← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.

стр. 5461

باب من لم يظهر حزنه عند المصيبة قوله يُظهر، بضم أوله من الرّباعي، وحزنَه منصوب على المفعولية، وقد مرَّ الكلام على هذه الترجمة عند الترجمة التي قبلها. ثم قال: وقال محمد بن كعب القُرَظيّ: الجزع: القول السيء والظن السيء، وقال يعقوب ﵇: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ قوله السيء، بفتح المهملة وتشديد التحتانية بعدها همزة، والمراد به يبعث الحزن غالبًا، وبالظن السيء اليأس من تعويض الله المصاب في العاجل ما هو أنفع له من الفائت، أو الاستبعاد لحصول ما وعد به من الثواب على الصبر. وقد روى ابن أبي حاتم في تفسير سورة: سأل عن القاسم بن محمد كقول محمد بن كعب هذا. وقوله: وقال يعقوب ﵇ ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ قال الزين بن المنير: مناسبة هذه الآية للترجمة أن قول يعقوب لما تضمن أنه لا يشكو بتصريح، ولا تعريض، إلاَّ لله، وافق مقصود الترجمة، وكان خطابه بذلك لبنيه بعد قوله ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾. والبث بفتح الموحدة بعدها مثلثة ثقيلة، شدة الحزن. وهذا التعليق لم أقف عليه موصولًا، ومحمد هو ابن كعب بن سُليم بن أَسَد القُرَظِيّ أبو حمزة، أو أبو عبد الله المدنيّ من حلفاء الأوس، وكان أبوه من سَبي قُريظة، سكن الكوفة ثم المدينة. قال ابن سعد: كان ثقة عالمًا، كثير الحديث، ورعًا. وقال العجليّ: مدنيٌّ تابعيٌّ ثقة، رجل صالح، عالم بالقرآن. وجاء عن النبي ﷺ من طرق أنه قال: "يخرج من أحد الكاهنين رجل يدرس القرآن دراسة لا يدرسها أحد يكون بعده" قال ربيعة: فكنا نقول: هو محمد بن كعب. والكاهنان قُرَيظة والنَّضير. وقال عون بن عبد الله: ما رأيت أحدًا أعلم بتأويل القرآن منه، وقال ابن حبّان: كان من أفاضل أهل المدينة علمًا وفقهًا، وكان يقص في المسجد فسقط عليه وعلى أصحابه سقفٌ فمات هو وجماعة معه تحت الهدم. وما نقل عن عتيبة من أنه ولد في حياته ﷺ ، لا أصل له، فإن الذي ولد في عهده هو أبوه، فقد روي أنه كان قريظة ممن لم يحتلم، ولم ينبت، فخلوا سبيله.

стр. 5462

روى عن العباس بن عبد المطلب وعليّ بن أبي طالب وابن مسعود وغيرهم. وروى عنه أخوه عثمان والحكم بن عُتَيبة ومحمد بن المُنْكَدِر وغيرهم. مات سنة سبع عشرة. وهو ابن ثمان وسبعين سنة. الحديث الستون حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: اشْتَكَى ابْنٌ لأَبِي طَلْحَةَ قَالَ فَمَاتَ وَأَبُو طَلْحَةَ خَارِجٌ، فَلَمَّا رَأَتِ امْرَأَتُهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ هَيَّأَتْ شَيْئًا وَنَحَّتْهُ فِي جَانِبِ الْبَيْتِ، فَلَمَّا جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ كَيْفَ الْغُلاَمُ قَالَتْ قَدْ هَدَأَتْ نَفْسُهُ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَرَاحَ. وَظَنَّ أَبُو طَلْحَةَ أَنَّهَا صَادِقَةٌ، قَالَ فَبَاتَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ اغْتَسَلَ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، أَعْلَمَتْهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِمَا كَانَ مِنْهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُبَارِكَ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا. قَالَ سُفْيَانُ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَرَأَيْتُ لَهُمَا تِسْعَةَ أَوْلاَدٍ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ. قال أبو نعيم في "المستخرج": يقال إن هذا الحديث مما تفرد به البخاريّ عن بشر بن الحكم، يعني هذا الوجه من طريق سفيان بن عيينة، ولم يخرجه أبو نعيم ولا الإِسماعيليّ من إسحاق إلاَّ من جهة البخاريّ. وأخرجه الإسماعيليّ عن عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة، وهو أخو إسحاق، عن أنس، وأخرجه مسلم وابن سعد وابن حِبّان والطَّيَالِسِيّ، من طرق، عن ثابت عن أنس أيضًا. وفي رواية بعضهم ما ليس في رواية الآخر. وسأذكر ما في رواية كلٍّ من فائدة زائدة. وقوله: اشتكى ابن لأبي طلحة، أي مرض، وليس المراد أنه صدرت منه شكوى، لكن لما كان الأصل أن المريض يحصل منه ذلك، استعمل في كل مرض لكل مريض، والابن المذكور هو أبو عمير الذي كان النبي ﷺ يمازجه، ويقول: ما فعل النُّغَير يا أبا عمير؟ كما يأتي في كتاب الأدب. ويأتي الكلام عليه بعد انتهاء الكلام على هذا الحديث. بيَّن كونَه أبا عمير ابنُ حبان في روايته عن عِمارة بن زاذان عن ثابت، وزاد من طريق جعفر بن سليمان عن ثابت في أوله قصة تزويج أم سليم بأبي طلحة، بشرط أن يسلم، وقال فيه: فحملت فولدت غلامًا صبيحًا، فكان أبو طلحة يحبه حبًا شديدًا، فعاش حتى تحرك، فمرض فحزن أبو طلحة عليه حزنًا شديدًا، حتى تضعضع، وأبو طلحة يغدو ويروح على رسول الله ﷺ ، فراح روحة،

стр. 5463

فمات الصبيّ، فأفادت هذه الرواية تسمية امرأة أبي طلحة. ومعين قوله "وأبو طلحة" أي: خارج البيت عند النبي ﷺ ، في أواخر النهار. وعند الإِسماعيليّ "كان لأبي طلحة ولد فتوفي، فأرسلتْ أم سليم أنسًا يدعو أبا طلحة، وأمرته أن لا يخبره بوفاة ابنه، وكان أبو طلحة صائمًا". وقوله: هيأت شيئًا، قال الكرمانيّ أي: أعدت طعامًا لأبي طلحة وأصلحته، وقيل: هيأت حالها وتزينت، والصواب أنها هيأت أمر الصبيّ، بأنْ غسلته وكفنته، كما ورد في بعض طرقه صحيحًا، فعند أبي داود الطيالسيّ عن ثابت "فهيأت الصبي" وفي رواية حميد عند ابن سعد "فتوفي الغلام فهيأت أم سليم أمره" وفي رواية عمارة بن زاذان عن ثابت "فهلك الصبيّ، فقامت أم سليم فغسلته، وكفنته وحنطته، وسجت عليه ثوبًا". وقوله: ونحته في جانب البيت، أي: جعلته في جانب البيت، وفي رواية جعفر عن ثابت: فجعلته في مخدعها. وقوله: هدأت، أي: سكنت، ونفْسه بسكون الفاء للأكثر، والمعنى أنَّ النفْس كانت قلقة منزعجة بعارض المرض، فسكنت بالموت. وظن أبو طلحة أن مرادها أنها سكنت بالنوم لوجود العافية. وفي رواية أبي ذَرٍ "هدأ نَفَسه" بفتح الفاء، أي سكن, لأن المريض يكون نفسه عاليًا، فإذا زال مرضه سكن، وكذا إذا مات. وفي رواية أنس بن سيرين "هو أسكن ما كان"، ونحوه في رواية جعفر عن ثابت. وفي رواية معمر عن ثابت "أمسى هادئًا" وفي رواية حميد "بخير ما كان". ومعانيها متقاربة. وقوله: وأرجو أن يكون قد استراح، لم تجزم بذلك على سبيل الأدب، ويحتمل أنها لم تكن علمت أن الطفل لا عذاب عليه، ففوضت الأمر إلى الله تعالى، مع وجود رجائها بأنه استراح من نكد الدنيا، وقوله: وظن أبو طلحة أنها صادقة، أي بالنسبة إلى ما فهمه من كلامها، وإلا فهي صادقة بالنسبة إلى ما أرادت. وقوله: فبات، أي معها، وقوله: فلما أصبح اغتسل، فيه كناية عن الجماع, لأن الغسل إنما يكون في الغالب منه. وقد وقع التصريح بذلك في غير هذه الرواية. ففي رواية أنس بن سيرين، فقربت إليه العشاء فتعشى، ثم أصاب منها. وفي رواية عبد الله بن عبد الله "ثم تعرضت له فأصاب منها" وفي رواية حماد عن ثابت "ثم تطيبت" زاد جعفر عن ثابت "فتعرضت له حتى وقع بها" وفي رواية سليمان عن ثابت "ثم تصنَّعَت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك، فوقع بها". وقوله: فلما أراد أن يخرج أعلمته أنه قد مات، وزاد مسلم "قالت يا أبا طلحة أرأيت لو أن قومًا

стр. 5464

أعاروا أهل بيت عارِيَّةً فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا، قالت: فاحتسب ابنك، فغضب وقال: تركتني حتى تلطختُ، ثم أخبرتني بابني؟ وفي رواية عبد الله فقالت: يا أبا طلحة، أرأيت قومًا أعاروا قومًا متاعًا، ثم بدا لهم فيه فأخذوه، فكأنهم وجدوا في أنفسهم وزاد حماد في روايته عن ثابت "فأبوا أن يردوها" فقال أبو طلحة: ليس لهم ذلك، إن العاريَّة مؤداة إلى أهلها، ثم اتفقا، فقالت: إن الله أعارنا فلانًا، ثم أخذه منا. زاد حمّاد "فاسترجع". وقوله: لعل أنْ يبارك الله لكما في ليلتكما، في رواية الأصيليّ "لهما في ليلتهما" وفي رواية أنس بن سيرين "اللهم بارك لهما"، ولا تعارض بينهما، فيجمع بينهما بأنه دعا بذلك، ورجا إجابة دعائه. ولم تختلف الرواة عن ثابت، وكذا عن حميد في أنه قال "بارك الله لكما في ليلتكما" وعرف من رواية أنس بن سيرين أن المراد الدعاء، وإنْ كان لفظه لفظ الخبر. وفي رواية أنس بن سيرين من الزيادة "فولدت غلامًا" وفي رواية عبد الله بن عبد الله "فجاءت بعبد الله بن أبي طلحة". ويأتي حديث تحنيكه في تعريفه في السند. وقوله: قال سفيان، هو ابن عيينة بالإِسناد المذكور، وقوله: فقال رجل من الأنصار إلخ، هو عباية بن رفاعة، لما أخرجه سعيد بن منصور ومسدد وابن سعد والبيهقيّ في الدلائل, كلهم عن سعيد بن مسروق عن عباية قال: كانت أم أنس تحت أبي طلحة، فذكر القصة شبيهة بسياق ثابت عن أنس. وقال في آخره: فولدت له غلامًا. قال عباية: فلقد رأي لذلك الغلام سبع بنين، كلهم قد ختم القرآن. وأفادت هذه الرواية في رواية سفيان تجوزًا في قوله لهما, لأن ظاهره أنهم من ولدهما بدون واسطة، وإنما المراد من أولاد ولدهما المدعو له بالبركة، وهو عبد الله بن أبي طلحة. وفي رواية سفيان تسعة، وفي هذه سبعة، فلعل في أحدهما تصحيفًا، أو المراد بالسبعة من ختم القرآن كله، وبالتسعة من قرأ معظمه، وله من الولد، فيما ذكر ابن سعد وغيره من أهل العلم بالأنساب، إسحاق وإسماعيل وعبد الله ويعقوب وعمر والقاسم وعمارة وإبراهيم وعمير وزيد ومحمد، وأربع من البنات، والمذكور منهم في رجال الحديث أربعة، ذكرنا تعريف من لم يسبق تعريفه في سند هذا الحديث، وهم ثلاثة مع تعريف أبي عمير. وفي قصة أم سليم هذه من الفوائد أيضًا جواز الأخذ بالشدة، وترك الرخصة مع القدرة عليها، والتسلية عن المصائب، وتزيين المرأة لزوجها، وتعرضها لطلب الجماع منه، واجتهادها في عمل مصالحه، ومشروعية المعاريض الموهمة إذا دعت الضرورة إليها، وشرط جوازها أن لا تبطل حقًا لمسلم، وكان الحامل لأم سليم على ذلك المبالغة في الصبر، والتسليم لأمر الله تعالى، ورجاء إخلافه عليها ما فات منها، إذ لو أعلمت أبا طلحة بالأمر في أول الحال تنكد عليه وقته، ولم تبلغ الغرض الذي أرادته، فلما علم الله صدق نيتها، بلَّغها مناها، وأصلح لها ذريتها.

