإنها تُزَهِّد في الدُّنيا" وأخرج الحاكم عن أبي ذَرٍّ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "زر القبور تذكر بها الآخرة". قال النووي تبعًا للعَبْدَرِيّ والحازميّ وغيرهما: اتفقوا على أن زيارة القبور جائزة، كذا أطلقوا، وفيه نظر, لأن ابن أبي شيبة وغيره روى عن ابن سيرين وإبراهيم النخعيّ والشعبيّ الكراهة مطلقًا، حتى قال الشعبيّ: لولا نهيُ النبي ﷺ لزرتُ قبر ابنتي، فلعل من أطلق أراد بالاتفاق ما استقر عليه الأمر بعد هؤلاء، وكأن هؤلاء لم يبلغهم النسخ. ومقابل هذا قولُ ابن حزم إن زيارة القبور واجبة، ولو مرة واحدة في العمر، لورود الأمر به، واختلف في النساء، فقيل: دخلن في عموم الإذن، وهو قول الأكثر، ومحله ما إذا (أُمنت) الفتنة، ويؤيد الجواز حديث الباب، وموضع الدلالة منه أنه ﵊ لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر، وتقريره حجة. وممن حمل الإذن على عمومه للرجال النساء عائشةُ فروى الحاكم عن ابن أبي مُليكة أنها زارت قبر أخيها عبد الرحمن، فقيل لها: أليس قد نهى النبي ﷺ عن ذلك؟ قالت: نعم، كان نهى ثم أمر بزيارتها. وقيل: الإِذن خاص بالرجال، ولا يجوز للنساء زيارة القبور، وبه جزم الشيخ أبو إسحاق في المهذب، واستدل له بحديث عبد الله بن عمرو الذي تقدمت الإشارة إليه في باب اتباع النساء الجنازةَ أنه ﵊ "رأى فاطمة مقبلة .. " الخ، وبحديث "لعن الله زوَّارات القبور" أخرجه التِّرْمِذيّ، وصححه عن أبي هُريرة. وله شاهد عن ابن عباس وحسّان بن ثابت. واختلف من قال بالكراهة في حقهنّ هل هي كراهة تحريم أو تنزيه؟ قال القرطبي: هذا اللعن إنما هو للمكثرات من الزيارة، لما تقتضيه الصفة من المبالغة، ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من

стр. 5407

تضييع حق الزوج والتبرج، وما ينشأ منهن من الصياح ونحو ذلك، فقد يقال: إذا أُمِن جميعُ ذلك فلا مانع من الإِذن, لأن تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء. وفرق قوم بين قواعد النساء وشبابهن، وبين أن ينفردنَ بالزيارة أو يخالطن الرجال، فقال القرطبيّ: أما الشَّواب فحرام عليهن الخروج، وأما القواعد فمباح لهن ذلك، وجائز ذلك لجميعهن إذا انفردنَ بالخروج عن الرجال. الحديث الرابع والأربعون حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي. قَالَتْ إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي، وَلَمْ تَعْرِفْهُ. فَقِيلَ لَهَا إِنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ . فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ فَقَالَتْ لَمْ أَعْرِفْكَ. فَقَالَ: إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى. هذا الحديث قد مرَّ في باب قول الرجل للمرأة عند القبر: اصبري، بهذا السند والمتن، ومرَّ الكلام هناك على ما يتعلق بمعانيه مستوفى، واستدل به هنا على جواز زيارة القبور، سواء كان الزائر رجلًا أو امرأة كما مرَّ، وسواء كان المزور مسلمًا أو كافرًا، لعدم الاستفصال في ذلك. قال النوويّ: وبالجواز قطع الجمهور، وقال صاحب الحاوي، أي الماوَرْدِيّ: لا تجوز زيارة قبر الكافر، وهو غلط، وحجة الماوردي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ قال في "الفتح": وفي الاستدلال بذلك نظرٌ لا يخفى. قلت: الظاهر ما قاله الماوَرْدِيّ من عدم جواز زيارة قبر الكافر، لما في زيارته من توهين عقيدة عوامّ المسلمين، وتعظيم محالّ الكفار، وتقويتهم على ضلالهم، ولأن محل قبر الكافر حفرة من حفر النار، كما في الحديث الصحيح، فكيف يؤمر بزيارة حُفر النار؟. وقد أمر ﵊ بعدم دخول محالّ العذاب، وقبر الكافر من محالّ العذاب كتابًا وسنة واجماعًا. فما قاله الماورديّ متعين، واستدلاله واضح في محله. وقال ابن حبيب: لا بأس بزيارة القبور والجلوس إليها والسلام عليها عند المرور بها، وقد فعل ذلك رسول الله ﷺ ، وسئل مالك عن زيارة القبور فقال: "كان نهى عنه، ثم أذن فيه، فلو فعل ذلك إنسان، ولم يقل إلا خيرًا" لم أر بذلك بأسًا. وفي "التوضيح" أجمعت الأمة على زيارة قبر نبينا ﷺ ، وأبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، وكان ابن عمر إذا قدم من سفر أتى قبره المكرم فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه. ومعنى النهي عن زيارة القبور إنما كان في أول الإِسلام عند قربهم

стр. 5408

لابن عمر تقدم موصولًا في الجمعة في باب الجمعة في القرى والمدن، ومرَّ استيفاء الكلام عليه هناك. ووجه الاستدلال به هو أن من جملة رعايته لهم أن يكون الشر من طريقته فيجري أهله عليه، أو يراهم يفعلون الشر فلا ينهاهم عنه، فيُسْأل عن ذلك ويؤاخذ. وقد تعقب استدلال البخاري بهذه الآية الحديث على ما ذهب إليه من حمل حديث الباب عليه, لأن الحديث ناطق بأن الميت يُعَذّب ببكاء أهله، والآية والحديث يقتضيان أنه يعذب بسنته، فلم يتعدَّ الموردان، والجواب أنه لا مانع في سلوك طريق الجمع من تخصيص بعض العمومات، وتقييد بعض المطلقات، فالحديث، وإن كان دالًا على تعذيب كل ميت بكل بكاء، لكن دلت أدلةٌ أُخرى على تخصيص ذلك ببعض البكاء، كما يأتي توجيهه. وتقييد ذلك بمن كانت سنته أو أهمل النهي عن ذلك، فالمعنى على هذا أنَّ من يعذب ببكاء أهله من كان راضيًا بذلك، بأن تكون تلك طريقته الخ، ولذلك قال المصنف: فإذا لم يكن من سنته، أي: كمن كان لا شعور عنده، بأنهم يفعلون شيئًا من ذلك، أو أدى ما عليه، بأن نهاهم، فهذا لا مؤاخذة عليه بفعل غيره، ومن ثم قال ابن المبارك: إذا كان ينهاهم في حياته، ففعلوا شيئًا من ذلك بعد وفاته، لم يكن عليه شيء. وقوله: فهو كما قالت عائشة، أي: كما استدلت عائشة بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي: ولا تحمل حاملة ذنبًا ذنب أُخرى عنها، وهذا حمل منه لانكار عائشة على أنها أنكرت عموم التعذيب لكل ميت بُكي عليه. وأما قوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ ففي رواية أبي ذَرٍّ وحدَه "وإن تدع مثقلة ذنوبًا إلى حملها" وليست "ذنوبًا" في التلاوة، وإنما هو تفسير مجاهد، فنقله المصنف عنه، وموقع التشبيه في قوله: إن الجملة الأولى دلت على أن النفس المذنبة لا يؤاخذ غيرها بذنبها، فكذلك الثانية دلت على أن النفس المذنبة لا يحمل عنها غيرها شيئًا من ذنوبها, ولو طلبت ذلك ودعت إليه، ومحل ذلك كله إنما هو في حق من لم يكن له في شيء من ذلك تسبُّبٌ، وإلا فهو يشاركه، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ وقوله ﷺ "فإنْ توليتَ فإنما عليك إثم الإِرِّيْسِيين". وقوله: وما يرخص من البكاء في غير نوح، هذا معطوف على أول الترجمة، أي: باب قول النبي الخ، وباب ما يرخص من البكاء، وكأنه أشار إلى حديث أبي مسعود الأنصاريّ وقُرَظَةَ كعب قالا: رخص لنا في البكاء عند المصيبة في غير نوح، أخرجه ابن أبي شيبة والطبرانيّ، وصححه الحاكم، لكن ليس إسناده على شرط البخاريّ، فاكتفى بالإشارة إليه، واستغنى عنه بأحاديث الباب الدالة على مقتضاة. وقوله: وقال النبيّ ﷺ "لا تقتلُ نفس ظلمًا .. " الحديث، وهذا طرف من حديثٍ لابن مسعود، وصله المصنف في الدِّيات وغيرها، ووجه الاستدلال به أن القاتل المذكور يشارك من صنع

