Полный текст (6 753 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.
стр. 5426
بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى يَهُودِيَّةٍ يَبْكِي عَلَيْهَا أَهْلُهَا فَقَالَ نَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا.
قوله إنما مرَّ، كذا أخرجه عن مالك مختصرًا، وهو في الموطأ بلفظ "ذكر لها أن عبد الله بن عمر يقول: إن الميت يعذب ببكاء الحي عليه، فقالت عائشة: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أنّه لم يكذب، ولكنه نسى أو أخطأ، إنما مرَّ" وكذا أخرجه مسلم، وأخرجه أبو عُوانة عن عبد الله بن أبي بكر كذلك، وزاد أن ابن عمر لما مات رافع بن خَديج قال لهم: لا تبكوا عليه فإن بكاء الحيّ على الميت عذابٌ على الميت. قالت عمرة: فسألتُ عائشة عن ذلك، فقالت: يرحمه الله، إنما مرَّ، فذكرت الحديث.
وقد مرَّ في الحديث الذي قبله جواب القرطبيّ عما قالته عائشة في هذا الحديث.
رجاله ستة:
قد مرّوا، مرَّ عبد الله بن يوسف ومالك وعائشة في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ أبو بكر في تعليق بعد الأربعين من العلم، ومرَّ ولده عبد الله في الرابع والعشرين من الوضوء، ومرت عَمرة بنت عبد الرحمن في الثاني والثلاثين من الحيض. والحديث أخرجه مسلم.
الحديث التاسع والأربعون
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ وَهْوَ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ لَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ ﵁ جَعَلَ صُهَيْبٌ يَقُولُ وَاأَخَاهُ. فَقَالَ عُمَرُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ.
قوله: واأخاه، أخرجه مسلم بأتم من هذا السياق، وفيه قول عمر: علامَ تبكي؟ وقوله: لَيُعذب ببكاء الحيّ، الظاهر أن الحي من يقابل الميت، وهل للحي مفهوم حتى أنه لا يعذب ببكاء غير الحيّ؟ وهل يتصور البكاء من غير الحي؟ ويكون احتراز بالحي عن الجمادات، لقوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ فمفهومه أن السماء والأرض يقع منهما البكاء على غيرهم، وعلى هذا فيكون هذا بكاءًا على الميت، ولا عذاب عليه بسببه اجماعًا.
وقد روى ابن مَرْدوَيَه في تفسيره عن يزيد الرَّقاشِيّ عن النبي ﷺ قال: "ما من مؤمن إلا له بابان في السماء، باب يخرج منه رزقه، وباب يدخل فيه كلامه. وعمله، فإذا مات فقداه وبكيا عليه،
стр. 5427
وتلا هذه الآية ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾.
وأما تصور البكاء من الميت فقد ورد في حديثٍ أن النبي ﷺ قال: "إنَّ أحدكم إذا بكى استعْبَر له صُوَيحبه" والمراد بصويحبه الميت، ومعنى استعبر، إما على بابه، للطلب، بمعنى طلب نزول العَبرات، وإما بمعنى نزلت العبرات. وباب الاستفعال يَرِد على غير بابه.
ويحتمل أن يكون المراد بالحيّ القبيلة، وتكون اللام فيه بدل الضمير، والتقدير: يعذب ببكاء حيّه، أي: قبيلته، فيوافق قوله في الرواية الأخرى "ببكاء أهله". وفي هذه الرواية "ببكاء الحي" وفي رواية مسلم المذكورة "من يبكى عليه يعذب" ولفظها أَتَمّ، وفيه دلالة على أن الحكم ليس خاصًا بأهله، فقوله في الرواية الماضية "ببكاء أهله" خرج مخرج الغالب الشائع، إذ المعروف أنه إنما يبكي على الميت أهلُه، فيكون الحكم عامًا، سواءًا كان من أهله أم لا, لأن الظاهر جَرَيان حكم العموم، وأنه لا يختص ذلك بأهله، بناء على قول من ذهب إلى أن الميت يعذب بالبكاء عليه، وإنما كان الحكم عامًا، ولم يحمل المطلق على المقيد, لأنه لا فرق في الحكم، عند القائلين بعذاب الميت بالبكاء، بين أن يكون الباكي عليه من أهله أو من غيرهم، بدليل النائحة التي ليست من أهل الميت، وما ورد في عموم النائحة من العذاب، بل أهله أعذر في البكاء عليه، لقوله ﵊، في حديث أبي هريرة عند النَّسَائي وابن ماجه قال: مات ميت في آل رسول الله ﷺ , فاجتمع النساء يبكين عليه، فقام عمر ينهاهنَّ ويطردهنَّ، فقال رسول الله ﷺ : "دعْهُنَّ يا عمر، فإن العين دامعةً والقلب مُصاب، والعهد قريب".
فهذا التعليل الذي رخص لأجله في البكاء خاص بأهل الميت، وفي حديث مسلم المار دلالة علي أن الحكم ليس خاصًا بالكافر، وعلى أن صهيبًا أحد من سمع هذا الحديث من النبي ﷺ ، وكأنّه نسيه حتى ذكَّره عمر به، وزاد فيه عبد الملك بن عمير عن أبي بُردة: فذكرت ذلك لموسى بن طلحة، فقال: كانت عائشة تقول: إنما كان أولئك اليهود. أخرجه مسلم.
قال الزين بن المنير: أنكر عمر على صُهيب بكاءه لرفع صوته، بقوله: واأخاه، ففهم منه أن إظهاره لذلك قبل موت عمر، يشعر باستصحابه ذلك بعد موته، أو زيادته فابتدره بالإنكار لذلك. وقال ابن بطّال: إنْ قيل كيف نهى صهيبًا عنه وأقر نساء بني المغيرة على البكاء على خالد، كما يأتي في الباب الذي يليه؟ فالجواب أنه خشي أن يكون رفعه لصوته من باب ما نهى عنه، ولهذا قال في قصة خالد "ما لم يكن نقْعٌ أو لَقْلَقة".
وفي حديث ابن عمر هنا "الميت يعذب ببكاء أهله عليه" وفي بعض طرقه في مصنف ابن أبي شَيبة "من نِيْحَ عليه فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة"، فالأُولى عامة في البكاء، والثانية خاصة
стр. 5428
في النياحة، فتكون الرواية المطلقة محمولة على المقيدة بالنوح، ويؤيده إجماع العلماء على حمل ذلك على البكاء بنوح، وليس المراد مجرد دمع العين، ويدل على ذلك قوله في الرواية الأخرى "إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه" فقيّده ببعض البكاء، فحمل على ما فيه نياحة، جمعًا بين الأحاديث كما مرَّ عن البخاري.
ويدل على عدم إرادة العموم بكاء عمر بن الخطاب، وهو راوي الحديث بحضرة النبي ﷺ ، وكذلك بكاء ابنه عبد الله، وهما راويا الحديث، وذلك فيما رواه ابن أبي شَيبة في مصنفه عن عائشة، قالت: حضره رسول الله ﷺ ، وأبو بكر وعمر، تعني: سعد بن مُعاذ، فوالذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر، وإني لفي حجرتي. وروى ابن أبي شَيبة أيضًا عن عثمان قال: أتيت بنعي النعمان بن مُقْرن، فوضع يده على رأسه، جعل يبكي. وروي أيضًا عن نافع قال: كان ابن عمر في السوق، فنعي له حُجْر، فأطلق حَبْوَته، وقام وعليه النحيب.
رجاله خمسة:
وفيه ذكر عمر وصهيب، وقد مرَّ الجميع، مرَّ إسماعيل وأبو إسحاق الشيبانيّ في السابع من الحيض، ومرَّ عليّ بن مسهر في الرابع والمئة من استقبال القبلة، ومرَّ أبو بُردة وأبوه أبو موسى في الرابع من الإيمان, ومرَّ عمر في الأول من بدء الوحي، وصهيب في الذي قبله.
لطائف إسناده:
فيه التحديث والإخبار بالجمع والعنعنة والقول، ورواته كلهم كوفيون، أخرجه مسلم في الجنائز. ثم قال المصنف:
стр. 5429
باب ما يكره من النياحة على الميت
قال الزين بن المنير: ما موصولة، ومَنْ لبيان الجنس، فالتقدير: الذي يكره من جنس البكاء هو النياحة، والمراد بالكراهة كراهة التحريم لما مرَّ من الوعيد عليه. ويحتمل أن تكون ما مصدرية، ومن تبعيضية، والتقدير كراهية بعض النياحة، قاله ابن المرابط وغيره، ونقل ابن قُدامة عن أحمد أن بعض النياحة لا يحرم، وفيه نظر، وكأنه أخذه من كونه، ﵊، لم ينه عمة جابر لما ناحت، فدل على أنّ النياحة إنما تحرم إذا انضاف إليها فعلُ من ضَرَب خدًا، وشق جيبًا، وفيه نظر، لأنه ﵊ انما نهى عن النياحة بعد هذه القصة, لأنها كانت في أُحد. وقد قال في أحد: "لكن حمزة لا بواكي له" ثم نهى عن ذلك، وتوعد عليه، وذلك بيّنٌ فيما أخرجه ابن ماجه وأحمد، وصححه الحاكم عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ "مرَّ بنساء بني عبد الإشْهل يبكين هَلْكاهُنّ يوم أحد، فقال: "لكن حمزة لا بواكي له" فجاء نساء الأنصار يبكين حمزة، فاستيقظ رسول الله ﷺ فقال: ويحهنّ، ما انقلبنَ بعد؟ مُرُوهن فلينقلبنَ ولا يبكين على هالك بعد اليوم.
وله شاهد أخرجه عبد الرزاق عن عكرمة مرسلًا، ورجاله ثقات.
ثم قال: وقال عمر دعهن يبكين على أبي سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة، والنقع التراب على الرأس، واللقلقة الصوت، وهذا الأثر وصله المصنف في التاريخ الأوسط عن شقيق، قال: لما مات خالد بن الوليد اجتمع نسوة بني المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وهن بنات عم خالد بن الوليد بن المغيرة، يبكين عليه، فقيل لعمر: أرسل إليهن فانْهَهنّ، فذكره. وأخرجه ابن سعد.
وقوله: ما لم يكن نقع أو لقلقة، بقافين الأُولى ساكنة، ولامين مفتوحين، وقد فسره المصنف بأن النقع التراب على الرأس، أي: وضعه عليه، واللقلقة الصوت، أي: المرتفع، وهذا قول الفراء، فأما تفسير اللقلقة فمتفق عليه.
وأما النقع، فروى سعيد بن منصور عن إبراهيم قال: النقع أي: شق الجيوب، وقال الكسائيّ: هو صنعة الطعام للمأتم، كأنه ظنه من النقيعة، وهي طعام المأتم، والمشهور أن النقيعة طعام القادم من السفر، وقد مرَّ الكلام عليها في باب الأمر باتباع الجنائز. وقال أبو عُبيد: الذي عليه
стр. 5430
أهل العلم أنه رفع الصوت بالبكاء، وقيل: هو صوت لَطْم الخدود، وقالَ الإسماعيليّ معترضًا على البخاريّ: النقع إنما هو الصوت العالي، واللقلقة ترديد صوت النواحة، ولا مانع من حمله على المعنيين بد أن فسر المراد بكونه وضع التراب على الرأس, لأن ذلك من صنيع أهل المصائب.
وقال ابن الأثير: المرجح أنه وضع التراب على الرأس، وأما من فسره بالصوت فتلزم موافقته للقلقة، فحملُ اللفظ على معنيين أَوْلى من حملهما على معنى واحدٍ، وأجيب بأن بينهما مغايرة من وجه، كما تقدم، فلا مانع من إرادة ذلك. وهذا الأثر وصله البيهقيّ أيضًا، ومرَّ عمر في الأول من بدء الوحي، وأبو سليمان خالد بن الوليد، وقد مرَّ في التاسع من الجنائز هذا.
الحديث الخمسون
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ الْمُغِيرَةِ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ. سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ.
قوله: عن علي بن ربيعة، صرح في رواية مسلم بسماع سعيد من علي، ولفظه "حدثنا" وأخرجه مسلم من وجه آخر، وفيه "قال علي بن ربيعة: أتيت المسجد والمغيرة أمير الكوفة، فقال: سمعت .. " فذكره، ورواه أيضًا من وجه آخر عن علي بن ربيعة، قال: أول من نيح عليه بالكوفة قُرَظَة بن كعب. وفي رواية التِّرمذيّ: مات رجل من الأنصار يقال له قُرَظة بن كعب، فنيح عليه، فجاء المغيرة، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ما بال النوح في الإِسلام؟
وقرظة المذكور، بالتحريك والظاء المُشالة، أنصاريّ خزرجيّ، كان أحد من وجهه عمر إلى الكوفة ليفقه الناس، وكان على يده فتح الرَّيّ، واستخلفه عليّ على الكوفة، وجزم ابن سعد وغيره بأنه مات في خلافته، وهو قول مرجوح، لما ثبت في صحيح مسلم أن وفاته حيث كان المغيره بن شعبة أميرًا على الكوفة، وكانت إمارة المغيرة على الكوفة من قبلَ معاوية من سنة إحدى وأربعين، إلى أن مات وهو عليها سنة خمسين.
وقوله "إن كذبًا عليَّ ليس ككذب على أحد" أي: غيري، ومعناه أن الكذب على الغير قد أُلف واسْتُسهل خَطْبه، وليس الكذب عليّ بالغًا مبلغ ذلك في السهولة، وإن كان دونه في السهولة فهو أشد منه في الإِثم، وبهذا التقرير يندفع اعتراض من أورد أن الذي تدخل عليه الكاف أعلى، وكذا لا يلزم من إثبات الوعيد المذكور على الكذب عليه أنْ يكون الكذب على غيره مباحًا، بل يستدل على تحريم الكذب على غيره، بدليل آخر، والفرق بينهما أنّ الكذب عليه توعد فاعله بجعل النار له مسكنًا، بخلاف الكذب على غيره، وقد تقدمت مباحث الحديث في كتاب العلم في باب "إثم
стр. 5431
من كذب على النبي ﷺ ".
