← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.

стр. 5601

وابن ماجه عقب رواية الشعبي عن فاطمة. قال الشعبي: فلقيت المحرز فذكره، وأخرجه أبو يعلى من وجه آخر عن أبي هريرة، قال: استوى النبي ﷺ على المنبر فقال: "حدثني تميم فرأى تميمًا في ناحية المسجد، فقال: يا تميم: حدث الناس بما حدثتني، فذكر الحديث، وفيه "فإذا أحد منخريه ممدود، وإحدى عينيه مطموسة .. " الحديث، وفيه: لأطأن الأرض بقدميّ هاتين إلا مكة وطابا. وأما حديث عائشة فهو في الرواية المذكورة عن الشعبي قال: ثم لقيت القاسم بن محمد، فقال: اشهد على عائشة، حدثتني كما حدثتك فاطمة بنت قيس. وأما حديث جابر فأخرجه أبو داود بسند حسن عن أبي سلمة عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ ، ذات يوم على المنبر: أنه بينما أناس يسيرون في البحر، فنفد طعامهم، فرفعت لهم جزيرة، فخرجوا يريدون الخبر، فلقيتهم الجسّاسة، فذكر الحديث. وفيه سؤلهم عن نخل بيسان. وفيه أنّ جابرًا شهد أنه ابن صياد، فقلت: إنه قد مات، قال: وإن مات، قلت: فإنه أسلم، قال: وإن أسْلَم. قلت: فإنه دخل المدينة، قال: وإن دخل المدينة. وفي كلام جابر إشارة إلى أن أمره مُلْبِس، وأنه يجوز أن يكون ما ظهر من أمره إذ ذاك لا ينافى ما توقع منه بعد خروجه في آخر الزمان، وَقد أخرج أحمد عن أبي ذَرٍّ "لأنْ أحلف عشر مرار أن ابن صياد هو الدجال أحبُّ إليّ من أن أحلف واحدة أنه ليس هو" وسنده صحيح، وعن ابن مسعود نحوه، لكن قال سبعًا بدل عشر مرار. أخرجه الطبرانيّ. وفي الحديث جواز الحلف بما يغلب على الظن، ومن صوره المتفق عليها عند المالكية والشافعية أن من وجد بخط أبيه الذي يعرفه أن له عند شخص مالًا، وغلب على ظنه صدقه. أن له إذا طالبه، وتوجهت عليه اليمين أن يحلفه على البت أنه يستحق قبض ذلك المال منه. رجاله سبعة: قد مرّوا، مرَّ عبدان وعبد الله بن المبارك في السادس من بدء الوحي، ومرَّ يونس بن يزيد في متابعة بعد الرابع منه، ومرَّ الزُّهريّ في الثالث منه، ومرَّ عمر بن الخطاب ﵁ في الأول منه، ومرَّ سالم بن عبد الله في السابع عشر من الإِيمان، وأبو عبد الله في أوله قبل ذكر حديث منه. وفي الحديث ذكر ابن صياد، ويقال له ابن صائد، واسمه صافي كقاضي، وقيل عبد الله، قال الواقدي: هو من بني النجار، وقيل من اليهود، وكانوا حلفاء بني النجار، وولده عمارة، شيخ مالك، من خيار المسلمين.

стр. 5602

لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإِخبار بالجمع والإِفراد والعنعنة والقول، ورواته مروزيان وأيْلِيّ ومدنيان، أخرجه البخاريّ أيضًا في بدء الخلق، وأحاديث الأنبياء، ومسلم في الفتن. ثم قال: وقال إسحاق الكلبيّ وعقيل: "رمرمة" وقال معمر: رَمْزة، الأولى بمهملتين، والثانية براء ثم زاي، أما رواية إسحاق فوصلها الذُّهليّ في الزهريات، ورواية عقيل وصلها المصنف في الجهاد، وكذا رواية معمر في الثالث، وعقيل قد مرَّ في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ معمر في متابعة بعد الرابع منه، وإسحاق الكلبيّ مرَّ بعد الخامس والثلاثين من الجماعة. الحديث الحادي عشر والمئة حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ وَهْوَ ابْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ كَانَ غُلاَمٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ أَسْلِمْ. فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهْوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ . فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهْوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ. قوله: وهو عنده، في رواية أبي داود "عند رأسه" عن سليمان بن حرب شيخ البخاري فيه، وقوله: فأسلم، في رواية النَّسَائيّ "فقال أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله" وقوله: "أنقذه من النار" في رواية أبي داود "أنقده بي من النار". ولله درُّ القائل: ومريض أنت عائده ... قد أتاه الله بالفرج وفي الحديث جواز استخدام المشرك، وعيادته إذا مرض، وفيه حسن العهد، واستخدام الصغير, وعرض الإِسلام على الصبي، ولولا صحته منه ما عرضه عليه. وفي قوله "أنقذه من النار" دليل على أنه صح إسلامه، وعلى أن الصبيّ إذا عقل الكفر، ومات عليه، يعذب، وسيأتي البحث في ذلك في باب "أولاد المشركين". رجاله أربعة: قد مرّوا، مرَّ سليمان بن حرب في الرابع عشر من الإِيمان, وحماد بن زيد في الرابع والعشرين منه، وأنس في السادس منه، وثابت في تعليق بعد الخامس من العلم، والغلام قيل اسمه عبد القدوس.

стр. 5603

الحديث الثاني عشر والمئة حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ أَنَا مِنَ الْوِلْدَانِ، وَأُمِّي مِنَ النِّسَاءِ. مرَّ هذا في الترجمة، وهذا مبنيٌّ على أنّ إسلام العباس كان بعد وقعة بدر، وقد اختلف في ذلك، فقيل: أسلم قبل الهجرة، وأقام بأمر النبي ﷺ له في ذلك، لمصلحة المسلمين. روى ذلك ابن سعد عن ابن عباس، وفي إسناده الكلبيّ، وهو متروك، ويرد، أن العباس أُسر ببدر، وقد فدى نفسه كما يأتي في المغازي، ويرده أن الآية التي في قصة المستضعفين نزلت بعد بدر بلا خلاف، فالمشهور أنه أسلم قبل فتح خيبر، ويدل عليه حديث أنس في قصة الحجّاج بن عُلابِط، كما أخرجه أحمد والنَّسائي. وروى ابن سعد عن ابن عباس أنه هاجر إلى النبي ﷺ ، بخيبر، ورده بقصة الحجاج المذكور، والصحيح أنه هاجر عام الفتح في أول السنة، وقدم مع النبي ﷺ فشهد الفتح. رجاله أربعة: وفيه ذكر أم ابن العباس، مرَّ عليّ بن المَدِينيّ في الرابع عشر من العلم، ومرَّ سفيان بن عُيينة في الأول من بدء الوحي، وابن عباس في الخامس منه، ومرَّ عبيد الله بن أبي يزيد في التاسع من الوضوء. وأمه أم الفضل، وقد مرت في الثالث والثلاثين من صفة الصلاة. الحديث الثالث عشر والمئة حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ يُصَلَّى عَلَى كُلِّ مَوْلُودٍ مُتَوَفًّى وَإِنْ كَانَ لِغَيَّةٍ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِطْرَةِ الإِسْلاَمِ، يَدَّعِي أَبَوَاهُ الإِسْلاَمَ أَوْ أَبُوهُ خَاصَّةً، وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ عَلَى غَيْرِ الإِسْلاَمِ، إِذَا اسْتَهَلَّ صَارِخًا صُلِّىَ عَلَيْهِ، وَلاَ يُصَلَّى عَلَى مَنْ لاَ يَسْتَهِلُّ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سِقْطٌ، فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ كَانَ يُحَدِّثُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ. ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ الآيَةَ.

стр. 5604

أورد هذا الحديث من طريق ابن شهاب عن أبي هريرة منقطعًا، ومن طريق آخر عنه عن أبي هُريرة، فالاعتماد في المرفوع على الطريق الموصولة، وإنما أورد المنقطعة لقول ابن شهاب الذي استنبطه من الحديث، وهو قوله "إنْ كان لِغيْةِ" وقوله "مُتَوفّى" بضم الميم وفتح التاء والواو والفاء المشددة، صفة لمولود. وقوله "وإن كان لِغَيْة"، بكسر لام الجر وفتح الغين المعجمة، وقد تكسر، وتشديد المثناة التحتية، أي: لأجل غية، مفرد الغي ضد الرشد، وهو أعم من الكفر وغيره. يقال لولد الزنى ولد الغِيَّة، يعني وإن كان الولد لكافرة أو زانية، ويسمى الولد من الحلال ولد رِشْدة بكسر الراء وفتحها. قال أحد أصدقائنا: من انتمى لرِشدة فوجدا الغِية تخيير زوجه بدا: والأول النكاح والثاني السفاح ... والفاء فيهما بكسر وانفتاح ومراده أنه يصلى على ولد الزنى، ولا يمنع ذلك من الصلاة عليه, لأنه محكوم بإسلامه تبعًا لأمه، وكذلك من كان أبوه دون أمه. وقال ابن عبد البر: لم يقل أحد أنه لا يصلى على ولد الزنى إلا قتادة وحده، واختلف في الصلاة على الصبي، فقال سعيد بن جُبير: لا يصلى عليه حتى يبلغ، وقيل حتى يصلي. وقال الجمهور: يصلى عليه حتى السَّقْط إذا استهل، وهذا مصير من الزهريّ إلى تسمية الزاني أبًا لمن زنى بأمه، وأنه يتبعه في الإِسلام، وهو قول مالك. وقوله: إذا استهل صارخًا، قَيْدٌ في السَّقط الداخل في قوله "كل مولود" أي: صاح عند الولادة، حال كونه صارخًا. فقوله "صارخًا" حال مؤكدة من فاعل استهل، والمراد العلم بحياته بصياح أو غيره، كاختلاجه بعد انفصاله. وقوله: صُلِّي عليه، بضم الصاد وكسر اللام، لظهور أمارة الحياة عليه. وقوله: من أجل أنه سَقِط، بكسر السين وضمها قد تفتح، أي: جنين سَقَط قبل تمامه. وقد قال القسطلانيّ: إن بلغ مئة وعشرين يومًا: حد نفخ الروح فيه، وجب غسله وتكفينه ودفنه، ولا تجب الصلاة عليه، بل لا تجوز، لعدم ظهور حياته، وإن سقط لدون أربعة أشهر، ووُري بخرقة ودفن فقط. وعند المالكية السقط الذي لم يستهل صارخًا، أي: تحقق حياته، يكره غسله، وتحنيطه، وتسميته، والصلاة عليه، سواء ولد بعد تمام العمل أو قبله، ويغسل ما فيه من الدم استحبابًا، ويلف بخرقة ويدفن وجوبًا. والحركة اليسيرة والرضاع اليسير والعُطاس والبول لا دلالة فيها فطعية على الحياة، وعند الليث وابن وهب وأبي حَنيفة والشافعيّ أنّ الحركة والرضاع والعطاس استهلال، عند الحنفية إذا لم يستهل لا يغسل، ولايورث، ولا يرث، ولا يصلى عليه، ولا يسمى.

стр. 5605

وعند الطحاويّ أن الجنين الميت يغسل، ولم يَحْكِ فيه خلافًا، وعند محمد في سقطٍ استبانَ خلقُه: يغسَل ويكفن ولا يصلى عليه. وقال أبو حنيفة إذا خرج أكثر المولود وهو يتحرك، صلى عليه، وإن خرج أقله لم يصل عليه. وقال ابن قُدامة: السِّقط الولد تضعه المرأة ميتًا أو لغير تمام، فأما إن خرج حيًا واستهل، فإنه يصلى عليه بعد غسله بلا خلاف، وصلى ابن عمر على ابن ابنه، ولد ميتًا. وقوله: فإن أبا هريرة، رضي الله تعالى عنه، الفاء للتعليل، وهذا منقطع كما مرَّ, لأن ابن شهاب لم يسمع من أبي هُريرة، بل لم يدركه، ولم يذكره المصنف للاحتجاج به، بل للاستنباط المار منه. وقوله: ما من مولود إلا يولد على الفطرة، مِنْ زائدة، ومولود مبتدأ، ويولد خبره، أي ما مولود يوجد على أمر من الأمور إلا على الفطرة. وفي الرواية الآتية في باب "ما قيل في أولاد المشركين": كل مولود يولد على الفطرة، والمراد به المولود من بني آدم، وصرح بذلك جعفر بن ربيعة عن الأعرج عن أبي هريرة بلفظ "كل بني آدم يولد على الفطرة". واستشكل هذا التركيب بأن ظاهره يقتضي أنّ كل مولود يقع له التهويد وغيره مما ذكر، والغرض أن بعضهم يستمر مسلمًا ولا يقع له شيء، والجواب أن المراد من التركيب أن الكفر ليس من ذات المولود، ومقتضى طبعه، بل إنما حصل بسبب خارجي، فإنْ سلم من ذلك السبب استمر على الحق، وهذا يقوي المذهب الصحيح في تأويل الفطرة، كما سيأتي. وقوله: يولد على الفطرة، ظاهره تعميم الوصف المذكور في عموم المولودين، ولمسلم عن أبي صالح عن أبي هُريرة "ليس من مولود يولد إلا على هذه الفِطرة، حتى يعبِّر عنه لسانه". وفي رواية له من هذا الوجه "ما من مولود إلا وهو على المِلة". وحكى ابن عبد البَرَّ عن قوم أنه لا يقتضي العموم، وإنما المراد أن كل من ولد على الفطرة، وكان له أبوان على غير الإِسلام نقلاه إلى دينهما، فتقدير الخبر على هذا: كل مولود يولد على الفطرة، وأبواه يهوديان مثلًا، فإنهما يهودانه، ثم يصير عند بلوغه إلى ما يحكم به عليه. واحتجوا بحديث أُبَي بن كعب، قال النبي ﷺ : "الغلام الذي قتله الخِضر طبعه الله يوم طبعه كافرًا"، وبما رواه سعيد بن منصور، يرفعه "أن بني آدم خلقوا طبقات، فمنهم من يولد مؤمنًا، ويحيا مؤمنًا، ويموت مؤمنًا، ومنهم من يولد كافرًا، ويحيا كافرًا ويموت كافرًا، ومنهم من يولد مؤمنًا، ويحيا مؤمنًا ويموت كافرًا. ومنهم من يولد كافرًا ويحيا كافرًا ويموت مؤمنًا. قالوا: ففي هذا الحديث، وفي غلام الخضر، ما يدل على أن الحديث ليس على عمومه، وأجيب بأن حديث سعيد بن منصور فيه ابن جدعان، وهو ضعيف، ويكفي في الرد عليهم رواية أبي صالح المتقدمة. ورواية جعفر بن ربيعة