стр. 5409

صنيعه، لكونه فتح له الباب، ونهج له الطريق، فكذلك من كانت طريقته النوح على الميت، يكون قد نهج تلك الطريق، فيؤاخذ على فعله الأول وحاصل ما بحثه المصنف في هذه الترجمة أن الشخص لا يعذَّب بفعل غيره إلا إذا كان له فيه تسبب، فمن أثبت تعذيب شخص بفعل غيره فمراده هذا، ومن نفاه فمراده ما إذا لم يكن له فيه تسبب أصلًا. وقد اعترض بعضهم على استدلال البخاريّ بهذا الحديث, لأن ظاهره أن الوِزر يختص بالبادىء دون من أتى بعده، فعلى هذا يختص التعذيب بأول من سن النوح على الموتى، والجواب أنه ليس في الحديث ما ينفي الإِثم عن غير البادىء، فيستدل على ذلك بدليل آخر، وإنما أراد المصنف بهذا الحديث الرد على من يقول إن الإِنسان لا يعذب إلا بذنب باشره بقوله أو فعله، فأراد أن يبين أنه قد يعذب بفعل غيره، إذا كان له فيه تسبب. الحديث الخامس والأربعون حَدَّثَنَا عَبْدَانُ وَمُحَمَّدٌ قَالاَ أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: أَرْسَلَتِ ابْنَةُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْهِ إِنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ فَائْتِنَا. فَأَرْسَلَ يُقْرِىءُ السَّلاَمَ وَيَقُولُ إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ. فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرِجَالٌ، فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ قَالَ حَسِبْتُهُ أَنَّهُ قَالَ كَأَنَّهَا شَنٌّ. فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ. فَقَالَ سَعْدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا فَقَالَ هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ. قوله: عن أبي عثمان، في رواية شعبة في أواخر الطب عن عاصم "سمعت أبا عثمان". وقوله: أرسلتْ بنت رسول الله ﷺ ، هي زينب كما في رواية أبي معاوية عن عاصم المذكور في مصنف ابن أبي شيبة. وقوله: إن ابنًا لي، هو عليّ بن أبي العاص، على أنها زينب، وقيل: مُحسن بن عليّ على أنها فاطمة البَتول، كما في مسند البزّار، ويأتي في السند تعريف عليّ ومُحسن. قال في "الفتح": والصواب أن المرسِلة زينب، وأن الولد صبية، كما ثبت في مسند أحمد بلفظ "أُتي النبيّ ﷺ بأمامةَ بنت زينب" زاد ابن سعد "ونفسها تَقَعْقَعُ كأنها في شَنٍّ" ولا يرد على هذا ما ثبت بالاتفاق أن أمامة عاشت بعد النبي ﷺ ، وتزوجها علي بن أبي طالب بعد وفاة فاطمة، وعاشت عنده حتى قتل عنها, لأنه يجاب عنه بأن المراد بقوله في حديث الباب: إن ابنًا لي قُبض، أي: قارب أن يُقْبَض، ويدل على ذلك أن في رواية حماد "أرسلت تدعوه إلى ابنها في الموت".

стр. 5410

وفي رواية شعبة "إن ابنتي قد حُضِرت" وهو عند أبي داود من طريقه "إنَّ ابني أو ابنتي" والصواب، كما مرَّ، قول من قال ابنتي، لا ابني، فقد روى الطبرانيّ في "الكبير" عن عبد الرحمن بن عوف قال: استُعِزَّ بأُمامةَ بنت أبي العاص، فبعثت زينب بنت رسول الله ﷺ إليه، فذكر الحديث. وفيه مراجعة سعد في البكاء وغير ذلك. وقوله في هذه الرواية "استُعِز" بضم المثناة وكسر المهملة وتشديد الزاي، أي: اشتد بها المرض، وأشرفت على الموت، والذي يظهر أن الله تعالى أكرم نبيه ﵊، لمّا سلم لأمر ربه، وصبر ابنته ولم يملك مع ذلك عينيه من الرحمة والشفقة، بأنْ عافى الله ابن ابنته في ذلك الوقت، فخلصت من تلك الشدة، وعاشت تلك المدة، وهذا ينبغي أن يُذكر في دلائل النبوءة. وقوله: يُقرىء السلام، بضم أوله، وقوله: إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، قدم ذكر الأخذ على الإعطاء، وإن كان متأخرًا في الواقع، لما يقتضيه المقام، والمعنى أن الذي أراد الله أن يأخذه هو الذي كان أعطاه، فإن أخذه أخذ ما هو له، فلا ينبغي الجَزَع, لأن مستودَع الأمانة لا ينبغي له أن يجزعَ إذا استعيدت منه. ويحتمل أن يكون المراد بالإِعطاء إعطاء الحياة لمن بقي بعد الميت، أو ثوابهم على المصيبة، أو ما هو أعم من ذلك، "وما" في الموضعين مصدرية، ويحتمل أن تكون موصولة، والعائد محذوف، فعلى الأول التقديرُ: لله الأخذ والإعطاء، وعلى الثاني: لله الذي أخذه من الأولاد، وله ما أعطى منهم، أو ما هو أعم من ذلك كما مرَّ. وقوله: وكلٌّ عنده بأجل، أي: كل من الأخذ والإعطاء، أو من الأنفس أو ما هو أعم من ذلك، وهي جملة ابتدائية معطوفة على الجملة المؤكدة، ويجوز في كلٍّ النصبُ عطفًا على اسم "إنّ"، فينسحب التأكيد أيضًا عليه، ومعنى العِندية العلم، فهو من مجاز الملازمة. والأجل يطلق على الحد الأخير، وعلى مجموع العمر. وقوله: مُسَمّى، أي: معلوم مقدر، أو نحو ذلك. وقوله: ولتَحْتَسب، أي: تنوي بصبرها طلب الثواب من ربها, ليحسب لها ذلك من عملها الصالح. وقوله: فأرسلت إليه تقسم، في حديث عبد الرحمن بن عوف "أنها راجعته مرتين، وأنه إنما قام في ثالث مرة"، وكأنها أَلَحَّتْ عليه في ذلك دفعًا لما يظنه بعض أهل الجهل ناقصة المكانة عنده، أو ألهمها الله تعالى أنَّ حضور نبيه عندها يدفع عنها ما هي فيه من الألم، ببركة دعائه وحضوره، فحقق الله ظنها. والظاهر أنه امتنع أولًا، مبالغةً في إظهار التسليم لربه، أو ليبيّن الجواز في أن مَن دُعِي لمثل ذلك لم تجب عليه الإِجابة، بخلاف الوليمة.

стр. 5411

وقوله: فقام ومعه، في رواية حماد: فقام وقام معه رجال، وقد سُمّي منهم غير من ذكر في هذه الرواية عبادةُ بن الصامت، وهو في رواية عبد الواحد في أوائل التوحيد، وفي رواية شُعبة أن أسامة راوي الحديث كان معهم. وفي رواية عبد الرحمن بن عوف أنه كان معهم. وفي رواية شُعبة في الإِيمان والنُّذور "وأبي أو أبي" كذا فيه بالشك، هل بفتح الهمزة وكسر الموحدة وتخفيف الياء، أو بضم الهمزة وفتح الموحدة والتشديد، فعلى الأول يكون معهم زيد بن حارثة أيضًا. لكن الثاني أرجح, لأنه ثبت في رواية هذا الباب بلفظ "وأُبيّ بن كعب" والظاهر أن الشك فيه من شُعبة, لأن ذلك لم يقع في رواية غيره. وقوله "فرفع" أي: بالراء، وفي رواية حماد "فدفع" بالدال، وبيّن في رواية شُعبة أنه وضع في حجره ﷺ ، وفي هذا السياق حذف، والتقدير: فمشوا إلى أن وصلوا إلى بيتها، فاستأذنوا، فأُذن لهم، فدخلوا، فرفع. ووقع بعض هذا المحذوف في رواية عبد الواحد، ولفظه "فلما دخلنا، ناولوا رسول الله ﷺ الصبيّ". وقوله: ونفسه تتقعقع، قال: حسبت أنه قال: كأنها سِنّ، كذا في هذه الرواية, وجزم بذلك في رواية حماد ولفظه "ونفسه تقعقع كأنَّها في شَنٍّ، والقعقعة حكاية صوت الشيء اليابس إذا حرك، والشَّنُّ، بفتح المعجمة وتشديد النون، القربةُ الخَلِقَةُ اليابسة. وعلى الرواية الثانية شبه البدن بالجلد اليابس الخلق، وحركة الروح فيه. بما يطرح في الجلد من حصاة ونحوها، وأما الرواية الأولى فكأنه شبه النَّفْس بنَفْس الجلد، وهو أبلغ في الإِشارة إلى شدة الضعف، وذلك أظهر في التشبيه. وقوله: ففاضت عيناه، أي: النبي ﷺ ، وصرح به في رواية شُعبة. وقوله: فقال سعد، أي: ابن عُبادة المذكور. وصرح به في رواية عبد الواحد. وفي ابن ماجه عن عبد الواحد "فقال عُبادة بن الصامت" والصواب ما في الصحيح. وقوله: ما هذا، في رواية عبد الواحد "فقال سعد بن عُبادة، أتبكي؟ " زاد أبو نعيم في "المستخرج" وتنهى عن البكاء. وقوله: فقال هذه رحمة، أي: الدمعة أثر رحمة، أي: أنّ الذي يَفيض من الدمع من حُزن القلب بغير تَعمد من صاحبه، ولا استدعاء، لا مؤاخذةَ عليه فيه، إنما المنهيُّ عنه الجزع وعدم الصبر. وقوله: وإنما يرحم الله من عباده الرحماء، في رواية شُعبة في أواخر الطب "ولا يرحم الله من عباده إلا الرحماء" ومن، في قوله "من عباده" بيانيةٌ، وهي حال من المفعول قدمه، فيكون أوقع, والرحماء جمع رحيم، وهو من صيغ المبالغة، ومقتضاه أن رحمة الله تختص بمن اتصف بالرحمة،