وقوله: من يُنَحْ عليه يعذّب، ضبطه الأكثر بضم أوله وفتح النون وجزم المهملة، على أنَّ مَنْ شرطية، ويجوز رفعه على تقدير "فإنه يعذب"، وروي بكسر النون وسكون التحتانية وفتح المهملة، وفي رواية الكشميهنيّ "من يُناح" على أن مَنْ موصولة. وقد أخرجه الطبرانيّ عن أبي نعيم بلفظ "إذا نِيْح على الميت عُذِّب بالنياحة عليه"، وهو يؤيد الرواية الثانية.
الثانية: وقوله: "بما نيح عليه" كذا للجميع بكسر النون، ولبعضهم "ما نيح" بغير موحدة، على أن ما ظرفية، وقد وردت أحاديث كثيرة في تحريم النياحة، أعرضنا عن ذكرها لحصول الاكتفاء بما ذكره المؤلف.
رجاله أربعة:
مرَّ منهم أبو نعيم في الخامس والأربعين من الإِيمان, والمغيرة في الأخير منه، وسعيد بن عبيد في السادس والسبعين من الجماعة، والباقي علي بن ربيعة بن نَضْلة الوَالِبِيّ الأَسَدِيّ، ويقال البجليّ، أبو المغيرة الكوفيّ، قال ابن سعد: كان ثقة معروفًا، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة، ووثّقه نُمير، وقال النَّسَائيّ: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، له في الصحيحين حديثٌ عن المغيرة "من كذب عليّ .. الخ".
فرق البخاريّ بين هذا وعلي بن ربيعة البجليّ، فجعل هذا في التابعين، وجعل البجليّ في أتباع التابعين، ووافقه ابن حِبّان في الثقات، وجزم أبو حاتم بأنهما واحد. روى عن عليّ بن أبي طالب والمغيرة بن شعبة وابن عمر وغيرهم. وروى عنه الحكم بن عُتَيبة وسعيد بن عُبيد وأبو إسحاق الشّيبانيّ وغيرهم.
ويقال علي بن ربيعة أربعة: الوالبيّ، ثم البصريّ، ثم القرشيّ، ثم البيروتيّ.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول والسماع، ورواته كلهم كوفيون، أخرجه مسلم في الجنائز وفي مقدمة كتابه، والتِّرمِذِيُّ في الجنائز.
الحديث الحادي والخمسون
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنِ ابْنِ
стр. 5432
عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ.
قوله: عن سعيد بن المسيب، في رواية "حدثنا سعيد"، وهذا الحديث مرَّ ما فيه في الذي قبله.
رجاله ستة:
قد مرّوا، مرَّ عبدان في السادس من بدء الوحي، وعمر في الأول، ومرَّ أبو عبدان، وهو عثمان بن جبلة، في الخامس والمئة من الوضوء ومرَّ شُعبة في الثالث من الإيمان, وقتادة في السادس منه، وسعيد بن المسيب في التاسع عشر منه، ومرَّ ابن عمر في أوله.
ثم قال: تابعه عبد الأعلى، حدثنا يزيد بن زُريع حدثنا سعيد حدثنا قتادة، وهو ابن حمّاد، وهذا وصله أبو يَعلى في مسنده عن عبد الأعلي بن حماد.
رجاله أربعة: قد مرّوا، مرَّ عبد الأعلي بن حماد في الرابع والثلاثين من الغسل، وسعيد هو ابن أبي عَرُوبة، وقد مرَّ في الحادي والعشرين منه، ومرَّ يزيد بن زُريع في السادس والتسعين من الوضوء ومرَّ محل قتادة في الذي قبله.
ثم قال: وقال آدم عن شعبة: الميت يعذب ببكاء الحيّ عليه، يعني بإسناد حديث الباب، لكن بغير لفظ المتن. وهو قوله: "يعذب ببكاء الحي عليه" تفرد آدم بهذا اللفظ، وقد رواه أحمد عن غندر ويحيى بن سعيد القَطّان وحجّاج بن محمد، كلهم عن شُعبة كالأول.
وأخرجه مسلم كذلك عن محمد بن جعفر، وأخرجه أبو عُوانة عن أبي النضر، وعبد الصمد وأبي زيد الهَرَويّ وأسود بن عامر، كلهم عن سعيد كذلك.
وفي الحديث تقديم من يحدث كلامًا يدل على تصديقه فيما يحدث به، فإن المغيرة قدّم قبل تحديثه بتحريم النّوح أنّ الكذب على رسول الله ﷺ أشد من الكذب على غيره، وأشار إلى أنّ الوعيد على ذلك يمنعه أن يخبر عنه بما لم يقل.
وآدم هو ابن أبي إياس، وقد مرَّ شعبة في الثالث من الإِيمان. ثم قال المصنف:
стр. 5433
باب
كذا في رواية الأصيليّ، وسقط من رواية أبي ذَرٍّ وكريمة، وعلى ثبوته فهو بمنزلة الفصل من الباب الذي قبله، كما مرَّ تقريره غير مرة، وعلى التقدير فلابد له من تعلق بالذي قبله، وقد مرَّ توجيهه في أول الترجمة.
الحديث الثاني والخمسون
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُنْكَدِرِ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ جِيءَ بِأَبِي يَوْمَ أُحُدٍ، قَدْ مُثِّلَ بِهِ حَتَّى وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ سُجِّيَ ثَوْبًا فَذَهَبْتُ أُرِيدُ أَنْ أَكْشِفَ عَنْهُ فَنَهَانِي قَوْمِي، ثُمَّ ذَهَبْتُ أَكْشِفُ عَنْهُ فَنَهَانِي قَوْمِي، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُفِعَ فَسَمِعَ صَوْتَ صَائِحَةٍ فَقَالَ مَنْ هَذِهِ. فَقَالُوا ابْنَةُ عَمْرٍو أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو. قَالَ فَلِمَ تَبْكِي أَوْ لاَ تَبْكِي فَمَا زَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ.
قوله: قد مُثّل به، أي: بضم الميم وتشديد المثلثة، يقال: مُثّل بالقتيل إذا جدع أنفه أو أذنه أو مذاكيره أو شيء من أجزائه، والاسم المُثْلَة بضم الميم وسكون المثلثة. وقوله: سُجّي ثوبًا، بضم المهملة وتشديد الجيم، أي غُطّي بثوب. وقوله: بنت عمرو أو أخت عمر، وهذا شك من سفيان، والصواب ما تقدم في "باب الدخول على الميت" في رواية شعبة من الجزم بأنها فاطمة بنت عمرو، ولفظه "فذهبت عمتي فاطمة" وفي الإكليل للحاكم تسميتها "هند بنت عمر"، فلعل لها اسمين أو أحدهما اسمها، والآخر لقبها. وكانتا جميعًا حاضرتين.
وقوله: فلِمَ تبكي أو لا تبكي، هكذا في هذه الرواية بكسر اللام فتح الميم، على أنها استفهام عن غائبة، وأما قوله: أو لا تبكي، فالظاهر أنه شك من الراوي هل استفهم أو نهى، لكن قد مرَّ في الباب المذكور من رواية شُعبة "تبكي أو لا تبكي" ومرَّ شرحه هناك على التخيير، ومحصله أن هذا الجليل القدر الذي تظله الملائكة بأجنحتها لا ينبغي أن يُبكى عليه، بل يفرح بما صار إليه.
رجاله أربعة:
قد مرّوا، مرَّ عليّ بن عبد الله المِدِينيّ في الرابع عشر من العلم، ومرَّ سفيان بن عُيَينة في الأول
стр. 5434
من بدء الوحي، وجابر في الرابع منه، ومرَّ محمد بن المنكدر في التاسع والخمسين من الوضوء, ومرَّ أبو جابر عبد الله بن حَرام في السابع من كتاب الجنائز هذا، ومرت فيه عمة جابر. ثم قال المصنف:
стр. 5435
باب ليس منا من شق الجيوب
قال الزين بن المنير: أفرد هذا القدر من المذكورات في الحديث بترجمة، ليشعر بأن النفي الذي حاصله النَّبَري يحصل بكل واحد من المذكورات لا بمجموعها، وأيده رواية مسلم بلفظ "أو شق الجيوب، أو دعا .. إلى آخره".
الحديث الثالث والخمسون
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا زُبَيْدٌ الْيَامِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ.
قوله: ليس منا، أي: من أهل سنتنا وطريقتنا, وليس المراد به إخراجه عن الدين، ولكن فائدة إيراده بهذا اللفظ المبالغة في الردع عن الوقوع في مثل ذلك، كما يقول الرجل لولده عند معاتبته: لستُ منك ولست مني، أي: ما أنت على طريقتي. وقال الزين بن المنير ما ملخصه: التأويل الأول يستلزم أن يكون الخبر إنما ورد عن أمر وجوديّ، وهذا يصان كلام الشارع على الحمل عليه، والأَوْلى أن يقال: المراد أن الواقع في ذلك يكون قد تعرض لأن يعرض عنه، ويهجر، فلا يختلط بجماعة السنة، تأديبًا له على استصحابه حالة الجاهلية التي قبّحها الإِسلام، فهذا أولى من الحمل على ما لا يستفاد منه قدر زائد على الفعل الموجود.
وحكي عن سفيان أنه كان يكره الخوض في تأويله، ويقول: ينبغي أن يمسك عن ذلك، ليكون أوقع في النفوس، وأبلغ في الزجر، وقيل: المعنى ليس على ديننا الكامل، إنه خرج من فرع من فروع الدين، وإن كان معه أصله. حكاه ابن العربيّ.
ويظهر أن هذا النفي يفسره التَّبريىء الآتي في حديث أبي موسى بعد باب، حيث قال: برىء منه النبي ﷺ . وأصل البراءة الانفصال من الشيء، وكأنه توعده بأن لا يدخله في شفاعته.
وقال المهلب: وأنا بريء، أي من فاعل ما ذكر وقت ذلك الفعل، ولم يرد نفيه عن الإِسلام، فبينهما واسطة تعرف مما تقدم أول الكلام، وهذا يدل على تحريم ما ذكر من شق الجيوب وغيره،
стр. 5436
وكان السبب في ذلك ما تضمنه ذلك من عدم الرضى بالقضاء، فإن وقع التصريح بالاستحلال مع العلم بالتحريم أو التسخط، مثلًا، وقع، فلا مانع من حمل النفي على الإخراج من الدين حقيقة بالكفر.
وقوله: ولطم الخدود، خص الخدود بذلك لكونه هو الغالب في ذلك، وإلاّ فضرب بقية الوجه داخل في ذلك. وقوله: وشق الجيوب، جمع حبيب بالجيم والموحدة، وهو ما يفتح من الثوب ليدخل فيه الرأس، والمراد بشقّه إكمال فتحه إلى آخره، وهو من علامات التَّسَخُّط.
وقوله: ودعا بدعوى الجاهلية، في رواية مسلم "بدعوى أهل الجاهلية" أي: من النياحة ونحوها، وكذا الندبة، كقولهم: واجبلاه، وكذا الدعاء بالوَيل والثبور، كما يأتي بعد ثلاثة أبواب.
رجاله ستة:
قد مرّوا، مرَّ أبو نعيم في الخامس والأربعين من الإيمان, وسفيان في السابع والعشرين منه، وزبيد الياميّ في الحادي والأربعين منه، وإبراهيم في الخامس والعشرين منه، ومسروق في السابع والعشرين منه مع سفيان الثوريّ، ومرَّ ابن مسعود في أول أثر منه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواته كلهم كوفيون، وفيه رواية التابعيّ عن التابعيّ، أخرجه البخاريّ في الجنائز أيضًا، وفي مناقب قريش، ومسلم في الإيمان, والتِّرْمِذِيّ والنَّسائيّ وابن ماجه في الجنائز. ثم قال المصنف:
стр. 5437
باب رثاء النبي ﷺ سعد بن خولة
قوله: سَعْدَ، بالنصب على المفعولية، وخولة، بفتح المعجمة وسكون الواو، والرثاء، بكسر الراء وبالمثلثة بعدها مدّة، مدح الميت، وذكر محاسنه، وليس هو المراد من الحديث، حيث قال الراوي "يرثي له رسول الله ﷺ "، ولهذا اعترض الإِسماعيليّ الترجمةَ فقال: ليس هذا من مراثي الموتى، وإنما هو من التوجع، يقال: رَثَيته إذا مدحته بعد موته، ورثيت له إذا تحزنت عليه، ويمكن أن يكون مراد البخاريّ هذا بعينه، كأنه يقول: ما وقع من النبي ﷺ فهو من التحزّن والتوجّع، وهو مباح، وليس معارضًا لنهيه عن المراثي التي هي ذكر أوصاف الميت الباعثة على تهييج الحُزن، وتجديد اللوعة. وهذا هو المراد بما أخرجه أحمد وابن ماجه وصححه الحاكم عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: نهى رسول الله ﷺ عن المراثي، وهو عند أبي شيبة بلفظ "نهانا أن نتراثى" ولا شك أن الجامع بين الأمرين التوجّع والتحزّن، ويؤخذ من هذا التقرير مناسبة إدخال هذه الترجمة في تضاعيف التراجم المتعلقة بحال من يحضر الميت.
الحديث الرابع والخمسون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي فَقُلْتُ إِنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الْوَجَعِ وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلاَ يَرِثُنِي إِلاَّ ابْنَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي قَالَ لاَ. فَقُلْتُ بِالشَّطْرِ فَقَالَ لاَ ثُمَّ قَالَ الثُّلُثُ وَالثُّلْثُ كَبِيرٌ أَوْ كَثِيرٌ إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلاَّ أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ. فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي قَالَ إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلاً صَالِحًا إِلاَّ ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، ثُمَّ لَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، وَلاَ تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ ابْنُ خَوْلَةَ، يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ.
