Полный текст (6 753 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.
стр. 5566
الحديث التاسع والتسعون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ. فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ وَقَالَ أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلاَءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ فِي دِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ.
قوله: عن جابر، كذا يقول الليث عن ابن شهاب، قال النَّسائي: لا أعلم أحدًا من ثقات أصحاب ابن شهاب تابع الليث على ذلك، ثم ساقه عن عبد الله بن المبارك عن معمر عن ابن شهاب عن عبد الله بن ثعلبة مختصرًا، وكذا أخرجه أحمد والطبرانيّ عن ابن شهاب عن عبد الله بن ثعلبة. وعبد الله له رؤية، فحديثه من حيث السماع مرسَلٌ، وقد رواه عبد الرزاق عن معمر فزاد فيه جابرًا، وهذا مما يقوي اختيار البخاري، فإن ابن شهاب صاحب حديث، فيُحمل على أن الحديث عنده عن شيخين، ولاسيما أن في رواية عبد الرحمن بن كعب ما ليس في رواية عبد الله بن ثعلبة، وعلى ابن شهاب فيه اختلاف آخر.
رواه أسامة بن زيد الليثيّ عنه عن أنس. أخرجه أبو داود والتِّرمذيّ. وأُسامة سيء الحفظ. وقد حكى التِّرمذيّ عن البخاري أن أسامة غلط في إسناده، وأخرجه البيهقيّ عن عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري عن ابن شهاب، فقال عن عبد الرحمن بن كعب عن أبيه، وعبد العزيز ضعيف، وقد أخطأ في قوله "عن أبيه". وقد ذكر البخاري فيه اختلافًا آخر كما سيأتي بعد بابين.
قوله: في ثوب واحد، إما بأن يجمعهما فيه، وإما بأن يقطعه بينهما. وقال المَظْهَريّ: قوله في ثوب واحد، أي: في قبر واحد، إذ لا يجوز تجريدهما في ثوب واحد، بحيث تتلاقى بشرتاهما، بل ينبغي أن يكون على كل واحد منهما ثيابه الملطخة بالدم وغيرها, ولكن يضجع أحدهما بجنب الآخر في قبر واحد.
وقوله: ثم يقول أيهم، أي: أيُّ القتلى، وللحمويّ والمستملي "أيهما" أي: أيُّ الرجلين، وقوله: أكثر أخذًا للقرآن، بالنصب على التمييز في "أخذًا". وقوله: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة، قال المَظْهَريّ: أي: أنا شفيع لهؤلاء، أشهد لهم بأنهم بدلوا أرواحهم، وتركوا حياتهم لله تعالى. وتعقبه الطيبيّ بأن هذا الذي قاله لا يساعد عليه تعديه الشهيد بعلى, لأنه لو أريد ما قال: أنا شهيد لهم، فعدل عن ذلك لتضمين شهيد معنى رقيب وحفيظ، أي: أنا حفيظ عليهم أراقب
стр. 5567
أحوالهم وأصونهم من المكاره، وشفيع لهم. ومنه قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
وقوله: ولم يغسلوا ولم يصلَّ عليهم، أي: بفتح اللام، أي: لم يفعل ذلك بنفسه ولا بأمره، ويأتي بعد بابين عن الليث بلفظ "ولم يصلِّ عليهم، ولم يغسلهم" وفي رواية أسامة المذكورة "ولم يصلّ عليهم" كما في حديث جابر وفي رواية عنه عند الشافعي والحاكم "ولم يصلّ على أحد غيره" يعني حمزة. وقال الدارقطني: هذه اللفظة غير محفوظة يعني "عن أسامة" والصواب الرواية الموافقة لحديث الليث.
وعند أحمد أنه ﷺ قال: لا تغسلوهم، فإن كل جرح أو كَلْم أوْ دَم يفوح مِسْكًا يوم القيامة، ولم يصل عليهم. والحكمة في ذلك إبقاء أثر الشهادة عليهم، والتعظيم لهم باستغنائهم عن دعاء القوم، وإنما غسلت الرسل، وصُلِّيَ عليها دون الشهداء، مع أنهم أعظم منهم منزلة, لأن منزلة الشهداء مكتسبة، فيحصل الترغيب فيها بخلاف النبوة، فإنها غير مكتسبة، فلا يطلب الترغيب فيها.
قال ابن العربيّ: فيه دليل على أن التكليف قد ارتفع بالموت، وإلا فلا يجوز أن يلصق الرجل بالرجل إلا عند انقطاع التكاليف، أو للضرورة، وفيه التفضيل بقراءة القرآن، فإذا استووا في القراءة قُدِّم أكبرهم, لأن للسن فضيلة، وفيه جواز دفن الاثنين والثلاثة وأزيد في قبر واحد. ويأتي الكلام عليه في الباب الذي يليه. وفيه أن الشهيد لا يغسل، ويأتي الكلام عليه بعد باب.
رجاله خمسة:
مرَّ منهم عبد الله بن يوسف في الثاني من بدء الوحي، والليث والزُّهريّ في الثالث منه، وجابر في الرابع منه.
والباقي عبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصاريّ السلميّ، أبو الخطّاب المَدنيّ، ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال ابن سعد: كان ثقة، وهو أكثر حديثًا من أخيه. روى عن أبيه وأخيه عبد الله وجابر وأبي قتادة وعائشة. ورى عنه ابنه كعب وأبو أمامة بن سَهيل بن حُنيف، وهو أكبر منه، والزُّهريُّ وغيرهم. وذكره العسكريُّ فيمن ولد على عهد النبي ﷺ ، ولم يرد عنه شيئًا. مات في خلافة سُليمان بن عبد الملك. وأما قول الواقديّ أنه مات في خلافة هِشام، فذلك عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب.
стр. 5568
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإِفراد والعنعنة والقول، ورواته مصريان ومدنيان، وفيه رواية التابعيّ عن التابعيّ. أخرجه البخاريّ أيضًا في الجنائز والمغازي، وأبو داود في الجنائز، وكذلك التِّرمذيّ والنّسائيّ وابن ماجه.
الحديث المائة
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلاَتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ، وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الآنَ، وَإِنِّي أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ أَوْ مَفَاتِيحَ الأَرْضِ وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا.
قوله: صلاتَه، بالنصب أي مثل صلاته، زاد في غزوة أحد عن حَيْوة بن شُريح عن يزيد "بعد ثمان سنين، كالمودع للأحياء والأموات" وزاد فيه "فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ " وقد كانت أُحُدٌ بشوال سنة ثلاث. ومات النبي ﷺ في ربيع الأول سنة إحدى عشرة، فعلى هذا ففي قوله "بعد ثمان سنين" تجوز على طريق جبر الكسر، وإلا فهي سبع سنين ودون النصف.
وقال النووي: المراد بالصلاة هنا الدعاء، وأما كونه مثل الذي على الميت، فمعناه أنه دعا لهم بمثل الدعاء الذي كانت عادته أن يدعو به للموتى. ومعنى قوله: كالمودع للأحياء والأموات، أما توديعه للأحياء فظاهر, لأنه يشعر بأن ذلك كان في آخر حياته ﵊، وأما توديع الأموات فيحتمل أن يكون الصحابيّ أراد بذلك انقطاع زيارته الأموات بجسده الشريف, لأنه بعد موته، وإن كان حيًا فهي حياة أخروية لا تشبه الحياة الدنيوية.
ويحتمل أن يكون المراد بتوديع الأموات ما أشار إليه في حديث عائشة من الاستغفار لأهل البقيع. وقوله: ثُم انصرف إلى المنبر، وفي رواية مسلم كالمؤلف في المغازي "ثم صعد المنبر كالمودع للأحياء والأموات" وعند ابن أبي شيبة من مرسل أيوب بن بشير "خرج عاصبًا رأسه حتى جلس على المنبر، ثم كان أول ما تكلم به أن صلى على أصحاب أُحد، واستغفر لهم، وأكثر
стр. 5569
الصلاة عليهم". وهذا يحمل على أن المراد أول ما تكلم به، أي: عند خروجه قبل أن يصعد المنبر. وقوله: فقال إني فَرَطَ لكم، بفتح الفاء والراء، وهو الذي يتقدم الواردة ليصلح لهم الحياض والدلاء ونحوهما، أي: أنا سابقكم إلى الحوض كالمهيىء له لأجلكم.
وفيه إشارة إلى قرب موته ﷺ ، وتقدمه على أصحابه، ولذا قال كالمودع للأحياء والأموات. وقوله: وأنا شهيد عليكم، أي: أشهد عليكم بأعمالكم، فكأنه باق معهم لم يتقدمهم، بل يبقى بعدهم حتى يشهد بأعمال آخرهم، فهو ﵊ قائم بأمرهم في الدارين في حياته وموته.
وعن ابن مسعود عند البزّار بإسناد جيد رفعه، "حياتي خير لكم، ووفاتي خير لكم، تعرض عليّ أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم". وقوله: وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، أي: نظرًا حقيقيًا بطريق الكشف، والحلف لتأكيد الخبر وتعظيمه.
وقوله: أو مفاتيح الأرض، شك من الراوي، فيه إشارة ما فتح على أمته من الملك والخزائن، والحوض يأتي الكلام عليه في محله في آخر كتاب الرقاق. وقوله: ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي أي: ما أخاف على جميعكم الإشراك، بل على مجموعكم, لأن ذلك قد وقع من البعض أعاذنا الله تعالى من ذلك.
وقوله: ولكن أخشى أن تنافسوا فيها، بإسقاط إحدى التاءين، وفي رواية عمرو بن عوف في الرقاق "ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبْسَط عليكم الدنيا كما بُسِطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتلهيكم كما ألهتهم" والضمير في ضمها لخزائن الأرض المذكورة في حديث الباب، أو للدنيا المصرح بها في حديث الرقاق هذا، وحديث مسلم.
والتنافس من المنافسة، وهي الرغبة في الشيء منافسةً ونَفَاسة ونِفاسًا، ونَفُس الشيءُ بالضم، نفاسةً صار مرغوبًا فيه. ونَفِسْتُ به بالكسر بخلت، ونَفَسْت عليه لم أره أهلًا لذلك.
وقوله: فتلهيكم، وفي رواية "فتهلككم" أي: لأن المال مرغوبٌ فيه، فترتاح النفس لطلبه، فتمتنع منه، فتقع العداوة المقتضية للمقاتلة المفضية إلى الهلاك. وقوله في هذا الحديث، ما الفقر أخشاه عليكم. والأول هو الراجح. وخص بعضهم جواز ذلك بالشعر.
وهذه الخشية يحتمل أن يكون سببها علمه أن الدنيا ستفتح عليهم ويحصل لهم الغنى بالمال، وقد أخبر بوقوع ذلك قبل أن يقع، ووقع. وقال الطيبيّ: فائدة تقديم المفعول هنا الاهتمام بشأن
стр. 5570
الفقر، فإن الوالد المشفِق إذا حضره الموت كان اهتمامه بحال ولده في المال، فأعلم ﷺ أصحابه أنه، وإن كان لهم في الشفقة عليهم كالأب، لكن حاله في المال يخالف حال الوالد، وأنه لا يخشى عليهم الفقر كما يخشاه الوالد، ولكن يخشى عليهم من الغنى الذي هو مطلوب الوالد لولده.
والمراد بالفقر العهديُّ، وهو ما كان عليه الصحابة من قلة الشيء، ويحتمل الجنس، والأول أولى، ويحتمل أن يكون أشار بذلك إلى أن مضرة الفقر دون مضرة الغنى, لأن مضرة الفقر دنيوية غالبًا، ومضرة الغنى دينية غالبًا.
قلت: إنما لم يخش عليهم الفقر كخشية الوالد, لأنه علم أن الأموال تفيض عليهم، ولا يفتقرون، فلذا خاف عليهم عاقبة الغنى الذي علم أنهم يصيرون إليه، فلينظر ما قاله الطيبيّ. وقال ابن بطال فيه: إن زَهرة الدنيا، ينبغي لمن فتحت عليه، أن يحذر من سوء عاقبتها وشر فتنتها، فلا يطمئن إلى زُخرفها, ولا ينافس غيره فيها.
ويستدل به على أن الفقر أفضل من الغنى, لأن فتنة الدنيا مقرونة بالغنى، والغنى مظنة الوقوع في الفتنة التي قد تجر إلى هلاك النفس غالبًا، والفقير آمن من ذلك. وفيه إنذار بما سيقع فوقع، كما قال ﷺ ، وقد فتحت عليهم الفتوح بعده، وآل الأمر إلى أن تحاسدوا وتقاتلوا، ووقع ما هو المشاهد المحسوس لكل أحد، مما يشهد بمصداق خبره ﵊.
ووقع من ذلك في هذا الحديث أخباره بأنه فَرَطُهم، أي: سابقهم، وكان كذلك، وأنّ أصحابه لا يشركون بعده، فكان كذلك، ووقع ما أنذر به من التنافس في الدنيا، ومرَّ في ذلك حديث عمرو بن عوف قريبًا، وحديث أبي سعيد في معناه، فوقع كما أخبر، وفتحت عليهم الفتوح الكثيرة، وصبت عليهم الدنيا صبًا.
واستدل به على مشروعية الصلاة على الشهداء، وقد تقدم جواب الشافعيّ عنه بما لا مزيد عليه، فإن قلت: حديثُ جابرٍ لا يحتج به, لأنه نفي، وشهادة النفي مردودة مع عارضها في خبر الإِثبات أُجيب بأن شهادة النفي إنما تردُّ إذا لم يحط بها علم الشاهد، ولم تكن محصورة، وإلا فتقبل بالاتفاق، وهذه قضية معينة أحاط بها جابر وغيره علمًا. وحديث الإثبات تقدم الجواب عنه.
وأجاب الحنفية بأنه تجوز الصلاة على القبر ما لم يتفسخ الميت، والشهداء لا يتفسخون، ولا يحصل لهم تغير، فالصلاة عليهم لا تمتنع أي وقت كان، وأوَّلَ أبو حنيفة الحديث في ترك الصلاة عليهم يومَ أُحُد على معنى اشتغاله عنهم، وقلة فراغه لذلك. وكان صعبًا على المسلمين، فغذوا بترك الصلاة عليهم يومئذ.