стр. 5412

وتحقق بها، بخلاف من فيه أدنى رحمة، لكن ثبت في حديث عبد الله بن عمرو عند أبي داود وغيره "الراحمون يرحمهم الرحمن" والراحمون جمع راحم، فيدخل فيه كل من فيه أدنى رحمة. وذكر الحربيّ مناسبة الإِتيان بلفظ الرحماء في حديث الباب بما حاصله أن لفظ الجلالة دال على العظمة، وقد عرف بالاستقراء أنه حيث ورد يكون مسوقًا للتعظيم، فلما ذكر هنا ناسب ذكر من كثرت رحمته وعظمته، ليكون الكلام جاريًا على نسق التعظيم بخلاف الحديث الآخر، فإن لفظ الرحمن دال على العفو، فناسب أن يذكر معه كل ذي رحمة، وإنْ قلّت. وفي هذا الحديث من الفوائد، غير ما تقدم، جوازُ استحضار ذوي الفضل للمحتضر، لرجاء بركتهم ودعائهم، وجواز القسم عليهم لذلك، وجواز المشي إلى التعزية، والعيادة بغير إذن، بخلاف الوليمة، وجواز إطلاق اللفظ الموهم لما لم يقع بأنه يقع مبالغة في ذلك، لينبعث خاطر المسؤول في المجني للإِجابة إلى ذلك. وفيه استحباب إبرار القسم وأمر صاحبة المصيبة بالصبر قبل وقوع الموت، ليقع وهو مستشعر بالرضا، مقاومًا للحزن بالصبر، وإخبار من يستدعى بالأمر الذي يستدعى من أجله، وتقديم السلام على الكلام، وعيادة المريض ولو كان مفضولًا أو صبيًا صغيرًا. وفيه أن أهل الفضل لا ينبغي أن يقطعوا الناس عن فضلهم، ولو ردوا أول مرة، واستفهام التابع أمامه عما يشكل عليه، مما يتعارض ظاهره، وحسن الأدب في السؤال، لتقديمه قوله "يا رسول الله" على الاستفهام. وفيه الترغيب في الشفقة على خَلْق الله والرحمة لهم، والترهيب من قساوة القلب وجمود العين، وجوازُ البكاء من غير نَوْح ونحوه. رجاله ستة: قد مرّوا، وفيه ذكر ابنة للنبي ﷺ ، وابن لها مبهمين، وذكر سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأُبَيّ بن كعب وزيد بن ثابت، ولفظ رجال مبهمين. مرَّ عبدان وعبد الله بن المبارك في السادس من بدء الوحي، ومرَّ محمد بن مقاتِل في التاسع من العلم، ومرَّ عاصم الأحول في الخامس والثلاثين من الوضوء، ومرَّ أسامة بن زيد في الخامس منه، ومرَّ أبو عثمان النَّهديّ في الخامس من مواقيت الصلاة، ومرَّ معاذ بن جبل في الأثر الثاني من الإيمان, ومرَّ أُبَيّ بن كعب في السادس عشر من العلم، ومرَّ زيد بن ثابت في تعليق بعد الثاني والعشرين من كتاب الصلاة.

стр. 5413

والابنة المذكورة قيل إنها زينب، والابن قيل هو علي بن أبي العاص بن الربيع، وقيل: الصواب ابنة وأنها أمامة بنت أبى العاص، هذا على أن البنت زينب، وقيل: أن البنت فاطمة الزهراء، وأن الابن ولدها مُحْسِن بن عليّ بن أبي طالب. وها أنا اذكر من مرَّ، وأعَرِّف من لم يمر. مرت زينب في الثاني والثلاثين من الوضوء، ومرت فاطمة الزهراء في الخامس والمئة منه، ومرت أُمامة بنت أبي العاص بن الربيع في التاسع والمئة من استقبال القبلة. والباقي اثنان الأول: علي بن أبي العاص بن الربيع بن عبد العُزّى بن عبد شمس بن أمية القرشيّ العبشميّ، سبطُ النبيّ ﷺ ، أمه زينب ﵍، استُرضع في بني غاضرة، فافتصله النبي ﷺ منهم، وأبو العاص مشرك بمكة، وقال: من شاركني في شيء فأنا أحق به منه. قال الزبير: توفي عليّ بن أبي العاص وقد ناهز الحُلم، وكان النبي ﷺ أردفه على راحلته يوم الفتح. وقال ابن منده: توفي وهو غلام، في حياة النبي ﷺ . وقال ابن عساكر: ذكر بعض أهل العلم بالنسب أنه قتل يوم اليرموك. والثاني محسّن، بتشديد السين، ابن عليّ بن أبي طالب، سبط النبي ﷺ ففي مسند أحمد عن علي قال: لما ولد الحَسَن سميته حربًا، فجاء رسول الله ﷺ فقال: أروني ابني ما سميتوه؟ قلنا: حربًا، قال: بل هو حسن. فلما ولد الحُسين، فذكر مثله، وقاله: بل هو حُسين، فلما ولد الثالث قال مثله، وقال: بل هو مُحَسِّن، ثم قال. "سميئهم بأسماء ولد هارون شَبَر وشُبَير ومُشَبَّر" إسناده صحيح. والرجال المبهمون، ذكر منهم في غير هذه الرواية, عبادةُ بن الصامت وعبد الرحمن بن عوف وأسامة بن زيد راوي الحديث، وقيل: فيهم أبوه زيد بن حارثة، وهؤلاء قد مرّوا، مرَّ عبادة بن الصامت في الحادي عشر من الإِيمان, ومرَّ عبد الرحمن في السابع والخمسين من الجمعة، وأسامة مرَّ محله في رجال السند ومرَّ أبوه زيد بن حارثة في التاسع من كتاب الجنائز هذا، فلم يبق من جميع من ذكر في هذا الحديث إلا سعد بن عبادة. وها أنا أذكر تعريفه فأقول: هو سَعْد بن عُبادة بن دُليم بن حارثة بن حَرام بن خُزيمة بن ثَعْلبة بن طَريف بن الخَزْرج بن سَاعدة بن كعب بن الخزرج، الأنصاريّ، سيد الخزرج، يكنى أبا ثابت، وأبا قيس، وأمه عمرة بنت مسعود، لها صحبة، وماتت في زمن النبي ﷺ ، شهد سعدٌ العقبة، وكان أحد النقباء. واختلف في شهوده بدرًا، فأثبته البخاريّ، وقال ابن سعد: كان يتهيّأ للخروج فنهس، فأقام، وقال النبي ﷺ : "لقد كان حريصًا عليها" وكان يكتب بالعربية، ويُحسن العَوْم والرمي، فكان يقال له الكامل. مشهورًا بالجود هو وأبوه وجده وولده. يقال: لم يكن في العرب أربعة مطعمُون يتوالون

стр. 5414

في بيت واحد إلا قيس بن سعد بن عبادة بن دُليم، وقيل: كان ذلك في صَفوان بن أمية، وأخرج ابن عبد البَرّ بسنده عن نافع قال: مرَّ ابن عمر على أُطُمِ سعد فقال لي: يا نافع، هذا أُطُمُ جوادٍ، لقد كان مناديه ينادي يومًا في كل حول: من أراد الشحم واللحم فليأتِ دارَ دُليم. فمات دُليم فنادى منادي عُبادة مثل ذلك، ثم مات عبادة، فنادى منادي سعد بمثل ذلك، ثم قد رأيت قيس بن سعد يفعل مثل ذلك. وكان جدهم دُليم يهدي إلى مناةَ، صنم، كل عام عشر بُدْن، ثم كان عبادة يهديها كذلك إلى أن أسلم، ثم أهداها قيس إلى الكعبة، وكانت حفنة سعد تدور مع النبي ﷺ في بيوت أزواجه. وروى ابن أبي الدنيا، كان أهل الصُّفَّة إذا أمسوا انطلق الرجل بالواحد، والرجل بالاثنين، والرجل بالجماعة، وأما سعد فكان ينطلق بثمانين. وكان سعد يقول: "اللهمَّ هب لي مجدًا، ولا مجد إلا بِفعال، ولا فِعال إلا بمال، اللهم إنه لا يصلحني القليل، ولا أصلح عليه". وروى أحمد عن قيس بن سعد قال: زارنا النبيّ ﷺ في منزلنا، فقال: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته" ثم رفع يديه، وقال: "اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة". وروى أبو يعلى عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "جزى الله الأنصار خيرًا، لاسيما عبد الله بن عمرو بن حرام وسعد بن عبادة" وكان قيس بن سعد مع أبي عُبيدة وعمر في غزوة، فقالا له: عزمنا عليك أن لا تنحر، فلم يلتفت إلى ذلك، ونحر فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال: إنه من بيت جُود. وروى مَقْسَم عن ابن عباس قال: كان للنبي ﷺ في المواطن كلها رايتان: مع عليّ راية المهاجرين، ومع سعد بن عبادة راية الأنصار، وفي سعد بن عبادة وسعد بن معاذ جاء الخبر المأثور "أن قريشًا سمعوا صائحًا يصيح ليلًا على أبي قُبَيس: فإن يسلمِ السَّعدانِ يصبحْ محمدٌ ... بمكةَ لا يخشى خلافَ المُخالف فظنت قريش أنهما سعد بن زيد مناة بن تميم، وسعد بن هُذَيم بن قضاعة، فسمعوا الليلة الثانية صوتًا على أبي قُبيس: أيا سعدُ سعدَ الأوسِ قد كنت ناصرًا ... وسعدُ سعدَ الخزرجينَ العَظارفِ أجيبا إلى داعي الهُدى وَتَمَنَّيا ... على الله في فردوس مُنْيَةَ عارفِ فإنَّ ثوابَ الله في طالب الهدى ... جِنانٌ من الفردوس ذاتُ رفارفِ وقد استشارهما النبي ﷺ يوم الخندق، لما أراد عُيينة بن حِصن أن يعطيه ثلث تمر المدينة، وينصرف بمن معه من غطفان، ويخذل أهل الأحزاب، فقالا: يا رسول الله، إنْ كنت أُمرتَ بشيء