قوله: يعودني في حجة الوداع من وجع اشتد بي، وفي رواية الزُّهري في الهجرة "من وجع
стр. 5438
أشفيت منه على الموت" واتفق أصحاب الزهريّ على أن ذلك كان في حجة الوداع، إلاَّ ابن عُيينة فقال في فتح مكة. أخرجه التِّرمذيُّ عنه، واتفق الحفاظ على أنه وهم فيه. وقد أخرجه البخاريّ في الفرائض عنه، فقال بمكة، ولم يذكر الفتح.
ومستند ابن عُيينة هو ما أخرجه أحمد والبزّار والطبرانيّ والبخاريّ في التاريخ, وابن سعد عن عمرو بن القاري أن رسول الله ﷺ "قدم فخلف سعدًا مريضًا حين خرج إلى حُنين، فلما قدم من الجُعْرانة معتمرًا، دخل عليه، وهو مغلوب، فقال: يا رسول الله، إنّ لي مالًا وإني أُوْرَث كلالة، أَفأُوصي بمالي .. " الحديث، وفيه قلت: يا رسول الله، أمَيِّتٌ أنا بالدار التي خرجت منها مهاجرًا؟ قال: "لا، إني لأرجو أن يرفعك الله حتى ينتفع بك أقوام" الحديث، فلعل ابن عيينة انتقل ذهنه من حديث إلى حديث.
ويمكن الجمع بين الروايتين بأن يكون ذلك وقع له مرتين، مرة عام الفتح، ومرة عام حجة الوداع، ففي الأُولى لم يكن له وارث من الأولاد أصلًا، وفي الثانية كانت له بنت. وقوله: فقلت إني قد بلغ بي من الوجع، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلاَّ ابنة، فقوله: وأنا ذو مال، نحوه في رواية عائشة بنت سعد في الطب، وهذا اللفظ يؤذن بمال كثير، وذو المال إذا تصدق بثلثيه أو بشطره وأبقى ثلثه بَيْن بنته وغيرها لا يصيرون عالة، لكن الجواب أن ذلك خرج على التقدير, لأن بقاء المال الكثير إنما هو على سبيل التقدير، وإلاّ فلو تصدق المريض بثلثيه مثلًا، ثم طالت حياته، ونقص وفني المال، فقد تجحفت الوصية بالورثة، فرد الشارع الأمر إلى شيء معتدل، وهو الثلث.
وقوله: ولا يرثني إلاَّ ابنة، في رواية الوصايا "ولم يكن له يومئذ إلا ابنة" قال النووي وغيره: معناه لا يرثني من الولد أو من خواصّ الورثة أو من النساء، وإلا فقد كان لسعد عصباتٌ لأنه من بني زُهرة، وكانوا كثيرًا. وقيل: معناه لا يرثني من أصحاب الفُروض، أو خَصَّها بالذكر على تقدير "لا يرثني ممن أخاف عليه الضياع والعجز إلاّ هي" أو ظن أنها ترث جميع المال، أو استكثر لها نصف التركة.
وهذه البنت زعم بعض العلماء أنها عائشة، فإن كان محفوظًا فهي غير عائشة بنت سعد التي روت هذا الحديث في الطب، فإنها تابعيّة عُمِّرَتْ حتى أدركها مالك وروى عنها, لكن لم يذكر أحد من النسابين لسعد بنتًا تسمى عائشة غير هذه، وذكروا أن أكبر بناته أم الحكم الكبرى، وأمها بنت شِهاب بن عبد الله بن الحارث بن زُهرة، وذكروا له بنات أخرى أمهاتهنّ متأخرات الإِسلام بعد الوفاة النبوية، فالظاهر أن البنت المشار إليها أم الحكم المذكورة، لتقدم تزويج سعد بأمها. قال في الفتح: ولم أر من حرر هذا.
стр. 5439
وقوله: أفأتَصدق بثلثي مالي؟ قال لا في رواية عائشة بنت سعد في الطب نحو هذه، وفي رواية الوصايا "أُوصي بمالي كله؟ قال: لا" فأما التعبير بقوله "أفأتصدق" فيحتمل التنجيز والتعليق، بخلاف إِفأُوصي،، لكن المخرج متحد، فيحمل على التعليق للجمع بين الروايتين، وقد تمسك بقوله: "أفأتصدق" من جعل تبرعات المريض من الثلث، وحملوه على المنجزة، وفيه اختلاف. وأما الاختلاف في السؤال، فكأنه سأل أولًا عن الكل، ثم سأل عن الثلثين، ثم سأل عن النصف، ثم سأل عن الثلث، وقد وقع مجموع ذلك في رواية جرير بن يزيد عند أحمد.
وفي رواية بُكير بن مِسمار عند النَّسائيّ. كلاهما عن عامر بن سعد، وكذا لهما عن محمد بن سعد عن أبيه، ومن طريق هشام بن عُروة عن أبيه عن سعد. وقوله: فقلت بالشطر؟ قال: لا، في رواية الوصايا "قلت فالشطر، قال: لا".
وقوله في هذه الرواية "فالشطرِ" بالجر عطفًا على قوله "بمالي كله" أي: فأُوصي بالنصفِ، وهذا رجحه السّهوليّ. وقال الزَّمخشريّ: هو بالنصب على تقدير فعل، أي أُسَمِّي الشطر أو أُعَين الشطر. ويجوز الرفع على تقدير: أيجوز الشطر.
وقوله: ثم قال الثلث والثلث كبير، وفي رواية الوصايا "قلت الثلث قال: فالثلث، والثلث كثير" وفي رواية الزهريّ في الهجرة "قال الثلث يا سعد، والثلث كثير" وفي رواية مصعب بن سعد عن أبيه عند مسلم "قلت فالثلث قال نعم، والثلث كثير" وفي رواية عائشة بنت سعد عن أبيها "قال الثلث والثلث كبير أو كثير" نحو رواية الباب، وكذا للنَّسائيّ عن أبي عبد الرحمن السلميّ عن سعد، وفيه "فقال: أوصيت؟ فقلت: نعم، قال: بكم؟ قلت: بمالي كله، قال: فما تركت لولدك" وفيه "أُوصي بالعُشر؟ قال: فما زال يقول وأقول حتى قال أوصي بالثلث والثلث كبير أو كثير" يعني بالمثلثة أو بالموحدة، وهو شك من الراوي، والمحفوظ في أكثر الروايات بالمثلثة، ومعناه كثير بالنسبة إلى ما دونه.
وقوله: قال الثلثُ والثلثُ كثير، بنصب الأول على الاغراء، أو بفعل مضمر نحو عَيِّن الثلث، وبالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو المبتدأ والخبر محذوف، والتقدير: يكفيك الثلث، أو الثلث، كاف. ويحتمل أن يكون قوله "والثلث كثير" مسوقًا لبيان الجواز بالثلث، وأَنَّ الأوْلى أن ينقص عنه ولا يزد عليه، وهو ما يبتدره الفهم. ويحتمل أن يكون لبيان أن التصدق بالثلث هو الأكمل، أي: كثير أجره، ويحتمل أن يكون معناه "كثيرٌ غيرُ قليل" قال الشافعيّ ﵀: وهذا أَوْلي معانيه، يعني أن الكثرة أمر نسبيٌ، وعلى الأوَّل عوَّل ابن عباس، حيث قال: وددت أنَّ الناس غَضُّوا من الثلث إلى الربع. والمعروف في مذهب الشافعي استحباب النقص عن الثلث، وفي شرح مسلم للنّوويّ: إن كان الورثة فقراء استُحب أن ينقص منه، وإن كانوا أغنياء فلا.
стр. 5440
وقوله: إنّك إن تَذَرَ ورثتك أغنياء، بفتح إن على التعليل، وبكسرها علي الشرطية. قال النووي: هما صحيحان، وقال القرطبيّ: لا معنى للشرط هنا, لأنه يصير لا جواب له، ويبقى خير لا رافع له. وقال ابن الجوزي: سمعنا الكسر من رواة الحديث، وأنكره شيخنا عبد الله بن أحمد بن الخَشّاب، وقال: لا يجوز الكسر, لأنه لا جواب له، لخلو لفظ خير من الفاء وغيرها، مما اشترط في الجواب. وتُعُقِّب بأنه لا مانع من تقديره وقال ابن مالك: جزاء الشرط خيرٌ أي: فهو خير، وحذف الفاء جائز كقراءة طاوس ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ قال: ومن خص ذلك بالشِّعر بعد عن التحقيق، وضيق حيث لا تضييق, لأنه كثير في الشعر قليل في غيره. وأشار بذلك إلى ما وقع في الشعر مما أنشده سيبويه:
من يفعل الحسناتِ الله يشكرها
أي: فالله يشكرها، وإلى الرد على من زعم أن ذلك خاص بالشعر قال: ونظيره قوله في حديث اللُّقَطَة "فإنْ جاء صاحبها وإلا استمتع" بها بحذف الفاء، وقوله في حديث اللعان "البينة وإلا حَدٌّ في ظهرك".
وقوله: ورثتك، قال ابن المنير: إنما عبّر له ﷺ بلفظ الورثة، ولم يقل "إن تدع بنتك" مع أنه لم يكن له حينئذ إلاَّ ابنة واحدة، لكون الوارث لم يتحقق, لأن سعدًا إنما قال بذلك بناء على موته في ذلك المرض، وبقائها بعده حتى ترثه، وكان من الجائز أن تموت هي قبله، فأجاب ﵊ بكلام كُلّي مطابق حالة، وهو قوله "ورثتك"، ولم يخص بنتًا من غيرها.
وقال الفاكهانيّ في شرح العمدة: إنما عبر ﵊ بالورثة, لأنه اطَّلع على أن سعدًا سيعيش، وتأتيه أولاد غير البنت المذكورة، فكان كذلك. وولد له بعد ذلك أربعة بنين لا أعرف أسماءهم، وليس قوله "إن تدفع بنتك" متعينًا, لأن ميراثه لم يكن منحصرًا فيها، فقد كان لأخيه عُتبة بن وقّاص أولاد إذ ذاك، منهم هاشم بن عتبة الصحابيّ الذي قُتل بصفين، فجاز التعبير بالورثة لتدخل البنت، وغيرها. فمن يرث، لو وقع موته إذ ذاك، أو بعد ذاك.
وقول الفاكهانيّ: إنه ولد له بعد ذلك أربعة لا أعرف أسماءهم فيه قصور، فإن أسماءهم في رواية هذا الحديث بعينه عند مسلم، من طريق عامر ومصعب ومحمد، ثلاثتهم عن سعد، ووقع ذكر عمر بن سعد فيه في موضع آخر، واقتصر القرطبيّ، على ذكر الثلاثة المذكورة في الحديث، وذكر بعض الشيوخ أن له أربعة من البنين غير الثلاثة، وهم عمر ويحيى وإبراهيم وإسحاق وعزا ذكرهم لابن المَدِينيّ، ولعل ابن المدينيّ اقتصر على ذكر من روى الحديث منهم، وإلا فقد ذكر له ابن سعد من الذكور غير السبعة أكثر من عشرة، وهم عبد الله وعبد الرحمن وعمر وعمران وصالح
стр. 5441
وعثمان وإسحاق الأصغر وعمر الأصغر وعُمير مصغرًا، وغيرهم. وذكر له من البنات اثنتي عشرة بنتًا.
وقوله: عالة، أي فقراء، جمع عال وهو الفقير، والفعل منه عال يعيل،، إذا افتقر. وقوله: يتكففون الناس، في رواية الوصايا زيادة "في أيديهم" أي: يسألون الناس بأكفهم، يقال: تكففَ الناس واستكفَّ إذا بسط كفه للسؤال، أو سأل ما يكف عنه الجوع، أو سأل كفًا كفًا من طعام.
وقوله: في أيديهم، أي: بأيديهم، أو سألوا بأكفهم، وضع المسؤول في أيديهم. وقوله: وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجرت بها حتى ما تجعل في في امرأتك، وفي رواية الوصايا "وإنك مهما انفقت فإنها صدقة" وهذا معطوف على قوله "إنك إن تدع" وهو علة للنهي عن الوصية بأكثر من الثلث، كأنه قيل: لا تفعل لأنك إن مت تركت ورثتك أغنياء، وإن عشت تصدقت وأنفقت، فالأجر حاصل لك في الحالين، ووجه تعلق قوله: "وإنك لن تنفق نفقة" الخ بقصة الوصية، أن سؤال سعد يشعر بأنه رغب في تكثير الأجر، فلما منعه الشارع من الزيادة على الثلث: قال له على سبيل التسلية: إن جميع ما تفعله في مالك من صدقة ناجزة، ومن نفقة، ولو كانت واجبة، تُوجر بها إذا ابتغيت بذلك وجه الله تعالى، ولعله خص المرأة بالذكر لأن نفقتها مستمرة بخلاف غيرها. قال ابن أبي جَمرة: نبه بالنفقة على غيرها من وجوه البر والإحسان. قال: ويستفاد منه أن أجر الواجب يزداد بالنية, لأن الإنفاق على الزوجة واجب، وفي فعله الأجر، فإذا نوى به ابتغاء وجه الله تعالى، ازداد أجره بذلك.
وقال ابن دقيق العبد فيه: إن الثواب في الانفاق مشروط بصحة النية، وابتغاء وجه الله تعالى، وهذا عسر إذا عارضه مقتضى الشهوة، فإن ذلك لا يحصل الغرض من الثواب حتى يبتغي به وجه الله تعالى، ويحصل تخليص هذا المقصود مما يشوبه. قال: وقد يكون فيه دليل على أن الواجبات إذا أُدِّيَتْ على قصد أداء الواجب، ابتغاء وجه الله تعالى، أُثيب عليها، فإن قوله "حتى ما تجعل في في امرأتك "لا تخصيص له بغير الواجب" ولفظه "حتى" هنا تقتضي المبالغة. في تحصيل هذا الأجر بالنسبة إلى المعنى، كما يقال: جاء الحاجُّ حتى المشاة.