стр. 5571
وقال ابن حزم الظاهري: إنْ صلى على الشهيد فَحَسُن، وإن لم يصلِّ عليه فحسَن. واستدل بحديثي جابر وعُقبة، وقال: ليس يجوز أن يترك أحد الأثرين المذكورين للآخر، بل كلاهما حق مباح، وليس هذا مكان نسخ لأن استعمالهما معًا ممكن في أحوال مختلفة. وقال الطحاويّ: معنى صلاته ﷺ لا يخلو من ثلاثة معانٍ: إما أن يكون ناسخًا لما تقدم من ترك الصلاة عليهم، أو يكون من سنتهم أن لا يصلِّي إلا بعد هذه المدة المذكورة، أو تكون الصلاة عليهم جائزة، بخلاف غيرهم، فإنها واجبة. وأيها كان، فقد ثبت بصلاته عليهم، الصلاةُ على الشهداء. ثم إن الكلام بين المختلفين في عصرنا إنما هو في الصلاة عليهم قبل دفنهم، وإذا ثبتت الصلاة عليهم بعد الدفن، كانت قبل الدفن أوْلى.
وغالب ما ذكره بصدد المنع، لاسيما في دعوى الحصر، فإن صلاته عليهم تحتمل أمورًا أُخر، منها أن يكون من خصائصه، ومنها أن تكون بمعنى الدعاء كما تقدم، ثم هي واقعةُ عين لا عمومَ فيها، فكيف ينتهض الاحتجاج بها لدفع حكم قد تقرر؟ ولم يقل أحد من العلماء بالاحتمال الثاني الذي ذكره.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرَّ محل عبد الله بن يوسف والليث في الذي قبله، ومرَّ يزيد بن أبي حبيب وأبو الخير في الخامس من الإِيمان، ومرَّ عقبة بن عامر في السابع والعشرين من كتاب الصلاة.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإِفراد والعنعنة، ورواته كلهم مصريون، وهو معدود من أصح الأسانيد، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. أخرجه البخاريّ أيضًا في علامات النبوءة، وفي المغازي وفي ذكر الحوض، ومسلم في فضائل النبي ﷺ ، وأبو داود والنَّسَائيّ في الجنائز، ثم قال المنصف:
стр. 5572
باب دفن الرجلين والثلاثة في قبر
ولأبي ذر زيادة "واحد" أي: عند الضرورة، أن كثر الموتى وعَسُر إفراد كل ميت بقبر واحد.
الحديث الحادي والمائة
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ.
قوله: يجمع بين الرجلين من قتلى أُحُد، أي: في ثوب واحد، وهو مستلزم للجمع في قبر واحد، فهو دال على الترجمة، لكن ليس فيه لفظ ثلاثة، وقد قال ابن رشيد: جرى المصنف على عادته إما بالإِشارة إلى ما ليس على شرطه، وإما بالاكتفاء بالقياس. وفي رواية عبد الرزاق "وكان يدفن الرجلين والثلاثة في القبر الواحد".
وورد ذكر الثلاثة في هذه القصة عن أنس أيضًا عند التِّرمذيّ، وروى أصحابه السنن عن هشام بن عامر الأنصاريّ قال: جاءت الأنصار إلى رسول الله ﷺ يوم أُحُد فقالوا: أصابنا قَرْح وجهد، قال: "احفروا وأوسعوا واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر" صححه التِّرمذيّ، والظاهر أن المصنف أشار إلى هذا الحديث، وأما القياس ففيه نظر, لأنه لو أراده لم يقتصر على الثلاثة، بل كان يقول مثلًا "دفن الرجلين فأكثر".
وهذا الحديث الذي قلنا إن المصنف أشار إليه، فيه التصريح بأن ذلك إنما فعل للضرورة، وحينئذ فالمستحب في حال الاختيار أن يدفن كل ميت في قبر واحد، وهذا متفق عليه عند الأئمة، فيكره جمعها اختيارًا. قالت المالكية: جمع الأموات بقبر للضرورة جائز، وإن كانوا أجانب، وعند غير الضرورة مكروهٌ، وإن كانوا محارم، ولابد عند ابن القاسم من جعل شيء من التراب بينهم.
стр. 5573
وقال أشهب: يكفي الكفن، وهذا الحكم عند الحنفية، وقال في البدائع: يجْعَل بين كل اثنين حاجز من التراب، فيكون في حكم قبرين. وعند الشافعية قال القسطلانيّ: لو جمع اثنان في قبر، واتحد الجنس كرجلين وامرأتين كُره عند الماوَرْديّ، وحرم عند السَّرْخَسِيّ، ونقله عنه النوويّ في شرح "المهذب" مقتصرًا عليه. قال السُّبْكيّ: لكن الأصح الكراهة، أو نفي الاستحباب، أما التحريم فلا دليل عليه. وأما إذا لم يتحد الجنس كرجل وامرأة، فإن دعت ضرورة شديدة لذاك جاز، وإلا حرم كما في الحياة. ومحل ذلك إذا لم تكن بينهما محرمية أو زوجية، وإلا فيجوز الجمع صرح به ابن الصباغ، ويحجز بين الميتين مطلقًا بتراب ندبًا والقياس أن الصغير الذي لم يبلغ حد الشهوة، كالمحرم بل أولى وأن الخنثى مع الخنثى أو غيره كالأنثى مع الذكر مطلقًا.
وروى عبد الرزاق عن واثلة بن الأسقع أنه كان يدفن الرجل والمرأة في القبر الواحد فيقدم الرجل ويجعل المرأة وراءه وكأنه كان يجعل بينهما حائلًا من تراب ولاسيما إن كان اجنبيين.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرَّ سعيد بن سليمان في السادس والثلاثين من الوضوء ومرَّ الليث والزهري في الثالث من بدء الوحي، وجابر في الرابع منه، ومرَّ عبد الرحمن في الذي قبل هذا بحديث، ومرَّ من أخرجه فيه. ثم قال المصنف:
стр. 5574
باب من لم ير غسل الشهداء
وفي تنسخة الشهيد بالإِفراد ولو كان الشهيد جنبًا أو حائضًا أو نفساء.
الحديث الثاني والمائة
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ادْفِنُوهُمْ فِي دِمَائِهِمْ. يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ.
قوله ولم يغسلهم، أي: إبقاء لأثر الشهادة عليهم وهو بضم أوله وفتح ثانيه وتشديد ثالثه ولأبي ذر ولم يغسلهم بفتح أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه واستدل بعمومه على أن الشهيد لا يغسل حتى ولا الجنب والحائض وهو الأصح عند المالكية والشافعية وقال سحنون من المالكية: إن الجنب يغسل وقيل: يغسل للجنابة لا بنية غسل الميت لما روي في قصة حنظلة بن الراهب أن الملائكة غسلته يوم أحد لما استشهد وهو جنب، وقصته مشهورة رواها ابن إسحاق وابن حبان والحاكم في صحيحيهما وروى الطبراني وغيره عن ابن عباس بإسناد لا بأس به قال أصيب حمزة بن عبد المطلب وحنظلة بن الراهب، وهما جنب فقال رسول الله ﷺ رأيت الملائكة تغسلهما. غريب في ذكر حمزة واجيب بأنه لو كان واجبًا ما اكتفى فيه بغسل الملائكة فدل على سقوطه عمن يتولى أمر الشهيد وعند أحمد عن جابر أنه قال ﷺ في قتلى أحد: لا تغسلوهم فإن كل جرح أو كل كلم أو دم يفوح مسكًا يوم القيامة ولم يغسلهم. فبين الحكمة في ذلك وروى عن سعيد بن المسيب أنه قال يغسل الشهيد لأن كل ميت يجنب فيجب غسله حكاه ابن المنذر قال وبه قال الحسن البصري ورواه ابن أبي شيبة عنهما، وحكى عن ابن سريج من الشافعية وعن غيره وهو من الشذوذ.
رجاله خمسة:
مرَّ محلهم في الذي قبله سوى أبو الوليد، وقد مرَّ في العاشر من الإِيمان. ثم قال المصنف:
стр. 5575
باب من يقدم في اللحد
أي: إذا كانوا أكثر من واحد وقد دل حديث الباب على تقديم من كان أكثر قرآنًا من صاحبه وهذا نظير تقديمه في الإِمامة.
ثم قال وسمى اللحد لأنه في ناحية وكل جائر ملحد ملتحدًا معدلًا ولو كان مستقيمًا لكان ضريحًا قوله لأنه في ناحية قال أهل اللغة أصل الإِلحاد الميل والعدول عن الشك. وقيل للمائل عن الدِّين ملحد، وسمى اللحد لأنه شُقّ يعمل في جانب القبر، فيميل عن وسط القبر إلى جانبه بحيث يسع الميت، فيوضح فيه، ويطبق عليه اللبن.
وقوله: ملتحدًا، مَعْدِلًا، هو قول أبي عبيدة بن المُثَنّى في كتاب "المجاز". قال: قوله ملتحدًا أي: مَعْدِلًا. وقال الطبريّ: معناه ولن تجد من دونه معدِلًا تعدِل إليه عن الله تعالى, لأن قدرة الله محيطة بجميع خلقه. قال: والملتحد مُفْتَعَلٌ من اللحد، يقال منه: لَحَدْتُ إلى كذا إذا ملت إليه. ويقال: لَحدْته وألْحدته.
قال الفَرّاء: الرباعي أجوب، وقال غيره: الثلاثي أكثر، ويؤيده حديث عائشة في قصة دفن النبي ﷺ "فأرسلوا إلى الشقَّاق واللاحد .. " الحديث. أخرجه ابن ماجه. وقوله: ولو كان مستقيمًا لكان ضريحًا، وذلك لأن الضريح شق يشق في الأرض على الاستواء، ويدفن فيه.
الحديث الثالث والمائة
حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ. فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ وَقَالَ أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلاَءِ. وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ.
стр. 5576
قوله: قدمه في اللحد مما يلي القبلة، وحق لقارىء القرآن الذي خالط لحمه ودمه، وأخذ بمجامعه أن يقدم على غيره في حياته في الإِمامة، وفي مماته في القبر. وفيه تقديم الأفضل فيقدم الرجل ولو أمِّيًا ثم الصبي ثم الخنثى ثم المرأة فإن اتحد النوع، قدم بالأفضلية المعروفة في نظائره، كالأفقه والأقرأ، إلا الأب فيقدم على الابن، وإنْ فَضَله للابن لحرمة الأبوة، وكذا الأم مع البنت.
رجاله ستة:
قد مرّوا، مرَّ محمد بن مقاتل في السابع من العلم، وعبد الله بن المبارك في السادس من بدء الوحي، والباقون هم رجال الذي قبله.
ثم قال: قال ابن المبارك: وأخبرنا الأوزاعي عن الزهريّ عن جابر بن عبد الله، رضي الله تعالى عنهما، "كان رسول الله ﷺ يقول لقتلى أُحُد: أيّ: هؤلاء أكثر أخذًا للقرآن؟ فهذا أشير له إلى رجل قدمه في اللحد قبل صاحبه"، وقال جابر: "فكفن أبي وعمي في نَمِرَة واحدة".
قوله: قال ابن المبارك، في رواية أبي ذرٍّ "وأخبرنا ابن المبارك" وهو بالإِسناد الأول محمد بن مقاتل أخبرنا عبد الله أخبرنا الأوزاعيّ عن الزُّهريّ. وقوله عن جابر، منقطع, لأن ابن شهاب لم يسمع من جابر، زاد ابن سعد في الطبقات "عن الوليد بن مسلم حدثني الأوزاعي" بهذا الإِسناد قال: "زمِّلوهم بجراحهم، فإنّي أنا الشهيد عليهم، ما من مسلم يُكْلَم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة يسيل دمًا .. " الحديث.
وقوله: وقال جابر: فكفن أبي وعمي، عمه المراد به عمرو بن الجَمُوح الآتي تعريفه قريبًا، وكان صديق والد جابر، وزوج أخته هند بنت عمرو، وكان جابرًا سماه عمه تعظيمًا له. قال ابن إسحاق في المغازي: حدثني أبي عن رجال من بني سلمة أن النبي ﷺ ، قال حين أصيب عبد الله بن عمرو، وعمرو بن الجَموح: "اجمعوا بينهما، فإنهما كانا متصادقين في الدنيا" وفي مغازي الواقديّ عن عائشة أنها رأت هند بنت عمرو تسوق بعيرًا لها، عليه زوجها عمرو بن الجموح، وأخوها عبد الله بن عمرو بن حَرام لتدفنهما بالمدينة، ثم أمر ﷺ بِرَدِّ القتلى إلى مضاجعهم.
وأما قول الدمياطيّ أن قوله "وعمي" وهمٌ، فليس بجيد, لأن له محملًا سائغًا، والتجوز في مثل هذا يقع كثيرًا. وحكى الكرمانيّ عن غيره أن قوله "وعمي" تصحيف من عمرو، وقد روى أحمد بإسناد حسن عن أبي قتادة قال: قتل عمرو بن الجموح وابن أخيه يوم أحد، فأمر بهما النبي ﷺ ، فجعلا في قبر واحد".
стр. 5577
قال ابن عبد البَرّ في "التمهيد" ليس هو ابن أخيه، إنما هو ابن عمه، وهو كما قال، فلعله كان أسن منه. وقوله: في نمرة، أي بفتح النون وكسر الميم، بردة من صوف أو غيره مخططة. وقال الفراء: هي دراعة فيها لونان: سواد وبياض، ويقال للسحابة إذا كانت كذلك نمرة. وذكر الواقديّ في المغازي، وابن سعد، أنهما كَفنا في نمرتين، فإن ثبت حمل على أن النمرة الواحدة شقت بينهما نصفين. والذي كفن معه في النمرة هو الذي دفن معه في قبر.
رجاله رجال ما قبله إلا الأوزاعي، قد مرَّ في العشرين من العلم، ومرَّ عبد الله بن حرام في السابع من الجنائز، وعمه المراد به عمرو بن الجموح بن زيد بن حَرام بن كعب بن غنم بن سَلَمة الأنصاري السلمي من سادات الأنصار. واستشهد يوم أُحُد، قال بان إسحاق في المغازي: كان عمرو بن الجموح سيدًا من سادات بني سَلَمة، وشريفًا من أشرافهم. وكان قد اتخذ في داره صنمًا من خشب يعظِّمه، فلما أسلم فتيان بني سلمة، منهم ابنه مُعاذ بن جبل، كانوا يدخلون على صنم عمرو، فيطرحونه في حفرة من حفر بني سلمة، فيغدو عمرو فيجده منكبًا لوجهه في العِذرة، فيأخذه ويغسله ويطيبه، ويقول: لو أعلم من صنع هذا بك لأخزيته، ففعلوا ذلك مرارًا، ثم جاء بسيفه فعلقه عليه، وقال: إن كان بك خير فامتنع، فلما أسمى أخذوا كلبًا ميتًا فربطوه في عنقه، وأخذوا السيف، فأصبح فوجده كذلك، فأبصر رُشْدَه، وقال في ذلك أبياتًا منها:
تاللهِ لو كنتَ إلها لم تكنْ ... أنتَ وكلبٌ وَسْطَ بيرٍ في قَرَنْ
قال ابن الكلبي: كان عمرو بن الجَموح آخر الأنصار إسلامًا، وفي الإصابة عن جابر بطرق كثيرة جدًا قال: قال رسول الله ﷺ : "من سيدكم يا بني سَلَمة؟ فقالوا: الجَدَّ بن قيس، على أننا نُبَخِّله. فقال بيده هكذا، ومد يده، وقال: وأي داء أدوء من البخل؟ بل سيدكم عمرو بن الجموح".
