Полный текст (6 753 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.
стр. 5496
بحديث، ومرَّ عُبيد الله بن مَقْسَم في متابعة بعد الثامن والخمسين من الجماعة، ومرَّ جابر في الرابع من بدء الوحي.
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواته بصريان ويمامِيّ ومدنيّ. أخرجه مسلم وأبو داود والنَّسائيّ في الجنائز.
الحديث الحادي والسبعون
حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى قَالَ: كَانَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ قَاعِدَيْنِ بِالْقَادِسِيَّةِ، فَمَرُّوا عَلَيْهِمَا بِجَنَازَةٍ فَقَامَا. فَقِيلَ لَهُمَا إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، أَيْ: مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَقَالاَ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ فَقَامَ فَقِيلَ لَهُ إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ. فَقَالَ أَلَيْسَتْ نَفْسًا.
قوله: فمروا عليهما، في رواية المستملي والحمويّ "عليهم" أي: على قيس وهو ابن سعد بن عُبادة، وسهل وهو ابن حُنَيف، ومن كان حينئذ معهما. وقوله: من أهل الأرض أي: من أهل الذمة، كذا بلفظ أي: التي يفسر بها، وهي رواية الصحيحين وغيرهما. وحكى ابن التين عن الداوديّ أنه شرحه بلفظ "أو" التي للشك. وقال: لم أره لغيره. وقيل لأهل الذمة أهل الأرض, لأن المسلمين لما فتحوا البلاد أقروهم على عمل الأرض، وحمل الخراج.
وقوله: أليست نفسًا؟ هذا لا يعارض التعليل المتقدم، حيث قال: إن للموت فزعًا، على ما تقدم، وكذا ما أخرجه الحاكم عن أنس مرفوعًا فقال: إنما قمنا للملائكة. ونحوه لأحمد عن أبي موسى، ولأحمد وابن حبّان والحاكم عن عبد الله بن عمر مرفوعًا "إنما تقومون إعظامًا للذي يقبض النفوس" ولفظ ابن حبان "إعظامًا لله الذي يقبض الأرواح" فإن ذلك أيضًا لا ينافي التعليل السابق لأن القيام للفزع من الموت فيه تعظيم لأمر الله، وتعظيم للقائمين بأمره في ذلك، وهم الملائكة.
وأما ما أخرجه أحمد عن الحسن بن علي قال: إنما قام رسول الله ﷺ تأذيًا بريح اليهود، زاد الطبرانيّ عن عبد الله بن عيّاش، بالتحتانية والمعجمة، "فآذاه ريح بِخِدْرها" وللطبريّ والبيهقيّ من وجه آخر عن الحسن كراهية أن تعلو رأسه، فإن ذلك لا يعارض الأخبار الأُولى الصحيحة، أما أولًا، فلأن أسانيدها لا تقاوم تلك في الصحة، وأما ثانيًا فلأن التعليل بذلك راجع إلى ما فهمه الراوي، والتعليل الماضي صريح من لفظ النبي ﷺ ، فكأنّ الراوي لم يسمع التصريح بالتعليل منه. فعلل باجتهاده.
стр. 5497
وقد روى ابن أبي شيبة عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن عمه يزيد بن ثابت قال: "كنا مع رسول الله ﷺ ، فطلعت جنازة، فلما رآها قام، وقام أصحابه حتى بعدت، والله ما أدري من شأنها أو من تضايق المكان، وما سألناه عن قيامه" ومقتضى التعليل بقوله "أليست نفسًا" أن ذلك يستحب لكل جنازة، وإنما اقتصر في الترجمة على اليهوديّ، وقوفًا مع لفظ الحديث. قلت: ولأن القيام لجنازة اليهوديّ يفهم منه بالأوْلى القيامُ لجنازة غيره.
والقادسية في الحديث، بالقاف والدال المكسورة، والسين والياء المشددة، قرية صغيرة ذات نخيل ومياه بينها وبين الكوفة مرحلتان، وقيل بينهما خمسة عشر فرسخًا على طريق الحاج، وبها كانت وقعة القادسية في أيام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وتوجد بلاد آخر يسمى كل واحد منها قادسية.
رجاله ستة:
مرَّ منهم آدم وشعبة في الثالث من الإِيمان, ومرَّ عمر بن مُرَّة في السبعين من الجماعة، ومرَّ عبد الرحمن بن أبي ليلى في الثالث والستين من صفة الصلاة، والباقي اثنان:
الأول سَهل بن حُنيف بن واهب بن العكيم بن ثعلبة بن الحارث بن مَجْدَعة بن عمرو بن حَنَش بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأنصاريّ الأوسيّ، يكنى أبا سعد أو أبا عبد الله أو أبا ثابت، كان من السابقين،، وشهد بدرًا والخندق والمشاهد كلها، وثبت يوم أحد حين انكشف الناس، وبايع يومئذ على الموت، وكان يَنْفَحُ عن رسول الله ﷺ بالنَّبل، فيقول: نَبِّلُوا سَهْلًا، فإنه سَهْل"، وكان عمر يقول: سَهْلٌ غير حَزْن، واستخلفه عليّ على المدينة حين خرج إلى البصرة، وشهد معه صفين، ويقال إن النبيّ ﷺ آخى بينه وبين عليّ بن أبي طالب، وولاه على فارس، وأخرجوه، فوجه عليّ زيادًا فأرضوه وصالحوه، وأدوا الخراج.
له أربعون حديثًا اتفقا على أربعة، وانفرد مسلم بحديثين، روى عنه ابناه أسعد وعبد الله، وأبو وائل وعبد الرحمن بن أبي ليلى، مات بالكوفة سنة ثمان وثلاثين، وصلى عليه عليّ وكَبَّر ستًا. وفي رواية "خمسًا" وقال: إنه بدريٌّ.
الثاني قيس بن سعد بن عُبادة بن دُليم الأنصاريّ الخزرجيّ، تقدم نسبه في نسب أبيه يكنى، أبا الفضل، أو أبا عبد الله، أو أبا القاسم. أو أبا عبد الملك، وأمه فكيهة بنت عُبَيد بن دُليم بنت عم أبيه قال عمرو بن دينار: كان قيس ضخمًا حسنًا طُوالًا، إذا ركب الحمار خَطَّت رجلاه الأرض، شهد مع رسول الله ﷺ المشاهدَ، وأخذ ﵊ الراية من أبيه يوم الفتح ودفعها له، وفي صحيح البخاريّ عن أنس قال: كان قيس بن سعد من النبي ﷺ بمنزلة صاحب الشُّرْطَة من الأمير.
стр. 5498
وأخرج البخاريّ في التاريخ عن مَريم بن أسعد قال: لقيت قيس بن سعد، وقد خدم النبي ﷺ عشر سنين، وأخرج البغويّ عن ابن شهاب قال: كان قيسٌ حامل راية الأنصار مع رسول الله ﷺ ، وكان من ذوي الرأي من الناس وقال ابن يونس: شهد فتح مصر، واخْتَطَّ بها دارًا، ثم كان أمرها لعليِّ، وقال الواقديّ: سخيًا كريمًا ذا هبةٍ. وقال أبو عمر: كان أحد الفضلاء الجِلّة، من دُهاة العرب، من أهل الرأي والمكيدة في الحرب، من النجدة والسخاء والشجاعة، وكان شريفَ قومه غير مدافَع، وكان أبوه وجده كذلك.
وفي الصحيح عن جابر في قصة جيش العُسرة أنه كان في ذلك الجيش، وأنه كان ينحر ويطعم حتى استدان بسبب ذلك، ونهاه أمير الجيش، وهو أبو عُبيدة. وفي بعض طرقه أنه نحر تسعة ركائب، وأن النبيّ ﷺ قال: الجُود من شِيمة ذلك البيت. وذكر الزبير أنه كان سنّاطًا، وكذلك عبد الله بن الزبير وشُريح القاضي، أي ليس في وجوههم شعر، وكانت الأنصار يقولون: وَدِدنا لو اشترينا لقيس بن سعد لِحيةً بأموالنا.
وأخرج الطبرانيّ في "مكارم الأخلاق" أن قيسًا كان يقول: اللهم ارزقني حمدًا ومجدًا، فإنه لا حمد إلا بفِعال، ولا مجد إلا بمال. وروى ابن المبارك أن معاوية كتب إلى مروان أن اشتر دار كثير بن الصلت منه، فأبى عليه، فكتب مروان إلى معاوية بذلك، فكتب إليه أن خذه بالمال الذي عليه، فإن جاء به وإلا بع عليه داره، فأرسل إليه مروان، فأخبره فقال له: إني أُؤجلك ثلاثًا، فإن جئت بالمال وإلاّ بيعت عليك دارُك. قال: فجمعه إلى ثلاثين ألفًا، فقال: من لي بها؟ ثم ذكر قيس بن سعد، فأتاه، فطلبها منه، فأقرضه اياها، فجاء بها إلى مروان، فلما رأى أنه قد جاء بها، ردها عليه ورد عليه داره، فرد كثيرٌ الثلاثين ألفًا على قيس، فأبى أن يقبلها، وقال: إنا لا نعود في شيء أعطيناه. وقصته مع العجوز التي اشتكت إليه أنه ليس في بيتها جُرْذ، فقال: ما أحسن ما سألت، أما والله لأكثرن جرذًا في بيتك، فملأ بيتها طعامًا ورَدَكًا وإدامًا، صحيحة.
وكذلك خبرهُ لما توفي أبوه عن حمل لم يعلم به، فلما ولد وكان سعد قد قسم ماله حين خروجه من المدينة بين ولده، فكلم أبو بكر وعمر في ذلك قيسًا وسألاه أن ينقض ما صنع سعد من تلك القسمة، فقال: نصيبي للمولود، ولا أغير ما فعل أبي ولا أنقضه. خبر صحيح من رواية الثقات. ومن مشهور أخباره أنه كانت له ديون كثيرة على الناس، فمرض واستبطأ عُوّاده، فقيل: إنهم يستحيون من أجل دَيْنك، فأمر مناديًا ينادي: كل من كان لقيس بن سعد عليه دَين فهو له، فأتاه الناس حتى هدموا درجةً كانوا يصعدون عليها إليه.
قال ابن عبد البر: وأما خبره في السراويل عند معاوية فباطل، وزور مختلق، ليس له إسناد، ولا يشبه أخلاق قيس بن سعد في معاوية، لا سيرته في نفسه ونزاهته. وهي حكاية مفتعلة، وشعر مزور.
стр. 5499
صحب قيسٌ عليًا، وشهد معه مشاهده كلها، وكان قد أمَّره على مصر، فاحتال عليه معاوية، فلم ينخدع له، فاحتال على أصحاب عليّ حتى حسّنوا له تولية محمد بن أبي بكر، فولاه مصر، وارتحل قيس، ففسدت عليه مصر، فشهد مع عليّ صفين، وهو القائل في صفين:
هذا اللواء الذي كنا نحفُّ به ... مع النبي وجبريلٌ لنا مَددٌ
ما ضرَّ من كانت الأنصار عينته ... ألاَّ يكون له من غيرهم أحدُ
قومٌ إذا حاربوا طالت أكفهم ... في المَشْرفيَّة حتى يُفْتحَ البلَدُ
ثم كان مع الحسن بن علي حتى صالح معاوية، كان على مقدمته، ومعه خمسة آلاف قد حلقوا رؤوسهم بعدما مات عليّ، وتبايعوا على الموت، فلما دخل الحسن في بيعة معاوية، أبى قيس أن يدخل، وقال لأصحابه: ما شئتم؟ إنْ شئتم جالدتُ بكم أبدًا حتى يموت الأعجل منا، وإن شئتم أخذت لكم أمانًا. فقالوا: خذ لنا أمانًا، فأخذ لهم كذا وكذا، وأن لا يعاقبوا بشيء، وأنه رجل منهم، ولم يأخذ لنفسه خاصةً شيئًا، فلما ارتحل نحو المدينة، كان ينحر لأصحابه كل يوم جزورًا حتى بلغ المدينة، فأقام بها وأقبل على العبادة إلى أن مات بها.