стр. 5465

وفيه إجابة دعوة النبي ﷺ ، وأن من ترك شيئًا عوضه الله خيرًا منه، وبيان حال أم سليم من التجلد وجودة الرأي وقوة العزم، وقد كانت تشهد القتال، وتقوم بخدمة المجاهدين إلى غير ذلك مما انفردت به عن جميع النسوة، مما مرَّ في تعريفها في السبعين من كتاب العلم. وقد وعدتُ بالكلام على حديث "ما فعل النُّغَير يا أبا عمير" تتميمًا للفائدة، وها أنا أذكر متنه المسوق عند المصنف في كتاب "الأدب" من رواية أبي التَّيَّاح، وأذكر باقي طرقه. ثم اتبع معانيه، وما فيه من الفوائد. ولفظ المتن المذكور عن عبد الوارث عن أبي التَّيّاح عن أنس قال: "كان النبي ﷺ أحسن الناس خلقًا، وكان لي أخ يقال له أبو عمير، قال أحسبه فطيمًا، وكان إذا جاء قال: يا أبا عمير، ما فعل النغير؟ نغيرٌ كان يلعب به، فربما حضر الصلاة وهو في بيتنا، فيأمر بالبساط الذي تحته، فيكنس وينضح، ثم يقوم ونقوم خلفه، فيصلى بنا". وأخرجه المصنف في باب الانبساط إلى الناس من رواية شُعبة عن أبي التَّيّاح، وأخرجه النَّسائيّ عن شعبة هكذا، ومن وجه آخر عن شعبة عن قتادة عن أنس، ومن وجه آخر عن شعبة عن محمد بن قيس عن حُمَيد عن أنس، والمشهور الأول، ويحتمل أن يكون لشعبة فيه طريق. وقوله: كان النبي ﷺ أحسن الناس خلقًا، هذا قاله أنس توطئة لما يريد ذكره من قصة الصبي، وأول حديث شعبة المذكور عن أنس قال: "إنْ كان النبي ﷺ ، لَيُخالطنا" ولأحمد عن المثنى بن سعيد عن أبي التَّيّاح عن أنس "كان النبي ﷺ يزور أم سليم" وفي رواية محمد بن قيس المذكورة "كان النبي ﷺ قد اختلط بنا أهل البيت" يعني بيت أبي طلحة وأم سليم. ولأبي يعلى عن محمد بن سيرين عن أنس: كان النبي ﷺ يغشانا ويخالطنا. وللنّسائيّ عن إسماعيل بن جعفر عن حميد عن أنس: كان يأتي أم سليم، وينام على فراشها، وكان إذا مشى يتوكأ. ولابن مسعود وسعيد بن منصور عن رِبْعيّ بن عبد الله بن الجارود عن أنس: كان يزور أم سليم فتتحفه بالشيء تصنعه له. وقوله: وكان لي أخ يقال له أبو عُمير، هو بالتصغير، وفي رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس، عند أحمد: كان لي أخ صغير، وهو أخو أنس بن مالك من أمه. وفي رواية المثنى بن سعيد المارّة: وكان لها، أي أم سليم، ابن صغير، وفي رواية حميد عند أحمد: وكان لها من ابن أبي طلحة ابن يكنى أبا عُمير. وفي رواية مروان بن معاوية عن حميد عند ابن أبي عمر: كان بُنَيٌّ لأبي طلحة. وقوله: أحسبه فطيمًا، بالنصب، وأصله فطيم, لأنه صفة أخ، وهو مرفوع، لكن تخلل بين الصفة والموصوف أحسبه، فطيم بمعنى مفطوم أي انتهى إرضاعه، وفي رواية عمارة بن زاذان عن ثابت عند ابن سعد

стр. 5466

أن أبا طلحة كان له ابن، قال أحسبه فطيمًا، وفي بعض النسخ فطيم بغير ألف، وهو محمول على طريقة من يكتب المنصوب المنون بلا ألف. وعند أحمد من طريق المثنى بن سعيد مثل ما في الأصل، ولم يذكروا لأبي عُمير اسمًا بل جزم بعض الشراح بأن اسمه كنيته، وعلى هذا يكون هذا من فوائد الحديث، وهو جعل الاسم المُصَدّر بأبٍ أو أمٍّ اسمًا علمًا من غير أن يكون له اسم غيره، لكن قد يؤخذ من قول أنس في رواية ربعيّ بن عبد الله "يكنى أبا عمير" أنّ له اسمًا غير كنيته. وأخرج أبو داود والنَّسائيّ وابن ماجة عن هُشَيم عن أبي عمير بن أنس بن مالك عن عُمومة له حديثًا. وأبو عمير هذا ذكروا أنه كان أكبر ولد أنس، وذكروا أن اسمه عبد الله، كما جزم به الحاكم أبو أحمد وغيره، فلعل أنسًا سماه باسم أخيه لأمه.، وكنّاه بكنيته، ويكون أبو طلحة سمى ابنه الذي رزقه خلفًا من أبي عُمير باسم أبي عمير، ولم يكنه بكنيته، وفي كتاب النساء لأبي الفرج بن الجوزيّ في ترجمة أم سليم عن محمد بن عمرو، وهو أبو سهل البصريّ، وفيه مقال عن حفص بن عبيد الله عن أنس أن أبا طلحة زوجَ أم سليم كان له منها ابنٌ يقال له حفصٌ، غلامٌ قد ترعرع فأصبح أبو طلحة وهو صائم في بعض شغله، فذكر قصة نحو القصة التي في الصحيح بطولها في موت الغلام، ونومها مع أبي طلحة، وقولها له أرأيت لو أن رجلًا أعارك عارية إلخ، وإعلامها النبي ﷺ بذلك، ودعائه لهما، وولادتها وإرسالها الولد إلى النبي ﷺ ليحنكه. وفي القصة مخالفة لما في الصحيح منها، أن الغلام كان صحيحًا فمات بغتة، ومنها أنه ترعرع، والباقي بمعناه، فعرف بها أن اسم أبي عُمير حَفص، وهو وارد على من صنَّف في الصحابة وفي المبهمات وقوله: وكان إذا جاء، أي: وكان النبي ﷺ ، زاد مروان بن معاوية في روايته "إذا جاء لأم سليم يُمازحه" ولأحمد عن حميد مثله، وفي أخرى "يضاحكه" وفي رواية محمد بن قيس "يهازله" وفي رواية المثنى بن سعيد عند أبي عُوانة "يفاكهه". وقوله: يا أبا عمير، في رواية رِبعيّ بن عبد الله، فزارنا ذات يوم فقال: يا أم سليم، ما شأني أرى أبا عمير ابنك خاثر النَّفَس؟ بمعجمة ومثلثة، أي: ثقيل النفس غير نشيط. وفي رواية مروان بن معاوية وإسماعيل بن جعفر، كلاهما عن حميد، "فجاء يومًا وقد مات نغيره" زاد مروان "الذي كان يلعب به" زاد إسماعيل "فوجده حزينًا فسأل عنه، فأخبرته، فقال: يا أبا عُمير". وفي رواية حماد بن سلَمَة فقال: ما شأن أبي عمير حزينًا؟ وفي رواية ربعيّ بن عبد الله "فجعل يمسح رأسه ويقوله" وفي رواية عِمارة بن زاذان "فكان يستقبله ويقول". وقوله: ما فعل النُّغَير؟ بنون ومعجمة وراء مصغرًا، وكرر ذلك في رواية حماد بن سلمة وقوله: نُغَيْرٌ كان يلعب به، هو طير صغير واحدة نُغْرة، وجمعه نُغْران. قال الخطابيّ: طوير له صوت، وفيه

стр. 5467

نظر، فإنه ورد في بعض طرقه أنه الصَّعْو، بمهملتين بوزن العَفو، كما في رواية ربعي، فقالت أم سليم: ماتت صَعْوَته التي كان يلعب بها، فقال: أي: أبا عُمير، مات النُّغَير، فدل على أنهما شيء واحد، فالصعو لا يوصف بحسن الصوت. قال الشاعر: كالصعو يرتع في الرياض وإنما ... حُبِس الهَزَار لأنه يترنم قال عِياض: النُّغَير طائر معروف يشبه العصفور، وقيل هي فراخ العصافير، وقيل هي نوع من الحُمَّر، بضم المهملة وتشديد الميم ثم راء، قال: والراجح أن النُّغَير طائر أحمر المنقار، وهذا الذي جزم به الجوهريّ، وقال صاحبا العين والمحكم: الصَّعْو صغير المنقار أحمر الرأس. وقوله: فربما حضر الصلاة وهو في بيتنا إلخ، تقدم شرحه مستوفى في كتاب الصلاة في باب الصلاة على الحصير، وفي هذا الحديث فوائد جمعها أبو العباس أحمد بن أبي أحمد الطبريّ، المعروف بابن القاصّ، الفقيه الشافعيّ، صاحب التصانيف في جزء مفرد. وذكر ابن القاص في أول كتابه أن بعض الناس عاب أهل الحديث أنهم يروون أشياء لا فائدة فيها، ومثل ذلك بحديث أبي عُمير هذا. قال: وما درى أن في هذا الحديث من وجوه الفقه وفنون الأدب والفائدة ستين وجهًا، ثم ساقها، وقد لخص في "الفتح" جميع ما ذكره، وأتبعه بما تيسر من الزوائد عليه، مع تتبع طرق الحديث، وإبداء ما في كل رواية من الفائدة. وقد استوفيت هنا جمع ما ذكره صاحب "الفتح"، ففي الحديث استحباب التأني في المشي، وزيارة الإِخوان، وجواز زيارة الرجل للمرأة الأجنبية إذا لم تكن شابّة وأُمنت الفتنة، وتخصيص الإِمام بعض الرعية بالزيارة، ومخالطة بعض الرعية دون بعض، ومشي الحاكم وحده، وأن كثرة الزيارة لا تنقص المودة، وأن قوله "زُرْ غِيًا تزدد حبًا" مخصوص بمن يزور لطمع، وأن النهي عن كثرة مخالطة الناس مخصوص بمن يخشى الفتنة أو الضرر. وفيه مشروعية المصافحة، لقول أنس فيه: ما مسست كفًا ألين من كف رسول الله ﷺ ، وتخصيص ذلك بالرجل دون المرأة، وأن الذي ذكر في صفته ﷺ أنه كان شَثِنَ الكفين خاصٌ بِعَبَالة الجِسم لا بخشونة اللمس. وفي كاستحباب صلاة الزائر في بيت المزور، ولاسيما إذا كان الزائر ممن يتبرك به، وجواز الصلاة على الحصير، وتكرر التقرر لأنه علم أن في البيت صغيرًا، وصلى مع ذلك في البيت، وجلس فيه. وفيه أن الأشياء على يقين الطهارة, لأن نضحهم البساط إنما كان للتنظيف، كذا قال في "الفتح"، وفيه نظر قد مرَّ الكلام فيه. وفيه أن الاختيار للمصلي أن يقوم على أروح الأحوال وأمكنها، خلافًا لمن استحب من المشددين في العبادة أن يقوم على أجهدها. وفيه جواز حمل

стр. 5468

العالم علمه إلى من يستفيده منه، وفضيلة لآل أبي طلحة ولبيته، إذ صار في بيتهم قبلة يقطع بصحتها. وفيه جواز الممازحة، وتكرير المزح، وأنها إباحة سنة لا رخصة، وأن ممازحة الصبيّ الذي لم يميز جائزة، وتكرير زيارة الممزوح معه. وفيه ترك التكبر والترفع، والفرق بين كون الكبير في الطريق فيتواقر، أو في البيت فيمزح، وأن الذي ورد في المنافق أن سره يخالف علانيته ليس على عمومه. وفيه الحكم على ما يظهر من الأمارات في الوجه من حزنه أو غيره. وفيه جواز الاستدلال بالعين على صاحبها، إذ استدل ﵊ بالحزن الظاهر على الحزن الكامن، حتى حكم بأنه حزين، فسأل أمر عن حزنه، وفيه التلطف بالصديق، صغيرًا كان أو كبيرًا، والسؤال عن حاله، وأن الخبر الوارد في الزجر عن بكاء الصبي محمول على ما إذا بكى عن سبب عامدًا، ومن أذى بغير حق. وفيه قبول خبر الواحد, لأن الذي أجاب عن سبب حزن أبي عمير كان كذلك. وفيه جواز تكنية من لم يولد له. وجواز إنفاق المال فيما يتلهى به الصغير من المباحات، وجواز إمساك الطير في القفص ونحوه، وقص جناح الطير، إذ لا يخلو حال طير أبي عمير من واحد منهما، وأيهما كان الواقع التحقق به الآخر في الحكم وفيه جواز إدخال الصيد من الحل إلى الحرم، وإمساكه بعد إدخاله خلافًا لمن منع إمساكه، وقاسه على من صاد ثم أحرم، فإنه يجب عليه الإِرسال. وفيه جواز تصغير الاسم ولو كان لحيوان، وجواز مواجهة الصغير بالخطاب، خلافًا لمن قال: الحكيم لا يواجه بالخطاب إلاَّ من يعقِل ويفهم. قال: والصواب الجواز، حيث لا يكون هناك طلب جواب، ومن ثَمّ لم يخاطبه في السؤال عن حاله، بل سأل غيره. وفيه معاشرة الناس على قدر عقولهم، وفيه جواز قيلولة الشخص في بيت غير بيت زوجته، ولو لم تكن فيه زوجته، ومشروعية القيلولة، وجواز قيلولة الحاكم في بيت بعض رعيته، ولو كانت امرأة. وجواز دخول الرجل بيت المرأة وزوجها غائب، ولو لم يكن محرمًا إذا انتفت الفتنة. وفيه إكرام الزائر وأن التنعم الخفيف لا ينافي السنة، وأن تشييع المَزُور الزائِرَ ليس على الوجوب، وفيه أن الكبير إذا زار قومًا واسى بينهم، فإنه صافح أنسًا، ومازح أبا عمير، ونام على فراش أم سليم، وصلى بهم في بيتهم حتى نالوا كلهم من بركته. وفي تتبع طرقه من الفائدة الخروجُ مِن خلاف مَن شَرَط في قبول الخبر أن تتعدد طرقه، فقيل لاثنين، وقيل لثلاثة، وقيل لأربعة، وقيل حتى يستحق اسم الشهرة. فكان في جميع الطرق ما يحصل المقصود لكل أحد غالبًا، وفي جمع الطرق أيضًا، ومعرفة من رواها وكميتها العلم بمراتب