стр. 5415

فافعله، وإنْ كان غير ذلك فوالله لا نعطيهم إلا السيف، ووالله ما أكلوا منها تمرة بذلك في الجاهلية، فكيف اليوم وقد هدانا الله بك، وأكرمنا وأيّد؟ فوالله لا نعطيهم إلا السيف، فَسُر النبي ﷺ بقولهما، وقال لهما: "إنما هو رأي أعرضه عليكم" وأرسل إلى عُيينة بن حِصن: "ليس بيننا وبينكم إلا السيف"، ورفع بها صوته. وكانت راية رسول الله ﷺ ، يوم الفتح، بيد سعد بن عبادة، فمر بأُبيّ، فقال سعد إذ نظر إليه: اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل فيه الحرمة، اليوم أذل الله فيه قريشًا، فلما أقبل عليه رسول الله ناداه: يا رسول الله، أمرت بقتل قومك، فإن سعدًا زعم حين مرَّ بنا، هو ومن معه، أنه قاتلُنا، وقال: اليوم يوم الملحمة .. الخ، وإني أنشدك الله في قومك، وأنت أبر الناس وأرحمهم وأوصلهم. وقال عثمان وعبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله ما نأمن سعدًا أنْ تكون له صولة في قريش، فقال له رسول الله ﷺ : يا أبا سفيان: اليوم يوم المرحمة، اليوم أعز الله فيه قريشًا، وأنشده ضرار بن الخطاب قصيدته: يا نبيّ الهُدى إليك لجى جـ ... ـثى قريش، ولات حين لحاءِ إلى أن قال: إنّ سعدًا يريد قاصمة الظهر ... بأهل الحَجون والبطحاءِ فأمر النبي ﷺ بنزعها منه، وجعلها في يد ولده قيس، ورأى أنها لم تخرج منه، إذ صارت لابنه. وقصته في تخلفه عن بيعة أبي بكر مشهورة، وخرج إلى الشام، ومات بحوران سنة خمس عشرة، وقيل سنة ست عشرة، وقبره ببُصرى، وقيل قبره بالنيحة، قرية بدمشق بالغوطة، وقيل إنه مات في خلافة أبي بكر سنة إحدى عشرة، ولم يختلفوا أنه وُجد ميتًا في مغتسله، وقد اخضر جسده، ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلًا يقول، ولا يرون أحدًا: قد قتلنا سيد الخز ... رج سعد بن عباده رميناه بسهميـ ... ـن فلم نخط فؤاده ويقال إن الجن قتلته. له أحاديث، روى عنه بنوه قيس وسعيد وإسحاق، وروى عنه ابن عباس وأمامة بن سهل.

стр. 5416

لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإفراد والإخبار بالجمع والعنعنة والقول، والثلاثة الأول من الرواة مروزيون، والباقيان بصريان، أخرجه البخاريّ أيضًا في الطب والنذور والتوحيد، ومسلم في الجنائز، وكذا أبو داود، والنَّسائي وابن ماجه. الحديث السادس والأربعون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِلاَلِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ شَهِدْنَا بِنْتًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ قَالَ فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ قَالَ فَقَالَ هَلْ مِنْكُمْ رَجُلٌ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ. فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ أَنَا. قَالَ فَانْزِلْ. قَالَ فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا. قوله: عن هلال، في رواية محمد بن سنان الآتية بعد أبواب "حدثنا هلال". وقوله: شهدنا بنتًا، هي أم كلثوم زوج عثمان، رواه الواقديّ، وأخرجه ابن سعد في الطبقات في ترجمة أم كلثوم، وكذا الدولابيّ في الذرية الطاهرة، وكذلك رواه الطبريّ والطحاويّ من هذا الوجه، ورواه حمّاد بن سَلَمة عن ثابت عن أنس، فسماها رُقية ماتت، والنبي ﷺ ببدر لم يشهدها، ووهم حماد في تسميتها، ويؤيد الأول ما رواه ابن سعد أيضًا في ترجمة أم كلثوم عن عَمرة بنت عبد الرحمن، قالت: نزل في حفرتها أبو طلحة، وأغرب الكرمانيّ فقال: هذه البنت كانت لبعض بنات النبي ﷺ ، فنسبت إليه، وكأنه ظن أن الميتة في حديث أنس هي المحتضرة في حديث أسامة، وليس كذلك، لما بيناه. وقوله: لم يقارف، أي بقاف وفاء، زاد ابن المبارك عن فُليح "أراه يعني الذنب" كما يأتي عند المصنف في باب "من يدخل القبر المرأة" تعليقًا، ووصله الإِسماعيليّ، وكذا شريح بن النعمان عن فليح، أخرجه أحمد عنه، وقيل: معناه لم يجامع تلك الليلة، وبه جزم ابن حزم، وقال: معاذ الله أن يتبجح أبو طلحة عند النبي ﷺ بأنه لم يذنب تلك الليلة، ويقويه أن في رواية ثابت المذكورة بلفظ "لا يدخل القبر أحد قارف أهله البارحة، فتنحّى عثمان". وحكي عن الطحاويّ أنه قال: لم يقارف، تصحيف، والصواب لم يقاول، أي ينازع غيره الكلام, لأنهم كانوا يكرهون الحديث بعد العشاء. وتعقب بأنه تغليط للثقة بغير مستند، وكأنه استبعد أن يقع لعثمان ذلك، لحرصه على مراعاة الخاطر الشريف، ويجاب عنه باحتمال أن يكون

стр. 5417

مرض المرأة طال، واحتاج عثمان إلى الوقاع، ولم يظن عثمان أنها تموت تلك الليلة. وليس في الخبر ما يقتضي أنه واقع بعد موتها، بل ولا حين احتضارها. وفي هذا الحديث جواز البكاء، كما ترجم له، وإدخال الرجال المرأة قبرها, لكونهم أقوى على ذلك من النساء، وإيثار البعيد العهد عن المَلاَذّ في مواراة الميت، ولو كان امرأة على الأب والزوج، وقيل، إنما آثره بذلك لكونها كانت صنعته، وفيه نظر، فإن ظاهر السياق أنه ﵊ اختاره، لكونه لم يقع منه في تلك الليلة جماع، وعلل ذلك بعضهم بأنه حينئذ يأمن من أنْ يذكره الشيطان بما كان منه تلك الليلة. وحكى عن ابن حبيب أن السر في إيثار أبي طلحة على عثمان، أن عثمان كان قد جامع بعض جواريه تلك الليلة، فتلطف ﷺ في منعه من قبر زوجته من غير تصريح. وفي رواية حمّاد المذكورة "فلم يدخل عثمان القبر". قلت: في هذا الحديث إشكال، ولم أر مَن نَبّه عليه من شروح المؤلف، وهو أن أبا طلحة أجنبيّ عن أم كلثوم، فكيف يسوغ له إدخالها في قبرها، وأبوها ﵊ حاضر، وزوجها حاضر؟ وإذا كان جامع في تلك الليلة هل يكون جماعه مبيحًا مَسَّ الأجنبيّ للأجنبية؟ ولم أر له جوابًا اللهم إلا أنْ يقال إن لمس الأجنبية، من فوق الحائل الكثيف، جائز، ولم أر من نص عليه من الأئمة، إلا أنَّ في رواية عند أبي داود وعبد الرزاق وسعيد بن منصور، أنه ﵊، بايع النساء وعلى يده بُرد، وهذا يدل على الجواز من فوق ثوب، لكن الحمل أشد من اللمس، وأما التعليل بكونه صنعته، فليس فيه جواب، لإمكان تعليمه للمحارم من غير أن يباشر هو، والتعليل ببعده عن الملاذ، لئلا يذكّره الشيطان .. الخ، كأن الأَوْلى في التعليل عكسُه, لأن قريب العهد بقضاء شهوته آمنُ فتنةٌ من البعيد العهد عنها، كما هو مقرر، لا يمكن الخلف فيه. وقد تذاكرت قديمًا أنا وأحد أشياخي في إشكال هذا الحديث. وفي الحديث جواز الجلوس على شفير القبر عند الدفن، واستدل به على جواز البكاء بعد الموت، وحكى ابن قُدامة في المغني عن الشافعي أنه يكره لحديث جَبْر بن عَتيك في الموطأ، فإن فيه "فإذا وجب فلا تَبْكِيَنَّ باكية" يعني إذا مات، وهو محمول على الأولوية، والمراد: لا ترفع صوتها بالبكاء. ويمكن أن يفرق بين الرجال والنساء في ذلك, لأن النساء قد يفضي بهن البكاء إلى ما يحذر من النوح، لقلة صبرهن، واستدل به بعضهم على جواز الجلوس عليه مطلقًا، وسيأتي استيفاء الكلام عليه في باب "الجريدة على القبر" إن شاء الله تعالى. وفيه فضيلة لعثمان لإِيثاره الصدق،

стр. 5418

وإن كان عليه فيه غضاضة. رجاله خمسة: وفيه ذكر بنت للنبي ﷺ ، وهي أم كلثوم، وذكر أبي طلحة، وقد مرَّ الجميع، مرَّ عبد الله المسنديّ وأبو عامر العَقْديّ في الثاني من الإيمان, ومرَّ أنس في السادس منه، ومرَّ فليح وهلال في الأول من العلم، ومرت أم كلثوم في الثاني والثلاثين من الوضوء، ومرَّ أبو طلحة في السادس والثلاثين منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواته بخاريٌّ وبصريٌّ ومدنيان، أخرجه البخاريّ أيضًا في الجنائز، والتِّرمذيّ في الشمائل. الحديث السابع والأربعون حَدَّثَنَا عَبْدَانُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ تُوُفِّيَتِ ابْنَةٌ لِعُثْمَانَ ﵁ بِمَكَّةَ وَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا، وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃ وَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا أَوْ قَالَ جَلَسْتُ إِلَى أَحَدِهِمَا. ثُمَّ جَاءَ الآخَرُ، فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِي فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمَرَ ﵄ لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ أَلاَ تَنْهَى عَنِ الْبُكَاءِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَدْ كَانَ عُمَرُ ﵁ يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ، ثُمَّ حَدَّثَ قَالَ صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ ﵁ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ، إِذَا هُوَ بِرَكْبٍ تَحْتَ ظِلِّ سَمُرَةٍ فَقَالَ اذْهَبْ، فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلاَءِ الرَّكْبُ قَالَ فَنَظَرْتُ فَإِذَا صُهَيْبٌ، فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ ادْعُهُ لِي. فَرَجَعْتُ إِلَى صُهَيْبٍ فَقُلْتُ ارْتَحِلْ فَالْحَقْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَلَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ دَخَلَ صُهَيْبٌ يَبْكِي يَقُولُ وَاأَخَاهُ، وَاصَاحِبَاهُ. فَقَالَ عُمَرُ ﵁ يَا صُهَيْبُ أَتَبْكِى عَلَيَّ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ ﵁ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ ﵂ فَقَالَتْ رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ، وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ لَيُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ. وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ. وَقَالَتْ حَسْبُكُمُ الْقُرْآنُ ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ

стр. 5419

وِزْرَ أُخْرَى﴾. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ عِنْدَ ذَلِكَ وَاللَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى. قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ وَاللَّهِ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ شَيْئًا. قوله: بنت لعثمان، هي أم أبَان، كما يأتي قريبًا في رواية أيوب، وقوله: وإني لجالس بينهما، أو جلست بينهما، هذا شك من ابن جُريج، ولمسلم عن أيوب عن ابن أبي مُليكة قال: كنت جالسًا إلى جنب ابن عمر، ونحن ننتظر جنازة أم أبان بنت عثمان، وعنده عمرو بن عثمان، فجاء ابن عباس يقوده قائده، فأراه أخبره بمكان ابن عمر، فجاء حتى جلس إلى جنبي، فكنت بينهما، فإذا صوتٌ من الدار. وفي رواية عمرو بن دينار عن ابن أبي مليكة عند الحميديّ "فبكى النساء" فظهر السبب في قول ابن عمر لعمرو بن عثمان ما قال. والظاهر أن المكان الذي جلس فيه ابن عباس كان أوفق له من الجلوس بجنب ابن عمر، أو اختار أن لا يقيم ابن أبي مليكة من مكانه، ويجلس فيه للنهي عن ذلك. وقوله: فلما أصيب عمر، يعني بالقتل، وأفاد أيوب في روايته أن ذلك عقب الحجة المذكورة، ولفظه "فلما قدمنا لم يلبث عمر أن أصيب" وفي رواية عمرو بن دينار "لم يلبث أنْ طُعن" وقوله: قال ابن عباس "فلما مات عمر .. الخ"، هذا صريح في أن رواية ابن عباس عن عائشة عنها، ورواية مسلم توهم أنه من رواية ابن أبي مليكة عنها، والقصة كانت بعد موت عائشة، لقوله فيها "فجاء ابن عباس يقوده قائده" فإنه إنما عمي في آخر عمره، ويؤيد كون ابن أبي مليكة لم يحمله عنها، أن عند مسلم في أواخر القصة قال ابن أبي مليكة؛ وحدثني القاسم بن محمد، قال: لما بلغ عائشة قول ابن عمر قالت: إنكم لتحدثون عن غير كذا بين ولا مكذوبين، ولكن السمع يخطىء، وهذا يدل على أن ابن عمر كان قد حدث به مرارًا، وسيأتي في الحديث الذي بعده أنه حدث بذلك لما مات رافع بن خديج. وقوله: ولكنْ رسول الله ﷺ ، بسكون نون لكنْ، ويجوز تشديدها. وقوله: حسْبكم القرآن، أي: بسكون السين المهملة، أي: كافيكم القرآن في تأييد ما ذهبت إليه من رد الخبر، وقد مرَّ تقرير استدلالها بالآية في أول الباب. وقوله: قال ابن عباس عند ذلك، أي: عند انهاء حديثه عن عائشة، والله هو أضحك وأبكى أي أنّ العبرة لا يملكها ابن آدم، ولا تسبب له فيها، فكيف يعاقب عليها فضلًا عن الميت؟ وقال الداودي: معناه أن الله تعالى أذِنَ في الجميل من البكاء، فلا يعذب على ما أذن فيه، وقال الطيبيّ: غرضه تقرير قول عائشةَ، أي: أن بكاء الإنسان وضحكه من الله، يظهره فيه، فلا أثر

стр. 5420

له في ذلك. وقوله: ما قال ابن عمر شيئًا، قال الطيبيُّ وغيره: ظهرت لابن عمر الحجة، فسكت مذعنًا، وقال ابن المنير: سكوته لا يدل على الإذعان، فلعله كره المجادلة في ذلك المقام. وقال القرطبيّ: ليس سكوته لشكٍ طرأ له بعدما صرح برفع الحديث، ولكن احتمل عنده أن يكون الحديث قابلًا للتأويل، ولم يتعين له محمل يحمله عليه إذ ذاك، أو كان المجلس لا يقبل المماراة، ولم تتعين الحاجة إلى ذلك حينئذ، ويحتمل أن يكون ابن عمر فهم من استشهاد ابن عباس بالآية قبولَ روايته, لأنها يمكن أن يتمسك بها في أن لله أن يعذب بلا ذنب، فيكون بكاء الحي علامة لذلك، قاله الكرمانيّ. قال الخطابيّ: الرواية إذا ثبتت لم يكن في دفعها سبيل بالظن، وقد رواه عمر وابنه، وليس فيما حكت عائشة ما يرفع روايتهما، لجواز أن يكون الخبران صحِيحيْن معًا، ولا منافاة بينهما. وقال القرطبيّ: إنكار عائشة ذلك وحكمها على الراوي بالتخطئة أو النسيان، أو على أنه سمع بعضًا ولم يسمع بعضًا، بعيدٌ لأن الرواة لهذا المعنى من الصحابة كثيرون، وهم جازمون، فلا وجه للنفي مع إمكان حمله على محمل صحيح، وقد جمع كثير من أهل العلم بين حديثي عمر وعائشة بضروب من الجمع. أولها طريقة البخاريّ المتقدم توجيهها. ثانيها، وهو أخص من الذي قبله، ما إذا أوصى أهله بذلك، وبه قال المُزَنيّ وإبراهيم الحربيّ وآخرون من الشافعية، وكذا هو مشهور مذهب مالك، وكذا "يعذب بتركه الوصية بتركه مع علمه بامتثالهم لأمره. وقال أبو الليث السَّمَرْقَنْديّ: أنه قول عامة أهل العلم، وكذا نقله النوويّ عن الجمهور، قالوا: وكان معروفًا للقدماء، حتى قال طَرَفَة بن العبد: إذا مِتُّ فانعيني بما أنا أهله ... وشُقِّي عليَّ الجيبَ يا ابنة مَعْبَدِ واعترض بأن التعذيب بسبب الوصية يستحق بمجرد صدور الوصية، والحديث دال على أنه إنما يقع عند وقوع الامتثال، والجواب أنه ليس في السياق حصر، فلا يلزم من وقوعه عند الامتثال أن لا يقع إذا لم يمتثلوا مثلًا. ثالثها يقع ذلك أيضًا بمن أهمل نهي أهله عن ذلك، وهو قول داود وطائفة، وهو قول مالك كما مرَّ، ولا يخفى أن محله ما لم إذا لم يتحقق أنه ليست لهم بذلك عادة، ولا أظن أنهم يفعلون ذلك، قال ابن المرابط: إذا علم المرء بما جاء في النهي عن النوح، وعرف أن أهله من شأنهم يفعلون ذلك، ولم يعلمهم بتحريمه، ولا زجرهم عن تعاطيه، فإذا عذب على ذلك عذب بفعل نفسه، لا

стр. 5421

بفعل غيره بمجرده. رابعها معنى قوله: يعذب ببكاء أهله، أي: بنظير ما يبكيه أهله به، وذلك أن الأفعال التي يعددون بها عليه، غالبًا تكون من الأمور المنهية، فهم يمدحونه بها، وهو يعذب بصنيعه ذلك، وهو عين ما يمدحونه به، وهذا اختيار ابن حزم وطائفة، واستدل له بحديث ابن عمر الآتي بعد عشرة أبواب، في قصة إبراهيم بن النبي ﷺ ، وفيه "ولكن يعذب بهذا" وأشار إلى لسانه. قال ابن حزم: فصح أن البكاء الذي يعذب به الإنسان ما كان منه باللسان إذ يندبونه برياسته التي جار فيها، وشجاعته التي صرفها في غير طاعة الله، وجوده الذي لم يضعه في الحق، فأهله يبكون عليه بهذه المفاخر، وهو يعذب بذلك. وقال الإسماعيليّ: كثر كلام العلماء في هذه المسألة، وقال كل مجتهد على حسب ما قدر له، ومن أحسن ما حضرني وجه لم أرهم ذكروه، وهو أنهم كانوا في الجاهلية يغبِّرون ويسبُّون ويقتلون، وكان أحدهم إذا مات بكته باكيته بتلك الأفعال المحرمة، فمعنى الخبر أن الميت يعذب بذلك الذي يبكي عليه أهله به, لأن الميت يندب بأحسن أفعاله، وكانت محاسن أفعالهم ما ذكر، وهي زيادة ذنب في ذنوبه يستحق العذاب عليها. قلت: ما قاله الإسماعيلي هو ما قبله، ليس بزائد عليه شيئًا. خامسها معنى التعذيب توبيخ الملائكة بما يندبه أهله به، كما روى أحمد عن أبي موسى مرفوعًا "الميت يعذب ببكاء الحي إذا قالت النائحة: واعضداه، واناصراه، واكاسياه، جُبِذ الميت وقيل له: أنت عضدها، أنت ناصرها، أنت كاسيها؟ " ورواه ابن ماجه بلفظ "يتعتع به، ويقال: أنت كذلك" ورواه التِّرمذيّ بلفظ "ما منهم ميت يموت، فتقوم نادبته فتقول: واجبلاه، واناصراه، أو شبه ذلك من القول، إلا وكل به ملكان يَلْهَذَانه: أهكذا كنت؟ ". وشاهده ما رواه المصنف في المغازي عن النعمان بن بشير، قال: أغمي على عبد الله بن رواحة فجعلت أمه تبكي وتقول: واجبلاه، واكذا، فقال حين أفاق: ما قلت شيئًا إلا قيل لي: أنت كذلك؟ سادسها معنى التعذيب تألم الميت بما يقع من أهله من النياحة وغيرها، وهذا اختيار أبي جعفر الطبريّ من المتقدمين، ورجحه ابن المرابط وعِياض ومن تبعه، وجماعة من المتأخرين، واستشهدوا له بحديث قَيْلة بنت مَخْرمة، وهي بفتح القاف وسكون التحتانية، وأبوها بفتح الميم وسكون المعجمة، ثقفية. قلت: "يا رسول الله، قد ولدته فقاتل معك يوم الرَّبْذَة"، ثم أصابته الحمى فمات، ونزل عليّ البكاء، فقال النبي ﷺ "أيغلب أحدكم أن يصاحب صويحبه في الدنيا معروفًا، وإذا مات استرجع، فوالذي نفسُ محمد بيده، إن أحدكم ليبكي، فيستعبر إليه صُويحبه،