له ستة عشر حديثًا، اتفقا على حديث، وانفرد البخاريّ بطرق من حديث آخر، روى عنه عمرو بن دينار أنه قال: لولا الإِسلام لمكرت مكرًا لا تطيقه العرب. مات في آخر خلافة معاوية بالمدينة، سنة ستين، وقيل سنة تسع وخمسين، وقيل: مات في خلافة عبد الملك سنة خمس وثمانين. والصحيح الأول.
ثم قال: وقال أبو حمزة عن الأعمش عن عمرو بن مُرة عن ابن أبي ليلى قال: كنت مع قيس وسهل ﵄ فقالا: "كنا مع النبيّ ﷺ " أراد المصنف بهذا التعليق بيان سماع عبد الرحمن بن أبي ليلى لهذا الحديث من سَهل وقيس, لأن الرواية الأولى ليس فيها بيان ذلك، وهذا التعليق وصله أبو نعيم في المستخرج، ولفظه نحو حديث شُعبة، إلا أنه قال في روايته "فمرت عليهما جنازة فقاما" ولم يقل فيه بالقادسية.
ورجاله ستة:
قد مرّوا، مرَّ أبو حمزة محمد بن ميمون في الثامن والعشرين من الغُسل، ومرَّ الأعمش في الخامس والعشرين من الإِيمان, ومرت الأربعة الباقية في الذي قبله.
ثم قال: وقال زكرياء عن الشعبي عن ابن أبي ليلى: كان أبو مسعود وقيس يقومان للجنازة. ويجمع بين ما وقع فيه من الاختلاف بأن عبد الرحمن بن أبي ليلى ذكر قيسًا وسهلًا مفردين، لكونهما رفعا له الحديث، وذكر مرة أخرى عَن قيس وأبي مسعود لم يرفعه.
стр. 5500
وهذا التعليق وصله سعيد بن منصور.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ زكرياء بن أبي زائدة في الخامس والأربعين، وأبو مسعود في الثامن والأربعين، ومرّ الشعبيّ في الثالث منه، ومرّ ابن أبي ليلى وقيس بن سعد في الذي قبله، ثم قال المصنف:
стр. 5501
باب حمل الرجال الجنازة دون النساء
قال ابن رشيد: ليس الحجة من حديث الباب بظاهرة في منع النساء, لأنه من الحكم المعلق على شرط، وليس فيه أن لا يكون الواقع إلا ذلك، ولو سلم فهو من مفهوم اللقب، ثم أجاب بأن كلام الشارع مهما أمكن حمله على التشريع، لا يحمل على مجرد الإِخبار عن الواقع، ويؤيده العدول عن المشاكلة في الكلام، حيث قال: إذا وضعت فاحتملها الرجال، ولم يقل: فاحتملت، فلما قطع "احتملت" عن مشاكلة "وضعت" دل على قصد تخصيص الرجال بذلك، وأيضًا، فجواز ذلك للنساء وإن كان يؤخذ بالبراءة الأصلية، لكنه معارض بأن في الحمل على الأعناق، والأمر بالإِسراع مظنة الانكشاف غالبًا، وهو مباين للمطلوب منهن من التستر، مع ضعف نفوسهنَّ عن مشاهدة الموتى غالبًا، فكيف بالحمل مع ما يتوقع من صراخهن عند حمله ووضعه وغير ذلك من وجوه المفاسد؟
وقد ورد ما هو أصْرح من هذا في منعهنَّ، ولكنه على غير شرطه، ولعله أشار إليه، وهو ما أخرجه أبو يعلى عن أنس قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فرأى نسوة فقال: أتحملنه؟ قلن: لا، قال: أتدفنَّه؟ قلن: لا، قال: فارجعن مأزوراتٍ غير مأجورات. ونقل النوويّ في شرح المهذب أنه لا خلاف في هذه المسألة بين العلماء، والسبب فيه ما مرَّ، ولأن الجنازة لابد أن يشيعها الرجال، فلو حملها النساء لكان ذلك ذريعة إلى اختلاطهن بالرجال، فيفضي إلى الفتنة.
وقال ابن بطال: قد عذر الله النساء لضعفهن حيث قال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ﴾ الآية، وتعقبه الزين بن المنير بأن الآية لا تدل على اختصاصهن بالضعف، بل على المساواة. والأوْلى أن ضعف النساء بالنسبة إلى الرجال من الأمور المحسوسة التي لا تحتاج إلى دليل، قلت: والآية دالة على ضعفهن مطلقًا، ومساواتهن لمن كان ضعيفًا من الرجال، لا على مساواتهن للرجال مطلقًا.
الحديث الثاني والسبعون
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا وُضِعَتِ الْجِنَازَةُ وَاحْتَمَلَهَا
стр. 5502
الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ قَدِّمُونِي. وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلاَّ الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهُ صَعِقَ.
قوله: عن أبيه أنه سمع أبا سعيد المَقْبريّ، فيه إسناد آخر رواه ابن أبي ذيب عنه عن عبد الرحمن بن مِهران عن أبي هُريرة، أخرجه النَّسائيّ وابن حبّان، وقال: الطريقان جميعًا محفوظان. وقوله: إذا وضعت الجنازة، في رواية ابن أبي ذيب المذكورة إذا وضع الميت على السرير، الذي يحمل عليه أيضًا، يحتمل أن يريد بالجنازة نفس الميت، وبوضعه جعله على السرير، وأن يريد السرير، والمراد وضعها على الكتف، والأول أوْلى، لقوله بعد ذلك: فإن كانت صالحة. قالت: فإن المراد به الميت، ويؤيده رواية عبد الرحمن بن مِهران عن أبي هريرة المذكورة بلفظ "إذا وضع المؤمن على سريره يقول: قدموني".
وقوله: فإن تلك صالحة، أي الجثة المحمولة. قال الطيبيّ: جعلت الجنازة عين الميت، وجعلت الجنازة التي هي مكان الميت مقدمة إلى الخير الذي كنى به عن عمله الصالح. وقوله: قالت قدموني، وظاهره أن قائل ذلك هو الجسد المحمول على الأعناق. وقال ابن بطَّال: إنما يقول ذلك الروح، ورده ابن المنير بأنه لا مانع من أن يرد الله الروح إلى الجسد في تلك الحال، ليكون ذلك زيادة في بشرى المؤمن، وبؤس الكافر، وكذا قال غيره.
زاد: ويكون ذلك مجازًا، باعتبار ما يؤول إليه الحال بعد إدخال القبر، وسؤال المَلَكين، وهو بعيد، ولا حاجة إلى دعوى إعادة الروح إلى الجسد قبل الدفن, لأنه لا دليل، ومن الجائز أن يحدث الله النطق في الميت إذا شاء، وكلام ابن بطّال، فيما يظهر، أصوب. وقال ابن بُزيزة: قوله في آخر الحديث "يسمع صوتَها كلُّ شيء" دَلَّ على أن ذلك بلسان القال لا بلسان الحال.
وقوله: وإن كانت غير صالحة، قالت: يا ويلها، وفي رواية قالت: لأهلها. قال الطيبيّ: أي: لأجل أهلها إظهارًا لوقوعه في الهلكة، وكل من وقع في الهلكة دعا بالويل، ومعنى النداء: يا حُزني، وأضاف الويل إلى ضمير الغائب عملًا على المعنى، كراهية أن يضيف الويل إلى نفسه، أو كأنّه لما أبصر نفسه غير صالحة نفر عنها، وجعلها كأنها غيره.
ويؤيد الأول أن في رواية أبي هريرة المذكورة قال: يا ويلتاه، أين تذهبون بي؟، فدل على أن ذلك من تصرف الرواة. وقوله: ولو سمعه صَعِق، أي: غُشِيَ عليه من شدة ما يسمعه، وربما أطلق ذلك على الموت، والضمير في "يسمعه" راجع إلى دعائه بالويل، أي: يصيح بصوت منكر لو سمعه الإنسان لغُشي عليه. قال ابن بُزَيزة: هو مختص بالميت الذي هو غير صالح، وأما الصالح فمن شأنه اللطف والرفق في كلامه، فلا يناسب الصَّعْق من سماع كلامه. ويحتمل أن يحصل
стр. 5503
الصعق من سماع كلام الصالح، لكونه مألوف.
وقد روى أبو القاسم بن مَنْده هذا الحديث في كتاب "الأهوال" بلفظ "لو سمعه الإنسان لصَعِق من المحسن والمسيء" فإن كان المراد به المفعول دل على وجود الصعق عند سماع كلام الصالح أيضًا، وقد استشكل هذا ما ورد في حديث السؤال في القبر "فيضربه ضربة فيصعق صعقة يسمعها كل شيء إلا الثقلين" والجامع بينهما الميت والصعق. والأول استثنى فيه الإِنس فقط، والثاني استثنى فيه الإنس والجن. والجواب أن كلام الميت بما ذكر لا يقتضي وجود الصعق، وهو الفزع، إلاَّ من الآدميّ، لكونه لم يألف سماع كلام الميت، بخلاف الجن في ذلك.
وأما الصيحة التي يصيحها المضروب، فإنها غير مألوفة للإِنس والجن جميعًا، لكن سببها عذاب الله، ولا شيء أشد منه على كل مكلف، فاشترك الإنس والجن في ذلك. قلت: قوله: بخلاف الجن في ذلك، دالٌّ على أن الجن مألوف عندهم سماع كلام الموتى, ومن أين له ذلك، وأي دليل عليه؟
واستدل به على أن كلام الميت يسمعه كل حيوان ناطق وغير ناطق، لكن قال ابن بطال: هو عام أريد به الخصوص، وأن المعنى يسمعه من له عقل، كالملائكة والجن والإنس, لأن المتكلم رُوح وإنما يسمع الروح من هو روح مثله، وتعقب بمنع الملازمة إذ لا ضرورة إلى التخصيص، بل لا يستثنى إلا الإنسان، كما هو ظاهر الخبر، وإنما اختص الإِنسان بذلك إبقاء عليه وبأنه لا مانع من إنطاق الله الجسد بغير روح كما مرَّ.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرَّ عبد العزيز بن عبد الله الأُوَيْسِيّ في الأربعين من العلم، ومرَّ الليث في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ سعيد المَقْبَريّ في الثاني والثلاثين من الإِيمان, وأبو سعيد الخُدْرِيّ في الثاني عشر منه، ومرَّ أبو سعيد كيسان في السادس والعشرين من صفة الصلاة. والحديث أخرجه النسائيُّ أيضًا ثم قال المصنف:
تم بعون الله الجزء الحادي عشر
ويليه الجزء الثاني عشر وأوله باب
السرعة بالجنازة
стр. 5504
كوثر المعاني الدراري
في
كشف خبايا صحيح البخاري
تأليف
الامام المحدث العلامة الشيخ محمد الخضر الجكينى الشنقيطي
(المتوفى سنة ١٣٥٤هـ)
الجزء الثاني عشر
مؤسسة الرسالة
стр. 5505
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 5506
كوثر المعاني الدراري
فيد
كشف خبايا صحيح البخاري
стр. 5507
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤١٥هـ - ١٩٩٥م
مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع
مؤَسَّسَة الرّسَالة بيروت - شارع سوريَا - بنَاية صَمَدي وَصَالحَة
هَاتف: ٦٠٣٢٤٣ - ٨١٥١١٢ - صَ. بَ: ٧٤٦٠ - بَرقيًا: بيُوشرَان
стр. 5508
باب السرعة بالجنازة
أي: بعد أن تحمل، ثم قال: وقال أنس: أنتم مشيِّعون، فامش بين يديها وخلفها وعن يمينها وعن شمالها. قوله: فامش، في رواية الكشميهنيّ: فامشوا، وأثر أنس هذا وصله عبد الوهاب بن عطاء الخَفّاف في كتاب الجنائز عن حُميد عن أنس بن مالك أنه سُئل عن المشي في الجنازة فقال: "أمامها وخلفها وعن يمينها وشمالها، انما أنتم مشيِّعون" وأخرجه عبد الرزاق عن أبي جعفر الرازيّ عن حميد "سمعتُ العَيْزار بن حُرَيث سأل أنس بن مالك عن المشي مع الجنازة، فقال: إنما أنت مشيّع، فذكر نحوه، فاشتمل على فائدتين: تسمية السائل، والتصريح بسماع حميد.