стр. 5606

المتقدمة أيضًا، واختلف السلف في المراد بالفطرة في هذا الحديث على أقوال كثيرة. وحكى أبو عبيد أنه سأل محمد بن الحسن، صاحب أبي حنيفة عن ذلك، فقال: كان هذا في أول الإِسلام قبل أن تنتزل الفرائض، وقبل الأمر بالجهاد. قال أبو عُبَيد: كأنّه عني أنه لو كان يولد على الإِسلام فمات قبل أن يهوَّدَه أبواه مثلًا لم يَرثاه، والواقع في الحكم أنهما يرثانه، فدل على تغير الحكم، وقد تعقبه ابن عبد البر وغيره، وسبب الاشتباه أنه حمله على أحكام الدنيا، فلذلك ادَّعى فيه النسخ. والحق أنه إخبار من النبي ﷺ بما وقع في نفس الأمر، ولم يرد به إثبات أحكام الدنيا. وأشهر الأقوال أن المراد بالفطرة الإِسلام. قال ابن عبد البَر: هو المعروف عند عامة السلف، وأجمع أهل العلم بالتأويل على أن المراد بقوله تعالى ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ الإِسلام، وبحديث عياض بن حِمار عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه "أني خلقتُ عبادي حُنفاء كلهم، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم .. " الحديث. وقد رواه غيره فزاد "حنفاء مسلمين"، ورجحه بعض المتأخرين بقوله تعالى ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ لأنها إضافة مدح، وقد أمر نبيه بلزومها، فعلم أنها الإِسلام. وقال ابن جرير: قوله تعالى ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ أي: سدد لطاعته حنيفًا أي: مستقيمًا. فطرة أي: صبغة الله، وهو منصوب على المصدر الذي دل عليه الفعل الأول، أو منصوب بفعل مقدَّر: أي: الزم. وقد مرَّ قول الزهريّ في الصلاة على المولود من أجل أنه ولد على فطرة الإِسلام، ويأتي في تفسير سورة الروم جزم المصنف بأن الفطرة الإِسلامُ، وقد قال أحمد: من مات أبواه وهما كافران حكم بإسلامه. واستدل بحديث الباب، فدل على أنه فسر الفطرة بالإِسلام، وتعقبه بعضهم بأنه كان يلزم أن الأصح استرقاقه، ولا يحكم بإسلامه، إذا أسلم أحد أبويه، والحق أن الحديث سِيق لبيان ما هو في نفس الأمر، لا لبيان الأحكام في الدنيا. وحكى محمد بن نصر أن آخر قوْليْ أحمد أن المراد بالفطرة الإِسلام، وقال ابن القَيِّم: قد جاء عن أحمد أجوبة كثيرة يحتج فيها بهذا الحديث، على أن الطفل إنما يحكم بكفره بأبويه، فإذا لم يكن بين أبوين كافرين فهو مسلم. وروى أبو داود عن حمّاد بن سَلَمة أنه قال: المراد أن ذلك حيث أخذ الله عليهم العهد، حيث قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ ونقله ابن عبد البَرّ عن الأوزاعيّ وسَحْنون. ونقله أبو يعلي بن الغراء عن أحد الروايتين، عند أحمد، وهو ما حكاه الميمونيّ عنه، وذكره ابن بَطّة، وسيأتي في آخر الحديث، ثم يقول أبو هريرة: فطرة الله التي فطر الناس عليها إلى قوله القيم، وظاهره أنه من بقية الحديث المرفوع، وليس كذلك، بل هو من كلام أبي هريرة أُدرج في الخبر. بينه مسلم عن الزّبيديّ عن الزُّهْريّ، ولفظه "ثم يقول أبو هريرة اقرؤا أن شئتم" قلت: البيان الذي في مسلم هو الذي عند المصنف كل منهما عزا القول لأبي هريرة إلا أن مسلمًا قال إنه يقول "اقرؤا إن شئتم"، وهذا ليس فيه زيادة بيان بعد عزو القول له.

стр. 5607

قال الطيبيّ: ذكر هذه الآية عقب هذا الحديث يقويّ ما أوّله حماد بن سلمة من أوجه. أحدها أن التعريف في قوله "على الفطرة" إشارة إلى معهود، وهو قول الله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ ومعنى المأمور في قوله ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ أي أثبت على العهد القديم. ثانيها ورود الرواية بلفظ "الملة" بدل "الفطرة والدين" في قوله ﴿لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ هو عين الملة. قال الله تعالى: ﴿دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ ويؤيده حديث عِياض المتقدم. ثالثها التشبيه بالمحسوس المُعَاين، ليدل على أن ظهوره يقع في البيان مبلغ هذا المحسوس، والمراد تمكن الناس من الهدى، في أصل الجِبلَّة، والتهيؤ لقبول الدِّين، فلو ترك المرء عليها، لاستمر على لزومها, ولم يفارقها إلى غيرها, لأن حسن هذا الدين ثابتٌ في النفوس، وإنما يعدل عنه لآفة من الآفات البشرية كالتقليد. وإلى هذا مال القرطبيّ في المفهم، فقال: المعنى أن الله خلق قلوب بني آدم مؤهلة لقبول الحق، كما خلق أعينهم وأسماعهم قابلة للمرئيات والمسموعات، فما دامت باقية على ذلك القبول، وعلى تلك الأهلية أدركت الحق، ودين الإِسلام وهو الدين الحق. وقد دل على هذا المعنى بقية الحديث، حيث قال: كما تَنْتُج البهيمةُ، يعني أن البهيمة تنتج الولد سالمًا، كامل الخلقة، فلو ترك كذلك كان بريئًا من العيب، لكنهم تصرفوا فيه بقطع أذنه مثلًا، فخرج عن الأصل، وهو تشبيه واقع، ووجهه واضح. وقال ابن القَيِّم: ليس المراد بقوله "يولد على الفطرة" أنه خرج من بطن أمه يعلم الدين, لأن الله يقول ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ ولكن المراد أن فطرته مقتضية لمعرفة دين الإِسلام، فنفس الفطرة تستلزم الإقرار والمحبة، وليس المراد مجرد قبول الفطرة لذلك, لأنه لا يتغير بتهويد الأبوين مثلًا، بحيث يخرجان الفطرة عن القبول، وإنما المراد أن كل مولود يولد على إقراره بالربوبية، فلو خُلِّي وعُدِم المعارض لم يعدل عن ذلك إلى غيره، كما أنه يولد على محبة ما يلائم بدنه، من ارتضاع اللبن حتى يصرفه عنه الصارف، ومن ثم شبهت الفطرة باللبن، بل كانت إياه في تأويل الرؤيا. وفي المسألة أقوال أُخر، منها قول ابن المبارك: إن المراد أنه يولد على ما يصير إليه من شقاوة أو سعادة، فمن علم الله أنه يصير مسلمًا ولد على الإِسلام، ومن علم أنه يصير كافرًا ولد على الكفر، فكأنَّه أوَّل الفطرة بالعلم. وتعقب بأنه لو كان كذلك، لم يكف، لقوله "فأبواه يهوِّدانه .. " الخ معنى لأنهما فعلا به ما هو الفطرة التي ولد عليها فينافي التمثيل بحال البهيمة، ومنها أن المراد أن الله خلق فيهم المعرفة

стр. 5608

والأفكار، فلما أخذ الميثاق من الذُّرِّيّة، قالوا جميعًا: بلى، فأما أهل السعادة: فقالوها طوعًا، وأما أهل الشقاوة فقالوها كرهًا. وقال محمد بن نصر: سمعت إسحاق بن راهوَيه يذهب إلى هذا المعنى ويرجحه، وتعقب بأنه يحتاج إلى نقل صحيح، فإنه لا يعرف هذا التفصيل، عند أخذ الميثاق، إلا من السّدي، ولم يسنده، وكأنه أخذه من الإسرائيليات، حكاه ابن القيّم، ومنها أن المراد بالفطرة الخلقة، أي: يولد سالمًا لا يعرف كفرًا ولا إيمانًا، ثم يعتقد إذا بلغ التكليف، ورجحه ابن عبد البر، وقال: إنه يطابق التمثيل بالبهيمة، ولا يخالف حديث عياض, لأن المراد بقوله "حنيفًا" أي: على استقامة. وتعقب بأنه لو كان كذلك، لم يقتصر في أحوال التبديل على ملل الكفر، دون ملة الإِسلام، ولم يكن لاستشهاد أبي هريرة بالآية معنى. ومنها قول بعضهم: إن اللام في "الفطرة" للعهد، أي: فطرة أبويه، وهو مُتَعقب بم ذُكر في الذي قبله، ويؤيد المذهب الصحيح أنّ قوله "فأبواه يهودانه .. " الخ، ليس فيه لوجود الفطرة شرط، بل ذكر ما يمنع موجبها، كحصول اليهودية مثلًا، متوقف على أشياء خارجة عن الفطرة، بخلاف الإِسلام. وقال ابن القيم سبب اختلاف العلماء في معنى الفطرة في هذا الحديث أن القدرية كانوا يحتجون به على أن الكفر والمعصية ليسا بقضاء الله، بل مما ابتدأ الناسُ إحداثه، فحاول جماعة من العلماء مخالفتهم بتأويل الفطرة على غير معنى الإِسلام، ولا حاجة لذلك, لأن الآثار المنقولة عن السلف تدل على أنهم لم يفهموا من لفظ الفطرة إلا الإِسلام، ولا يلزم من حملها على ذلك موافقة مذهب القدرية, لأن قوله "فأبواه يهودانه" إلخ محمولٌ على أن ذلك يقع بتقدير الله تعالى، ومنهم ثم احتج عليهم مالك بقوله في آخر الحديث: الله أعلم بما كانوا عاملين. وقوله: فأبواه، أي: المولود، الفاء إما للتعقيب أو للسببية أو جزاء شرط مقدّر: إذا تقرر ذلك فمن تغير كان سبب تغيره من أبويه. وهو قوله "يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه". إما بتعليمها إياه أو بترغيبهما فيه. وكونه تبعًا لهما في الدين يقتضي أن يكون حكمه حكمهما في الدنيا فإن سبقت له السعادة أسلم، وإلا مات كافرًا. وخص الأبوان بالذكر للغالب، فلا حجة فيه لمن حكم بإسلام الطفل الذي يموت أبواه كافرين، كما هو قول أحمد، فقد استمر عمل الصحابة ومن بعدهم على عدم التعرض لأطفال أهل الذمة. وقوله: كما تُنْتج البهيمة بضم أوله وسكون النون وفتح المثناة بعدها جيم، قال أهل اللغة: نُتَجِت الناقة على صيغة ما لم يسم فاعله تُنْتج، بفتح المثناة، وأنْتَج الرجل ناقته ينتُجها إنتاجًا أي: تلد البهيمة بهيمة، بالنصب مفعول به. قال الطيبي: قوله "كما" حال من الضمير المنصوب في يهودانه، أي: يهودان المولود بعد أن

стр. 5609

خلق على الفطرة تشبيهًا بالبهيمة التي جُدعت بعد أن خلقت سليمة، أو هو صفة مصدر محذوف، أي يغيرانه تغييرًا مثل تغييرهم البهيمة السليمة. وقد تنازعت الأفعال الثلاثة في "كما" على التقديرين. وقوله: جمعاء، أي: لم يذهب من بدنها شيء، سميت بذلك لاجتماع أعضائها، وفي الرواية الآتية "كمثل البهيمة تُنْتَج البهيمة" أي: تلدها، فالبهيمة الثانية بالنصب على المفعولية. وقوله: هل تُحِسّون، بضم أوله، من الإحساس، والمراد به العلم، وقوله: "فيها من جدعاء" بجيم مفتوحة ودال مهملة ساكنة ممدودًا، أي: مقطعة الأُذُن أو الأنف أو الأطراف، والجملة صفة أو حال، أي: بهيمة مقولًا فيها هذا القول، أي كل من نظر إليها قال هذا القولَ، لظهور سلامتها. وفيه إيماء إلى أن تصميمهم على الكفر كان بسبب صَمَمهم عن الحق، وفي الرواية الآتية "هل ترى فيها جدعاء" قال الطيبي: هو في موضع الحال، أي: سليمة مقولًا في حقها ذلك. وفيه نوع التأكيد. وقوله: ثم يقول أبو هريرة إلخ، قد مرَّ أن هذا مدرج من كلام أبي هُريرة. وقوله: فطرةَ الله، أي: خِلقته، نُصِبَت على الإِغراء أو المصدر لما دل عليه ما بعدها. قال صاحب الكشَّاف: أي: الزموا فطرة الله، أو عليكم فطرة الله، أي: خلقهم قابلين للتوحيد ودين الإِسلام، لكونه على مقتضى العقل والنظر الصحيح، حتى أنهم لو تركوا طباعهم لما اختاروا عليه دينًا آخر. قال البرماويّ: ولا يخفى ما فيه من نزعة اعتزالية، وقال أبو حيان في البحر: قوله "أو عليكم فطرة الله" لا يجوز لأن فيه حذف كلمة الإغراء، ولا يجوز حذفها, لأنه قد حذف الفعل وعوض عليك منه، فلو جاز حذفه لكان إجحافًا، إذ فيه حذف العوض والمعوض عنه. وقوله: التي فطر الناس عليها، أي خَلَقهم عليها، وهي قبول الحق، وتمكنهم من إدراكه إلى آخر ما مرَّ في تفسير الفطرة من الأقوال الكثيرة. وقوله: لا تبديل لخلق الله، أي: دين الله، كما قال به سعيد بن جبير وقتادة وإبراهيم النخعيّ. وقيل: معناه الإِحصاء، كما قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة، واستشكل هذا مع كون الأبوين يهودانه، وأجيب بأنه مؤول، فالمراد ما ينبغي أن تُبدَّلَ تلك الفطرة، أو من شأنها أن لا تبدل، أو الخبر بمعنى النهي. وقوله: "ذلك" إشارة إلى الدين المأمور بإقامة الوجه له في قوله ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ أو الفطرة إنْ فُسِّرت بالملة. وقوله: الدين القيم، أي: المستوي الذي لا عوج فيه. اعلم أن ابن هشام في المغني ذكر عن ابن هشام الخَضْراويّ أنه جعل هذا الحديث شاهدًا لورود حتى للاستثناء، فذكره بلفظ "كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللّذان يهوِّدانه وينصِّرانه" قال: ولك أن تُخَرِّجه على أن فيه حذفًا، أي: يولد على الفطرة، ويستمر على ذلك حتى يكون، يعني فتكون حتى للغاية على بابها.

