← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 5531–5570 · переход к 5536.

стр. 5531

باب الصلاة على الجنائز بالمصلى والمسجد قال ابن رشيد: لم يتعرض المصنف لكون الميت بالمصلى أو لا, لأن المصلى عليه كان غائبًا، والحق حكم المصلى بالمسجد، بدليل ما تقدم في العيدين، وفي الحيض من حديث أم عطية، ويعتزل الحيض المصلى، فدل على أن للمصلى حكم المسجد فيما ينبغي أن يجتنب فيه، ويلحق به ما سوى ذلك، قلت: قد مرَّ عند حديث أم عطية في الحيض أن اعتزالهن للمصلى كان لما يرى في جلوسهن مع المصليات من الاستهانة بالصلاة، فاعتزلنه لهذا، لا لأجل إعطائه حكم المسجد، فلا يتم له ما قال. وقد تقدم الكلام على ما في قصة الصلاة على النجاشيّ غائبًا مستوفى في باب "الرجل ينعي إلى أهل الميت" عند حديث النجاشي هناك. الحديث الرابع والثمانون حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ نَعَى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّجَاشِيَّ صَاحِبَ الْحَبَشَةِ، يَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَقَالَ اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ. وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَفَّ بِهِمْ بِالْمُصَلَّى فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا. وقوله: وعن ابن شهاب، هو معطوف على الإِسناد المُصَدَّر به، والحديث مرَّ الكلام على جميع أبحاثه من التكبير والتسليم والصفوف والصلاة على الغائب، عند ذكره في الباب المذكور آنفًا. رجاله سبعة: قد مرّوا، مرت الأربعة الأُوَل بهذا النسق في الثالث من بدء الوحي، وأبو سلمة في الرابع منه، ومرَّ سعيد بن المسيب في التاسع عشر من الإِيمان, وأبو هريرة في الثاني منه.

стр. 5532

الحديث الخامس والثمانون حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا، فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا قَرِيبًا مِنْ مَوْضِعِ الْجَنَائِزِ عِنْدَ الْمَسْجِدِ. قوله: موضع الجنائز عند المسجد، حكى ابن بطال عن ابن حبيب أن مصلى الجنائز بالمدينة كان لاصقًا بمسجد النبي ﷺ من ناحية جهة المشرق، فإنْ ثبت ما قال، وإلاّ فيحتمل أن يكون المراد بالمسجد هنا المصلى المتخذ للعيدين والاستسقاء, لأنه لم يكن عند المسجد النبوي مكان يتهيأ فيه الرجم، وسيأتي في قصة "ماعز فرجمناه" بالمصلى. قلت: ما قاله ابن حبيب ثابت موجودٌ إلى الآن، معروف عند جميع أهل المدينة، وأما كون المراد بالمسجد المصلى المتخذ للعيدين والاستسقاء، فبعيدٌ لا يليق. قوله: قال في الفتح: دلَّ حديثُ ابن عمر المذكور على أنه كان للجنائز مكانٌ معد للصلاة عليها، فقد يستفاد منه أن ما وقع من الصلاة على بعض الجنائز في المسجد كان لأمر عارض، أو لبيان الجواز، قال: واستدل به على مشروعية الصلاة على الجنائز في المسجد، ويؤيده حديث عائشة: ما صلى رسول الله ﷺ على سُهيل بن بَيضاء إلاّ في المسجد. أخرجه مسلم، وبه قال الجمهور. وقال مالك: لا يعجبني، وكرهه ابن أبي ذيب وأبو حنيفة وكل من قال بنجاسة الميت. وأما من قال بطهارته منهم فلخشية التلويث، وحملوا الصلاة على سُهيل بأنه كان خارج المسجد والمصلون داخله، وذلك جائز اتفاقًا، وفيه نظر. لأن عائشة استدلت بذلك لما أنكروا عليها أمرها بالمرور بجنازة سعد على حجرتها لتصلى عليه. قلت: "قوله جائز اتفاقًا" قد مرَّ أن المالكية لا فرق عندهم بين أن يكون الميت داخل المسجد أو خارجه، واحتج بعضهم بأن العمل استقر على ترك ذلك، لأن الذين أنكروا ذلك على عائشة كانوا من الصحابة، وَرُدَّ بأن عائشة لما أنكرت ذلك الإِنكار سلموا لها، فدل على أنها حفظت ما سلموه. قلت: لا دلالة فيها، فقد يسكتون عنها تركًا للمجادلة، توقيرًا لها, ولكونها مجتهدة، وأما النسيان من هذا الجمع الغفير من الصحابة في المدة اليسيرة، فبعيد جدًا. وقد روى ابن أبي شَيبة وغيره أن عمر صلى على أبي بكر في المسجد، وأنّ صهيبًا صلى على عمر في المسجد، وزاد في رواية "ووضعت الجنازة في المسجد تِجاه المنبر" وهذا يقتضي الإجماع على جواز ذلك. قلت: لعل خصوصية الصلاة على هذين في المسجد إنما هي لأجل كونهما يدفنان في المسجد.

стр. 5533

وهذا الحديث ذكره البخاريّ هنا عن موسى بن عُقبة مختصرًا، وذكره مطولًا في كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة عن مالك، وها أنا أذكر الرواية الطويلة هنا، وأذكر جميع مباحثه هنا تتميمًا للفائدة. ولفظ الطويلة، عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ ، فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأة زنيا فقال لهم رسول الله ﷺ : ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون، قال عبد الله بن سَلاَم: كذبتم، إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال كله عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما، فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة. قوله: إن رجلًا منهم وامرأة زنيا، ذكر السهيليّ عن ابن العربيّ أن اسم المرأة بُسْرة، بضم الموحدة وسكون المهملة، ولم يسم الرجل. وذكر أبو داود السبب في ذلك عن الزّهري: سمعت رجلًا من مُزَينة ممن تبع العلم، وكان عند سعيد بن المسيب يحدث عن أبي هريرة قال: زنى رجل من اليهود بامرأة، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبي، فإنه بعث بالتخفيف، فإن أفتانا بفُتيا دون الرجم قبلناها، واحتججنا بها عند الله، وقلنا فُتْيا نبي من أنبيائك. قال: فأتوا النبي ﷺ ، وهو جالس في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم، ما ترى في امرأة ورجل زنيا منهم؟ ونقل ابن العربيّ عن الطبريّ والثعلبيّ عن المفسرين قالوا: انطلق قوم من قُرَيظة والنَّضير منهم كعب بن الأشرف وكعب بن أسَد وسعيد بن عمرو ومالك بن الصيف وغيرهم، فسألوا النبي ﷺ ، وكان رجل وامرأة من أشراف أهل خيبر زنيا، واسم المرأة بُسْرة، وكانت خيبر حينئذ حربًا، فقال لهم اسألوه، فنزل جبريل على النبي ﷺ ، فقال: اجعل بينك وبينهم ابن صُوريا، فذكر القصة مطولة. ولفظ الطبريّ من طريق الزُّهريّ المذكورة، أن أحبار اليهود اجتمعوا في بيت المُدارس، وقد زنى رجل منهم بعد إحصانه بامرأة منهم قد أُحْصِنت، فذكر القصة، وفيها فقال: أخرجوا إليّ عبد الله بن صوريا الأعور، قال ابن إسحاق: ويقال إنهم أخرجوا معه أبا ياسر بن أحْطَب ووهب بن يهودا فخلا النبيّ ﷺ بابن صوريا، فذكر الحديث. وعند مسلم عن البراء: مُرَّ على النبيِّ ﷺ بيهودي محممًا مجلودًا، فدعاهم، فقال: هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم. وهذا يخالف الأول من حيث أن فيه أنهم ابتدأوا السؤال قبل إقامة الحد، وفي هذا أنهم أقاموا الحد قبل السؤال، ويمكن الجمع بالتعدد بأن يكون الذين سألوا عنهما غير الذين جلدوه، ويحتمل أن يكونوا بادروا فجلدوه ثم بدا لهم فسألوا، فاتفق المرور

стр. 5534

بالمجلود في حال سؤالهم عن ذلك، فأمرهم بإحضارهما فوقع ما وقع. ويؤيد الجمع ما عند الطبرانيّ عن ابن عباس، أن رهطًا من اليهود أتوا النبي ﷺ ، ومعهم امرأة فقالوا: يا محمد، ما أنزل عليك في الزنا؟ فيتجه أنهم جلدوا الرجل ثم بدا لهم أن يسألوا عن الحكم، فأحضروا المرأة، وذكروا القصة والسؤال. وفي رواية عُبيد الله العمري عن نافع عن ابن عُمر أنّ النبي ﷺ أُتي بيهوديّ ويهودية زنيا، ونحوه في رواية عبد الله بن دينار ولفظه "أحدثا" أي: فعلا فعلًا فاحشًا. وقوله: ما تجدون في التوراة في شأن الرجم، قال الباجيّ: يحتمل أن يكون علم بالوحي أن حكم الرجم فيها ثابت على ما شرع، لم يلحقه تبديل، ويحتمل أن يكون إنما سألهم عن ذلك ليعلم ما عندهم فيه، ثم يتعلم صحة ذلك من قبل الله تعالى. وقوله: فقالوا نفضحهم ويجلدون، أي: بفتح أول الأول وثالثه، من الفضيحة. وفي رواية أيوب عن نافع في التوحيد بيان الفضيحة ولفظه "قالوا نُسَخِّم وجوههما ونخزيهما" وفي رواية عن عبد الله بن عمر قالوا: نسود وجوههما ونُحَمِّمُهما ونخالف بين وجوههما ويُطاف بها. وفي رواية عبد الله بن دينار أن أحبارنا أحدثوا تحميم الوجه والتجبيه. وقوله: أحدثوا: أي ابتكروا، وتحميم الوجه أنْ يصب عليه ماءٌ حارٌ مخلوطٌ بالرماد، والمراد تسخيم الوجنة بالحميم، وهو الفحم. وفي حديث أبي هُريرة "يحمم ويُجَبَّه ويجلد" والتجبيه بفتح المثناة وسكون الجيم وكسر الموحدة بعدها ياء آخر الحروف ساكنة ثم هاء، أصله من جَبَهت الرجل إذا قابلته بما يكره من الإغلاظ في القول أو الفعل، قاله ثابت في الدلائل. وقال عياض: فسر التجبيه في الحديث بأنهما يجلدان ويحمم وجوههما ويحملان على دابة مخالفًا بين وجوههما. وقال المنذريّ يشبه أن يكون أصله الهمزة، وأنه التجبئة، وهي الرَّدْع والزجر، يقال: جَبَّأته تجبيئًا أي ردعته. والتجبئة أن ينكس رأسه فيحتمل، أن يكون من فعل به ذلك ينكس رأسه استحياءًا. فسمي ذلك الفعل تجبية. وقيل: التجبية أن يضع اليدين على الركبتين وهو قائم، فيصير كالراكع، وكذا أن يكبَّ على وجهه باركًا كالساجد. وقال الفارابي: جبّأ، بفتح الجيم وتشديد الموحدة: قام قيام الراكع وهو عريان. قال الباجيّ: ظاهر الأمر أنهم قصدوا في جوابهم تحريف حكم التوراة. والكذب على النبي ﵊، إما رجاء أن يحكم بينهم بغير ما أنزل الله، وإما لأنهم قصدوا بتحكيمه التخفيف على الزانيين، واعتقدوا أن ذلك يخرجهم عما وجب عليهم، أو قصدوا اختيار أمره لأنه من المقرر أن من كان نبيًا لا يُقِرُّ على باطل، فطهر بتوفيق الله نبيَّه كذبهم، وصدقه ولله الحمد.