стр. 5469

الرواة في الكثرة والقلة. وفيها الاطلاع على علة الخبر بانكشاف غلط الغالط، وبيان تدليس المدلس، وتوصيل المعنعن. قال: وفيما يسره الله من جمع طرق هذا الحديث واستنباط فوائده، ما يحصل به التمييز بين أهل الفهم في النقل، وغيرهم ممن لا يهتدي لتحصيل ذلك، مع أن العين المستنبط منها واحدة، ولكن من عجائب اللطيف الخبير أنها تسقى بماء واحد، وتفضل بعضها على بعض في الأُكُل. هذا ما ذكره ابن القاصّ. وقد قال العراقيّ في شرح الترمذيّ من هذه الأوجه ما هو واضح، ومنها الخفيّ ومنها المتعسف، وما ذكره من فائدة جمع الطرق لا خصوصية له بهذا الحديث، وقد بقي من فوائده أن بعض المالكية والخطابيّ من الشافعية استدلوا به على أن صيد المدينة لا يحرم، وتعقب باحتمال ما قاله ابن القاصّ أنه صيد في الحل ثم أُدخل الحرم، فلذلك أبيح إمساكه، وبهذا أجاب مالك في المُدَوّنة، ونقله ابن المنذر عن أحمد والكوفيين، ولا يلزم منه أن حرم المدينة لا يحرم صيده. وأجاب ابن التين بأن ذلك كان قبل تحريم صيد حرم المدينة، وعكسه بعض الحنفية، فقال: قصة أبي عمير تدل على نسخ الخبر الدال على تحريم صيد المدينة، وكلا القولين متعقَّب، وما أجاب به ابن القاصّ من مخاطبة من لا يميز التحقق فيه جواز مواجهته بالخطاب إذ أفهم الخطاب، وكان في ذلك فائدة، ولو بالتأنيس له، وكذا في تعليمه الحكم الشرعيّ عند قصد تمرينه عليه من الصغير, كما في قصة الحسن بن عليّ لما وضع التمرة في فيه، قال له: كخ كخ، أما علمت أنّا لا نأكل الصدقة؟ كما يأتي بسطه في موضعه، إن شاء الله تعالى. ويجوز أيضًا مطلقًا إذا كان القصد بذلك خطاب من حضر أو استفهامه ممن يعقل، وكثيرًا ما يقال للصغير الذي لا يفهم أصلًا إذا كان ظاهر الوعك: كيف أنت؟ والمراد سؤال كافله أو حامله، وذكر ابن بطال من فوائد هذا الحديث، أيضًا، استحبابَ النضح فيما لم يتيقن طهارته، وفيه أن أسماء الأعلام لا يقصد معانيها، وأن إطلاقها على المسمى لا يستلزم الكذب, لأن الصبيّ لم يكن أبًا، وقد دُعي أبا عمير، ويأتي استيفاء الكلام على هذا في باب "ما جاء في قبر النبي ﷺ ". وفيه جواز السجع في الكلام إذا لم يكن متكلفًا، وأن ذلك لا يمتنع من النبي ﷺ ، كما امتنع منه انشاء الشعر. وفيه إتحاف الزائر بصنيع ما يعرف أنه يعجبه من مأكول أو غيره وفيه جواز الرواية بالمعنى, لأن القصة واحدة، وقد جاءت بألفاظ مختلفة، وفيه جواز الاقتصار على بعض الحديث، وجواز الإتيان به تارة مطولًا وتارة ملخصًا. وجميع ذلك يحتمل أن يكون من أنس، ويحتمل أن يكون من مَن بعده، والذي يظهر أن بعض ذلك منه، والكثير منه ممن بعده، وذلك يظهر من اتحاد

стр. 5470

المخارج واختلافها. وفيه مسح رأس الصغير للملاطفة، وفيه دعاء الشخص بتصغير اسمه عند عدم الإِيذاء، وفيه جواز السؤال عما السائل به عالم، لقوله: ما فعل النُّغَير؟ بعد علمه بأنه مات. وفيه إكرام أقارب الخادم وإظهار المحبة لهم, لأن جميع ما ذكر من صنيع النبي ﷺ مع أم سليم وذويها، كان غالبُه بواسطة خدمة أنس له، قلت: قد جاء في الحديث أن إكرامه لأم سليم وأختها أم حرام كان لكونهما من أخواله، ولموت أخيهما معه. وقد نوزع ابن القاص في الاستدلال به على إطلاق جواز لعب الصغير بالطير، فقال أبو عبد الملك: يجوز أن يكون ذلك منسوخًا بالنهي عن تعذيب الحيوان، وقال القرطبيّ: الحق أنْ لا نسخ، بل الذي رخص فيه للصبي إمساك الطير ليتلهى به، وأما تمكينه من تعذيبه، ولاسيما حتى يموت، فلم يبح قَطّ. ومن النوادر التي تتعلق بقصة أبي عمير ما أخرجه الحاكم في علوم الحديث عن أبي حاتم الرازي قال: حفظ الله أخانا صالح بن محمد الحافظ الملقب جزرة، فإنه لا يزال يبسطنا غائبًا وحاضرًا، كتب إليَّ أنه لما مات الذُّهْليّ بنيسابور أجلسوا شيخًا لهم يقال له مَحْمش، فأملى عليهم حديث أنس هذا فقال: يا أبا عَمير ما فعل البَعير" قاله بفتح عين عمير، بوزن عظيم. وقال بموحدة مفتوحة بدل النون، وأهمل العين بوزن الأول، فصحف الاسمين معًا. فمَحْمِش، بفتح الميم الأولى وكسر الثانية بينهما حاء مهملة ساكنة آخره معجمة، وهو لقب محمد بن يزيد بن عبد الله النيسابوريّ السلميّ، ذكره ابن حِبّان في الثقات وقال: روى عن يزيد بن هارون وغيره. وكانت فيه دُعابة. رجاله أربعة: قد مرّوا، وفيه ذكر أبي طلحة. وامرأته، وهي أم سليم، وقد مرا، وذكر رجل من الأنصار، والمراد به عباية بن رفاعة، وقد مرَّ، وفيه ذكر ابن لأبي طلحة بهم، ولفظ "تسعة أولاد" مبهمة، مرَّ بشر بن الحكم في الأربعين من التهجد، ومرَّ سفيان بن عُيينة في الأول من بدء الوحي، ومرَّ إسحاق بن عبد الله في الثامن من العلم، ومرت أم سُليم في السبعين منه، ومرَّ أبو طلحة في السادس والثلاثين من الوضوء، ومرَّ عباية بن رفاعة في الثامن والعشرين من الجمعة. والابن المبهم هو أبو عُمير صاحب القصة التي فيها "يا أبا عمير ما فعل النُّغَير" وهي في الصحيحين. قيل اسمه حفص، مات في حياته، ﷺ ، كما ذكر في هذا الحديث. وقوله في الحديث "تسعة أولاد" هم أولاد عبد الله بن أبي طلحة صاحب الليلة المباركة، ثبت ذكره في

стр. 5471

الصحيح عن أنس أنه لما ولدته أم سليم قالت: يا أنس، اذهب به إلى النبي ﷺ ، فليحنّكه، فكان أول شيء دخل جوفه ريقُ النبي ﷺ ، وحنّكه بتمرة، فجعل يتلمظ، فقال: حب الأنصار التمر. ولد بعد غزوة حُنين، وكانت أمه حاملًا به في غزوة حُنين، وولد بالمدينة، ولم يزل بها في دار أبي طلحة. قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال عبد الرزاق: كان من خير أهل زمانه، روى عن أبيه وأخيه أنس، وروى عنه ابناه إسحاق وعبد الله، وابن ابنه إسحاق بن عبد الله. استشهد بفارس، وقيل: توفي بالمدينة في خلافة الوليد، سنة أربع وثمانين. والمذكور من أولاد عبد الله هذا التسعة، في رجال الستة أربعة، وها أنا أذكرهم: الأول إسحاق، وقد مرَّ محله في رجال السند. الثاني: إسماعيل بن عبد الله بن أبي طلحة، قال أبو حاتم: ثقة لا بأس به، وقال أبو زرعة: ثقة، وذكره ابن حِبّان في الثقات، روى عن أبيه وأنس بن مالك. وروى عنه حميد الطويل والحمّادان، وروى له النَّسائي في النكاح، من السنن الكبرى, حديثًا مقرونًا بثابت. الثالث يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة، ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال أبو زرعة: ثقة، وقال النَّسائيّ: مشهور الحديث، روى عن عمه أنس بن مالك، وامرأة من آل أبي قتادة، وروى عنه أسامة بن زيد اللَّيثيّ وعبد الله بن بكر بن حزم. وقال أبو زرعة: لم يرو عنه إلا أسامة بن زيد. الرابع عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة، أبو يحيى المَدَنيّ، قال ابن مُعين: إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة وأخواه إسماعيل وعبد الله ثقاتٌ. وذكره ابن حبّان في الثقات، وقال أبو زرعة والنَّسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، ووثّقه العجليّ، وهو أصغر من أخيه إسحاق. روى عن أبيه وعمه أنس، وعنه محمد بن عمارة بن حزم، ومحمد بن موسى الفطْريّ، وسعيد بن عبد الرحمن الجُمَحِيّ وغيرهم. مات سنة أربع وثلاثين ومئة. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإِفراد والإِخبار بالجمع والسماع والقول، وهذا الحديث تفرد به البخاريّ عن بشر، وأخرجه البخاريّ ومسلم من غير طريقه. ثم قال المصنف:

стр. 5472

باب الصبر عند الصدمة الأولى أي: هو المطلوب المبشر عليه بالصلاة والرحمة، ومن هنا تظهر مناسبة إيراد أثر عمر في هذا الباب. ثم قال: وقال عمر: نعم العِدلان ونعم العِلاوة الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون، وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾. قوله العِدلان، بكسر المهملة، أي: المِثلان، والعِلاوة، بكسرها أيضًا، ما يُعَلَّق على البعير بعد تمام الحمل، وهذا الأثر وصله الحاكم في المستدرك عن سعيد بن المسيب عن عمر، كما ساقه المصنف، وزاد "أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة، نعم العِدلان، وأولئك هم المهتدون، نِعم العلاوة" وهكذا أخرجه البيهقيّ عن الحاكم، وأخرجه عبد بن حميد في تفسيره نحوه، وظهر بهذا مراد عمر بالعِدلين وبالعِلاوة، وأن العِدلين الصلاة والرحمة، والعِلاوة الاهتداء. ويؤيده وقوعهما بعد "على" المشعرة بالفوقية، المشعرة بالحمل، قاله ابن المنير، وأخرج الطبرانيّ في الكبير نحو قول عمر، مرفوعًا عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ "أُعْطيتْ أُمتي شيئًا لم يعطه أحد من الأمم عند المصيبة ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ إلى ﴿هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ قال: فأخبر أن المؤمن إذا سلّم لأمر الله، واسترجع كتب له ثلاث خصال من الخير: الصلاة من الله، والرحمة، وتحقيق سُبل الهدى"، فأغنى هذا عن التكلف في ذلك، كقول المهلب "العِدلان: إنّا لله وإنا إليه راجعون، والعلاوة: الثواب عليهما". وعن قول الكرمانيّ الظاهر أن المراد بالعِدلين القول وجزاؤه، أي قول الكلمتين ونوعا الثواب, لأنهما متلازمان. وعمر مرَّ في الأول من بدء الوحي. وقوله: وقوله تعالى ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ الآية، هو بالجر عطفًا على أول الترجمة، والتقدير "وباب قوله تعالى". أي: تفسيره، أو نحو ذلك. وقوله: وإنها، قيل: أفرد الصلاة لأن المراد بالصبر الصوم، وهو من التروك أو الصبر عن الميت ترك الجزع. والصلاة أفعال وأقوال، فلذلك ثقلت على غير الخاشعين، ومن أسرارها أنها تُعين على الصبر

стр. 5473

لما فيها من الذكر والدعاء والخضوع، وكلها تُضَادُّ حب الرياسة، وعدم الانقياد للأوامر والنواهي، وكأن المصنف أراد بإيراد هذه الآية ما جاء عن ابن عباس أنه نُعي إليه أخوه قُثَم، وهو في سفر، فاسترجع، ثم تنحى عن الطريق، فأناخ فصلى ركعتين، أطال فيهما الجلوس، ثم قام وهو يقول: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ الآية. أخرجه الطبريّ في تفسيره بإسناد حسن، وعن حذيفة قال: "كان رسول الله ﷺ إذا حَزَبَه أمر صلى" أخرجه أبو داود بإسناد حسن أيضًا. قال الطبريّ: الصبر منع النفْس مَحَابَّها، وكفها عن هواها, ولذلك قيل لمن لم يجزع: صابر، لكفِّه نفسه. وقيل لرمضان: شهر الصبر، لكف الصائم نفسه عن المَطْعَم والمَشْرَب. وقوله: إلا على الخاشعين، الخاشع الذي يرى أثر الذل والخضوع عليه، والخشوع في اللغة السكون. قال: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾. وقيل: الخشوع في الصوت والبصر، الخضوع في البدن، واعلم أن الصبر ذكر في القرآن العظيم في خمسة وتسعين موضعًا، ومن أجمعها هذه الآية. ومن آنقها ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ قرن هنا الصابر بنون العظمة، ومن أبهجها قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾. وخص الصلاة بالالتجاء إليها لأنها جامعة لأنواع العبادات النفسانية والبدنية، من الطهارة وستر العورة، وصرف المال فيهما، والتوجه إلى الكعبة، والعكوف للعبادة، وإظهار الخشوع بالجوارح، وإخلاص النية بالقلب، ومجاهدة الشيطان، ومناجاة الحق، وقراءة القرآن، والتكلم بالشهادتين، وكف النفس عن الأطْيَبَيْنِ، حتى تجابوا إلى تحصيل المآرب. الحديث الحادي والستون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ ثَابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى. وهذا الحديث قد مرَّ أكثر مباحثه عند ذكره، في باب قول الرجل للمرأة عند القبر: اصبري، وأذكر طرفًا هنا، فقوله: عند الصدمة الأولى، فإنْ مفاجأة المصيبة بغتة لها روعة تزعزع القلب، وتزعجه بصدمتها، فإنْ صبر للصدمة الأولى انكسرت حدتها، وضعفت قوتها، فهان عليه استدامة الصبر. فأما إذا طالت الأيام على المصاب وقع السُّلُوّ، وصار الصبر طبعًا حينئذ، فلا يؤجر عليه مثل ذلك. والصابر، على الحقيقة، من صَبَر نفسه وحبسها عن شهواتها، وقهرها عن الحزن والجَزَع