стр. 5422

فيا عباد الله، لا تعذبوا موتاكم" وهذا طرف من حديث طويل، حسن الإسناد، وأخرجه ابن خَيْثمة وابن أبي شيبة والطبرانيّ وغيرهم. وأخرج أبو داود والترمذيّ أطرافًا منه. قال الطبريّ: ويؤيده ما قاله أبو هريرة، أن أعمال العباد تعرض على أقربائهم من موتاهم، ثم ساقه بإسناد صحيح، وشاهده حديث النعمان بن بشير مرفوعًا، أخرجه البخاري في تاريخه، وصححه الحاكم. قال ابن المرابط: حديث قَيْلة نصٌّ في المسألة، فلا يعدل عنه، واعترضه ابن رشيد بأنه ليس نصًا في المسألة، وإنما هو محتمل، فإن قوله "فيستعبر إليه صويحبه" ليس نصًا في أن المراد به الميت، بل يحتمل أن يراد به صاحبه الحي، وأن الميت يعذب حينئذ ببكاء الجماعة عليه. ويحتمل أن يجمع بين هذه التوجيهات، فينزل على اختلاف الأشخاص بأن يقال مثلًا: من كان طريقته النوح، فمشى أهله على طريقته، أو بالغ فأوصاهم بذلك، عذب بصنيعه، ومن كان ظالمًا فندب بأفعاله الجائرة عذب بما ندب به، ومن كان يعرف من أهله النياحة فأهمل نهيهم عنها، فإن كان راضيًا بذلك التحق بالأول، وإن كان غير راضٍ عُذّب بالتوبيخ كيف أهمل النهي، ومن سلم من ذلك كله واحتاط فنهى أهله عن المعصية ثم خالفوه وفعلوا ذلك، كان تعذيبه تألمه بما يراه منهم من مخالفة أمره، وإقدامهم على معصية ربهم. وحكى الكرمانيّ تفصيلًا آخر وحسّنه، وهو التفرقة بين حال البرزخ وحال يوم القيامة، فيحمل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ على يوم القيامة، وهذا الحديث وما اشبهه على البرزخ، ويؤيد ذلك أن مثل ذلك، يقع في الدنيا، والإِشارة إليه بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ فإنها دالة على جواز وقوع التعذيب على الإنسان بما ليس له فيه تسبب، فكذلك يمكن أن يكون الحال في البرزخ بخلاف يوم القيامة. قلت: هذا نحو ما مرَّ عنه في تأويل سكوت ابن عمر عن ابن عباس. سابعها أن بعضهم حمل تعذيب الميت بالبكاء عليه على ظاهره، وهو بيِّنٌ من قصة عمر مع صهيب المذكورة في هذا الحديث، ويحتمل أن يكون عمر كان يرى أن المؤاخذة تقع على الميت إذا كان قادرًا على النهيّ، ولم يقع منه، فلذلك بادر إلى صهيب، وكذلك نهى حفصة، كما رواه مسلم عن ابن عمر عنه. وممن أخذ بظاهره ابن عمرو، فروى عبد الرزاق أنه حضر جنازة رافع بن خَديج، فقال لأهله: إن رافعًا شيخ كبير لا طاقة له بالعذاب، وإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه. ويقابل قول هؤلاء قول من رد هذا الحديث، وعارضه بقوله تعالى ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. وممن روى عنه الإنكار مطلقًا أبو هريرة، كما روى أبو يعلى عن بكر بن عبد الله المُزَنيّ قال:

стр. 5423

قال أبو هريرة: والله لئن انطلق رجل مجاهد في سبيل الله فاستشهد، فعمدت امرأة سفهًا وجهلًا فبكت عليه، لا يعذبنَّ هذا الشهيد بذنب هذه السفيهة، وإلى هذا جنح جماعة من الشافعية منهم أبو حامد وغيره. ومنهم من أوَّل قوله "ببكاء أهله عليه" على أن الباء للحال، أي: أن مبدأ عذاب الميت يقع عند بكاء أهله عليه، وذلك أن شدة بكائهم غالبًا إنما تقع عند دفنه، وفي تلك الحالة يسأل ويُبتدأ به عذاب القبر، فكأنّ معنى الحديث أن الميت يُعذب حالة بكاء أهله عليه، ولا يلزم من ذلك أن يكون بكاؤهم سببًا لتعذيبه. حكاه الخطابيّ، وفيه تكلّف، ولعل قائله إِنما أخذه من قوله عائشة "إِنما قال رسول الله ﷺ لَيُعَذب بمعصيته أو بذنبه، وإن أهله ليبكون عليه الآن" أخرجه مسلم عنها. وعلى هذا يكون خاصًا ببعض الموتى، ومنهم من أوَّله على أنّ الراوي سمع بعض الحديث، ولم يسمع بعضه، وأن اللام في الميت لمعهود معين، كما جزم به القاضي أبو بكر الباقلانيّ وغيره، وحجتهم ما يأتي قريبًا في رواية عمرة عن عائشة، بعد هذا الحديث، وقد رواه مسلم من هذا الوجه، وزاد في أوله ذكر لعائشة أن ابن عمر يقول إِن الميت ليعذب ببكاء الحي، فقالت عائشة: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أمَا إنَّه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ، إنما مرَّ رسول الله ﷺ على يهودية فذكرت الحديث، وقد مرَّ ما اعترض به القرطبيّ على هذا القول. ومنهم من أوَّله على أن ذلك مختص بالكافر، وأن المؤمن لا يعذب بذنب غيره أصلًا، وهو بيِّن من رواية ابن عباس عن عائشة في هذا الحديث، وهذه التأويلات عن عائشة متخالفة، وفيه إِشعار بأنها لم ترد الحديث بحديث آخر، بل بما استشعرته من معارضة القرآن. قال الداودي: رواية ابن عباس عن عائشة بيَّنت ما نفته عَمرة وعُروة عنها، إلا أنها خصته بالكافر لأنها أثبتت أن الميت يزداد عذابًا ببكاء أهله، فأي فرقٍ بين أن يزداد بفعل غيره أو يعذب ابتداءًا؟ رجاله سبعة: قد مرّوا، وفيه ذكر صُهيب وبنت لعثمان، وذكر ولده عمرو، مرَّ عبدان وعبد الله بن المبارك في السادس من بدء الوحي، ومرَّ ابن عباس في الخامس منه، ومرَّ عمر في الأول منه، ومرَّ ابن جُريج في الثالث من الحيض، ومرَّ ابن أبي مليكة في تعليق بعد الأربعين من الإيمان, ومرَّ ابن عمر في أوله قبل ذكر حديث منه. والباقي عن التعريف ثلاثة، الأولى أم أبان بنت عثمان بن عفان، وليس لها ذكر في كتب الرجال.