قال ابن المنير: مطابقة هذا الأثر للترجمة أن الأثر يتضمن التوسعة على المشيعين، وعدم التزامهم جهة معينة، وذلك لما علم من تفاوت أحوالهم في المشي، وقضية الإسراع بالجنازة، أن لا يلزموا بمكان واحد يمشون فيه، لئلا يشق على بعضهم ممن يضعف في المشي عمن يقوى عليه، ومحصله أن السرعة لا تتفق غالبًا إلا مع عدم التزام المشيء في جهة معينة، فيتناسبا.
وقال ابن رشيد: يمكن أن يقال: لفظ "المشي والتشييع" في أثر أنس أعم من الإِسراع والبطء، فلعله أراد أن يفسر أثر أنس بالحديث. قال، ويمكن أن يكون أراد أن يبيّن بقول أنس أن المراد بالإِسراع ما لا يخرج عن الوقار لمتبعها، بالمقدار الذي تصدق عليه به المصاحبة.
وأنس مرَّ في السادس من الإِيمان.
ثم قال: وقال غيره قريبًا منها، أي: قال: غير أنس مثل قول أنس، ولكنه قيد ذلك بالقرب من الجنازة, لأن من بعد منها يصدق عليه أيضًا أنه مشى أمامها وخلفها مثلًا، والغير المذكور، قال في "الفتح" أظنه عبد الرحمن بن قرظ، لما رواه سعيد بن منصور عن عُروة بن رُدَيم قال: شهد عبد الرحمن بن قرظ جنازة، فرأى ناسًا تقدموا، وآخرين استأخروا، فأمر بالجنازة فوضعت، ثم رماهم بالحجارة حتى اجتمعوا إليه، ثم أمر بها فحملت، ثم قال: بين يديها وخلفها وعن يمينها وعن شمالها. وعبد الرحمن يأتي تعريفه قريبًا.
ودل إيراد البخاريّ لأثر أنس المذكور على اختيار هذا المذهب، وهو التخيير في المشيء مع
стр. 5509
الجنازة، وقد مرَّ استيفاء الكلام على المذاهب في كيفية المشيء معها في باب "اتباع الجنائز من الإيمان،.
والغير هو عبد الرحمن من قرظ، وأثره وَصَله سعيد بن منصور، وعبد الرحمن بن قُرْظ بضم القاف وسكون الراء، الثّماليّ الحُمصيّ، صحابيّ. قال البخاريُّ وغيره: كان من أهل الصُّفة. وقال هشام بن عِمارة في فوائده: كان عبد الرحمن بن قرظ واليًا على حُمص في زمان عمر، فبلغه أن عروسًا حملت في هودج ومعها النيران، فكسر الهودج وأطفأ النيران، ثم أصبح فصعد المنبر وقال: إني كنت مع أهل الصُّفة، وهم مساكين في مسجد النبي ﷺ ، وأن أبا جندل نكح أُمامة، فصنع طعامًا، فدعانا فأكلنا، فاستشهد أبو جندل بعد ذلك، وماتت أمامة.
وروى البخاريّ وابن السكن عن رُوَيم عنه "أن رسول الله ﷺ ليلة أُسْري به إلى المسجد الأقصى كان بين المقام وزمزم جبريلُ عن يمينه وميكائيلُ عن يساره، فطارا به حتى بلغ السموات السبع، فلمّا رجع قال: سمعت تسبيحًا في السموات العلى". الحديث.
وأخرج هشام بن عِمارة في فوائده أن ابن قرظ صعد المنبر فرأى أهل اليمن وقُضاعة عليهم المُعَصْفَر والمُزَهَّر، فذكر القصة، وفيه قوله "إنما قامت النعمة على المنعم عليه بالشكر" روى عنه سليم بن عامر.
والثُّمالي في نسبه، بضم الثاء على الأصح، نسبة إلى ثُمالة كثُمامة، أبي بطن من الأزْد، لقب عوف بن سليم بن أحْجن بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد، منهم محمد بن يزيد المُبَرِّدُ النَّحْويّ. وفيهم يقول الشاعر:
سألنا عن ثُمالَةَ كلَّ حيٍّ ... فقالَ القائلون ومن ثُمالَهْ
فقلتُ: محمدُ بنُ يزيدَ منهم ... فقالوا: زدتنا بهمُ جهالهْ
وإنما لقب بهذا اللقب, لأنه أطعم قومه، وسقاهم لبنًا بثمالته، فغلب عليه ذلك.
الحديث الثالث والسبعون
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا، وَإِنْ يَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ.
стр. 5510
قوله: حفظناه من الزُّهريّ، في رواية المستملي "عن" بدل "من"، والأول أَوْلى, لأنه يقتضي سماعه منه، بخلاف رواية المستملي، وقد صرح الحميديّ في مسنده بسماع سفيان له من الزهريّ: وقوله: عن سعيد بن المسيب، كذا قال سفيان، وتابعه معمر وابن أبي حَفصة عند مسلم، وخالفهم يونس فقال: عن الزهريّ، حدثني أبو أمامة بن سهل عن أبي هُريرة، وهو محمول على أن للزهريّ فيه شيخين.
وقوله: أسرعوا، نقل ابن قُدامة أنّ الأمر فيه للاستحباب بلا خلاف بين العلماء، وشذ ابن حزم، فقال بوجوبه، والمراد بالإسراع شدة المشي، وعلى ذلك حمله بعض السلف، وهو قول الحنفية. قال صاحب الهداية: ويمشون بها مسرعين دون الخَبَب. وفي "المبسوط": ليس فيه شيء مؤقت، غير أن العجلة أحب إلى أبي حنيفة. قاله في "الفتح": وعن الشافعيّ والجمهور: المرادُ بالإسراع ما فوق سجية المشي المعتاد، ويكره الإِسراع الشديد، ومال عِياض إلى نفي الخلاف، فقال: من استحبه أراد الزيادة على المشي المعتاد، ومن كرهه أراد الإِفراط فيه، كالرَّمل. والحاصل أنه يستحب الإسراع بها, لكن بحيث لا ينتهي إلى شدة يخاف معها حدوث مَفْسدة بالميت، أو مشقة على الحامل أو المشيع، لئلا ينافي المقصود من النظافة، أو إدخال المشقة على المسلم.
قال القرطبيّ: مقصود الحديث أن لا يُتباطأ بالميت عن الدفن، ولأن التباطؤ ربما أدى إلى التباهي والاختيال. وقوله: بالجنازة، أي: بحملها إلى قبرها. وقيل: المراد والإِسراع بتجهيزها، فهو أعم من الأول. قال القرطبيّ: الأول أظهر. وقال النّوويّ: الثاني باطل مردود بقوله في الحديث "تضعونه عن رقابكم". وتعقبه الفاكهانيّ بأن الحملَ على الرقاب قد يعبر عن المعاني، كما تقول حمل فلان على رقبته ذنوبًا، فيكون المعنى استريحوا من نظر من لا خير فيه.
قال: ويؤيده أن الكل لا يحملونه، ويؤيده حديث ابن عمر: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا مات أحدكم فلا تحبسوه، وأسرعوا به إلى قبره" أخرجه الطبرانيّ بإسناد حسن، ولأبي داود عن حُصين بن وَحْوح مرفوعًا "لا ينبغي لجيفة مسلم أن تبقى بين ظهرانيْ أهله". الحديث.
وقوله: فإنْ تك صالحة، ومعناه في الذي قبله، وقوله: فخير، هو خبر مبتدأ محذوف، أي: فهو خبر، أو مبتدأ خبره محذوف، أي: فلها خير، أو هناك خير. ويؤيده رواية مسلم بلفظ "قربتموها إلى الخير"، ويأتي في قوله بعد ذلك "فشر نظير ذلك"، وقوله: تقدمونها إليه، راجع إلى الخبر، باعتبار الثواب، قال ابن مالك: روي تقدمونه إليها فأنت الضمير على تأويل الخير بالرحمة والحسنى، وقوله: تضعونه عن رقابكم، استدل به على أن حمل الجنازة يختص بالرجال، للإِتيان فيه بضمير المذكر.
стр. 5511
ولا يخفى ما فيه، وفيه استحباب المبادرة إلى دفن الميت، لكن بعد أن يتحقق أنه مات، أما مثل المطعون والمفلوج والمسبُوت، فينبغي أن لا يسرع بدفنهم، حتى يمضي يوم وليلة، ليتحقق موتهم. نبه على ذلك ابن بُزَيزة، ويؤخذ منه ترك صحبة أهل البطالة، وغير الصالحين.
فإن قلت: ما ذكر من الإسراع يعارضه ما رواه البخاري ومسلم عن عطاء قال: "حضرنا مع ابن عباس ﵄ جنازة مَيمونة، رضي الله تعالى عنها، بِسَرفٍ، فقال ابن عباس: هذه ميمونة، إذا رفعتم نَعْشها، فلا تزعزعوه ولا تزلزلوه، وارفقوا. وروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن بنت أبي بُردة عن أبي موسى قال: "مرَّ على النبي ﷺ بجنازة، وهي تمخض كما يمخض الزق، فقال: عليكم بالفصد في جنائزكم"، فإن هذا يدل على استحباب الرفق بالجنازة، ترك الإِسراع.
أُجيب بأنّ ابن عباس أراد الرفق في كيفية العمل، لا في كيفية المشيء بها، وحديث أبي موسى منقطع بين بنت أبي بُردة وأبي موسى، ومع ذلك فهو ظاهر في أنه كان يفرط في الإسراع بها، ولعله خشي انفجارها، وخروج شيء منها، وكذا الحكم عند ذلك في كل موضوع.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرَّ عليّ بن عبد الله المِدْينيّ في الرابع عشر من العلم، ومرَّ ابن عُيينة في الأول من بدء الوحي، والزهري في الثالث منه، وابن المسيب في التاسع عشر من الإِيمان, وأبو هريرة في الثاني منه.
أخرجه مسلم وباقي الستة، ثم قال المصنف:
стр. 5512
باب قول الميت وهو على الجنازة قدموني
أي: السرير، وقوله: قدموني، أي: إنْ كان صالحًا.
الحديث الرابع والسبعون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ إِذَا وُضِعَتِ الْجِنَازَةُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ قَدِّمُونِي. وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ لأَهْلِهَا يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلاَّ الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَ الإِنْسَانُ لَصَعِقَ.
هذا الحديث استوفي الكلام عليه عند ذكره قبل حديث واحد.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرَّ عبد الله بن يوسف في الثاني من بدء الوحي، والليث في الثالث منه، ومرَّ محل الثلاثة الباقية في الذي قبله بحديث ثم قال المصنف:
стр. 5513
باب من صف صفين أو ثلاثة على الجنازة خلف الإِمام
أورد فيه حديث جابر في الصلاة على النجاشيّ، وفيه: كنت في الصف الثاني أو الثالث، وقد اعترض عليه بأنه لا يلزم من كونه في الصف الثاني أو الثالث أن يكون ذلك منتهى الصفوف، وبأنه ليس في السياق ما يدل على أن الصفوف خلف الإِمام، والجواب عن الأول أن الأصل عدم الزائد، وقد روى مسلم عن أبي الزبير عن جابر قصة الصلاة على النجاشيّ، فقال: فقمنا فصفنا صفين، فعرف بهذا أن من روى عنه "كنت في الصف الثاني أو الثالث" شكّ هل كان هنالك صف ثالث أم لا، وبذلك تصح الترجمة. وعن الثاني بأنه أشار إلى ما ورد في بعض طرقه صريحًا، كما يأتي في هجرة الحبشة من وجه آخر عن قتادة بهذا الإِسناد، بزيادة "فصفنا وراءه" وفي الباب الذي يليه عن أبي هريرة "فصفوا خلفه".