وقد مرَّ الكلام على ما تشترط فيه النية، وما لا تشترط فيه، عند حديث إنما الأعمال بالنيات، ومرَّ استيفاء الكلام على هذه الجملة من هذا الحديث مستوفىً، عند ذكرها في باب "ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة" آخر كتاب الإيمان. وقوله: قلت يا رسول الله أخلَّف بعد أصحابي، يعني الموت بمكة، وقوله: إنك لن تخلف فتعمل عملًا صالحًا إلا ازددت به درجة، معنى التخلف هنا البقاء في الدنيا، فليس بمعنى الأول، فهو شبيه بأسلوب الحكيم، وبيّن المراد منه بقوله "فتعمل عملًا صالحًا", لأن العمل الصالح لا يكون إلا في الدنيا، وإنما صدر هذا السؤال من سعد مخافة
стр. 5442
المقام بمكة إلى الوفاة، فيكون قادحًا في هجرته، كما نص عليه في بعض الروايات كما يأتي، إذ قال: خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها، فأجابه ﵊ بأنّ ذلك لا يكون، وأنه يطول عمره.
وفي رواية الوصايا "وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها" وهذه الجملة يحتمل أن تكون حالًا من الفاعل في قوله قبله "جاء النبي ﷺ يعودني" أو من المفعول في "يعودني" وكل منهما محتمل, لأن كلًا من النبي ﷺ ، ومن سعد، كان يكره ذلك، لكن إن كان حالًا من المفعول، وهو سعد، ففيه التفات, لأن السياق يقتضي أن يقول: وأنا أكره.
وقد أخرجه مسلم عن ثلاثة من ولد سعد عن سعد، بلفظ "فقال: يا رسول الله، خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها، كما مات سعد بن خولة" وسبب كراهيتهم للموت في دار الهجرة هو أن المهاجر من مكة رخص في إقامة ثلاث ليال بمكة بعد الصَّدر، أي الرجوع من مني، كما أخرجه البخاريّ في الهجرة إلى المدينة، ويحرم على المهاجر منها قبل الفتح أزيد من ثلاث ليال فيها. واستنبط من هذا أن إقامة ثلاثة أيام لا تخرج صاحبها عن حكم المسافر، وقيد الداوديّ اختصاص ذلك بالمهاجرين الأولين، ولا معنى لتقييده بالأولين.
وقال النّوويّ: معنى الحديث أن الذين هاجروا يحرم عليهم استيطان مكة، وحكى عِياض أنه قول الجمهور، قال: وأجازه لهم جماعة بعد فتح مكة، فحملوا هذا القول على الزمن الذي كانت الهجرة المذكورة واجبة فيه. قال: واتفق الجميع على أن الهجرة قبل الفتح كانت واجبة عليهم، وأن سُكْنى المدينة كان واجبًا، لنصرة النبي ﷺ ، ومواساته بالنفس، وأما غير المهاجرين فيجوز له سكنى أي بلد أرادوا سواء مكة وغيرها، ويستثنى من ذلك من أذن له النبي ﷺ بالإقامة في غير المدينة.
وقال القرطبيّ: المراد بهذا الحديث من هاجر من مكة إلى المدينة لنصر النبي ﵊، ولا يعني به من هاجر من غيرها, لأنه خرج جوابًا عن سؤالهم لما تَحَرَّجُوا من الإقامة بمكة، إذ كانوا قد تركوها لله تعالى، فأجابهم بذلك وأعلمهم أن إقامة الثلاث ليس بإقامة.
والخلاف الذي أشار له عياض: هل ينبني عليه الخلاف فيمن فر بدينه من موضع يخاف أن يفتن فيه في دينه، فهل له أن يرجع إليه بعد انقضاء تلك الفتنة؟ يمكن أن يقال إن كان تركَها لله، كما فعله المهاجرون، فليس له أن يرجع لشيء من ذلك، وإن كان تركها فرارًا بدينه ليَسْلَم له، ولم يقصد إلى تركها لذاتها، فله الرجوع إلى ذلك، وهو حسن متجه، إلا أنه خَص ذلك بمن ترك رباعًا أو دورًا، ولا حاجة إلى تخصيص المسألة بذلك.
стр. 5443
وقد استوفيت الكلام على أحكام الهجرة عند حديث إنما الأعمال بالنيات، وقوله: ثم لعلك أن تُخلَّف حتى ينتفع بك أقوام، ويضرَّ بك أخرون، وفي رواية الوصايا "وعسى الله أن يرفعك فينتفع بك ناس، ويضر بك آخرون" فمعنى قوله "ولعلك أن تخلف، وعسى الله أن يرفعك" يطيل عمرك، وكذلك حصل، فإنه عاش بعد ذلك أزيد من أربعين سنة، بل قريبًا من خمسين, لأنه مات سنة خمس وخمسين، وقيل سنة ثمان وخمسين، وهو المشهور، فيكون عاش بعد حجة الوداع خمسًا وأربعين أو ثمانيًا وأربعين.
وقوله: فينتفع بك أقوام، أي: ينتفع بك المسلمون من الغنائم مما سيفتح الله على يديك من بلاد الشرك، ويُضَرَّ بك المشركون الذين يهلكون على يديك. وزعم ابن التين أن المراد بالنفع به ما وقع من الفتوح على يديه، كالقادسية وغيرها، وبالضرر ما وقع من تأمير ولده عمر بن سعد على الجيش الذين قتلوا الحسين بن علي ومن معه، وهو كلام مردود، لتكلفه لغير ضرورة تحمل على إرادة الضرر الصادر من ولده. وقد وقع منه هو الضرر المذكور للكفار.
وأقوى من ذلك ما رواه الطحاويّ عن بكير بن عبد الله بن الأشجّ عن أبيه أنه سأل عامر بن سعد عن معنى قول النبي ﷺ هذا، فقال: لما أُمِّر سعد على العراق أُتِي بقوم ارتدوا فاستتابهم، فتاب بعضهم وامتنع بعضهم، فقتلهم فانتفع به من تاب، وحصل الضرر للآخرين.
قال بعض العلماء: لعل، وإن كانت للترجي، لكنها من الله للأمر الواقع، وكذلك إذا وردت على لسان رسوله غالبًا. قلت قد مرَّ في مقدمة هذا الشرح الفرق بين لعل وعسى، وأن عسى في كلام الله ما تدخل عليه محقق الوقوع، ولا كذلك لعل، لقوله تعالى ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ فلم يتذكر ولم يخشَ فراجعه.
وقوله: لكن البائس سعد بن خولة، وللنَّسائيّ عن عامر بن سعد "لكن البائس سعد بن خولة، مات في الأرض التي هاجر منها" والبائس الذي ناله البؤس، أي: الفقير والعَيْلة، وقد يكون بمعنى مفعول، كقوله عيشة راضية، أي: مَرْضِيّة. وقال بعضهم في اسمه خُوْلِيّ بكسر اللام وتشديد التحتانية، واتفقوا على سكون الواو، وأغرب ابن التين فحكى عن القابسيّ فتحها، ويأتي تعريفه في السند.
وقوله: يرثي له رسول الله ﷺ ، قال ابن عبد البَر: زعم أهل الحديث أن قوله يرثي إلخ من كلام الزُّهريّ، وقال ابن الجوزيّ وغيره. هو مدرج من قول الزهريّ، وكأنهم استندوا إلى ما في رواية أبي داود الطياليسيّ عن إبراهيم بن سعد عن الزهريّ أن القائل "يرثي له" إلى آخره، هو الزهريّ، ويؤيده أن هاشم بن هاشم وسعد بن إبراهيم رويا هذا الحديث عن عامر بن سعد، فلم يذكرا ذلك
стр. 5444
فيه، وكذا في رواية عائشة بنت سعد عن أبيها في الطب، لكن وقع عند المصنف في الدعوات عن إبراهيم بن سعد في آخره "لكن البائس سعد بن خولة، قال سعد: رثى له رسول الله ﷺ " الخ، فهذا صريح في وصله، فلا ينبغي الجزم بإدراجه.
وفي رواية عائشة بنت سعد عن أبيها في الطب من الزيادة "ثم وضع يده على جبهتي، ثم مسح وجهي وبطني، ثم قال اللَّهم اشف سعدًا، وأتمم له هجرته، قال: فما زلت أجد بردها" ولمسلم عن حميد بن عبد الرحمن "قلت: فادع الله أن يشفيني، فقال: اللهم اشف سعدًا، ثلاث مرات" وقوله: أن مات بمكة، أي بفتح همزة أن، لا يصح كسرها, لأنها تكون شرطية، والشرط لما يستقبل، وهو قد كان مات، والمعنى أن سعد بن خَولة هو من المهاجرين من مكة إلى المدينة، وكانوا يكرهون الإقامة في الأرض التي هاجروا منها، وتركوها مع حبهم فيها, لله تعالى، فمن ثمَّ خشيَ سعد بن أبي وقاص أن يموت فيها، وتوجع النبي ﷺ لسعد بن خولة لكونه مات فيها.
وفي رواية الوصايا بدل "لكن البائس سعد بن خولة" "يرحم الله ابن عفراء"، ووقع في رواية أحمد والنَّسَائيّ عن سفيان "فقال النبي ﷺ : يرحم الله سعد بن عفراء، ثلاث مرات". قال الداوديّ "قوله ابن عفراء" غير محفوظ، وقال الدمياطيّ: هو وهم، والمعروف ابن خولة. قال: ولعل الوهم من سعد بن إبراهيم، فإن الزهريّ أحفظ منه، وقال فيه سعد بن خولة كما مرَّ.
وجوز أبو عبد الله بن أبي الخصال في حواشيه على البخاريّ أنّ المراد بابن عفراء عوف بن الحارث، أخو معاذ ومعوذ أولاد عفراء، وهي أمهم، والحكمة في ذكره ما ذكره ابن إسحاق أنه قال يوم بدر: ما يُضحك الرب من عبده؟ قال: أن يغمس يده في العدو حاسرًا، فألقى الدرع التي هي عليه، فقاتل حتى قتل. قال: فيحتمل أن يكون لما رأى اشتياق سعد بن أبي وقاص للموت، وعلم أنه يبقى حتى يلي الولايات ذكر ابن عفراءَ وحبه للموت، ورغبته في الشهادة، كما يذكر الشيء بالشيء، فذكر سعد بن خولة، لكونه مات بمكة، وهي دار هجرته، وذكر ابن عفراء مستحسنًا لميته ..
وهو مردود بالنص على قوله "سعد بن عفراء"، فانتفى أن يكون المراد عوفًا, وأيضًا فليس في شيء من طرق حديث ابن أبي وقّاص أنه كان راغبًا في الموت، بل في بعضها عكس ذلك، وأنه بكى، فقال له رسول الله ﷺ : ما يبكيك؟ فقال: خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها كما مات سعد بن خولة.
وهو عند النسائي أيضًا كما مرَّ، فمخرج الحديث متحد، والأصل عدم التعدد، فالاحتمال بعيد لو صرح بأنه عوف بن عفراء، فضلًا، وقال التيميّ: يحتمل أن يكون لأمه اسمان خولة وعفراء.
стр. 5445
ويحتمل أن أحدهما اسمًا والآخر لقبًا أو يكون أحدهما اسم أمه والآخر اسم أبيه، أو والآخر اسم جدة له، والأقرب أن عفراء اسم أمه، والآخر اسم أبيه لاختلافهم في أنه خولة أو خَوْليّ.
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم، مشروعيةُ زيارة المريض للإمام فمن دونه، ويتأكد باشتداد المرض، وفيه وضع اليد على جبهة المريض، ومسح العضد الذي يؤلمه، والفسح له في طول العمر، وجواز إخبار المريض بشدة مرضه وقوة ألمه، إذا لم يقترن بذلك شيء مما يمنع أو يكره من التَّبَرُّم وعدم الرضا، بل حيث يكون ذلك لطلب دعاء، وربما أستحب، وأنّ ذلك لا ينافي الاتصاف بالصبر والمحمود، وإذ جاز ذلك في أثناء المرض كان الإخبار به بعد البرء أجوز.
وأن أعمال البر والطاعة إذا كان منها ما لا يمكن استدراكه، قام غيره في الثواب والأجر مقامه، وربما زاد عليه، وذلك أن سعدًا خاف أن يموت بالدار التي هاجر منها، فيفوت عليه بعض أجر هجرته، فأخبره ﵊ بأنه إن تخلف عن دار هجرته فعمل عملًا صالحًا من حج أو جهاد أو غير ذلك كان له به أجر يعوض ما فاته من الجهة الأخرى.
قلت: إنما يتم هذا الأخذ لو كان سعد فاته شيء من الأجر في جهة دار هجرته، وهو لم يفته شيء، فلا معنى لهذا الأخذ.
وفيه إباحة جمع المال بشرطه, لأن التنوين في قوله "وأنا ذو مالٍ" للكثرة، وقد وقع في بعض طرقه صريحًا "وأنا ذو مال كثير". وفيه الحث على صلة الرحم، والإحسان إلى الأقارب، وأن صلة الأقرب أفضل من صلة الأبعد، والإنفاق في وجوه الخير, لأن المباح إذا قصد به وجه الله تعالى صار طاعة، وقد نبه على ذلك بأقل الحظوظ الدنيوية العادية، وهو وضع اللقمة في فم الزوجة، إذ لا يكون ذلك غالبًا إلا عند الملاعبة والممازحة، ومع ذلك فيؤجر فاعله إذا قصد به قصدًا صحيحًا، فكيف بما هو فوق ذلك؟
وفيه منع نقل الميت من بلد إلى بلد، إذ لو كان ذلك مشروعًا لأمر بنقل سعد بن خولة، قاله الخطّابيّ. قلت: في هذا الأخذ نظر, لأن النقل قد يندب إذا كان لمن ترجى بركته، بحيث لا ينفجر ولا تنتهك حرمته، بأن لا يكون المحل المنقول إليه بعيدًا. وقد مات سعد بن أبي وقّاص في قصره بالعَقيق، وحمل إلى البقيع، ولعل عدم نقل سعد بن خولة كان لبعد المسافة.