стр. 5535

وقوله: قال عبد الله بن سلام كذبتم، إن فيها الرجم، في رواية أيوب وعُبيد الله ابن عمر قال: فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين. وقوله: فَأتَوا بالتوراة بصيغة الفعل الماضي، وفي رواية أيوب: فجاؤوا، وزاد عُبَيد الله بن عمر "بها" فقرأوها. وفي رواية زيد بن أسلم "فأتى بها فنزع الوسادة من تحته، فوضع التوراة عليها ثم قال: آمنت بك، وبمن أنزلك" وفي حديث البراء عند مسلم "فدعا رجلًا من علمائهم، فقال: أنشدك بالله وبمن أنزله .. ". وعند أبي داود عن جابر فقال: أئتوني بأعلم رجلين منكم، فأُتي بابن صوريا، زاد الطبريّ عن ابن عباس "إيتوني برجلين من علماء بني إسرائيل، فأتوه برجلين أحدهما شاب والآخر شيخ، قد سقط حاجباه على عينيه، من الكبر، ولابن أبي حاتم عن مجاهد: أن اليهود استفتوا رسول الله ﷺ في الزانين، فأفتاهم بالرجم، فأنكروا فأمرهم أن يأتوا بأحبارهم، فناشدهم فكتموه إلاَّ رجلًا من أصاغرهم، فقال: كذبوك يا رسول الله، إنه في التوراة. وقوله فوضع: أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، ونحوه في رواية عبد الله بن دينار، وفي رواية عُبيد الله بن عمر، فوضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم، فقرأ ما بين يديها وما وراءها. وفي رواية أيوب، فقالوا لرجل ممن يرضون: يا أعور، اقرأ، فقرأ حتى انتهى إلى موضع فوضع يده عليه، واسم هذا الرجل عبد الله بن صوريا، وقد وقع عند النقَّاش أنه أسلم، لكن ذكر مكيُّ في تفسيره أنه ارتد بعد أن أسلم. وعند الطبري أن النبي ﷺ ، لما ناشده، قال: يا رسول الله، إنهم ليعلمون أنك نبيٌّ مرسل، ولكنهم يحسدونك. وقال في آخر الحديث: ثم كفر بعد ذلك ابن صوريا، ونزلت فيه ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾. الآية، وقوله: فإذا فيها آية الرجم، في رواية عبد الله بن دينار "فإذا آية الرجم تحت يده"، وفي حديث البراء "فحده الرجم، ولكنه في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الوضيع أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم". ووقع بيان ما في التوراة من آية الرجم في رواية إبي هُريرة "المحصَن والمحصَنة إذا زنيا، فقامت عليهما البينة، رُجما، وإن كانت المرأة حُبلى تُرُبِّص بها حتى تضع ما في بطنها". وعند أبي داود عن جابر قالا: نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرحها، كالمِيل في المكحلة، رُجما. زاد البزّار "فإن وجدوا الرجل مع المرأة في بيت أو في ثوبها أو على بطنها فهي ريبة، وفيها عقوبة. قال: فما منعكما أن ترجموهما؟ قالا: ذهب سلطاننا، فكرهنا القتل". وفي حديث أبي هُريرة "فما أول ما ارتخصتم أمر الله؟ قال: زنى ذو قرابة من الملك، فأخر عنه الرجم، ثم زنى رجل شريف، فأرادوا رجمه، فحال قومه دونه، وقالوا: ابدأ بصاحبك، فاصطلحوا على هذه العقوبة" وعند الطبرانيّ عن ابن عباس "أنّا كنّا شببة، وكان في نسائنا حُسن

стр. 5536

وَجه، فكثر فينا فلم يقم له، فصرنا نجلد" وقوله: فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما، زاد في حديث أبي هريرة، فقال النبي ﷺ "فإني أحكم بما في التوراة". وفي حديث البراء "اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه". وفي حديث جابر من الزيادة أيضًا "فدعا رسول الله ﷺ بالشهود، فجاء أربعة فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل المِيل في المكحلة، فأمر بهما فرجما". وقوله: فرأيت الرجل يحني، كذا في رواية السَّرْخسيّ، بالحاء المهملة بعدها نون مكسورة ثم تحتانية ساكنة، وعن المستملي والكشميهنيّ بجيم ونون مفتوحة ثم همزة. وقال ابن دقيق العيد: إنه الراجح، وفي رواية أيوب يُجانىء، بضم أوله وجيم مهموز. قال ابن عبد البر: الصواب يحني، أي: يميل. وجملة ما حصل لنا من الاختلاف في ضبط هذه اللفظة عشرة أوجه، هذه الثلاثة المذكورة. الرابع كالأول إلا أنه بالموحدة بدل النون، الخامس كالثاني إلا أنه بواو بدل الهمزة، السادس كالأول إلا أنه بالجيم، السابع بضم أوله وفتح المهملة وتشديد النون، الثامن يُجاني، التاسع مثله لكنه بالغاء بدل النون وبالجيم أيضًا. وفي بعض الروايات "فرأيت اليهودي أحنى عليها" بلفظ الفعل الماضي، أي كبّ عليها. يقال أحْنَت المرأة على ولدها حُنوًا وحنت بمعنى، وفي رواية أجنى بالجيم بدل الحاء، وهو بمعنى الذي بالمهملة، قال ابن القطاع: جَنَأ على الشيء: حنا ظهره عليه. وقال الأصمعي: أَحْنا الترس جعله مجَنَّاً: أي مُحْدودبًا. وقوله: يَقيها الحجارة، بفتح أوله ثم قاف، تفسير لقوله يحني، وفي رواية عبيد الله بن عمر "فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه" ولابن ماجه "يسترها" وعند الطبرانيّ عن ابن عباس "فلما وجد مس الحجارة قام على صاحبته يحني عليها، يقيها الحجارة، حتى قتلا جميعا"، فكان ذلك مما صنع الله تعالى لرسوله في تحقيق الزنا منهما. وفي الحديث من الفوائد وجوب الحد على الكافر الذميّ إذا زنى، وهو قول الجمهور، وفيه خلاف عند الشافعية، وذهل ابن عبد البر فنقل الاتفاق على أن شرط الإِحصان الموجب للرجم الإِسلامُ، وَرُدَّ عليه بأنَّ الشافعية وأحمد لا يشترطان ذلك، ويؤيد مذهبهما وقوع التصريح بأن اليهوديين اللذين قد رجما كانا قد أحْصِنا، كما مرَّ نقله، وقالت المالكية، ومعظم الحنفية وربيعة شيخ مالك: شرط الإِحصان الإِسلام، وأجابوا عن حديث الباب بأنه ﵊ إنما رجمهما بحكم التوراة، وليس هو من حكم الإِسلام في شيء، وإنما هو من باب تنفيذ الحكم

стр. 5537

عليهم بما في كتابهم، فإن في التوراة الرجم على المحصن وغير المحصن، قالوا: وكان ذلك أول دخول النبي ﷺ المدينة. وكان مأمورًا باتباع حكم التوراة، والعمل بها حتى ينسخ ذلك في شرعه، فرجم اليهوديين على ذلك الحكم، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ إلى قوله ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ ثم نسخ ذلك بالتفرقة بين من أُحصن ومن لم يحصَن. وفي دعوى الرجم على من لم يحصن نظرّ، لما مرَّ من رواية الطبريّ وغيره. وقال مالك: إنما رجم اليهوديين لأن اليهود يومئذ لم تكن لهم ذمة، فتحاكموا إليه، وتعقبه الطحاويّ بأنه لو لم يكن واجبًا ما فعله. قال: وإذا قام الحد على من لا ذمة له، فلأنْ يقيمه على من له ذمة أوْلى. وقال المازري: يعترض على جواب مالك بكونه رجم المرأة، وهو يقول: لا تقتل المرأة الحربية إلا إن أجاب أن ذلك كان قبل النهي عن قتل النساء. وأيد القرطبيّ أنهما كان حربيين، بما أخرجه الطبريّ فيما مرَّ، ولا حجة فيه, لأنه منقطع. قال القرطبيّ: ويعكر عليه أن مجيئهم سائلين يوجب لهم عهدًا، كما لو دخلوا لغَرضٍ كتجارة أو رسالة أو نحو ذلك، فإنهم في أمان إلى أن يردوا إلى مأمنهم، ولم ينفصل عن هذا إلا أن يقول: إن السائل عن ذلك ليس هو صاحب الواقعة، وقال النّوويّ: دعوى أنهما كانا حربيين باطلة، بل كانا من العهد، كذا قال. وسلّم بعض المالكية أنهما كانا من أهل العهد، واحتج بأن الحاكم مخير إذا تحاكم إليه أهل الذمة، بين أن يحكم فيهم بحكم الله وبين أن يُعرض عنهم، على ظاهر الآية. فاختار عليه الصلاة السلام في هذه الواقعة أن يحكم بينهم، وتعقب أن ذلك لا يستقيم على مذهب مالك, لأن شرط الإِحصان عنده الإِسلام، وهما كانا كافرين، وانفصل ابن العربيّ عن ذلك بأنهما كانا مُحَكّمين له في الظاهر، مُخْتَبرين ما عنده في الباطن، هل هو نبيٌّ حقٌ أو مسامح في الحق؟ وهذا لا يرفع الإِشكال، ولا يخلص عن الإِيراد. ثم قال ابن العربيّ في الحديث: إن الإِسلام ليس شرطًا في الإِحصان، والجواب بأنه إنما رجمهما لإِقامة الحجة على اليهود، فيما حكموه فيه من حكم التوراة، فيه نظر, لأنه كيف يقيم الحجة عليهم بما لا يراه في شرعه مع قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ قال: وأُجيب بأن سياق القضية ما قلناه، ومن ثمّ استدعى شهودهم ليقيم الحجة عليهم منهم، إلى أن قال: "والحق أحق أن يتبع" ولو جاؤوني لحكمت بينهم بالرجم، ولم اعتبر الإِسلام في الإِحصان. قلت: الحق في الجواب عندي هو أنه مخير في الحكم بينهم بما أنزل الله، وردهم إلى أساقفتهم. والحكم بما أنزل الله في المسلمين هو الرجم بعد الإِحصان، وهو ﵊ قد أمر بالحكم بينهم بحكم الإِسلام، مع علم الله تعالى بكفرهم، وقال ابن عبد البَر: حد الزنى

стр. 5538

حق من حقوق الله، وعلى الحاكم إقامته، وقد كان لليهود حاكم، وهو الذي حكَّم رسول الله ﷺ فيهما. وقول بعضهم: إن الزانيين حكّماه دعوى مردودة، واعترض بأن التحكيم لا يكون إلا لغير الحاكم، وأما النبي ﷺ فحكمه بطريق الولاية، لا بطريق التحكيم. وأجاب الحنفية عن رجم اليهوديين بأنه وقع بحكم التوراة ورواه الخَطَّابيّ بأن الله تعالى قال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ وإنما جاءه القوم سائلين عن الحكم عنده، كما دلت عليه الرواية المذكورة، فأشار عليهم بما كتموه من حكم التوراة، ولا جائز أن يكون حكم الإِسلام عنده مخالفًا لذلك, لأنه لا يجوز الحكم بالمنسوخ، فدل على أنه إنما حكم بالناسخ. وأما قوله في حديث أبي هُريرة "فإنّي أحكم بما في التوراة" ففي سنده رجل مبهم، ومع ذلك فلو ثبت لكان معناه لإِقامة الحجة عليهم، وهو موافق، ويؤيده أن الرجم جاء ناسخًا للجلد، ولم يقل أحد إن الرجم شرع ثم نسخ بالجلد، ثم نسخ الجلد بالرجم. وإذا كان الرجم باقيًا منذ شُرع، فما حكم عليهما بالرجم بمجرد حكم التوراة بل بشرعه الذي استمر حكم التوراة عليه، ولم يُقَدَّر أنهم بدّلوه فيما بدّلوا. وأما ما تقدم من أن النبي ﷺ رجمهما أول ما قدم المدينة، لقوله في بعض طرق القصة "لما قدم النبي ﷺ المدينة، أتاه اليهود" فالجواب أنه لا يلزم من ذلك الفور، ففي بعض طرقه الصحيحة, كما تقدم، أنهم تحاكموا إليه وهو في المسجد بين أصحابه، والمسجد لم يكمل بناؤه إلا بعد مدة من دخوله ﷺ المدينة، فبطل الفور، وأيضًا، ففي حديث عبد الله بن الحارث بن جَزْء أنه حضر ذلك، وعبد الله إنما قدم مع أبيه مسلمًا بعد فتح مكة. وقد تقدم حديث ابن عباس، وفيه ما يشعر بأنه شاهد ذلك، وفيه أن المرأة إذا أقيم عليها الحد تكون قاعدة، هكذا استدل به الطحاويّ، وقد اختلفوا في الحَفْر للمرجومة، فمن يرى أنه يحفر لها تكون في الغالب قاعدة في الحفرة، واختلافهم في إقامة الحد عليها قاعدةً أو قائمةً، إنما هو في الجلد، ففي الاستدلال بصورة الجلد على صورة الرجم نظرٌ لا يخفى. وفيه قبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، وزعم ابن العربيّ أن معنى قوله في حديث جابر "فدعا بالشهود" أي: شهود الإِسلام على اعترافهما. وقوله: فرجمهما بشهادة الشهود، أي: البينة على اعترافهما، وَرُدَّ هذا التأويل بقوله في نفس الحديث "أنهم رأوا ذكره في فرجها كالميل في المكحلة" وهو صريح في أن الشهادة بالمشاهدة لا بالاعتراف، وقال القرطبيّ: الجمهور على أن الكافر لا تقبل شهادته على مسلم، ولا على كافر، لا في حد ولا في غيره، ولا فرق بين السفر