الحديث الخامس والسبعون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ، فَكُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثِ.
مباحث هذا الحديث مرت عند ذكر حديث أبي هريرة في باب "الرجل ينعي إلى أهل الميت بنفسه".
رجاله خمسة:
وفيه ذكر النجاشي، وقد مرَّ الجميع، مرَّ مسدد وقتادة في السادس من الإِيمان, ومرَّ أبو عوانة في الخامس من بدء الوحي، وجابر في الرابع منه، ومرَّ عطاء بن أبي رباح في التاسع والثلاثين من العلم، ومرَّ النجاشي في الثامن من الجنائز هذا، ثم قال المصنف:
стр. 5514
باب الصفوف على الجنازة
قال الزين بن المنير ما ملخصه: أنه أعاد الترجمة لأن الأُولى لم يجزم فيها بالزيادة على الصفين، وقال ابن بطال: أومأ المصنف إلى الرد على عطاء، حيث ذهب إلى أنه لا يشرع فيها تسوية الصفوف، كما رواه عبد الرزاق عن ابن جُريج قال: قلت لعطاء: أحقٌّ على الناس أن يسووا صفوفهم على الجنائز كما يسوونها في الصلاة؟ قال: لا، إنما يكبرون ويستغفرون.
وتعقب بعضهم بأن أحاديث الباب ليس فيها صلاة على جنازة، وإنما فيها الصلاة على الغائب أو على من في القبر، وأجيب بأن الاصطفاف إذا شرع والجنازة غائبة، ففي الحاضرة أولى، وأجاب الكرمانيّ بأن المراد بالجنازة، في الترجمة، الميتُ سواءً كان مدفونًا أو غير مدفون، فلا منافاة بين الترجمة والحديث.
الحديث السادس والسبعون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَعَى النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَصْحَابِهِ النَّجَاشِيَّ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَصَفُّوا خَلْفَهُ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا.
قوله: عن سعيد، هو ابن المسيب، كذا رواه أصحاب معمر البصريون عنه، وكذا هو عند عبد الرزاق عن معمر، وأخرجه النَّسائيّ عن عبد الرزاق فقال فيه: عن سعيد وأبي سَلَمة، وكذا أخرجه ابن حبّان عن الزُّهريّ عنهما، وكذا ذكره الدارقطني في غرائب مالك عن مالك. والمحفوظ عن مالك ليس فيه ذكر أبي سلمة، كما هو في الموطأ. وكذا أخرجه المصنف. كما مرَّ في أوائل الجنائز في الباب المذكور آنفًا، والمحفوظ عن الزهريّ أن نعي النجاشيّ والأمر بالاستغفار له عنده عن أبي سلمة وسعيد جميعًا، وأما قصة الصلاة عليه والتكبير، فعنده عن سعيد وحده، كذا فعله عقيل عنه.
стр. 5515
وقوله: فكبر أربعًا، قد مرَّ استيفاء الكلام على ما قيل في عدد التكبير، وفي السلام في باب "الرجل ينعي إلى أهل الميت بنفسه".
رجاله ستة:
وفيه ذكر النجاشيّ، مرَّ محل مسدد والنجاشي في الذي قبله، ومحل الزهريّ وأبي هريرة في الذي قبله بحديثين، ومرَّ يزيد بن زُريع في السادس والتسعين من الوضوء ومرَّ معمر في متابعة بعد الرابع من بدء الوحي، ومرَّ سعيد المَقْبَريّ في الثاني والثلاثين من الإِيمان.
أخرجه التِّرْمِذِيّ والنَّسائيّ وابن ماجه في الجنائز.
الحديث السابع والسبعون
حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي مَنْ شَهِدَ النَّبِيَّ ﷺ : أَتَى عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ فَصَفَّهُمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا. قُلْتُ مَنْ حَدَّثَكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄.
هذا الحديث قد مرَّ في باب الإِذن بالجنازة، ومرَّ هناك محل استيفاء الكلام عليه، وتعريف الرجل الذي ﷺ ، صلى عليه.
رجاله أربعة:
وفيه مبهم، ثم بينه بأنه ابن عباس، وقد مرَّ الجميع، وفيه لفظ قبر منبوذ. مرَّ مسلم بن إبراهيم في السابع والثلاثين من الإِيمان, وشُعبة والشَّعبيّ في الثالث منه، ومرَّ أبو إسحاق الشيبانيّ في السابع من الحيض، وابن عباس في الخامس من بدء الوحي، وقد مرَّ الكلام على هذا الحديث في العاشر من الجنائز، ومرَّ هناك اسم صاحب القبر.
الحديث الثامن والسبعون
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ يَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : قَدْ تُوُفِّيَ الْيَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ مِنَ الْحَبَشِ فَهَلُمَّ فَصَلُّوا عَلَيْهِ. قَالَ فَصَفَفْنَا فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ وَنَحْنُ صُفُوفٌ.
стр. 5516
وفي هذا الحديث الكلام على الصلاة على الجنازة في المسجد، والصلاة على الغائب، وقد أشبعنا الكلام عليهما، وعلى جميع مباحث الحديث عند حديث أبي هريرة في باب "الرجل ينعي إلى أهل الميت بنفسه".
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ الثلاثة الأول بهذا النسق في الثالث من الحيض، ومرَّ عطاء بن أبي رباح في التاسع والثلاثين من العلم، ومرَّ جابر في الرابع من بدء الوحي.
فيه التحديث بصيغة الجمع، والإِخبار بالجمع والأفراد والسماع والقول، ورواته رازيّ ويمانيّ ومكيّان. أخرجه البخاري أيضًا في هجرة الحبشة، ومسلم في الجنائز، والنَّسائيّ في الصلاة.
ثم قال: قال أبو الزبير عن جابر: كنت في الصف الثاني، وهذا التعليق وصله النَّسائيّ من طريق شُعبة، ووهم من نسب وصل هذا التعليق لمسلم، فإنه أخرجه عن أبي الزبير، وليس فيه مقصود التعليق، وأبو الزبير مرَّ في متابعة بعد الثامن والخمسين من الجماعة. ثم قال المصنف:
стр. 5517
باب صفوف الصبيان مع الرجال في الجنائز
في رواية الكشميهنيّ "على الجنائز" أي: عند إرادة الصلاة عليها، وقد مرَّ الجواب عن الترجمة على الجنائز وإرادة الصلاة على القبر في الباب الذي قبله، ويأتي بعد ثلاث تراجم "باب صلاة الصبيان مع الناس"، وذكر فيه طرفًا من حديث ابن عباس المذكور، وكان ابن عباس في عهد النبي ﷺ دون البلوغ, لأنه شهد حجة الوداع وقد قارب الاحتلام، كما تقدم بيان ذلك في كتاب الصلاة.
الحديث التاسع والسبعون
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ عَنْ عَامِرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِقَبْرٍ قَدْ دُفِنَ لَيْلاً فَقَالَ مَتَى دُفِنَ هَذَا. قَالُوا الْبَارِحَةَ. قَالَ أَفَلاَ آذَنْتُمُونِي. قَالُوا دَفَنَّاهُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ. فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَا فِيهِمْ فَصَلَّى عَلَيْهِ.
هذا الحديث قد مرَّ قبل حديث، ومرَّ هناك أنه مرَّ استيفاء الكلام عليه.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرَّ موسى بن إسماعيل وابن عباس في الخامس من بدء الوحي، ومرَّ عبد الواحد في التاسع والعشرين من الإِيمان, ومرَّ الشَّعبيّ في الثالث منه، ومرَّ أبو إسحاق الشيبانيّ في السابع من الحيض، وصاحب القبر إِمّا أُم مِحْجَن، وقد مرت في الحادي والستين من استقبال القبلة، وإما طلحة بن البراء، وقد مرَّ في العاشر من الجنائز هذا. ثم قال المصنف:
стр. 5518
باب سنة الصلاة على الجنازة
قال الزين بن المنير: المراد بالسنة ما شرعه النبي ﷺ فيها، فهو أعم من الواجب والمندوب، ومراده بما ذكره هنا من الآثار والأحاديث، أن لها حكم غيرها من الصلوات والشرائط والأركان، وليست مجرد دعاء، فلا تجزىء بغير طهارة مثلًا، وسيأتي في أواخر الباب بسط ذلك. ثم قال: وقال النبي ﷺ : "مَنْ صلّى على جنازة" .. هذا طرفٌ من حديث يأتي موصولًا بعد باب بلفظ "مَنْ شهد الجنازة"، وهذا اللفظ عند مسلم من وجه آخر عن أبي هريرة، ومن حديث ثوبان أيضًا.
ثم قال: وقال: "صلوا على صاحبكم"، وهذا طرف من حديث لسلمة بن الأكوع، يأتي موصولًا في أوائل الحُوالة، أوَّله "كنا جلوسًا عند النبي ﷺ إذا أُتِيَ بجنازة، فقالوا: صل عليها، وقال: هل عليه دَيْنٌ .. الحديث".
ثم قال: وقال: صلوا على النجاشيّ، سماها صلاةً ليس فيها ركوع، ولا سجود ولا يتكلم فيها، وفيها تكبير وتسليم. وهذا قد مرَّ في باب الصفوف على الجنازة. وقوله: سماها صلاة، أي: يشترط فيها ما يشترط في الصلاة، وإن لم يكن فيها ركوع ولا سجود، فإنه لا يتكلم فيها، ويكبر فيها ويسلم منها بالاتفاق، وإن اختلف في عدد التكبير والتسليم، كما مرَّ ذلك مستوفى في باب الإِذن بالجنازة.
ثم قال: وكان ابن عمر لا يصلي إلا طاهرًا، ولا يصلي عند طلوع الشمس ولا غروبها، وهذا وصله مالك في الموطأ عن نافع بلفظ "إن ابن عمر كان يقول: لا يصل الرجل على الجنازة إلا وهو طاهر" ومرَّ ابن عمر في أول الإِيمان قبل ذكر حديث منه.
وقوله: ولا يصلى عند طلوع الشمس ولا غروبها، وهذا وصله سعيد بن منصور عن أيوب عن نافع قال: كان ابن عمر إذا سئل عن الجنازة بعد صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر، يقول: ما صلينا لوقتهما، "ما" في قوله "ما صلينا" ظرفية يدل عليه رواية مالك عن نافع قال: كان ابن عمر يصلي على الجنازة بعد الصبح والعصر إذا صلينا لوقتهما، ومقتضاه أنهما إذا أُخِّرتا إلى وقت الكراهة عنده، لا يصلي عليها حينئذ، ويبين ذلك ما رواه مالك أيضًا أن ابن عمر قال، وقد أُتي بجنازة بعد صلاة الصبح بغَلَس: إمّا أن تصلوا عليها وإما أن تتركوها حتى ترتفع الشمس. فكان ابن
стр. 5519
عمر يرى اختصاص الكراهة بما عند طلوع الشمس وعند غروبها, لا مطلق ما بين الصلاة وطلوع الشمس أو غروبها.
وروى ابن أبي شيبة عن ميمون بن مِهران قال: كان ابن عمر يكره الصلاة على الجنازة إذا طلعت الشمس، وحين تغرب، وقد تقدم ذلك عنه، وإلى قول ابن عمر في ذلك ذهب مالك والأوزاعيّ والكوفيون وأحمد وإسحاق. قلت: مشهور مذهب مالك أن الصلاة على الجنازة تباح بعد صلاة العصر إلى الاصفرار، وبعد صلاة الصبح إلى الإِسفار. وقول ابن عمر "وإما أن تتركوها حتى ترتفع الشمس" لا ينافيه.
ثم قال: ويرفع يديه، وصله البخاريّ في كتاب رفع اليدين المفرد عن نافع عن ابن عمر، أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة على الجنازة. وقد روي مرفوعًا. أخرجه الطبرانيّ في الأوسط من وجه آخر عن نافع عن ابن عمر بإسناد ضعيف. قلت: مشهور مذهب مالك ندب رفع اليدين عند التكبيرة الأولى، وهو خلاف الأوْلى عند غيرها.