وكان عمرو بن الجموح يُولم على رسول الله ﷺ إذا تزوج، وفي رواية "بل سيدكم الأبيض الجَعدْ عمرو بن الجموح". وفي ذلك يقول بعض الأنصار:
وقال رسول الله، والحقُّ قوله ... لمن قال منا: من تسمون سيدًا
فقالوا له جَد بن قيس على التي ... بنخله فيها وأنْ كان أسودًا
فتى ما تخطَّى حظوة لدنية ... ولا مد في يوم إلى سوءَة يدًا
فسوّد عمرو بن الجموح لجُودهِ ... وحقٌ لعمرو بالندا أن يسودا
إذا جاءه السؤال أنْهَبَ مالَه ... وقال: خذوه إنه عائد غدًا
فلو كنت يا جد بن قيس على التي ... على مثلها عمرو، لكنت المسَوَّدا
وذكر ابن إسحاق ومعمر هذه القصة في بشر بن البراء بن معرور، وكان عمرو بن الجموح
стр. 5578
أعرج، فقيل له يوم أُحُد: والله ما عليك من حرج, لأنك أعرج، فأخذ سلاحه وولّى وقال: والله إني لأرجو أنْ أطأَ بعرجتي هذه في الجنة، ثم أقبل على القِبلة وقال: اللهم ارزقني الشهادة، ولا تردني إلى أهلي خائبًا، فلما قتل يوم أحد، جاءت زوجته هند بنت عمرو بن حَرام، فحملته وحملت أخاها عبد الله على بعير، ودفنا معًا في قبر واحد، ثم قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده إن منكم من لو أقسم على الله لأبَرَّه، منهم عمرو بن الجموح، ولقد رأيته في الجنة يطأ بعرجته".
وروى ابن أبي شيبة عن أبي قتادة قال: أتى عمرو بن الجموح النبيَّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل، تراني أمشي برجلي هذه في الجنة؟ فقال: "نعم"، وكانت عرجاء، فقتل هو وابن أخيه، فمر النبي ﷺ به، فقال: "إني أراك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة". وأمر رسول الله ﷺ بهما ومولاهما، فجعلوا في قبر واحد، وأنشد له المرْزُبانيّ لما أسلم قوله:
أتوب إلى الله سبحانه ... واستغفر الله من ناره
وأثني عليه بآلائه ... بإعلان قلبي وإسراره
ثم قال: وقال سليمان بن كثير: حدثني الزُّهريّ من سمع جابرًا رضي الله تعالى عنه، وفي هذه الرواية إبهام شيخ الزهري، وقد مرَّ البحث فيه قبل بابين. قال الدارقطني في التتبع اضطراب فيه الزهري، وأجيب بمنع الاضطراب لأن الحاصل من الاختلاف فيه على الثقات أنّ الزهريّ حمله عن شيخين، وأما إبهام سُليمان لشيخ الزُّهريّ، وحذف الأوزاعي له فلا يؤثر ذلك في رواية من سماه, لأن الحجة لمن ضبط، وزاد إذا كان ثقة، لاسيما إذا كان حافظًا. وأما رواية أسامة وابن عبد العزيز، فلا تقدح في الرواية الصحيحة, لضعفهما. وقد بينا فيما مرَّ أن البخاريّ صرح بغلط أسامة فيه.
وفي الحديث فضيلة ظاهرة لقارىء القرآن، ويلحق به أهل الفقه والزهد وسائر وجوه الفضل. وهذا التعليق موصول في الزُّهريات للذُّهلي، وسليمان بن كثير مرَّ في التاسع والثلاثين من الجمعة، ومرَّ الزهريّ والراوي المبهم، الذي هو عبد الرحمن بن كعب، وجابر، في حديث المئة قبل هذا بأربعة أحاديث. ثم قال المصنف:
стр. 5579
باب الإِذْخِر والحشيش في القبر
أراد المصنف بذكر الحشيش التنبيه على إلحاقه بالإِذخر، وأن المراد باستعمال الإِذخر البسط ونحوه، لا التطيب. ومراده بالحشيش ما يجوز حشه من الحرم، إذ لم يقيده بشيء.
الحديث الرابع والمئة
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: حَرَّمَ اللَّهُ مَكَّةَ، فَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي وَلاَ لأَحَدٍ بَعْدِي، أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، لاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا، وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلاَ تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلاَّ لِمُعَرِّفٍ. فَقَالَ الْعَبَّاسُ ﵁ إِلاَّ الإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا. فَقَالَ إِلاَّ الإِذْخِرَ.
هذا الحديث مرَّ في باب "كتابة العلم" من كتاب العلم عن أبي هريرة، ومرَّ الكلام عليه مستوفى إلا ما ذكر في حديث أبي شُريح قبله في "باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب". وما دل عليه هذا الحديث من جعل الإِذْخر، تقدم مثله في باب "إذا لم يجد كفنًا". في قصة مصعب بن عُمير، لما قصر كفنه أن يغطي رأسهُ، وأنْ يجعل على رجليه من الإِذْخِر.
ولأحمد عن خبّاب أيضاً أن حمزة لم يوجد له كفن إلا بُرْدة، إذا جعلت على رأسه قلصت عن قدميه، وإذا جعلت على قدميه قلصت عن رأسه، حتى مدت على رأسه، وجعل على قدميه الإِذخِر.
رجاله خمسة:
وفيه ذكر العباس، وقد مرَّ الجميع مرَّ ابن حَوْشب في التاسع من الجماعة والإِمامة، ومرَّ عبد الوهاب الثقفيّ في التاسع من الإِيمان, ومرَّ خالد الحذّاء وعكرمة في التاسع عشر من العلم، وابن عباس في الخامس من بدء الوحي، وأبوه العباس في الثالث والستين من الوضوء.
وأخرجه البخاريّ في الحج وفي البيوع وفي اللقطة.
стр. 5580
ثم قال: وقال أبو هُريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ : "لِقبورنا وبيوتنا" هذا طرف من حديث أبي هريرة المذكورة فيه قصة أبي شاه المُخَرَّج، موصولًا، في باب "كتابة العلم" المار قريبًا أنه استوفى عليه الكلام هناك، ومرَّ أبو هريرة في الثاني من الإِيمان.
ثم قال: وقال أبان بن صالح عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة: سمعت النبي ﷺ .. مثله. وهذا وصله ابن ماجه من طريقه، وفيه فقال العباس: "إلا الإِذْخِر، فإنه للبيوت".
رجاله ثلاثة:
قد مرّوا، مرَّ أبان بن صالح في تعليق بعد التاسع عشر من الجمعة، ومرَّ الحسن بن مسلم وصفية بنت شيبة في التاسع والعشرين من الغُسل.
ثم قال: وقال مجاهد عن طاوس عن ابن عباس، ﵄: "لِقَيْنهم وبيوتهم" وهذا طرف من حديث ابن عباس المذكور أول الباب، ويأتي موصولًا في كتاب الحج، وأورده لقوله فيه "لقَينهم" بدل لقبورهم، والقين، بفتح القاف وسكون التحتانية بعدها نون: هو الحدّاد، وكأنه أشار إلى ترجيح الرواية الأولى لموافقة رواية أبي هريرة وصفية، وقد مرَّ قريبًا محل استيفاء الكلام عليه.
ورجاله ثلاثة:
قد مرّوا، مرَّ مجاهد في أثر أول الإِيمان, ومرَّ طاوس في باب "مَن لم يتوضأ إلا من المخرجين" بعد الأربعين من الوضوء, ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي. ثم قال المصنف:
стр. 5581
باب هل يخرج الميت من القبر واللحد لعلة
أي: لسبب، وأشار بذلك إلى الرد على من منع إخراج الميت من قبره مطلقًا، أو لسبب دون سبب، كمن خص الجواز بما لو دفن بغير غسل، أو بغير صلاة، فإن في حديث جابر الأول دلالة على الجواز، إذا كان في نبشه مصلحة تتعلق به من زيادة البركة، وعليه يتنزَّل قوله في الترجمة "من القبر" وفي حديث جابر الثاني دلالة على جواز الإِخراج لأمر يتعلق بالحي, لأنه لا ضرر على الميت في دفن ميت آخر معه، وقد بين ذلك جابرٌ بقوله "فلم تطب نفسي" وعليه يتنزل قوله و"اللحد" لأن والد جابر كان في لحد، وإنما أورد المصنف الترجمة بلفظ الاستفهام, لأن قصة عبد الله بن أُبيّ قابلةٌ للتخصيص، وقصة والد جابر ليس فيها تصريح بالرفع. قاله الزين بن المنير.
الحديث الخامس والمئة
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرٌو سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَمَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَكَانَ كَسَا عَبَّاسًا قَمِيصًا. قَالَ سُفْيَانُ وَقَالَ أَبُو هَارُونَ وَكَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَمِيصَانِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلْبِسْ أَبِي قَمِيصَكَ الَّذِي يَلِي جِلْدَكَ. قَالَ سُفْيَانُ فَيُرَوْنَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَلْبَسَ عَبْدَ اللَّهِ قَمِيصَهُ مُكَافَأَةً لِمَا صَنَعَ.
وقد مرَّ هذا الحديث في باب الكفن في القميص، وزاد في هذه الطريق "وكان كسا عباسًا قميصًا" وفي رواية الكشميهنيّ "قميصه". وقوله: قال سفيان وقال أبو هارون الخ، كذا وقع في رواية أبي ذَرٍ وغيرها، ووقع في كثير من الروايات "وقال أبو هُريرة" وكذا في مستخرج أبي نعيم، وهو تصحيف، وأبو هارون يأتي قريبًا ما قيل في تعريفه.
وقوله: قال سفيان فيرون أن النبي ﷺ ألبس عبد الله قميصه مكافأة لما صنع، بالعباس، وهذا القدر متصل عند سفيان، وقد أخرجه البخاري في الجهاد في باب "كسوة الأسارى" عن سفيان،
стр. 5582
بالسند المذكور. قال: لما كان يوم بدر أُتي بأُسارى وأُتِي بالعبّاس ولم يكن عليه ثوب، فوجدوا قميص عبد الله بن أُبَيّ يقدر عليه، فكساه النبي ﷺ إياه، فلذلك نزع النبي ﷺ قميصه الذي ألبسه، ويحتمل أن يكون قوله "فلذلك" من كلام سفيان أُدرج في الحديث، بينته رواية عليّ بن عبد الله التي في هذا الباب.
رجاله أربعة:
وفيه عبد الله بن أُبَيّ المنافقُ، وقد مرَّ الجميعُ. مرَّ علي بن المَدِينيّ في الرابع عشر من العلم، ومرَّ عمرو بن دينار في الرابع والخمسين منه، ومرَّ سفيان بن عُيينة في الأول من بدء الوحي، وجابر في الرابع منه، ومرَّ عبد الله بن أُبيّ المُنافق وابنه عبد الله الصحابي في الحادي والثلاثين من الجنائز.
وقيل: إن لفظ أبي هريرة تصحيف، والصواب "أبي هارون". وهو موسى بن أبي عيسى أو عيسى بن أبي موسى, لأن الحميدي أخرجه في مسنده عن سفيان، فسماه عيسى بن أبي موسى. قال في "الفتح": وهذا هو المعتمد، وقيل: هو أبو هارون الغَنَوِيّ، واسم إبراهيم بن العلاء.
وها أنا أذكر تعريف الأول الذي هو موسى بن أبي عيسى الحنّاط الغِفارِيّ، أبو هارون المَدَنيّ، واسم أبي عيسى مَيْسَرة، ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال النَّسائيّ ثقة، روى عن دينار أبي عبد الله القَرَّاظ، وقيس بن سعد المَكِّي ونافع مولى ابن عمر وغيرهم. وروى عنه حَفْص بن مَيْسَرة والسفيانان وغيرهم. وأما الغَنَويّ فلم أر له تعريفًا، فقد ذكره في "تهذيب التهذيب" في ترجمة موسى بن أبي عيسى هذا، وقال: سيأتي ذكره في ترجمته إن شاء الله تعالى، ولما جاء إلى الكنى قال: أبو هارون الغنوي، اسمه إبراهيم بن العلاء، تقدم، ولم يأت به في فصل إبراهيم، فضاع تعريفه في الإِحالة. ولم يذكره أيضًا صاحب الخلاصة.
وأما علي إنه عيسى، فلم أعرف ما المراد به، فعيسى بن أبي عيسى الحنّاط أخو موسى بن أبي عيسى المتقدم ضعيفٌ جدًا، ولم يخرج له البخاري شيئًا، وفي رجال البخاري عيسى بن موسى ثلاثة: التّيْميّ أو التّميميّ مولاهم، أبو أحمد البخاري الأزرق، المعروف بفنجار. والثاني القُرَشي أبو محمد، ويقال أبو موسى الدمشقي. والثالث حجازيّ، وهذه الثلاثة لم أر لسفيان بن عَيينة رواية عن واحد منهم.
هذا تحرير هذه المسألة، ولم أر ذكرًا في كتب الرجال لعيسى بن أبي موسى الذي قال في "الفتح" إنه هو المعتمد، والله الموفق للصواب. وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الجنائز وفي اللباس وفي الجهاد، ومسلم في التوبة، والنَّسائيّ، في الجنائز.
стр. 5583
الحديث السادس والمئة
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ دَعَانِي أَبِي مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ مَا أُرَانِي إِلاَّ مَقْتُولاً فِي أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَإِنِّي لاَ أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ، غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنَّ عَلَيَّ دَيْنًا فَاقْضِ، وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا. فَأَصْبَحْنَا فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ، وَدُفِنَ مَعَهُ آخَرُ فِي قَبْرٍ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ الآخَرِ فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ هُنَيَّةً غَيْرَ أُذُنِهِ.