стр. 5539

والحضر في ذلك، وقبل شهادتهم جماعة من التابعين وبعض الفقهاء، إذا لم يوجد مسلم، استثني أحمد حالة السفر إذا لم يوجد مسلم، وأجاب القرطبيّ عن الجمهور عن واقعة اليهود بأنه ﷺ نفّذ عليهم فاعلم أنه حكم التوراة، وألزمهم العمل به إظهارًا لتحريفهم كتابهم، وتغييرهم حكمه أو كان ذلك خاصًا بهذه الواقعة. كذا قال. والثاني مردود. وقال النّوويّ: الظاهر أنه رجمهما بالاعتراف، فإنْ ثبت حديث جابر، فلعل الشهود كانوا مسلمين، وإلا فلا عبرة بشهادتهم، ويعين أنهما أقرا بالزنى، ولم يثبت أن الشهود كانوا مسلمين، ويحتمل أن يكون الشهود أخبروا بذلك السؤال بقية اليهود لهم، فسمع النبي ﷺ كلامهم، ولم يحكم بينهم إلا مستندًا لما أَطْلعه الله تعالى عليه، فحكم في ذلك بالوحي، وألزمهم الحجة بينهم، كما قال تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ أو أن شهودهم شهدوا عليهم عند أحبارهم بما ذكر، فلما رفعوا الأمر إلى النبي ﷺ استعلم القصة على وجهها، فذكر كل من حضره من الرواة ما حفظه في ذلك، ولم يكن مستند حكم النبي ﷺ إلا ما أَطْلعه الله تعالى عليه. واستدل به بعض المالكية على أن المجلود يجلد قائمًا إن كان رجلًا، والمرأة قاعدة، لقول ابن عمر: رأيت الرجل يقيها الحجارة، فدل على أنه كان قائمًا وهي قاعدة، وتُعُقِّب بأنه واقعةُ عينٍ فلا دلالة فيه على أن قيام الرجل كان بطريق الحكم عليه بذلك، واستدل به على رجم المُحْصَن. وقد مرَّ البحث فيه مستوفى، وعلى الاقتصار على الرجم، ولا يضم إليه الجلد كذا، احتج به بعضهم، وفيه خلاف، لو احتج به لعكسه لكان أقرب, لأنه في حديث البراء عند مسلم أن الزاني جلد أولًا ثم رجم، لكن يمكن الانفصال عنه بأن الجلد الذي وقع له، لم يكن بحكم حاكم، وفيه أنَّ أَنْكِحَةَ الكفار صحيحة, لأن ثبوت الإِحصان فرع ثبوت صحة النكاح. وفيه أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، وفي أخذه من هذه القصة بعد، ولو سلم الأخذ يكون خاصًا بأهل الكتاب, لأنهم أخذوا بما في كتابهم، وفيه أن اليهود كانوا ينسبون إلى التوراة ما ليس فيها, ولو لم يكن مما أقدموا على تبديله، وإلا لكان في الجواب حَيْدة عن السؤال, لأنه سأل عما يجدون في التوراة، فعدلوا عن ذلك لما يفعلونه، وأوهموا أن فعلهم موافق لما في التوراة، فأكذبهم عبد الله بن سلام. وقد استدل به بعضهم على أنهم لم يسقطوا شيئًا من ألفاظها كما يأتي تحريره في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى. والاستدلال به لذلك غير واضح، لاحتمال خصوص ذلك بهذه الواقعة، فلا يدل ذلك على التعميم، وكذلك من استدل به على أن التوراة التي أُحضرت حينئذ كانت كلها صحيحة سالمة من التبديل, لأنه يطرقه هذا الاحتمال بعينه، ولا يريده قوله "آمنت بك وبمن أنزلك" لأن

стр. 5540

المراد أصل التوراة، وفيه اكتفاء الحاكم بترجمان واحد موثوق به، وسيأتي إن شاء الله بسطه في كتاب الأحكام. واستدل به على أن شرع من قبلنا شرعٌ لنا إذا ثبت ذلك لنا، بدليل كتابٍ أو حديثٍ صحيح، ما لم يثبت نسخه بشريعة نبينا أو نبيهم، وعلى هذا فيحمل ما وقع في قصتهم على أن النبي ﷺ علم أن هذا الحكم لم ينسخ من التوراة أصلًا. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرَّ إبراهيم بن المنذر في الأول من العلم، ومرَّ أبو ضمرة في الرابع عشر من الوضوء وموسى بن عقبة في الخاص منه، ونافع في الأخير من العلم وابن عمر في أول الإِيمان قبل ذكر حديث منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواته كلهم مدنيون، أخرجه البخاريّ أيضًا في التفسير، وفي الاعتصام ومسلم في الحدود، والنَّسَائي في الرجم. وفي الحديث لفظ رجل وامرأة من اليهود، ولم يسميا الخبيثان. ثم قال المصنف:

стр. 5541

باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور ترجم بعد ثمانية أبواب، باب بناء المسجد على القبر، قال ابن رشيد: الاتخاذ أعم من البناء، فلذلك أفرده بالترجمة، ولفظها يقتضي أن بعض الاتخاذ لا يكره، فكأنه يفصل بين ما إذا ترتبت على الاتخاذ مفسدة أم لا، وقال أيضًا: كأنه قصد بالترجمة الأُولى اتخاذ المساجد في المقبرة لأجل القبور، بحيث لولا تَجَدُّد القبر ما اتخذ المسجد، ويؤيده بناء المسجد في المقبرة على حدته، لئلا يحتاج إلى الصلاة، فيوجد مكان يصلى فيه سوى المقبرة، لذا نُحي به منحى الجواز. ثم قال: ولما مات الحسن بن الحسن بن عليّ رضي الله تعالى عنهم، ضربت امرأته القبة على قبره سنة، ثم رفعت، فسمعوا صائحًا يقول: ألا هل وجدوا ما فقدوا؟ فأجابه الآخر: بل يئسوا فانقلبوا. يأتي تعريف الحسن بن الحسن وامرأته قريبًا، والقبة الخيمة، فقد جاء في موضع آخر بلفظ "الفسطاط" كما عند المحامليّ وابن أبي الدنيا، ومناسبة هذا الأثر لحديث الباب هي أن المقيم في الفسطاط لا يخلو من صلاة هناك، فيلزم اتخاذ المسجد عند القبر، وقد يكون القبر في جهة القبلة، فتزداد الكراهة. وقال ابن المنير: إنما ضربت الخيمة هناك للاستماع بالميت بالقرب منه تعليلًا للنفس، وتخييلًا باستصحاب المألوف من الإِنس، ومكابرة للحس، كما يتعلل بالوقوف على الأطلال البالية، ومخاطبة المنازل الخالية، فجاءتهم الموعظة على لسان الهاتفين، بتقبيح ما صنعوا، وكأنهما من الملائكة أو من مؤمني الجن. وإنما ذكره البخاريّ لموافقته للأدلة الشرعية لا أنه دليل بنفسه، وكره أحمد أنْ بَضرب على القبر فُسطاطًا، وأوصى إبراهيم مرة أن لا تضربوا على قبري فُسطاطًا. وقال ابن حبيب: ضربه على قبر المرأة أفضل من ضربه على قبر الرجل، وضرب عمر رضي الله تعالى عنه على قبر زينب بنت جحش، وضربت عائشة على قبر أخيها عبد الرحمن، فنزعه ابن عمر، وضرب محمد بن الحَنفية على قبر ابن العَبّاس، وقال ابن حبيب: أراه في اليوم واليومين والثلاثة واسعًا إذا خيف من نبش وغيره. وممن كره ضربه على قبر الرجل ابنُ عمر وأبو سعيد وابن المسيب.

стр. 5542

والحسن هو ابن الحسن بن عليّ بن أبي طالب، وله ولد اسمه الحسن، فهم ثلاثة، ذكره ابن حبان في الثقات، وهو أخو إبراهيم بن محمد بن طلحة لأمه، وكان وَصِيَّ أبيه، ووليّ صدقة عليّ في عصره، روى عنه أولاده إبراهيم وعبد الله والحسن وابن عمه الحسن بن محمد بن علي وغيرهم. وروى هو عن أبيه وعبد الله بن جعفر وغيرهما. مات سنة سبع وتسعين. روى له النَّسائيّ حديثًا واحدًا في كتاب الفرج، وولده الحسن بن الحسن بن الحسن بن عليّ له عند ابن ماجه حديث واحد، فيمن بات وفي يده ريح غمر. قال ابن سعد: كان قليل الحديث، وذكره ابن حِبّان في الثقات، قال الفضيل بن مرزوق: سمعته يقول لرجل ممن يغلو فيهم: ويحكم أحَبّونا لله، فإنْ أطعنا الله، فأحِبونا وأن عصينا الله فأَبْغِضونا، لو كان الله نافعًا بقرابة النبي ﷺ ، بغير عمل بطاعته، لنفع أقرب الناس إليه أباه وأمه. وقالت أمه فاطمة بنت الحسين لهشام، لما سألها عن ولدها: أما الحسن فهو لساننا، روى عن أبيه وأمه، وروى عنه فضيل بن مرزوق وعمرو بن الوسيم الجمال وعمر بن شبيب المسلي. مات في حبس المنصور سنة خمس وأربعين ومئة وهو ابن ثمان وستين سنة. وامرأته المذكورة في الأثر، المراد بها فاطمة بنت الحسين بن عليّ بن أبي طالب، الهاشمية المدنية، أما أم إسحاق بنت طلحة تزوجها ابن عمها الحسن بن الحسن بن عليّ، ثم تزوجها بعده عبد الله بن عمر بن عثمان، ذكرها ابن حِبّان في الثقات، روت عن أبيها، وأخيها زين العابدين، وعمتها زينب بنت عليّ وغيرهم، وروى عنها أولادها عبد الله وإبراهيم وحسين وأم جعفر بنو الحسين بن الحسن وغيرهم. ماتت وقد قاربت التسعين. الحديث السادس والثمانون حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ شَيْبَانَ عَنْ هِلاَلٍ هُوَ الْوَزَّانُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدًا. قَالَتْ وَلَوْلاَ ذَلِكَ لأَبْرَزُوا قَبْرَهُ غَيْرَ أَنِّي أَخْشَى أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. قوله: مسجدًا، في رواية الكشميهنيّ "مساجد" وقوله "لابرز قبره" أي: لكشف قبر النبي ﷺ ، ولم يتخذ عليه الحائل، والمراد الدفن خارج بيته، وهذا قالته عائشة قبل أن يوسع المسجد النبوي، ولهذا لما وسع المسجد. جعلت حجرتها مثلثة الشكل محددة، حتى لا يتأتى لأحد أن يصلي إلى جهة القبر مع استقبال القبلة.