وروي عن ابن القاسم أنه لا يرفع في شيء منها، وفي سماع أشهب "إن شاء رفع بعد الأُولى، وإن شاء ترك" ومذهب الحنفية كالمالكية: يرفع عند الأُولى فقط، واستدلوا بما أخرجه التِّرمذيُّ عن أبي هُريرة مرفوعًا "إذ صلّى على جنازة يرفع يديه في أول تكبيرة"، زاد الدارقطنيّ "ثم لا يعود". وعند الشافعية يستحب رفع اليدين عند كل تكبيرة من الأربع.
ثم قال: وقال الحسن: أدركت الناس، وأحقهم على جنائزهم من رَضُوه لفرائضهم، وهذا الأثر لم ير موصولًا، وقوله: من رضوه، في رواية الحمويّ والمستملي "من رضوهم" بصيغة الجمع، وفائدة أثر الحَسَنُ هذا بيانُ أنه نقل عن الذين أدركهم، وهم جمهور الصحابة، أنهم كانوا يلحقون صلاة الجنازة بالصلوات التي يجمع فيها.
وقد جاء عن الحسن أن أحق الناس بالصلاة على الجنازة الأب ثم الابن، أخرجه عبد الرزاق، وهي مسألة اختلاف بين أهل العلم، فروى ابن أبي شَيبة عن جماعة، منهم سالم والقاسم وطاوس، أن إمام الحيّ أحق. وقال علقمة والأسود وآخرون: الوالي أحق من الوَلِيّ، وهو قول مالك وأبي حنيفة والأوزاعي وأحمد وإسحاق. وقال أبو يوسف والشافعيّ الوَليُّ أحق من الوالي، ومذهب المالكية أنّ الأوْلى تقديم من أوصى الميت بالصلاة عليه, لأن ذلك من حق الميت إذ هو أعلم بمن يشفع له، إلا أن يعلم ذلك من الميت كان لعداوة بينه وبين الولي، وإنما أراد بذلك إنكاءه فلا تجوز وصيته، فإن لم يكن وصى فالخليفة مقدم على الأولياء، لا نائبه, لأنه لا يقدم على الأولياء إلا أن يكون صاحب الخطبة، فيقدم على المشهور، ثم أقرب العصبة، وعند الاستواء في القرابة يقدم
стр. 5520
أفضل الأولياء. وقد مرَّ الحسن البصريّ في الرابع والعشرين من الإِيمان.
ثم قال: وإذا أحدث يوم العيد أو عند جنازة، يطلب الماء ولا يتيمم، يحتمل أن يكون هذا الكلام معطوفًا على أصل الترجمة، ويحتمل أن يكون بقية كلام الحسن، وقد وجد عن الحسن في هذه المسألة اختلاف، فروى سعيد بن منصور عن كثير بن شِنْظِير قال: سُئل الحسن عن الرجل يكون في الجنازة على غير وضوء, فإن ذهب يتوضأ تفوته، قال: يتيمم ويصلي. وعن هُشَيم عن يونس عن الحسن مثله. وروى ابن أبي شيبة عن أشعث عن الحسن قال: لا يتيمم ولا يصلي على طهر، وقد ذهب جمع من السلف إلى أنه يجزىء لها التيمم لمن خاف فواتها لو تشاغل بالوضوء. وحكاه ابن المنذر عن عطاء وسالم والزهريّ والنخعيّ وربيعة والليث والكوفيين. وهو رواية عن أحمد، وفيه حديث مرفوع عن ابن عباس، رواه ابن عديّ، وإسناده ضعيف، وهذا هو مذهب أبي حنيفة، وقيده بأن يكون الوليّ غيره.
وعند مالك يتيمم الحاضر الصحيح العادم الماء، والخائف باستعماله ذوات الصلاة للجنازة المتعينة عليه، بأن لا يوجد متوضىء يصلى عليها. وقال الشافعيُّ وأبو ثَور: لا يتيمم، وقال ابن حبيب: الأمر فيه أوسع. ونقل ابن التين عن ابن وهب أنه يتيمم إذا خرج طاهرًا فأحدث، وإن خرج معها من غير طهارة لم يتيمم.
وأما التيمم لصلاة العيد فعند المالكية لا يجوز للحاضر الصحيح العادم الماء التيمم لها، ويجوز للمريض والمسافر، وكذلك عند الشافعيّ، لا يجوز التيمم لصلاة العيد أداء وبناء. قال النّوويّ: قاس الشافعيّ صلاة الجنازة والعيد على الجمعة، وقال: تفوت الجمعة بخروج الوقت بالإِجماع، والجنازة لا تفوت، بل يصلي على القبر إلى ثلاثة أيام بالإِجماع، ويجوز بعدها عندنا وعند الحنفية، إنْ كان قبل الشروع في صلاة العيد لا يجوز للإِمام, لأنه ينتظر، وأما المقتدي: فإنْ كان الماء قريبًا بحيث لو توضأ لا يخاف الفوت لا يجوز، وإلا فيجوز، فلو أحدث أحدهما بعد الشروع بالتيمم يتيمم، وإن كان الشروع بالوضوء وخاف ذهاب الوقت لو توضأ، فكذلك عند أبي حنيفة خلافًا لهما.
وفي المحيط: وإن كان بالوضوء وخاف زوال الشمس لو توضأ يتيمم بالإِجماع، وإلا فإن كان يرجو إدراك الإِمام، قبل الفراغ، لا يتيمم بالإِجماع، وألاَّ يتيمم ويبني عند أبي حنيفة. وقالا: يتوضأ ولا يتيمم، فمن المشائخ من قال: هذا اختلاف عصر وزمان، ففي زمن أبي حنيفة كانت الجَبَّانة بعيدة من الكوفة، وفي زمانهما كانوا يصلون في جبانة قريبة.
ثم قال: وإذا انتهى إلى الجنازة وهم يصلون، يدخل معهم بتكبيرة، هذا بقية من كلام الحسن
стр. 5521
أيضًا، أي: إذا انتهى الرجل إلى الجنازة، والحال أن الجماعة يصلون، يدخل معهم بتكبيرة، وقد وصله ابن أبي شيبة عن أشعث عن الحسن في "الرجل ينتهي إلى الجنازة وهم يصلون عليها، قال يدخل معهم بتكبيره".
وروي عن محمد بن سيرين قال: يكبر ما أدرك، ويقضي ما سبقه. وقال الحسن: يكبر ما أدرك ولا يقضي ما سبقه، وعند الحنفية: لو كبر الإِمام تكبيرة أو تكبيرتين لا يكبر الآتي حتى يكبر الإِمام تكبيرة أخرى عند أبي حنيفة ومحمد، ثم إذا كبر الإِمام يكبر معه، فإذا فرغ الإِمام كبر هذا الآتي ما فاته قبل أن يرفع الجنازة، وكذا الحكم عند المالكية، فإنه لا يكبر حال اشتغال الإِمام بالدعاء، حتى يكبر، فإن التكبيرات كالركعات، ولا يقضي ركعة كاملة في صلب الإِمام، وروى مُطرِف أنه يكبر حين يحضر، وبه قال، واختاره، ابن ... وابن رشد وسند من المتأخرين. وبه قال أبو يوسف. وعند المالكية يدعو المسبوق، إذا تركت له الجنازة، وإلا والى التكبير وسلم، لئلا يكون مصليًا على غائب.
ومذهب الشافعيّ أنه يكبر حين يحضر، وهو رواية عند أحمد، وهو قول الثّوريّ، ويستحب أن لا ترفع الجنازه حتى يتم المسبوق ما عليه، فلو رفعت لم يضر، قال القسطلاني: وتبطل بتخلفه عن إمامه بتكبيرة بلا عذر، بأن لم يكبر حتى كبر الإِمام المستقبلة، إذ الاقتداء هنا إنما يظهر في التكبيرات، وهو تخلف فاحش يشبه التخلف بركعة، وفي الشرح الصغير احتمال أنه كالتخلف بركن، حتى لا تبطل إلا بتخلفه بركنين. وخرج بالتقييد "بلا عذر" من عذر ببطء القراءة أو النسيان أو عدم سماع التكبير، فلا يبطل تخلفه بتكبيرة فقط، بل بتكبيرتين على ما اقتضاه كلامهم.
ثم قال: وقال ابن المسيب يكبِّر بالليل والنهار والسفر والحضر أربعًا. قال في "الفتح"، لم أره موصولًا عنه، ووجدت معناه بإسناد قويّ عن عقبة بن عامر الصّحبي. أخرجه ابن أبي شيبة عنه موقوفًا، وقد مرَّ ابن المسيب في التاسع عشر من الإِيمان.
ثم قال: وقال أنس التكبيرة الواحدة استفتاح الصلاة، وصله سعيد بن منصور عن زُريق بن كريم أنه قال لأنس بن مالك: رجل صلى فكبر ثلاثًا. قال أنس: أوليس التكبير ثلاثًا؟ قال: يا أبا حمزة التكبير أربعًا، قال: أجل، غير أن واحدة هي استفتاح الصلاة. وأنس مرَّ في السادس في الإِيمان.
ثم قال: وقال، ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ أي: وقال الله ، وهذا معطوف على أصل الترجمة، ثم قال: وفيها صفوف وإمام، وهذا معطوف على قوله "وفيها تكبير وتسليم". وقال مفلطاي: كأنّ البخاريّ أراد الرد على مالك، فإن ابن العربيّ نقل عنه أنه استحب كأن يكون المصلون على الجنازة سطرًا واحدًا، قال: ولا أعلم لذلك وجهًا، وقد تقدم حديث مالك
стр. 5522
ابن هبيرة في استحباب الصفوف في باب "الإِذن بالجنازة" عند حديث النجاشي.
وقال ابن رشيد، نقلًا عن ابن المُرابط وغيره ما محصله: مراد هذا الباب الرد على من يقول إن الصلاة على الجنازة إنما هي دعاء لها واستغفار، فتجوز على غير طهارة، فأوّلُ الرد عليه عند المصنف من جهة التسمية التي سماها رسول الله ﷺ صلاةً، ولو كان الفرض الدعاء وحده، لما أخرجهم إلى البقيع، ولدعا في المسجد، وأمرهم بالدعاء معه، أو التأمين على دعائه، ولما صفهم خلفه كما يصنع في الصلاة المفروضة والمسنونة، وكذا وقوفه في الصلاة وتبكيره في افتتاحها، وتسليمه في التحلل منها، كل ذلك دالٌّ على أنها على الأبدان لا على اللسان وحده، وكذا امتناع الكلام فيها، وإنما لم يكن فيها ركوع وسجود لئلا يتوهم بعض الجهلة أنها عبادة للميت، فيضل بذلك.
ونقل ابن عبد البرّ الاتفاق على اشتراط الطهارة لها، إلا عن الشعبيّ قال: ووافقه إبراهيم بن علية، وهو ممن يُرغب عن كثير من قوله، ونقل غيره أن ابن جرير الطبريّ وافقهما على ذلك، وهو مذهب شاذّ، قال ابن رشيد: وفي استدلال البخاريّ بالأحاديث التي صُدِّر بها الباب من تسميتها صلاة لمطلوبه من إثبات شرط الطهارة إشكال, لأنه كإن تمسك بالعُرف الشرعيّ عارضه عدم الركوع والسجود، وإن تمسك بالحقيقة اللغوية عارضته الشرائط المذكورة.
ولم يستو التبادر في الإطلاق، فيُدّعى الاشتراك لتوقف الإِطلاق على القيد عند إرادة الجنازة، بخلاف ذات الركوع والسجود، فتعين العمل على المجاز، ولم يستدل البخاري على مطلوبه بمجرد تسميتها صلاة، بل بذلك وبما انضم إليه من وجود جميع الشرائط، إلا الركوع والسجود، وقد تقدم ذكر الحكمة في حذفهما منها، ففي ما عداهما على الأصل، وقال الكرمانيّ غرض البخاريّ بيان جواز إطلاق الصلاة على صلاة الجنازة، وكونها مشروعة، وإن لم يكن فيها ركوع ولا سجود، فاستدل تارة بإطلاق اسم الصلاة والأمر بها، وتارة بإثبات ما هو من خصائص الصلاة، نحو عدم التكلم فيها، وكونها مختتمة بالتسليم، وعدم صحتها بدون الطهارة، وعدم أدائها عند الوقت المكروه، وبرفع اليد، وإثبات الأحقية بالإِمامة، وبوجوب طلب الماء، وبكونها ذات صفوف وإمام.