стр. 5610

ومال صاحب المغني في موضع آخر إلى أنه ضمّن يولد معنى ينشأ مثلًا، والحديث في تفسير ابن مَرْدَويه بلفظ "ليست نسمةٌ تولد إلا ولدت على الفطرة، فما تزال عليها حتى يبين عنها لسانها .. " الحديث، وهو يؤيد الاحتمال المذكور، واللفظ الذي ساقه الخضراويّ ليس في الصحيحين ولا غيرها، إلا أن عند مسلم، كما مرَّ في رواية "حتى يعرب عنه لسانه" وفي مستخرج أبي نعيم على مسلم بلفظ "ما من مولود يولد في بني آدم إلا يولد على الفطرة، حتى يكون أبواه يهودانه .. " الحديث، وهو عند مسلم عن محمد بن حرب بلفظ "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، أبواه يهودانه .. " الحديث. رجاله أربعة قد مرّوا، مرَّ أبو اليمان وشعيب في السابع من بدء الوحي، والزُّهريُّ في الثالث منه، وأبو هريرة في الثاني من الإِيمان. الحديث الرابع عشر والمئة حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ. ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾. قوله أخبرني أبو سلمة، هكذا رواه ابن أبي ذيب عن الزُّهري، وتابعه يونس، كما ذكر هنا من طريق عبد الله بن المبارك عنه، وأخرجه مسلم عن ابن وهب عن يونس، وخالفهما الزبيديّ ومعمر، فروياه عن الزهريّ عن سعيد بن المَسَيِّب بدل أبي سلمة، وأخرجه الذُّهْليّ في الزُّهريات عن الأوزاعيّ عن الزُّهريّ عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، وقد مرَّ قريبًا عن شُعيب عن الزُّهريّ عن أبي هُريرة من غير ذكر واسطة، وصنيع البخاري يقتضي ترجيح طريق أبي سلمة، وصنيع مسلم يقتضي تصحيح القولين عن الزهريّ، وبذلك جزم الذُّهلي، وهذا الحديث قد استوفيت مباحثه في الذي قبله. رجاله ستة قد مرّوا، مرَّ عبدان عبد الله بن عثمان وعبد الله بن المبارك في السادس من بدء الوحي، ومرَّ يونس بن زيد في متابعة بعد الرابع منه، وأبو سَلَمة في الرابع منه، ومرَّ محل الزهريّ وأبي هريرة في الذي قبله. ثم قال المصنف:

стр. 5611

باب إذا قال المشرك عند الموت لا إله إلاَّ الله قال الزين بن المنير: لم يأت بجواب "إذا" لأنه ﷺ ، لما قال لعمه: قل لا إله إلا الله، أشهد لك بها، كان محتملًا لأن يكون ذلك خاصة له, لأن غيره إذا قالها، وقد أيقن بالوفاة لم تنفعه، ويحتمل أن يكون ترك جواب "إذا" ليفهم الواقف عليه أنه موضع تفصيل وفكر، وهذا هو المعتمد، وهو أنه لا يخلو إما أن يكون من أهل الكتاب أو لا يكون، وعلى التقديرين لا يخلو إما أن يقول لا إله إلا الله في حياته قبل معاينة الموت، أو قالها عند موته، وعلى كلا التقديرين لا ينفعه ذلك عند الموت، لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا﴾ بإسناد "ينفعه ذلك" إذا كان في حياته، ولم يكن من أهل الكتاب حتى يحكم بإسلامه، لقوله ﵊: "حتى يقولوا لا إله إلا الله" وإن كان من أهل الكتاب، فلا ينفعه حتى يتلفظ بكلمتي الشهادة، ويتبرأ عن كل دين سوى الإِسلام. قلت: حديث اليهودي الصبي الماضي قريبًا، لم يقع فيه هذا التبرؤ، قبل إسلامه. وقال ﵊: "الحمد لله الذي أنقذه من النار"، اللهم إلا أن يكون هذا خاصًا بالصبي، لكونه لم يعقل الأديان. الحديث الخامس عشر والمئة حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَبِى طَالِبٍ يَا عَمِّ، قُلْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيَعُودَانِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبَي أَنْ يَقُولَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَا وَاللَّهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ الآيَةَ.

стр. 5612

قوله: لما حضرت أبا طالب الوفاة، قال الكرماني: المراد حضرت علامات الوفاة، وإلا فلو كان انتهى إلى المعاينة، لم ينفعه الإِيمان لو آمن، ويدل على الأول ما وقع من المراجعة بينه وبينهم. ويحتمل أن يكون انتهى إلى تلك الحالة، لكن رجا النبي ﷺ أنه إذا أقر بالتوحيد، ولو في تلك الحالة، أن ذلك ينفعه بخصوصه، وشفاعته ﷺ ، لمكانه منه، ولهذا قال: "أُجادل لك بها" أو "أشفع لك" كما يأتي قريبًا. ويؤيد الخصوصية أنه بعد أن امتنع من الإقرار بالتوحيد، وقال: هو على ملة عبد المطلب، ومات على ذلك، أن النبي ﷺ ، لم يترك الشفاعة له، بل شفع له حتى خفف عنه العذاب بالنسبة لغيره، وكان ذلك من الخصائص في حقه. وتأتي الرواية بذلك في السيرة. وقوله: فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أُمية، يحتمل أن يكون المسيب حضر هذه القصة، فإنّ المذكورين من بني مخزوم، وهو من بني مخزوم أيضًا، وكان الثلاثة يومئذ كفارًا، فمات أبو جهل على كفر، وأسلم الآخران، وأما قول بعض الشَّرَّاح: هذا الحديث من مراسيل الصحابة، فمردود, لأنه استدل بأن المسيب على قول مصعب من مُسْلِمة الفتح، وعلى قول العسكري ممن بايع تحت الشجرة. كما ذكره البخاري في المغازي قال: فأيًا ما كان، فلم يشهد وفاة أبي طالب, لأنه توفي هو وخديجة في أيام متقاربة، في عام واحد، والنبيّ ﷺ يومئذ نحو الخمسين. ووجه الرد أنه لا يلزم من كون المسيب تأخر إسلامه أنْ لا يشهد وفاةَ أبي طالب، كما شهدها عبد الله بن أبي أمية، وهو يومئذ كافر، ثم أسلم بعد ذلك، وقوله: يا عم، وفي رواية: أي: عم، أمّا أي: فهي بالتخفيف، حرف نداء، وأما عم، فهو منادى مضاف، ويجوز فيه إثبات الياء وحذفها. وقوله: كلمةً، بالنصب على البدل من لا إله إلا الله، أو الاختصاص، ويجوز الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. وقوله: أشهد لك بها عند الله، وفي رواية القصص "أحَاجّ لك بها" أي: بتشديد الجيم، من المُحاجّة، وهي مفاعلة من الحُجّة، والجيم مفتوحة على الجزم جواب الأمر، والتقدير: أنْ تقل أُحاجّ، ويجوز الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، وفي رواية مجاهد عند الطبريّ "أجادل عنك بها"، زاد الطبريّ عن الزُّهري، قال: أي: عمِّ، إنك أعظم الناس عليَّ حقًا، وأحسنهم عندي يدًا، فقل كلمة تجبْ لي بها الشفاعة فيك يوم القيامة" وقوله: فلم يزل يَعرضِها، بفتح أوله وكسر الراء، وعند الطبريّ عن الشعبيّ "فقال له ذلك مرارًا". وقوله: ويعودان بتلك المقالة، أي: ويعيدانه إلى الكفر بتلك المقالة، كأنه قال: كأن قارب أنْ يقولها فيردّانه. والرواية الأولى أوضح. وعند مسلم، "فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه، ويقول له تلك المقالة".

стр. 5613

قال القرطبيّ في "المفهم": كذا في الأصول، وعند أكثر الشيوخ، والمعنى أنه عرض عليه الشهادة، وكررها عليه. وقوله: آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب. وقوله هو أراد بذلك نفسه، ويحتمل أن يكون قال: أنا، فغيَّرها الراوي أنفةَ أن يحكي كلام أبي طالب، استقباحًا للفظ المذكور، وهو من التصرفات المستحسنة. وفي رواية مجاهد قال: يا ابن أخي، ملة الأشياخ. وعند مسلم والتِّرمذيّ والطبريّ عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: لولا أن تعيّرني قريشٌ، يقولون ما حمله عليه إلا جَزَعَ الموت، لأقررت بها عينك. وفي رواية الشعبي عند الطبري قال: لولا أن يكون عليك عار لم أبال أن أفعل، وضبط "جَزَع" بالجيم والزاي محركين، ولبعض رواة مسلم بالخاء المعجمة والراء، وقوله: وأبى أن يقول لا إله إلا الله، هو تأكيد من الراوي في نفي وقوع ذلك من أبي طالب، وكأنه استند في ذلك إلى عدم سماعه ذلك منه في تلك الحال، وهذا القدر هو الذي يمكن إطلاعه عليه، ويحتمل أن يكون أطلعه النبي ﷺ على ذلك. وقوله: والله لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عَنْك، وفي رواية, ما لم أُنه عنه، أي: الاستغفار. قال الزين بن المنير: ليس المراد طلب المغفرة العامة، والمسامحة بذنب الشرك، وإنما المراد تخفيف العذاب عنه، كما جاء مبينًا في حديث آخر، قال في الفتح: هذا غفلة شديدة منه، فإن الشفاعة لأبي طالب في تخفيف العذاب، لم ترد، وطلبها لم يُنْهَ عنه، وإنما وقع النهي عن طلب المغفرة العامة، وإنما ساغ ذلك للنبي اقتداءًا بإبراهيم في ذلك، ثم ورد نسخ ذلك، كما يأتي واضحًا قريبًا. وقوله: فأنزل الله تعالى فيه الآية، يعني قوله تعالى ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أي: ما ينبغي لهم ذلك، وهو خبر بمعنى النهي، كذا هو في هذه الرواية. وروى الطبريُّ عن عمرو بن دينار قال: قال النبي ﷺ : "استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك، فلا أزال أستغفر لأبي طالب حتى ينهاني عنه ربي" قال أصحابه: لنستغفرنَّ لآبائنا كما استغفر نبينا لعمه، فنزلت، قال في الفتح: وهذا إشكال, لأن وفاة أبي طالب كانت بمكة قبل الهجرة اتفاقًا. قلت: لم أعرف وجه الإشكال، فإنه ﵊ بمكة كانت له أصحاب ماتت آباؤهم على الكفر، فيمكن أن يحصل منهم هذا القول. وقد ثبت أنّ النبي ﷺ أتى قبر أمه لما اعتمر، فاستأذن ربه أن يستغفر لها، فنزلت هذه الآية، والأصل عدم تكرار النزول، وأخرج الحاكم وابن أبي حاتم عن مسروق عن ابن مسعود قال: خرج النبي ﷺ يومًا إلى المقابر، فاتبعناه، فجاء حتي جلس إلى قبر منها، فناجاه طويلًا، ثم بكى فبكينا لبكائه، فقال: إن القبر الذي جلست عنده قبر أُمي، وإني استأذنت ربي في الدعاء لها، فلم يأذن لي، فأنزل الله عليّه ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾.

стр. 5614

وأخرج أحمد عن ابن بُريدة عن أبيه نحوه، وفيه: نزل بنا ونحن قريب من ألف راكبٍ، ولم يذكر نزول الآية. وفي رواية الطبرانيّ من هذا الوجه: لما قدم مكة أتى رسم قبرٍ، وعن فضيل بن مرزوق عن عطية: لما قدم مكة وقف على قبر أُمه، حتى سخنت عليه الشمس، رجاءَ أن يؤذَن له، فيستغفر لها، فنزلت. وللطبرانيّ عن عكرمة عن ابن عباس نحو حديث ابن سعود، وفيه: لما هبط من ثنية عَسفان. وفيه نزول الآية في ذلك، فهذه طرق يعضَّد بعضها بعضًا. وفيها دلالة على تأخير نزول الآية عن وفاة أبي طالب: ويؤيده أيضًا أنه ﵊ قال يوم أُحُد، بعد أن شج وجهه الشريف: "اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون". لكن يحتمل في هذا أن يكون الاستغفار خاصًا بالأحياء، وليس البحث فيه. ويحتمل أن يكون نزول الآية تأخر، وأنْ كان سببها تقدم، ويكون لنزولها سببان: متقدم، وهو أمر أبي طالب، ومتأخر وهو أمر آمنة. ويؤيد تأخير النزول ما جاء في تفسير "براءة" من استغفاره ﷺ للمنافقين، حتى نزل النهي عن ذلك، فإن ذلك يقتضي تأخير النزول وإنْ تقدم السبب. ويشير إلى ذلك قوله في حديث الباب، في رواية القصص: وأنزل الله في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ لأنه يُشعر بأن الآية الأُولى نزلت في أبي طالب وغيره، والثانية نزلت فيه وحده. ويؤيد تعدد السبب ما أخرجه أحمد عن عليّ قال: سمعت رجلًا يستغفر لوالديه وهما مشركان، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ الآية. وروى الطبريّ عن مجاهد قال: قال المؤمنون: ألا نستغفر لآبائنا كما استغفر إبراهيم لأبيه؟ فنزلت. وعن قتادة قال: ذكرنا له أنَّ رجالًا فذكر نحوه، وفي الحديث: أن من لم يعمل خيرًا قطُّ، إذا ختم عمره بشهادة أن لا إله إلا الله حكم بإسلامه، وأُجريت عليه أحكام المسلمين، فإن قارن نطقُ لسانه عَقْدَ قلبه نفعه ذلك عند الله تعالى، بشرط أن لا يكون وصل إلى حد انقطاع الأمل من الحياة، وعجز عن فهم الخطاب، ورد الجواب، وهو وقت المعاينة، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾. ومرت زيادة لهذا عند الترجمة. رجاله سبعة: قد مرّوا، إلا المسيب، وفيه ذكر أبي طالب وعبد الله بن أبي أُمية، إسحاق، إما ابن راهويه، وقد مرّ في تعليق بعد الحادي والعشرين من العلم، وإما ابن منصور، وقد مرَّ في الخامس والثلاثين من الإيمان, ومرَّ يعقوب بن إبراهيم في السادس عشر من العلم، ومرَّ أبوه إبراهيم بن سعد في السادس عشر من الإيمان, وسعيد بن المسيب في التاسع عشر منه، ومرَّ صالح بن كيسان في السابع من بدء الوحي، وابن شهاب في الثالث منه.