стр. 5543

وقوله: غير أني أخشى، كذا هنا، وفي رواية أبي عُوانة الآتية في أواخر الجنائز "غير أنه خَشيَ أو خُشي" على الشك هل هو بفتح الخاء المعجمة أو ضمها. وفي رواية مسلم "غير أنه خُشي" بالضم لا غير. فرواية الباب تقتضي أنها هي التي امتنعت من إبرازه، ورواية الضم مبهمة يمكن أن تفسر بهذه، والهاء ضمير الشأن، وكأنها أرادت نفسها، ومن وافقها على ذلك، وذلك يقتضي أنهم فعلوه باجتهاد، بخلاف رواية الفتح، فإنها تقتضي أن النبي ﷺ هو الذي أمرهم بذلك. قال الكرماني: مفاد الحديث منع اتخاذ القبر مسجدًا، ومدلول الترجمة اتخاذ المسجد على القبر، ومفهومهما متغاير، ويجاب بأنهما متلازمان، وإن تغاير المفهوم، وهذا الحديث مرت مباحثه في باب "هل تنبش قبور المشركين من أبواب المساجد" وقد مرَّ هناك أن المنع من ذلك إنما يكون حال خشية أن يصنع بالقبر كما صنع أولئك الذين لعنوا، وأما إذا أُمن ذلك فلا امتناع. وقد يقول بالمنع مطلقًا من يرى سد الذريعة، وهو هنا متجه قويّ. رجاله خمسة: قد مرّوا، إلا هلالًا، مرَّ عبيد الله بن موسى في الأول من الإِيمان ومرَّ شَيبان في الثالث والخمسين من العلم، ومرَّ عُروة وعائشة في الثاني من بدء الوحي. وهلال هو ابن أبي حميد، ويقال ابن حميد، ويقال ابن عبد الله، ويقال ابن عبد الرحمن، ويقال ابن مِقْلاص الجُهَنيّ، مولاهم أبو عمرو، ويقال أبو أُمية، ويقال أبو الجَهم الكوفيّ الصَّيْرفِيّ الجهبذ الوَزان. قال ابن مُعين والنَّسائيّ: ثقة، وقال أبو داود: لا بأس به، وقال سفيان: كان هلال شيخًا قد كبر، وكان يكتب على البيدر كل شهر بعشرة دراهم، وذكره ابن حِبّان في الثقات، ولكنه فرق بين هلال بن عبد الرحمن وهلال بن مِقلاص وهلال بن أبي حميد، وأشار البخاريّ إلى أن هلال بن أبي حميد أصح. وقال وكيع: هلال بن حميد، ومرة هلال بن عبد الله، ولا يصح. روى عن عُروة بن الزبير وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن عكيم، وروى عنه مِسْعر وإسرائيل وشيبان وغيرهم. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة، ورواته بصريّ وكوفيان ومدنيّ. أخرجه البخاري في الجنائز وفي المغازي، ومسلم في الصلاة. ثم قال المصنف:

стр. 5544

باب الصلاة على النفساء إذا ماتت في نفاسها وقع في نسخة "من" بدل "في" أي في مدة نَفَاسها، أو بسبب نَفَاسها، والأول أعم، من جهة أنه يدخل فيه من ماتت منه، أو من غيره. والثاني أليق بخبر الباب، فإن في بعض طرقه أنها ماتت حاملًا، قال الزين بن المنير غيره: المقصود بهذه أن النُّفَساء وإن كانت معدودة من جملة الشهداء، فإن الصلاة عليها مشروعة، بخلاف شهيد المعركة. الحديث السابع والثمانون حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا، فَقَامَ عَلَيْهَا وَسَطَهَا. وهذا الحديث مرَّ الكلام عليه عند ذكره في باب الصلاة على النفساء من كتاب الحيض. رجاله خمسة: قد مرّوا، وفيه لفظ امرأة مبهمة، مرَّ مسدد في السادس من الإِيمان, ومرَّ يزيد بن زُريع في السادس والتسعين من الوضوء, ومرَّ عبد الله بن بُرَيدة وسمرة في الخامس والثلاثين من الحيض، ومرَّ حُسين المعلم في السادس من الإِيمان. والمرأة المبهمة قد مرّت في حديث سمرة المارّ في الحيض أنها أُم كعب الأنصارية، ومرَّ هناك الكلام على هذا الحديث. ثم قال المصنف:

стр. 5545

باب أين يقوم من المرأة والرجل أورد فيه حديث سمرة المذكور من وجه آخر عن حسين المعلم. الحديث الثامن والثمانون حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ قال حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا فَقَامَ عَلَيْهَا وَسَطَهَا. فيه مشروعية الصلاة على المرأة، فإن كونها نُفَساء وصف غير معتبر، وأما كونها امرأة فيحتمل أن يكون معتبرًا، فإن القيام عليها عند وسطها لسترها، وذلك مطلوب في حقها، بخلاف الرجل إلى آخر ما مرَّ مستوفى في الباب المذكور آنفًا، وحكى ابن رشيد عن ابن المرابط أنه أبدى لكونها نفساء علةً مناسبة، وهي استقبال جَنينها ليناله من بركة الدعاء، وتعقب بأن الجنين كعضو منها، ثم هو لا يصلّى عليه، إذا انفرد، وكان سقطًا، فأحرى إذا كان باقيًا في بطنها أن لا يُقصد. وروى عطاء بن السائب أن عبد الله بن معقل بن مقرن أُتي بجنازة رجل وامرأة، فصلى على الرجل، ثم صلى على المرأة. أخرجه ابن شاهين في الجنائز له، وهو مقطوع، فإن عبد الله تابعيّ. رجاله خمسة: قد مرّوا. مرَّ عمران بن مَيْسرة في الثاني والعشرين من العلم، ومرَّ عبد الوارث في السابع عشر منه، ومرَّ محل الثلاثة الباقية في الذي قبله. ثم قال المصنف:

стр. 5546

باب التكبير على الجنازة أربعًا قال الزين بن المنير: أشار بهذه الترجمة إلى أن التكبير لا يزيد على أربع، ولذلك لم يذكر ترجمة أخرى، ولا خبرًا في الباب، وقد مرَّ الكلام على التكبير والتسليم مستوفى عند حديث النجاشي، في باب الرجل "ينعي إلى أهل الميت بنفسه". ثم قال: وقال حميد: صلى بنا أنس فكبر ثلاثًا، ثم سلم، فقيل له، فاستقبلَ القبلة ثم كبر أربعًا، فسلم. قال في الفتح: لم أره موصولًا من طريق حميد، ووصله عبد الرزاق من طريق قتادة، وقد مرَّ حميد الطويل في الثاني والأربعين من الإِيمان, ومرَّ أنس في السادس من الإِيمان. الحديث التاسع والثمانون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ. هذا الحديث والذي بعده مرَّ الكلام عليهما عند ذكر هذا في الباب المذكور آنفًا. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرَّ عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ ابن شهاب في الثالث منه، ومرَّ ابن المسيب في التاسع عشر من الإِيمان، وأبو هريرة في الثاني منه، والنجاشيّ في الثامن من الجنائز. الحديث التسعون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيِّ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا.

стр. 5547

رجاله أربعة: مرَّ منهم محمد بن سنان في الأول من العلم، وجابر في الرابع من بَدء الوحي، والباقي اثنان: الأول سَلِيم، بفتح السين، ابن حَيّان بفتح الحاء وتشديد التحتانية ابن بُسطام الهُذَلِيّ البصريّ، ذكره ابن حِبّان في الثقات. وقال أحمد وابن مُعين والنَّسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: ما به بأس، روى عن أبيه وسعيد بن مِيناء وعمرو بن دينار وغيرهم. وروى عنه ابنه عبد الرحمن وعبد الرحمن بن مهديّ ويحيى القطّان وغيرهم. الثاني سعيد بن مِيناء، بكسر الميم، المَكّي، ويقال، المدني، أبو الوليد، مولى البُخْتُرِي بن أبي ذياب، ذكره ابن حِبّان في الثقات. وقال ابن مُعين وأبو حاتم: ثقة، وكذا قال النَّسَائي، وقال أبو داود: مكيّ، ورفعه، روى عن عبد الله بن الزبير وجابر وأبي هريرة وغيرهم. وروى عنه حنظلة بن أبي سفيان وسَليم بن حيّان وأيوب السَّخْتياني وغيرهم. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة، وشيخه من أفراده، وليس في الصحيحين سَليم، بفتح السين، غير سليم بن حيّان هذا. أخرجه مسلم في الجنائز. ثم قال: وقال يزيد بن هارون وعبد الصمد عن سليم "أصحمة"، يعني بإسناده إلى جابر، وفي رواية المستملي "وقال يزيد عن سَليم أصحمة، وتابعه عبد الصمد، وتعريف أصحمة، وما قيل في ضبطه، مرَّ في الحديث السابق في الترجمة المذكورة، أي: في سنده، ورواية يزيد وصلها المؤلف في هجرة الحبشة، ورواية عبد الصمد وصلها الإسماعيليّ، ويزيد بن هارون قد مرَّ في الخامس عشر من الوضوء, ومرَّ عبد الصمد في السادس والثلاثين من العلم. ثم قال المصنف:

стр. 5548

باب قراءة فاتحة الكتاب على الجنازة أي: مشروعيتها، وهي من المسائل المختلف فيها، ونقل ابن المنذر عن ابن مسعود والحسن بن علي وابن الزبير والمُسَوّر بن مَخْرَمة مشروعيتها، وبه قال الشافعيّ وأحمد وإسحاق، ونُقل عن أبي هُريرة وابن عمر: ليس فيها قراءة، وهو قول مالك، والكوفيين وفيهم أبو حنيفة. وكان عمر لا يقرأ فيها، وينكر على من يقرأ، وكذا علي بن أبي طالب. قال مالك: قراءة الفاتحة ليس معمولًا بها في بلدنا في صلاة الجنازة. وقال ابن مسعود: لم يؤقت فيها النبي ﷺ قولًا ولا قراءة، ولأن ما لا ركوع فيه لا قراءة فيه، كسجود التلاوة، واستدل الطحاويّ على ترك القراءة في الأولى بتركها في باقي التكبيرات، وبترك التشهد. وقال: لعل قراءة من قرأ الفاتحة من الصحابة كان على وجه الدعاء، لا على وجه التلاوة. ثم قال: وقال الحسن: يقرأ على الطفل بفاتحة الكتاب، يقول: اللهم اجعله لنا سلفًا وفَرَطًا وأجرًا، وروى عبد الرزاق والنَّسائيّ عن أبي أُمامة بن سَهل بن حُنيف قال: السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر ثم يقرأ بأم القرآن، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يخلص الدعاء للميت، ولا يقرأ إلا في الأولى، وإسناده صحيح. وقوله: سَلَفا، بتحريك اللام، أي متقدمًا إلى الجنة لأجلنا. وقوله: فرَطَا بالتحريك، وهو الذي يتقدم الواردة فَيُهَيِّىء لهم أسباب النزول. وأثر الحسن هذا وصله عبد الوهاب بن عطاء في كتاب الجنائز له، عن سعيد بن أبي عَروبة، والحسن هو البصريّ، وقد مرَّ في الرابع والعشرين من الإِيمان. الحديث الحادي والتسعون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدٍ عَنْ طَلْحَةَ. قَالَ صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما

стр. 5549

عَلَى جَنَازَةٍ فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ قَالَ لِيَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ. وقوله: لتعلموا أنها سنة، ليس في حديث الباب بيان محل قراءة الفاتحة، وقد وقع التصريح به في حديث جابر، أخرجه الشافعيّ، بلفظ "وقرأ بأم القرآن بعد التكبيرة الأولى" أفاده زين الدّين العراقي في شرح التِّرمذي، وقال: إن سنده ضعيف، نعم يجوز تأخيرها إلى التكبيرة الثانية. كما ذكره الرافعيّ والنوويّ عن حكاية الرويانيّ وغيره له عن النص بعد نقلهما المنع عن الغزالي، وجزم به في المنهاج، والمجموع ولم يخص الثانية، والدعاء في الثالثة يلزم خلو الأولى عن ذكر والجمع بين ركنين في تكبيرة واحدة. والذي قال الجمهور تعيُّن الفاتحة في الأولى، وبه جزم النوويّ في "التبيان"، وهو ظاهر نصين نقلهما في شرح المهذب. وقال الأذرعيّ: وظاهر نصوص الشافعيّ والأكثرين تعيينها في الأولى، وقوله: إنها سنة أي: طريقة للشارع، فلا ينافي كونها واجبة، قال الإِسماعيليّ: جمع البخاري بين روايتي شعبة وسفيان وسياقهما مختلف. فأما رواية شعبة فقد أخرجها ابن خُزيمة في صحيحه والنَّسائيّ جميعًا، عن محمد بن بشار، بلفظ "فأخذتُ بيده فسألتُه عن ذلك فقال: نعم يا ابن أخي، إنه حق وسنة" وللحاكم عن شعبة "فسألته فقلت: يقرأ؟ قال: نعم، إنه حق وسنة" وأما رواية سُفيان فأخرجها التِّرمِذِيّ عنه بلفظ "فقال إنه من السنة أو من تمام السنة". وأخرجه النَّسائيّ عن سعد بهذا الإِسناد وبلفظ تُقرأ بفاتحة الكتاب وسورة وجهر حتى أسْمَعنا، فلما فرغ أخذت بيده، فسألته، فقال سنة وحق". وللحاكم عن سعيد بن أبي سعيد "صلى ابن عباس على جنازة فجهر بالحمد، ثم قال: إنما جهرت لتعلموا أنها سنة" والصحيح أن قول الصحابي سنة حديث مسند، وفيه خلاف شهير عند أهل الحديث والأصول، وعلى الحاكم في استدراكه على البخاري مؤاخذة, لأنه فيه، وقد روى التِّرمذيّ عن ابن عباس أن النبيّ ﷺ "قرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب" وقال: لا يصح هذا والصحيح عن ابن عباس قوله "من السند" وهذا مصير منه إلى الفرق بين الصيغتين. ولعله أراد الفرق بالنسبة إلى الصراحة والاحتمال. وروى الحاكم عن شُرَحبيل بن سعد عن ابن عباس أنه صلى على جنازة بالأبواء فكبّر، ثم قرأ الفاتحة رافعًا صوته، ثم صلى على النبي ﷺ ، ثم قال: اللهم عبدك وابن عبدك، أصبح فقيرًا إلى رحمتك، وأنت غني عن عذابه، إن كان زاكيًا فزكِّه، وإن كان مخطئًا فاغفر له، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، ثم كبر ثلاث تكبيرات، ثم انصرف فقال: أيها الناس، إني لم أقرأ عليها، أي: جهرًا، إلا لتعلموا أنها سنة.