стр. 5424

الثاني أخوها عمرو بن عثمان بن عفان الأمويّ، قيل: يكنى أبا عثمان، ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى، وقال: كان ثقة وله أحاديث. وقال العجليّ مدنيّ ثقة من كبار التابعين، وقال الزبير بن بكّار: كان أكبر ولد عثمان الذين أعقبوا، وذكر أن معاوية زوّجه، لما ولي الخلافة، ابنته رَمْلة. وذكره ابن حِبان في الثقات. روى عن أبيه وأسامة بن زيد، وعنه ابنه عبد الله وعلي بن الحسين وسعيد بن المسيب وغيرهم. الثالث صُهيب بن سِنان بن مالك، ويقال سِنان بن خالد بن عمرو بن عقيل، ويقال: عمرو بن طُفيل بن عامر بن جَنْدلة بن سعد بن جُذَيم بن كعب بن سعد بن أَسْلَم بن أوْس بن زيد مناة بن النَّمِر بن قاسط النِّمريّ، أبو يحيى، وأمه من بين مالك بن عمرو بن تميم، وهو الروميّ، قيل له ذلك، لأن الروم سَبُوه صغيرًا، وكان أبوه وعمه على الأَبُلَّة من جهة كسرى، وكانت منازلهم على دجلة من جهة الموصل، فأغارت الروم على تلك الناحية فسبت صُهيبًا، وهو غلام صغير، فنشأ بالروم فصار ألْكَن، فابتاعه رجل من كَلْب، فباعه بمكة، فاشتراه عبد الله بن جدعان التيميّ، فأعتقه. ويقال، بل هرب من الروم، فقدم مكة، فحالف عبد الله بن جدعان، وكان هرب بمال كثير، وكانت أخته أمية تَنْشُده في المواسم، وعماه لبيد وزُحَر. كان أحمد شديد الحمرة تشوبها صُهُوبة، كثير شعر الرأس، يخضب بالحناء، كان اسمه عُميرة أو عبد الملك، فسماه الروم صُهيبًا أسلم هو وعمّار ورسول الله ﷺ في دار الأرقم، وكان من المستضعفين ممن عُذّب في الله. هاجر إلى المدينة مع عليّ بن أبي طالب في آخر من هاجر في تلك السنة، فقدما في نصف ربيع الأول شهد بدرًا والمشاهد بعدها، وروى ابن عديّ أنه قال: صحبت النبي ﷺ قبل أن يُبعث، وروى الحُميديّ والطبرانيّ من طريق للستة عنه، أنه قال: لم يشهد رسول الله ﷺ مشهدًا قطٌّ إلاّ كنتُ حاضره، ولم يبايع بيعةً قطُّ إلا كنت حاضرها, ولم يَسْر سَرية قطُّ إلاَّ كنتُ حاضَرها, ولا غزا غزوة إلا كنت فيها، عن يمينه أو شماله، وما خافوا أمامهم قطَ إلاَ كنت أمامهم، ولا ما وراءهم إلا كنت وراءهم، وما جعلت رسول الله ﷺ بيني وبين العدوّ حتى توفي. وأخرج ابن عبد البر بسنده عن سعيد بن المسيب قال: لما هاجر صهيب تبعه نفر من المشركين، فانتثر ما في كنانته، وقال: يا معشر قريش، تعلمون أني من أرماكم، ووالله لا تصلون إليّ حتى أرميكم بكل سهم معي، ثم أضربكم بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، فإن كنتم تريدون مالي دللتكم عليه، فرضوا، فعاهدهم ودلهم عليه، فرجعوا فأخذوا ماله، فلما جاء إلى النبيّ ﷺ قال: "ربح البيع"، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾. وروى ابن عَديّ والطبرانيّ أن رسول الله ﷺ قال: "السابق أربعة: أنا سابق العرب، وصهيب

стр. 5425

سابق الروم، وبلال سابق الحبشة، وسلمان سابق فارس" وروي عن مجاهد "أول من أظهر إسلامه سبعة" فذكره، وروى ابن سعد قال: كان عمار بن ياسر يعذَّب حتى لا يدري ما يقول، وكذا صهيب وأبو قائد وعامر بن فُهَيرة وقوم، فأنزل الله فيهم ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ وروي عن النبي ﷺ أنه قال "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحب صهيبًا حب الوالدة لولدها". وأخرج البَغَويّ وابن عبد البَرّ بسنده عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: خرجت مع عمر حتى دخل على صهيبٍ حائطًا له بالعالية، فلما رآه صُهيب قال: يا ناس، يا ناس، قال عمر: ما له، لا أبا له، يدعو الناس؟ فقلت: إنما يدعو غلامًا له يدعى نَخِيس، فقال له: يا صهيب، ما فيك شيء أعيبه، إلاَّ ثلاث خِصال، لولاهنّ ما قَدَّمت عليك أحدًا، أراك تنسب عربيًا ولسانك عجميّ، وتتكنى بأبي يحيى اسم نبي، وتبذل مالك. قال: أما تبذيري مالي فما انفقه إلا في حق، وقد قال رسول الله ﷺ "خياركم من أطعم الطعام وبذل السلام" وأما اكتنائي بأبي يحيى، فإن رسول الله ﷺ كنّاني بذلك، أفأتركها لك؟ وأما انتمائي إلى العرب فإنّ الروم سبتني صغيرًا فأخذتُ لسانهم، وأنا رجل من النمر بن قاسط، لو انغلقت عني رَوْثة لانتسبت إليها. وأخرج ابن عبد البَرّ أن أبا سفيان مرَّ على صُهيب وبلال وسلمان فقالوا: ما أخذت السيوف من عنق عدو الله مأخذها، فقال لهم أبو بكر: تقولون هذا لشيخ قريش وسيدها؟ ثم أتى النبيّ ﷺ فأخبره بالذي قالوا، فقال: "يا أبا بكر لعلك أغضبتهم، فوالذي نفسي بيده لَئِن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك"، فرجع إليهم وقال: يا إخواني، لعلي أغضبتكم، قالوا: لا أبا بكر، يغفر الله لك. قال ابن عبد البرّ: كان صُهيب مع فضله وورعه حسن الخُلُق، مداعبًا، روينا عنه قال: جئتُ النبيّ ﷺ وهو نازل بقُباء، وبين أيديهم رُطَب وتمر، وأنا أرمد، فأكلتُ، فقال رسول الله ﷺ : "أتأكل التمر على عينك؟ فقلت: يا رسول الله، آكل في شق عيني الصحيحة, فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه". وروى البخاريّ في تاريخه أن عمر أوصى أن يصلي عليه صُهيب، وأن يصلي بالناس إلى أن يجتمع المسلمون على إمام، له أحاديث، انفرد له البخاريُّ بحديث، ومسلم بثلاثة، روى عنه أولاده حبيب وحمزة وسعد، وصالح بن عمر وجابر، مات في شوال سنة ثمان وثلاثين، وقيل سنة تسع، بالمدينة، وصلى عليه سعد، ودفن بالبقيع. والحديث أخرجه مسلم والنَّسائيّ في الجنائز. الحديث الثامن والأربعون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرَةَ

стр. 5426

بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى يَهُودِيَّةٍ يَبْكِي عَلَيْهَا أَهْلُهَا فَقَالَ نَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا. قوله إنما مرَّ، كذا أخرجه عن مالك مختصرًا، وهو في الموطأ بلفظ "ذكر لها أن عبد الله بن عمر يقول: إن الميت يعذب ببكاء الحي عليه، فقالت عائشة: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أنّه لم يكذب، ولكنه نسى أو أخطأ، إنما مرَّ" وكذا أخرجه مسلم، وأخرجه أبو عُوانة عن عبد الله بن أبي بكر كذلك، وزاد أن ابن عمر لما مات رافع بن خَديج قال لهم: لا تبكوا عليه فإن بكاء الحيّ على الميت عذابٌ على الميت. قالت عمرة: فسألتُ عائشة عن ذلك، فقالت: يرحمه الله، إنما مرَّ، فذكرت الحديث. وقد مرَّ في الحديث الذي قبله جواب القرطبيّ عما قالته عائشة في هذا الحديث. رجاله ستة: قد مرّوا، مرَّ عبد الله بن يوسف ومالك وعائشة في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ أبو بكر في تعليق بعد الأربعين من العلم، ومرَّ ولده عبد الله في الرابع والعشرين من الوضوء، ومرت عَمرة بنت عبد الرحمن في الثاني والثلاثين من الحيض. والحديث أخرجه مسلم. الحديث التاسع والأربعون حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ وَهْوَ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ لَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ ﵁ جَعَلَ صُهَيْبٌ يَقُولُ وَاأَخَاهُ. فَقَالَ عُمَرُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ. قوله: واأخاه، أخرجه مسلم بأتم من هذا السياق، وفيه قول عمر: علامَ تبكي؟ وقوله: لَيُعذب ببكاء الحيّ، الظاهر أن الحي من يقابل الميت، وهل للحي مفهوم حتى أنه لا يعذب ببكاء غير الحيّ؟ وهل يتصور البكاء من غير الحي؟ ويكون احتراز بالحي عن الجمادات، لقوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ فمفهومه أن السماء والأرض يقع منهما البكاء على غيرهم، وعلى هذا فيكون هذا بكاءًا على الميت، ولا عذاب عليه بسببه اجماعًا. وقد روى ابن مَرْدوَيَه في تفسيره عن يزيد الرَّقاشِيّ عن النبي ﷺ قال: "ما من مؤمن إلا له بابان في السماء، باب يخرج منه رزقه، وباب يدخل فيه كلامه. وعمله، فإذا مات فقداه وبكيا عليه،