стр. 5474

والبكاء الذي فيه راحة النفس، وإطفاء نار الحزن، فإذا قابل فيها سَوْرة الحزن وهجومَه بالصبر الجميل، وتحقق أنه لا خروج له عن قضائه تعالى، وأنه يرجع إليه، وعلم يقينًا أنَّ الآجال لا تقديم فيها ولا تأخير، وأن المقادير بيده تعالى، ومنه، استحق حينئذ الثواب، فضلًا منه. وَعُدَّ من الصابرين الذين وعدهم الله تعالى بالرحمة والمغفرة، وإذا جزع ولم يصبر، أثِم وأتعب نفسه، ولم يرد من قضاء الله تعالى شيئًا، ولو لم يكن من فضل الصبر للعبد إلا الفوز بدرجة المعيّة والمحبة، أن الله مع الصابرين، إن الله يحب الصابرين، لكفى فنسأل العافية والصبرَ والرضى، واعلمْ أنَّ الصبر كِيْرُ العبدِ الذي يسبك فيه حاله، فإما أن يُخْرج ذهبًا أحمر، وإما أن يخرج خبثًا كله كما قيل: سبكناهُ ونحسبه لُجينًا ... فأبدى الكير عن خبث الحديد فإن لم ينفعه هذا الكير في الدنيا فبين يديه الكير الأعظم، فإذا علم العبد أن إدخاله كير الدنيا ومسبكها خير له من ذلك الكير والمسبك، وأنه لابد له من أحد الكيرين، فَلِيعلم قَدْر نعمة الله عليه في الكير العاجل، فالعبد إذا امتحنه الله بمصيبة فصبر عند الصدمة الأُولى، فليحمد الله تعالى أن أهَّلَه لذلك، وثبته عليه. وقد اختلف هل المصائب مُكفِّرات أو مُثيبات، فذهب الشيخ عز الدين بن عبد الله في طائفة إلى أنه إنما يثاب على الصبر عليها, لأن الثواب إنما يكون على فعل العبد، والمصائب لا صنع له فيها، وقد يصيب الكافر مثل ما يصيب المسلم. وذهب آخرون إلى أنه يثاب عليها, لآية ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ وحديث الصحيحين "والذي نفسي بيده، ما على الأرض مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه، إلاّ حط الله عنه به خطاياه، كما تحط الشجرة اليابسة ورقها". وفيهما: "ما من مصيبة تصيب المسلم، من نَصَب ولا وَصَب ولا هَم ولا حَزَن ولا أذى ولا غَم، حتى الشوكة، إلا كفَّر الله بها خطاياه" فالغم على المستقبل، والحزن على الماضي، والنصب والوصب المرض. وفيه حَلْفُه ﷺ تقوية لإِيمان الضعيف، ومسمى مسلم، وأن قل، ولو مذنبًا، ومسمى أذى وإن قل، وذكر خطاياه، ولم يقل منها طفح الكرم حتى غفر بمجرد ألم، ولو لم يكن للمبتلى في الصبر قدم. وقد ذكرت هنا بعض ما مرَّ ذكره في الباب السابق، لتخلله بغيره مما لم يذكر. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرَّ محمد بن بشار في الحادي عشر من العلم، وثابت البناني في تعليق بعد الخامس منه، ومرَّ غندر في الخامس والعشرين من الإِيمان، وشعبة في الثالث منه، وأنس في السادس منه. ثم قال المصنف:

стр. 5475

باب قول النبي ﷺ إنا بك لمحزونون قال ابن عمر عن النبي ﷺ تدمع العين ويحزن القلب. سقطت هذه الترجمة والأثر في رواية الحمويّ، وثبتت للباقين، وحديث ابن عمر كان المراد به ما أورده المصنف في الباب الذي بعد هذا، إلا أن لفظه "إن الله لا يعذِّب بدمع العين, ولا بحزن القلب" فيحتمل أن يكون ذكره بالمعنى, لأن ترك المؤاخذة بذلك يستلزم وجوده، وأما لفظه فثبت في قصة موت إبراهيم من حديث أنس عند مسلم، وأصله عند المصنف كما في هذا الباب، وعن عبد الرحمن بن عوف عند ابن سعد والطبرانيّ، وأبي هريرة عند ابن حِبّان والحاكم، وأسماء بنت يزيد عند ابن ماجه، ومحمود بن لبيد عند ابن سعد، والسائب بن يزيد وأبي أمامة عند الطبرانيّ، ومرَّ ابن عمر في أول الإِيمان قبل ذكر حديث منه. الحديث الثاني والستون حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ حَدَّثَنَا قُرَيْشٌ هُوَ ابْنُ حَبَّانَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ وَكَانَ ظِئْرًا لإِبْرَاهِيمَ ﵇، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ، ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَذْرِفَانِ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁ وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ. ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى فَقَالَ ﷺ إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ مَا يَرْضَي رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ. قوله: على أبي سيف، قال عياض: هو البراء بن أوس، وأم سيف زوجته هي أم بُردة، واسمها خولة بنت المنذر، وهذا قصد به الجمع بين ما في هذا الحديث الصحيح، وبين ما رواه ابن سعد في الطبقات, عن الواقديّ من أن المرضعة هي أم بُردة بنت المنذر بن زيد بن لبيد من بني عَدِي بن

стр. 5476

النّجار، وزوجها البراء بن أوس بن خالد بن الجَعْد من بني عَدِيّ. وما جمع به غير مستبعد، إلا أنه لم يأت عن أحد من الأئمة التصريح بأن البراء بن أوس يكنى أبا سيف، ولا أن أبا سيف يسمى البراء بن أوس. وقوله: القَين، بفتح القاف وسكون التحتانية بعدها نون، هو الحداد، ويطلق على كل صائغ، يقال: قال الشيء إذا أصلحه. وقوله: ظِئْرًا، بكسر المعجمة وسكون التحتانية المهموزة بعدها راء، أي مرضعًا، وأطلق عليه ذلك لأنه كان زوج المرضعة، واصل الظئر من ظأرت الناقة إذا عطفت على غير ولدها، فقيل ذلك للتي ترضع غير ولدها، وأُطلق على زوجها ذلك لأنه يشاركها في تربيته غالبًا. وقوله لإبراهيم، أي ابن الرسول ﷺ ، ووقع التصريح بذلك في رواية سليمان بن المغيرة، المعلقة بعد هذا, ولفظه عند مسلم "ولد لي الليلة غلامٌ" إلى آخره، الآتي قريبًا في تعريف أبي سيف في السند، وفي رواية لمسلم أيضًا عن أنس "ما رأيت أحدًا كان أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ ، كان إبراهيم مُسْتَرْضعًا في عوالي المدينة، وكان ينطلق ونحن معه، فيدخل البيت، وإنه ليدخن، وكان ظِئره قينًا". وقوله: وإبراهيم يجود بنفسه، أي: يخرجها، ويدفعها، كما يدفع الإِنسان ما له. وفي رواية سليمان "يكيد" قال صاحب العَين: أي يَسوق بها، وقيل: معناه يقارب بها الموت. وقال أبو مروان بن السّرّاج: قد يكون من الكيد، وهو القيء، يقال منه كاد يكبد، شَبَّه تَقَلُّع نفسه عند الموت بذلك. وقوله: تذرفان، بذال معجمة وفاء، أي يجري دمعهما. وقوله: وأنت يا رسول الله، قال الطيبيّ: فيه معنى التعجب، والواو تستدعي معطوفًا عليه، أي: الناس لا يصبرون عن المصيبة وأنت تفعل كفعلهم، كأنه تعجب لذلك منه مع أنه عهد منه أنه يحث على الصبر، وينهى عن الجزع، فأجابه بقوله: إنها رحمة، أي الحالة التي شاهدتها مني هي رقة القلب على الولد، لا ما توهمت من الجزع. وفي حديث عبد الرحمن بن عوف "نَفَسه" فقلتُ: يا رسول الله أتبكي؟ أَوَلَمْ تَنهَ عن البكاء؟ وزاد فيه "إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نفحة لَهو ولعب ومزامير الشيطان، وصوت عند مصيبة خمش وجوه وشق جيوب وَرَنَّة شيطان" قال: "إن هذا رحمة، ومن لا يرحم لا يرحم". وفي رواية محمود بن لبيد فقال: "إنما أنا بشر". وعند عبد الرزاق من مُرْسَل مكحول "إنما أنهى الناس عن النياحة، أنْ يُنْدب الرجل بما ليس فيه".

стр. 5477

وقوله: ثم أتبعها بأخرى، في رواية الإِسماعيليّ: ثم أتبعها، والله، بأخرى، بزيادة القسم. قيل: أراد به أنه اتبع الأُولى بدمعة أُخرى، وقيل: أتبع الكلمة الأولى، المجملة، وهي قوله: إنها رحمة، بكلمة أخرى مفصلة. وهي قوله: "إن العين تدمع" ويؤيد الثاني ما مرَّ عن طريق عبد الرحمن، ومرسل مكحول. وقوله إن العين تدمع إلى آخره في حديث عبد الرحمن بن عوف ومحمود بن لبيد "ولا نقول ما يُسخط الرب" وزاد في آخر حديث عبد الرحمن "لولا أنه أمر حق، ووعد صدق، وسبيل ناتيه، وأنّ آخرنا سيلحق بأولنا لحزنا عليك حزنًا هو أشد من هذا" ونحوه في حديث أسماء بنت يزيد ومرسل مكحول، وزاد في آخره "وفصل رضاعه في الجنة"، وزاد في آخر حديث محمود بن لبيد "وقال: إن له مُرْضعًا في الجنة". ومات وهو ابن ثمانية عشر شهرًا، وعند مسلم من حديث أنس قال عمرو بن سعيد: فلما توفي إبراهيم قال رسول الله ﷺ : "إن إبراهيم ابني، وإنه مات في الثدي، وإن له لظئرين يكملان رضاعه في الجنة" سيأتي في آخر الجنائز حديث البراء "إن لإبراهيم لمرضعًا في الجنة" وفي قوله: "إن العين تدمع" الخ إضافة الفعل إلى الجارحة تنبيهًا على أن مثل هذا لا يدخل تحت قدرة العبد، ولا يكلف الانفكاك عنه، وكأنّ الجارحة امتنعت، فصارت هي الفاعلة، لا هو، ولهذا قال: "وإنا بفارقك لمحزونون" فعبر بصيغة المفعول لا بصيغة الفاعل، أي ليس الحزن من فعلنا، ولكنه واقع بنا من غيرنا, ولا يكلف الإِنسان بفعل غيره. والفرق بين ومع العين ونطق اللسان، أنّ النطق يُمْلَك، بخلاف الدمع، فهو للعين كالنظر، ألا ترى أن العين إذا كانت مفتوحة نظرت شاء صاحبها أو أبى، فالفعل لها, ولا كذلك نُطْق اللسان، فإنه لصاحب اللسان. قاله ابن المنير. وقد مرَّ كثير من مناقب إبراهيم ﵇ عند تعريفه في الرابع من الكسوف، قال ابن بطال وغيره: هذا الحديث يفسر البكاء المباح، والحزن الجائز، وهو ما كان بدمع العين، ورقة القلب من غير سخط لأمر الله، وهو أبين شيء وقع في هذا المعنى، وفيه جواز الإخبار عن الحزن، وإن كان كتمه أولى، وجواز البكاء على الميت قبل موته، نعم، يجوز بعده, لأنه ﷺ بكى على قبر بنت له. رواه البخاريّ وزار قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله، رواه مسلم. ولكنه قبل الموت أولى بالجواز، لأنه بعد الموت يكون أسفًا على ما فات، وبعد الموت خلاف الأولى، كذا نقله في المجموع عن الجمهور. ولكنه نقل في الأذكار عن الشافعيّ والأصحاب أنه مكروهٌ، لحديث "فإذا وجبت فلا تبكيَنَّ باكية" قالوا: وما الوجوب يا رسول الله؟ قال: "الموت" رواه الشافعيّ وغيره بأسانيد صحيحة. قال السّبكيّ: ينبغي أن يقال: إن كان البكاء لرقة على الميت وما يخشى عليه من عذاب الله وأهوال يوم القيامة فلا يكره، ولا يكون خلاف الأولى، وإن كان للجزع وعدم التسليم للقضاء، فيكره أو يحرم، وهذا كله في البكاء بصوت. أما مجرد دمع العين العاري عن القول والفعل الممنوعين، فلا منع منه