стр. 5550

قال الحاكم: شُرَحبيل لم يحتجَّ به الشيخان، وإنما أخرجته لأنه مفسر للطرق المتقدمة، وشرحبيل مختلف في توثيقه، ومن الدعاء للميت ما رواه مسلم عن عوف بن مالك قال: صلى رسول الله ﷺ على جنازة، فحفظت من دعائه، وهو يقول: "اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نُزُله ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدَّنس، وأَبْدِلْه دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر، ومن عذاب النار، حتى تمنيت أن أكون ذلك الميت". وروى أبو داود عن أبي هُريرة قال صلى رسول الله ﷺ على جنازة فقال "اللهم اغفر لحينا وميتنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأُنثانا، وشاهدنا وغائبنا. اللهم من أحييته منا فأَحيه على الإِيمان, ومن توفيته منا فتوفَّه على الإِسلام، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده، إلى غير هذا من الأدعية". رجاله ثمانية: قد مرّوا إلا طلحة، مرَّ محمد بن بشّار في الحادي عشر من العلم، ومرَّ محمد بن كثير في الثاني والثلاثين منه، ومرَّ شعبة في الثالث من الإيمان, ومرَّ غندر في الخامس والعشرين منه، ومرَّ الثَّوريّ في السابع والعشرين منه، ومرَّ سعد بن إبراهيم في السابع والأربعين من الوضوء، ومرَّ عبد الله بن عباس في الخامس من بدء الوحي. والثاني طلحة بن عبد الله بن عوف الزُّهريّ المدنيّ، ابن أخي عبد الرحمن بن عوف، أبو عبد الله، ويقال أبو محمد، كان يقال له طلحة الندى، ولي قضاء المدينة، قال ابن مُعين وأبو زُرعة والنَّسائيّ والعجليّ: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وكذا قال ابن حِبّان، وزاد "كان يكتب الوثائق بالمدينة". وقال ابن أبي خَيْثَمة: كان هو وخارجة بن زيد بن ثابت في زمانهما يُستفتيان، وينتهي الناس إلى قولهما، ويقسمان المواريث، ويكتبان الوثائق، وكذا ذكره الزبير، وذكر عنه أخبارًا في الكرم حسنة. وقال سعيد بن المسيب: ما ولينا مثله. روى عن عمه وعثمان بن عفان وعائشة وغيرهم، وروى عنه سعد بن إبراهيم والزُّهريّ ومحمد بن عمار بن ياسر وغيرهم. مات بالمدينة سنة سبع وتسعين، وهو ابن اثنين وسبعين. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإِخبار بالجمع والعنعنة والقول، ورواته بصريان وواسطيّ ومدنيان، وبصريّ وكوفيّ. أخرجه أبو داود في الجنائز، وكذا التِّرمذيّ والنَّسائي. ثم قال المصنف:

стр. 5551

باب الصلاة على القبر بعدما يدفن وهذه أيضًا من المسائل المختلف فيها، قال ابن المنذر: قال بمشروعيته الجمهور، ومنعه النخعيّ ومالك وأبو حنيفة، وعنهم إنْ دُفن قبل أن يصلى عليه شُرع، وإلا فلا. الحديث الثاني والتسعون حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ قَالَ أَخْبَرَنِي مَنْ مَرَّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ فَأَمَّهُمْ وَصَلَّوْا خَلْفَهُ. قُلْتُ مَنْ حَدَّثَكَ هَذَا يَا أَبَا عَمْرٍو قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄. وهذا الحديث قد مرَّ في باب الإِذن بالجنازة، ومرَّ استيفاء الكلام عليه عند حديث أبي هُريرة في باب كنس المسجد، ومرَّ تعريف المصلى عليه في باب الإِذن بالجنازة. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرَّ حجاج بن مُنْهال في الثامن والأربعين من الإيمان, ومرَّ شعبة والشعبيّ في الثالث منه، ومرَّ سليمان الشيباني في السابع من الحيض، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي. الحديث الثالث والتسعون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ أَسْوَدَ رَجُلاً أَوِ امْرَأَةً كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ فَمَاتَ، وَلَمْ يَعْلَمِ النَّبِيُّ ﷺ بِمَوْتِهِ فَذَكَرَهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ مَا فَعَلَ ذَلِكَ الإِنْسَانُ. قَالُوا مَاتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ أَفَلاَ آذَنْتُمُونِي. فَقَالُوا إِنَّهُ كَانَ كَذَا وَكَذَا قَالَ فَحَقَرُوا شَأْنَهُ. قَالَ فَدُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ. فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ.

стр. 5552

هذا الحديث هو حديث أبي هريرة المتقدم في باب كنس المسجد، ومرَّ الكلام عليه هناك. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرَّ محمد بن الفضل في الحادي والخمسين من الإِيمان, ومرَّ حماد بن زيد في الرابع والعشرين منه، ومرَّ ثابت البنانيّ في تعليق بعد الخامس من العلم، ومرَّ أبو رافع في الثالث والثلاثين من الغُسل، ومرَّ أبو هريرة في الثاني من الإِيمان. وصاحب القبر أُم مِحْجن، وقد مرت في الحادي والستين من استقبال القبلة، وهو هذا الحديث بعينه. ثم قال المصنف:

стр. 5553

باب الميت يسمع خفق النعال قال الزين بن المنير: جرد المصنف ما ضمنه هذه الترجمة، ليجعله أول آداب الدفن من التزام الوقار، واجتناب اللغط، وقرع الأرض بشدة الوطء عليها، كما لزم ذلك مع الحي النائم، وكأنه اقتطع ما هو من سماع الآدميين من سماع ما هو من الملائكة، وترجم بالخفق، ولفظ المتن "بالقرع" إشارة إلى ما ورد في بعض طرقه بلفظ الخفق، وهو ما رواه أحمد وأبو داود عن البراء بن عازب في أثناء حديث طويل فيه "وإنه ليسمع خفق نعالهم". وروى السديّ عن أبي هُريرة عن النبي ﷺ "أن الميت لَيسمع خَفْق نعالهم. إذا ولُّوا مدبرين". أخرجه البَزّار وابن حِبّان في صحيحه هكذا مختصرًا، وأخرج ابن حبان عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ نحوه في حديث طويل، واستدل به على جواز المشي بين القبور بالنعال، ولا دلالة فيه. قال ابن الجوزيّ: ليس في الحديث سوى الحكاية عمن يدخل المقابر، وذلك لا يقتضي إباحة ولا تحريمًا، وإنما كان مكروهًا لبينة، لكن يعكر عليه احتمال أن يكون المراد سماعه إياها بعد أن يجاوزوا المقبرة. وقد مرَّ في باب غسل الرجلين في النعلين من كتاب الوضوء قول أحمد بالكراهة، مستدلًا بحديث بشير بن الخَصاصِيّة المذكور هناك، ومرَّ ما أجيب به عنه هناك. وأما قول الخطابيّ يشبه أن يكون النهيُ عنهما لما فيهما من الخيلاء، فإنه مُتَعَقَّب بأن ابن عمر كان يلبس النعال السَّبْتية ويقول: إن النبي ﷺ كان يلبسهما، كما مرَّ في الباب المذكور آنفًا. الحديث الرابع والتسعون حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا سَعِيدٌ قَالَ وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ حَدَّثَنَا ابْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الْعَبْدُ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتُوُلِّى وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَأَقْعَدَاهُ فَيَقُولاَنِ لَهُ مَا كُنْتَ

стр. 5554

تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ. فَيُقَالُ انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا وَأَمَّا الْكَافِرُ أَوِ الْمُنَافِقُ فَيَقُولُ لاَ أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ. فَيُقَالُ لاَ دَرَيْتَ وَلاَ تَلَيْتَ. ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلاَّ الثَّقَلَيْنِ. وقوله: إذا وضع في قبره وتولى، وذهب أصحابه، كذا ثبت في جميع الروايات، فقال ابن التين: إنه كرر اللفظ والمعنى واحد، وفي رواية "تُوَلي" بضم أوله وكسر اللام على البناء للمجهول، أي: تولى أمره، أي: الميت، وفي رواية عياش الآتية "وتولى عنه أصحابه" وهو الموجود في جميع الروايات عند مسلم وغيره. وهذا الحديث مرَّ الكلام عليه عند حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق في باب "من أجاب الفُتيا بإشارة اليد والرأس" من كتاب الإِيمان. رجاله سبعة: قد مرّوا، إلا خليفة، مرَّ عيّاش بن الوليد في الخامس والثلاثين من الغسل، ومرَّ يزيد بن زُريع في السادس والتسعين من الوضوء، ومرَّ عبد الأعلى السامي في تعليق بعد الثالث من الإِيمان, ومرَّ قتادة وأنس في السادس منه، ومرَّ سعيد بن أبي عَروبة في الحادي والعشرين من الغُسل أيضًا. السابع خليفة بن خياط بن خَليفة بن خياط العُصْفُريّ، التميميّ أبو عمرو والبَصْري، الملقب بشبابة. قال ابن عَديّ: له حديث كثير، وتاريخ حسن، وكتاب في الطبقات, وهو مستقيم الحديث، صدوق من متيقظي رواة الحديث. وذكره ابن حبّان في الثقات، وقال: كان متقنًا عالمًا بأيام الناس وأنسابهم. وقال علي بن المَدِينيّ: في دار عبد الرحمن بن عمر وشبابة بن خياط شجرٌ يحمل الحديث. وقال مُرة: لو لم يحدث شبابة لكان خيرًا له. وقال ابن أبي حاتم: ما رضي أبو زُرعة يُقرأ علينا كتابه. قال أبو حاتم: لا أُحدث عنه، هو غير قوي، كتبت من مسنده ثلاثة أحاديث عن أبي الوليد، ثم أتيت أبا الوليد فسألته عنها فأنكرها، وقال: ما هذه من حديثي، فقلت: كتبتها من كتاب شبابة العُصْفُريّ، فعرفه وسكن غضبه. قال في المقدمة: وجميع ما أخرجه له البخاري قَرَنه بغيره، وذلك في ثلاثة أحاديث وإنْ أفرده علَّق ذلك، فقال: قال خليفة: ومع ذلك فليس فيه شيء من أفراده. روى عن إسماعيل بن أمية ويزيد بن زُريع وأبي داود الطَّيالسِيّ وغيرهم. وروى عنه البخاريُّ وعبد الله بن أحمد بن حَنْبل وأبو يعلى الموصليّ وغيرهم. مات سنة أربعين ومئتين.