قوله: عن جابر، هكذا أخرجه البخاريّ بهذا السند عن جابر، وقال في الفتح: لم أره بعد التتبع الكثير في شيء من كتب الحديث، بهذا الإِسناد إلى جابر، إلا في البخاري. وقد عز على الإِسماعيلي مخرجه فأخرجه في مستخرجه من طريق البخاري، وأما أبو نعيم فأخرجه عن أبي الأشعث عن بشر بن المفضل فقال: عن سعيد بن يزيد عن أبي نضرة عن جابر.
وقال بعده: ليس أبو نضرة من شرط البخاريّ. قال: وروايته عن حسين من عطاء عزيزة جدًا، وطريق سعيد مشهورة عنه، أخرجها أبو داود وابن سعد والحاكم والطبرانيّ من طريقه عن أبي نضرة عن جابر، قال: واحتمل عندي أن يكون لبشر بن المفضل فيه شيخان إلى أن رأيته في المستدرك للحاكم.
أخرجه عن معاذ بن المثنى عن مسدد عن بشر، ما رواه أبو الأشعث عن بشر، وكذا أخرجه في الإِكليل بهذا الإِسناد إلى جابر، ولفظه ولفظ البخاريّ سواء، فغلب على الظن حينئذ أن في هذه الطريق وهمًا، لكن لم يتبين لي من هو، ولم أر من نبّه علي ذلك، وكأن البخاريّ استشعر بشيء من ذلك، فعقب هذه الطريق بما أخرجه عن ابن أبي، نَجيح عن عطاء عن جابر، مختصرًا، ليوضح أن له أصلًا من طريق عطاء عن جابر.
وقوله: ما أراني: هو بضم الهمزة، بمعنى الظن. وذكر الحاكم في المستدرك عن الواقديّ أن سبب ظنه ذلك منامٌ رآه أنه رأى مُبَشِّر بن عبد المُنذر، وكان ممن استشهد ببدر، يقول له: أنت قادم علينا في هذه الأيام، فقصها على النبي ﷺ ، فقال: هذه الشهادة. وفي رواية أبي نضرة المذكورة عند ابن السكن عن جابر أن أبان قال له: إني مُعَرض نفسي للقتل الحديث، وقال ابن التين: إنما قال ذلك بناء على ما كان عزم عليه، وإنما قال "من أصحاب رسول الله ﷺ " إشارة إلى ما أخبر به النبي ﷺ ، أن بعض أصحابه سيقتل، كما سيأتي في المغازي إن شاء الله تعالى.
стр. 5584
وقوله: إنّ عليَّ دينًا، سيأتي حديث دينه مستوفى في البيوع. والوصايا وفي علامات النبوءة، وسأستوفي الكلام عليه عند أول ذكره. وقوله: فاقض، كذا في الأصل بحذف المفعول، وفي رواية الحاكم "فاقضه". وقوله: بأخواتك، وعدة أخوات جابر اختلف فيها، ففي رواية النفقات "هلك أبي وترك سبع بنات أو تسع بنات" وفي المغازي من رواية سفيان عن عمرو "وترك تسع بنات كن لي تسع أخوات"، وفي رواية الشعبي فيها "فترك ست بنات فكان ثلاثًا منهن كن متزوجات أو بالعكس".
قال في الفتح: لم أقف على تسميتهن، فقد أكد عليه بالوصية عليهن مع ما كان في جابر من الخير، فوجب لهن حق القرابة، وحق وصية الأب، وحق اليتيم، وحق الإِسلام.
وقوله: ودفن معه آخر، قد مرَّ الكلام عليه قبل بابين. وقوله: فاستخرجه بعد ستة أشهر، أي: من يوم دفنه، وهذا يخالف في الظاهر ما وقع في الموطأ، عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، أنه بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين، كانا قد حفر السيل قبرهما، وكانا في قبر واحد، فحفر عنهما ليغير من مكانهما، فوجدا لم يتغيرا، كأنهما ماتا بالأمس، وكان بين أُحد ويوَم حُفِر عنهما ست وأربعون سنة.
وقد جمع بينهما ابن عبد البَر بتعدد القصة، وفيه نظر, لأن الذي في حديث جابر أنه دَفَن أباه في قبر وحده بعد ستة أشهر. وفي حديث الموطأ أنهما وجدا في قبر واحد بعد ستة وأربعين سنة، فإما أنّ المراد بكونهما في قبر واحد قرب المجاورة، أو أن السيل خرق أحد القبرين فصارا كقبر واحد.
وقد ذكر ابن إسحاق القصة في المغازي فقال: حدثني أبي عن أشياخ من الأنصار قالوا: لما ضرب معاوية عينه التي مرت على القبور الشهداء، انفجرت العين عليهم، فجئنا فأخرجناهما، يعني عمرًا وعبد الله، وعليهما بُردتان قد غطى بهما وجوههما، وعلى أقدامهما شيء من نبات الأرض، فأخرجناهما يتثنيان تثنيًا، كأنهما دفنا بالأمس.
وله شاهد بإسناد صحيح عند ابن سعد عن أبي الزبير عن جابر. وقوله: فإذا هو كيوم وضعته هنية غير أذنه، وقال عِياض في رواية ابن السكن والنَّسَقِيّ "غير هُنَيَّة في أُذُنه" بتقدم غير وزيادة في، وهو الصواب. وفي الأول تغيير. قال: ومعنى قوله "هنية" أي: شيء يسير، وهو بنون بعدها تحتانية مصغر، وهو تصغير هَنَة، أي: شيء، فصغره لكونِه أثرًا يسيرًا، وقد قال الإِسماعيليُّ بعد سياقه بلفظ الأكثر: إنما هو "عند" وهكذا وقع في رواية أبي ذَرٍّ عن الكشميهنيّ، لكن يبقى في الكلام نقص يبينه ما في رواية أبي خيثمة والطبرانيّ عن عتبان بن مُضر عن أبي سلمة بلفظ "وهو كيوم دفنته إلا
стр. 5585
هُنَيَّة عند أُذُنه" وهو موافق من حيث المعنى لرواية ابن السكن التي صوبها عياض.
وجمع أبو نعيم في روايته عن أبي الأشعث بين لفظ "غير" ولفظ "عند" فقال: غير هنية عند أذنه، وفي رواية الحاكم المشار إليها "فإذا هو كيوم وضعته، غير أذنه" سقط منها لفظ "هنية"، وهو مستقيم المعنى، وكذا ذكره الحميديّ في أفراد البخاريّ، والمراد بالأُذُن بعضها، وحكى ابن التين أنه في روايته بفتح الهاء وسكون التحتانية بعدها همزة ثم مثناة منصوبة ثم هاء الضمير، أي: على حالته، وقد أخرجه ابن السكن عن شعبة عن أبي مسلمة بلفظ "غير أن طرف أذن أحدهم تغير".
ولابن سعد عن أبي هلال عن أبي مسلمة "إلا قليلًا من شحمة أذنه" ولأبي داود عن حماد بن زيد عن أبي مسلمة "إلا شعرات كن من لحيته مما يلي الأرض" ويجمع بين هذه الرواية وغيرها بأن المراد الشعرات التي تتصل بشحمة الأذن، وأفادت هذه الرواية سبب تغير ذلك دون غيره، ولا يعكر على ذلك ما رواه الطبرانيّ بإسناد صحيح عن محمد بن المنْكَدِر عن جابر أن أباه قُتل يوم أُحد، ومثّلوا به، فجدعوا أنفه وأذنيه .. الحديث، وأصله في مسلم, لأنه محمول على أنهم قطعوا بعض أذنيه لا جميعهما.
رجاله خمسة:
وفيه ذكر أبي جابر، وقد مرَّ الجميع مرَّ مسدد وحسين المَعلّم في السادس من الإِيمان, ومرَّ بشر بن المفضل في التاسع من العلم، ومرَّ عطاء في التاسع والثلاثين منه، ومرَّ جابر في الرابع من بدء الوحي، ومرَّ أبوه عبد الله في السابع من الجنائز، وفي الحديث "ورجل آخر" والمراد به عمرو بن الجموح، وقد مرَّ في الرابع والمئة من الجنائز هذا.
الحديث السابع والمئة
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: دُفِنَ مَعَ أَبِي رَجُلٌ فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي حَتَّى أَخْرَجْتُهُ فَجَعَلْتُهُ فِي قَبْرٍ عَلَى حِدَةٍ.
قوله: عن عطاء، كذا للأكثر، وحكى أبو علي الحيّانيّ أنه وقع عند أبي عليّ بن السكن عن مجاهد بدل عطاء، قال: والذي رواه غيره أصح، وكذا أخرجه ابن سعد والنَّسائيّ، والإِسماعيليّ وآخرون، وكلهم عن سعيد بن عامر بالسند المذكور فيه، وهو الصواب، وفي قصة والد جابر من الفوائد الإرشاد إلى بر الأولاد بالآباء، خصوصًا بعد الوفاة، والاستعانة على ذلك بإخبارهم
стр. 5586
بمكانتهم من القلب. وفيه قوة إيمان عبد الله المذكور لاستثنائه النبي ﷺ ممن جعل ولده أعز عليه منهم. وفيه كرامته بوقوع الأمر على ما ظن، وكرامته يكون الأرض لم تبل جسده مع لبثه فيها، والظاهر أن ذلك لمكان الشهادة، وفيه فضيلة لجابر بعمله بوصية أبيه بعد موته في قضاء دينه.
رجاله ستة:
قد مرّوا، مرَّ عليّ بن المدِينيّ في الرابع عشر من العلم، ومرَّ سعيد بن عامر في الثاني والعشرين من الكسوف، ومرَّ شُعبة في الثالث من الإِيمان, ومرَّ ابن أبي نَجيح عبد الله في الرابع عشر من العلم أيضًا، ومرَّ محل جابر وأبيه وعطاء في الذي قبله، وكذلك الرجل المدفون مع أبيه. ثم قال المصنف:
стр. 5587
باب اللحد والشق في القبر
أورد فيه حديث جابر في قصة قتلى أُحد، وليس فيه للشّق ذكر، قال ابن رشيد: قوله في حديث جابر "قدمه في اللحد .. ظاهر في أن الميتَيْن جميعًا في اللحد، ويحتمل أن يكون المقدم في اللحد، والذي يليه في الشق، لمشقة الحفر في الجانب لمكان اثنين، وهذا يؤيد ما تقدم توجيهه، أن المراد بقوله "فكفن أبي وعمي في نَمِرَة واحدة" أي: شقت بينهما، ويحتمل أن يكون ذكر الشق في الترجمة لينبه على أن اللحد أفضل منه, لأنه الذي وقع دفن الشهداء فيه، مع ما كانوا فيه من الجهد والمشقة، فلولا مزيد فضيلة فيه ما عانوه.
وفي السنن لأبي داود وغيره عن ابن عباس مرفوعًا "اللحد لنا والشق لغيرنا" وهو يؤيد فضيلة اللحد على الشق، ومعنى "اللحد لنا" أي: لأجل أموات المسلمين، والشق لأجل أموات الكفار. والمراد بهم أهل الكتاب كما جاء مصرحًا به في مسند الإِمام أحمد من حديث جرير "الشق لأهل الكتاب" وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل اللحد على الشق، منها اما رواه ابن أبي شَيبة عن عائشة، وابن عمر، أن النبي ﷺ "أوصى أن يُلْحَد له" ومنها حديث سعد بن أبي وقّاص عند مسلم والنَّسائيّ وابن ماجه: أنّ سعدًا قال في مرضه الذي مات فيه: ليجدوا لي لحدًا، وانصبوا عليَّ اللَّبن نصبًا كما فعل برسول الله ﷺ .
ومنها ما أخرجه ابن سعد في الطبقات من حديث أبي طلحة قال: اختلفوا في الشق واللحد للنبي ﷺ ، فقال المهاجرون: شقوا كما يحفر أهل مكة، وقالت الأنصار: الحدوا كما يحفر بأرضنا، فلما اختلفوا في ذلك قالوا: اللهم خِرْ لنبيك، إبعثوا إلى أبي عبيدة وأبي طلحة، فأيهما جاء قبل الآخر فليعمل عمله. قال: فجاء أبو طلحة، فقال: والله إني لأرجو أن يكون الله قد خار لنبيه أنه كان يرى اللحد فيعجبه، إلى غير هذا من الأحاديث.
والحكمة في اختياره ﵊ اللحد على الشق، هي كونه استر للميت، وأنه ﵊ قال للأنصار "المحيا محياكم، والممات مماتكم" فأراد إعلامهم بأنه إنما يموت عندهم، ولا يريد الرجوع إلى بلده مكة، فوافقهم أيضًا في صفة الدفن، واختار الله له ذلك.
وروى السلفي عن أُبَيّ بن كعب يرفعه "أُلحِد لآدم وغُسل بالماء وترا وقالت الملائكة: هذه سنة
стр. 5588
ولده من بعده"، ونصت المالكية والشافعية على أن اللحد أفضل من الشق إلا إذا كان المكان رِخوًا، فالشق أفضل خوف الانهيار، وقد قال النووي في شرح "المهذّب": أجمع العلماء على جوازهما, وليس في الشق عندهم وعند المالكية كراهة.
وقد قال العينيّ: الجمهور على كراهة الدفن في الشق، وهو قول إبراهيم النخعيّ وأبي حنيفة ومالك والشافعيّ وأحمد، فلو شقوا لمسلم يكون تركًا للسنة، اللهم إذا كانت الأرض رِخوة لا تحتمل اللحد، فإن الشق حينئذ متعيّن قلت: من أين له بالكراهة عند المالكية والشافعية؟ ثم قال: وقال فخر الإِسلام في "الجامع الصغير": وإن تعذر اللحد فلا بأس بالتابوت يتخذ للميت، لكن السنة أن يفرش فيه التراب. وقال صاحب المبسوط والمحيط والبديع وغيرهم، عن الشافعيّ أن الشق أفضل عنده. ونقله القَرَافيّ في "الذخيرة" عنه، قلت: مذهب مالك أنّ صب التراب عليه ومباشرته بها أفضل من التابوت.
الحديث الثامن والمئة
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ ثُمَّ يَقُولُ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ. فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ فَقَالَ أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلاَءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ.