وفيه سد الذريعة، لقوله ﵊ "ولا تردهم على أعقابهم" لئلا يتذرع بالأرض أحد، لأجل حب الوطن. قاله ابن عبد البر، وفيه تقييد مطلق القرآن بالسنة, لأنه قال ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ فأطلق، وقيدت السنة الوصية بالثلث، وأن من ترك شيئًا لله لا ينبغي له الرجوع فيه، ولا في شيء منه، مختارًا.
стр. 5446
وفيه التأسف على فوت ما يحصل الثواب، وفيه حيث من ساءته سيئة، وإنَّ مَن فاته ذلك بادر إلى جبره بغير ذلك، وفيه تسلية من فاته أمر من الأمور بتحصيل ما هو أعلى منه، لما أشار ﷺ لسعد من عمله الصالح بعد ذلك.
وفيه الاستفسار عن المحتمل إذا احتمل وجوهًا, لأن سعدًا لما منع من الوصية بجميع المال احتمل عنده المنع فيما دونه والجواز، فاستفسر عما دون ذلك. وفيه النظر في مصالح الورثة، وأن خطاب الشارع الواحد يعم من كان بصفته من المكلفين، لإطباق العلماء على الاحتجاج بحديث سعد هذا، وإن كان الخطاب إنما وقع له بصيغة الإفراد. ولقد أبعد من قال: إن ذلك يختص بسعد، ومن كان مثل حاله، ممن يخلف وارثًا ضعيفًا أو كان ما يخلفه قليلًا, لأن البنت من شأنها أن يُطمع فيها، وإن كانت بغير مال لم يرغب فيها، واستدل به التيميّ لفضل الغني على الفقير، وفيه نظر، وقد مرَّ الكلام عليه في كتاب العلم في باب الاغتباط.
وفيه مراعاة العدل بين الورثة، ومراعاة العدل في الوصية، واستدل بقوله "ولا يرثني إلا ابنة لي" من قال بالرد على ذوي الأرحام للحصر في قوله "لا يرثني إلا ابنة" وتُعُقب بأن المراد من ذوي الفروض، ومن قال بالرد لا يقول بظاهره, لأنهم يعطونها فرضها ثم يردون عليها الباقي. وظاهر الحديث أنها ترث الجميع ابتداءًا.
وفيه أنَّ من ترك مالًا قليلًا فالاختيار له ترك الوصية وإبقاء المال للورثة، للاتفاق على أن المراد بقوله ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ المالُ، واتفقوا على أن من لم يترك مالًا لا تشرع له الوصية بالمال. وقيل: المراد بالخير المال الكثير، فلا تشرع لمن له مال قليل.
قال ابن عبد البر: أجمعوا على أن من لم يكن عنده إلا اليسير التافه من المال، انه لا يندب له الوصية. وفي نقل الإجماع نظر، فالثابت عن الزُّهريّ أنه قال: جعل الله الوصية حقًا فيما قل أو كثر، والمصرح به عند الشافعية ندبية الوصية من غير تفريق بين قليل وكثير، نعم، قال أبو الفرج السَّرْخَسِيّ منهم: إن كان المال قليلًا والعيال كثيرًا استحب له توفرته عليهم.
واختلف في حد المال الكثير في الوصية، فعن عليّ سبع مئة مال قليل، وعنه ثمان مئة مال قليل. وعن ابن عباس نحوه، وعن عائشة فيمن ترك عيالًا كثيرًا وترك ثلاثة آلاف "ليس هذا بمال كثير"، وحاصله أنه أمر نسبيّ يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال.
وفيه جواز التصدّق بجميع المال لمن عرف بالصبر، ولم يكن له من تلزمه نفقته. ويأتي الكلام على هذه المسألة مفصلًا في باب "لا صدقة إلا عن ظهر غِنىً" من كتاب الزكاة، وفيه أن الثلث في
стр. 5447
حد الكثرة، وقد اعتبره بعض الفقهاء في غير الوصية، واستقر الإجماع على منع الوصية بأزيد من الثلث.
لكن اختُلف فيمن لم يكن له وارث خاص، فمنعه الجمهور، وجوزه الحنفية وإسحاق وشريك وأحمد ومالك في أحد قوليهما. وهو قول عليّ وابن مسعود، واحتجوا بأن الوصية مطلقة بالآية، فقيدتها السنة بمن له وارث، فيبقى من لا وارث له على الإطلاق، وقد قال في الحديث "إنْ تذر ورثتك أغنياء" فمفهومه أن من لا وارث له لا يبالي بالوصية بما زاد, لأنه لا يترك ورثة يخشى عليهم الفقر.
وتعقب هذا بأنه ليس تعليلًا محضًا، وإنما فيه تنبيه على الخط الأنفع، ولو كان تعليلًا محضًا لاقتضى بجواز الوصية بأزيد من الثلث لمن كانت ورثته أغنياء، ولنفذ ذلك عليهم بدون إجازتهم، ولا قائل بذلك، وعل تقدير أن يكون تعليلًا محضًا، فهو للنقص عن الثلث لا للزيادة، فكأنه لمّا شرع الإِيصاء بالثلث وأنه لا يعترض به على الموصي، إلا أنّ الانحطاط عنه أولى، ولاسيما لمن يترك ورثة غير أغنياء، فنبه سعدًا على ذلك.
وقد مرَّ أنّ المعروف في مذهب الشافعيّ استحباب النقص عن الثلث، وكره طائفة من أهل العلم الوصية بجميع الثلث. قال طاوس: إذا كان ورثته قليلًا، وماله كثيرًا، فلا بأس أن يبلغ الثلث، واستحب طائفة الوصية بالربع، وهو ما مرَّ عن ابن عباس. وقال: إسحاق السنة الربع، لقوله "الثلث كثير"، إلاَّ أن يكون رجل يعرف في ماله شبهة، فيجوز له الثلث.
قال أبو عمر: لا أعلم لإسحاق حجة في قوله "السنة الربع"، قلت: حجته ما ذكر من قوله "الثلث كثير"، وهو حجة ابن عباس، وقال ابن بطال: أوصى عمر بالربع، واختار آخرون السدس، وقال إبراهيم: كانوا يكرهون أن يوصوا بمثل نصيب أحد الورثة حتى يكون أقل، رواه ابن أبي شَيبة بسند صحيح، وكان السدس أحب إليه من الثلث. وأوصى أنس فيما ذكره في المصنف عن ثابت عنه بمثل نصيب أحد ولده، وأجاز آخرون العُشر، وعن أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، أنه يفضل الوصية بالخُمس، وبذلك أوصى، وقال: رضيتُ لنفسي ما رضي الله لنفسه، يعني الخمس.
واستحب جماعة الوصية بالثلث، محتجين بحديث الباب، وبحديث ضعيف عن أبي هريرة مرفوعًا "جعل الله لكم في الوصية ثلث أموالكم زيادة في أعمالكم". واختلفوا هل يعتبر ثلث المال حال الوصية أو حال الموت، على قولين. وهما وجهان للشافعية، أصحهما الثاني، وقال بالأول مالك وأكثر العراقيين، وقال به النخعيّ، وعمر بن عبد العزيز، وقال بالثاني أبو حنيفة وأحمد والباقون، وهو قول عليّ رضي الله تعالى عنه.
стр. 5448
وتمسك الأولون بأنّ الوصية عقد، والعقود تعتبر بأولها، وبأنه لو نذر أن يتصدق بثلث ماله اعتبر ذلك حالة النذر اتفاقًا. وأجيب بأن الوصية ليست عقدًا، من كل جهة، ولذلك لا تعتبر فيها الفورية، ولا القبول، وبالفرق بين النذر والوصية بأنها يصح الرجوع عنها، والنذر يلزم. وثمرة هذا الخلاف تظهر فيما لو حدث له مال بعد الوصية.
واختلفوا أيضًا، هل يحسب الثلث من جميع المال أو تنفذ بما علمه الموصى دون ما خفي عليه أو تجدد له، ولم يعلم به، وبالأول قال الجمهور، وبالثاني قال مالك. وحجة الجمهور أنه لا يشترط أن يستحضر تعداد مقدار المال حالة الوصية اتفاقًا، ولو كان عالمًا بجنسه، فلو كان العلم به شرطًا لما جاز ذلك.
وأول من أوصى بالثلث في الإِسلام البراء بن مَعْرور، بمهملات، أوصى به للنبي ﷺ ، وكان قد مات قبل أن يدخل النبي ﷺ المدينة بشهر، فقبله النبيّ ﷺ ، ورده على ورثته. أخرجه الحاكم وابن المنذر عن أبي قتادة، وفيه في قوله "أفأتصدق بمالي كله" على تلك الرواية حجةٌ لما ذهب إليه الجمهور في هبات المريض وصدقته وعتقه، أنَّ ذلك من ثلثه لا من جميع المال. وهو قول مالك وأبي حنيفة وصاحبيه والشافعيّ وأحمد وعامة أهل الحديث والرأي، محتجين بحديث عمران بن حصين في الذي أعتق ستة أَعْبُدٍ في مرضه ولا مال له غيرهم، فتوفي فاعتق النبي ﷺ اثنين منهم، وأرق أربعة.
وقالت فرقة من أهل النظر، وأهل الظاهر، في هبة المريض، أنها من جميع المال، وقال ابن بطال: هذا القول لا نعلم أحدًا من المتقدمين قال به، وأجمع فقهاء الأمصار أن الوصية بأكثر من الثلث إذا أجازها الورثة جازت، وإن لم تجزها الورثة لم يجز منها إلا الثلث، وأبى ذلك أهل الظاهر فمنعوها، وإن أجازتها الورثة، وهو قول عبد الرحمن بن كيسان، وكذلك قالوا: إن الوصية لوارث لا تجوز، وإنْ أجازتها الورثة، لحديث "لا وصية لوارث" وسائر الفقهاء يجيزون ذلك إذا أجازتها الورثة، ويجعلونها هبة.
وهذا الحديث قد ذكرتُ في كتاب الإيمان أني أتكلم على كل محل منه بحسب ما ذكر لأجله، وقد استوفيت الكلام عليه هنا غاية الاستيفاء.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، وفيه ذكر ابنة مبهمة لسعد، وذكر سعد بن خولة، مرَّ عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، وابن شهاب في الثالث منه، وعامر بن سعد وأبوه سعد في العشرين من الإيمان, وابنة سعد المبهمة اسمها عائشة، وليست بالتي روى عنها مالك، تيك أخت هذه، وهي
стр. 5449
تابعية، ولا يدرك مالك طبقة عائشة بنت سعد الكبرى, (فالصغرى) إنما ولدت بعد النبي ﷺ بدهر، ولا ترجموها بأنها أدركت شيئًا من أمهات المؤمنين، وقد ظن من لا علم عنده بأن مالكًا تابعيّ بروايته عن عائشة بنت سعد، ظانًا أنها الكبرى المذكورة في الصحيح.
وسعد بن خولة القرشي العامريّ من بني مالك بن حِسْل بن عامر بن لُؤَيّ، وقيل من حلفائهم، وقيل من مواليهم، وقال ابن هشام: هو فارسي من اليمن، حالف بني عامر، ذكره ابن إسحاق وموسى بن عقبة في البدريين. له ذكر في الصحيحين في حديث سعد هذا، وفي حديث سُبيعة بنت الحارث أنها كانت تحت سعد بن خولة، فتوفي عنها في حجة الوداع، وهي حامل، فأتت النبي ﷺ ، وأخبرته أنها ولدت بعد وفاته بليال، فقال لها: قد حَلِلْتِ فأنكحي من شئت".
ولم يختلفوا أنه مات بمكة في حجة الوداع، وقال الواقدي: إنه هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية. والحديث أخرجه البخاريّ في عشرة مواضع في المغازي، وفي الدعوات وفي الهجرة وفي الطب وفي الفرائض وفي النفقات وفي الوصايا وفي الإيمان, ومسلم في الوصايا، وكذا أبو داود والتِّرْمِذِيّ، وابن ماجه والنَّسَائي في الوصايا وفي عشرة النِّساء وفي اليوم والليلة. ثم قال المصنف:
стр. 5450
باب ما ينهى من الحلق عند المصيبة
وخص الحلق دون غيره لأنه الغالب على النساء، وقوله "عند المصيبة" قصر للحكم على تلك الحالة، وهو واضح.
الحديث الخامس والخمسون
وَقَالَ الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُخَيْمِرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ وَجِعَ أَبُو مُوسَى وَجَعًا فَغُشِىَ عَلَيْهِ، وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئًا، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ بَرِىء مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَرِىء مِنَ الصَّالِقَةِ وَالْحَالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ.
قوله: وقال الحكم، وفي رواية أبي الوقت "حدثنا الحكم" وهو وهم، فإن الذين جمعوا رجال البخاري في صحيحه أطبقوا على ترك ذكره في شيوخه، فدل على أن الصواب رواية الجماعة بصيغة التعليق، وقد وصله مسلم في صحيحه, فقال: حدثنا الحكم بن موسى، وكذا ابن حِبّان، فقال: أخبرنا أبو يعلى، حدثنا الحكم. وقوله: وَجِع، بكسر الجيم، وقولها، في حجر امرأة من أهله، زاد مسلم: فصاحت، وله من وجه آخر عن أبي صَخْرة عن أبي بُردة وغيره "قالوا أُغميَ على أبي موسى، فأقبلت امرأته أم عبد الله تصيح بَرنَّة .. " الحديث.
وللنَّسائيّ عن يزيد بن أوس عن أم عبد الله امرأة أبي موسى عن أبي موسى فذكر الحديث دون القصة، ولأبي نعيم في "المستخرج" على مسلم عن ربْعيّ قال: أُغمي على أبي موسى فصاحت امرأته بنت أبي دَوْمة، فحصلنا على أنها أم عبد الله بنت أبي دومة، وأفاد عمر بن شَبّة في "تاريخ البصرة" أن اسمها صفية بنت دَمُّون، وأنها والدة أبي بُردة بن أبي موسى، وأن ذلك وقع حين كان أبو موسى أميرًا على البصرة من قِبَل عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه.
