← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.

стр. 5636

وقال النوويّ: هو منصوب بنزع الخافض، أي: أُثني عليها بخير، وقال ابن مالك: "خيرًا"، صفة لمصدر محذوف فأقيمت مقامه، فنصبت لأن أثنى مسند إلى الجار والمجرور. قال: والتفاوت بين الإِسناد إلى المصدر والإِسناد إلى الجار والمجرور قليلٌ. وقوله: فقال أبو الأسود، هو الراوي، وهو بالإِسناد والمذكور. فقلت: وما وجبت، هو معطوف على شيء مقدّر، أي: قلت: هذا شيء عجيب، وما معنى قولك لكل منهما وجبت مع اختلاف الثناء بالخير والشر؟ وقوله: أيما مسلم الظاهر أنه هو المقول، وحينئذ يكون قول عمر لكل منهما: وجبت، قاله بناء على اعتقاده صدق الوعد المستفاد من قوله ﷺ "أدخله الله الجنة" وأما اقتصار عمر على ذكر أحد الشقين، فهو إما للاختصار، وإما لاحالته السامع على القياس، والأول أظهر. وعرف من القصة المذكورة أن المثني على كل من الجنائز كان أكثر من واحد، وكذا في قول عمر "قلنا: وما وجبت" إشارة إلى أن السائل عن ذلك هو وغيره، وقد وقع في تفسير قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ في البقرة عند ابن أبي حاتم عن أبي هُريرة أن أُبيّ بن كعب ممن سأل عن ذلك. وقوله: فقلنا: وثلاثة؟ فيه اعتبار مفهوم الموافقة, لأنه سأل عن الثلاثة، ولم يسأل عما فوق الأربعة، كالخمسة مثلًا. وفيه أن مفهوم العدد ليس دليلًا قطعيًا، بل هو في مقام الاحتمال. وقوله: ثم لم نسأله عن الواحد، قال الزين بن المنير: إنما لم يسأل عمر عن الواحد استبعادًا منه أن يكتفى في مثل هذا المقام العظيم بأقل من النصاب، وقال أخوه في الحاشية: فيه إيماء إلى الاكتفاء بالتزكية بواحد، كذا قال. وفيه نظر، وقد استدل به المصنف على أن أقل ما يكتفى به في الشهادة اثنان، كما يأتي في كتاب الشهادات، إن شاء الله تعالى. قال الداوديّ: المعتبر في ذلك شهادة أهل الفضل والصدق لا الفسقة, لأنهم قد يثنون على من يكون مثلهم، ولا مَنْ بَيْنه وبني الميت عداوة, لأن شهادة العدو لا تقبل، وفي الحديث فضيلة هذه الأمة، وإعمال الحكم بالظاهر. ونقل الطيبيّ عن بعض الشراح المصابيح، قال: ليس معنى قوله "أنتم شهداء الله في الأرض" أي: الذي يقولونه في حق شخص يكون كذلك، حتى يصير من يستحق الجنة من أهل النار بقولهم، ولا العكس، بل معناه أن الذي أثنوا عليه خيرًا رَأوْهُ منه كان ذلك علامة كونه من أهل الجنة، وبالعكس، وتعقبه الطيبيّ بأن قوله "وجبت" بعد الثناء حكمٌ عَقبَ وصفًا مناسبًا، فأشعر بالعلية، وكذا قوله "أنتم شهداء الله في الأرض" لأن الإِضافة فيه للتشريف، لأنهم بمنزلة عالية عند الله، فهو كالتزكية للأمة بعد أداء شهادتهم، فينبغي أن يكون لها أثر. قال: وإلى هذا يومى قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ وقد استشهد محمد بن كعب القُرظِيّ، لمّا روي عن جابر نحو حديث أنس، بهذه الآية، أخرجه الحاكم، وقد وقع ذلك في حديث مرفوع عند ابن أبي حاتم في التفسير، وفيه أن الذي قال للنبي ﷺ : وما قولكَ وَجَبت؟ هو أُبيّ بن كعب.