هذا الحديث قد مرَّ في باب الصلاة على الشهيد، ومرَّ الكلام عليه هناك.
رجاله ستة:
قد مرّوا، مرَّ عبدان وعبد الله بن المبارك في السادس من بدء الوحي، والليث والزهريّ في الثالث منه، وجابر في الرابع منه، وعبد الرحمن بن كعب في المئة من الجنائز هذا ثم قال المصنف:
стр. 5589
باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه وهل يعرض على الصبي الإِسلام
هذه الترجمة معقودة لصحة إسلام الصبي، وهي مسألة اختلاف، والصحيح صحته، للحديث الآتي قريبًا وقوله: وهل يعرض عليه، ذكره هنا بلفظ الاستفهام، وترجم في كتاب الجهاد بصيغة تدل على الجزم بذلك، فقال: وكيف يعرض الإِسلام على الصبيّ، وكأنه لما أقام الأدلة هنا على صحة إسلامه استغنى بذلك، وأفاد هناك ذكر الكيفية.
ثم قال: وقال الحسن وشُرَيح وإبراهيم وقتادة: إذا أسلم أحدهما فالولد مع المسلم، ولفظ الحسن في "الصغير" قال: مع المسلم من والديه، وأثر إبراهيم في نصرانيين بينهما ولد صغير فأسلم أحدهما. قال: أولاهما به المسلم، وأثر شريح أنه اختصم إليه في صبيّ أحد أبويه نصرانيّ، قال: الوالد المسلم أحق بالولد، وأثر قتادة نحو قول الحسن، أما أثر الحسن وشريح فأخرجهما البيهقيّ عن يحيى بن يحيى، وأثرا قتادة وإبراهيم فقد أخرجهما عبد الرزاق عن معمر. والحسن البصري قد مرَّ في الرابع والعشرين من الإِيمان، ومرَّ إبراهيم النخعيّ في الخامس والعشرين منه، وقتادة في السادس منه، ومرَّ شريح في تعليق بعد التاسع والعشرين من الحيض.
ثم قال: وكان ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، مع أمه من المستضعفين، ولم يكن مع أبيه على دين قومه، وهذا وصله المصنف في الباب من حديثه الخ. وقوله: ولم يكن مع أبيه على دين قومه، هذا قاله المصنف تفقهًا، وهو مبنيٌّ على أن إسلام العباس كان بعد وقعة بدر، وقد اختلف في ذلك، ومرَّ الكلام عليه في تعريف العباس في المحل المذكور آنفًا. وهذه الآثار كلها دالة على أنّ الصبيّ تابع لمن أسلم من أبويه أُمًا كان أو أبًا، وهو أحد أقوال ثلاثة. والثاني يتبع أباه، ولا يعد بإسلام أُمه مسلمًا، وهذا قول مالك في المُدَوَّنة، والثالث تبع لأمه وإن أسلم أبوه، وهذه مقالة شاذّة.
وقال ابن بطال: أجمع العلماء في الطفل الحربيّ يسبى ومعه أبواه إن إسلام الأم إسلام له، وإذا لم يكن معه أبواه أو وقع في القسمة دونهما ثم مات في ملك مشتريه، فقال مالك في المدونة: لا يصلى عليه إلا أن يجيب إلى الإِسلام بأمر يعرف به أنه عَقَله، وهو المشهور من مذهبه. وعنه، إذا لم يكن معه أحد من آبائه، ولم يبلغ أن يتديّن أو يدعى، ونوى به سيده الإِسلام فإنه يصلى عليه، وأحكامه أحكام المسلمين في الدفن في مقابر المسلمين والموارثة، وهو قول ابن الماجشُون
стр. 5590
وابن دينار وأصْبَغ، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والشافعيّ.
وفي شرح الهداية إذا سبي صبيّ معه أحد أبويه فمات، لم يصلَّ عليه حتى يقر بالإِسلام، وهو يعقل، أو يسلم أحد أبويه خلافًا لمالك في إسلام الأم، والشافعي في إسلامه هو. والولد يتبع خير الأبوين دينًا، وللتبعية مراتب أقواها تبعية الأبوين، ثم الدار، ثم اليد. وفي المغنى لا يصلى على أولاد المشركين، إلا أن يسلم أحد أبويهم، أو يموت مشركًا، فيكون ولده مسلمًا، أو يسبى منفردًا أو مع أحد أبويه، فإنه يصلى عليه. وقال أبو ثور: إذا سبي مع أحد أبويه لا يصلى عليه إلا إذا أسلم. وعنه إذا أُسر مع أبويه أو أحدهما، أو وحده، ثم مات قبل أن يختار الإِسلام يصلى عليه. وابن عباس مرَّ في الخامس من بدء الوحي، ومرت أم الفضل في الثاني والثلاثين من صفة الصلاة، ومرَّ أبوه العباس في الثالث والستين من الوضوء.
ثم قال: وقال: الإِسلام يعلو ولا يعلى، كذا في جميع نسخ البخاري، لم يعين القائل، قال في الفتح: لم أجده من كلام ابن عباس بعد التتبع الكثير، ورايته موصولًا مرفوعًا عن عائذ بن عمر، والمزنيّ، أخرجه الدارقطني ومحمد بن هارون الرويانيّ بسند حسن، ورواه، أبو يعلى الخليليّ في فوائده، وزاد في أوله قصة، وهي أن عائذ بن عمرو جاء يوم الفتح مع أبي سفيان بن حرب، فقال الصحابة: هذا أبو سفيان وعائذ بن عمرو، فقال رسول الله ﷺ : "هذا عائذ بن عمرو وأبو سفيان، الإِسلام أعز من ذلك، الإِسلام يعلو ولا يعلى".
وفي هذه القصة أن للمبدأ به في الذكر تأثيرًا في الفضل، لما يفيده من الاهتمام، وليس فيه حجة على أن الواو ترتب، أخرجه ابن حزم في المحلّى عن ابن عباس قال: إذا أسلمت اليهودية أو النصرانية تحت اليهوديّ أو النصرانيّ يُفَرَّق بينهما، الإِسلام يعلو ولا يعلى.
أما ابن عباس قد مرَّ محله في الذي قبله، وأما عائذ بن عمرو، وها أنا أذكر تعريفه، فهو عائذ بن عمرو بن هلال بن عَبيد بن يزيد المُزَنيّ أبو هبيرة، كان ممن بايع تحت الشجرة ثبت ذلك في الصحيح، سكن البصرة، وابتنى بها دارًا، وروى مسلم أن عائذ بن عمرو كان من أصحاب النبي ﷺ ، دخل على عُبيد الله بن زياد فقال: أي شيء سمعت من رسول الله ﷺ ؟ فقال: سمعته يقول: "إن شر الرِّعاء الحُطَمَةَ .. " الحديث.
وروى البغوي عن أسماء بن عُبيد: كان عائذ بن عمرو لا يخرج من داره، فسئل، فقال: لأن أُصب طَسَّتي في حجرتي، أحب إليّ من أن أصبه في طريق المسلمين. له سبعة أحاديث اتفقا على حديث واحد، روى عنه الحسن، ومعاوية بن قُرّة، وأبو جمرة الضِّبعِيّ وغيرهم. مات في إمارة ابن زياد في أيام يزيد بن معاوية.
стр. 5591
الحديث التاسع والمئة
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ انْطَلَقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي رَهْطٍ قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ، حَتَّى وَجَدُوهُ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ عِنْدَ أُطُمِ بَنِ مَغَالَةَ، وَقَدْ قَارَبَ ابْنُ صَيَّادٍ الْحُلُمَ فَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى ضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ لاِبْنِ صَيَّادٍ تَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ. فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ صَيَّادٍ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ. فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ لِلنَّبِىِّ ﷺ أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَرَفَضَهُ وَقَالَ آمَنْتُ بِاللَّهِ وَبِرُسُلِهِ. فَقَالَ لَهُ مَاذَا تَرَى. قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ خُلِّطَ عَلَيْكَ الأَمْرُ ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِنِّي قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا. فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ هُوَ الدُّخُّ. فَقَالَ اخْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ. فَقَالَ عُمَرُ ﵁ دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ فَلاَ خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ. وَقَالَ سَالِمٌ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ انْطَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ إِلَى النَّخْلِ الَّتِى فِيهَا ابْنُ صَيَّادٍ وَهُوَ يَخْتِلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنِ ابْنِ صَيَّادٍ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ ابْنُ صَيَّادٍ فَرَآهُ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ، يَعْنِي فِي قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا رَمْزَةٌ أَوْ زَمْرَةٌ، فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ فَقَالَتْ لاِبْنِ صَيَّادٍ يَا صَافِ وَهْوَ اسْمُ ابْنِ صَيَّادٍ هَذَا مُحَمَّدٌ ﷺ . فَثَارَ ابْنُ صَيَّادٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ. وَقَالَ شُعَيْبٌ فِي حَدِيثِهِ فَرَفَصَهُ رَمْرَمَةٌ، أَوْ زَمْزَمَةٌ.
ومقصود البخاري منه الاستدلال هنا بقوله ﷺ لابن صياد: "أتشهد أني رسول الله؟ " وكان إذ ذاك دون البلوغ، فإنه يدل على المدعى، ويدل على صحة إسلام الصبيّ وأنه لو أقر لقبل لأنه فائدة العرض. وقوله: إن عمر انطلق، هذا الحديث فيه ثلاثة قصص، أوردها المصنف تامة في الجهاد في باب كيف يعرض الإِسلام على الصبيّ من طريق معمر، وفي الأدب من طريق شعيب، واقتصر هنا على الاثنتين الأُوْلَيَين، وفي الشهادات على الثانية، وفي الفتن على الثالثة.
وقوله: قبَل ابن صياد بكسر القاف وفتح الموحدة، أي: إلى جهته، وقوله: عند أُطُم بني مغالة، الأُطُم بضمتين، بناء كالحصن، ومَغَالة، بفتح الميم والمعجمة الخفيفة، بطن من الأنصار. وقوله: وقد قارب ابن صِيّاد الحلم، وفي رواية أبي ذَرٍّ "صائد" وكلا الأمرين كان يدعى به، وفي رواية معمر "وقد قارب ابن صياد يومئذ يحتلم"، ولم يقع ذلك في رواية الإِسماعيليّ، فاعترض به، فقال: لا يلزم من كونه غلامًا أن يكون لم يحتلم.
стр. 5592
وقوله: أشهد أنك رسول الأميين، فيه إشعار بأن اليهود الذين كان ابن صيّاد منهم، كانوا معترفين ببعثة رسول الله ﷺ ، لكن يدّعون أنها مخصوصة بالعرب، وفساد حجتهم واضح جدًا، لأنهم إذا قروا أنه رسول الله استحال أن يكذب على الله، فإذا ادعى أنه رسوله إلى العرب وإلى غيرهم تعين صدقه، فوجب تصديقه.
وقوله: فقال ابن صياد أتشهد أني رسول الله؟ وعند الترمذي عن أبي سعيد "أتشهد أنت أني رسول الله". وقوله: فرفضه، للأكثر بالضاد المعجمة، أي تركه. قال الزين بن المنير: أنكرها القاضي، ولبعضهم بالمهملة، أي دفعه برجله، قال عياض: كذا في رواية أبي ذَرٍ عن غير المستملي، ولا وجه لها. قال المازريّ: لعله رفسه، بالسين المهملة، أي ضربه برجله. قال عياض: لم أجد هذه اللفظة في جماهير اللغة بالصاد، قال: وفي رواية الأصيلي بالقاف بدل الفاء، وفي رواية عَيْدوس "فوقصه" بالواو والقاف.
وقوله: وقال رسول الله آمنت بالله وبرسله، وللمستملي "ورسوله" بالإِفراد، وفي حديث أبي سعيد "آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر". قال الزين بن المنير: إنما عرض النبي ﷺ الإِسلام على ابن صيّاد بناءًا على أنه ليس الدجال المحذَّر منه، ولا يتعين هذا، بل الذي يظهر أن أمره كان محتملًا، فأراد اختباره بذلك، فإن أجاب غلب ترجيح أنه ليس هو وإن لم يجب تمادى الاحتمال، أو أراد باستنطاقه إظهار كذبه المنافي لدعوى النبوءة، ولمّا كان ذلك هو الجواب أجابه بجواب منصف، فقال: آمنت بالله ورسله.
وقال القرطبيّ: كان ابن صياد على طريقة الكهنة، يخبر بالخبر فيصح تارة، ويفسد أخرى، فشاع ذلك، ولم ينزل في شأنه وحيٌ، فأراد النبي ﵊ سلوك طريقة يختبر حاله بها، أي: فهو السبب في انطلاق النبي ﷺ إليه. وأخرج أحمد عن جابر قال: ولدت امرأة من اليهود غلامًا ممسوحة عينه، والأخرى طالعة ناتئة، فاشفق النبي ﷺ أن يكون هو الدجال. وللتِّرْمِذِيّ عن أبي بكرة مرفوعًا "يمكث أبو الدجال وأمه ثلاثين عامًا لا يولد لهما، ثم يولد لهما غلامٌ أضر شيء وأقله منفعة، قال: ونعتهما فقال: فأما أبوه فطويل، ضَرْب اللحم، كأنّ أنفه منقارُ. وأما أمه فَفَرْضَاخَة، أي: بفاء مفتوحة وراء ساكنة وبمعجمتين، والمعنى أنها ضخمة طويلة اليدين. قال: فسمعنا بمولود بتلك الصفة، فذهبت أنا والزبير بن العوّام حتى دخلنا على أبويه، يعني ابن صياد، فإذا هما بتلك الصفة".
قلت: هذا الحديث لا تمكن صحته, لأن راوية أبا بكرة لم يقع إسلامه إلا عام الفتح سنة ثمان، وابن صياد في الحديث الصحيح أنه قد قارب الحلم، وقت اختباره ﵊ له إلا على التجوز في قوله "فسمعنا بمولود". ولأحمد والبزار عن أبي ذَرٍّ قال: بعثني النبي ﷺ إلى أمه
стр. 5593
فقال: سلها كم حملت به؟ فقال: حملت به اثني عشر شهرًا، فلما وقع صاح صياح الصبيّ ابن شهر. فكان ذلك هو الأصل في إرادة استكشاف أمره.