قال: وحاصله أن الصلاة لفظ مشترك بين ذات الأركان المخصوصة وبين صلاة الجنازة، وهو حقيقة شرعية فيهما. وقد قال بذلك غيره، ولا يخفى أن بحث ابن رشيد أقوى، ومطلوب المصنف حاصل، كما مرَّ بدون الدعوى المذكورة، بل بإثبات ما مرَّ من خصائصها.
стр. 5523
الحديث الثمانون
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ مَرَّ مَعَ نَبِيِّكُمْ ﷺ عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ فَأَمَّنَا فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ. فَقُلْنَا يَا أَبَا عَمْرٍو مَنْ حَدَّثَكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضى الله عنهما.
موضع الترجمة منه قوله "فأمَّنا فصففنا خلفه" وقد تقدم هذا الحديث في باب "الإِذن بالجنازة" ومرَّ هناك محل استيفاء الكلام عليه، ومرَّ هناك تعريف الرجل المصلّى عليه.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرَّ سليمان بن حرب في الرابع عشر من الإِيمان، ومرَّ شعبة وعامر الشَّعبيّ في الثالث منه، ومرَّ سليمان الشَّيبانيّ في السابع من الحيض، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي، وصاحب القبر طلحة بن البراء، وقد مرَّ في العاشر من الجنائز هذا. ثم قال المصنف:
стр. 5524
باب فضل اتباع الجنائز
قال ابن رشيد ما محصله: مقصود الباب بيان القدر الذي يحصل به مسمى الأتباع الذي يحوز به القيراط، إذ في الحديث الذي أورده إجمال، ولذلك صَدَّره بقول زيد بن ثابت، وآثر الحديث المذكور على الذي بعده، وإن كان أوضح منه في مقصوده، كعادته المألوفة في الترجمة على اللفظ المشكل، ليبين مجمله، وقد تقدم طرف من بيان ما يحصل به مسمى الاتباع في باب "السرعة بالجنازة"، وله تعلق بهذا الباب، وكأنه قصد هناك كيفية المشي وأمكنته، وقصد هنا ما الذي يحصل به الاتباع، وهو أعم من ذلك.
قال: ويمكن أن يكون قصد هنا ما الذي يحصل به المقصد إذ الاتِّباع إنما هو وسيلة إلى تحصيل الصلاة منفردة، أو الدفن منفردًا، أو المجموع. قال: وهذا كله يدل على براعة المؤلف، ودقة فهمه، وسعة علمه. وقد قال الزين بن المنير ما محصله: مراد الترجمة إثبات الأجر، والترغيب فيه لا تعيين الحُكْم, لأن الاتباع من الواجبات على الكفاية، فالمراد بالفضل ما ذكرنا، لا تقسيم الواجب، وأجمل لفظ الاتباع تبعًا للفظ الحديث الذي أورده, لأن القيراط لا يحصل إلاَّ لمن اتبع وصلى، أو اتّبع وشيّع، وحضر الدفن، لا لمن اتبع مثلًا، وشيع ثم انصرف بغير صلاة.
كما يأتي بيان الجمعة لذلك في الباب الذي يليه. وذلك لأن الاتباع إنما هو وسيلة لأحد مقصودين، إما الصلاة وإما الدفن، فإذا تجردت الوسيلة عن المقصد لم يحصل المرتب على المقصود، وإن كان يرجى أن يحصل لفاعل ذلك فضل ما بحسب نيته.
وروى سعيد بن منصور عن مجاهد قال: اتباع الجنازة أفضل النوافل. وفي رواية عبد الرزاق عنه: أتباع الجنازة أفضل من صلاة التطوع.
ثم قال: وقال زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه: إذا صليت فقد قضيت الذي عليك. وصله سعيد بن منصور عن عُروة عنه بلفظ "إذا صليتم على الجنازة، فقد قضيتم ما عليكم، فخلوا بينها وبين أهلها" وكذا أخرجه عبد الرزاق، لكن بلفظ "إذا صليت على جنازة فقد قضيت ما عليك"، ووصله ابن أبي شيبة من هذا الوجه بلفظ الإِفراد، ومعناه: فقد قضيت حق الميت، فإن أردت الاتباع فلك زيادة أجر. وزيد بن ثابت مرَّ في تعليق بعد الثاني والعشرين من كتاب الصلاة.
стр. 5525
ثم قال: وقال حميد بن هلال: ما علمنا على الجنازة إذنًا، ولكنَّ من صلى ثم رجع فله قيراط. قال في "الفتح": لم أره موصولًا عنه، قال الزين بن المنير: مناسبته للترجمة من حيث أن الاتِّباع إنما هو لمحض ابتغاء الفضل، وأنه لا يجري مجرى قضاء حق أولياء الميت، فلا يكون لهم فيه حق، ليتوقف الانصراف قبله على الإِذن منهم. وكأنّ كالبخاريّ قصد الرد على ما أخرجه عبد الرزاق عن عمرو بن شُعيب عن أبي هُريرة قال: "أميران وليسا بأميرين: الرجل يكون مع الجنازة يصلي عليها، فليس له أن يرجع حتى يَسْتأذن وَليّها .. " الحديث، وهذا منقطع موقوف، وأخرجه البَزّار عن جابر مرفوعًا، بإسناد فيه مقال "أميران وليسا بأميرين: المرأة تحج مع القوم فتحيض، والرجل يتبع الجنازة فيصلي عليها, ليس له أن يرجع حتى يستأمر أهل الجنازة".
وروى أحمد عن أبي هريرة مرفوعًا "من تبع جنازة فحمل من علوها، وحتى في قبرها، وقعد حتى يؤذن له رجع بقيراطين" وإسناده ضعيف، والذي عليه معظم أئمة الفتوى هو قول حُميد، وعند مالك يكره أن ينصرف عنها قبل الصلاة، ولو أذِن أهلها، ويكره بعد الصلاة إن لم يأذن له أهلها في الانصراف، أو يطولوا. وقد مرَّ حميد في التاسع من كتاب الجنائز هذا.
الحديث الحادي والثمانون
حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ سَمِعْتُ نَافِعًا يَقُولُ حُدِّثَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵃ يَقُولُ: مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ. فَقَالَ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَيْنَا. فَصَدَّقَتْ يَعْنِي عَائِشَةَ أَبَا هُرَيْرَةَ وَقَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُهُ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ. (فَرَّطْتُ) ضَيَّعْتُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ.
قوله: حُدِّث، بضم المهملة على البناء للمجهول، في جميع الطرق، ولم يبين في شيء من الطرق عن نافع تسمية من حَدّثَ ابنَ عمر عن أبي هريرة بذلك، وقد جاءت تسمية من حدث ابن عمر بذلك صريحًا في موضعين: أحدهما في صحيح مسلم، وهو خَبَّاب، بمعجمة وموحدتين. الأول مشددة، وهو أبو السائب المدنيّ صاحب المقصورة، قيل: له صحبة، ولفظه عن داود بن عامر بن سعد عن أبيه أنه كان قاعدًا عند عبد الله بن عمر إذ طلع خَبَّاب صاحب المقصورة، فقال: يا عبد الله بن عمر، ألا تسمع ما يقول أبو هريرة؟ فَذَكر الحديث، والثاني في جامع التِّرمذيّ عن أبي سلمة عن أبي هُريرة فذكر الحديث. قال أبو سلمة فذكرت ذلك لابن عمر، فأرسل إلى عائشة.
وقوله: إن أبا هُريرة يقول: من تبع .. لم يذكر فيه النبي ﷺ في جميع الطرق، لكن أخرجه أبو عُوانة في صحيحة عن موسى بن إسماعيل وعن أبي النعمان وعن شيبان، ثلاثتهم عن جرير بن
стр. 5526
حازم عن نافع، قيل لابن عمر: إن أبا هُريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من تبع جنازة فله قيراط من الأجر .. " فذكره، ولم يبين لمن السياق. وقد أخرجه مسلم عن شيبان بن فَرُّوخ كذلك. فالظاهر أن السياق له.
وقوله: من تبع جنازة فله قيراط، زاد مسلم في روايته "من الأجر" وقوله: أكثر علينا أبو هريرة، قال ابن التين: لم يتهمه ابن عمر، بل خشي عليه السهو، أو قال ذلك لكونه لم ينقل له عن أبي هريرة رفْعُه، فظن أنه قال برأيه، فأنكره. والثاني جمود على سياق رواية البخاري، وقد مرَّ قريبًا عن مسلم وأبي عُوانة رَفْعُه عن أبي هريرة.
وقال الكرمانيّ قوله أكثر علينا، أي: في ذكر الأجر أو في كثرة الحديث، كأنه خشي لكثرة رواياته أنْ يَشْتَبه عليه بعض الأمر. وعند سعيد بن منصور عن أبي سلمة "فبلغ ذلك ابن عمر، فتعاظمه" وفي رواية الوليد بن عبد الرحمن عند سعيد أيضًا ومسدد وأحمد بإسناد صحيح "فقال ابن عمر: يا أبا هريرة، انظر ما تحدث عن رسول الله ﷺ ".
وقوله: فصدقت، يعني عائشةُ أبا هُريرة، لفظ "يعني" للبخاري كأنه شك فاستعملها، وفي رواية مسلم "فبعث ابن عمر إلى عائشة يسألها، فصدقت أبا هريرة"، وفي رواية أبي سلمة عند التِّرمذيّ: فذُكر ذلك لابن عمر فأرسل إلى عائشة فسألها عن ذلك، فقالت: صدق. وفي رواية خَبّاب صاحب المقصورة عند مسلم "فأرسل ابن عمر خَبّابًا إلي عائشة يسأله عن قول أبي هريرة، ثم يرجع إليه فيخبره بما قالت، حتى رجع إليه الرسول فقال: قالت عائشة: صدق أبو هريرة.
وفي رواية الوليد بن عبد الرحمن عن سعيد بن منصور "فقام أبو هريرة فأخذ بيده فانطلقا حتى أتيا عائشة، فقال لها: يا أم المؤمنين، أنشدك الله، أسمعت رسول الله ﷺ يقول .. ؟ فذكره، فقالت: اللهم نعم. ويجمع بينهما بأن الرسول لما رجع إلى ابن عمر بخبر عائشة بلغ ذلك أبا هريرة فمشي إلى ابن عمر فأسمعه ذلك عن عائشة مشافهة.
وزاد في رواية الوليد "فقال أبو هريرة: لم يشغلني عن رسول الله ﷺ غرس الودِيّ ولا صَفْقٌ بالأسواق، وإنما كنت أطلب من رسول الله ﷺ أكلة يطعمنيها، أو كلمة يعلمنيها، قال له ابن عمر: كنت ألزمنا لرسول الله ﷺ ، وأعلمنا بحديثه". وقوله: لقد فرطنا في قراريط كثيرة، أي من عدم المواظبة على حضور الدفن، بيّن ذلك مسلم في روايته عن سالم بن عبد الله بن عمر، قال: كان ابن عمر يصلي على الجنازة ثم ينصرف، فلما بلغه حديث أبي هريرة قال: فذكره.
وفي هذه القصة دلالة على تميز أبي هريرة في الحفظ، وأن إنكار العلماء بعضهم على بعض
стр. 5527
قديمٌ، وفيه استغراب العالم ما لم يصل إلى علمه، وعدم مبالاة الحافظ بإنكار من لم يحفظ، وفيه ما كان الصحابة عليه من التثبت في الحديث النبويّ، والتحرز فيه والتنقيب عليه، وفيه دلالة على فضيلة ابن عمر من حرصه على العلم، وتأسفه ما فاته من العمل الصالح.