стр. 5615

والسابع: المُسَيّب بن حَزْن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عِمران بن مخزوم، القرشي، المخزوميّ، له ولأبيه حَزْن صحبة، وهو والد سعيد، وكان ممن بايع تحت الشجرة، وكان رجلًا تاجرًا، وقد شهد فتوح الشام، له سبعة أحاديث، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بواحد. روى عنه ابنه سعيد، قال في الإصابة: لم يتحرر لي وقت موته. ومرَّ أبو طالب في الرابع من الاستسقاء، وعبد الله بن أبي أُمية، واسم أبي أُمية حُذيفة، وقيل سَهل بن المُغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم المخزوميّ، أُمه عاتكة بنت عبد المطلب، عمة النبي ﷺ ، أخو زوجته أُم سلمة، كان أبوه أبو أُمية يسمى "زادَ الراكب"، سمي بذلك لأنه كان إذا سافر معه أحد كان زاده عليه، وزعم ابن الكلبي أن أزواد الركب ثلاثة، زَمْعَة بن الأسود بن المطلب بن عبد مناف، قُتل يوم بدر كافرًا، ومسافر بن أبي عمرو بن أمية، وأبو أُمية بن المغيرة، وهو أشهرهم. وقال مصعب: لا تعرف قريش زادَ الركبِ إلا أبا أُمية وحده. قال مصعب الزبيريّ: كان عبد الله بن أبي أُمية شديدًا على المسلمين، شديد العداوة للنبي ﷺ ، وهو الذي قال له ﵊: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ إلخ الآية. ثم هداه الله إلى الإِسلام، وهاجر قبل الفتح، ولقي النبي ﷺ بطريق مكة، هو وأبو سفيان بن الحارث، قال ابن إسحاق: فالتمسا الدخول عليه، فمنعهما، فكلمته أُم سلمة، فقالت: يا رسول الله صلى الله عليك وسلم، ابن عمك، تعني أبا سفيان، وابن عمتك، تعني عبد الله. فقال: لا حاجة لي بهما، أما ابن عمي فهتك عرضي، وأما ابن عمتي فقال لي بمكة ما قال. ثم أذن لهما فدخلا وأسلما. وقال الزبير بن بكَّار: كان شديدًا على المسلمين، ثم خرج مهاجرًا فلقي النبي ﷺ ، بين السقيا والعرج، هو وأبو سفيان بن الحارث، فأعرض عنهما، فقالت أُم سلمة: لا تجعل ابن عمك وابن عمتك أشقى الناس بك. وقال عليٌّ لأبي سفيان: ائتِ رسولَ الله ﷺ من قِبَل وجهه، وقيل له ما قال أُخوة يوسف ليوسف، ففعل، فقال: لا تثريب عليكم اليوم، وقبل منهما وأسلما، وشهد عبد الله الفتحَ وحنينًا واستشهد بالطائف. له ذكر في الصحيحين في حديث المخنث الذي قال له عند أُم سلمة: "يا عبد الله، إن فتح الله عليكم الطائف غدًا فعليك بابنة غيلان، فإنها تُقْبل في أربع وتدبر في ثمان ... " الحديث. وزَعْمُ مسلم أن عروة بن الزبير، رُوي عنه، أنه رأى النبي ﷺ في بيت أُم سلمة يصلي في ثوب واحد ملتحفًا به، مخالفًا بين طرفيه - غَلَطٌ صُراح, لأنه مات قبل أن يولد عروة بكثير، وإنما الذي روى عروة عن عبد الله بن عبد الله بن أبي أُمية، ولهم عبد الله بن أبي أُمية بن وهب، حليف بني أسد، وابن أخيهم استشهد بخيبر، ولهم عبد الله بن أمية اثنان: أحدهما بدريّ. وفي الحديث ذكر عدو الله، أبي جهل، يكنى أبا الحكم، واسمه عمرو بن هشام بن المُغيرة

стр. 5616

المخزوميّ، ويقال: ابن الحنظلية، واسمها أسماء بنت سلامة بن مَخْرَمة، كان أحول مأبونًا، وكان رأسه أول رأس جزَّ في الإِسلام، كما ذكره ابن دريد في وشاحه. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإِخبار بالجمع والإِفراد والعنعنة، وهو من أفراد الصحيح, لأن المسيب لم يرو عنه إلا ابنه سعيد، ورواته مروزيٌّ والبقية مدنيون، وفيه ثلاثة من التابعين، ورواية الابن عن الأب. أخرجه البخاري أيضًا في سورة "براءة". ثم قال المصنف:

стр. 5617

باب الجريدة على القبر أي وضعها أو غرزها، ثم قال: وأوصى بُريدة الأسلميُّ أن يُجعل في قبره جريدتان، وأثر بُريدة هذا مرَّ الكلام عليه في باب "من الكبائر أنْ لا يستتر من بوله" من كتاب الوضوء وهذا وصله ابن سعد من طريق مُوَرِّق العجليّ، وبُريدة قد مرَّ في الثلاثين من مواقيت الصلاة. ثم قال: ورأى ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، فسطاطًا على قبر عبد الرحمن، فقال: انزعه يا غلام، فإنما يُظله عمله. الفُسطاط، بضم الفاء وسكون المهملة وبطاءين مهملتين، هو البيت من الشعر، وقد يطلق على غير الشعر، وفيه لغات أخرى: تثليث الفاء، وبالمثناتين بدل الطاءين، وإبدال الطاء الأولى مثناة، وإدغامها في السن, وكسر أوله في الثلاثة. ولفظ الأثر كما عند ابن سعد موصولًا "مرَّ عبد الله بن عمر على قبر عبد الرحمن بن أبي بكر، أخي عائشة، وعليه فُسطاط مضروبٌ فقال: يا غلام، انزعه، فإنما يظله عمله. قال: تضربني مولاتي، قال: كلا، فنزعه. ومن طريق ابن عون عن رجل قال: قدمتْ عائشةُ ذا طُوَيّ، حين رَفَعوا أيديهم عن عبد الرحمن بن أبي بكر، فأمرتْ بفُسطاط ضرب على قبره، وكَّلَت به إنسانًا، وارتحلت، فقدم ابن عمر فذكر نحو الحديث. وقد مرَّ الكلام مستوفى على ضرب الفسطاط على القبر، في باب "ما يكره من اتخاذ القبر على المساجد". ووجه إدخال أثر ابن عمر في هذه الترجمة من حيث، إنه يرى أن وضع النبي ﷺ الجريدتين على القبرين، خاص بهما، وأن بُريدة حَمَله على العموم، فلذلك عقب أثر بُريدة بأثر عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، وهذا التعليق وصله أيضًا ابن سعد من طريق أيوب بن عبد الله بن يسار. وابن عمر مرَّ في أول الإِيمان قبل ذكر حديث منه، وعبد الرحمن المراد به عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وقد مرَّ في الرابع من الغسل. ثم قال: وقال خارجة بن زيد: رأيْتُني ونحن شُبَّان في زمن عثمان، رضي الله تعالى عنه، وأن أشدنا وَثْبَةً الذي يشب قبر عثمان بن مظعون حتى يجاوزه. قوله: رأيتُني، بضم المثناة، والفاعل والمفعول ضميران لشيء واحد، وهو من خصائص أفعال القلوب، وفيه جواز تعلية القبر ورفعه، عن وجه الأرض، ومناسبته من جهة أن وضع الجريد على القبر يرشد إلى جواز وضع ما يرتفع به ظهر القبر عن الأرض، وسيأتي الكلام عليه في أواخر الجنائز.

стр. 5618

وقال ابن المنير في الحاشية: أراد البخاري أن الذي ينفع أصحاب القبور هي الأعمال الصالحة، وأن عُلُو البناء والجلوس عليه، وغير ذلك، لا يضر بصورته، وإنما يضر بمعناه، إذا تكلم القاعدون عليه مثلًا بما يضر، ويمكن أن يقال: هذه الآثار المذكورة في هذا الباب يحتاج إلى بيان مناسبتها للترجمة، وإلى مناسبة بعضها لبعض، وذلك أنه لم يذكر حكم وضع الجريدة، وذكر أثر بُريدة، وهو يؤذن بمشروعيتها، ثم أثر ابن عمر المُشْعِر بأنه لا تأثير لما يوضع على القبر، بل التأثير للعمل الصالح، وظاهرهما التعارض، فلذلك أبهم حكم وضع الجريدة، قاله الزين بن المنير. والذي يظهر من تصرفه ترجيح الوضع، ويجاب عن أثر ابن عمر بأن ضرب الفسطاط على القبر لم يرد فيه ما ينتفع به الميت، بخلاف وضع الجريدة, لأن مشروعيتها ثبتت بفعله ﷺ ، وإن كان بعض العلماء قال إنها واقعة عين، يحتمل أن تكون مخصوصة بمن أطلعه الله تعالى على حال الميت، كما مرَّ في الباب المذكور آنفًا من الوضوء. وأما الآثار الواردة في الجلوس على القبر، فإن عموم قول ابن عمر "إنما يظله عمله" يدخل فيه أنه كما لا ينتفع بتظليله، ولو كان تعظيمًا له، لا يتضرر بالجلوس عليه، وان كان تحقيرًا له. الظاهر أن في هذا الأثر الإشارة إلى أن ضرب الفسطاط إن كان لغرض صحيح، كالستر من الشمس مثلًا للحي، لا لإظلال الميت فقط، جاز، وكأنه يقول: إذا أعلى القبر لغرض صحيح، لا لقصد المباهاة، جاز، كما يجوز القعود عليه لغرض صحيح، لا لمن أحدث عليه. وأثر خارجة هذا، وصله البخاري في التاريخ الصغير من طريق ابن إسحاق، وخارجة قد مرَّ هو وعثمان بن مظعون في السادس من الجنائز، ومرَّ عثمان بن عفان بعد الخامس من العلم. ثم قال: وقال عثمان بن حكيم: أخذ بيدي خارجه فأجلسني على قبر، وأخبرني عن عمه يزيد بن ثابت، قال: إنما كره ذلك لمن أحدث عليه، وسبب إخبار خارجة لعثمان بن حكيم بذلك، هو ما أخرجه مسدد في مسنده: أن عثمان بن حكيم حدّثه أبو سلمة بن عبد الرحمن، وعبد الله بن سرجس أنهما سمعا أبا هريرة يقول: لأنْ أجلس على جمرة فتحرق ما دون لحمي، حتى تفضي إليّ، أحَبُّ إليّ من أن أجلس على قبر" قال عثمان: فرأيت خارجه بن زيد في المقابر، فذكرت له ذلك، فأخذ بيدي .. الحديث، وإسناده صحيح. وأخرج مسلم حديث أبي هريرة مرفوعًا، وروى الطحاويّ عن محمد بن كعب قال: إنما قال أبو هريرة، من جلس على قبر يبول عليه، أو يتغوط، فكأنما جلس على جمرة. لكنّ إسناده ضعيف. قال ابن رشيد: الظاهر أن هذا الأثر، والذي بعده، من الباب الذي بعد هذا، وهو باب موعظة المحدث عند القبر، وقعود أصحابه حوله. وكأنَّ بعض الرواة كتبه في غير موضعه. قال: وقد يتكلف له طريق يكون به من الباب، وهو الإِشارة إلى أن ضرب الفسطاط، إلى آخر ما مرَّ في الأثر الذي قبله، وقوله: لمن أحدث عليه، المراد بالحدث هنا التغوطُ، ويحتمل أن يريد ما

стр. 5619

هو أعم من ذلك، من إحداث ما لا يليق من الفحش، قولًا وفعلًا، لتأذّي الميت بذلك. فالمراد من النهي عن الجلوس على القبر الجلوسُ عليه للغائط أو البول، وذلك جائز في اللغة، يقال: جلس فلان للغائط، وجلس للبول، وهذا هو قول مالك وابن وهب وأبي حنيفة وصاحبيه. قال العينيّ: فما ذكره أصحابنا في كتبهم من حرم وطء القبور، والنوم عليها, ليس على ما ينبغي، وذهب قوم إلى حمل الجلوس على ظاهره، وقالوا بكراهة الجلوس على القبر، وأبقوا أحاديث النهي على ظاهرها، والقائل بهذا الحسن وابن سيرين والشافعيّ وأحمد وإسحاق وغيرهم. وعزاه في الفتح إلى الجمهور، واحتج الأولون بأثر ابن عمر الآتي بعد هذا, وأخرج الطحاويّ عن عليّ نحوه، وأخرج عن زيد بن ثابت مرفوعًا "إنما نهى النبيّ ﷺ عن الجلوس على القبور لحدث غائط أو بول". ورجال إسناده ثقات. واحتج الآخرون بما أخرجه أحمد عن عمرو بن حزم الأنصاري مرفوعًا "لا تقعدوا على القبور" وفي رواية عنه "رآني رسول الله ﷺ ، وأنا متكىء على القبر، فقال: "لا تؤذ صاحب القبر" إسناده صحيح، وهو دال على أن المراد بالجلوس القعود على حقيقته، ورد ابن حزم التأويل المتقدم بأن لفظ حديث أبي هُريرة عند مسلم "لَأنْ يجلس أحدكم على جمرةٍ فتحرقَ ثيابه، فتخلصَ إلى جلده"، قال: وما عهدنا أحدًا يقعد على ثيابه للغائط، فدل على أن المراد القعود على حقيقته. وقال ابن بطال: التأويل المذكور بعيد, لأن الحدث على القبر أقبح من أن يكره، وإنما يكره الجلوس المتعارف. تعليق عثمان هذا، وصله مسدد في مسنده الكبير، وفيه ثلاثة رجال، مرَّ عثمان بن حكيم في التاسع من الجمعة، ومرَّ محل خارجة في الذي قبله، وعم خارجة يزيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاريّ أخو زيد بن ثابت الفرض، قال خليفة: شهد بدرًا، وأنكره غيره، وقالوا: إنه استشهد في اليمامة، له أحاديث، روى عنه ابن أخيه خارجة بن زيد، ذكره البخاري في هذا التعليق، وأخرج النَّسائي عن خارجة بن زيد بن ثابت عن عمه في القيام للجنازة. ثم قال: وقال نافع: كان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، يجلس على القبور، ولا يعارض هذا ما أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عنه، قال: لَأن أطأ على رَضَف أحب إليّ من أنْ أطأ على قبر" قاله في الفتح. لا أدري وجه نفي المعارضة مع حصولها، وأخرج مسلم عن أبي مرثد الغنويّ مرفوعًا "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها" وهذا التعليق وصله الطحاويّ ونافع، مرَّ في الأخير من العلم، ومرَّ ابن عمر في أول الإِيمان قبل ذكر حديث منه.