وقوله: فقال له ماذا ترى؟ فقالَ ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب، في حديث جابر عند الترمذيّ، ونحوه عند مسلم، فقال: أرى حقًا وباطلًا، أرى عرشًا على الماء. وفي حديث أبي سعيد عنده "أرى صادقين وكاذبًا" ولأحمد: "أرى عرشًا على البحر، حوله الحيتان، فقال: "خلط عليك الأمر" وفي رواية "لبُس" بضم اللام وتخفيف الموحدة المكسورة بعدها مهملة، أي: خلط عليه.
وفي حديث أبي الطفيل عند أحمد، فقال: "تعوّذوا بالله من شر هذا" وقوله: إني قد خبأت لك خبيئًا، بفتح المعجمة وكسر الموحدة بعدها تحتانية ساكنة ثم همزة، وفي رواية بكسر المعجمة وبفتحها وسكون الموحدة بعدها همزة، أي أخفيت لك شيئًا، وقوله: هو الدُّخ، بضم المهملة بعدها معجمة، وحكى صاحب "المحكم" الفتحَ، وعند الحاكم الزَّخ، بفتح الزاي بدل الدال، وفسره بالجماع، واتفق الأئمة على تغليطه في ذلك.
ويرده ما وقع في حديث أبي ذرٍّ المذكور "فأراد أن يقول الدخان، فلم يستطع، فقال: الدخ" وللبزّار والطبرانيّ في الأوسط عن زيد بن حارثة قال: كان النبي ﷺ خبأ له سورة الدخان، وكأنه أطلق السورة وأراد بعضها، فإن عند أحمد عن عبد الرزاق في حديث الباب "وخبأت له يوم تأتي السماء بدخان مبين". وأما جواب ابن صياد "بالدخ" فقيل: إنه اندهش فلم يقع من لفظ "الدخان" إلا على بعضه. وحكى الخطابيّ أن الآية حينئذ كانت مكتوبة في يد النبي ﷺ ، فلم يهتد ابن صياد منها إلاَّ لهذا القدر الناقص على طريقة الكهنة. ولهذا قال له النبي ﷺ : "لن تعدو قدرك" أي: قدر مثلك من الكُهَّان الذين يحفظون من إلقاء شياطينهم ما يحفظونه مختلطًا صدقه بكذبه.
وحكى أبو موسى المَدِينيّ أنّ السرّ في امتحان النبي ﷺ له، بهذه الآية، الإشارةُ إلى أن عيسى بن مريم يقتل الدجال بجبل الدخان، فأراد التعريض لابن صياد بذلك، واستبعد الخطابيّ ما تقدم، وصوب أنه خبأ له الدخ، وهو نبت يكون بين البساتين، وسبب استبعاده له أن الدخان لا يخبأ في اليد ولا الكم، ثم قال: إلا أن يكون خبأ له اسم الدخان في ضميره، وعلى هذا، فيقال: كيف اطّلع ابن صياد أو شيطانه على ما في الضمير؟ ويمكن أن يجاب باحتمال أن يكون النبي ﷺ تحدّث عن نفسه أو أصحابه بذلك قبيل أن يختبره، فاسترق الشيطان ذلك أو بعضه.
وقوله: أخسأ، بهمز ساكنة، وحذفت في رواية بلفظ "اخْسَ" وهو تخفيف. قال ابن بطال: اخسأ زجر للكلب وإبعاد له، هذا أصل هذه الكلمة، واستعملتها العرب في كل من قال أو فعل ما
стр. 5594
لا ينبغي مما يسخط الله. وقال ابن التين في هذا الحديث: "اخسأ" معناه اسكت صاغرًا مطرودًا. وقال الراغب: خَسَأ البصر انقضى عن مهماته، وخَسَأتُ الكلب فانخسأ، زجرته فانزجر مستهينًا به. وقال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ أي: قاحِسين مبعدين، يقال: خسأته عني وخَسَأ هو، يتعدى ولا يتعدى.
وقال في قوله تعالى: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا﴾ أي: مبعدًا. وقوله: فلن تعدو قدرك، أي: لن تجاوز ما قدره الله فيك، أو مقدار أمثالك من الكهان. قال العلماء: واستكشف النبي ﷺ أمره ليبين للناس تمويهه، لئلا يلتبس حاله على ضعيف لم يتمكن في الإِسلام، ومحصل ما أجاب به النبي ﷺ أنه قال له، على طريق الفرض، والتنزل: إن كنت صادقًا في دعواك الرسالةَ، ولم يختلط عليك الأمر، آمنت بك، وإن كنتَ كاذبًا، وخلط عليك الأمر، فلا، وقد ظهر كذبك والتباس الأمر عليك، فلا تعدو قدرك.
وقوله: إنْ يكنه، هو رواية الكشميهنيّ بوصل الضمير، واختار ابن مالك جوازه، وفي رواية الأكثر "إن يكن هو" بضمير فصل، والضمير لغير مذكور لفظًا، وعند أحمد عن ابن مسعود "إن يكن هو الذي تخاف فلن تستطيعه" وفي مرسل عُروة عند الحارث بن أبي أُسامة "إن يكن هو الدجال" وقوله: فلن تسلط عليه، في حديث جابر، "فلست بصاحبه إنما صاحبه عيسى بن مريم".
وقوله: وإن لم يكنه، فلا خير لك في قتله، قال الخطابيّ: إنما لم يأذن النبي ﷺ في قتله مع ادعائه النبوءة بحضرته, لأنه كان غير بالغ، ولأنه كان من جملة أهل العهد. والثاني هو المتعين، وقد جاء مصرحًا به عن جابر عند أحمد، في مرسل عُروة "فلا يحل لك قتله" ثم إن في السؤال نظرًا, لأنه لم يصرح بدعوى النبوءة، وإنما أوهم أنه يدّعي الرسالة، ولا يلزم من دعوى الرسالة دعوى النبوءة. قال الله تعالى: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ الآية.
وقوله: وقال سالم: سمعت ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يقول انطلق .. الخ. هذه هي القصة الثانية من هذا الحديث، وهو موصول بالإسناد الأول، وقد أفردها أحمد عن عبد الرزاق بإسناد حديث الباب، وفي حديث جابر "ثم جاء النبي ﷺ ، ومعه أبو بكر وعمر، ونفر من المهاجرين والأنصار، وأنا معهم" ولأحمد عن أبي الطُّفيل أنه حضر ذلك أيضًا. وقوله: وهو يختِل، بمعجمة ساكنة بعدها مثناة مكسورة، أي: يخدعه، والمراد أنه كان يريد أن يستغله ليسمع كلامه، وهو لا يشعر، وفي حديث جابر "رجاء أنْ يسمع من كلامه شيئًا ليعلم أصادق هو أم كاذب".
وقوله: فيها رمزة أو زمرة، كذا للأكثر على الشك في تقديم الراء على الزاي، أو تأخيرها، ولبعضهم زمزمة ورمرمة على الشك، هل بزايين أو براءين، مع زيادة ميم فيهما، ومعنى هذه الكلمة
стр. 5595
المختلفة متقاربٌ، فأما التي بتقديم الراء وميم واحدة، فهي فَعْلَة من الرمز، وهو الإِشارة، وأما التي بتقديم الزاي كذلك، فمن الزمر، والمراد حكاية صوته. وأما التي بمهملتين وميمين فأصله من الحركة، وهي هنا بمعنى الصوت الخفي، وأما التي بمعجمتين كذلك، فقال الخطابي: هو تحريك الشفتين بالكلام، وقال غيره: هو كلام العُلوج، وهو صوت يصوَّت من الخياشيم والحلق.
وقوله: وهو يتقي، أي يستتر. وقوله: يا صاف، بمهملة وفاء، وزن باغ. وقوله: هذا محمد، في حديث جابر "فقالت: يا عبد الله، هذا أبو القاسم، قد جاء" وكأن الراوي عبّر باسمه الذي تسمى به في الإِسلام، وأما اسمه الأول فهو صافٍ. وقوله: فثار ابن صياد، أي: قام، كذا للأكثر، وللكشميهنيّ "فثاب" بموحدة، أي رجع عن الحالة التي كان فيها. وقوله: لو تركته بَيَّن، أي أظهر لنا من حاله ما نطَّلع به على حقيقته، والضمير لأم ابن صياد، أي لو لم تعلمه بمجيئنا لتمادى على ما كان فيه، فسمعنا ما يستكشف به أمره.
ونقل بعض الشراح فجعل الضمير للزمزمة، أي لو لم يتكلم بها لفهمنا كلامه، لكن عدم فهمنا لما يقول كونه يهمهم، كذا قال. والأول هو المعتمد، وقوله: وقال شعيب: زمزمةٌ فَرَفَصه، في رواية أبي ذَرٍّ بالزايين وبالصاد المهملة، وفي رواية غيره "وقال شعيب في حديثه: فرفصه زمزمة أو رمرمة" بالشك، وسيأتي في الأدب موصولًا من هذا الوجه بالشك، لكن فيه "فَرَصَّه" بغير فاء وبالتشديد، وذكره الخطابيّ في غريبه بمهملة، أي ضَغَطه وضم بعضه إلى بعض. وقد مرَّ شعيب في السابع من بدء الوحي.
وفي قصة ابن صيّاد اهتمام الإِمام بالأمور التي يخشى منها الفساد، والتنقيب عليها، وإظهار كذب المدعي الباطل، وامتحانه بما يكشف حاله، والتجسس على أهل الريب، وأن النبي ﷺ كان يجتهد فيما لم يودع إليه فيه، وفيه الرد على من يدعي الرَّجْعة إلى الدنيا، لقوله ﷺ لعمر: "إنْ يكن هو الذي تخاف منه فلن تستطيعه" لأنه لو جاز أن الميت يرجع إلى الدنيا لما كان بين قتل عمر له حينئذ، وكون عيسى بن مريم هو الذي يقتله بعد ذلك منافاة، ولم يذكر المصنف هنا القصة الثالثة كما مرَّ، ويأتي إن شاء الله تعالى الكلام عليها عند أول ذكرها.
وقد اختلف العلماء في أمر ابن صيّاد اختلافًا كثيرًا استوفاه ابن حجر في كتاب الاعتصام في باب "من رأى ترك النكير" الخ عند حديث جابر "أنه كان يحلف بالله أن ابن صياد الدجال لأنه سمع عمر يحلف على ذلك عند النبي ﷺ فلم ينكر عليه" وها أنا أذكر جميع ما ذكره هنا لتتم الفائدة بجمع ما قيل فيه هنا، فأقول.
استدل جابر بتقريره ﵊ لعمر، والتقرير منه حجة، ولكن شرط العمل به أن
стр. 5596
لا يعارضه التصريح بخلافه، فمن قال أو فعل بحضرة النبي ﷺ شيئًا فأقره، دل ذلك على الجواز، فإن قال النبيُّ ﷺ : إفعل خلاف ذلك، دل على نسخ التقرير، إلا إنْ ثبت دليل الخصوصية. قال ابن بطال بعد أن قرر دليل جابر: فإن قيل: مرَّ في الجنائز أن عمر قال للنبي ﷺ في قصة ابن صياد: دعني أضرب عنقه، فقال: إن يكنه فلن تسلط عليه الخ، فهذا صريح في أنه تردد في أمره، يعني فلا يدل سكوته على إنكاره عند حلف عمر على أنه هو.
قال: وعن ذلك جوابان، أحدهما أن الترديد كان قبل أن يعلمه الله تعالى أنه هو الدجال، فلما أعلمه لم ينكر على حلفه، والثاني أن العرب قد تخرج الكلام مخرج الشك، وإن لم يكن في الخبر شك، فيكون ذلك من تلطف النبي ﷺ بعمر في صرفه عن قتله. ومما ورد مما يدل على أن ابن صياد هو الدجال، عن غير جابر، ما أخرجه عبد الرزاق، بسند صحيح عن ابن عمر قال: لقيت ابن صياد يومًا ومعه رجل من اليهود، فإذا عينه قد طفئت، وهي خارجة مثل عين الجمل، فلما رأيتها قلت: أنشدك الله يا ابن صياد، متى طفئت؟ قال: لا أدري والرحمن. قلت: كذبت، لا تدري وهي في رأسك؟ قال: فمسحها ونخر ثلاثًا، فزعم اليهوديّ أني ضربت بيدي صدره، وقلت له: اخسأ، فلن تعدو قدرك. فذكرت ذلك لحفصة، فقالتْ حفصة: اجتنب هذا الرجل، فإنما يتحدث أن الدجال يخرج عند غضبة يغضبها.
وقد أخرج مسلم هذا الحديث بمعناه من وجه آخر عن ابن عمر، ولفظه "لقيته مرتين .. " فذكر الأولى، ثم قال: لقيته أخرى وقد نفرت عينه، فقلت: متى فعلت عينك ما أرى؟ قال: ما أدري، قلت: لا تدري وهي في رأسك؟ قال: إن شاء الله جعلها في عصاك هذه، ونخر كأشد نخير حمارٍ سمعت، فزعم أصحابي أني ضربته بعصا كان معي حتى تكسرت، وأنا والله ما شعرت. قال: وجاء حتى دخل على أم المؤمنين حفصة، فحدثها فقالت: ما تريد إليه، ألم تسمع أنه قد قال: إن أول ما يبعثه على الناس غضبٌ يغضبه؟
ثم قال ابن بطال: فإن قيل: هذا أيضًا يدل على التردد في أمره، فالجواب أنه إن وقع الشك في كونه الدجال الذي يقتله عيسى بن مريم، فلم يقع الشك في أنه أحد الدجالين الكذابين الذين أنذر بهم النبي ﷺ في قوله "إنّ بين الساعة كذابين دجالين .. " الحديث الآتي في كتاب الفتن، ومحصله عدم تسليم الجزم بأنه الدجال، فيعود السؤال الأول عن جواب حلْف عمر، ثم جابر، على أنه الدجال المعهود، لكن في قصة حفصة وابن عمر دليل على أنهما أرادا الدجال الأكبر، واللام في القصة الواردة عنهما للعهد لا للجنس.
وقد أخرج أبو داود بسند صحيح عن موسى بن عُقبة عن نافع قال: كان ابن عمر يقول: والله ما أشك أن المسيح الدَّجَّال هو ابن صياد. ووقع لابن صياد مع أبي سعيد الخُدريّ قصة أخرى
стр. 5597
تتعلق بأمر الدجال، فأخرج مسلم عن أبي نضرة عن أبي سعيد فقال: صحبني ابن صياد إلى مكة فقال لي: ماذا لقيت من الناس؟ يزعمون أني الدجال، ألستَ سمعتَ رسول الله ﷺ أنه لا يولد له؟ قلت: بلى، قال: فإنه وقد ولد لي، قال: أولست سمعته يقول: لا يدخل المدينة ولا مكة، قلت: بلى، قال: فقد ولدت بالمدينة، وها أنا أريد مكة.