وقوله: إني بريء في رواية الكَشْميهنيّ: أنا بريء، وكذا لمسلم، وقد مرَّ الكلام على المراد بهذه البراءة قبل، في باب "ليس منّا من شقّ الجيوب". وقوله: الصالقة، بالصاد المهملة والقاف،
стр. 5451
أي: التي ترفع صوتها بالبكاء، ويقال بالسين المهملة بدل الصاد، ومنه قوله تعالى: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ وعن ابن الأعرابي الصَّلْق ضربُ الوجه، والأول أشهر.
والحالقة التي تحلق رأسها عند المصيبة، والشاقة التي تشق ثوبها, ولفظ أبي صخرة عند مسلم "أنا بريء ممن حلق وسلق وخرق" أي: حلق شعره، وسلق صوته أي: رفعه، وخرق ثوبه.
رجاله ستة:
وفيه لفظ امرأة مبهمة، مرَّ منهم ثلاثة، مرَّ القاسم بن مُخَيْمِرَة في تعليق بعد الحادي عشر والمئة من صفة الصلاة، ومرَّ أبو بُردة وأبوه أبو موسى في الرابع من الإِيمان. والثلاثة الباقية:
الأول منها الحكم بن موسى بن أبي زهير شِبْرازْد، والبغداديّ، أبو صالح، القَنْطَرِيّ، قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث، وكان رجلًا صالحًا ثبتًا في الحديث، وقال ابن مُعين: ليس به بأس، وقال مُرَّة: ثقة، وكذا قال العجليّ، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال موسى بن هارون: حدثنا الحكم بن موسى أبو صالح الشيخ الصالح، وكذا قال ابن المَدِينيّ والبَغَويّ.
وقال صالح جَزَرة: الثقة المأمون، وقال ابن قانع: ثقة، وذكره ابن حِبّان في الثقات، رأى مالك بن أنس، وروى عن ضَمرة بن ربيعة ويحيى بن حمزة وابن المبارك وغيرهم. وروى عنه البخاريّ تعليقًا، ومسلم وأبو داود في المراسيل، والنَّسائيّ وابن ماجه بواسطة، وغيرهم. مات سنة اثنتين وثلاثين ومئتين ليومين من شوال.
الثاني يحيى بن حمزة بن واقد، الحضرميّ، أبو عبد الرحمن البتلهيّ الدمشقيّ، القاضي من أهل بيت لَهْيا. قال أحمد: ليس به بأس، وقال ابن مُعين: ثقة، وقال مُرّة كان قدريًا، وكان صدقة بن خالد أحب إليهم منه. وقال الغلابيّ: كان ثقة، وكان يُرمى بالقدر. وقال دُحيم: ثقة عالم لا أشك أنه لقي عليّ بن يزيد. وقال أبو داود: ثقة، وكان يُرمى بالقدر. وقال دُحيم: ثقة عالم لا أشك أنه لقي عليّ بن يزيد. وقال عمرو بن دحيم: أعلم أهل دمشق بحديث مِكحول الهيثمُ بن حميد ويحيى بن حمزة.
وقال العجليّ: ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة مشهور، وذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال مروان بن محمد: استقضاه المنصور سنة ثلاث وخمسين، فلم يزل قاضيًا حتى مات. روى عن الأوزاعي وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر ونصر بن علقمة وغيرهم. وروى عنه ابنه محمد وابن مَهْدِيّ والحَكَم بن موسى وغيرهم.
стр. 5452
مات سنة ثلاث وثمانين ومئة، وولد سنة ثلاث ومئة. والبتلهيّ في نسبه نسبةً إلى بيت لَهْيا، بفتح اللام وسكون الهاء وياء وألف مقصورة، قرية بقرب دمشق منها محمد ابن بكّار بن يزيد السَّكْسَكيّ اللهيى.
الثالث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزْدِيّ أبو عُلبة الشاميّ الدارانيّ. قال ابن مُعين والعجليّ والنَّسائيّ وغير واحد: ثقةٌ، وقال ابن المَدِيْنِيّ يعد في الطبقة الثانية من فقهاء أهل الشام بعد الصحابة. وقال يعقوب بن سفيان: عبد الرحمن ويزيد ابنا جابر ثقتان، كانا نزلا البصرة، ثم تحوّلا إلى دمشق. وقال أبو داود: من ثقات الناس وقال ابنه أبو بكر: ثقة مأمون، وقال ابن مهديّ: إذا رأيت الشاميّ يذكر الأوزاعيّ وسعيد بن عبد العزيز وعبد الرحمن بن يزيد فاطْمَئِنَّ إليه. وقال أبو حاتم: صدوق لا بأس به، ثقة.
وقال الفلاس وحده: ضعيف الحديث، حدث عن مكحول أحاديث مناكير، رواها عنه أهل الكوفة، وتَعَقب ذلك الحافظ أبو بكر الخطيب بأنّ الذي روى عنه أهل الكوفة أبو أسامة وغيره، هو عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، وكانوا يغلطون فيه فيقولون ابن جابر. قال فالحمل في تلك الأحاديث على أهل الكوفة الذين وهموا في اسم جده، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر ثقةٌ، وقد بيّن ما وقع لأبي أسامة وغيره، من ذلك ابن أبي حاتم وأبو بكر البَزّار وأبو بكر بن أبي داود وغيرهم.
روى عن مكحول والزُّهريّ وزيد بن أسلم وغيرهم، وروى عنه ابنه عبد الله، وصدقة بن المبارك وعيسى بن يونس وغيرهم. مات سنة ثلاث أو أربع أو خمس وخمسين ومئة، وهو ابن بضع وثمانين سنة.
لطائف إسناده:
فيه أنه صدَّر الحديث بقوله "قال الحكم" بدون التحديث أو الإخبار على صورة التعليق، وقد مرَّ ما في هذا العمل عند البخاريّ، وقد وصله مسلم في كتاب الإِيمان، وفيه التحديث بالجمع والإِفراد والعنعنة والقول. ورواته ما بين بغداديّ وشاميّ وكوفيّ، وفيه رواية الابن عن الأب.
والمرأة المبهمة هي زوجةُ أبي موسى أم عبد الله بنت أبي دَوْمة، وقيل: اسمها صفية بنت دَمُّون، والدة أبي بُردة بن أبي موسى، روت عن النبي ﷺ ، وعن أبي موسى عنه فيمن حلق وسلق، وروى عنها عياض الأشعريّ ويزيد بن أوس وعبد الرحمن بن أبي ليلى. وغيرهم ثم قال المصنف:
стр. 5453
باب ليس منا من ضرب الخدود
الحديث السادس والخمسون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ.
مرَّ الكلام على هذا الحديث قبل بابين.
رجاله سبعة قد مرّوا، مرَّ محمد بن بشّار في الحادي عشر من العلم، ومرَّ عبد الرحمن بن مهديّ في الأول من استقبال القبلة، ومرَّ سفيان الثَّوريّ وعبد الله بن مُرة ومسروق في السابع والعشرين من الإِيمان, ومرَّ الأعمش في الخامس والعشرين منه، وابن مسعود في أول أثر منه. ثم قال المصنف:
стр. 5454
باب ما ينهى من الويل ودعوى الجاهلية عند المصيبة
سقطت هذه الترجمة مع حديثها للكَشميهنيّ، وثبتت للباقين، وأورد فيها حديث ابن مسعود من وجه آخر، ولم يذكر فيه الويل المترجم به، وكأنه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه، ففي حديث أبي أمامة عند ابن ماجه، وصححه ابن حِبّان أن رسول الله ﷺ "لعن الخامشة وجهها، والشاقة جيبها، والداعية بالويل والثبور" والظاهر أن ذكر دعوى الجاهلية في الترجمة بعد ذكر الويل من العام بعد الخاص.
الحديث السابع والخمسون
حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ.
وهذا الحديث قد مرَّ ما فيه في باب "ليس منا من شق الجيوب".
رجاله ستة:
قد مرّوا، مرَّ عمر بن حفص وأبوه حفص في الثاني عشر من الغُسل، ومرَّ محل الأربعة الباقية في الذي قبله. ثم قال المصنف:
стр. 5455
باب من جلس عند المصيبة يُعرف فيه الحزن
يعرف مبني للمجهول، ومَنْ موصولة، والضمير لها، ويحتمل أن يكون لمصدر جلس، أي جلوسًا يعرف فيه، ولم يفصح المصنف بحكم هذه المسألة، ولا التي بعدها، حيث ترجم من لم يظهر حزنه عند المصيبة, لأن كلًا منهما قابل للترجيح. أما الأول فلكونه من فعل النبي ﷺ ، والثاني من تقريره، وما يباشره بالفعل أرجح غالبًا. وأما الثاني فلأنه فعلٌ أبلغ في الصبر، وأزجر للنفس، فيرجح ويحمل فعله ﷺ المذكور على بيان الجواز، ويكون فعله في حقه في تلك الحالة أولى.
وقال الزين بن المنير ما ملخصه: موقع هذه الترجمة من الفقه أن الاعتدال في الأحوال هو المسلك الأقوم، فمن أصيب بمصيبة عظيمة، لا يفرط في الحزن حتى يقع في المحذور من اللطم والشق والنوح وغيرها, ولا يفرط في التجلّد حتى يفضي إلى القسوة والاستخفاف بقدر المصاب، فيقتدي به ﷺ في تلك الحالة، بأن يجلس المصاب جلسة حنيفة، بوقارٍ وسكينة، تظهر عليه مخايل الحزن، ويؤذن بأن المصيبة عظيمة.
الحديث الثامن والخمسون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ سَمِعْتُ يَحْيَى قَالَ أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ قَالَ سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا جَاءَ النَّبِيَّ ﷺ قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرٍ وَابْنِ رَوَاحَةَ جَلَسَ يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ، وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صَائِرِ الْبَابِ شَقِّ الْبَابِ فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ، وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ، لَمْ يُطِعْنَهُ فَقَالَ انْهَهُنَّ. فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ قَالَ وَاللَّهِ غَلَبْنَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَزَعَمَتْ أَنَّهُ قَالَ فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ. فَقُلْتُ أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ، لَمْ تَفْعَلْ مَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ تَتْرُكْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْعَنَاءِ.
قوله: لما جاء النبي الخ، هو بالنصب على المفعولية، والفاعل قوله "قتل ابن حارثة"، وهو زيد، وأبوه بالمهملة والمثلثة، وجعفر هو ابن أبي طالب، وابن رُواحة هو عبد الله، وكان قتلهم في
стр. 5456
غزوة مؤتة، وقد تقدمت قصتهم مستوفاة في الباب الثالث من كتاب الجنائز، وقوله: جلس، زاد أبو داود "في المسجد" قوله: يعرف فيه الحزن، قال الطيبي: كأنه كَظَم الحزن كظمًا، فظهر منه ما لابد للجبلّة البشرية منه.
وقوله: صائر الباب، بالمهملة والهمزة بعدها، وفسر في نفس الحديث بقوله "شَق الباب"، وهو مفتح الشين المعجمة، أي الموضع الذي ينظر منه، ولم يَرد بكسر المعجمة، أي: الناحية، إذ ليست مرادة هنا. قاله ابن التين، وهذا التفسير الظاهر أنه من قول عائشة، ويحتمل أن يكون ممن بعدها. قال المازريّ: وقع في الصحيحين "صائر" والصواب، أي: بكسر أوله وسكون التحتانية، وهو الشن, قال أبو عبيد في "غريب الحديث"، عند حديث من نظر من صير الباب، ففُقئت عينه فهي هدر: الصِّير الشق، ولم نسمعه إلا في هذا الحديث. وقال ابن الجوزي: صائر وصير بمعنى واحد، وفي كلام الخطابي نحوه.
وقوله: فأتاه رجل، قال في الفتح: لم أقف على اسمه، وكأنه أبهم عمدًا لما وقع في حقه من غضِّ عائشة منه، وقوله: إن نساء جعفر، أي: امرأته أسماء بنت عميس، ومن حضر عندها من أقاربها وأقارب جعفر، ومن في معناها. ولم يذكر أهل العلم بالأخبار لجعفر امرأة غير أسماء، ويأتي قريبًا تعريفها في السند. وقوله: وذكر بكاءَهُنّ، كذا في الصحيحين. قال الطيبيّ: هو حال من المستتر في قوله: فقال، وحذف خبر إنَّ من القول المحكي لدلالة الحال عليه، والمعنى قال الرجل: إن نساء جعفر فعلن كذا وكذا، مما لا ينبغي، من البكاء المشتمل مثلًا على نَوح.
وعند أبي عُوانة: قد كثر بكاؤهن، فإنْ لم يكن تصحيفًا فلا حذف ولا تقدير، ويؤيده ما عند ابن حبّان بلفظ "قد أكثرن بكاءهن". وقوله: فذهب فَنَهاهُنّ فلم يُطِعنه، وقوله: ثم أتاه الثانية لم يطعنه، أي أتي النبيَّ ﷺ المرة الثانية، فقال: إنهن لم يطعنه. وفي رواية أبي عُوانة. "فذكر أنهن لم يطعنه".
وقوله: فقال انهض، أي: قال له ﵊: "انهض فانههن". وقوله: والله غلبننا، وفي رواية الكشميهنيّ "لقد غلبننا" وقوله: فزعمت، أي: عائشة، وهو مقول عَمرة، والزعم قد يطلق على القول المحقق، وهو المراد هنا. وقوله: إنه قال، في الرواية الآتية بعد ثلاثة أبواب "أن النبي ﷺ قال". وقوله: فاحثُ، بضم المثلثة وكسرها، يقال: حتى يحثُو ويحثي. وقوله: التراب، في الرواية الآتية "من التراب".