стр. 5620

الحديث السادس عشر والمئة حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ فَقَالَ إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لاَ يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ. ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ، ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً. فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا فَقَالَ لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا. هذا الحديث قد مرَّ استيفاء الكلام عليه، غاية الاستيفاء، في باب "من الكبائر أن لا يستتر إلاّ من بوله" من كتاب الوضوء. رجاله ستة قد مرّوا، الأول يحيى غير منسوب، وهو إما يحيى بن موسى أو يحيى بن جعفر، وقد مرا في التاسع عشر من الحيض، ومرَّ أبو معاوية والأعمش في الثالث من الإِيمان, ومرَّ مجاهد في أثرٍ أوله قبل ذكر حديث منه، ومرَّ طاوس في باب "من لم ير الوضوء إلا من المخرجين" بعد الأربعين من الوضوء، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي. ثم قال المصنف:

стр. 5621

باب موعظة المحدث عند القبر وقعود أصحابه حوله كأنَّه يشير إلى التفصيل بين أحوال القعود، فإن كان لمصلحة تتعلق بالحيّ أو الميت، لم يكره، ويحمل النهي الوارد عن ذلك على ما يخالف ذلك. ثم قال: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ الأجداث: القبور، بعثرت: أثيرت، بعثرت حوضي أي: جعلت أسفله أعلاه، الإيفاض الإِسراع، وقرأ الأعمش ﴿إلى نَصْب﴾ إلى شيء منصوب يستبقون إليه. والنَّصْب واحد، والنَّصب مصدر يوم الخروج من القبور، ينسلون: يخرجون. أي المراد بالأجداث في الآية القبور. وقد وصله ابن أبي حاتم وغيره عن قتادة والسدي، واحدها جَدَثٌ، بالتحريك، وقوله: بعثرت أثيرت، بعثرت حوضي جعلت أسفله أعلاه، هذا كلام أبي عبيدة في كتاب المجاز، وقال السديّ: بعثرت أي حركت فخرج ما فيها، رواه ابن أبي حاتم. وقوله: الإِيفاض الإِسراع، أي: بياء تحتانية ساكنة قبلها كسرة وفاء ومعجمة، كذا قال الفراء. وقال أبو عبيدة: يوفضون أي يسرعون. وقوله: وقرأ الأعمش ﴿إلى نصب﴾ أي: بفتح النون، وفي رواية أبي ذَرٍّ بالضم، والأول أصح، وهو قراءة الجمهور. وحكى الطبرانيّ أنه لم يقرأ بالضم إلا الحسن البصري، وحكى الفراء عن زيد بن ثابت ذلك، ونقلها غيره عن مجاهد وأبي عمران الجوني. وفي كتاب السبعة لابن مجاهد: قرأها ابن عامر بضمتين، أي: بلفظ الجمع، وكذا قرأها حفص عن عاصم، ومن هنا يظهر سبب تخصيص الأعمش بالذكر, لأنه كوفي، وكذا عاصم، ففي انفراد حفص عن عاصم بالضم شذوذٌ. قال أبوعبيدة: النصب، بالفتح، هو العَلَم الذي نصبوه ليعبدوه، ومن قرأ نُصْب، بالضم، فهي جماعة، نحو رَهن ورُهن. وقوله: يوفضون إلى شيء منصوب، يستبقون. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله ﴿إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي: يبتدرون أيهم يستلمه أول. وقوله: والنّصب واحد والنَّصْب مصدر، قال العينيّ: أشار إلى أن لفظ النَّصْب يستعمل اسمًا، ويستعمل مصدرًا، ويجمع على أنصاب، وقال في الفتح: كذا وقع فيه، والذي للغراء في "المعاني" النَّصْبُ والنَّصَبُ واحد، وهو مصدر، والجمع أنصاب، فكأن التغيير من بعض النقلة. وقال العينيّ: لا تغيير، وإنما قصد البخاريّ الفرق بين الاسم والمصدر، وما قاله غير ظاهر, لأن البخاري لم ينص على تفرقة، والإحالة على الأصل أولى. وجعل القسطلانيّ الأول بالضم، والثاني بالفتح، وهذه تفرقة حسنة، لذكرهما معًا فيما تقدم،

стр. 5622

فكأنه رجع إليهما للإِيضاح. وقوله: يوم الخروج من قبورهم، أي يوم خروج أهل القبور من قبورهم. وقوله: ينسلون يخرجون، كذا أورده عبد بن حميد وغيره عن قتادة، وقال أبو عبيدة: ينسلون يخرجون، كذا بسرعة، وفي المجمل: النَّسَلان مشية الذِّيب إذا أسرع في المشي، وفي الجامع للقزّاز: نُسُولًا، وأصله عَدْوٌ مع مُقَارَبَة خَطْو، وهذه التفاسير أوردها لتعلقها بذكر القبر استطرادًا, ولها تعلق بالموعظة أيضًا. قال الزين بن المنير: مناسبة إيراد هذه الآيات، في هذه الترجمة، للإِشارة إلى أن المناسب لمن جلس عند القبر أن يقصر كلامه على الإِنذار بقرب المصير إلى القبور، ثم إلى النشر لاستيفاء العمل. والأعمش قد مرَّ محله في رجال السند. الحديث السابع عشر والمئة حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَأَتَانَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ، وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ فَنَكَّسَ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ ثُمَّ قَالَ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلاَّ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلاَّ قَدْ كُتِبَ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً. فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلاَ نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ، فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ قَالَ أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ الآيَةَ. قوله: عن علي، في رواية مسلم "البطين عن أبي عبد الرحمن السلميّ، أخذ بيدي عليّ، فانطلقنا نمشي، حتى جلسنا على شاطىء الفرات، فقال عليّ: قال رسول الله ﷺ ... " فذكر الحديث مختصرًا، وقوله: كنا في جنازة في بقيع الغَرْقد، فأتانا النبيّ الخ، الغَرْقَد، بفتح الغين المعجمة والقاف بينهما راء ساكنة وفي آخره مهملة، وهو شجر له شوك كان ينبت هناك، فذهب الشجر وبقي الاسم لازمًا للموضع. وفي هذه الرواية دلالة على أنهم سبقوا بالجنازة، وأتاهم النبي ﷺ بعد ذلك. وفي الرواية الآتية في كتاب القدر: كنا جلوسًا مع النبي ﷺ ، وفي رواية عبد الواحد عن الأعمش: كنا قعودًا، وفي رواية الثَّوريّ عن الأعمش: كنا مع النبي ﷺ في بقيع الغَرْقد، وظاهر هذه الروايات أنهم كانوا جميعًا شهدوا الجنازة. وقوله: ومعه مِخْصَرة، وفي رواية القدر "ومعه عود ينكث به الأرض" وفي رواية شعبة "وبيده عود

стр. 5623

فجعل ينكث به الأرض" والمخصَرة بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الصاد المهملة، هي عصا أو قضيب يمسكه الرئيس ليتوكأ عليه، ويدفع به عنه، ويشير به لما يريد، وسميت بذلك لأنها تحمل تحت الخصر غالبًا، للاتكاء عليها. في اللغة: إختصر الرجل إذا أمسك المخصرة. وقوله: فنكَّس، بتشديد الكاف أي أطرق، وقوله: فجعل ينكث بمخصرته، قال المهلّب: نكثه الأرض بالمخصرة، أصل في تحريك الأصابع في التشهد، وقيل: هذا بعيد، وإنما هي عادة لمن يتفكر في شيء يستحضر معانيه، فيحتمل أن يكون ذلك تفكرًا منه ﵊، في أمر الآخرة, بقرينة حضور الجنازة، ويحتمل أن يكون فيما أبداه بعد ذلك لأصحابه من الحكم المذكورة. وقوله: ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة، أي مصنوعة مخلوقة، واقتصر في رواية أبي حمزة والثَّوريّ على الأول. وقوله: إلا كُتب مكانها من الجنة والنار، وفي رواية سفيان "إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار". وفي هاتين الروايتين إشارة إلى حديث ابن عمر الآتي "أن لكل أحد مقعدين" وفي رواية القدر "إلا وقد كتب مقعده من النار أو من الجنة" أو: للتنويع، والظاهر أنها بمعنى الواو، لتوافق الروايتين المذكورتين. وقوله: وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة، إعادة "إلا" يحتمل أن يكون "ما من نفس" بل "ما منكم"، وإلا الثانية بدل من الأولى، وأن يكون من باب اللف والنشر، فيكون فيه تعميم بعد تخصيص، والثاني في كل منهما أعم من الأول. وقوله: فقال رجل: أفلا نتكل يا رسول الله؟ وفي رواية سفيان وشعبة: فقالوا: يا رسول الله، وهذا الرجل عند مسلم عن جابر أنه سُراقة بن مالك، ولفظه "جاء سراقة فقال: يا رسول الله، أنعمل اليوم فيما جفت به الأقلام. وجرت به المقادير؟ أو فيما يستقبل؟ قال: فبما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير، فقال: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكلكم مُيَسَّرٌ لما خلق له". وأخرجه الطبرانيّ وابن مردويه نحوه، وزاد "وقرأ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ إلى قوله ﴿لِلْعُسْرَى﴾. وأخرجه ابن ماجه عن سُراقة نفسه، لكن دون تلاوة الآية، ووقع هذا السؤال وجوابه، سوى تلاوة الآية، لشريح بن عامر الكلابيّ، أخرجه أحمد والطبرانيّ ولفظه "قال: ففيم العمل إذا قال: اعملوا فكلكم ميسر لما خلق له"؟ وأخرج التِّرمذيّ عن ابن عمر قال: قال عمر: يا رسول الله، أرأيتَ ما نعمل فيه أمر مبتدع أو أمر قد فُرِغ منه؟ قال: فيما قد فرغ منه، فذكر نحوه. وأخرج البزّار والفريابي عن أبي هُريرة أن عمر قال: يا رسول الله، فذكره، وأخرجه أحمد والبزّار والطَّبرانيّ عن أبي بكر الصديق، قلت: يا رسول الله، نعمل على ما فرغ منه .. ؟ الحديث، نحوه. وفي حديث سعد بن أبي وقّاص "فقال رجلٌ من الأنصار" والجمع بينها تعدد السائلين عن ذلك، ففي حديث عبد الله بن عمرو أن السائل عن ذلك جماعة، ولفظه "فقال أصحابه: فيم العمل إن

стр. 5624

كان قد فرغ منه، فقال: سددوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أي عمل .. " الحديث. أخرجه الفريابيّ. وقوله: أفلا نتكل، الفاء معقبة لشيء محذوف تقديره: أفإذا كان كذلك فلا نتكل؟ وقوله: على كتابنا وندع العمل، أي: نعتمد على ما قدر علينا، وفي رواية القدر الآتية "اعملوا، فكلكم ميسر لما خلق له" وحاصل السؤال ألا نترك مشقة العمل، فإنا سنصير إلى ما قدر علينا، وحاصل الجواب لا مشقة, لأن كل أحد ميسر لما خلق له، وهو يسير على من يسره الله. قال الطيبيّ: الجواب من الأسلوب الحكيم، منعهم عن ترك العمل، وأمرهم بالتزام ما يجب على العبد من العبودية، وزجرهم عن التصرف في الأمور المغيبة، فلا يجعلوا العبادة وتركها سببًا مستقلًا لدخول الجنة والنار، بل هي علامات فقط، وقوله: فأما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة .. الخ، قد مرَّ الكلام على الشقي والسعيد، وما قيل في معناه من الخلاف في باب "مُخَلَّقة وغير مخلقة" من كتاب الحيض. وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ الآية، وساق في رواية سفيان ووكيع الآيات إلى قوله ﴿لِلْعُسْرَى﴾ وعند الطبرانيّ عن ابن عباس نحو حديث عمر، وفي آخر حديث سُراقة، ولفظه "فقال يا رسول الله، ففيم العمل إذا قال: كلٌ لا ينال إلا بالعمل؟ قال عمر: إذًا نجتهد" وأخرج الفريابيّ بسند صحيح إلى بشير بن كعب قال: سأل غلامان رسولَ الله ﷺ ، فيم العمل؟ فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أم شيء نستأنفه؟ قال: بل فيما جفت به الأقلام، فإلاّ ففيم العمل؟ قال: اعملوا، فكل ميسر لما هو عامل، قالا: فالجِدّ الآن. وفي الحديث جواز القعود عند القبور، والتحديث عندها بالعمل والموعظة، ومناسبته للقصة أن فيه إشارة إلى التسلية عن الميت بأنه مات بفراغ أجله، وهذا الحديث أصل لأهل السنة في أن السعادة والشقاء بتقدير الله القديم. وفيه رد على الجبرية, لأن التيسير ضد الجبر, لأن الجبر لا يكون إلا عن كره، ولا يأتي الإِنسان الشيء بطريق التيسير إلا وهو غير كاره له. واستدل به على إمكان معرفة الشقي من السعيد في الدنيا، كمن اشتهر له بلسان صدق، وعكسه, لأن العمل أمارة على الجزاء على ظاهر هذا الخبر، ورد بما جاء في حديث ابن مسعود الآتي في كتاب القدر "أن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع .. " الخ فإن هذا العمل الظاهر قد ينقلب لعكسه على وفق ما قدر، والحق أن العمل أمارة وعلامة، فيحكم بظاهر الأمر، وأمر الباطن إلى الله تعالى. قال الخطابيّ: لما أخبر ﷺ عن سَبْق الكائنات، رامَ مَنْ تَمسَّك بالقدر أن يتخذه حجة في ترك العمل، فأعلمهم أن هنا أمرين لا يبطل أحدهما بالآخر: باطنٌ، وهو العلة الموجبة في حكم الربوبية، وظاهر، وهو العلامة اللازمة في حق العبودية، وإنما هي أمارة مُخيلة في مطالعة علم

стр. 5625

العواقب، غير مفيدة حقيقة، فبين لهم أن كلًا ميسرٌ مما خلق له، وأن عمله في العاجل دليلٌ على مصيره في الأجل، ولذلك مثَّل بالآيات، ونظير ذلك الرزق مع الأمر بالكسب، والأجل مع الإِذن في المعالجة. وقال في موضع آخر: هذا الحديث إذا تأملته وجدت فيه الشفاء مما يتخالج في الضمير من أمر القدر، وذلك أن القائل: أفلا نتكل وندع العمل؟ لم يدع شيئًا مما يدخل في أبواب المطالبات والأسئلة إلا وقد طالب به، وسأل عنه، فأعمله رسول الله ﷺ أن القياس في هذا الباب متروك، والمطالبة ساقطة، وأنه لا يشبه الأمور التي عقلت معانيها، وجرت معاملة البشر فيما بينهم عليها، بل طوى الله علم الغيب عن خلقه، وحجبهم عن دركه، كما أخفى عنهم أمر الساعة، فلا يعلم أحد متى حين قيامها. وقد قال أبو المظفر بن السمعانيّ سبيل معرفة هذا الباب التوقيف من الكتاب والسنة، دون محض القياس والعقل، فمن عدل عن التوقيف فيه ضلَّ وتاه في بحار الحيرة، ولم يبلغ شفاء العين، ولا يطمئن به القلب, لأن القدر سر من أسرار الله تعالى اختصَّ به العليمُ الخبير، وضرب دونه الأستار، وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم، لما علمه من الحكمة، فلم يعلمه نبيٌّ مرسل، ولا مَلك مقرب. وقيل: إن سر القدر ينكشف لهم إذا دخلوا الجنة، ولا ينكشف لهم قبل دخولها. وقال غيره: وجه الانفصال عن شبهة القدرية أن الله أمرنا بالعمل، فوجب علينا الامتثال، وغيّب عنا المقادير لقيام الحجة، ونصب الأعمال علامة على ما سبق في مشيئته، فمن عدل عنه ضل وتاه, لأن القدر سر من أسرار الله لا يطلع عليه إلا هو. وفي الحديث أن أفعال العباد، وإن صدرت عنهم، لكنها قد سبق علم الله بوقوعها، بتقديره، ففيه إبطال قول القدرية صريحًا. رجاله ستة قد مرّوا، مرَّ عثمان بن أبي شيبة وجرير ومنصور بهذا النسق في الثاني عشر من العلم، ومرَّ سعد بن عُبيدة في الأخير من الوضوء ومرَّ أبو عبد الرحمن عبد الله بن حبيب في الثاني والعشرين من الغُسل، ومرَّ علي بن أبي طالب ﵁ في السابع والأربعين من الوضوء. وفي الحديث لفظ جَنازةٍ مبهمة، ولفظ رجل مبهم، أما الجنازة فلم أقف على تسميتها، وأما الرجل السائل فقيل: إنه عليّ صاحب الحديث، كما عند البخاري في التفسير بلفظ "فقلنا"، وقيل: عمر بن الخطاب، كما في حديث التِّرمذيّ، وعمر ﵁ قد مرَّ في الأول من بدء الحي، قيل: أبو بكر الصديق ﵁، كما عند أحمد والبزار والطبرانيّ، وأبو بكر ﵁ مرَّ في باب "من لم يتوضأ من لحم الشاة" بعد الحادي والسبعين من الوضوء. وقيل: رجل مِنَ الأنصار لم يُسَمّ، وقيل: هو سُراقة بن مالك كما في مسلم. وهذا لم يُعَرَّف، وها أنا أذكر تعريفه فأقول: هو سراقة بن مالك بن جعْشم بن مالك بن عمرو بن تَيْم بن مُدْلج من مُرّة بن عبد مَناة بن

стр. 5626

كِنانة، الكِنانيّ، يكنى أبا سفيان، وقد ينسب إلى جده، كان ينزل قُدَيدًا، روى البخاريّ قصته في إدراكه للنبي ﷺ ، ودعاء النبي ﷺ عليه حتى صاخت رجلًا فرسه، ثم أنه طلب منه الخلاص، وأن لا يدل عليه، ففعل، وكتب له أمانًا، وأسلم يوم الفتح، وفي ذلك يقول مخاطبًا لأبي جهل: أبا حَكَم، والله، لو كنتَ شاهدًا ... لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه علمتَ، ولم تشكك بأن محمدًا ... رسولٌ ببرهان فمن ذا يقاومه وروى الحسن أن رسول الله ﷺ قال لسُراقة: كيف بك إذا لبست سُوَارَيْ كسرى؟ قال: فلما أُتي عمر بسُوارَيْ كسرى ومِنْطَقَتِه وتاجِه، دعا سُراقة فألبسه، وكان رجلًا أَزَبَّ كثِيرَ شعر الساعدين، فقال: ارفع يديك، قل: الله أكبر، الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هُرْمُز، وألبسهما سراقة الأعرابيّ. روى ابن إسحاق وعبد الرزاق أنه جاء إلى النبي ﷺ فقال: "رأيت الضالةَ، يا رسول الله، ترد الحوض حوضي إبلي، ألِيَ أجرٌ إنْ سقيتها؟ فقال: في الكبد الحراء أجر". روى عنه ابن عباس وجابر وسعيد بن المسيب، وابنه محمد بن سراقة مات في خلافة عثمان سنة أربع وعشرين، وقتل بعده عثمان. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواته كلهم كوفيون، وفيه رواية التابعي عن التابعي، أخرجه البخاريّ أيضًا في التفسير والقدر والأدب، ومسلم في القدر، وأبو داود وابن ماجه في السنة، والتِّرمذيّ في القدر والتفسير، والنّسائيّ في التفسير.