وعن أبي سعيد قال: أخذتني من ابن صياد دَمَامة، فقال: هذا عذرت الناس، مالي وأنتم يا أصحاب محمد، ألم يقل نبي الله ﷺ أنه يعني الدجال يهودي؟ وقد أسلمت، فذكر نحوه. وعن أبي سعيد أيضًا: خرجنا حُجاجًا ومعنا ابن صياد، فنزلنا منزلًا وتفرق الناس، وبقيت أنا وهو، فاستوحشت منه وحشة شديدة مما يقال فيه، فقلت: الحر شديد، فلو وضعت ثيابك تحت تلك الشجرة، ففعل. فرفعت لنا غنم، فانطلق فجاء بُعسّ، فقال: اشرب يا أبا سعيد، فقلت: إن الحر شديد، وما بي إلاَّ أني أكره أن أشرب من يده، فقال: لقد هممت أن آخذ حبلًا فأعلقه بشجرة ثم اختنق به، مما يقول لي الناس: يا أبا سعيد، من خفي عليه حديث محمد ﷺ ما خفي عليكم معشر الأنصار ثم ذكر نحو ما تقدم، وزاد "قال أبو سعيد حتى كدت أعذره" وفي آخر كل من الطرق الثلاثة أنه قال إني لا أعرفه وأعرف مولده، وأين هو الآن قال أبو سعيد: فقلت له: تبًا لك سائر اليوم.
وأجاب البيهقيّ عن قصة ابن صياد بعد أن ذكر ما أخرجه أبو داود عن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ : "مكث أبو الدَّجال ثلاثين عامًا، لا يولد لهما" الخ، وقد مرَّ في أول الكلام على الحديث أن هذا الحديث لا تمكن صحته إلا على التجوز في قوله "فسمعنا بمولود ولد لليهود" ووقفت على ما ذكرته في فتح الباري فقال: إلا أن يحمل قوله "فسمعنا أنه ولد لليهود مولود" على تأخر السماع، وإن كان مولده سابقًا على ذلك بمدة، بحيث يأتلف مع حديث ابن عمر في الصحيح. ثم قال البيهقي: ليس في حديث جابر أكثر من سكوت النبي ﷺ على حلف عمر، فيحتمل أن يكون النبي ﷺ كانَ متوقفًا في أمره، ثم جاءه الثبت من الله تعالى بأنه غيره، على ما تقتضيه قصة تميم الداريّ، وبه تمسك من قال: إن الدجال غير ابن صياد، وطريقه أصح، وتكون الصفة التي في ابن صياد وافقت ما في الدجال.
وقصة تميم أخرجها مسلم عن فاطمة بنت قيس أن النبي ﷺ خطب فذكر أن تميمًا الداري ركب في سفينة مع ثلاثين رجلًا من قومه فلعب بهم الموج شهرًا، ثم نزلوا إلى جزيرة فلقيتهم دابة كثيرة الشعر، فقالت لهم: أنا الجسّاسة، ودلتهم على رجل في الدير، قال: فانطلقنا سراعًا. فدخلت الدير، فإذا فيه أعظم إنسان، رأيناه قطّ، خلقًا، وأشده وثاقًا، مجموعةٌ يداه إلى عنقه بالحديد، فقلنا: ويلك، ما أنت؟ فذكر الحديث.
стр. 5598
وفيه أنه سألهم عن نبيِ الأميين، هل بعث؟ وأنه قال: إن يطيعوه فهو خير لهم، وأنه سألهم عن بُحيرة طبرية، وعن عَين زُغَر، وعن نَخْل بَيْسان. وفيه أنه قال: إني مخبركم عني، أنا المسيح، وإني أوشك أن يُؤذن لي في الخروج، فأخرج فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها، في أربعين ليلة، غير مكة وطيبة.
وفي بعض طرقه عند البيهقيّ: أنه شيخ، وسندها صحيح، قال البيهقيّ فيه: إن الدجال الأكبر الذي يخرج في آخر الزمان غير ابن صياد، وكان ابن صياد أحد الدجالين الكذابين الذين أخبر النبي ﷺ بخروجهم، وقد خرج أكثرهم، وكأنّ الذين يجزمون بأن ابن صياد هو الدّجال لم يسمعوا بقصة تميم، وإلاّ فالجمع بينهما بعيد جدًا، إذ كيف يلتئم أن يكون من كان في أثناء الحياة النبوية شبه المحتلم، ويجتمع به النبي ﷺ ، ويسأله، أن يكون في آخرها شيخًا كبيرًا مسجونًا في جزيرة من جزائر البحر، موثقًا بالحديد يستفهم عن أخبار النبي ﷺ هل خرج أو لا؟
فالأَوْلى أنْ يحمل على عدم الاطلاع، أما عمر فيحتمل أن يكون ذلك منه قبل أن يسمع قصة تميم، ثم لما سمعها لم يعد إلى الحلف المذكور، وأما جابر فشهد حلفه عند النبي ﷺ ، فاستصحب ما كان عليه من عمر بحضرة النبي ﷺ ، لكن أخرج أبو داود عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر، فذكر قصة الجساسة والدجال بنحو قصة تميم، قال: قال الوليد بن عبد الله بن جُميع قال لي ابن أبي مسلمة: إنّ في هذا شيئًا ما حفظته، قال: شهد جابر أنه ابن صياد، قلت: فإنه قد مات، قال: وإن مات، قلت: فإنه أسلم، قال: وإن أسلم. قلت: فإنه دخل المدينة، قال: وإن دخل المدينة.
وابن أبي مسلمة اسمه عمر، فيه مقال، ولكن حديثه حسن، ويتعقب به على من زعم أن جابرًا لم يطلع على قصة تميم، وقد تكلم ابن دقيق العبد على مسألة التقرير بما محصله "إذا أخبر بحضرة النبي ﷺ عن أمر ليس فيه حكم شرعيّ فهل يكون سكوته ﵊ دليلًا على مطابقة ما في الواقع، كما وقع لعمر في حلفه على ابن صياد، أنه هو الدجال، كما فهمه جابر حتى صار يحلف عليه، ويستند على حلف عمر، أولا يدل؟ فيه نظر. قال: والأقرب عندي أنه لا يدل، لأن مأخذ المسألة ومَنَاطها هو العصمة من التقرير على باطل، وذلك يتوقف على تحقق البطلان، ولا يكفي فيه عدم تحقق الصحة، إلا أنْ يدعي مدع أنه يكفي في وجوب البيان عدم تحقق الصحة، فيحتاج إلى دليل، وهو عاجز عنه، نعم التقرير يسوّغ الحلف على غلبة الظن لعدم توقف ذلك على العلم.
ولا يلزم من عدم تحقق البطلان أن يكون السكوت مستوي الطرفين، بل يجوز أن يكون المحلوف عليه من قسم خلاف الأوْلى. قال الخطابي: اختلف الناس في أمر ابن صياد بعد كبره،
стр. 5599
فروي أنه تاب من ذلك القول، ومات بالمدينة، وأنهم لما أرادوا الصلاة عليه، كشفوا وجهه ليراه الناس، وقيل لهم: اشهدوا.
وقال النووي: قال العلماء قصة ابن صياد مشكلة، وأمره مشتبه، لكن لا شك أنه دجال من الدجاجلة، والظاهر أن النبي ﷺ لم يوحَ إليه فيه شيء، وإنما أُوحي إليه بصفات الدجال، وكان في ابن صياد قرائن محتملة، فلذلك كان ﵊ لا يقطع في أمره بشيء، بل قال لعمر: "لا خير لك في قتله .. " الحديث.
وأما احتجاجاته هو بأنه مسلم إلى سائر ما ذكر، فلا دلالة فيه على دعواه, لأن النبيّ ﷺ إنما أخبر عن صفاته وقت خروجه آخر الزمان، قال: ومن جملة ما في قصته قوله للنبي ﷺ : أتشهد أني رسول الله؟ وقوله: إنه يأتيه صادق وكاذب، وقوله: إنه تنام عينه ولا ينام قلبه. وقوله: إنه يرى عرشًا على الماء، وأنه لا يكره أن يكون الدجال، وأنه يعرفه ويعرف مولده وموضعه، وأين هو الآن.
قال: وأما إسلامه وحجه وجهاده، فليس فيه تصريح بأنه غير الدجال، لاحتمال أن يختم له بالشر، فقد أخرج أبو نعيم الأصبهانيّ، في تاريخ أصبهان، ما يؤيد كون ابن صياد هو الدجال، فساق عن شُبيل، بمعجمة، عن حسّان بن عبد الرحمن عن أبيه قال: لما افتتحنا أصبهان كان بين عسكرنا وبين اليهودية فرسخ، فكنا نأتيها فنمتار منها، فأتيتها يومًا، فإذا اليهود يزفنون ويضربون، فسألت صديقًا لي منهم، فقال: ملكنا الذي نستفتح به على العرب يدخل، فبت عنده على سطح، فصليت الغداة، فلما طلعت الشمس إذا الرهج من قبل العسكر، فنظرت فإذا رجل عليه قبة من ريحان، واليهود يزفنون ويضربون، فنظرت فإذا هو ابن صياد، فدخل المدينة، فلم يعد حتى الساعة.
قال في الفتح: عبد الرحمن بن حسان ما عرفته، والباقون ثقات، وقد أخرج أبو داود بسند صحيح عن جابر قال: فقدنا ابن صياد يوم الحرّة، وبسند حسن، فقيل: إنه مات، وهذا يضعف ما تقدم أنه مات بالمدينة، وأنهم صلوا عليه، وكشفوا عن وجهه، ولا يلتئم حديث جابر هذا مع خبر حسان بن عبد الرحمن, لأن فتح أصبهان كان في خلافة عمر، كما أخرجه أبو نعيم في تاريخها، وبيْن قتل عمر ووقعة الحرة نحو أربعين سنة. ويمكن الحمل على أن القصة إنما شاهدها ولد حسان بعد فتح أصبهان بهذه المدة، ويكون جواب "لما" في قوله: لما افتتحنا أصبهان، محذوفًا، تقديره: صرت أتعاهدها، وأتردد إليها، فجرت قصة ابن صياد، فلا يتحد زمان فتحها وزمان دخول ابن صياد لها.
وقد أخرج الطبرانيّ في الأوسط عن فاطمة بنت قيس مرفوعًا "أن الدجال يخرج من أصبهان"،
стр. 5600
وعن عمران بن حصين، أخرجه أحمد بسند صحيح من أنس، لكن عنده "من يهودية أصبهان". قال أبو نعيم في تاريخ أصبهان: كانت اليهودية من جملة قرى أصبهان، وإنما سميت اليهودية لأنها كان تختص بسكنى اليهود. قال: ولم تزل على ذلك إلى أن مَصَّرها أيوب بن زياد أمير مصر في زمن المهدي بن المنصور، فسكنها المسلمون، وبقيت لليهود منها قطعة منفردة.
وأما ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا قال: يتبع الدجال سبعون الفًا من يهود أصبهان، فلعلها كانت يهودية أصبهان، يريد البلد المذكور، لا أن المراد أن جميع أهل أصبهان يهود، وأن القدر الذي يتبع الدجال منهم سبعون ألفًا. وأخرج نعيم بن حماد في كتاب الفتن، عن جبير بن نُفَير وشريح بن عبيد وعمرو بن الأسود وكثير بن مُرة قالوا جميعًا: الدجال ليس هو إنسان، وإنما هو شيطان موثق بسبعين حَلْقة، في بعض جزائر اليمن، لا يعلم من أوثقه سليمان النبي أو غيره؟ فإذا آذن ظهوره، فك الله عنه كل عامٍ حلقة، فإذا برز أتته أتان عَرْض ما بين أذنيها أربعون ذراعًا، فيضع على ظهرها منبرًا من نحاس، ويقعد عليه، ويتبعه قبائل الجن، يُخرجون له خزائن الأرض، وهذا لا يمكن معه كون ابن صياد هو الدجال، ولعل هؤلاء، مع كونهم ثقات، تلقوا ذلك من بعض كتب أهل الكتاب.
وأخرج أبو نعيم أيضًا، عن كعب الأحبار، أن الدجال تلده أمه بقوص من أرض مصر، قال: وبين مولده ومخرجه ثلاثون سنة، قال: ولم ينزل خبره في التوراة والإِنجيل، وإنما هو في بعض كتب الأنبياء، وأَخْلِقْ بهذا الخبر أن يكون باطلًا، فإن الحديث الصحيح أن كل نبي قبل نبينا أنذر قومه الدجال، وكونه يولد قبل مخرجه بالمدة المذكورة، مخالف لكونه ابن صياد، ولكونه موثوقًا في جزيرة من جزائر البحر.
وذكر ابن وصيف المؤرخ أن الدجال من وَلَد شِقّ، الكاهن المشهور، قال: وقال: بل هو شِق نفسه، أنظره الله وكانت أمه جنية، عشقت أباه، فأولدها، وكان الشيطان يعمل له العجائب، فأخذه سليمان فحبسه في جزيرة من جزائر البحر. وهذا أيضًا في غاية الوحي، وأقرب ما يجمع به بين ما تضمنه حديث تميم وكون ابن صياد هو الدجال، أن الدجال بعينه هو الذي شاهده تميم موثقًا، وأنّ ابن صياد شيطان تبدى في صورة الدجال في تلك المدة، إلى أن توجه إلى اصبهان، فاستتر مع قرينه إلى أن تجيء المدة التي قدر الله تعالى خروجه فيها.
ولشدة التباس الأمر في ذلك سلك البخاري مسلك الترجيح، فاقتصر على حديث جابر عن عمر في ابن صياد، ولم يخرج حديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم، وقد توهم بعضهم أنه غريب، فرد، وليس كذلك، فقد رواه مع فاطمة بنت قيس أبو هريرة وعائشة وجابر، أما أبو هريرة فأخرجه أحمد عن الشعبيّ عن المُحْرز بن أبي هريرة عن أبيه، مطولًا، وأخرجه أبو داود مختصرًا،
стр. 5601
وابن ماجه عقب رواية الشعبي عن فاطمة.