وقوله: "فرَّطْتُ، ضيعت من أمر الله"، كذا في جميع الطرق وفي بعض النسخ "فرطت من أمر الله، أي ضيعت"، وهو أشبه، وهذه عادة المصنف، إذا أراد تفسير كلمة غريبة من الحديث ووافقته كلمة من القرآن، فسر الكلمة التي من القرآن.
وهذا الحديث والذي بعده مرت مباحثهما مستوفاة غاية الاستيفاء في باب "اتّباع الجنائز من الإيمان، من كتاب الإيمان, إلا ما يتعلق بألفاظ يسيرة منهما، وقد تكلمنا على ما ذكر منها في هذا الحديث، ونتكلم على ما جاء في الذي بعده. قال في "الفتح": وقد جاء هذا الحديث من رواية عشرة من الصحابة غير أبي هريرة وعائشة، فمن حديث ثوبان عند مُسلم والبَراء وعبد الله بن مغفل عند النَّسائي، وأبي سعيد عند أحمد، وابن مسعود عند أبي عُوانة، وأسانيد هذه الخمسة صحاح، ومن حديث أُبيّ بن كعب عند ابن ماجه، وابن عباس عند البيهقيّ في الشعب، وأنس عند الطبرانيّ في الأوسط, وواثلة بن الأسْقَع عند ابن عَدِيّ، وحفصة عند حميد بن زَنْجويه في أفاضل الأعمال، وفي كل من أسانيد هؤلاء الخمسة ضَعْف.
رجاله ستة قد مرّوا، مرَّ أبو النعمان في الحادي والخمسين من الإيمان, وأبو هريرة في الثاني منه، وابن عمر في أوله قبل ذكر حديث منه، ومرَّ جرير بن حازم في السبعين من أحاديث استقبال القبلة، ومرَّ نافع في الأخير من العلم، ومرت عائشة في الثاني من بدء الوحي.
أخرجه البخاريّ أيضًا، ومسلم وأبو داود والتِّرمذيّ والنَّسائيّ وابن ماجة. ثم قال المصنف:
стр. 5528
باب من انتظر حتى تدفن
قال الزين بن المنير: لم يذكر المصنف جواب "من" إما استغناء بما ذكر في الخبر، أو توقفًا على إثبات الاستحقاق بمجرد الانتظار إن خلا عن اتباع. قال: وعدل عن لفظ الشهود كما هو في الخبر إلى لفظ الانتظار، لينبه على أن المقصود من الشهود إنما هو معاضدة أهل الميت، والتصدي لمعونتهم، وذلك من المقاصد المعتبرة.
والذي يظهر أنه اختار لفظ الانتظار, لأنه أعم من المشاهدة، فهو أكثر فائدة، وأشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه بلفظ الانتظار عند البزّار، ليفسر اللفظ الوارد بالمشاهدة، ولفظ الانتظار في رواية معمر عند مسلم، وقد ساق البخاري سندها, ولم يذكر لفظها، ووقعت هذه الطريق في بعض الروايات التي لم تتصل لنا عند البخاري في هذا الباب أيضًا.
الحديث الثاني والثمانون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ فَقَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا يُونُسُ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ شَهِدَ الْجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَ حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ. قِيلَ وَمَا الْقِيرَاطَانِ قَالَ مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ.
وقوله: عن أبيه، يعني أبا سعيد، وهو كَيْسان المَقْبَريّ، وهو ثابت في جميع الطرق، وحكى الكرمانيّ أنه ساقط من بعض الطرق، والصواب إثباته، نعم سقط لفظ "عن أبيه" في رواية ابن عَجلان عند أبي عُوانة، وعبد الرحمن بن إسحاق عند ابن أبي شيبة، وأبي مَعْشر عند حميد بن زَنْجويه، ثلاثتهم عن سعيد المَقْبَرِيّ، ولم يسق البخاري لفظ رواية أبي سعيد، ولفظه عند الإِسماعيليّ "أنه سأل أبا هُريرة ما ينبغي في الجنازة؟ فقال: سأخبرك بما قال رسول الله ﷺ ، قال:
стр. 5529
"من تبعها من أهلها حتى يصلّى عليها فله قيراطٌ مثل أُحد، ومن تبعها حتى يفرغ منها، فله قيراطان".
وقوله: وحدثني عبد الرحمن، هو معطوف على مقدر، أي: قال ابن شهاب: حدثني فلان بكذا، وحدثني عبد الرحمن الأعرج بكذا. وقوله: ومن شهد، كذا في جميع الطرق بحذف المفعول، وفي رواية البيهقيّ "ومن شهدها بإثباته"، وقوله: قيل: وما القيرطان؟ لم يعين في هذه الرواية القائل، ولا المقول له. وقد بيّن الثاني مسلم في رواية الأعرج كهذه، فقال: قيل: وما القيرطان يا رسول الله؟ وعنده في حديث ثَوبان: سُئِل رسول الله ﷺ عن القيراط، وبيّن القائل أبو عُوانة عن أبي مُزاحم عن أبي هريرة، ولفظه "قلت وما القيراط يا رسول الله". وعند مسلم أن أبا حازم أيضًا سأل أبا هُريرة عن ذلك، وقد مرَّ في الذي قبله ذكر المحل الذي استوفيت فيه مباحث هذا الحديث.
رجاله أربعة عشر:
لأنه رواه من ثلاث طرق, وقد مرَّ الجميع، مرَّ عبد الله بن مسلمة في الثاني عشر من الإيمان, ومرَّ سعيد المَقْبَريّ في الثاني والثلاثين منه، ومرَّ الأعرج في السابع منه، ومرَّ سعيد بن المسيَّب في التاسع عشر منه، ومرَّ عبد الله بن محمد الجُعْفِيّ، وأبو هريرة في الثاني منه، ومرَّ ابن أبي ذيب في الستين من العلم، ومرَّ أبو سعيد كيسان في السادس والعشرين من صفة الصلاة، ومرَّ هشام بن يوسف في الثالث من الحيض، ومرَّ معمر بن راشد ويونس بن يزيد في متابعات بعد الرابع من بدء الوحي، ومرَّ الزُّهرِيّ في الثالثة منه، ومرَّ أحمد بن شَبيب وأبوه في التاسع والثلاثين من الوضوء.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإفراد، والإِخبار بالجمع والقراءة والسؤال والعنعنة والقول، ورواته بصريون وأَيْليّ ومدنيون. الطريق الأولى لم يخرجها غيره من الستة، والثانية أخرجها مسلم في الجنائز، وكذا النَّسائيّ وابن ماجه، والثالثة أخرجها أيضًا مسلم والنَّسائيّ في الجنائز. ثم قال المصنف:
стр. 5530
باب صلاة الصبيان مع الناس على الجنائز
قد تقدم قبل هذه الترجمة بثلاثة أبواب باب "صفوف الصبيان مع الرجال في الجنائز" قال ابن رشيد: أفاد بالترجمة الأولى بيان كيفية وقوف الصبيان مع الرجال، وأنهم يصفون معهم لا يتأخرون عنهم، لقوله في الحديث الذي ساقه فيها "وأنا فيهم" وأفاد بهذه الترجمة مشروعية صلاة الصبيان على الجنائز، وهو، وإن كان الأول دل عليه ضمنًا، لكن أراد التنصيص عليه وأخر هذه الترجمة عن فضل اتباع الجنائز ليبين أن الصبيان داخلون في قوله "من تبع جنازة".
الحديث الثالث والثمانون
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا زَائِدَةُ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ عَامِرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْرًا، فَقَالُوا هَذَا دُفِنَ، أَوْ دُفِنَتِ الْبَارِحَةَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فَصَفَّنَا خَلْفَهُ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا.
هذا الحديث مرَّ في باب الإذن على الجنازة، ومرَّ هناك ذكر محل استيفاء الكلام عليه، ومرَّ هناك تعريف الرجل المصلى عليه.
رجاله ستة:
قد مرّوا، إلا يحيى، مرَّ يعقوب بن إبراهيم في السادس عشر من العلم، ومرَّ زائدة في الثاني والعشرين من الغُسل، ومرَّ أبو إسحاق الشيبانيّ في السابع من الحيض، ومرَّ عامر في الثالث من الإِيمان, ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي.
ويحيى هو ابن أبي بكير، واسمه نَسْر، بفتح النون، الأسَدِيّ القَيْسِيّ أبو زكرياء الكَرَمانيّ الأصل، سكن بغداد. قال أحمد: كان كيِّسًا، وكان يثنى عليه. وقال ابن مُعين وابن المِدينيّ: ثقة. وقال العجلي: كوفي ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حِبَّان في الثقات. روى عن حَرِيز بن عثمان وزائدة وإسرائيل وغيرهم. وروى عنه حفيده عبد الله بن محمد بن يحيى، ويعقوب بن إبراهيم وأبو بكر بن أبي شَيبة وغيرهم. مات سنة ثمان أو تسع ومئتين. ثم قال المصنف:
стр. 5531
باب الصلاة على الجنائز بالمصلى والمسجد
قال ابن رشيد: لم يتعرض المصنف لكون الميت بالمصلى أو لا, لأن المصلى عليه كان غائبًا، والحق حكم المصلى بالمسجد، بدليل ما تقدم في العيدين، وفي الحيض من حديث أم عطية، ويعتزل الحيض المصلى، فدل على أن للمصلى حكم المسجد فيما ينبغي أن يجتنب فيه، ويلحق به ما سوى ذلك، قلت: قد مرَّ عند حديث أم عطية في الحيض أن اعتزالهن للمصلى كان لما يرى في جلوسهن مع المصليات من الاستهانة بالصلاة، فاعتزلنه لهذا، لا لأجل إعطائه حكم المسجد، فلا يتم له ما قال. وقد تقدم الكلام على ما في قصة الصلاة على النجاشيّ غائبًا مستوفى في باب "الرجل ينعي إلى أهل الميت" عند حديث النجاشي هناك.
الحديث الرابع والثمانون
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ نَعَى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّجَاشِيَّ صَاحِبَ الْحَبَشَةِ، يَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَقَالَ اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ. وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَفَّ بِهِمْ بِالْمُصَلَّى فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا.
وقوله: وعن ابن شهاب، هو معطوف على الإِسناد المُصَدَّر به، والحديث مرَّ الكلام على جميع أبحاثه من التكبير والتسليم والصفوف والصلاة على الغائب، عند ذكره في الباب المذكور آنفًا.
رجاله سبعة:
قد مرّوا، مرت الأربعة الأُوَل بهذا النسق في الثالث من بدء الوحي، وأبو سلمة في الرابع منه، ومرَّ سعيد بن المسيب في التاسع عشر من الإِيمان, وأبو هريرة في الثاني منه.
стр. 5532
الحديث الخامس والثمانون
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا، فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا قَرِيبًا مِنْ مَوْضِعِ الْجَنَائِزِ عِنْدَ الْمَسْجِدِ.
قوله: موضع الجنائز عند المسجد، حكى ابن بطال عن ابن حبيب أن مصلى الجنائز بالمدينة كان لاصقًا بمسجد النبي ﷺ من ناحية جهة المشرق، فإنْ ثبت ما قال، وإلاّ فيحتمل أن يكون المراد بالمسجد هنا المصلى المتخذ للعيدين والاستسقاء, لأنه لم يكن عند المسجد النبوي مكان يتهيأ فيه الرجم، وسيأتي في قصة "ماعز فرجمناه" بالمصلى.
قلت: ما قاله ابن حبيب ثابت موجودٌ إلى الآن، معروف عند جميع أهل المدينة، وأما كون المراد بالمسجد المصلى المتخذ للعيدين والاستسقاء، فبعيدٌ لا يليق. قوله: قال في الفتح: دلَّ حديثُ ابن عمر المذكور على أنه كان للجنائز مكانٌ معد للصلاة عليها، فقد يستفاد منه أن ما وقع من الصلاة على بعض الجنائز في المسجد كان لأمر عارض، أو لبيان الجواز، قال: واستدل به على مشروعية الصلاة على الجنائز في المسجد، ويؤيده حديث عائشة: ما صلى رسول الله ﷺ على سُهيل بن بَيضاء إلاّ في المسجد. أخرجه مسلم، وبه قال الجمهور.