стр. 5627

باب ما جاء في قاتل النفس قال ابن رشيد: مقصود الترجمة حكم قاتل النفس، والمذكور في الباب حكم قاتل نفسه، فهو أخص من الترجمة، ولكنه أراد أن يلحق بقاتل نفسه قاتل غيره من باب الأوْلى, لأنه إذا كان قاتل نفسه الذي لم يتعد ظلم نفسه، ثبت فيه الوعيد الشديد، فأول من ظلم غيره بإماتة نفسه. قال ابن المنير: عادة البخاريّ إذا توقف في شيء، ترجَمَ عليه ترجمة مبهمة، كأنه ينبه على طريق الاجتهاد. وقد نقل عن مالك أن قاتل النفس لا تقبل توبته، ومقتضاه أنه لا يصلى عليه، وهو نفس قول البخاري، ولعله أشار بذلك إلى ما رواه أصحاب السنن عن جابر بن سمرة أن النبيّ ﷺ أُتي برجل قتل نفسه بمَشَاقِصَ فلم يصلِّ عليه، وفي رواية النَّسَائيّ "أما أنا فلا أصلِّي عليه" لكنه لمّا لم يكن على شرطه، أومأ إليه بهذه الترجمة، وأورد فيها ما يشبه من قصة قاتل نفسه. الحديث الثامن عشر والمئة حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلاَمِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ. وقوله: من حلف بملة غير الإِسلام كاذبًا متعمدًا، فهو كما قال، وفي رواية الإِيمان والنذور "من حلف بغير ملة الإِسلام"، وفي رواية الأدب عن علي بن المبارك "مَنْ حلف على ملة غير الإِسلام، وفي رواية مسلم "من حلف على يمين بملة غير الإِسلام كاذبًا متعمدًا، فهو كما قال "والمِلة، بكسر الميم وتشديد اللام، الدين والشريعة، هي نكرة في سياق الشرط، فتعم جميع أهل الملل من أهل الكتاب، كاليهودية والنصرانية، ومن لحق بهم من المجوسية والصابئة، وأهل الأوثان والدهرية، والمعطلة، وعَبَدَة الشياطين، والملائكة، وغيرهم. وقال ابن دقيق العيد: الحلف بالشيء حقيقةً، هو القسم به، وإدخال بعض حروف القسم عليه، كقوله: والله، والرحمن، وقد يطلق على التعليق بالشيء يمينٌ كقولهم: من حلف بالطلاق فالمراد تعليق الطلاق، وأُطلق عليه الحلف لمشابهته باليمين في اقتضاء الحث والمنع، وإذا تقرر

стр. 5628

ذلك، فيحتمل أن يكون المراد المعنى الثاني، لقوله: كاذبًا متعمدًا، والكذب يدخل القضية الإِخبارية التي يقع مقتضاها تارة، وتارة لا يقع وهذا بخلاف قولنا: والله، وما أشبهه، فليس الإِخبار بها عن أمر خارجيّ، بل هي لإِنشاء القسم، فتكون صورة الحلف هنا على وجهين: أحدهما أن يتعلق بالمستقبل، كقوله: إن فعل كذا فهو كافر. والثاني أن يتعلق بالماضي كقوله: إن كان فعل كذا فهو يهودي، وقد يتعلق بهذا من لم ير فيه الكفارة، كالمالكية، لكونه لم يذكر فيه كفّارة، بل جعل المرتَّب على كذبه. قوله، "فهو كما قال" ابن دقيق العيد، ولا يكفر في صورة الماضي إلا أن قصد التعظيم، وفيه خلاف عند الحنفية، لكونه يتخير معنى، فصار كما لو قال: هو يهودي. ومنهم من قال: إن كان لا يعلم أنه يمين لم يكفِّر، وإن كان يعلم أنه يكفرْ بالحِنْث به كَفَّر، لكونه رضي بالكُفْر حين أقدم على الفعل. وقال بعض الشافعية: ظاهر الحديث أنه يحكم عليه بالكفر إذا كان كاذبًا، لما روى بُريدة مرفوعًا "من قال أنا بريء من الإِسلام، فإن كان كاذبًا، فهو كما قال، وإن كان صادقًا رجع إلى الإِسلام سالمًا"، والحق التفصيل، فإن اعتقد تعظيم ما ذكر، كفر، وعليه يحمل قوله: "من حلف بغير الله فقد كفر"، رواه الحاكم. وقال: صحيح على شرط الشيخين، وإن قصد حقيقة التعليق فيُنظر، فإن كان أراد أن يكون متصفًا بذلك كَفَر, لأن إرادة الكُفْر كُفر، وإنْ أراد البعد عن ذلك لم يكفر. لكنه هل يحرم عليه ذلك أو يكره تنزيهًا؟ المشهور الثاني، وليقل ندبًا لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ويستغفر الله، قاله في الفتح. وعند المالكية: لا يكفرُ إلا إذا قصد التعظيم بالحلف لمعبود من دون الله، وفعله حرام اتفاقًا في الأصنام، وعلى خلاف في الأنبياء وكل معظم شرعًا. واحتج أبو حنيفة وأصحابه وأحمد، بهذا الحديث، على أن الحالف باليمين المذكور ينعقد يمينه، وعليه الكفّارة, لأن الله تعالى أوجب على المظاهر الكفّارة، وهو منكر من القول وزور، والحلف بهذه الأشياء منكر وزور. وقال النوويّ: لا ينعقد بهذه الأشياء يمين، وعليه أن يستغفر الله، ويوحده ولا كفّارة عليه، سواء فعله أو لم يفعله، وهذا مذهب مالك والشافعيّ وجمهور العلماء، واحتجوا بقوله ﵊ "من حلف باللاّت والعُزّى، فليقل: لا إله إلا الله" ولم يذكر كفارة. وقوله: كاذبًا متعمدًا، قال عِياض: تفرّد بزيادتها سُفيان الثَّوْرِيّ، وهي زيادة حسنة، يستفاد منها أن الحالف المتعمد إن كان مطمئن القلب بالإِيمان، وهو كاذب في ما لا يعتقد تعظيمه، لم يَكْفُر، وإن قاله معتقدًا لليمين بتلك المِلة، لكونها حقًا، كفَر، وإن قالها لمجرد التعظيم لها، احتمل. قال في "الفتح": وينقدح بأن يقال: إن أراد تعظيمها، باعتقاد ما كانت عليه قبل النسخ، لم يكفر، ودعواه أن سفيان تفرد بها إن أراد، بالنسبة لرواية مسلم، فعسى. فأنه أخرجه من طرق، وبيّن

стр. 5629

أن لفظ "متعمدًا" لسفيان، وإِلا فسفيان لم ينفرد بها، قد أخرجها المصنف هنا عن يزيد بن زريع عن خالد، وأخرجها النَّسائيّ عن محمد بن أبي عَدِيّ عن خالد. ولحديث ثابت بن الضحاك شاهدٌ من حديث بُريدة مرفوعًا، أخرجه النَّسائيّ، وصححه "من قال: أنا بريء من الإسلام، فإن كان كاذبًا، فهو كما قال، وإن كان صادقًا لم يعد إلى الإِسلام سالمًا" يعني إذا حلف بذلك، وهو يؤيد التفصيل الماضي، ويحتمل أن يكون المراد بهذا الكلام التهديدَ والمبالغة في الوعيد، لا الحكم، وكأنه قال: فهو مستحق مثل عذاب من اعتقد ما قال، ونظيره: من ترك الصلاة فقد كفر، أي: استوجب عقوبة من كفر، وقال ابن المنذر: قوله "فهو كما قال" ليس على إطلاقه في نسبته إلى الكفر، بل المراد أنه كاذب ككذب المعظم لتلك الجهة. وقوله: ومن قتل نفسه بحديدة عذب به في نار جهنم، وفي رواية الإِيمان والنذور "ومن قتل نفسه بشيء عذب به في نار جهنم"، وفي رواية عليّ بن المبارك "ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عُذّب به يوم القيامة". وقوله: بشيء، أعم مما وقع هنا، وعند مسلم "بحديدة"، ولمسلم عن أبي هريرة "من تحسَّى سُمًا" قال ابن دقيق العيد: هذا من مجانسة العقوبات الأخروية للجنايات الدنيوية، ويؤخذ منه أن جناية الإِنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإِثم, لأن نفسه ليست ملكًا له مطلقًا، بل هي لله تعالى, فلا يتصرف فيها إلا بما أُذن له فيه. وفيه حجة لمن أوجب المماثلة في القصاص، خلافًا لمن خصصه بالمحدد، ورده ابن دقيق العيد بأنّ أحكام الله لا تقاس بأفعاله، فليس كل ما ذكر أنه يفعله في الآخرة يشرع لعباده في الدنيا، كالتحريق بالنار مثلًا وسقي الحميم الذي يقطع الأمعاء، وحاصله أنه يستدل للمماثلة في القصاص بغير هذا الحديث، وقد استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ويأتي بيانُ ذلك في كتاب القصاص والديات إن شاء الله تعالى. رجاله خمسة: مرَّ منهم مسدد في السادس من الإِيمان, وأبو قُلابة في التاسع منه، ويزيد بن زريع في السادس والتسعين من الوضوء ومرَّ خالد الحذّاء في السابع عشر من العلم. والخامس: ثابت بن الضحاك بن خليفة بن ثعلبة بن عديّ بن كعب بن عبد الأشهل الأنصاريّ الأشْهَليّ، شهد بَيَعة الرضوان، وقال البخاريّ والتِّرمذيّ: إنه شهد بدرًا، وروى بن شاهين كان ثابت بن الضحاك رديف رسول الله ﷺ يوم الخندق، ودليله إلى حمراء الأسد، وكان ممن بايع تحت الشجرة، وغلط من قال إنه ولد سنة ثلاث من الهجرة، إذ كيف يولد بعد الهجرة بثلاث ويحضر الحديبية وهو ابن ثلاث سنين؟ له أربعة عشر حديثًا، اتفقا على حديث، وانفرد مسلم بحديث، روى عنه أبو قلابة وغيره، سكن الشام وانتقل إلى البصرة، ومات بها سنة خمس وأربعين، والصحيح أنه مات في أيام ابن

стр. 5630

الزبير سنة أربع وستين. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة، أخرجه البخاريُّ أيضًا في الأدب والنذور، ومسلم في الإِيمان, وأبو داود في الإِيمان والنذور، وكذا التِّرمذِيّ والنَّسائيّ وابن ماجه في الكفارات. الحديث التاسع عشر والمئة وَقَالَ حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنِ الْحَسَنِ حَدَّثَنَا جُنْدَبٌ ﵁ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ فَمَا نَسِينَا، وَمَا نَخَافُ أَنْ يَكْذِبَ جُنْدَبٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ كَانَ بِرَجُلٍ جِرَاحٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَقَالَ اللَّهُ بَدَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ. وقال البخاري في هذا الحديث: قال حجّاج بن مُنهال: حدثنا جرير بن حازم، وقد وصله في ذكر بني إسرائيل فقال: حدثنا محمد: حدثنا حجاج بن مُنهال، فذكره. وهو أحد المواضع التي يستدل بها على أنه ربما علق عن بعض شيوخه ما بينه وبينه، فيه واسطة، لكنه أورده هنا مختصرًا، وأورده هناك مبسوطًا، فقال في أوله "كان فيمن كان قبلكم رجل" وقال فيه: فجزع فأخذ سكينًا فجز يده، فما رقأ الدمُ، حتى مات. قوله: في هذا المسجد، هو مسجد البصرة، وقوله: وما نسينا منذ حدثنا، أشار بذلك إلى تحققه لما حدث به، وقرب عهده به، واستمرار ذكره له، وقوله: وما نخاف أن يكذب جُنْدبُ، فيه إشارة إلى أن الصحابة عُدول، وأن الكذب مأمون من قبلهم، ولاسيما على النبي ﷺ . وقوله: كان برجل جراح، قال في "الفتح": لم أقف على اسمه، والجراح، بكسر الجيم، وفي الرواية المذكورة بضم الجيم وسكون الراء بعدها مهملة، وفي رواية مسلم "أن رجلًا خرجت به قَرْحَة، وهي بفتح القاف وسكون الراء، حبَّة تخرج في البدن، وكأنه كان به جرح ثم صار قَرحة. وقوله: قتل نفسه، في الرواية التامة المذكورة "فجزع فأخذ سكينًا، فحزّ بها يده، فما رقأ الدم حتى مات" قوله: فجزع، أي: فلم يصبر على ألم تلك القرحة. السكين، تذكر وتؤنث، وقوله: حزّ بالحاء المهملة والزاي، هو القطع بغير إبانة. وفي رواية مسلم "فلما آذته انتزع سهمًا من كِنانته، فنكأها" وهو بالنون والهمز، أي: نَخَس موضع الجرح، ويمكن الجمع بأن يكون فجر الجرح بذُبابة السهم، فلم ينفعه، فحز موضعه بالسكين. ودلت رواية البخاريّ على أن الجرح كان بيده، وقوله: فما رقأ الدم، بالقاف والهمز، أي: لم ينقطع. وقوله: قال الله "بادرني عبدي بنفسه" هو كناية عن استعجال المذكور الموت. وقوله: حرمت عليه الجنة، جارٍ مجرى التعليل للعقوبة, لأنه لما استعجل الموت بتعاطي سببه من