стр. 5555

لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة، ورواته كلهم بصريون، أخرجه مسلم في صفة أهل النار، وكذا أبو داود والنَّسَائيّ وابن ماجه. ثم قال المصنف:

стр. 5556

باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة أو نحوها قال الزين بن المنير: المراد بقوله "أو نحوها" بقية ما تشد إليه الرحال من الحرمين، وكذلك ما يمكن من مدافن الأنبياء وقبور الشهداء والأولياء، تيمنًا بالجواز، وتعرضًا للرحمة النازلة عليهم، اقتداء بموسى ﵇. وهذا بناء على أن المطلوب القرب من الأنبياء الذين دفنوا ببيت المقدس، وهو الذي رجحه عياض، وقال المهلّب: إنما طلب ذلك ليقرب عليه المشي إلى المحشر، وتسقط عنه المشقة الحاصلة لمن بعد عنه. قلت: هذا بعيد جدًا، فإن موسى لا تحصل له مشقة في الحشر يوم القيامة، ولا يظن ذلك ذو عقل. الحديث الخامس والتسعون حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى ﵉ فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لاَ يُرِيدُ الْمَوْتَ. فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ عَيْنَهُ وَقَالَ ارْجِعْ فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَلَهُ بِكُلِّ مَا غَطَّتْ بِهِ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ. قَالَ أَيْ رَبِّ، ثُمَّ مَاذَا قَالَ ثُمَّ الْمَوْتُ. قَالَ فَالآنَ. فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ. قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ. قوله: أُرسل ملك الموت إلى موسى، بضم الهمزة مبنيًا للمجهول، لم يذكر فيه الرفع هنا، وساقه في أحاديث الأنبياء عن عمر عن همّام بن مُنَبّه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ نحوه، وساقه مسلم بالسندين كذلك، وقوله: "فلما جاءه صكه" أي: ضربه على عينه، وفي رواية همام عن أبي هُريرة عند أحمد ومسلم "جاء ملك الموت إلى موسى، فقال: أجب ربك، فلطم موسى عينَ ملك الموت، ففقأها". وفي رواية عَمار بن أبي عمار عن أبي هريرة عند أحمد والطبريّ "كان ملك الموت يأتي الناس عَيانًا، فأتى موسى فلطمه ففقأ عينه" وقوله: لا يريد الموت، زاد همّام "وقد فقأ عيني" فرد الله عليه

стр. 5557

عينه، وفي رواية عمار، فقال: يا رب عبدُك موسى فقأ عيني، ولولا كرامته عليك لشققت عليه. وقوله: فقل له يضع يده، في رواية أبي يونس فقل له "الحياةَ تريد؟ فإن كنت تريد الحياة فضع يدك". وقوله: على مَتْن، بفتح الميم وسكن المثناة، هو الظهر، وقيل مكتنف الصُّلب بين العصب واللحم. وفي رواية عمار "على جلد ثور". وقوله: فله بكل ما غطت به يده بكل شعرة حسنة، وفي رواية "فله بما غطَّى يده". وقوله: ثم الموت، في رواية أبي يونس "قال فالآن يا ربّ من قريبٍ، وفي رواية عمار "فأتاه فقال له: ما بعد هذا؟ قال الموت، قال: فالآن" والآن ظرف زمان غير متمكن، وهو اسم لزمان الحال الفاصل بين الماضي والمستقبل. وقوله: أنْ يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر، المُقَدّسة أي: المطهرة، وأن مصدرية في موضع نصب، أي: سأل الله الدنو من بيت المقدس ليدفن فيه. وقوله: رمية بحجر، أي دنوا، لو رمى رامٍ حجرًا من ذلك الموضع الذي هو موضع قبره، لوصل إلى بيت المقدس. قال في الفتح: يحتمل أن يكون المعنى أَدْنِني من مكان إلى الأرض المقدسة هذا القدر، أو أدنني إليها حتى يكون بيني وبينها هذا القدر. وهذا الثاني أرجح، وعليه شرح ابن بطال. وأما الأول، فهو وإن رجَّحه بعضهم، فليس بجيد، إذ لو كان كذلك لطلب الدنو أكثر من ذلك، ويحتمل أن يكون القدر الذي بينه وبين أول الأرض المقدسة كان قدر رمية حجر، فلذلك طلبها. وحكى ابن بطال عن غيره أن الحكمة في أنه لم يطلب دخولها ليُعَمِّي موضع قبره، لئلا تعبده الجهال من ملته. قال ابن عباس: لو علمت اليهود قبر موسى وهارون لاتخذوهما إلهين من دون الله، ويحتمل أن يكون سر عدم طلبه دخولَ نفس الأرض المقدسة هو أن موسى كان إذ ذاك في التيه، ومعه بنو إسرائيل، وكان أمرهم بالدخول إلى الأرض المقدسة، فامتنعوا فحرم الله عليهم دخولها أبدًا، غير يوشع وكالب، وتَيَّههم في القفار أربعين سنة في ستة فراسخ، وهم ستمائة ألف مقابل. وكانوا يسيرون كل يوم جادّين، فإذا أمسوا كانوا في الموضع الذي ارتحلوا منه، إلى أن أفناهم الموت، ولم يدخل منهم أحد الأرض المقدسة ممن امتنع أولًا أن يدخلها إلا أولادهم، وهم مع يوشع. ومات هارون ثم موسى ﵉، قبل فتح الأرض المقدسة على الصحيح، فكأنّ موسى لما لم يتهيأ له دخولها لغلبة الجبّارين عليها. ولا يمكن نبشه بعد ذلك لينقل إليها طلبَ القرب منها, لأن ما قارب الشيء يعطى حكمه، وقيل: إنما طلب موسى الدنو لأن النبي يدفن حيث يموت، ولا ينقل، وفيه نظر, لأن موسى قد نقل يوسف، ﵉، معه لما خرج من مصر،

стр. 5558

كما أخرجه أبو يعلى وغيره بسند صحيح. وأجيب بأنه إنما نقله بوحي، فتكون خصوصية له. وقوله: فلو كنت ثَمَّ، بفتح المثلثة، أي: هناك، وقوله: إلى جانب الطريق، وفي رواية "من جانب الطريق" وقوله: عند الكثيب الأحمر، وفي رواية "تحت الكثيب الأحمر" والكثيب، بالمثلثة وآخره موحدة، وزن عظيم، الرملُ المجتمع، وهذا ليس صريحًا في الإِعلام بقبره الشريف، ومن ثم حصل الاختلاف فيه، فزعم ابن حِبّان أن قبره بمَدْيَن بين المدينة وبيت المقدس، وتعقبه الضّياء بأن أرض مَدْين ليست قريبة من المدينة ولا من بيت المقدس. قال وقد اشتهر عن قبر بأريحاء عنده كثيب أحمر أنه قبر موسى، وأريحاء من الأرض المقدسة. وقيل: بالتيه، وقيل: بباب لُدّ ببيت المقدس، أو بدمشق، أو بوادٍ بين بُصرى والبلقاء. وزاد عمار في روايته "فشمه شمة فقبض روحه، وكان يأتي الناس خفية بعد ذلك، ويقال: إنه أتاه بتفاحة من الجنة، فشمها فمات، وقال وهب: خرج موسى لبعض حاجته، فمر برهط من الملائكة يحفرون قبرًا لم يَرَ قط شيئًا أحسنَ منه، فقال: لمن تحفرون هذا القبر؟ فقالوا: أتحب أن يكون لك؟ قال: وددت، قالوا: فانزل واضطجع فيه، وتوجه إلى ربك، ففعل، ثم تنفس أسهل نَفَس فقبض الله روحه، ثم سوت عليه الملائكة التراب". وذكر السّديّ في تفسيره أن موسى لما دنت وفاته مشى هو وُيوشع بن نُون، فتاهَ، فجاءت ريحٌ سوداء، فظن يوشع أنها الساعة، فالتزم موسى، فانسل موسى من تحت القميص، فأقبل يوشع بالقميص، وكان عمر موسى مئة وعشرين سنة. قال ابن خزيمة: قد أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث، وقالوا: إن كان عرفه فقد استخف به، وإن كان لم يعرفه فكيف لم يقتص له من فقأ عينه؟ والجواب أن الله تعالى لم يبعث ملك الموت لموسى وهو يريد قبض روحه حينئذ، وإنما بعثه إليه اختبارًا، وإنما لطم موسى مَلَك الموت لأنه رأى آدميًا دخل داره بغير إذنه، ولم يعلم أنه ملك الموت، وقد أباح الشارع فقأ عين الناظر في دار المسلم بغير إذن، وقد جاءت الملائكة إلى إبراهيم وإلى لوط في صورة آدميين، ولم يعرفاهم ابتداءًا، ولو عرفهم إبراهيم لما قدم إليهم المأكول، ولو عرفهم لوط لما خاف عليهم من قومه، وقد جاء المَلَك إلى مريم ولم تعرفه، ولو عرفته لما استعاذت منه، وقد دخل المَلَكان على داود ﵇ في شبه آدميين يختصمان عنده، ولم يعرفهما، وقد جاء جبريل ﵇ إلى النبي ﵊ وسأله عن الإِيمان ولم يعرفه، وقال: ما أتاني في صورة قط إلا عرفته فيها، غير هذه، فكيف يستنكر أن يعرف موسى الملك حين دخل عليه؟ وعلى تقدير أن يكون عرفه، فمن أين لهذا المبتدع مشروعية القصاص بين الملائكة والبشر؟ ثم من أين له أنَّ مَلَك الموت طلب القصاص من موسى ولم يقتص له منه؟

стр. 5559

ولخص الخطابي كلام ابن خُزيمة، وزاد فيه أن موسى دفعه عن نفسه، لما رُكِّب فيه من الحِدّة، وأن الله رد عين ملك الموت، ليعلم موسى أنه جاءه من عند الله، فلهذا استسلم حينئذ، وقال النوويّ: لا يمتنع أن يأذن الله لموسى في هذه اللطمة امتحانًا للملطوم، وقال غيره: إنما لطمه لأنه جاء لقبض روحه من غير أن يخيره، لما ثبت أنه لم يقبض نبي حتى يُخير، فلهذا لما خيّره في المرة الثانية أَذْعن. قيل: وهذا أولى الأقوال بالصواب، وفيه نظر, لأنه يعود أصل السؤال، فيقال: لم أقدم مَلَك الموت على قبض نبي الله، وأخل بالشرط، فيعود الجواب أن ذلك وقع امتحانًا. وزعم بعضهم أن معنى قوله "فقأ عينه" أي: أبطل حجته، وهو مردود بقوله في نفس الحديث "فرد الله عنيه" وقوله: "لطمه وصكه وغير ذلك" من قرائن السياق، وقال ابن قتيبة إنما فقأ موسى العينَ التي هي تخييل وتمثيل، وليست عينًا حقيقة، ومعنى رد الله عينه أي: أعاده إلى خلقته الحقيقية. وقيل: على ظاهره ورد الله إلى ملك الموت عينه البشرية، ليرجع إلى موسى على كمال الصورة، فيكون ذلك أقوى في اعتباره، وهذا هو المعتمد. وجوّز ابن عقيل أن يكون موسى أذن له أن يفعل ذلك بملك الموت، وأمر ملك الموت بالصبر على ذلك، كما أمر موسى بالصبر على ما يصنع الخضر، وفيه أن الملك يتمثل بصورة الإنسان، وقد جاء ذلك في عدة أحاديث، وقد اختلف في جواز نقل الميت من بلد إلى بلد، فقيل: يكره، لما فيه من تأخير دفنه، وتعريضه لهتك حرمته. وقيل: يستحب. والأولى تنزيل ذلك على حالتين، فالمنع حيث لم يكن هناك غرض راجح، كالدفن في البقاع الفاضلة، وتختلف الكراهة في ذلك، فقد تبلغ التحريم والاستحباب حيث يكون ذلك بقرب مكان فاضل. كما نص الشافعيّ على استحباب نقل الميت إلى الأرض الفاضلة، كمكة وغيرها. وقال القسطلانيّ: ولابد من قرب المنقول إليه، والمراد بالقرب مسافة لا يتغير فيها الميت قبل وصوله، ولا ينبغي التخصيص بالثلاثة، بل لو كان بقربه مقابر أهل الصلاح والخير، فالحكم كذلك, لأن الشخص يقصد الجار الحسن. وعند المالكية يجوز النقل إذا لم يحصل فيه هتك لحرمة الميت، بأن لا يحصل له انفجار ونحو ذلك، وإن كان للدفن مع الصالحين أو مع أقاربه استحب بشرطه المذكور، واستدل بقوله "فلك بكل شعرة سنة" على أنّ الذي بقي من الدنيا كثيرٌ جدًا لأن عدد الشعر الذي تواريه اليد، قدر المدة التي بين موسى وبعثة نبينا ﵊ مرتين وأكثر. واستدل به على جواز الزيادة في العمر، وقد قال به قوم في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ إنه نقص وزيادة في الحقيقة. وقال الجمهور: الضمير في قوله ﴿مِنْ عُمُرِهِ﴾ للجنس لا للعين، أي: لا ينقص من عمر آخر، وهذا كقولهم: عند ثوب ونصفه، أي: ونصف ثوب آخر. وقيل: المراد بقوله ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ أي: وما يذهب من عمره، فالجميع معلوم عند الله تعالى من قصة موسى ﵇ أن أجله كان قرب حضوره، ولم يبق منه