стр. 5427

وتلا هذه الآية ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾. وأما تصور البكاء من الميت فقد ورد في حديثٍ أن النبي ﷺ قال: "إنَّ أحدكم إذا بكى استعْبَر له صُوَيحبه" والمراد بصويحبه الميت، ومعنى استعبر، إما على بابه، للطلب، بمعنى طلب نزول العَبرات، وإما بمعنى نزلت العبرات. وباب الاستفعال يَرِد على غير بابه. ويحتمل أن يكون المراد بالحيّ القبيلة، وتكون اللام فيه بدل الضمير، والتقدير: يعذب ببكاء حيّه، أي: قبيلته، فيوافق قوله في الرواية الأخرى "ببكاء أهله". وفي هذه الرواية "ببكاء الحي" وفي رواية مسلم المذكورة "من يبكى عليه يعذب" ولفظها أَتَمّ، وفيه دلالة على أن الحكم ليس خاصًا بأهله، فقوله في الرواية الماضية "ببكاء أهله" خرج مخرج الغالب الشائع، إذ المعروف أنه إنما يبكي على الميت أهلُه، فيكون الحكم عامًا، سواءًا كان من أهله أم لا, لأن الظاهر جَرَيان حكم العموم، وأنه لا يختص ذلك بأهله، بناء على قول من ذهب إلى أن الميت يعذب بالبكاء عليه، وإنما كان الحكم عامًا، ولم يحمل المطلق على المقيد, لأنه لا فرق في الحكم، عند القائلين بعذاب الميت بالبكاء، بين أن يكون الباكي عليه من أهله أو من غيرهم، بدليل النائحة التي ليست من أهل الميت، وما ورد في عموم النائحة من العذاب، بل أهله أعذر في البكاء عليه، لقوله ﵊، في حديث أبي هريرة عند النَّسَائي وابن ماجه قال: مات ميت في آل رسول الله ﷺ , فاجتمع النساء يبكين عليه، فقام عمر ينهاهنَّ ويطردهنَّ، فقال رسول الله ﷺ : "دعْهُنَّ يا عمر، فإن العين دامعةً والقلب مُصاب، والعهد قريب". فهذا التعليل الذي رخص لأجله في البكاء خاص بأهل الميت، وفي حديث مسلم المار دلالة علي أن الحكم ليس خاصًا بالكافر، وعلى أن صهيبًا أحد من سمع هذا الحديث من النبي ﷺ ، وكأنّه نسيه حتى ذكَّره عمر به، وزاد فيه عبد الملك بن عمير عن أبي بُردة: فذكرت ذلك لموسى بن طلحة، فقال: كانت عائشة تقول: إنما كان أولئك اليهود. أخرجه مسلم. قال الزين بن المنير: أنكر عمر على صُهيب بكاءه لرفع صوته، بقوله: واأخاه، ففهم منه أن إظهاره لذلك قبل موت عمر، يشعر باستصحابه ذلك بعد موته، أو زيادته فابتدره بالإنكار لذلك. وقال ابن بطّال: إنْ قيل كيف نهى صهيبًا عنه وأقر نساء بني المغيرة على البكاء على خالد، كما يأتي في الباب الذي يليه؟ فالجواب أنه خشي أن يكون رفعه لصوته من باب ما نهى عنه، ولهذا قال في قصة خالد "ما لم يكن نقْعٌ أو لَقْلَقة". وفي حديث ابن عمر هنا "الميت يعذب ببكاء أهله عليه" وفي بعض طرقه في مصنف ابن أبي شَيبة "من نِيْحَ عليه فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة"، فالأُولى عامة في البكاء، والثانية خاصة

стр. 5428

في النياحة، فتكون الرواية المطلقة محمولة على المقيدة بالنوح، ويؤيده إجماع العلماء على حمل ذلك على البكاء بنوح، وليس المراد مجرد دمع العين، ويدل على ذلك قوله في الرواية الأخرى "إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه" فقيّده ببعض البكاء، فحمل على ما فيه نياحة، جمعًا بين الأحاديث كما مرَّ عن البخاري. ويدل على عدم إرادة العموم بكاء عمر بن الخطاب، وهو راوي الحديث بحضرة النبي ﷺ ، وكذلك بكاء ابنه عبد الله، وهما راويا الحديث، وذلك فيما رواه ابن أبي شَيبة في مصنفه عن عائشة، قالت: حضره رسول الله ﷺ ، وأبو بكر وعمر، تعني: سعد بن مُعاذ، فوالذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر، وإني لفي حجرتي. وروى ابن أبي شَيبة أيضًا عن عثمان قال: أتيت بنعي النعمان بن مُقْرن، فوضع يده على رأسه، جعل يبكي. وروي أيضًا عن نافع قال: كان ابن عمر في السوق، فنعي له حُجْر، فأطلق حَبْوَته، وقام وعليه النحيب. رجاله خمسة: وفيه ذكر عمر وصهيب، وقد مرَّ الجميع، مرَّ إسماعيل وأبو إسحاق الشيبانيّ في السابع من الحيض، ومرَّ عليّ بن مسهر في الرابع والمئة من استقبال القبلة، ومرَّ أبو بُردة وأبوه أبو موسى في الرابع من الإيمان, ومرَّ عمر في الأول من بدء الوحي، وصهيب في الذي قبله. لطائف إسناده: فيه التحديث والإخبار بالجمع والعنعنة والقول، ورواته كلهم كوفيون، أخرجه مسلم في الجنائز. ثم قال المصنف:

стр. 5429

باب ما يكره من النياحة على الميت قال الزين بن المنير: ما موصولة، ومَنْ لبيان الجنس، فالتقدير: الذي يكره من جنس البكاء هو النياحة، والمراد بالكراهة كراهة التحريم لما مرَّ من الوعيد عليه. ويحتمل أن تكون ما مصدرية، ومن تبعيضية، والتقدير كراهية بعض النياحة، قاله ابن المرابط وغيره، ونقل ابن قُدامة عن أحمد أن بعض النياحة لا يحرم، وفيه نظر، وكأنه أخذه من كونه، ﵊، لم ينه عمة جابر لما ناحت، فدل على أنّ النياحة إنما تحرم إذا انضاف إليها فعلُ من ضَرَب خدًا، وشق جيبًا، وفيه نظر، لأنه ﵊ انما نهى عن النياحة بعد هذه القصة, لأنها كانت في أُحد. وقد قال في أحد: "لكن حمزة لا بواكي له" ثم نهى عن ذلك، وتوعد عليه، وذلك بيّنٌ فيما أخرجه ابن ماجه وأحمد، وصححه الحاكم عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ "مرَّ بنساء بني عبد الإشْهل يبكين هَلْكاهُنّ يوم أحد، فقال: "لكن حمزة لا بواكي له" فجاء نساء الأنصار يبكين حمزة، فاستيقظ رسول الله ﷺ فقال: ويحهنّ، ما انقلبنَ بعد؟ مُرُوهن فلينقلبنَ ولا يبكين على هالك بعد اليوم. وله شاهد أخرجه عبد الرزاق عن عكرمة مرسلًا، ورجاله ثقات. ثم قال: وقال عمر دعهن يبكين على أبي سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة، والنقع التراب على الرأس، واللقلقة الصوت، وهذا الأثر وصله المصنف في التاريخ الأوسط عن شقيق، قال: لما مات خالد بن الوليد اجتمع نسوة بني المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وهن بنات عم خالد بن الوليد بن المغيرة، يبكين عليه، فقيل لعمر: أرسل إليهن فانْهَهنّ، فذكره. وأخرجه ابن سعد. وقوله: ما لم يكن نقع أو لقلقة، بقافين الأُولى ساكنة، ولامين مفتوحين، وقد فسره المصنف بأن النقع التراب على الرأس، أي: وضعه عليه، واللقلقة الصوت، أي: المرتفع، وهذا قول الفراء، فأما تفسير اللقلقة فمتفق عليه. وأما النقع، فروى سعيد بن منصور عن إبراهيم قال: النقع أي: شق الجيوب، وقال الكسائيّ: هو صنعة الطعام للمأتم، كأنه ظنه من النقيعة، وهي طعام المأتم، والمشهور أن النقيعة طعام القادم من السفر، وقد مرَّ الكلام عليها في باب الأمر باتباع الجنائز. وقال أبو عُبيد: الذي عليه

стр. 5430

أهل العلم أنه رفع الصوت بالبكاء، وقيل: هو صوت لَطْم الخدود، وقالَ الإسماعيليّ معترضًا على البخاريّ: النقع إنما هو الصوت العالي، واللقلقة ترديد صوت النواحة، ولا مانع من حمله على المعنيين بد أن فسر المراد بكونه وضع التراب على الرأس, لأن ذلك من صنيع أهل المصائب. وقال ابن الأثير: المرجح أنه وضع التراب على الرأس، وأما من فسره بالصوت فتلزم موافقته للقلقة، فحملُ اللفظ على معنيين أَوْلى من حملهما على معنى واحدٍ، وأجيب بأن بينهما مغايرة من وجه، كما تقدم، فلا مانع من إرادة ذلك. وهذا الأثر وصله البيهقيّ أيضًا، ومرَّ عمر في الأول من بدء الوحي، وأبو سليمان خالد بن الوليد، وقد مرَّ في التاسع من الجنائز هذا. الحديث الخمسون حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ الْمُغِيرَةِ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ. سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ. قوله: عن علي بن ربيعة، صرح في رواية مسلم بسماع سعيد من علي، ولفظه "حدثنا" وأخرجه مسلم من وجه آخر، وفيه "قال علي بن ربيعة: أتيت المسجد والمغيرة أمير الكوفة، فقال: سمعت .. " فذكره، ورواه أيضًا من وجه آخر عن علي بن ربيعة، قال: أول من نيح عليه بالكوفة قُرَظَة بن كعب. وفي رواية التِّرمذيّ: مات رجل من الأنصار يقال له قُرَظة بن كعب، فنيح عليه، فجاء المغيرة، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ما بال النوح في الإِسلام؟ وقرظة المذكور، بالتحريك والظاء المُشالة، أنصاريّ خزرجيّ، كان أحد من وجهه عمر إلى الكوفة ليفقه الناس، وكان على يده فتح الرَّيّ، واستخلفه عليّ على الكوفة، وجزم ابن سعد وغيره بأنه مات في خلافته، وهو قول مرجوح، لما ثبت في صحيح مسلم أن وفاته حيث كان المغيره بن شعبة أميرًا على الكوفة، وكانت إمارة المغيرة على الكوفة من قبلَ معاوية من سنة إحدى وأربعين، إلى أن مات وهو عليها سنة خمسين. وقوله "إن كذبًا عليَّ ليس ككذب على أحد" أي: غيري، ومعناه أن الكذب على الغير قد أُلف واسْتُسهل خَطْبه، وليس الكذب عليّ بالغًا مبلغ ذلك في السهولة، وإن كان دونه في السهولة فهو أشد منه في الإِثم، وبهذا التقرير يندفع اعتراض من أورد أن الذي تدخل عليه الكاف أعلى، وكذا لا يلزم من إثبات الوعيد المذكور على الكذب عليه أنْ يكون الكذب على غيره مباحًا، بل يستدل على تحريم الكذب على غيره، بدليل آخر، والفرق بينهما أنّ الكذب عليه توعد فاعله بجعل النار له مسكنًا، بخلاف الكذب على غيره، وقد تقدمت مباحث الحديث في كتاب العلم في باب "إثم
следующие страницы →