стр. 5478

كما قال ﵊. وفيه مشروعية تقبيل الولد وشمه، وليس فيه دليل على فعل ذلك بالميت, لأن هذه القصة إنما وقعت قبل موت إبراهيم ﵇، نعم، روى أبو داود وغيره أنه ﵊ قبّل عثمان بن مظعون بعد موته، وصححه التِّرمذيّ، وروى البخاريّ أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قبّل النبي ﷺ بعد موته، فلأصدقائه وأقاربه تقبيله. وفيه مشروعية الرضاع، وعيادة الصغير, والحضور عند المحتضر، ورحمة العيال. وفيه وقوع الخطاب للغير وإرادة غيره بذلك، وكل منهما مأخوذ من مخاطبة النبي ﷺ ولده، مع أنه في تلك الحالة لم يكن ممن يفهم الخطاب، لوجهين: أحدهما صغره، والثاني. نزاعه. وإنما أراد بالخطاب غيره من الحاضرين، إشارة إلى أن ذلك لم يدخل في نهيه السابق. وفيه جواز الاعتراض على من خالف فعله ظاهر قوله ليظهر الفرق. رجاله خمسة: وفيه ذكر إبراهيم بن النبي ﷺ ، وعبد الرحمن بن عوف وأبي سيف القَيْن، مرَّ محل ثابت وأنس في الذي قبله، ومرَّ عبد الرحمن بن عوف في السابع والخمسين من الجمعة، ومرَّ إبراهيم ابن النبيّ ﵊ في الرابع من الكسوف، والباقي ثلاثة من السند. وأبو سيف المذكور في المتن الأول: الحسن بن عبد العزيز بن الوزير بن صابىء بن مالك بن عامر بن عَدِيّ بن حَمْرَش الجُذَاميّ الجَرَويّ، أبو علي المصريّ، نزيل بغداد. لجده صحبة، قال ابن أبي حاتم: سمعت منه مع أبي، وهو ثقة، وسُئل عنه أبي فقال: ثقة، وقال الدارقطنيّ: لم ير مثله فضلًا وزهدًا. وقال الخطيب: كان من أهل الدين والفضل، مذكورًا بالورع والثقة، موصوفًا بالعبادة. وقال البزّار: كان ثقة مأمونًا، وقال الحاكم: كان من أعيان المحدثين الثقات، وقال الدارقطنيُّ أيضًا: الجَرَويّ فوق الثقة جبل. وقال ابن يونس: كانت له عبادة وفضل، وكان من أهل الورع والفقه، وقال عبد المجيد بن عثمان: كان صالحًا ناسكًا، وكان أبو مَلكًا على تَنِّيس، ثم أخوه عليّ، ولم يقبل الحسن شيئًا من إرث أبيه، وكان يُقْرَن بقارون في اليسار، وليس له عند البخاري سوى هذا الحديث، وحديثين آخرين في التفسير. روى عن يحيى بن حسّان وأبي مسهر وعمرو بن سَلَمة وغيرهم. وروى عنه البخاريّ وابن ابنه جعفر بن محمد وإبراهيم الحربيّ وغيرهم. حمل من مصر إلى العراق بعد قتل أخيه عليّ إلى أن مات بها سنة سبع وخمسين ومئتين. والجَرَويّ في نسبه بالتحريك نسبة إلى جَرِيّ بن عوف، بطن

стр. 5479

من جُذام، منهم هو هذا، ومنهم عثمان بن سويد بن منذر بن دياب بن جَرِيّ، روى عن مسروح بن سَنْدر، وروى عنه ابن ابنته سِماك بن نعيم. وقيل: نسبة إلى جَرْوَة بفتح فسكون، قرية بتنيس. الثاني يحيى بن حسّان بن حبّان، بالتحتانية، التنبسيّ البكريّ، أبو زكرياء البصريّ. قال أحمد: ثقة رجل صالح. وقال مُرة: ثقة صاحب حديث. وقال العجليّ: كان ثقة مأمونًا عالمًا بالحديث. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال مروان بن محمد: لم يكن يطلب الحديث حتى قدم يحيى بن حسان، وقال ابن يونس: كان ثقة حسن الحديث، وصنف كتبًا، وحدث بها. وقال أبو بكر البزّار: يحيى بن حسّان ثقة صاحب حديث، وقال مطين: ثقة. روى عن وهيب بن خالد وسليمان بن بلال وقريش بن حبان وغيرهم. وروى عنه الشافعيّ ومات قبله، وابنه محمد بن يحيى، ودهيم وغيرهم. مات بمصر سنة ثمان ومئتين، وولد سنة أربع وأربعين ومئة. الثالث قريش بن حِبّان، بالتحتانية، العجليّ، أبو بكر البصريّ، ذكره ابن حِبّان. وقال الدارقطنيّ وابن مُعين: ثقة، وقال النَّسائي: ثقة لا بأس به، وقال أحمد وأبو حاتم: لا بأس به، روى عن الحسن وابن سيرين وثابت البنانيّ وغيرهم. وروى عنه الأوزاعيّ، ومات قبله، وابن وهب ويحيى بن حسان وغيرهم. والعجليّ في نسبه نسبة إلى بني عَجْل، حيّ من ربيعة، وهو عجل بن لُجَيم بن صَعب بن عليّ بن بكر بن وائل، وكان أحمق، قيل له: ما سميت فرسك هذا؟ ففقأ إحدى عينيه وقال: سميته الأعور. وأمه حَذَام التي يضرب بها المثل. منهم فرات بن حبان بن ثعلبة العجليّ، له صحبة، وأبو المعتمر مَوَرِّق بن المُشَمْرِجَ العجليّ، تابعيّ، وأبو الأشعث أحمد بن المقدام العَجلي، بصريّ من شيوخ مسلم، والتِّرمذيّ، وأبو دلف القاسم بن عيسى العجليّ الجواد المعروف. الرابع أبو سيف القَين، بفتح القاف بعدها ياء ساكنة، وهو الحداد، كان من الأنصار، وهو زوج أم سيف مرضعة إبراهيم ولد النبي ﷺ . ثبت ذكره في الصحيحين عن أنس، قال النبي ﷺ : "ولد لي الليلة غُلام فسميته باسم أبي إبراهيم، ودفعته أم سيف امرأةُ قين بالمدينة يقال له أبو سيف"، قال: فانطلق إليه فانتهينا إلى أبي سيف وهو ينفخ كيره وقد امتلأ البيت دخانًا، فأسرعت إلى أبي سيف، فقلت: يا أبا سيف، أمْسِك، جاء النبي ﷺ ، فأمسك فذكر الحديث. هذا لفظ مسلم. ولفظ البخاري هو ما في هذا الحديث، وقد مرَّ الكلام بأزيد من هذا في ترجمة إبراهيم بن النبي ﷺ في الرابع من الكسوف.

стр. 5480

ثم قال: رواه موسى عن سُليمان بن المُغيرة عن ثابت عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ ، وهذا التعليق وصله البيهقيّ في الدلائل, وأخرجه مسلم، وفي سياقه ما ليس في سياق قُرَيش بن حيّان، وإنما أراد البخاريّ أصل الحديث. ورجاله أربعة: قد مرّوا، مرَّ موسى بن إسماعيل في الخامس من بدء الوحي، ومرَّ سليمان بن المُغيرة في الثاني والمئة من استقبال القبلة، ومرَّ محل ثابت وأنس في الذي قبله بحديث. ثم قال المصنف:

стр. 5481

باب البكاء عند المريض سقط لفظ "باب" من رواية أبي ذر، قال الزين بن المنير: ذكر المريض أعم من أن يكون أشْرَفَ على الموت، أو هو في مبادىء المرض، لكن البكاء عادة إنما يقع عند ظهور العلامات المخوفة، كما في قصة سعد بن عُبادة في حديث هذا الباب. الحديث الثالث والستون حَدَّثَنَا أَصْبَغُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ الأَنْصَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵃ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ فِي غَاشِيَةِ أَهْلِهِ فَقَالَ قَدْ قَضَى. قَالُوا لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَبَكَى النَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ ﷺ بَكَوْا فَقَالَ أَلاَ تَسْمَعُونَ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلاَ بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ أَوْ يَرْحَمُ وَإِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ. وَكَانَ عُمَرُ ﵁ يَضْرِبُ فِيهِ بِالْعَصَا، وَيَرْمِي بِالْحِجَارَةِ وَيَحْثِي بِالتُّرَابِ. قوله: عن سعيد بن الحارث، وقع في رواية مسلم عن سعيد بن الحارث بن المعلّى، فكأنه نسب أباه إلى جده. وقوله: اشتكى، أي ضَعُف، وقوله: شكوى، بغير تنوين، وقوله: فلما دخل عليه، زاد مسلم عن عمارة بن غُزَيَّة "فاستأخر قومه من حوله حتى دنا رسول الله ﷺ وأصحابه الذين معه". وقوله: في غاشية أهله، بمعجمتين، أي: الذين يغشونه للخدمة وغيرها، وسقط لفظ "أهله" من أكثر الروايات، وعليه شرح الخطابيّ، فيجوز أن يكون المراد بالغاشية الغَشْية من الكرب، ويؤيده ما في رواية مسلم "في غَشْيَته". وقال النّوربشْتيّ: الغاشية هي الداهية من شر أو من مرض أو من مكروه، والمراد ما يتغشاه من كرب الوجع الذي هو فيه، لا الموت, لأنه أفاق من تلك المرضة، وعاش بعدها زمانًا. وقوله: فلما

стр. 5482

رأى القومُ بكاءَ رسول الله ﷺ ، بكوا. في هذا إشعار بأن هذه القصة كانت بعد قصة إبراهيم بن النبيّ ﷺ , لأن عبد الرحمن بن عوف كان معهم في هذه القصة، ولم يعترضه بمثل ما اعترض به هناك، فدل على أنه تقرر عنده العلم بأن مجرد البكاء بدمع العين، من غير زيادة على ذلك، لا يضر. وقوله: فقال ألا تسمعون، لا يحتاج إلى مفعول, لأنه جعل كالفعل اللازم، أي ألا توجدون السماع؟ وفيه إشارة أنه فهم من بعضهم الإنكار فبيّن لهم الفرق بَين الحالتين. وقوله: إنّ الله، بكسر همزة إنّ, لأنه ابتداء كلام. وقوله: يعذب بهذا، أي إنْ قال سوءًا. وقوله: أو يرحم، إن قال خيرًا، ويحتمل أن يكون معنى قوله "أو يرحم" أي: إنْ لم ينفذ الوعيد. وقوله: وإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، أي: بخلاف غيره، ونظيره قوله في قصة عبد الله بن ثابت التي أخرجها مالك في الموطأ عن جابر بن عَتبك ففيه "فصاح النسوة، فجعل ابن عتبك يسكتهن، فقال رسول الله ﷺ : دعهن، فإذا وجبت فلا تَبْكينَّ باكية .. " الحديث. وقد مرَّ حديث "لما أصيب عمر" تحرير أنه يعذب ببكاء غير أهله عليه. وقوله: وكان عمر، هو موصول بالإِسناد المذكور إلى ابن عمر، وسقطت هذه الجملة، وكذا التي قبلها من رواية مسلم، ولهذا ظن بعض الناس أنهما معلقان. وفي حديث ابن عمر من الفوائد استحبابُ عيادة المريض، وعيادة الفاضل للمفضول، والإِمام اتباعَه مع أصحابه، وفيه النهي عن المنكر، وبيان الوعيد عليه. رجاله خمسة: وفيه ذكر سعد بن عبادة، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وعمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عن الجميع، وقد مرّوا، مرَّ أَصْبَغ وعمرو بن الحارث في السابع والستين من الوضوء ومرَّ ابن وهب في الثالث عشر من العلم، ومرَّ ابن عمر وابن مسعود في أول الإِيمان قبل ذكر حديث منه، ومرَّ سعد بن أبي وقاص في العشرين منه، ومرَّ سعيد بن الحارث في الثالث عشر من كتاب الصلاة، ومرَّ عمر في الأول من بدء الوحي، ومرَّ عبد الرحمن بن عوف في السابع والخمسين من الجمعة، ومرَّ سعد بن عبادة في الخامس والأربعين من الجنائز هذا. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإخبار بالأفراد والعنعنة والقول، وشيخ البخاري من أفراده، ورواته مصريون ما عدا سعيد بن الحارث، فإنه مدنيّ، والحديث أخرجه مسلم أيضًا، ثم قال المصنف:

стр. 5483

باب ما ينهى من النوح والبكاء والزجر عن ذلك قال الزين بن المنير: عطف الزجر على النهيّ للإِشارة إلى المؤاخذة الواقعة في الحديث، بقوله "فاحث في أفواههنّ التراب". الحديث الرابع والستون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ قَالَتْ سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: لَمَّا جَاءَ قَتْلُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، جَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ، وَأَنَا أَطَّلِعُ مِنْ شَقِّ الْبَابِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ فَأَمَرَهُ بِأَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ ثُمَّ أَتَى فَقَالَ قَدْ نَهَيْتُهُنَّ، وَذَكَرَ أَنَّهُنَّ لَمْ يُطِعْنَهُ، فَأَمَرَهُ الثَّانِيَةَ أَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ، ثُمَّ أَتَى، فَقَالَ وَاللَّهِ لَقَدْ غَلَبْنَنِي أَوْ غَلَبْنَنَا الشَّكُّ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَوْشَبٍ فَزَعَمَتْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ. فَقُلْتُ أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ، فَوَاللَّهِ مَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْعَنَاءِ. هذا الحديث قد استوفيت مباحثه في باب "من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن". رجاله خمسة: قد مرّوا، مرَّ ابن حَوْشب في التاسع من الجماعة، ومرَّ عبد الوهاب في التاسع من الإِيمان, ومرَّ يحيى بن سعيد الأنصاريّ في الأول من بدء الوحي، وعائشة في الثاني منه، وعمرة في الثاني والثلاثين من الحيض، ومرَّ زيد بن حارثة وجعفر في التاسع من الجنائز، وعبد الله بن رواحة في السادس والثلاثين من التهجد، ومرَّ في الثامن والخمسين من الجنائز أن الرجل لم يُسَمَّ، وتعريف أسماء بن عميس.