قال الشعبي: فلقيت المحرز فذكره، وأخرجه أبو يعلى من وجه آخر عن أبي هريرة، قال: استوى النبي ﷺ على المنبر فقال: "حدثني تميم فرأى تميمًا في ناحية المسجد، فقال: يا تميم: حدث الناس بما حدثتني، فذكر الحديث، وفيه "فإذا أحد منخريه ممدود، وإحدى عينيه مطموسة .. " الحديث، وفيه: لأطأن الأرض بقدميّ هاتين إلا مكة وطابا.
وأما حديث عائشة فهو في الرواية المذكورة عن الشعبي قال: ثم لقيت القاسم بن محمد، فقال: اشهد على عائشة، حدثتني كما حدثتك فاطمة بنت قيس. وأما حديث جابر فأخرجه أبو داود بسند حسن عن أبي سلمة عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ ، ذات يوم على المنبر: أنه بينما أناس يسيرون في البحر، فنفد طعامهم، فرفعت لهم جزيرة، فخرجوا يريدون الخبر، فلقيتهم الجسّاسة، فذكر الحديث. وفيه سؤلهم عن نخل بيسان. وفيه أنّ جابرًا شهد أنه ابن صياد، فقلت: إنه قد مات، قال: وإن مات، قلت: فإنه أسلم، قال: وإن أسْلَم. قلت: فإنه دخل المدينة، قال: وإن دخل المدينة.
وفي كلام جابر إشارة إلى أن أمره مُلْبِس، وأنه يجوز أن يكون ما ظهر من أمره إذ ذاك لا ينافى ما توقع منه بعد خروجه في آخر الزمان، وَقد أخرج أحمد عن أبي ذَرٍّ "لأنْ أحلف عشر مرار أن ابن صياد هو الدجال أحبُّ إليّ من أن أحلف واحدة أنه ليس هو" وسنده صحيح، وعن ابن مسعود نحوه، لكن قال سبعًا بدل عشر مرار. أخرجه الطبرانيّ.
وفي الحديث جواز الحلف بما يغلب على الظن، ومن صوره المتفق عليها عند المالكية والشافعية أن من وجد بخط أبيه الذي يعرفه أن له عند شخص مالًا، وغلب على ظنه صدقه. أن له إذا طالبه، وتوجهت عليه اليمين أن يحلفه على البت أنه يستحق قبض ذلك المال منه.
رجاله سبعة:
قد مرّوا، مرَّ عبدان وعبد الله بن المبارك في السادس من بدء الوحي، ومرَّ يونس بن يزيد في متابعة بعد الرابع منه، ومرَّ الزُّهريّ في الثالث منه، ومرَّ عمر بن الخطاب ﵁ في الأول منه، ومرَّ سالم بن عبد الله في السابع عشر من الإِيمان، وأبو عبد الله في أوله قبل ذكر حديث منه.
وفي الحديث ذكر ابن صياد، ويقال له ابن صائد، واسمه صافي كقاضي، وقيل عبد الله، قال الواقدي: هو من بني النجار، وقيل من اليهود، وكانوا حلفاء بني النجار، وولده عمارة، شيخ مالك، من خيار المسلمين.
стр. 5602
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإِخبار بالجمع والإِفراد والعنعنة والقول، ورواته مروزيان وأيْلِيّ ومدنيان، أخرجه البخاريّ أيضًا في بدء الخلق، وأحاديث الأنبياء، ومسلم في الفتن.
ثم قال: وقال إسحاق الكلبيّ وعقيل: "رمرمة" وقال معمر: رَمْزة، الأولى بمهملتين، والثانية براء ثم زاي، أما رواية إسحاق فوصلها الذُّهليّ في الزهريات، ورواية عقيل وصلها المصنف في الجهاد، وكذا رواية معمر في الثالث، وعقيل قد مرَّ في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ معمر في متابعة بعد الرابع منه، وإسحاق الكلبيّ مرَّ بعد الخامس والثلاثين من الجماعة.
الحديث الحادي عشر والمئة
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ وَهْوَ ابْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ كَانَ غُلاَمٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ أَسْلِمْ. فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهْوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ . فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهْوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ.
قوله: وهو عنده، في رواية أبي داود "عند رأسه" عن سليمان بن حرب شيخ البخاري فيه، وقوله: فأسلم، في رواية النَّسَائيّ "فقال أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله" وقوله: "أنقذه من النار" في رواية أبي داود "أنقده بي من النار". ولله درُّ القائل:
ومريض أنت عائده ... قد أتاه الله بالفرج
وفي الحديث جواز استخدام المشرك، وعيادته إذا مرض، وفيه حسن العهد، واستخدام الصغير, وعرض الإِسلام على الصبي، ولولا صحته منه ما عرضه عليه. وفي قوله "أنقذه من النار" دليل على أنه صح إسلامه، وعلى أن الصبيّ إذا عقل الكفر، ومات عليه، يعذب، وسيأتي البحث في ذلك في باب "أولاد المشركين".
رجاله أربعة:
قد مرّوا، مرَّ سليمان بن حرب في الرابع عشر من الإِيمان, وحماد بن زيد في الرابع والعشرين منه، وأنس في السادس منه، وثابت في تعليق بعد الخامس من العلم، والغلام قيل اسمه عبد القدوس.
стр. 5603
الحديث الثاني عشر والمئة
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ أَنَا مِنَ الْوِلْدَانِ، وَأُمِّي مِنَ النِّسَاءِ.
مرَّ هذا في الترجمة، وهذا مبنيٌّ على أنّ إسلام العباس كان بعد وقعة بدر، وقد اختلف في ذلك، فقيل: أسلم قبل الهجرة، وأقام بأمر النبي ﷺ له في ذلك، لمصلحة المسلمين. روى ذلك ابن سعد عن ابن عباس، وفي إسناده الكلبيّ، وهو متروك، ويرد، أن العباس أُسر ببدر، وقد فدى نفسه كما يأتي في المغازي، ويرده أن الآية التي في قصة المستضعفين نزلت بعد بدر بلا خلاف، فالمشهور أنه أسلم قبل فتح خيبر، ويدل عليه حديث أنس في قصة الحجّاج بن عُلابِط، كما أخرجه أحمد والنَّسائي.
وروى ابن سعد عن ابن عباس أنه هاجر إلى النبي ﷺ ، بخيبر، ورده بقصة الحجاج المذكور، والصحيح أنه هاجر عام الفتح في أول السنة، وقدم مع النبي ﷺ فشهد الفتح.
رجاله أربعة:
وفيه ذكر أم ابن العباس، مرَّ عليّ بن المَدِينيّ في الرابع عشر من العلم، ومرَّ سفيان بن عُيينة في الأول من بدء الوحي، وابن عباس في الخامس منه، ومرَّ عبيد الله بن أبي يزيد في التاسع من الوضوء. وأمه أم الفضل، وقد مرت في الثالث والثلاثين من صفة الصلاة.
الحديث الثالث عشر والمئة
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ يُصَلَّى عَلَى كُلِّ مَوْلُودٍ مُتَوَفًّى وَإِنْ كَانَ لِغَيَّةٍ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِطْرَةِ الإِسْلاَمِ، يَدَّعِي أَبَوَاهُ الإِسْلاَمَ أَوْ أَبُوهُ خَاصَّةً، وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ عَلَى غَيْرِ الإِسْلاَمِ، إِذَا اسْتَهَلَّ صَارِخًا صُلِّىَ عَلَيْهِ، وَلاَ يُصَلَّى عَلَى مَنْ لاَ يَسْتَهِلُّ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سِقْطٌ، فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ كَانَ يُحَدِّثُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ. ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ الآيَةَ.
стр. 5604
أورد هذا الحديث من طريق ابن شهاب عن أبي هريرة منقطعًا، ومن طريق آخر عنه عن أبي هُريرة، فالاعتماد في المرفوع على الطريق الموصولة، وإنما أورد المنقطعة لقول ابن شهاب الذي استنبطه من الحديث، وهو قوله "إنْ كان لِغيْةِ" وقوله "مُتَوفّى" بضم الميم وفتح التاء والواو والفاء المشددة، صفة لمولود. وقوله "وإن كان لِغَيْة"، بكسر لام الجر وفتح الغين المعجمة، وقد تكسر، وتشديد المثناة التحتية، أي: لأجل غية، مفرد الغي ضد الرشد، وهو أعم من الكفر وغيره. يقال لولد الزنى ولد الغِيَّة، يعني وإن كان الولد لكافرة أو زانية، ويسمى الولد من الحلال ولد رِشْدة بكسر الراء وفتحها. قال أحد أصدقائنا: من انتمى لرِشدة فوجدا الغِية تخيير زوجه بدا:
والأول النكاح والثاني السفاح ... والفاء فيهما بكسر وانفتاح
ومراده أنه يصلى على ولد الزنى، ولا يمنع ذلك من الصلاة عليه, لأنه محكوم بإسلامه تبعًا لأمه، وكذلك من كان أبوه دون أمه.
وقال ابن عبد البر: لم يقل أحد أنه لا يصلى على ولد الزنى إلا قتادة وحده، واختلف في الصلاة على الصبي، فقال سعيد بن جُبير: لا يصلى عليه حتى يبلغ، وقيل حتى يصلي. وقال الجمهور: يصلى عليه حتى السَّقْط إذا استهل، وهذا مصير من الزهريّ إلى تسمية الزاني أبًا لمن زنى بأمه، وأنه يتبعه في الإِسلام، وهو قول مالك.
وقوله: إذا استهل صارخًا، قَيْدٌ في السَّقط الداخل في قوله "كل مولود" أي: صاح عند الولادة، حال كونه صارخًا. فقوله "صارخًا" حال مؤكدة من فاعل استهل، والمراد العلم بحياته بصياح أو غيره، كاختلاجه بعد انفصاله. وقوله: صُلِّي عليه، بضم الصاد وكسر اللام، لظهور أمارة الحياة عليه. وقوله: من أجل أنه سَقِط، بكسر السين وضمها قد تفتح، أي: جنين سَقَط قبل تمامه.
وقد قال القسطلانيّ: إن بلغ مئة وعشرين يومًا: حد نفخ الروح فيه، وجب غسله وتكفينه ودفنه، ولا تجب الصلاة عليه، بل لا تجوز، لعدم ظهور حياته، وإن سقط لدون أربعة أشهر، ووُري بخرقة ودفن فقط. وعند المالكية السقط الذي لم يستهل صارخًا، أي: تحقق حياته، يكره غسله، وتحنيطه، وتسميته، والصلاة عليه، سواء ولد بعد تمام العمل أو قبله، ويغسل ما فيه من الدم استحبابًا، ويلف بخرقة ويدفن وجوبًا.
والحركة اليسيرة والرضاع اليسير والعُطاس والبول لا دلالة فيها فطعية على الحياة، وعند الليث وابن وهب وأبي حَنيفة والشافعيّ أنّ الحركة والرضاع والعطاس استهلال، عند الحنفية إذا لم يستهل لا يغسل، ولايورث، ولا يرث، ولا يصلى عليه، ولا يسمى.
стр. 5605
وعند الطحاويّ أن الجنين الميت يغسل، ولم يَحْكِ فيه خلافًا، وعند محمد في سقطٍ استبانَ خلقُه: يغسَل ويكفن ولا يصلى عليه. وقال أبو حنيفة إذا خرج أكثر المولود وهو يتحرك، صلى عليه، وإن خرج أقله لم يصل عليه.
وقال ابن قُدامة: السِّقط الولد تضعه المرأة ميتًا أو لغير تمام، فأما إن خرج حيًا واستهل، فإنه يصلى عليه بعد غسله بلا خلاف، وصلى ابن عمر على ابن ابنه، ولد ميتًا. وقوله: فإن أبا هريرة، رضي الله تعالى عنه، الفاء للتعليل، وهذا منقطع كما مرَّ, لأن ابن شهاب لم يسمع من أبي هُريرة، بل لم يدركه، ولم يذكره المصنف للاحتجاج به، بل للاستنباط المار منه.
وقوله: ما من مولود إلا يولد على الفطرة، مِنْ زائدة، ومولود مبتدأ، ويولد خبره، أي ما مولود يوجد على أمر من الأمور إلا على الفطرة. وفي الرواية الآتية في باب "ما قيل في أولاد المشركين": كل مولود يولد على الفطرة، والمراد به المولود من بني آدم، وصرح بذلك جعفر بن ربيعة عن الأعرج عن أبي هريرة بلفظ "كل بني آدم يولد على الفطرة".
واستشكل هذا التركيب بأن ظاهره يقتضي أنّ كل مولود يقع له التهويد وغيره مما ذكر، والغرض أن بعضهم يستمر مسلمًا ولا يقع له شيء، والجواب أن المراد من التركيب أن الكفر ليس من ذات المولود، ومقتضى طبعه، بل إنما حصل بسبب خارجي، فإنْ سلم من ذلك السبب استمر على الحق، وهذا يقوي المذهب الصحيح في تأويل الفطرة، كما سيأتي.
وقوله: يولد على الفطرة، ظاهره تعميم الوصف المذكور في عموم المولودين، ولمسلم عن أبي صالح عن أبي هُريرة "ليس من مولود يولد إلا على هذه الفِطرة، حتى يعبِّر عنه لسانه". وفي رواية له من هذا الوجه "ما من مولود إلا وهو على المِلة".
وحكى ابن عبد البَرَّ عن قوم أنه لا يقتضي العموم، وإنما المراد أن كل من ولد على الفطرة، وكان له أبوان على غير الإِسلام نقلاه إلى دينهما، فتقدير الخبر على هذا: كل مولود يولد على الفطرة، وأبواه يهوديان مثلًا، فإنهما يهودانه، ثم يصير عند بلوغه إلى ما يحكم به عليه. واحتجوا بحديث أُبَي بن كعب، قال النبي ﷺ : "الغلام الذي قتله الخِضر طبعه الله يوم طبعه كافرًا"، وبما رواه سعيد بن منصور، يرفعه "أن بني آدم خلقوا طبقات، فمنهم من يولد مؤمنًا، ويحيا مؤمنًا، ويموت مؤمنًا، ومنهم من يولد كافرًا، ويحيا كافرًا ويموت كافرًا، ومنهم من يولد مؤمنًا، ويحيا مؤمنًا ويموت كافرًا. ومنهم من يولد كافرًا ويحيا كافرًا ويموت مؤمنًا. قالوا: ففي هذا الحديث، وفي غلام الخضر، ما يدل على أن الحديث ليس على عمومه، وأجيب بأن حديث سعيد بن منصور فيه ابن جدعان، وهو ضعيف، ويكفي في الرد عليهم رواية أبي صالح المتقدمة. ورواية جعفر بن ربيعة
следующие страницы →