стр. 5560

إلا مقدار ما دار بينه وبين مَلَك الموت من المراجعتين، فأمر بقبض روحه أولًا، مع سبق علم الله، أن ذلك لا يقع إلا بعد المراجعة، وإن لمْ يطَّلع ملك الموت على ذلك أولًا. رجاله ستة: قد مرّوا، مرَّ محمود بن غيلان في السابع والأربعين من مواقيت الصلاة، ومرَّ عبد الرزاق في الخامس والثلاثين من الإِيمان، وأبو هريرة في الثاني منه، ومرَّ معمر في متابعة بعد الرابع من بدء الوحي، ومرَّ عبد الله بن طاوس في الرابع والثلاثين من الحيض، وأبوه في باب "من لم ير الوضوء إلا من المخرجين" بعد الأربعين من الوضوء. لطائف إسناده: فيه التحديث والإِخبار بالجمع والعنعنة، ورواته مروزيٌّ وبصريٌّ ويمانيون، وفيه رواية الابن عن الأب، أخرجه البخاريّ أيضًا في أحاديث الأنبياء، ومسلم فيها، والنَّسائيّ في الجنائز. ثم قال المصنف:

стр. 5561

باب الدفن بالليل أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من منع ذلك، محتجًا بحديث جابر أن النبي ﷺ زَجَر أنْ يُقبر الرجل ليلًا إلا أن يضطر إلى ذلك. أخرجه ابن حِبّان، لكن بين مسلم في روايته السبب في ذلك، ولفظه "أن النبي ﷺ خطب يومًا، فذكر رجلًا من أصحابه قُبض وكُفّن في كفن غير طائل، وقبر ليلًا، فزجر أن يقبر الرجل بالليل، حتى يصلّى عليه، إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك. وقال: إذا وَلِيَ أحدكم أخاه فليحسن كفنه" فدل على أن النهيَ بسبب تحسين الكفن. وقوله: حتى يصلّى عليه، مضبوطٌ بكسر اللام، أي النبي ﷺ ، فهذا سبب آخر يقتضي أنه إنْ رجا بتأخير الميت إلى الصباح صلاة من ترجى بركته عليه استحب تأخيره، وإلا فلا، وبه جزم الطحاويّ، وبجواز الدفن ليلًا قال الشافعيُّ ومالك وأحمد والجمهور. وكرهه قتادة والحسن البصريّ وسعيد بن المُسَيّب وأحمد في رواية عنه. واستدل المصنف للجواز بما ذكره من حديث ابن عباس، ولم ينكر النبي ﷺ دفنهم إياه بالليل، بل أنكر عليهم عدم إعلامهم بأمره، وأيد ذلك بما صنع الصحابة بأبي بكر، وكان ذلك كالإِجماع منهم على الجواز، وصح أن عليًا دفن فاطمة ليلًا، ورأى ناسٌ نارًا في المقبرة، فأتوها فإذا رسول الله ﷺ في القبر، وإذا هو يقول: "ناولوني صاحبكم" وإذا هو الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر. رواه أبو داود بإسناد على شرط الشيخين. نعم يستحب الدفن نهارًا لسهولة الاجتماع والوضع في القبر، لكن إنْ خُشِي تغيُّره فلا يُندب تأخيره ليدفن نهارًا. قال الأذْرُعيُّ وغيره: بل ينبغي وجوب المبادرة به. ثم قال: ودُفن أبو بكر رضي الله تعالى عنه ليلًا، وهذا التعليق وصله البخاريّ في أواخر الجنائز في باب موت يوم الاثنين. وصله ابن أبي شَيبة في مصنفه عن القاسم بن محمد وعن عبيد ابن السبّاق أن عمر دَفَن أبا بكر بعد العشاء الآخرة، وأبو بكر مرَّ في باب "من لم يتوضأ من لحم الشاة" بعد السبعين من الوضوء.

стр. 5562

الحديث السادس والتسعون حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَجُلٍ بَعْدَمَا دُفِنَ بِلَيْلَةٍ قَامَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَكَانَ سَأَلَ عَنْهُ فَقَالَ مَنْ هَذَا. فَقَالُوا فُلاَنٌ، دُفِنَ الْبَارِحَةَ. فَصَلَّوْا عَلَيْهِ. قوله: فصلوا عليه، بصيغة الجمع من الماضي، أي: صلى النبي ﷺ وأصحابه عليه، فهو كالتفصيل لقوله أولًا: صلى، فلا يكون تكرارًا. وهذا الحديث قد مرَّ مرارًا، ومرَّ الكلام عليه في باب كنس المسجد من أبواب المساجد، ومرَّ تعريف الميت في باب الإِذن بالجنازة. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرَّ عثمان ابن أبي شَيبة، وجرير بن عبد الحميد في الثاني عشر من العلم، ومرَّ الشيبانيّ في السابع من الحيض، والشعبيّ في الثالث من الإِيمان، وابن عباس في الخامس من بدء الوحي، وصاحب القبر طلحة بن البراء، وقد مرَّ في العاشر من الجنائز. ثم قال المصنف:

стр. 5563

باب بناء المسجد على القبر الكلام على هذه الترجمة مرَّ في الكلام على ترجمة "باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور" قبل أبواب. الحديث السابع والتسعون حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ ذَكَرَتْ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ، وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ حَبِيبَةَ ﵄ أَتَتَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ، فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ أُولَئِكَ إِذَا مَاتَ مِنْهُمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّورَةَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ. هذا الحديث قد مرَّ الكلام عليه في باب "هل تنبش قبور المشركين من أبواب المساجد" ومرَّ قليل من الكلام عليه في باب "ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور". رجاله خمسة: قد مرّوا، وفيه ذكر أم سلمة وأم حبيبة، وقد مرتا أيضًا، مرَّ إسماعيل بن أبي أُوَيس في الخامس عشر من الإِيمان, ومرت الأربعة الباقية بهذا النسق في الثاني من بدء الوحي، ومرت أم سلمة في السادس والخمسين من العلم، ومرت أم حبيبة في الثاني والثلاثين من استقبال القبلة. ثم قال المصنف:

стр. 5564

باب من يدخل قبر المرأة الحديث الثامن والتسعون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا هِلاَلُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: شَهِدْنَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ، فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ فَقَالَ هَلْ فِيكُمْ مِنْ أَحَدٍ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ. فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ أَنَا. قَالَ فَانْزِلْ فِي قَبْرِهَا. فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا فَقَبَرَهَا. هذا الحديث قد مرَّ الكلام عليه مستوفىً في باب "الميت يعذب ببكاء بعض أهله عليه". رجاله أربعة: وفيه ذكر بنت للنبي ﷺ ، وقد مرَّ الجميع، مرت الثلاثة الأولى في الأول من العلم، وابنته ﵊ إما زينب أو أم كلثوم، وقد مرتا في الثاني والثلاثين من الوضوء. وفيه ذكر أبي طلحة، وقد مرَّ في السادس والثلاثين من الوضوء أيضًا. ثم قال: قال ابن المبارك: قال فُليح: أراه، يعني الذنب، تقدم هناك أن الإِسماعيلي وصله من طريقه، وفي رواية أبي الحسن القابسي هنا، قال أبو المبارك، بلفظ الكنية، ونقل أبو علي الجَيَّانِي عنه أنه قال: أبو المبارك، كنية محمد بن سنان، راوي الطريقة الموصولة، وتعقبه بأن محمد بن سِنان يكنى أبا بكر، بغير خلاف عند أهل العلم بالحديث، والصواب ابن المبارك كما في بقية الطرق، وابن المبارك مرَّ في السادس من بدء الوحي، وفليح مرَّ محله في الذي قبله. ثم قال: قال أبو عبد الله: ليقترفوا، أي: ليكتسبوا. ثبت هذا في رواية الكشميهنيّ، وهذا تفسير ابن عباس. أخرجه الطبرانيّ عن عليّ بن أبي طلحة عنه، قال في قوله تعالى: ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾. ليكتسبوا ما هم مكتسبون. وفي هذا مصير من البخاري إلى تأييد ما قاله ابن المبارك عن فُليح أو أراد أن يوجه الكلام المذكور، وأن لفظ المقارفة في الحديث أريد به ما هو أخص من ذلك، وهو الجماع. ثم قال المصنف:

стр. 5565

باب الصلاة على الشهيد قال الزين بن المنير: باب حكم الصلاة على الشهيد، ولذلك أورد فيه حديث جابر الدال على نفيها، وحديث عقبة الدال على إثباتها. قال: ويحتمل أن يكون المراد "باب مشروعية الصلاة على الشهيد في قبره" لأجل دفنه عملًا بظاهر الحديثين. قلت: هذا ليس فيه عمل إلا بحديث عقبة. ثم قال: والمراد بالشهيد قتيل المعركة في حرب الكفار. وكذا المراد بقوله بعد من لم ير غسل الشهيد، ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة صغيرًا أو كبيرًا حرًا أو عبدًا صالحًا أو غير صالح، وخرج بقوله "المعركة" من جرح في القتال وعاش بعد ذلك حياة مستقرة، وخرج "بحرب الكفار" من مات بقتال المسلمين، كأهل البغي، وخرج بجميع ذلك من سمي شهيدًا بسبب غير السبب المذكور. وإنما يقال له شهيد بمعنى ثواب الآخرة، وهذا كله على الصحيح من مذاهب العلماء. والخلاف في الصلاة على قتيل معركة الكفار شهير، فذهب مالك والشافعيّ وأحمد وإسحاق في رواية إلى أنه لا يصلى عليه: كما لا يُغسل، وذهب ابن أبي ليلى والأوزاعيّ وأبو حنيفة وصاحباه وأحمد في رواية, وإسحاق في رواية, إلى أنه يصلى عليه. قال الشافعي في الأم: جاءت الأخبار كأنها عِيان من وجوه متواترة أنّ النبي ﷺ لم يصلِّ على قتلى أُحد، وما روي أنه صلى عليهم وكبر على حمزة سبعين تكبيرة لم يصح، وكان ينبغي لمن عارض بذلك هذه الأحاديث الصحيحة أن يستحيي على نفسه. قال: وأما حديث عقبة بن عامر، فقد وقع في نفس الحديث أن ذلك كان بعد ثمان سنين، والمخالف يقول: لا يصلى على القبر إذا طالت المدة، قال: وكأنه ﷺ دعا لهم، واستغفر لهم حين علم قرب أجله، مودعًا لهم. ولا يدل ذلك على نسخ الحكم الثابت، وما أشار إليه من المدة والتوديع يأتي تحريره في الذي بعده قريبًا، ثم إن الخلاف في ذلك منع الصلاة عليهم على الأصح عند الشافعية، وفي وجه أن الخلاف في الاستحباب، وهو المنقول عن الحنابلة. قال الماوَرْدِيّ عن أحمد: الصلاةُ على الشهيد أجود، وإنْ لم يصلوا عليه أجزأ.