قال القرطبيّ: هذا بدل على أنهن رفعن أصواتهن بالبكاء، فلما لم ينتهين أمره أن يسد أفواههن بذلك، وخص الأفواه بذلك لأنها محل النوح، بخلاف الأعين مثلًا. ويحتمل أن يكون كناية عن المبالغة في الزجر، أو المعنى "أعلمهن أنهن خائبات من الأجر المترتب على الصبر، لما
стр. 5457
أظهرن من الجزع، كما يقال للخائب لم يحصل في يده إلاَّ التراب"، لكن يُبعد هذا الاحتمال قول عائشة الآتي "لم تفعل ما أمرك" وقيل: لم يرد بالأمر حقيقته، قال عياض: هو بمعنى التعجيز، أي: أنهن لا يسكتن إلا بسد أفواههن، ولا يسدها إلا أن تملأ بالتراب، فإنْ أمكنك فافعل.
وقال القرطبيّ: يحتمل أنهن لم يطعن الناهي، لكونه لم يصرح لهن بكون النبي ﷺ نهاهن، فحملن ذلك على أنه مُرشد للمصلحة من قِبَل نفسه، أو علمن ذلك، لكن غلب عليهن شدةُ الحزن، لحرارة المصيبة. ثم الظاهر أنه كان في بكائهن زيادة على القدر المباح، فيكون النهي للتحريم، بدليل أنه كرره وبالغ فيه، وأمر بعقوبتهن إنْ لم يسكتن. ويحتمل أن يكون بكاءًا مجردًا، والنهي للتنزيه، ولو كان للتحريم لأرسل غير الرجل المذكور لمنعهن, لأنه لم يقر على باطل. ويبعد تمادي الصاحبيات بعد تكرار النهي على فعل الأمر المحرم.
وفائدة نهيهنّ على الأمر المباح خشية أَنْ يسترسلن فيه، فيفضي بهنّ إلى الأمر المحرم، لضعف صبرهن، فيستفاد منه جواز النهي عن المباح عند خشية إفضائه إلى ما يحرم. وقوله: فقلت، هو مقول عائشة، وقوله: أَرْغم الله أنفك، بالراء والمعجمة، أي ألصقهُ بالرّغام، بتثليث الراء، وهو التراب، والرُّعام، بضم الراء وإهمال العين المخاطُ. قال أحد أصدقائنا:
أعجم وثلث في التراب للرّغام ... أهمل وضم في المخاط للرّعام
ذكره العلامة الحفنيّ ... وهو إمامٌ عالمٌ مَرْضِي
وإنما قالت له ذلك إهانة وإذلالًا، ودعت عليه من جنس ما أمر أن يفعله بالنسوة، لفهمها من قرائن الحال أنه أحرج النبي ﷺ بكثرة تردده إليه في ذلك.
وقوله: لم تفعل، قال الكرمانيّ: أي: لم تبلغ النهي ونفته، وإن كان قد نهى ولم يطعنه لأن نهيه لم يترتب عليه الامتثال، فكأنه لم يفعل، ويحتمل أن تكون أرادت أنه لم يفعل، أي: الحثو بالتراب. قال في الفتح: لفظة "لم" يعبر بها عن الماضي، وقولها ذلك وقع قبل أن يتوجه فمن أين علمت أنه لم يفعل؟ فالظاهر أنها قامت عندها قرينة بأنه لا يفعل، فعبرت عنه بلفظ الماضي، مبالغة في نفي ذلك عنه، وهو مشعر بن الرجل المذكور كان من أزلام النسوة المذكورات.
وفي الرواية الآتية بعد أبواب "فوالله ما أنت بفاعل ذلك" وكذا المسلم وغيره، فظهر أنه من تصرف الرواة. وقوله: من العَناء، بفتح المهملة والنون والمد، أي المشقة والتعب. وفي رواية لمسلم "من الفِيّ"، بكسر المهملة وتشديد التحتانية، وفي رواية العُذريّ "الفَيّ" بفتح المعجمة، بلفظ ضد الرشد.
стр. 5458
قال عياض: ولا وجه له هنا، وتعقب بأنه له وجهًا، ولكن الأول أليق لموافقته لمعنى العناء الذي هو رواية الأكثر. قال النوويّ: مرادها أن الرجل قاصر عن القيام بما أمر به من الإنكار والتأديب، ومع ذلك لم يفصح بعجزه عن ذلك، ليرسل غيره فيستريح من التعب.
وفي هذا الحديث من الفوائد أيضًا جواز الجلوس للعزاء بسكينة ووقار، وجواز نظر النساء المتحجبات إلى الرجال الأجانب، وتأديب من نهي عما لا يبتغي فعله إذا لم ينته، وجواز اليمين لتأكيد الخبر، واختلف في المستحق لاسم الصبر، فقال بعضهم: المستحق لاسم الصبر هو الذي يكون في حاله مثلها قبلها, ولا يظهر عليه حزن في جارحة ولا لسان، كما زعت الصوفية أن الولي لا تتم له الولاية إلا إذا تم له الرضى بالقدر، ولا يحزن على شيء، والناس في هذا الحال مختلفون، فمنهم من في قلبه الجلد وقلة المبالاة بالمصائب، ومنهم من هو بخلاف ذلك، فالذي يكون طبعه الجزع ويملك نفسه ويستعر الصبر أعظم أجرًا من الذي يتجلد طبيعة.
قال الطبريّ كما روي عن ابن مسعود: أنه لما نُعي أخوه عتبة قال: لقد كان من أعز الناس عليّ، وما يسرني أنه بين أظهركم اليوم حيًا، قالوا: كيف وهو أعز الناس عليك؟ قال: إنني لأُوجر فيه أحب إليّ من أن يؤجر فيّ، وقال ثابت: إن الصلت بن أشْيم مات أخوه. فجاء رجل وهو يطعم، فقال: يا أبا الصهباء، إن أخاك مات، قال: هلمَّ فكل، قد نُعي إلينا فكل. قال: والله ما سبقني إليك من نعاه، قال: يقول الله تعالى ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾.
وقال الشعبيّ: كان شُريح، رضي الله تعالى عنه، يدفن جنائزه ليلًا، فيغتنم ذلك، فيأتيه الرجل حين يصبح، فسأله عن المريض، فيقول هذا: لله الحمد والشكر، وأرجو أن يكون مستريحًا، وكان ابن سيرين يكون عند المصيبة كما قبلها، يتحدث ويضحك إلا يوم ماتت أخته حفصة، فإنه جعل يكشر، وأنت تعرف في وجهه.
وسئل ربيعة: ما منتهى الصبر؟ قال: أن يكون يومَ تصيبه المصيبة مثلَه قبل أن تصيبه، وأما جزع القلب وحُزن النفس ودمع العين، فإن ذلك لا يخرج العبد عن معاني الصابرين، إذا لم يتجاوزه إلى ما لا يجوز فعله, لأن نفوس بني آدم مجبولة على الجزع من المصائب، وقد مدح الله الصابرين، ووعدهم جزيل الثواب عليه، وتغيير الأجساد عن هيئاتها، ونقلها عن طباعها التي جبلت عليها, لا يقدر عليه إلا الذي أنشأها.
وروى المقْبَريّ عن أبي هريرة مرفوعًا قال: قال الله تعالى "إذا ابتليت عبدي المؤمن فلم يشكني إلى عُوّاده أنشطته من عقالي، وبدَّلته لحمًا خيرًا من لحمه، ودمًا خيرًا من دمه، ويستأنف العمل" وقد مرَّ عند الترجمة أن الأفضل ما كان يفعله ﵊ من عدم الإفراط في
стр. 5459
التجلد، بأن يجلس المصابُ بسكينة ووقار فظهر عليه مخابل الحزن، ويؤذن بأن المصيبة عظيمة.
رجاله خمسة ، قد مرّوا، وفيه ذكر زيد بن حارثة، وجعفر وابن رُواحة، وقد مرّوا، مرَّ محمد بن المثنّى وعبد الوهاب في التاسع. من الإيمان, ومرَّ يحيى بن سعيد الأنصاريّ في الأول من بدء الوحي، وعائشة في الثاني منه، وعمرة في الثاني والثلاثين من الحيض، ومرَّ عبد الله بن رُواحة في السادس والثلاثين من التهجد، ومرَّ جعفر وزيد بن حارثة في التاسع من الجنائز هذا.
وفي الحديث لفظ رجل مبهم، لم يسم، وفيه لفظ نساء جعفر، والمصرح باسمه منهن أسماء بنت عميس بن مَعْدٍ، بوزن سعد، وقال ابن عبد البر: بفتح العين، بن الحارث بن تَيْم بن كعب بن مالك بن قُحافة بن عامر بن رَبيعة بن غانم بن معاوية بن زيد، الخَثْعَمِيَّة، وقيل عميس بن النعمان بن كعب. والباقي سواء كانت أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﷺ لأمها، وأخت جماعة من الصحابيات لأب وأم، أو لأب ولأم. وقد مرَّ تفصيل ذلك في ترجمة أم الفضل في الثاني والثلاثين من صفة الصلاة. أسلمت أسماء قبل دخول دار الأرقم، ثم هاجرت مع زوجها جعفر إلى أرض الحبشة، فولدت له هناك عبد الله ومحمدًا وعونًا، ثم تزوجها أبو بكر بعد قتل جعفر. وروى ابن وهب أن النبي ﷺ زوجه إياها يوم حنين، فولدت له محمدًا ثم تزوجها عليّ فولدت له عونًا ويحيى. كان عمر يسألها عن تفسير المنام، ونقل عنها أشياء من ذلك ومن غيره.
وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال لها: لكم هجرتان، وللناس هجرة واحدة، وذلك لما قالت له: يا رسول الله، إن رجالًا يفخرون علينا، ويزعمون أنّا لسنا من المهاجرين الأولين، فقال: بل لكم هجرتان، وأوصى أبو بكر أن تغسله زوجته أسماء، وروى ابن السكن بسند صحيح أن أسماء تفاخر ابناها: محمد بن جعفر ومحمد بن أبي بكر، قال كل منهما أنا أكرم منك، وأبي خير من أبيك، فقال لها: عليّ أقضي بينهما، فقالت: ما رأيت شابًا خيرًا من جعفر، ولا كهلًا خيرًا من أبي بكر. فقال لها: فما أبقيت لنا؟
لها ستون حديثًا انفرد البخاريّ لها بحديث، روى عنها ابناها عبد الله وعون ابنا جعفر، وحفيدها القاسم بن محمد وغيرهم. وهذا الحديث أخرجه البخاريّ أيضًا في الجنائز وفي المغازي، ومسلم في الجنائز، وكذا أبو داود والنَّسائيّ.
الحديث التاسع والخمسون
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا حِينَ قُتِلَ الْقُرَّاءُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -
стр. 5460
حَزِنَ حُزْنًا قَطُّ أَشَدَّ مِنْهُ.
هذا الحديث قد مرت مباحثه مستوفاة في باب "بلا ترجمة" بعد باب "فضل اللهم ربنا لك الحمد" من أبواب صفة الصلاة، وشاهد الترجمة منه هنا قوله "ما حزن حزنًا قط أشد منه" فإن ذلك يشمل حالة جلوسه وغيرها.
رجاله أربعة قد مرّوا، مرَّ عمرو بن علي في السابع والأربعين من الوضوء، ومرَّ عاصم الأحول في الخامس والثلاثين منه، ومرَّ محمد بن فضيل في الحادي والثلاثين من الإيمان, وأنس في السادس منه، ومرَّ هذا الحديث في أبواب الوتر. ثم قال المصنف:
стр. 5461
باب من لم يظهر حزنه عند المصيبة
قوله يُظهر، بضم أوله من الرّباعي، وحزنَه منصوب على المفعولية، وقد مرَّ الكلام على هذه الترجمة عند الترجمة التي قبلها.
ثم قال: وقال محمد بن كعب القُرَظيّ: الجزع: القول السيء والظن السيء، وقال يعقوب ﵇: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ قوله السيء، بفتح المهملة وتشديد التحتانية بعدها همزة، والمراد به يبعث الحزن غالبًا، وبالظن السيء اليأس من تعويض الله المصاب في العاجل ما هو أنفع له من الفائت، أو الاستبعاد لحصول ما وعد به من الثواب على الصبر. وقد روى ابن أبي حاتم في تفسير سورة: سأل عن القاسم بن محمد كقول محمد بن كعب هذا.
وقوله: وقال يعقوب ﵇ ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ قال الزين بن المنير: مناسبة هذه الآية للترجمة أن قول يعقوب لما تضمن أنه لا يشكو بتصريح، ولا تعريض، إلاَّ لله، وافق مقصود الترجمة، وكان خطابه بذلك لبنيه بعد قوله ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾. والبث بفتح الموحدة بعدها مثلثة ثقيلة، شدة الحزن.
وهذا التعليق لم أقف عليه موصولًا، ومحمد هو ابن كعب بن سُليم بن أَسَد القُرَظِيّ أبو حمزة، أو أبو عبد الله المدنيّ من حلفاء الأوس، وكان أبوه من سَبي قُريظة، سكن الكوفة ثم المدينة. قال ابن سعد: كان ثقة عالمًا، كثير الحديث، ورعًا. وقال العجليّ: مدنيٌّ تابعيٌّ ثقة، رجل صالح، عالم بالقرآن. وجاء عن النبي ﷺ من طرق أنه قال: "يخرج من أحد الكاهنين رجل يدرس القرآن دراسة لا يدرسها أحد يكون بعده" قال ربيعة: فكنا نقول: هو محمد بن كعب. والكاهنان قُرَيظة والنَّضير.
وقال عون بن عبد الله: ما رأيت أحدًا أعلم بتأويل القرآن منه، وقال ابن حبّان: كان من أفاضل أهل المدينة علمًا وفقهًا، وكان يقص في المسجد فسقط عليه وعلى أصحابه سقفٌ فمات هو وجماعة معه تحت الهدم. وما نقل عن عتيبة من أنه ولد في حياته ﷺ ، لا أصل له، فإن الذي ولد في عهده هو أبوه، فقد روي أنه كان قريظة ممن لم يحتلم، ولم ينبت، فخلوا سبيله.