стр. 5484

الحديث الخامس والستون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ أَخَذَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ الْبَيْعَةِ أَنْ لاَ نَنُوحَ، فَمَا وَفَتْ مِنَّا امْرَأَةٌ غَيْرَ خَمْسِ نِسْوَةٍ أُمِّ سُلَيْمٍ وَأُمِّ الْعَلاَءِ وَابْنَةِ أَبِي سَبْرَةَ امْرَأَةِ مُعَاذٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوِ ابْنَةِ أَبِي سَبْرَةَ وَامْرَأَةِ مُعَاذٍ وَامْرَأَةٍ أُخْرَى. قوله: عن محمد، قد رواه عارم فيما أخرجه الطبرانيّ عن حماد، فقال: عن حماد عن حفصة، بدل محمد، وله أصل عن حفصة، كما سيأتي في الأحكام عن عبد الوارث عن أيوب عنها، وكذلك أخرجه في تفسير سورة "الممتحنة" عن أيوب عن حفصة، فكأنَّ حمادًا سمعه من أيوب عن كل منهما. وقوله: عند البيعة، أي: لما بايعهنَّ على الإِسلام. وقوله: فما وفت، أي: بترك النوح، وأم سليم هي بنت مِلحان، والدة أنس، وابنة أبي سَبْرة، بفتح المهملة وسكون الموحدة. وأما قوله: أو ابنة أبي سَبرة، وامرأة مُعاذ، فهو شك من أحد رواته، هل ابنة أبي سَبرة هي امرأة معاذ أو غيرها؟ ويأتي في كتاب الأحكام من رواية حفصة عن أم عطية بالشك أيضًا، والذي يظهر أن الرواية بواو العطف أصح, لأن امرأة معاذ بن جبل هي أم عمرو بنت خِلاد بن عمرو السُّلمية، فعلى هذا فابنة أبي سَبرة غيرها. وفي الدلائل لأبي موسى عن حفصة عن أم عطية، وأم معاذ بدل قوله "وامرأة معاذ" وكذا في رواية عارم، لكن لفظه "أو أم معاذ بنت أبي سبرة" وفي الطبرانيّ من رواية ابن عَوْن، عن ابن سيرين عن أم عطية، "فما وفت غير أم سليم وأم كلثوم وامرأة معاذ بن أبي سبرة" والصواب ما في الصحيح "امرأة معاذ وبنت أبي سبرة" ولعلّ بنت أبي سَبرة يقال لها أم كلثوم؟ وإن كانت الرواية التي فيها أم معاذ محفوظة، فلعلها أم معاذ بن جبل. وهي هند بنت سَهْل الجُهَنية، ذكرها ابن سعد أيضًا، وعرف بجموع هذا النسوة الخمس، وهي أم سليم وأم العلاء، وأم كُلثوم وأم عمرو وهند، إن كانت الرواية محفوظة، وإلاّ فيظهر أن الخامسة أم عطية راوية الحديث. ويؤيده ما أخرجه الطبرانيّ عن عاصم عن حفصة عن أم عطية بلفظ "فما وفت غيري وغير أم سليم" لكن يعارضه ما أخرجه إسحاق بن راهَوَيْه في مسنده عن حفصة عن أم عطية قالت: كان فيما أخذ علينا أن لا ننوح. وزاد في آخره: وكانت لا تعد نفسها لأنها لما كان يوم الحَرّة لم تزل النساء بها حتى قامت معهن، فكانت لا تعد نفسها لذلك.

стр. 5485

ويجمع بينهما بأنها تركت عد نفسها من يوم الحرة، وكان يوم الحرة قتل فيه من الأنصار من لا يحصى عدده، ونهبت المدينة الشريفة، وبذل فيها السيف ثلاثة أيام، وكان ذلك في أيام يزيد بن معاوية. وقال عياض: معنى الحديث لم يف ممن بايع النبيّ ﷺ ، مع أم عطية، في الوقت الذي بايعت فيه النسوة، إلا المذكورات, لأنه لم يترك النياحة من المسلمات غير خمسة، فيه مصداق ما وصفه النبي ﷺ "بأنهن ناقصات عقل ودين". وفيه فضيلة ظاهرة للنسوة المذكورات، ولم أر من عرّف واحدة ممن ذكرن سوى أم سليم، وأم العلاء. وفي حديث أم عطية في سورة الامتحان زيادة "ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأة يدها فقالت: أسْعَدتني فلانة، فأريد أن أجزيها، فما قال لها النبي ﷺ شيئًا، فانطلقت، ورجعت فبايعها". قوله: ونهانا عن النياحة، في رواية مسلم عن أم عطية قالت: "لما نزلت هذه الآية ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا. وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ كان منه النياحة". وقوله: فقبضت امرأة يدها, في رواية عاصم فقلت: يا رسول الله، إلا آل فلان، فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية، فلابد من أنْ أُسعدهم. وآل فلان المشار إليهم لم يُعرفوا. وفي رواية النَّسائيّ: قلت إن امرأةً اسعدتني في الجاهلية. ولم يعرف اسم المرأة. وتبين أن أم عطية، في رواية عبد الوارث، أبهمت نفسها. ودلت هاتان الروايتان على ما مرَّ من أن الخامسة هي أم عطية. وقوله: أسعدتني فلانة، فأريد أن أجزيها، وفي رواية عاصم: فقال إلاَّ آلَ فلان، وفي رواية النَّسائيّ: قال: فإذ هي فأسعديها، قالت: فذهبت فساعدتها ثم جئت، فبايعت. والإِسعاد قيام المرأة مع الأخرى في النياحة تراسلها، وهو خاص بهذا المعنى، ولا يستعمل إلاَّ في البكاء والمساعدة عليه. ويقال: إن أصل المساعدة وضع الرجل يده على ساعد الرجل صاحبه، عند التعاون على ذلك. قال النووي: هذا محمول على أن الترخيص لأم عطية في آل فلان خاصة، ولا تحل لها ولا لغيرها في غير آل فلان، كما هو ظاهر الحديث، وللشارع أن يخص من العموم من شاء بما شاء، فهذا صواب الحكم في هذا الحديث، وفيه نظر، إلا أن يُدَّعى أن الذين ساعدتهم لم يكونوا أسلموا. وفيه بعد، وإلاّ فليدعْ مشاركتهم لها في الخصوصية، وسيأتي قريبًا بيانُ ما يقدح في خصوصية أم عطية بذلك. واستشكل القاضي عياض وغيره هذا الحديث، وقالوا فيه أقوالًا عجيبة، والمقصود التحذير من الاغترار بها، فإن بعض المالكية قال: إن النياحة ليست بحرام لهذا الحديث، وإنما المحرم ما كان معه شيء من أفعال الجاهلية من شق جيب وخمش خد ونحو ذلك. قال: والصواب ما ذكرناه أولًا،

стр. 5486

وأن النياحة حرامٌ مطلقًا، وهو مذهب العلماء كافة. وقد جاء النقل من غير هذا المالكيّ أن النياحة ليست بحرام، وهو شاذٌ مردود، وقد أبداه القرطبيُّ احتمالًا، ورده بالأحاديث الواردة في الوعيد على النياحة، وهو دال على شدة التحريم، لكن لا يمتنع أن يكون النهيُ أولًا ورد بكراهة التنزيه، ثم لما تمت مبايعة النساء وقع التحريم، فيكون الإذن لمن ذكر وقع في الحالة الأولى، لبيان الجواز، ثم وقع التحريم، فورد حينئذ الوعيد الشديد. وقد لخص القرطبيّ بقية الأقوال التي أشار إليها النوويّ، منها دعوى أن ذلك كان قبل تحريم النياحة، قال: وهو فاسد، لمساق حديث أم عطية هذا, ولولا أن أم عطية فهمت التحريم، لما استثنت، ويؤيده أيضًا أن أم عطية صرحت بأنها من العصيان في المعروف، وهذا وصف المحرم، ومنها أن قوله: إلا آل فلان، ليس فيه نصٌّ على أنها تساعدهم بالنياحة، فيمكن أنها تساعدهم بالنياحة، فيمكن أنها تساعدهم باللقاء والبكاء الذي لا نياحة معه، وهذا أشبه مما قبله، بل يرد على الأول ورود التصريح بالنياحة كما مرَّ كثيرًا، ويرو على الثاني أن اللقاء والبكاء المجرد لم يدخل في النهي كما مرَّ، فلو وقع الاقتصار عليه، لم يحتج إلى تأخير المبايعة حتى تفعله. ومنها يحتمل أن يكون أراد "إلاّ آل فلان" على سبيل الإِنكار، كما قال لمن استأذن عليه فقال: مَنْ ذا؟ فقال: أنا، فقال: أنا أنا، فأعاد عليه كلامه منكرًا عليه. ومنها أن ذلك خاص بأُم عطية، قال: وهو فاسد فإنها لا تختص بتحليل شيء من المحرمات، ويقدح في دعوى تخصيصها أيضًا ثبوت ذلك لغيرها. ويعرف منه أيضًا الخدش في الأجوبة الماضية، فقد أخرج ابن مَرْدَوَيه عن ابن عباس قال: لما أخذ رسول الله ﷺ على النساء، فبايعهن على أنْ لا يشركنَ بالله شيئًا الآية، قالت خولة بنت حكيم: يا رسول الله، كان أبي وأخي ماتا في الجاهلية، وإن فلانة أسعدتني، وقد مات أخوها .. الحديث. وأخرج التِّرمذيّ عن أم سلمة الأنصارية أسماء بنت يزيد قالت: قلت يا رسول الله، إن بني فلان أسعدوني على عمي، ولابد من قضائهن، فأبى، قالت: فراجعته مرارًا، فأذن لي، فلم أنح بعد. وأخرج أحمد والطبريّ عن مصعب بن نوح قال: أدركتُ عجوزًا لنا كانت فيمن بايع رسول الله ﷺ ، قالت: فأخذ علينا "ولا ينحن" فقالتْ عجوزٌ: يا نبي الله، إن ناسًا كانوا أسعدونا على مصائب أصابتنا، وإنهم قد أصابتهم مصيبة، فأنا أُريد أن أُسعدهم. قال: فاذهبي فكافئيهم. ثم إنها أتت فبايعته. وظهر من هذا كله أن أقرب الأجوبة أنها كانت مباحة ثم كرهت كراهة تنزيه ثم تحريم.

стр. 5487

رجاله خمسة: قد مرّوا، مرَّ عبد الله بن عبد الوهاب في السادس والأربعين من العلم، ومرَّ حماد بن زيد في الرابع والعشرين من الإِيمان, وأيوب في التاسع منه، وابن سيرين في الأربعين منه، وأم عطية في الثاني والثلاثين من الوضوء. أخرجه مسلم، وأخرجه النَّسَائيّ في البيعة. وفي الحديث ذكر أم سليم وأم العلاء، وابنة أبي سَبرة امرأة مُعاذ. أو امرأة معاذ، وقد مرت أم سليم في السبعين من العلم، ومرت أم العلاء في السادس من الجنائز، وابنة أبي سبرة، قيل إنها أم معاذ بن جبل، وقيل إنها زوجته. ثم قال المصنف:

стр. 5488

باب القيام للجنازة أي: إذا مرت على من ليس معها، وأما قيام من كان معها، فسيأتي في ترجمة مفردة. الحديث السادس والستون حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ. قَالَ سُفْيَانُ قَالَ الزُّهْرِيُّ أَخْبَرَنِي سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَخْبَرَنَا عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . زَادَ الْحُمَيْدِيُّ حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ. وقوله: حتى تُخلِّفكم، بضم أوله وفتح المعجمة وتشديد اللام المكسورة بعدها فاء، أي تترككم وراءها، ونسبة ذلك إليها على سبيل المجاز, لأن المراد حاملها, وليس المراد التخصيص يكون الجنازة تتقدم، بل المراد مفارقتها، سواء تخلف القائم لها وراءها أو خلَّفها القائم وراءه وتقدم، وهو من قولك خلفت فلانًا ورائي فتخلف عني، أي: تأخر. وقوله: قال سفيان هذا السياق لفظ الحميديّ في مسنده, ويحتمل أن يكون علي بن عبد الله حدَّث به على السياقين، فقال مرة: عن سفيان حدثنا الزهريّ عن سالم، وقال مرة: قال الزهريّ أخبرني سالم. والمراد من السياقين أن كلًا منهما سمعه من شيخه. وقوله: زاد الحميديّ: يعني عن سفيان بهذا الإِسناد، وقد رويناه موصولًا في مسنده, وأخرجه أبو نعيم في مستخرجه من طريقه كذلك، وكذا أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، وثلاثة معه، أرى بعضهم عن سفيان، بالزيادة إلاَّ أنه في سياقهم بالعنعنة. رجاله سبعة: قد مرّوا، مرَّ عليّ بن عبد الله المدينيّ في الرابع عشر من العلم، ومرَّ سفيان بن عُيينة

стр. 5489

والحميديّ في الأول من بدء الوحي، ومروان بن شهاب في الثالث منه، ومرَّ سالم بن عبد الله في السابع عشر من الإِيمان, ومرَّ أبوه عبد الله في أوله قبل ذكر حديث منه، ومرَّ عامر بن ربيعة في الثالث عشر من التقصير. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإِخبار والأفراد والعنعنة والقول، ورواته مكيان ومدنيان، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وصحابيّ عن صحابيّ، أخرجه مسلم وأبو داود والتِّرمذِي والنَّسائيّ وابن ماجة. ثم قال المصنف:

стр. 5490

باب متى يقعد إذا قام للجنازة سقط هذا الباب والترجمة من رواية المستملي، وثبتت الترجمة دون الباب لرفيقه. الحديث السابع والستون حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ جَنَازَةً فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَاشِيًا مَعَهَا فَلْيَقُمْ حَتَّى يُخَلِّفَهَا، أَوْ تُخَلِّفَهُ أَوْ تُوضَعَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُخَلِّفَهُ. قوله: حتى يخلفها أو تخلفه، قد مرَّ المراد بالتخلف قريبًا، وهذا شك من البخاريّ، أو من قتيبة حين حدثه به، وقد رواه النَّسائيّ عن قتيبة ومسلم عنه، وعن محمد بن رُمْح كلاهما عن الليث، فقالا: حتى تخلفه، من غير شك. وقوله: أو توضع من قبل أن تخلفه، فيه بيان للمراد من رواية سالم الماضية، وقد أخرجه مسلم عن نافع بلفظ "إذا رأى أحدكم الجنازة فليقم حين يراها، حتى تخلفه، إذا كان غير متبعها". رجاله خمسة: قد مرّوا، مرَّ قتيبة بن سعيد في الحادي والعشرين من الإِيمان, ومرَّ الليث في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ نافع في الأخير من العلم، ومرَّ محل ابن عمر وعامر في الذي قبله. الحديث الثامن والستون حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فَأَخَذَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ بِيَدِ مَرْوَانَ فَجَلَسَا قَبْلَ أَنْ تُوضَعَ، فَجَاءَ أَبُو سَعِيدٍ ﵁ فَأَخَذَ بِيَدِ مَرْوَانَ فَقَالَ قُمْ فَوَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ هَذَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَانَا عَنْ ذَلِكَ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ صَدَقَ.