وقال مالك: لا يعجبني، وكرهه ابن أبي ذيب وأبو حنيفة وكل من قال بنجاسة الميت. وأما من قال بطهارته منهم فلخشية التلويث، وحملوا الصلاة على سُهيل بأنه كان خارج المسجد والمصلون داخله، وذلك جائز اتفاقًا، وفيه نظر. لأن عائشة استدلت بذلك لما أنكروا عليها أمرها بالمرور بجنازة سعد على حجرتها لتصلى عليه. قلت: "قوله جائز اتفاقًا" قد مرَّ أن المالكية لا فرق عندهم بين أن يكون الميت داخل المسجد أو خارجه، واحتج بعضهم بأن العمل استقر على ترك ذلك، لأن الذين أنكروا ذلك على عائشة كانوا من الصحابة، وَرُدَّ بأن عائشة لما أنكرت ذلك الإِنكار سلموا لها، فدل على أنها حفظت ما سلموه.
قلت: لا دلالة فيها، فقد يسكتون عنها تركًا للمجادلة، توقيرًا لها, ولكونها مجتهدة، وأما النسيان من هذا الجمع الغفير من الصحابة في المدة اليسيرة، فبعيد جدًا. وقد روى ابن أبي شَيبة وغيره أن عمر صلى على أبي بكر في المسجد، وأنّ صهيبًا صلى على عمر في المسجد، وزاد في رواية "ووضعت الجنازة في المسجد تِجاه المنبر" وهذا يقتضي الإجماع على جواز ذلك. قلت: لعل خصوصية الصلاة على هذين في المسجد إنما هي لأجل كونهما يدفنان في المسجد.
стр. 5533
وهذا الحديث ذكره البخاريّ هنا عن موسى بن عُقبة مختصرًا، وذكره مطولًا في كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة عن مالك، وها أنا أذكر الرواية الطويلة هنا، وأذكر جميع مباحثه هنا تتميمًا للفائدة.
ولفظ الطويلة، عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ ، فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأة زنيا فقال لهم رسول الله ﷺ : ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون، قال عبد الله بن سَلاَم: كذبتم، إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال كله عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما، فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة.
قوله: إن رجلًا منهم وامرأة زنيا، ذكر السهيليّ عن ابن العربيّ أن اسم المرأة بُسْرة، بضم الموحدة وسكون المهملة، ولم يسم الرجل. وذكر أبو داود السبب في ذلك عن الزّهري: سمعت رجلًا من مُزَينة ممن تبع العلم، وكان عند سعيد بن المسيب يحدث عن أبي هريرة قال: زنى رجل من اليهود بامرأة، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبي، فإنه بعث بالتخفيف، فإن أفتانا بفُتيا دون الرجم قبلناها، واحتججنا بها عند الله، وقلنا فُتْيا نبي من أنبيائك. قال: فأتوا النبي ﷺ ، وهو جالس في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم، ما ترى في امرأة ورجل زنيا منهم؟
ونقل ابن العربيّ عن الطبريّ والثعلبيّ عن المفسرين قالوا: انطلق قوم من قُرَيظة والنَّضير منهم كعب بن الأشرف وكعب بن أسَد وسعيد بن عمرو ومالك بن الصيف وغيرهم، فسألوا النبي ﷺ ، وكان رجل وامرأة من أشراف أهل خيبر زنيا، واسم المرأة بُسْرة، وكانت خيبر حينئذ حربًا، فقال لهم اسألوه، فنزل جبريل على النبي ﷺ ، فقال: اجعل بينك وبينهم ابن صُوريا، فذكر القصة مطولة.
ولفظ الطبريّ من طريق الزُّهريّ المذكورة، أن أحبار اليهود اجتمعوا في بيت المُدارس، وقد زنى رجل منهم بعد إحصانه بامرأة منهم قد أُحْصِنت، فذكر القصة، وفيها فقال: أخرجوا إليّ عبد الله بن صوريا الأعور، قال ابن إسحاق: ويقال إنهم أخرجوا معه أبا ياسر بن أحْطَب ووهب بن يهودا فخلا النبيّ ﷺ بابن صوريا، فذكر الحديث.
وعند مسلم عن البراء: مُرَّ على النبيِّ ﷺ بيهودي محممًا مجلودًا، فدعاهم، فقال: هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم. وهذا يخالف الأول من حيث أن فيه أنهم ابتدأوا السؤال قبل إقامة الحد، وفي هذا أنهم أقاموا الحد قبل السؤال، ويمكن الجمع بالتعدد بأن يكون الذين سألوا عنهما غير الذين جلدوه، ويحتمل أن يكونوا بادروا فجلدوه ثم بدا لهم فسألوا، فاتفق المرور
стр. 5534
بالمجلود في حال سؤالهم عن ذلك، فأمرهم بإحضارهما فوقع ما وقع.
ويؤيد الجمع ما عند الطبرانيّ عن ابن عباس، أن رهطًا من اليهود أتوا النبي ﷺ ، ومعهم امرأة فقالوا: يا محمد، ما أنزل عليك في الزنا؟ فيتجه أنهم جلدوا الرجل ثم بدا لهم أن يسألوا عن الحكم، فأحضروا المرأة، وذكروا القصة والسؤال. وفي رواية عُبيد الله العمري عن نافع عن ابن عُمر أنّ النبي ﷺ أُتي بيهوديّ ويهودية زنيا، ونحوه في رواية عبد الله بن دينار ولفظه "أحدثا" أي: فعلا فعلًا فاحشًا.
وقوله: ما تجدون في التوراة في شأن الرجم، قال الباجيّ: يحتمل أن يكون علم بالوحي أن حكم الرجم فيها ثابت على ما شرع، لم يلحقه تبديل، ويحتمل أن يكون إنما سألهم عن ذلك ليعلم ما عندهم فيه، ثم يتعلم صحة ذلك من قبل الله تعالى.
وقوله: فقالوا نفضحهم ويجلدون، أي: بفتح أول الأول وثالثه، من الفضيحة. وفي رواية أيوب عن نافع في التوحيد بيان الفضيحة ولفظه "قالوا نُسَخِّم وجوههما ونخزيهما" وفي رواية عن عبد الله بن عمر قالوا: نسود وجوههما ونُحَمِّمُهما ونخالف بين وجوههما ويُطاف بها. وفي رواية عبد الله بن دينار أن أحبارنا أحدثوا تحميم الوجه والتجبيه.
وقوله: أحدثوا: أي ابتكروا، وتحميم الوجه أنْ يصب عليه ماءٌ حارٌ مخلوطٌ بالرماد، والمراد تسخيم الوجنة بالحميم، وهو الفحم. وفي حديث أبي هُريرة "يحمم ويُجَبَّه ويجلد" والتجبيه بفتح المثناة وسكون الجيم وكسر الموحدة بعدها ياء آخر الحروف ساكنة ثم هاء، أصله من جَبَهت الرجل إذا قابلته بما يكره من الإغلاظ في القول أو الفعل، قاله ثابت في الدلائل. وقال عياض: فسر التجبيه في الحديث بأنهما يجلدان ويحمم وجوههما ويحملان على دابة مخالفًا بين وجوههما.
وقال المنذريّ يشبه أن يكون أصله الهمزة، وأنه التجبئة، وهي الرَّدْع والزجر، يقال: جَبَّأته تجبيئًا أي ردعته. والتجبئة أن ينكس رأسه فيحتمل، أن يكون من فعل به ذلك ينكس رأسه استحياءًا. فسمي ذلك الفعل تجبية.
وقيل: التجبية أن يضع اليدين على الركبتين وهو قائم، فيصير كالراكع، وكذا أن يكبَّ على وجهه باركًا كالساجد. وقال الفارابي: جبّأ، بفتح الجيم وتشديد الموحدة: قام قيام الراكع وهو عريان. قال الباجيّ: ظاهر الأمر أنهم قصدوا في جوابهم تحريف حكم التوراة. والكذب على النبي ﵊، إما رجاء أن يحكم بينهم بغير ما أنزل الله، وإما لأنهم قصدوا بتحكيمه التخفيف على الزانيين، واعتقدوا أن ذلك يخرجهم عما وجب عليهم، أو قصدوا اختيار أمره لأنه من المقرر أن من كان نبيًا لا يُقِرُّ على باطل، فطهر بتوفيق الله نبيَّه كذبهم، وصدقه ولله الحمد.
стр. 5535
وقوله: قال عبد الله بن سلام كذبتم، إن فيها الرجم، في رواية أيوب وعُبيد الله ابن عمر قال: فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين. وقوله: فَأتَوا بالتوراة بصيغة الفعل الماضي، وفي رواية أيوب: فجاؤوا، وزاد عُبَيد الله بن عمر "بها" فقرأوها. وفي رواية زيد بن أسلم "فأتى بها فنزع الوسادة من تحته، فوضع التوراة عليها ثم قال: آمنت بك، وبمن أنزلك" وفي حديث البراء عند مسلم "فدعا رجلًا من علمائهم، فقال: أنشدك بالله وبمن أنزله .. ".
وعند أبي داود عن جابر فقال: أئتوني بأعلم رجلين منكم، فأُتي بابن صوريا، زاد الطبريّ عن ابن عباس "إيتوني برجلين من علماء بني إسرائيل، فأتوه برجلين أحدهما شاب والآخر شيخ، قد سقط حاجباه على عينيه، من الكبر، ولابن أبي حاتم عن مجاهد: أن اليهود استفتوا رسول الله ﷺ في الزانين، فأفتاهم بالرجم، فأنكروا فأمرهم أن يأتوا بأحبارهم، فناشدهم فكتموه إلاَّ رجلًا من أصاغرهم، فقال: كذبوك يا رسول الله، إنه في التوراة. وقوله فوضع: أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، ونحوه في رواية عبد الله بن دينار، وفي رواية عُبيد الله بن عمر، فوضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم، فقرأ ما بين يديها وما وراءها. وفي رواية أيوب، فقالوا لرجل ممن يرضون: يا أعور، اقرأ، فقرأ حتى انتهى إلى موضع فوضع يده عليه، واسم هذا الرجل عبد الله بن صوريا، وقد وقع عند النقَّاش أنه أسلم، لكن ذكر مكيُّ في تفسيره أنه ارتد بعد أن أسلم.
وعند الطبري أن النبي ﷺ ، لما ناشده، قال: يا رسول الله، إنهم ليعلمون أنك نبيٌّ مرسل، ولكنهم يحسدونك. وقال في آخر الحديث: ثم كفر بعد ذلك ابن صوريا، ونزلت فيه ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾. الآية، وقوله: فإذا فيها آية الرجم، في رواية عبد الله بن دينار "فإذا آية الرجم تحت يده"، وفي حديث البراء "فحده الرجم، ولكنه في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الوضيع أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم".
ووقع بيان ما في التوراة من آية الرجم في رواية إبي هُريرة "المحصَن والمحصَنة إذا زنيا، فقامت عليهما البينة، رُجما، وإن كانت المرأة حُبلى تُرُبِّص بها حتى تضع ما في بطنها". وعند أبي داود عن جابر قالا: نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرحها، كالمِيل في المكحلة، رُجما. زاد البزّار "فإن وجدوا الرجل مع المرأة في بيت أو في ثوبها أو على بطنها فهي ريبة، وفيها عقوبة. قال: فما منعكما أن ترجموهما؟ قالا: ذهب سلطاننا، فكرهنا القتل".
وفي حديث أبي هُريرة "فما أول ما ارتخصتم أمر الله؟ قال: زنى ذو قرابة من الملك، فأخر عنه الرجم، ثم زنى رجل شريف، فأرادوا رجمه، فحال قومه دونه، وقالوا: ابدأ بصاحبك، فاصطلحوا على هذه العقوبة" وعند الطبرانيّ عن ابن عباس "أنّا كنّا شببة، وكان في نسائنا حُسن
следующие страницы →