стр. 5566

الحديث التاسع والتسعون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ. فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ وَقَالَ أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلاَءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ فِي دِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ. قوله: عن جابر، كذا يقول الليث عن ابن شهاب، قال النَّسائي: لا أعلم أحدًا من ثقات أصحاب ابن شهاب تابع الليث على ذلك، ثم ساقه عن عبد الله بن المبارك عن معمر عن ابن شهاب عن عبد الله بن ثعلبة مختصرًا، وكذا أخرجه أحمد والطبرانيّ عن ابن شهاب عن عبد الله بن ثعلبة. وعبد الله له رؤية، فحديثه من حيث السماع مرسَلٌ، وقد رواه عبد الرزاق عن معمر فزاد فيه جابرًا، وهذا مما يقوي اختيار البخاري، فإن ابن شهاب صاحب حديث، فيُحمل على أن الحديث عنده عن شيخين، ولاسيما أن في رواية عبد الرحمن بن كعب ما ليس في رواية عبد الله بن ثعلبة، وعلى ابن شهاب فيه اختلاف آخر. رواه أسامة بن زيد الليثيّ عنه عن أنس. أخرجه أبو داود والتِّرمذيّ. وأُسامة سيء الحفظ. وقد حكى التِّرمذيّ عن البخاري أن أسامة غلط في إسناده، وأخرجه البيهقيّ عن عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري عن ابن شهاب، فقال عن عبد الرحمن بن كعب عن أبيه، وعبد العزيز ضعيف، وقد أخطأ في قوله "عن أبيه". وقد ذكر البخاري فيه اختلافًا آخر كما سيأتي بعد بابين. قوله: في ثوب واحد، إما بأن يجمعهما فيه، وإما بأن يقطعه بينهما. وقال المَظْهَريّ: قوله في ثوب واحد، أي: في قبر واحد، إذ لا يجوز تجريدهما في ثوب واحد، بحيث تتلاقى بشرتاهما، بل ينبغي أن يكون على كل واحد منهما ثيابه الملطخة بالدم وغيرها, ولكن يضجع أحدهما بجنب الآخر في قبر واحد. وقوله: ثم يقول أيهم، أي: أيُّ القتلى، وللحمويّ والمستملي "أيهما" أي: أيُّ الرجلين، وقوله: أكثر أخذًا للقرآن، بالنصب على التمييز في "أخذًا". وقوله: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة، قال المَظْهَريّ: أي: أنا شفيع لهؤلاء، أشهد لهم بأنهم بدلوا أرواحهم، وتركوا حياتهم لله تعالى. وتعقبه الطيبيّ بأن هذا الذي قاله لا يساعد عليه تعديه الشهيد بعلى, لأنه لو أريد ما قال: أنا شهيد لهم، فعدل عن ذلك لتضمين شهيد معنى رقيب وحفيظ، أي: أنا حفيظ عليهم أراقب

стр. 5567

أحوالهم وأصونهم من المكاره، وشفيع لهم. ومنه قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. وقوله: ولم يغسلوا ولم يصلَّ عليهم، أي: بفتح اللام، أي: لم يفعل ذلك بنفسه ولا بأمره، ويأتي بعد بابين عن الليث بلفظ "ولم يصلِّ عليهم، ولم يغسلهم" وفي رواية أسامة المذكورة "ولم يصلّ عليهم" كما في حديث جابر وفي رواية عنه عند الشافعي والحاكم "ولم يصلّ على أحد غيره" يعني حمزة. وقال الدارقطني: هذه اللفظة غير محفوظة يعني "عن أسامة" والصواب الرواية الموافقة لحديث الليث. وعند أحمد أنه ﷺ قال: لا تغسلوهم، فإن كل جرح أو كَلْم أوْ دَم يفوح مِسْكًا يوم القيامة، ولم يصل عليهم. والحكمة في ذلك إبقاء أثر الشهادة عليهم، والتعظيم لهم باستغنائهم عن دعاء القوم، وإنما غسلت الرسل، وصُلِّيَ عليها دون الشهداء، مع أنهم أعظم منهم منزلة, لأن منزلة الشهداء مكتسبة، فيحصل الترغيب فيها بخلاف النبوة، فإنها غير مكتسبة، فلا يطلب الترغيب فيها. قال ابن العربيّ: فيه دليل على أن التكليف قد ارتفع بالموت، وإلا فلا يجوز أن يلصق الرجل بالرجل إلا عند انقطاع التكاليف، أو للضرورة، وفيه التفضيل بقراءة القرآن، فإذا استووا في القراءة قُدِّم أكبرهم, لأن للسن فضيلة، وفيه جواز دفن الاثنين والثلاثة وأزيد في قبر واحد. ويأتي الكلام عليه في الباب الذي يليه. وفيه أن الشهيد لا يغسل، ويأتي الكلام عليه بعد باب. رجاله خمسة: مرَّ منهم عبد الله بن يوسف في الثاني من بدء الوحي، والليث والزُّهريّ في الثالث منه، وجابر في الرابع منه. والباقي عبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصاريّ السلميّ، أبو الخطّاب المَدنيّ، ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال ابن سعد: كان ثقة، وهو أكثر حديثًا من أخيه. روى عن أبيه وأخيه عبد الله وجابر وأبي قتادة وعائشة. ورى عنه ابنه كعب وأبو أمامة بن سَهيل بن حُنيف، وهو أكبر منه، والزُّهريُّ وغيرهم. وذكره العسكريُّ فيمن ولد على عهد النبي ﷺ ، ولم يرد عنه شيئًا. مات في خلافة سُليمان بن عبد الملك. وأما قول الواقديّ أنه مات في خلافة هِشام، فذلك عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب.

стр. 5568

لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإِفراد والعنعنة والقول، ورواته مصريان ومدنيان، وفيه رواية التابعيّ عن التابعيّ. أخرجه البخاريّ أيضًا في الجنائز والمغازي، وأبو داود في الجنائز، وكذلك التِّرمذيّ والنّسائيّ وابن ماجه. الحديث المائة حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلاَتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ، وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الآنَ، وَإِنِّي أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ أَوْ مَفَاتِيحَ الأَرْضِ وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا. قوله: صلاتَه، بالنصب أي مثل صلاته، زاد في غزوة أحد عن حَيْوة بن شُريح عن يزيد "بعد ثمان سنين، كالمودع للأحياء والأموات" وزاد فيه "فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ " وقد كانت أُحُدٌ بشوال سنة ثلاث. ومات النبي ﷺ في ربيع الأول سنة إحدى عشرة، فعلى هذا ففي قوله "بعد ثمان سنين" تجوز على طريق جبر الكسر، وإلا فهي سبع سنين ودون النصف. وقال النووي: المراد بالصلاة هنا الدعاء، وأما كونه مثل الذي على الميت، فمعناه أنه دعا لهم بمثل الدعاء الذي كانت عادته أن يدعو به للموتى. ومعنى قوله: كالمودع للأحياء والأموات، أما توديعه للأحياء فظاهر, لأنه يشعر بأن ذلك كان في آخر حياته ﵊، وأما توديع الأموات فيحتمل أن يكون الصحابيّ أراد بذلك انقطاع زيارته الأموات بجسده الشريف, لأنه بعد موته، وإن كان حيًا فهي حياة أخروية لا تشبه الحياة الدنيوية. ويحتمل أن يكون المراد بتوديع الأموات ما أشار إليه في حديث عائشة من الاستغفار لأهل البقيع. وقوله: ثُم انصرف إلى المنبر، وفي رواية مسلم كالمؤلف في المغازي "ثم صعد المنبر كالمودع للأحياء والأموات" وعند ابن أبي شيبة من مرسل أيوب بن بشير "خرج عاصبًا رأسه حتى جلس على المنبر، ثم كان أول ما تكلم به أن صلى على أصحاب أُحد، واستغفر لهم، وأكثر

стр. 5569

الصلاة عليهم". وهذا يحمل على أن المراد أول ما تكلم به، أي: عند خروجه قبل أن يصعد المنبر. وقوله: فقال إني فَرَطَ لكم، بفتح الفاء والراء، وهو الذي يتقدم الواردة ليصلح لهم الحياض والدلاء ونحوهما، أي: أنا سابقكم إلى الحوض كالمهيىء له لأجلكم. وفيه إشارة إلى قرب موته ﷺ ، وتقدمه على أصحابه، ولذا قال كالمودع للأحياء والأموات. وقوله: وأنا شهيد عليكم، أي: أشهد عليكم بأعمالكم، فكأنه باق معهم لم يتقدمهم، بل يبقى بعدهم حتى يشهد بأعمال آخرهم، فهو ﵊ قائم بأمرهم في الدارين في حياته وموته. وعن ابن مسعود عند البزّار بإسناد جيد رفعه، "حياتي خير لكم، ووفاتي خير لكم، تعرض عليّ أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم". وقوله: وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، أي: نظرًا حقيقيًا بطريق الكشف، والحلف لتأكيد الخبر وتعظيمه. وقوله: أو مفاتيح الأرض، شك من الراوي، فيه إشارة ما فتح على أمته من الملك والخزائن، والحوض يأتي الكلام عليه في محله في آخر كتاب الرقاق. وقوله: ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي أي: ما أخاف على جميعكم الإشراك، بل على مجموعكم, لأن ذلك قد وقع من البعض أعاذنا الله تعالى من ذلك. وقوله: ولكن أخشى أن تنافسوا فيها، بإسقاط إحدى التاءين، وفي رواية عمرو بن عوف في الرقاق "ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبْسَط عليكم الدنيا كما بُسِطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتلهيكم كما ألهتهم" والضمير في ضمها لخزائن الأرض المذكورة في حديث الباب، أو للدنيا المصرح بها في حديث الرقاق هذا، وحديث مسلم. والتنافس من المنافسة، وهي الرغبة في الشيء منافسةً ونَفَاسة ونِفاسًا، ونَفُس الشيءُ بالضم، نفاسةً صار مرغوبًا فيه. ونَفِسْتُ به بالكسر بخلت، ونَفَسْت عليه لم أره أهلًا لذلك. وقوله: فتلهيكم، وفي رواية "فتهلككم" أي: لأن المال مرغوبٌ فيه، فترتاح النفس لطلبه، فتمتنع منه، فتقع العداوة المقتضية للمقاتلة المفضية إلى الهلاك. وقوله في هذا الحديث، ما الفقر أخشاه عليكم. والأول هو الراجح. وخص بعضهم جواز ذلك بالشعر. وهذه الخشية يحتمل أن يكون سببها علمه أن الدنيا ستفتح عليهم ويحصل لهم الغنى بالمال، وقد أخبر بوقوع ذلك قبل أن يقع، ووقع. وقال الطيبيّ: فائدة تقديم المفعول هنا الاهتمام بشأن

стр. 5570

الفقر، فإن الوالد المشفِق إذا حضره الموت كان اهتمامه بحال ولده في المال، فأعلم ﷺ أصحابه أنه، وإن كان لهم في الشفقة عليهم كالأب، لكن حاله في المال يخالف حال الوالد، وأنه لا يخشى عليهم الفقر كما يخشاه الوالد، ولكن يخشى عليهم من الغنى الذي هو مطلوب الوالد لولده. والمراد بالفقر العهديُّ، وهو ما كان عليه الصحابة من قلة الشيء، ويحتمل الجنس، والأول أولى، ويحتمل أن يكون أشار بذلك إلى أن مضرة الفقر دون مضرة الغنى, لأن مضرة الفقر دنيوية غالبًا، ومضرة الغنى دينية غالبًا. قلت: إنما لم يخش عليهم الفقر كخشية الوالد, لأنه علم أن الأموال تفيض عليهم، ولا يفتقرون، فلذا خاف عليهم عاقبة الغنى الذي علم أنهم يصيرون إليه، فلينظر ما قاله الطيبيّ. وقال ابن بطال فيه: إن زَهرة الدنيا، ينبغي لمن فتحت عليه، أن يحذر من سوء عاقبتها وشر فتنتها، فلا يطمئن إلى زُخرفها, ولا ينافس غيره فيها. ويستدل به على أن الفقر أفضل من الغنى, لأن فتنة الدنيا مقرونة بالغنى، والغنى مظنة الوقوع في الفتنة التي قد تجر إلى هلاك النفس غالبًا، والفقير آمن من ذلك. وفيه إنذار بما سيقع فوقع، كما قال ﷺ ، وقد فتحت عليهم الفتوح بعده، وآل الأمر إلى أن تحاسدوا وتقاتلوا، ووقع ما هو المشاهد المحسوس لكل أحد، مما يشهد بمصداق خبره ﵊. ووقع من ذلك في هذا الحديث أخباره بأنه فَرَطُهم، أي: سابقهم، وكان كذلك، وأنّ أصحابه لا يشركون بعده، فكان كذلك، ووقع ما أنذر به من التنافس في الدنيا، ومرَّ في ذلك حديث عمرو بن عوف قريبًا، وحديث أبي سعيد في معناه، فوقع كما أخبر، وفتحت عليهم الفتوح الكثيرة، وصبت عليهم الدنيا صبًا. واستدل به على مشروعية الصلاة على الشهداء، وقد تقدم جواب الشافعيّ عنه بما لا مزيد عليه، فإن قلت: حديثُ جابرٍ لا يحتج به, لأنه نفي، وشهادة النفي مردودة مع عارضها في خبر الإِثبات أُجيب بأن شهادة النفي إنما تردُّ إذا لم يحط بها علم الشاهد، ولم تكن محصورة، وإلا فتقبل بالاتفاق، وهذه قضية معينة أحاط بها جابر وغيره علمًا. وحديث الإثبات تقدم الجواب عنه. وأجاب الحنفية بأنه تجوز الصلاة على القبر ما لم يتفسخ الميت، والشهداء لا يتفسخون، ولا يحصل لهم تغير، فالصلاة عليهم لا تمتنع أي وقت كان، وأوَّلَ أبو حنيفة الحديث في ترك الصلاة عليهم يومَ أُحُد على معنى اشتغاله عنهم، وقلة فراغه لذلك. وكان صعبًا على المسلمين، فغذوا بترك الصلاة عليهم يومئذ.
следующие страницы →