стр. 5631

إنفاذ مقاتله، فجعل له فيه اختيارًا عصى الله به، فناسب أن يعاقبه، ودل ذلك على أنه حزها لإرادة الموت، لا لقصد المداواة التي يغلب على الظن الانتفاع بها. وقد استشكل قوله: "بادرني بنفسه" وقوله "حرمت عليه الجنة" لأن الأول يقتضي أن يكون من قتل فقد مات قبل أجله، لما يوهمه سياق الحديث من أنه لو لم يقتل نفسه، كان قد تأخر عن ذلك الوقت، وعاش، لكنه بادر فتقدم، والثاني يقتضي تخليد الموحد في النار، والجواب عن الأول أن المبادرة من حيث التسبب في ذلك والقصد له، والاختيار، وأطلق عليه المبادرة لوجود صورتها، وإنما استحق المعاقبة لأن الله لم يطلق على انقضاء أجله، فاختار هو قتل نفسه، فاستحق المعاقبة لعصيانه. وقال أبو بكر القاضي: قضاء الله مطلق ومقيد بصفة، فالمطلق يمضي على الوجه بلا صارف، والمقيد على الوجهين: مثاله أنْ يقدَّر لواحدٍ أن يعيش عشرين سنة، إن قتل نفسه، وثلاثين سنة، إن لم يقتل نفسه، وهذا بالنسبة إلى ما يعلم به المخلوق، كملك الموت مثلًا، وأما بالنسبة إلى ما في علم الله، فإنه لا يقع إلا في علمه تعالى، ونظير ذلك الواجب المخير، فالواقع منه معلوم عند الله تعالى، والعبد مخير في أي الخصال يفعل. والجواب عن الثاني من أوجه: أحدها أنه كان استحل ذلك الفعل، فصار كافرًا. ثانيها أنه كان كافرًا في الأصل، وعوقب بهذه المعصية زيادة على كفره. ثالثها أن المراد أن الجنة حرمت عليه في وقت ما، كالوقت الذي يدخل فيه السابقون، أو الوقت الذي يعذب فيه الموحدون في النار، ثم يخرجون. رابعها أن المراد جنة معينة، كالفردوس مثلًا. خامسها أن ذلك ورد على سبيل التغليظ والتخويف، وظاهره غير مراد. سادسها أن التقدير حرمت عليه الجنة إن شئت استمرار ذلك. سابعها: قال النووي: يحتمل أن يكون ذلك شرعُ من مضى أن أصحاب الكبائر يُكَفَّرون بفعلها. وفي الحديث تحريم قتل النفس، سواء كانت نفس القاتل أم غيره، وقتل الغير يؤخذ تحريمه من هذا الحديث بطريق الأوْلى، وفيه الوقوف عند حدود الله، ورحمته بخلقه، حيث حرم عليهم قتل نفوسهم، وأن الأنفس ملك الله. وفيه التحدث عن الأمم الماضية، وفضيلة الصبر على البلاء، وترك الضمير من الآلام، لئلا يفضي إلى أشد منها. وفيه تحريم تعاطي الأسباب المفضية إلى قتل النفس، وفيه التنبيه على أن حكم السراية على ما يترتب عليه ابتداء القتل. وفيه الاحتياط في التحديث وكيفية الضبط له، والتحفظ فيه بذكر المكان، والإِشارة إلى ضبط المحدث، وتوثيقه لمن حدثه ليركن السامع لذلك. رجاله أربعة قد مرّوا، والبخاري هنا أتى به تعليقًا، وقد وصله في بني إسرائيل، مرَّ حجّاج بن مُنهال في الثامن والأربعين من الإِيمان, ومرَّ الحسن البصريّ في الرابع والعشرين منه، ومرَّ

стр. 5632

جرير بن حازم في السبعين من استقبال القبلة، ومرَّ جُنْدب في الثالث من العيدين. أخرجه مسلم. الحديث العشرون والمئة حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ، وَالَّذِي يَطْعُنُهَا يَطْعُنُهَا فِي النَّارِ. قوله: الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعنها يطعنها في النار، وهو من أفراد البخاري من هذا الوجه، وقد أخرجه أيضًا في الطب عن أبي هريرة مطولًا، ومن ذلك الوجه أخرجه مسلم، وليس فيه ذكر الخنق، وفيه من الزيادة ذكر السم وغيره، ولفظه "فهو في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا" وقد تمسك به المعتزلة وغيرهم، ممن قال بتخليد أصحاب المعاصي في النار، وأجاب أهل السنة عن ذلك بأجوبة منها: توهيم هذه الزيادة، قال التِّرمذيّ بعد أن أخرجه: رواه محمد بن عجلان عن سعيد المَقْبَرِيّ عن أبي هريرة، فلم يذكر "خالدًا مخلدًا"، وكذا رواه أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، يشير إلى رواية الباب. قال: وهو أصح, لأن الروايات قد صحت أن أهل التوحيد يعذبون ثم يخرجون منها, ولا يخلدون. وأجاب غيره يحمل ذلك على من استحله، فإنه يصير باستحلاله كافرًا، والكافر مخلدٌ بلا ريب، وقيل: ورد مورد الزجر والتغليظ، وحقيقته غير مرادة، وقيل: المعنى أن هذا جزاؤه، لكن قد تكرم الله على الموحدين، فأخرجهم من النار بتوحيدهم. وقيل: التقدير "مخلدًا فيها إلى أن يشاء الله" وقيل: المراد بالخلود طول المدة، لا حقيقة الدوام، كأنه يقول: يخلد مدة معينة، وهذا أبعدها. وقوله: يَطْعُنُها، هو بضم العين المهملة، واستدل بقوله "الذي يطعن نفسه يطعنها في النار" على أن القصاص من القاتل يكون بما قتل به، اقتداء بعقاب الله تعالى لقاتل نفسه، وهو استدلال ضعيف. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرَّ أبو اليمان وشعيب في السابع من بدء الوحي، وأبو الزناد والأعرج في السابع من الإِيمان, وأبو هُريرة في الثاني منه. انفرد البخاري به من هذا الوجه، وأخرجه في الطب من وجه آخر، ومنه أخرجه مسلم والترمذيّ. ثم قال المصنف:

стр. 5633

باب ما يكره من الصلاة على المنافقين والاستغفار للمشركين قال الزين بن المنير: عدل عن قوله كراهة الصلاة على المنافقين، لينبه على الامتناع من طلب المغفرة لمن لا يستحقها, لا من جهة العبادة الواقعة من صورة الصلاة، فقد تكون العبادة طاعة من وجه معصية من وجه. ثم قال: رواه ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ . قال في "الفتح": كأنه يشير إلى حديثه في قصة الصلاة على عبد الله بن أبَيّ، وقد مرَّ في باب "القميص الذي يكف"، وابن عمر مرَّ في أول الإِيمان قبل ذكر حديث منه. الحديث الحادي والعشرون والمئة حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قال حَدَّثَنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵃ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَثَبْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ. فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ فَغُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا. قَالَ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمْ يَمْكُثْ إِلاَّ يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتِ الآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةٌ ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ إِلَى ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ قَالَ فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. وهذا الحديث أخرجه هنا عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب، ﵁، ويأتي من هذا الوجه في التفسير، وأخرجه فيما مرَّ في باب القميص الذي يكف عن ابن عمر، ومرَّ استيفاء الكلام عليه هناك غاية. رجاله سبعة: قد مرّوا، مرت الأربعة الأُول بهذا النسق في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ عُبيد الله المسعودي في السادس منه، وابن عباس في الخامس منه، وعمر في الأول منه.

стр. 5634

لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، ورواته مصريان، وأيْلِيّ، ومدنيان وفيه رواية التابعيّ عن التابعيّ والصحابيّ عن الصحابيّ. أخرجه البخاريّ في باب الكفن في القميص فيما مضى، وفي التفسير، والتِّرمذيُّ في التفسير، والنَّسائيّ فيه وفي الجنائز. ثم قال المصنف: باب ثناء الناس على الميت أي: مشروعيته وجوازه مطلقًا، بخلاف الحي، فإنه منهيٌّ عنه إذا أفضى إلى الإِطراء، خشية عليه من الزهو، قاله الزين بن المنير. الحديث الثاني والعشرون والمئة حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَجَبَتْ. ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا فَقَالَ وَجَبَتْ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ مَا وَجَبَتْ قَالَ هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ. قوله: مُرّ، بضم الميم على البناء للمجهول، وقوله: فأثنوا عليها خيرًا، في رواية النضر بن أنس عن أبيه عند الحاكم. كنت قاعدًا عند النبي ﷺ ، فمُر بجنازة، فقال: ما هذه الجنازة؟ قالوا: جنازة فلان الفلانيّ، كان يحب الله ورسوله، ويعمل بطاعة الله، ويسعى فيها، وقال ضد ذلك في التي أثنوا عليها شرًا، ففيه تفسير ما أبهم من الخير والشر في رواية عبد العزيز. وللحاكم أيضًا عن جابر، فقال بعضهم: لنعم المرء، لقد كان عفيفًا مسلمًا. وفيه أيضًا: فقال بعضهم: بئس المرء، كان إن كان لفظًا غليظًا. وقوله: وجبت، في رواية إسماعيل ابن عليه عند مسلم، "وجبت وجبت وجبت" ثلاث مرات، وكذا في رواية النضر المذكورة، قال النوويّ: والتكرار فيه لتأكيد الكلام المبهم، ليحفظ ويكون أبلغ. وقوله: فقال عمر، زاد مسلم "فداء لك أبي وأمي" وفيه جواز قول مثل ذلك. وقوله: هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، فيه بيان, لأن المراد بقوله: وجبت، أي الجنة لذي الخير، والنار لذي الشر، والمراد بالوجوب الثبوت، إذ هو في صحة الوقوع كالشيء الواجب، والأصل أنه لا يجب على الله شيء، بل الثواب فضله، والعقاب عدله لا يسأل عمّا يفعل. وفي رواية مسلم "من أثنيتم عليه خيرًا له الجنة" ونحوه للإِسماعيليّ عن شعبة، وهو أَبْيَن في

стр. 5635

العموم من رواية آدم، وفيه رد على من زعم أن ذلك خاص بالميتين المذكورين، لغيب أطلع الله نبيَّه عليه، وإنما هو خبر عن حكم أعلمه الله به. وقوله: أنتم شهداء الله في الأرض، أي المخاطبون بذلك من الصحابة، ومن كان على صفتهم من الإِيمان. وحكى ابن التين أن ذلك مخصوص بالصحابة, لأنهم كانوا ينطقون بالحكمة بخلاف من بعدهم. قال: والصواب أن ذلك يختص بالمتقيات والمتقين. وسيأتي في الشهادات بلفظ "المؤمنون شهداء الله في الأرض". ولأبي داود عن أبي هُريرة في نحو هذه القصة "إن بعضكم على بعض لشهيد" وسيأتي مزيد بسط في الكلام على الحديث الذي بعده. قال النوويّ: والظاهر أن الذي أثنوا عليه شرًا كان منافقًا لما رواه أحمد عن أبي قتادة بإسناد صحيح، أنه صلى الله تعالى عليه وسلم "لم يصل على الذي أثنوا عليه شرًا، وصلى على الآخر". رجاله أربعة قد مرّوا، مرَّ آدم وشعبة في الثالث من الإِيمان, ومرَّ عبد العزيز بن صهيب في الثامن منه، وأنس في السادس منه، وفي الحديث لفظ جنازة مبهمة، ولم أقف على تسميتها. الحديث الثالث والعشرون والمئة حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ هو الصفار حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ، فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا فَقَالَ عُمَرُ ﵁ وَجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ ﵁ وَجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شَرًّا فَقَالَ وَجَبَتْ. فَقَالَ أَبُو الأَسْوَدِ فَقُلْتُ وَمَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ. فَقُلْنَا وَثَلاَثَةٌ قَالَ وَثَلاَثَةٌ. فَقُلْنَا وَاثْنَانِ قَالَ وَاثْنَانِ. ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ. قوله: حدثنا عفان، كذا للأكثر، وذكر أصحاب الأطراف أنه أخرجه قائلًا فيه "قال عفان" وبذلك جزم البيهقيّ، وقد وصله أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده عن عفان، ومن طريقه أخرجه الإِسماعيليّ وأبو نعيم، فقوله: وقد وقع بها مرض، زاد المصنف في الشهادات "وهم يموتون موتًا ذريعًا، وهو بالذال المعجمة، أي: سريعًا. وقوله: فأثني على صاحبها خيرًا، كذا في جميع الأصول "خيرًا" بالنصب، وكذا "شرًا"، وقد غلط من ضَبط أُثْنِي، بفتح الهمزة على البناء للفاعل، فإنه في جميع الأصول مبني للمفعول، قال ابن التين: والصواب الرفع، وفي نصبه بعد في اللسان، ووجهه غيره بأن الجار والمجرور أقيم مقام المفعول الأول، وخيرًا مقام الثاني. وهو جائز وإن كان المشهور عكسه.