стр. 5491

رجاله ستة: وفيه ذكر مروان، وقد مرّوا جميعًا، مرَّ أحمد بن يونس في التاسع عشر من الإِيمان, ومرَّ أبو هريرة في الثاني منه، وأبو سعيد في الثاني عشر منه، وسعيد المَقْبَريّ في الثاني والثلاثين منه، ومرَّ ابن أبي ذيب في الستين من العلم، ومرَّ أبو سعيد المَقْبَريّ كَيْسان في السادس والعشرين من صفة الصلاة، ومرَّ مروان بن الحكم في الرابع والخمسين من الوضوء. ثم قال المصنف:

стр. 5492

باب من تبع جنازة فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال فإن قعد أمر بالقيام قال الزين بن المنير: إنما نوع هذه التراجم مع إمكانه جمعها، فللإِشارة إلى الاعتناء بها، وما يختص كل طريق منها بحكمة، ولأن بعض ذلك وقع فيما ليس على شرطه، فاكتفى بذكره في الترجمة لصلاحيته للاستدلال، وكأنه أشار بهذه الترجمة الأخيرة إلى ترجيح رواية من روى في حديث الباب "حتى توضع بالأرض" على رواية من روى "حتى توضع في اللحد"، وفيه اختلاف على سُهيل بن أبي صالح عن أبيه، قال أبو داود: رواه أبو معاوية عن سهيل فقال "حتى توضع في اللحد" وخالفه الثوريّ،، وهو أحفظ، فقال "في الأرض". ورواه جرير عن سهيل فقال: حتى توضع، حَسْبُ، وزاد: قال سهيل: ورأيت أبا صالح لا يجلس حتى توضع عن مناكب الرجال. أخرجه أبو نعيم في المستخرج بهذه الزيادة، وهو في مسلم بدونها، وفي المحيط للحنفية "الأفضل أن لا يقعد حتى يهال عليه التراب" وحجتهم رواية أبي معاوية. ورجح الأول عن البخاريّ بفعل أبي صالح, لأنه راوي الخبر، وهو أعرف بالمراد منه. ورواية أبي معاوية مرجوحة، كما قال أبو داود. وقوله: فإن قعد أمر بالقيام، فيه إشارة إلى أن القيام في هذا لا يفوت, لأن المراد به تعظيم أمر الموت، وهو لا يفوت بذلك، وأما قول المهلب: قعود أبي هريرة ومروان يدل على أن القيام ليس بواجب، وأنه ليس عليه العمل، فإنْ أراد أنه ليس بواجب عندهما، فظاهر، وإن أراد في نفس الأمر فلا دلالة فيه على ذلك، ويدل على الأول ما رواه الحاكم عن أبي هريرة، فساق نحو القصة المذكورة، وزاد أن مروان قال له أبو سعيد: قم فقام، ثم قال له: أقمتني، فذكر الحديث، فقال لأبي هريرة: فما منعك أن تخبرني؟ قال: كنت إماما فجلست، فعرف بهذا أن أبا هريرة لم يكن يراه واجبًا، وأن مروان لم يكن يعرف حكم المسألة قبل ذلك، وأنه بادر إلى العمل بها بخبر أبي سعيد. وروى الطحاويّ عن الشعبيّ عن أبي سعيد قال: مُرَّ على مروان بجنازة، فلم يقم، فقال له أبو سعيد: إن رسول الله ﷺ مَرّت عليه جنازة فقام، فقام مروان. ولعل هذه الرواية مختصرة من القصة، وقد اختلف العلماء في أصل المسألة، فقال أكثر الصحابة والتابعين باستحبابه، كما نقله ابن المنذر، وهو قول الأوزاعيّ أحمد وإسحاق ومحمد بن الحسن، وروى البيهقيّ عن أبي حازم الأشجعيّ عن أبي هُريرة وابن عمر وغيرهما أن القائم مثل الحامل، يعني في الأجر.

стр. 5493

وقال الشعبيّ والنخعيّ: يكره القعود قبل أن توضع، وقال بعض السلف: يجب القيام، واحتج له برواية سعيد عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: ما رأينا رسول الله ﷺ شهد جنازة قطُّ فجلس حتى توضع. أخرجه النَّسائيّ. ومذهب مالك كراهة القيام لها، سواء من كان جالسًا فمرت به فقام لها، أو كان ماشيًا معها واستمر قائمًا حتى توضع، أو سبقها للمقبرة فقام حين رآها حتى توضع. وذهب الشافعيّ إلى أنه غير واجب، فقال: هذا إما أن يكن منسوخًا أو يكون قام لعلة، وأيهما كان فقد ثبت أنه تركه بعد فعله، والحجة في الآخر من أمره، والقعود أحب إليّ. وأشار بالترك إلى حديث عليّ أنه ﵊ قام للجنازة ثم قعد. أخرجه مسلم. قال البيضاويّ: يحتمل قول علي "ثم قعد" أي: بعد أن جاوزته، وبعدت عنه، ويحتمل أن يريد: كان يقوم في وقت ثم ترك القيام أصلًا، وعلى هذا يكون فعله الأخير قرينة في أن المرادَ بالأمر الوارد في ذلك الندبُ. ويحتمل أن يكون نسخًا للوجوب المستفاد من ظاهر الأمر، والأول أرجح, لأن احتمال المجاز في الأمر أوْلى من دعوى النسخ. والاحتمال الأول يدفعه ما رواه البيهقيّ عن عليّ أنه رأى ناسًا قيامًا ينتظرون الجنازة أَنْ توضع، فأشار إليهم بُدرَّة معه، أو سوطٍ، أن اجلسوا، فإن رسول الله ﷺ قد جلس بعدما كان يقوم. ومِنْ ثم قال جماعة بكراهة القيام، كما مرَّ عن المالكية، وقال بها سليم الرّازيّ وغيره من الشافعية، وصرح بها النوويّ في الروضة، لكن قال المتولي بالاستحباب، قال في "المجموع" وهو المختار فقد صحت الأحاديث بالأمر بالقيام، ولم يثبت في القعود شيء إلا حديث عليّ، وليس صريحًا في النسخ لاحتمال أن القعود فيه لبيان الجواز، وقال الأذرعي، فيما اختاره النّوويّ من استحباب القيام نظر, لأن الذي فهمه عليّ رضي الله تعالى عنه الترك مطلقًا، وهو الظاهر، ولهذا أمر بالقعود من رآه قائمًا، واحتج بالحديث. وقد ورد معنى النهي عن عُبادة قال: كان النبي ﷺ يقوم للجنازة، فمر به حَبْرٌ من اليهود فقال: هكذا نفعل، فقال: اجلسوا وخالِفوهم. أخرجه أحمد وأصحاب السنن إلا النَّسائيّ، فلو لم يكن إسناده ضعيفًا لكان حجة في النسخ. قلت: إنما هو حجة في القيام لجنازة اليهودي خاصة. وقال عياض: ذهب جمع من السلف إلى أن الأمر بالقيام منسوخ بحديث عليّ، وبه قال عُروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة والأسود ومالك وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن، وتعقبه النوويّ بأن النسخ لا يصار إليه إلا مع تعذر الجمع، وهو هنا ممكن.

стр. 5494

وقال ابن حزم: قعوده ﷺ بعد أمره بالقيام، يدل على أن الأمر للندب، ولا يجوز أن يكون نسخًا, لأن النسخ لا يكون إلا بنهي، أو بتركٍ معه نهيٌ. وقال صاحب "المهذب": هو على التخيير، وكأنه مأخوذ من قول الشافعيّ المتقدم، لما تقتضيه صيغة "أفعل" من الاشتراك، ولكن القعود عنده أوْلى، وعكسه قول ابن حبيب وابن الماجشُون من المالكية. كان قعوده ﷺ لبيان الجواز: فمن جلس فهو في سعة، ومن قام فله أجر. الحديث التاسع والستون حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا، فَمَنْ تَبِعَهَا فَلاَ يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ. حديث أبي سعيد هذا أبين سياقًا من حديث عامر بن ربيعة، وهو يوضح أن المراد بالغاية المذكورة من كان معها، أو مشاهدًا لها، وأما من مرت به فليس عليه من القيام إلا قدر ما تمر عليه، أو توضع عنده، بأن يكون بالمصلّى مثلًا. وروى أحمد عن سعيد بن مرجانة عن أبي هُريرة مرفوعًا "من صلى على جنازة، ولم يمش معها، فليقم حتى تغيب عنه، وإن مشى معها، فلا يبعد حتى توضع". وفي هذا السياق بيان لغاية القيام، وأنه لا يختص بمن مرت به، ولفظ القيام يتناول من كان قاعدًا، فأما من كان راكبًا فيحتمل أن يقال: ينبغي له أن يقف، ويكون الوقوف في حقه كالقيام في حق القاعد، استدل بقوله "فإنْ لم يكن معها" على أن شهود الجنازة لا يجب على الأعيان. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرَّ مسلم بن إبراهيم وهِشام الدَّسْتُوانيّ في السابع والثلاثين من الإِيمان, وأبو سعيد الخدريّ في الثاني عشر منه، ومرَّ يحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من العلم، وأبو سلمة في الرابع من بدء الوحي. ثم قال المصنف:

стр. 5495

باب من قام لجنازة يهودي أي: أو نحوه من أهل الذمة الحديث السبعون حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: مَرَّ بِنَا جَنَازَةٌ فَقَامَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَقُمْنَا بِهِ. فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ. قَالَ إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا. قوله: مُرّ بنا، بضم الميم على البناء للمجهول، وفي رواية الكشميهنيّ: مَرَّت، بفتح الميم. وقوله: فقام، زاد غير كريمة "لها". وقوله: فقمنا، في رواية أبي ذرٍ و"قمنا" بالواو، وزاد الأصيليّ "وكريمة له"، والضمير للقيام، أي لأجل قيامه، وزاد أبو داود عن يحيى: فلما ذهبنا لنحمل، قيل: إنها جنازة يهودي، زاد البيهقيّ "إنّ الموت فزع" ونحوه لمسلم. قال القرطبيّ: معناه أن الموت يفزع منه، إشارة إلى استعظامه، ومقصود الحديث أن لا يستمر الإنسان على الغفلة بعد رؤية الموت، لما يشعر ذلك من التهاون بأمر الموت، فمن ثَمَّ استوى فيه كون الميت مسلمًا أو غير مسلم، وقال غيره: جعل نفس الموت فزعًا، مبالغة، كما يقال: رجل عَدْلٌ. قال البيضاويّ: هو مصدر جرى مجرى الوصف للمبالغة، أو فيه تقدير، أي: الموت ذو فزع. ويؤيد الثاني رواية أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ "إن للموت فزعًا" أخرجه ابن ماجه. وعند البزار مثله عن ابن عباس. وقال: وفيه تنبيه على أن تلك الحالة ينبغي لمن رآها أن يقلق من أجلها ويضطرب، ولا يظهر منه عدم الاحتفال والمبالاة. واستدل بالحديث على جواز إخراج جنائز أهل الذمة نهارًا غير متميزة عن جنائز المسلمين، قاله الزين بن المنير. وقال: وإلزامهم بمخالفة رسوم المسلمين وقَعَ اجتهادًا من الأئمة، ويمكن أن يقال: إذا ثبت النسخ للقيام تبعه ما عداه، فيحمل على أن ذلك كان عند مشروعية القيام، فلما ترك منع من الإِظهار. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرَّ معاذ بن فَضالة في التاسع عشر من الوضوء، ومرَّ محل هشام ويحيى في الذي قبله