стр. 5462
روى عن العباس بن عبد المطلب وعليّ بن أبي طالب وابن مسعود وغيرهم. وروى عنه أخوه عثمان والحكم بن عُتَيبة ومحمد بن المُنْكَدِر وغيرهم. مات سنة سبع عشرة. وهو ابن ثمان وسبعين سنة.
الحديث الستون
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: اشْتَكَى ابْنٌ لأَبِي طَلْحَةَ قَالَ فَمَاتَ وَأَبُو طَلْحَةَ خَارِجٌ، فَلَمَّا رَأَتِ امْرَأَتُهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ هَيَّأَتْ شَيْئًا وَنَحَّتْهُ فِي جَانِبِ الْبَيْتِ، فَلَمَّا جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ كَيْفَ الْغُلاَمُ قَالَتْ قَدْ هَدَأَتْ نَفْسُهُ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَرَاحَ. وَظَنَّ أَبُو طَلْحَةَ أَنَّهَا صَادِقَةٌ، قَالَ فَبَاتَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ اغْتَسَلَ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، أَعْلَمَتْهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِمَا كَانَ مِنْهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُبَارِكَ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا. قَالَ سُفْيَانُ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَرَأَيْتُ لَهُمَا تِسْعَةَ أَوْلاَدٍ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ.
قال أبو نعيم في "المستخرج": يقال إن هذا الحديث مما تفرد به البخاريّ عن بشر بن الحكم، يعني هذا الوجه من طريق سفيان بن عيينة، ولم يخرجه أبو نعيم ولا الإِسماعيليّ من إسحاق إلاَّ من جهة البخاريّ. وأخرجه الإسماعيليّ عن عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة، وهو أخو إسحاق، عن أنس، وأخرجه مسلم وابن سعد وابن حِبّان والطَّيَالِسِيّ، من طرق، عن ثابت عن أنس أيضًا. وفي رواية بعضهم ما ليس في رواية الآخر. وسأذكر ما في رواية كلٍّ من فائدة زائدة.
وقوله: اشتكى ابن لأبي طلحة، أي مرض، وليس المراد أنه صدرت منه شكوى، لكن لما كان الأصل أن المريض يحصل منه ذلك، استعمل في كل مرض لكل مريض، والابن المذكور هو أبو عمير الذي كان النبي ﷺ يمازجه، ويقول: ما فعل النُّغَير يا أبا عمير؟ كما يأتي في كتاب الأدب. ويأتي الكلام عليه بعد انتهاء الكلام على هذا الحديث.
بيَّن كونَه أبا عمير ابنُ حبان في روايته عن عِمارة بن زاذان عن ثابت، وزاد من طريق جعفر بن سليمان عن ثابت في أوله قصة تزويج أم سليم بأبي طلحة، بشرط أن يسلم، وقال فيه: فحملت فولدت غلامًا صبيحًا، فكان أبو طلحة يحبه حبًا شديدًا، فعاش حتى تحرك، فمرض فحزن أبو طلحة عليه حزنًا شديدًا، حتى تضعضع، وأبو طلحة يغدو ويروح على رسول الله ﷺ ، فراح روحة،
стр. 5463
فمات الصبيّ، فأفادت هذه الرواية تسمية امرأة أبي طلحة.
ومعين قوله "وأبو طلحة" أي: خارج البيت عند النبي ﷺ ، في أواخر النهار. وعند الإِسماعيليّ "كان لأبي طلحة ولد فتوفي، فأرسلتْ أم سليم أنسًا يدعو أبا طلحة، وأمرته أن لا يخبره بوفاة ابنه، وكان أبو طلحة صائمًا".
وقوله: هيأت شيئًا، قال الكرمانيّ أي: أعدت طعامًا لأبي طلحة وأصلحته، وقيل: هيأت حالها وتزينت، والصواب أنها هيأت أمر الصبيّ، بأنْ غسلته وكفنته، كما ورد في بعض طرقه صحيحًا، فعند أبي داود الطيالسيّ عن ثابت "فهيأت الصبي" وفي رواية حميد عند ابن سعد "فتوفي الغلام فهيأت أم سليم أمره" وفي رواية عمارة بن زاذان عن ثابت "فهلك الصبيّ، فقامت أم سليم فغسلته، وكفنته وحنطته، وسجت عليه ثوبًا".
وقوله: ونحته في جانب البيت، أي: جعلته في جانب البيت، وفي رواية جعفر عن ثابت: فجعلته في مخدعها. وقوله: هدأت، أي: سكنت، ونفْسه بسكون الفاء للأكثر، والمعنى أنَّ النفْس كانت قلقة منزعجة بعارض المرض، فسكنت بالموت. وظن أبو طلحة أن مرادها أنها سكنت بالنوم لوجود العافية. وفي رواية أبي ذَرٍ "هدأ نَفَسه" بفتح الفاء، أي سكن, لأن المريض يكون نفسه عاليًا، فإذا زال مرضه سكن، وكذا إذا مات.
وفي رواية أنس بن سيرين "هو أسكن ما كان"، ونحوه في رواية جعفر عن ثابت. وفي رواية معمر عن ثابت "أمسى هادئًا" وفي رواية حميد "بخير ما كان". ومعانيها متقاربة. وقوله: وأرجو أن يكون قد استراح، لم تجزم بذلك على سبيل الأدب، ويحتمل أنها لم تكن علمت أن الطفل لا عذاب عليه، ففوضت الأمر إلى الله تعالى، مع وجود رجائها بأنه استراح من نكد الدنيا، وقوله: وظن أبو طلحة أنها صادقة، أي بالنسبة إلى ما فهمه من كلامها، وإلا فهي صادقة بالنسبة إلى ما أرادت.
وقوله: فبات، أي معها، وقوله: فلما أصبح اغتسل، فيه كناية عن الجماع, لأن الغسل إنما يكون في الغالب منه. وقد وقع التصريح بذلك في غير هذه الرواية. ففي رواية أنس بن سيرين، فقربت إليه العشاء فتعشى، ثم أصاب منها. وفي رواية عبد الله بن عبد الله "ثم تعرضت له فأصاب منها" وفي رواية حماد عن ثابت "ثم تطيبت" زاد جعفر عن ثابت "فتعرضت له حتى وقع بها" وفي رواية سليمان عن ثابت "ثم تصنَّعَت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك، فوقع بها".
وقوله: فلما أراد أن يخرج أعلمته أنه قد مات، وزاد مسلم "قالت يا أبا طلحة أرأيت لو أن قومًا
стр. 5464
أعاروا أهل بيت عارِيَّةً فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا، قالت: فاحتسب ابنك، فغضب وقال: تركتني حتى تلطختُ، ثم أخبرتني بابني؟ وفي رواية عبد الله فقالت: يا أبا طلحة، أرأيت قومًا أعاروا قومًا متاعًا، ثم بدا لهم فيه فأخذوه، فكأنهم وجدوا في أنفسهم وزاد حماد في روايته عن ثابت "فأبوا أن يردوها" فقال أبو طلحة: ليس لهم ذلك، إن العاريَّة مؤداة إلى أهلها، ثم اتفقا، فقالت: إن الله أعارنا فلانًا، ثم أخذه منا. زاد حمّاد "فاسترجع".
وقوله: لعل أنْ يبارك الله لكما في ليلتكما، في رواية الأصيليّ "لهما في ليلتهما" وفي رواية أنس بن سيرين "اللهم بارك لهما"، ولا تعارض بينهما، فيجمع بينهما بأنه دعا بذلك، ورجا إجابة دعائه. ولم تختلف الرواة عن ثابت، وكذا عن حميد في أنه قال "بارك الله لكما في ليلتكما" وعرف من رواية أنس بن سيرين أن المراد الدعاء، وإنْ كان لفظه لفظ الخبر.
وفي رواية أنس بن سيرين من الزيادة "فولدت غلامًا" وفي رواية عبد الله بن عبد الله "فجاءت بعبد الله بن أبي طلحة". ويأتي حديث تحنيكه في تعريفه في السند. وقوله: قال سفيان، هو ابن عيينة بالإِسناد المذكور، وقوله: فقال رجل من الأنصار إلخ، هو عباية بن رفاعة، لما أخرجه سعيد بن منصور ومسدد وابن سعد والبيهقيّ في الدلائل, كلهم عن سعيد بن مسروق عن عباية قال: كانت أم أنس تحت أبي طلحة، فذكر القصة شبيهة بسياق ثابت عن أنس. وقال في آخره: فولدت له غلامًا. قال عباية: فلقد رأي لذلك الغلام سبع بنين، كلهم قد ختم القرآن.
وأفادت هذه الرواية في رواية سفيان تجوزًا في قوله لهما, لأن ظاهره أنهم من ولدهما بدون واسطة، وإنما المراد من أولاد ولدهما المدعو له بالبركة، وهو عبد الله بن أبي طلحة. وفي رواية سفيان تسعة، وفي هذه سبعة، فلعل في أحدهما تصحيفًا، أو المراد بالسبعة من ختم القرآن كله، وبالتسعة من قرأ معظمه، وله من الولد، فيما ذكر ابن سعد وغيره من أهل العلم بالأنساب، إسحاق وإسماعيل وعبد الله ويعقوب وعمر والقاسم وعمارة وإبراهيم وعمير وزيد ومحمد، وأربع من البنات، والمذكور منهم في رجال الحديث أربعة، ذكرنا تعريف من لم يسبق تعريفه في سند هذا الحديث، وهم ثلاثة مع تعريف أبي عمير.
وفي قصة أم سليم هذه من الفوائد أيضًا جواز الأخذ بالشدة، وترك الرخصة مع القدرة عليها، والتسلية عن المصائب، وتزيين المرأة لزوجها، وتعرضها لطلب الجماع منه، واجتهادها في عمل مصالحه، ومشروعية المعاريض الموهمة إذا دعت الضرورة إليها، وشرط جوازها أن لا تبطل حقًا لمسلم، وكان الحامل لأم سليم على ذلك المبالغة في الصبر، والتسليم لأمر الله تعالى، ورجاء إخلافه عليها ما فات منها، إذ لو أعلمت أبا طلحة بالأمر في أول الحال تنكد عليه وقته، ولم تبلغ الغرض الذي أرادته، فلما علم الله صدق نيتها، بلَّغها مناها، وأصلح لها ذريتها.
стр. 5465
وفيه إجابة دعوة النبي ﷺ ، وأن من ترك شيئًا عوضه الله خيرًا منه، وبيان حال أم سليم من التجلد وجودة الرأي وقوة العزم، وقد كانت تشهد القتال، وتقوم بخدمة المجاهدين إلى غير ذلك مما انفردت به عن جميع النسوة، مما مرَّ في تعريفها في السبعين من كتاب العلم. وقد وعدتُ بالكلام على حديث "ما فعل النُّغَير يا أبا عمير" تتميمًا للفائدة، وها أنا أذكر متنه المسوق عند المصنف في كتاب "الأدب" من رواية أبي التَّيَّاح، وأذكر باقي طرقه. ثم اتبع معانيه، وما فيه من الفوائد. ولفظ المتن المذكور عن عبد الوارث عن أبي التَّيّاح عن أنس قال: "كان النبي ﷺ أحسن الناس خلقًا، وكان لي أخ يقال له أبو عمير، قال أحسبه فطيمًا، وكان إذا جاء قال: يا أبا عمير، ما فعل النغير؟ نغيرٌ كان يلعب به، فربما حضر الصلاة وهو في بيتنا، فيأمر بالبساط الذي تحته، فيكنس وينضح، ثم يقوم ونقوم خلفه، فيصلى بنا".
وأخرجه المصنف في باب الانبساط إلى الناس من رواية شُعبة عن أبي التَّيّاح، وأخرجه النَّسائيّ عن شعبة هكذا، ومن وجه آخر عن شعبة عن قتادة عن أنس، ومن وجه آخر عن شعبة عن محمد بن قيس عن حُمَيد عن أنس، والمشهور الأول، ويحتمل أن يكون لشعبة فيه طريق.
وقوله: كان النبي ﷺ أحسن الناس خلقًا، هذا قاله أنس توطئة لما يريد ذكره من قصة الصبي، وأول حديث شعبة المذكور عن أنس قال: "إنْ كان النبي ﷺ ، لَيُخالطنا" ولأحمد عن المثنى بن سعيد عن أبي التَّيّاح عن أنس "كان النبي ﷺ يزور أم سليم" وفي رواية محمد بن قيس المذكورة "كان النبي ﷺ قد اختلط بنا أهل البيت" يعني بيت أبي طلحة وأم سليم. ولأبي يعلى عن محمد بن سيرين عن أنس: كان النبي ﷺ يغشانا ويخالطنا.
وللنّسائيّ عن إسماعيل بن جعفر عن حميد عن أنس: كان يأتي أم سليم، وينام على فراشها، وكان إذا مشى يتوكأ. ولابن مسعود وسعيد بن منصور عن رِبْعيّ بن عبد الله بن الجارود عن أنس: كان يزور أم سليم فتتحفه بالشيء تصنعه له.
وقوله: وكان لي أخ يقال له أبو عُمير، هو بالتصغير، وفي رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس، عند أحمد: كان لي أخ صغير، وهو أخو أنس بن مالك من أمه. وفي رواية المثنى بن سعيد المارّة: وكان لها، أي أم سليم، ابن صغير، وفي رواية حميد عند أحمد: وكان لها من ابن أبي طلحة ابن يكنى أبا عُمير.
وفي رواية مروان بن معاوية عن حميد عند ابن أبي عمر: كان بُنَيٌّ لأبي طلحة. وقوله: أحسبه فطيمًا، بالنصب، وأصله فطيم, لأنه صفة أخ، وهو مرفوع، لكن تخلل بين الصفة والموصوف أحسبه، فطيم بمعنى مفطوم أي انتهى إرضاعه، وفي رواية عمارة بن زاذان عن ثابت عند ابن سعد
следующие страницы →