стр. 5636

وقال النوويّ: هو منصوب بنزع الخافض، أي: أُثني عليها بخير، وقال ابن مالك: "خيرًا"، صفة لمصدر محذوف فأقيمت مقامه، فنصبت لأن أثنى مسند إلى الجار والمجرور. قال: والتفاوت بين الإِسناد إلى المصدر والإِسناد إلى الجار والمجرور قليلٌ. وقوله: فقال أبو الأسود، هو الراوي، وهو بالإِسناد والمذكور. فقلت: وما وجبت، هو معطوف على شيء مقدّر، أي: قلت: هذا شيء عجيب، وما معنى قولك لكل منهما وجبت مع اختلاف الثناء بالخير والشر؟ وقوله: أيما مسلم الظاهر أنه هو المقول، وحينئذ يكون قول عمر لكل منهما: وجبت، قاله بناء على اعتقاده صدق الوعد المستفاد من قوله ﷺ "أدخله الله الجنة" وأما اقتصار عمر على ذكر أحد الشقين، فهو إما للاختصار، وإما لاحالته السامع على القياس، والأول أظهر. وعرف من القصة المذكورة أن المثني على كل من الجنائز كان أكثر من واحد، وكذا في قول عمر "قلنا: وما وجبت" إشارة إلى أن السائل عن ذلك هو وغيره، وقد وقع في تفسير قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ في البقرة عند ابن أبي حاتم عن أبي هُريرة أن أُبيّ بن كعب ممن سأل عن ذلك. وقوله: فقلنا: وثلاثة؟ فيه اعتبار مفهوم الموافقة, لأنه سأل عن الثلاثة، ولم يسأل عما فوق الأربعة، كالخمسة مثلًا. وفيه أن مفهوم العدد ليس دليلًا قطعيًا، بل هو في مقام الاحتمال. وقوله: ثم لم نسأله عن الواحد، قال الزين بن المنير: إنما لم يسأل عمر عن الواحد استبعادًا منه أن يكتفى في مثل هذا المقام العظيم بأقل من النصاب، وقال أخوه في الحاشية: فيه إيماء إلى الاكتفاء بالتزكية بواحد، كذا قال. وفيه نظر، وقد استدل به المصنف على أن أقل ما يكتفى به في الشهادة اثنان، كما يأتي في كتاب الشهادات، إن شاء الله تعالى. قال الداوديّ: المعتبر في ذلك شهادة أهل الفضل والصدق لا الفسقة, لأنهم قد يثنون على من يكون مثلهم، ولا مَنْ بَيْنه وبني الميت عداوة, لأن شهادة العدو لا تقبل، وفي الحديث فضيلة هذه الأمة، وإعمال الحكم بالظاهر. ونقل الطيبيّ عن بعض الشراح المصابيح، قال: ليس معنى قوله "أنتم شهداء الله في الأرض" أي: الذي يقولونه في حق شخص يكون كذلك، حتى يصير من يستحق الجنة من أهل النار بقولهم، ولا العكس، بل معناه أن الذي أثنوا عليه خيرًا رَأوْهُ منه كان ذلك علامة كونه من أهل الجنة، وبالعكس، وتعقبه الطيبيّ بأن قوله "وجبت" بعد الثناء حكمٌ عَقبَ وصفًا مناسبًا، فأشعر بالعلية، وكذا قوله "أنتم شهداء الله في الأرض" لأن الإِضافة فيه للتشريف، لأنهم بمنزلة عالية عند الله، فهو كالتزكية للأمة بعد أداء شهادتهم، فينبغي أن يكون لها أثر. قال: وإلى هذا يومى قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ وقد استشهد محمد بن كعب القُرظِيّ، لمّا روي عن جابر نحو حديث أنس، بهذه الآية، أخرجه الحاكم، وقد وقع ذلك في حديث مرفوع عند ابن أبي حاتم في التفسير، وفيه أن الذي قال للنبي ﷺ : وما قولكَ وَجَبت؟ هو أُبيّ بن كعب.

стр. 5637

وقال النوويّ: قال بعضهم معنى الحديث أن الثناء بالخير لمن أثنى عليه أهل الفضل، وكان ذلك مطابقًا للواقع، فهو من أهل الجنة، فإن كان غير مطابق، فلا، وكذا عكسه. قال: الصحيح أنه على عمومه، وإن من مات منهم فألهم الله تعالى الناسَ الثناء عليه بخيرٍ، كانَ دليلًا على أنه من أهل الجنة، سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا، فإن الأعمال داخلةٌ تحت المشيئة، وهذا إلهام يستدل به على تعيينها، بهذا تظهر فائدة الثناء. في هذا في جانب الخير واضح، ويؤيده ما رواه أحمد وابن حِبّان والحاكم عن أنس مرفوعًا "ما من مسلم يموت، فيشهد له أربعة من جيرانه الأدْنِين أنهم لا يعلمون منه إلا خيرًا، إلا قال الله تعالى "قد قبلتُ قولكم، وغفرتُ له ما لا تعلمون". ولأحمد عن أبي هريرة نحوه، وقال ثلاثة بدل أربعة، وفي إسناده من لم يسم، وله شاهد من مراسيل بشير بن كعب، أخرجه أبو مسلم الكجيّ، وأما جانب الشر، فظاهر الأحاديث أنه كذلك، لكن إنما يقع ذلك في حق من غلب شره على خيره. وفي رواية النضر المشار إليها أولًا، في آخر حديث أنس، أنَّ لله ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشر، واستدل به على جواز ذكر المرء بما فيه من خير أو شر، للحاجة، ولا يكون ذلك من الغيبة، وسيأتي البحث عن ذلك في باب النهي عن سبب الأموات، آخر الجنائز، وهو أصل في قبول الشهادة بالاستفاضة، وأن أقل أصلها إثنان. وقد أباح العلماء الغيبة في أمور جمعها القائل في قوله: تجنب غيبة إلا أمورًا ... ببيت جاء عن بعض الأكابرِ تظلَّم واستغثْ واستفتِ حذر ... وعرف بدعة فسق المجاهِر فهل تباح في حق الميت أيضًا؟ وإنّ ما جازت غيبة الحي به تجوز غيبة الميت به أم يختص جواز الغيبة في هذه المواضع المستثناة بالأحياء؟ ينبغي أنْ ينظر في السبب المبيح للغيبة إن كان قد انقطع بالموت كالمعاملة، فهذا لا يذكر في حق الميت, لأنه قد انقطع بموته. وإن لم ينقطع بموته كجَرْح الرواة، وكونه يؤخذ عنه اعتقاد ونحوه، فلا بأس بذكره به ليحذر ويجتنب. وهل يختص الثناء الذي ينفع الميت بالرجال أم يشترك فيه النساء والرجال؟ وإذا قلنا يشتركون فيه، فهل يكتفى في ذلك بامرأتين، أو لابد من رجل وامرأتين، وأربع نسوة؟ الظاهر الاكتفاء باثنين مسلمين، وأنه لا يحتاج إلى قيام امرأتين مقام رجل واحد، فقد روى الطبرانيّ في الكبير عن كعب بن عُجْرة قال: "قال رسول الله ﷺ يومًا لأصحابه" ما تقولون في رجل قتل في سبيل الله؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال: الجنة إن شاء الله تعالى، قال: فما تقولون في رجل مات، فقام رجلان ذوا عدل، فقالا: لا نعلم إلا خيرًا؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، قال: الجنة إن شاء الله تعالى. قال: فما تقولون في رجل مات فقام رجلان ذوا عدل فقالا: لا نعلم خيرًا؟ قالوا: النار. قال ﷺ : مذنب،

стр. 5638

والله غفور رحيم. وقد قال: لا يكتفى بشهادة النساء, لأن النبي ﷺ لم يكتف بشهادة المرأة التي أثنت على عثمان بن مظعون، بقولها: شهادتي عليك يا أبا السائب، لقد أكرمك الله، قال لها: وما يدريك؟ وقد يجاب عنه بأنه إما أنكر عليها القطع بأن الله أكرمه، وذلك مغيب عنها، بخلاف الشهادة على الميت بأفعاله الجميلة، التي كان متلبسًا بها في الدنيا. وقال ابن العربي: فيه جواز الشهادة قبل الاستشهاد، وقبولها قبل الاستفصال، وفيه استعمال الثناء في الشر للمؤاخاة والمشاكلة، وحقيقته إنما هي في الخير. رجاله خمسة: مرّ منهم عفان بن مسلم في الحادي عشر والمئة من الوضوء ومرَّ عبد الله بن بُريدة في الخامس والثلاثين من الحيض، ومرَّ محل عمر في الذي قبله بحديث، والباقي اثنان: الأول داود بن أبي الفُرات، عمرو بن الفُرات الكِنديّ، أبو عمرو المروزيّ، قدم البصرة، ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال ابن مُعين وأبو داود: ثقة، وكذا قال ابن المبارك والعجليّ، وقال الدارقطنيّ: ليس به بأس، روى عن عبد الله بن بُريدة وإبراهيم بن مَيمون الصائغ وعَلياء بن أحمر وغيرهم. وروى عنه أيوب وسعيد بن أبي عَروبة، وهما أكبر منه، وعفان وغيرهم. مات سنة سبع وستين ومئة أو سنة ست وتسعين ومئة، ولهم شيخ آخر اسم داود بن أبي الفرات، اسم أبيه بكر، أبو الفرات اسم جده أشجعيٌّ، من أهل المدينة، أقدم من الكنديّ. الثاني أبو الأسود الدؤلي البصريّ القاضي، واسمه ظالم بن عمرو بن سفيان بن جَنْدل بن يَعْمرُ بن حَنَش بن ثَعْلبة بن عَدِيّ بن الدُّنِل بن بكر بن عبد مناة بن كِنانة، وقيل اسمه عمرو بن ظالم، وقيل عثمان بن عمرو، وقيل عمرو بن عمران، مشهورٌ بكنيته، وهو من كبار التابعين، مخضرم أدرك الجاهلية والإِسلام، وثّقه ابن مُعين والعجليّ وابن سعد. وقال أبو حاتم: ولي قضاء البصرة. وقال أبو عمر: كان ذا دين وعقل ولسان وبيان وفهم وحزم. وقال ابن سعد: استخلفه ابن عباس على البصرة، وأقره عليٌّ. وقال المرزبانيّ: هاجر أبو الأسود إلى البصرة في خلافة عمر، وولاه على البصرة خليفة لابن عباس، فكان عَلَويّ المذهب. وقال الجاحظ: كان أبو الأسود معدودًا في طبقات من الناس، مقدمًا في كل منها، كان يعد في التابعين، والشعراء، والفقهاء، والمحدثين، والأشراف، والفرسان، والأمراء، والنحاة، والحاضري الجواب، والشيعة، والصُّلْع، والنجْر، والبخلاء، ومن لطيف قوله: ليس السائل المُلْحِف خيرًا من المانع الحابس، ومن عجائب أجوبته أنه قيل أبو الأسود أظرف الناس، لولا بخل فيه، فقال: لا خير في ظَرْف لا يمسك ما فيه، ومن محاسن الحكم في شعره قوله:

стр. 5639

لا ترسلنّ مقالةً مشهورةً ... لا نستطيعُ، إذا مضت، إدراكها لا تبدينّ نميمة أُنْبِئتها ... وتَحفظنّ مِن الذي أنباكها وقوله: ما كل ذي لبٍّ بمؤتيك نصحه ... وما كل مؤتٍ نصحه بلبيبِ ولكنْ إذا ما استجمعا عند واحدٍ ... فحق له من طاعة بنصيب قال المبرد: أول من وضع العربية ونقط المصاحف أبو الأسود، وقد سئل عمن نهج له الطريق، فقال تلقيته من علي بن أبي طالب. وقيل: كان الذي حداه على ذلك أن ابنته قالت له: يا أبت ما أشدُّ الحر؟ برفع أشدُّ، وكان في شدة القيظ، فقال: ما نحن فيه. فقالت: إنما أردت أنه شديد، فقال: قولي ما أشد، نعمل باب التعجب. وروى عمرو بن شَبّة أنه استأذن زيادًا، وقال له: العرب خالطت العجم، ففسدت ألسنتها، فلم يأذن لي حتى جاء رجل، فقال: أظلح الله الأمير، ات أبانا وترك بنون، فقال زياد: ادع أبا الأسود، فأذِن له حينئذ. وروى ابن أبي سعد أن سبب ذلك أنه مرَّ به فارسيٌّ فَلَحنَ، فوضع باب الفاعل والمفعول، فلما جاء عيسى بن عمر تتبع الأبواب، فهو أول من بلغ الغاية فيه. وقد ذكر أبو عُبيدة أنه أدرك الإِسلام، وشهد بدرًا مع المسلمين، وهو وهم، ولعله مع المشركين، فقد ذكروا أن أباه قُتل كافرًا في بعض المشاهد التي قاتل فيها النبيُّ ﷺ المشركين. روى عن عمر وعليّ ومعاذ وابن عباس وغيرهم. وروى عنه ابنه أبو حرب وعبد الله بن بُريدة ويحيى بن يَعْمرُ وغيرهم. مات في طاعون الجارف سنة تسع وستين، وكان له يوم مات خمس وثمانون سنة. وأخباره كثيرة، فمنها أن قومه بنو الدُّئِل قتلوا رجلًا من بني لَيْث، ثم اصطلحوا على أن يعطوهم الدِّيَة، فجاء قومه يطلبون منه الإعانة، وألح عليه غلام منهم ذو بيان، فقال: يا أبا الأسود، أنت شيخ العشيرة، وسيدهم، وما يمنعك من معاونتهم قلةُ ذاتِ يدٍ، ولا سؤدد، فلما أكثر أقبل عليه أبو الأسود، ثم قال له: قد أكثرت يا ابن أخي، فاسمع مني، إن الرجل والله لا يعطي ماله إلا لأحدى ثلاث خلال، إما رجل أعطى ماله رجاء مكافأة، أو رجل خاف على نفسه فوقاها بماله، أو رجل أراد وجه الله وما عنده في الآخرة، أو رجل أحمق خدع من ماله. والله ما أنتم أحد هذه الطبقات, ولا عمك الرجل العاجز فينخدع لهؤلاء، ولَما أفدتك إياه في عقلك خير لك من مال أبي الأسود، لو وصل إلى بني الدُّئِل، قوموا إذا شئتم، فقاموا يبادرون الباب. ومنها أنه ذهب هو وأصحابه إلى الصيد، فجاءه أعرابيّ فقال له: السلام عليك، فقال له أبو الأسود: كلمة مَقولة، قال: قال له: أَدْخُل؟، قال له: وراءك أوسع لك، قال: إنَّ الرمضاء قد أحرقت رجليّ، قال له: بُلْ عليها أو أئت الجبلَ يفيء عليك. قال: هل عندك شيء تعطينيه؟ قال:

стр. 5640

نأكل ونطعم العيال، وإن بقي شيء فأنت أحق به من الكلب. قال الأعرابيّ: ما رأيت قط ألأم منك. قال أبو الأسود: قد رأيتك ولكنك قد نسيت. ومنها أنه كان جالسًا في دِهْليز، فجازَ به رجل من الأعراب، يقال له ابن أبي الحَمامة، فسلم، ثم ذكر باقي الخبر مثل ما تقدمه، وزاد فيه: فقال: أنا ابن أبي الحمامة، قال: كن ابن أبي الطاووسة، وانصرف، قال: أسألك بالله إلاَّ أطعمتني مما تأكل، فألقى إليه أبو الأسود ثلاث رُطَبات، فوقعت إحداها في التراب، فأخذها يمسحها بثوبه، فقال له أبو الأسود: دعها فإن الذي تمسحها منه أنظف من الذي تمسحها به، فقال: إنما كرهت أن أدعها للشيطان، فقال: لا والله ولا لجبريل وميكائيل تدعها. ومنها أن أبا الأسود كان له دكّان على باب داره يجلس عليه، مرتفع عن الأرض إلى قدر صدر الرجل، فكان يوضع بين يديه خُوَان على قدر الدكان، فإذا مرَّ به مارّ فدعاه للأكل لم يجد موضعًا يجلس فيه، فمر به ذات يوم فتى، فدعاه للغداء فأقبل، فتناول الخوان فوضعه أسفل، ثم قال له: يا أبا الأسود، إن عزمت على الغداء فانزلْ، وجعل يأكل وأبو الأسود ينظر إليه مغتاظًا، حتى أتى على الطعام، فقال له أبو الأسود: ما اسمك؟ قال: لقمان الحكيم، قال: لقد أصاب أهلك حقيقة اسمك. واخباره كثيرة جدًا مؤلف فيها. والدؤلي في نسبه نسبة إلى جده دُئِل بن بكر، وهو بضم الدال وكسر الهمزة، والنسبة إليه بضمها وفتح الهمزة، وفيه غير هذا من الضبط. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورجاله كلهم بصريون، وفيه رواية تابعي عن تابعي، أخرجه البخاريّ أيضًا في الشهادات، والترمذيّ في الجنائز، وكذا النَّسائي. ثم قال المصنف:
следующие страницы →