стр. 5496

بحديث، ومرَّ عُبيد الله بن مَقْسَم في متابعة بعد الثامن والخمسين من الجماعة، ومرَّ جابر في الرابع من بدء الوحي. فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواته بصريان ويمامِيّ ومدنيّ. أخرجه مسلم وأبو داود والنَّسائيّ في الجنائز. الحديث الحادي والسبعون حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى قَالَ: كَانَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ قَاعِدَيْنِ بِالْقَادِسِيَّةِ، فَمَرُّوا عَلَيْهِمَا بِجَنَازَةٍ فَقَامَا. فَقِيلَ لَهُمَا إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، أَيْ: مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَقَالاَ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ فَقَامَ فَقِيلَ لَهُ إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ. فَقَالَ أَلَيْسَتْ نَفْسًا. قوله: فمروا عليهما، في رواية المستملي والحمويّ "عليهم" أي: على قيس وهو ابن سعد بن عُبادة، وسهل وهو ابن حُنَيف، ومن كان حينئذ معهما. وقوله: من أهل الأرض أي: من أهل الذمة، كذا بلفظ أي: التي يفسر بها، وهي رواية الصحيحين وغيرهما. وحكى ابن التين عن الداوديّ أنه شرحه بلفظ "أو" التي للشك. وقال: لم أره لغيره. وقيل لأهل الذمة أهل الأرض, لأن المسلمين لما فتحوا البلاد أقروهم على عمل الأرض، وحمل الخراج. وقوله: أليست نفسًا؟ هذا لا يعارض التعليل المتقدم، حيث قال: إن للموت فزعًا، على ما تقدم، وكذا ما أخرجه الحاكم عن أنس مرفوعًا فقال: إنما قمنا للملائكة. ونحوه لأحمد عن أبي موسى، ولأحمد وابن حبّان والحاكم عن عبد الله بن عمر مرفوعًا "إنما تقومون إعظامًا للذي يقبض النفوس" ولفظ ابن حبان "إعظامًا لله الذي يقبض الأرواح" فإن ذلك أيضًا لا ينافي التعليل السابق لأن القيام للفزع من الموت فيه تعظيم لأمر الله، وتعظيم للقائمين بأمره في ذلك، وهم الملائكة. وأما ما أخرجه أحمد عن الحسن بن علي قال: إنما قام رسول الله ﷺ تأذيًا بريح اليهود، زاد الطبرانيّ عن عبد الله بن عيّاش، بالتحتانية والمعجمة، "فآذاه ريح بِخِدْرها" وللطبريّ والبيهقيّ من وجه آخر عن الحسن كراهية أن تعلو رأسه، فإن ذلك لا يعارض الأخبار الأُولى الصحيحة، أما أولًا، فلأن أسانيدها لا تقاوم تلك في الصحة، وأما ثانيًا فلأن التعليل بذلك راجع إلى ما فهمه الراوي، والتعليل الماضي صريح من لفظ النبي ﷺ ، فكأنّ الراوي لم يسمع التصريح بالتعليل منه. فعلل باجتهاده.

стр. 5497

وقد روى ابن أبي شيبة عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن عمه يزيد بن ثابت قال: "كنا مع رسول الله ﷺ ، فطلعت جنازة، فلما رآها قام، وقام أصحابه حتى بعدت، والله ما أدري من شأنها أو من تضايق المكان، وما سألناه عن قيامه" ومقتضى التعليل بقوله "أليست نفسًا" أن ذلك يستحب لكل جنازة، وإنما اقتصر في الترجمة على اليهوديّ، وقوفًا مع لفظ الحديث. قلت: ولأن القيام لجنازة اليهوديّ يفهم منه بالأوْلى القيامُ لجنازة غيره. والقادسية في الحديث، بالقاف والدال المكسورة، والسين والياء المشددة، قرية صغيرة ذات نخيل ومياه بينها وبين الكوفة مرحلتان، وقيل بينهما خمسة عشر فرسخًا على طريق الحاج، وبها كانت وقعة القادسية في أيام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وتوجد بلاد آخر يسمى كل واحد منها قادسية. رجاله ستة: مرَّ منهم آدم وشعبة في الثالث من الإِيمان, ومرَّ عمر بن مُرَّة في السبعين من الجماعة، ومرَّ عبد الرحمن بن أبي ليلى في الثالث والستين من صفة الصلاة، والباقي اثنان: الأول سَهل بن حُنيف بن واهب بن العكيم بن ثعلبة بن الحارث بن مَجْدَعة بن عمرو بن حَنَش بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأنصاريّ الأوسيّ، يكنى أبا سعد أو أبا عبد الله أو أبا ثابت، كان من السابقين،، وشهد بدرًا والخندق والمشاهد كلها، وثبت يوم أحد حين انكشف الناس، وبايع يومئذ على الموت، وكان يَنْفَحُ عن رسول الله ﷺ بالنَّبل، فيقول: نَبِّلُوا سَهْلًا، فإنه سَهْل"، وكان عمر يقول: سَهْلٌ غير حَزْن، واستخلفه عليّ على المدينة حين خرج إلى البصرة، وشهد معه صفين، ويقال إن النبيّ ﷺ آخى بينه وبين عليّ بن أبي طالب، وولاه على فارس، وأخرجوه، فوجه عليّ زيادًا فأرضوه وصالحوه، وأدوا الخراج. له أربعون حديثًا اتفقا على أربعة، وانفرد مسلم بحديثين، روى عنه ابناه أسعد وعبد الله، وأبو وائل وعبد الرحمن بن أبي ليلى، مات بالكوفة سنة ثمان وثلاثين، وصلى عليه عليّ وكَبَّر ستًا. وفي رواية "خمسًا" وقال: إنه بدريٌّ. الثاني قيس بن سعد بن عُبادة بن دُليم الأنصاريّ الخزرجيّ، تقدم نسبه في نسب أبيه يكنى، أبا الفضل، أو أبا عبد الله، أو أبا القاسم. أو أبا عبد الملك، وأمه فكيهة بنت عُبَيد بن دُليم بنت عم أبيه قال عمرو بن دينار: كان قيس ضخمًا حسنًا طُوالًا، إذا ركب الحمار خَطَّت رجلاه الأرض، شهد مع رسول الله ﷺ المشاهدَ، وأخذ ﵊ الراية من أبيه يوم الفتح ودفعها له، وفي صحيح البخاريّ عن أنس قال: كان قيس بن سعد من النبي ﷺ بمنزلة صاحب الشُّرْطَة من الأمير.

стр. 5498

وأخرج البخاريّ في التاريخ عن مَريم بن أسعد قال: لقيت قيس بن سعد، وقد خدم النبي ﷺ عشر سنين، وأخرج البغويّ عن ابن شهاب قال: كان قيسٌ حامل راية الأنصار مع رسول الله ﷺ ، وكان من ذوي الرأي من الناس وقال ابن يونس: شهد فتح مصر، واخْتَطَّ بها دارًا، ثم كان أمرها لعليِّ، وقال الواقديّ: سخيًا كريمًا ذا هبةٍ. وقال أبو عمر: كان أحد الفضلاء الجِلّة، من دُهاة العرب، من أهل الرأي والمكيدة في الحرب، من النجدة والسخاء والشجاعة، وكان شريفَ قومه غير مدافَع، وكان أبوه وجده كذلك. وفي الصحيح عن جابر في قصة جيش العُسرة أنه كان في ذلك الجيش، وأنه كان ينحر ويطعم حتى استدان بسبب ذلك، ونهاه أمير الجيش، وهو أبو عُبيدة. وفي بعض طرقه أنه نحر تسعة ركائب، وأن النبيّ ﷺ قال: الجُود من شِيمة ذلك البيت. وذكر الزبير أنه كان سنّاطًا، وكذلك عبد الله بن الزبير وشُريح القاضي، أي ليس في وجوههم شعر، وكانت الأنصار يقولون: وَدِدنا لو اشترينا لقيس بن سعد لِحيةً بأموالنا. وأخرج الطبرانيّ في "مكارم الأخلاق" أن قيسًا كان يقول: اللهم ارزقني حمدًا ومجدًا، فإنه لا حمد إلا بفِعال، ولا مجد إلا بمال. وروى ابن المبارك أن معاوية كتب إلى مروان أن اشتر دار كثير بن الصلت منه، فأبى عليه، فكتب مروان إلى معاوية بذلك، فكتب إليه أن خذه بالمال الذي عليه، فإن جاء به وإلا بع عليه داره، فأرسل إليه مروان، فأخبره فقال له: إني أُؤجلك ثلاثًا، فإن جئت بالمال وإلاّ بيعت عليك دارُك. قال: فجمعه إلى ثلاثين ألفًا، فقال: من لي بها؟ ثم ذكر قيس بن سعد، فأتاه، فطلبها منه، فأقرضه اياها، فجاء بها إلى مروان، فلما رأى أنه قد جاء بها، ردها عليه ورد عليه داره، فرد كثيرٌ الثلاثين ألفًا على قيس، فأبى أن يقبلها، وقال: إنا لا نعود في شيء أعطيناه. وقصته مع العجوز التي اشتكت إليه أنه ليس في بيتها جُرْذ، فقال: ما أحسن ما سألت، أما والله لأكثرن جرذًا في بيتك، فملأ بيتها طعامًا ورَدَكًا وإدامًا، صحيحة. وكذلك خبرهُ لما توفي أبوه عن حمل لم يعلم به، فلما ولد وكان سعد قد قسم ماله حين خروجه من المدينة بين ولده، فكلم أبو بكر وعمر في ذلك قيسًا وسألاه أن ينقض ما صنع سعد من تلك القسمة، فقال: نصيبي للمولود، ولا أغير ما فعل أبي ولا أنقضه. خبر صحيح من رواية الثقات. ومن مشهور أخباره أنه كانت له ديون كثيرة على الناس، فمرض واستبطأ عُوّاده، فقيل: إنهم يستحيون من أجل دَيْنك، فأمر مناديًا ينادي: كل من كان لقيس بن سعد عليه دَين فهو له، فأتاه الناس حتى هدموا درجةً كانوا يصعدون عليها إليه. قال ابن عبد البر: وأما خبره في السراويل عند معاوية فباطل، وزور مختلق، ليس له إسناد، ولا يشبه أخلاق قيس بن سعد في معاوية، لا سيرته في نفسه ونزاهته. وهي حكاية مفتعلة، وشعر مزور.

стр. 5499

صحب قيسٌ عليًا، وشهد معه مشاهده كلها، وكان قد أمَّره على مصر، فاحتال عليه معاوية، فلم ينخدع له، فاحتال على أصحاب عليّ حتى حسّنوا له تولية محمد بن أبي بكر، فولاه مصر، وارتحل قيس، ففسدت عليه مصر، فشهد مع عليّ صفين، وهو القائل في صفين: هذا اللواء الذي كنا نحفُّ به ... مع النبي وجبريلٌ لنا مَددٌ ما ضرَّ من كانت الأنصار عينته ... ألاَّ يكون له من غيرهم أحدُ قومٌ إذا حاربوا طالت أكفهم ... في المَشْرفيَّة حتى يُفْتحَ البلَدُ ثم كان مع الحسن بن علي حتى صالح معاوية، كان على مقدمته، ومعه خمسة آلاف قد حلقوا رؤوسهم بعدما مات عليّ، وتبايعوا على الموت، فلما دخل الحسن في بيعة معاوية، أبى قيس أن يدخل، وقال لأصحابه: ما شئتم؟ إنْ شئتم جالدتُ بكم أبدًا حتى يموت الأعجل منا، وإن شئتم أخذت لكم أمانًا. فقالوا: خذ لنا أمانًا، فأخذ لهم كذا وكذا، وأن لا يعاقبوا بشيء، وأنه رجل منهم، ولم يأخذ لنفسه خاصةً شيئًا، فلما ارتحل نحو المدينة، كان ينحر لأصحابه كل يوم جزورًا حتى بلغ المدينة، فأقام بها وأقبل على العبادة إلى أن مات بها. له ستة عشر حديثًا، اتفقا على حديث، وانفرد البخاريّ بطرق من حديث آخر، روى عنه عمرو بن دينار أنه قال: لولا الإِسلام لمكرت مكرًا لا تطيقه العرب. مات في آخر خلافة معاوية بالمدينة، سنة ستين، وقيل سنة تسع وخمسين، وقيل: مات في خلافة عبد الملك سنة خمس وثمانين. والصحيح الأول. ثم قال: وقال أبو حمزة عن الأعمش عن عمرو بن مُرة عن ابن أبي ليلى قال: كنت مع قيس وسهل ﵄ فقالا: "كنا مع النبيّ ﷺ " أراد المصنف بهذا التعليق بيان سماع عبد الرحمن بن أبي ليلى لهذا الحديث من سَهل وقيس, لأن الرواية الأولى ليس فيها بيان ذلك، وهذا التعليق وصله أبو نعيم في المستخرج، ولفظه نحو حديث شُعبة، إلا أنه قال في روايته "فمرت عليهما جنازة فقاما" ولم يقل فيه بالقادسية. ورجاله ستة: قد مرّوا، مرَّ أبو حمزة محمد بن ميمون في الثامن والعشرين من الغُسل، ومرَّ الأعمش في الخامس والعشرين من الإِيمان, ومرت الأربعة الباقية في الذي قبله. ثم قال: وقال زكرياء عن الشعبي عن ابن أبي ليلى: كان أبو مسعود وقيس يقومان للجنازة. ويجمع بين ما وقع فيه من الاختلاف بأن عبد الرحمن بن أبي ليلى ذكر قيسًا وسهلًا مفردين، لكونهما رفعا له الحديث، وذكر مرة أخرى عَن قيس وأبي مسعود لم يرفعه.

стр. 5500

وهذا التعليق وصله سعيد بن منصور. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ زكرياء بن أبي زائدة في الخامس والأربعين، وأبو مسعود في الثامن والأربعين، ومرّ الشعبيّ في الثالث منه، ومرّ ابن أبي ليلى وقيس بن سعد في الذي قبله، ثم قال المصنف:
следующие страницы →