стр. 5637

وقال النوويّ: قال بعضهم معنى الحديث أن الثناء بالخير لمن أثنى عليه أهل الفضل، وكان ذلك مطابقًا للواقع، فهو من أهل الجنة، فإن كان غير مطابق، فلا، وكذا عكسه. قال: الصحيح أنه على عمومه، وإن من مات منهم فألهم الله تعالى الناسَ الثناء عليه بخيرٍ، كانَ دليلًا على أنه من أهل الجنة، سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا، فإن الأعمال داخلةٌ تحت المشيئة، وهذا إلهام يستدل به على تعيينها، بهذا تظهر فائدة الثناء. في هذا في جانب الخير واضح، ويؤيده ما رواه أحمد وابن حِبّان والحاكم عن أنس مرفوعًا "ما من مسلم يموت، فيشهد له أربعة من جيرانه الأدْنِين أنهم لا يعلمون منه إلا خيرًا، إلا قال الله تعالى "قد قبلتُ قولكم، وغفرتُ له ما لا تعلمون". ولأحمد عن أبي هريرة نحوه، وقال ثلاثة بدل أربعة، وفي إسناده من لم يسم، وله شاهد من مراسيل بشير بن كعب، أخرجه أبو مسلم الكجيّ، وأما جانب الشر، فظاهر الأحاديث أنه كذلك، لكن إنما يقع ذلك في حق من غلب شره على خيره. وفي رواية النضر المشار إليها أولًا، في آخر حديث أنس، أنَّ لله ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشر، واستدل به على جواز ذكر المرء بما فيه من خير أو شر، للحاجة، ولا يكون ذلك من الغيبة، وسيأتي البحث عن ذلك في باب النهي عن سبب الأموات، آخر الجنائز، وهو أصل في قبول الشهادة بالاستفاضة، وأن أقل أصلها إثنان. وقد أباح العلماء الغيبة في أمور جمعها القائل في قوله: تجنب غيبة إلا أمورًا ... ببيت جاء عن بعض الأكابرِ تظلَّم واستغثْ واستفتِ حذر ... وعرف بدعة فسق المجاهِر فهل تباح في حق الميت أيضًا؟ وإنّ ما جازت غيبة الحي به تجوز غيبة الميت به أم يختص جواز الغيبة في هذه المواضع المستثناة بالأحياء؟ ينبغي أنْ ينظر في السبب المبيح للغيبة إن كان قد انقطع بالموت كالمعاملة، فهذا لا يذكر في حق الميت, لأنه قد انقطع بموته. وإن لم ينقطع بموته كجَرْح الرواة، وكونه يؤخذ عنه اعتقاد ونحوه، فلا بأس بذكره به ليحذر ويجتنب. وهل يختص الثناء الذي ينفع الميت بالرجال أم يشترك فيه النساء والرجال؟ وإذا قلنا يشتركون فيه، فهل يكتفى في ذلك بامرأتين، أو لابد من رجل وامرأتين، وأربع نسوة؟ الظاهر الاكتفاء باثنين مسلمين، وأنه لا يحتاج إلى قيام امرأتين مقام رجل واحد، فقد روى الطبرانيّ في الكبير عن كعب بن عُجْرة قال: "قال رسول الله ﷺ يومًا لأصحابه" ما تقولون في رجل قتل في سبيل الله؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال: الجنة إن شاء الله تعالى، قال: فما تقولون في رجل مات، فقام رجلان ذوا عدل، فقالا: لا نعلم إلا خيرًا؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، قال: الجنة إن شاء الله تعالى. قال: فما تقولون في رجل مات فقام رجلان ذوا عدل فقالا: لا نعلم خيرًا؟ قالوا: النار. قال ﷺ : مذنب،

стр. 5638

والله غفور رحيم. وقد قال: لا يكتفى بشهادة النساء, لأن النبي ﷺ لم يكتف بشهادة المرأة التي أثنت على عثمان بن مظعون، بقولها: شهادتي عليك يا أبا السائب، لقد أكرمك الله، قال لها: وما يدريك؟ وقد يجاب عنه بأنه إما أنكر عليها القطع بأن الله أكرمه، وذلك مغيب عنها، بخلاف الشهادة على الميت بأفعاله الجميلة، التي كان متلبسًا بها في الدنيا. وقال ابن العربي: فيه جواز الشهادة قبل الاستشهاد، وقبولها قبل الاستفصال، وفيه استعمال الثناء في الشر للمؤاخاة والمشاكلة، وحقيقته إنما هي في الخير. رجاله خمسة: مرّ منهم عفان بن مسلم في الحادي عشر والمئة من الوضوء ومرَّ عبد الله بن بُريدة في الخامس والثلاثين من الحيض، ومرَّ محل عمر في الذي قبله بحديث، والباقي اثنان: الأول داود بن أبي الفُرات، عمرو بن الفُرات الكِنديّ، أبو عمرو المروزيّ، قدم البصرة، ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال ابن مُعين وأبو داود: ثقة، وكذا قال ابن المبارك والعجليّ، وقال الدارقطنيّ: ليس به بأس، روى عن عبد الله بن بُريدة وإبراهيم بن مَيمون الصائغ وعَلياء بن أحمر وغيرهم. وروى عنه أيوب وسعيد بن أبي عَروبة، وهما أكبر منه، وعفان وغيرهم. مات سنة سبع وستين ومئة أو سنة ست وتسعين ومئة، ولهم شيخ آخر اسم داود بن أبي الفرات، اسم أبيه بكر، أبو الفرات اسم جده أشجعيٌّ، من أهل المدينة، أقدم من الكنديّ. الثاني أبو الأسود الدؤلي البصريّ القاضي، واسمه ظالم بن عمرو بن سفيان بن جَنْدل بن يَعْمرُ بن حَنَش بن ثَعْلبة بن عَدِيّ بن الدُّنِل بن بكر بن عبد مناة بن كِنانة، وقيل اسمه عمرو بن ظالم، وقيل عثمان بن عمرو، وقيل عمرو بن عمران، مشهورٌ بكنيته، وهو من كبار التابعين، مخضرم أدرك الجاهلية والإِسلام، وثّقه ابن مُعين والعجليّ وابن سعد. وقال أبو حاتم: ولي قضاء البصرة. وقال أبو عمر: كان ذا دين وعقل ولسان وبيان وفهم وحزم. وقال ابن سعد: استخلفه ابن عباس على البصرة، وأقره عليٌّ. وقال المرزبانيّ: هاجر أبو الأسود إلى البصرة في خلافة عمر، وولاه على البصرة خليفة لابن عباس، فكان عَلَويّ المذهب. وقال الجاحظ: كان أبو الأسود معدودًا في طبقات من الناس، مقدمًا في كل منها، كان يعد في التابعين، والشعراء، والفقهاء، والمحدثين، والأشراف، والفرسان، والأمراء، والنحاة، والحاضري الجواب، والشيعة، والصُّلْع، والنجْر، والبخلاء، ومن لطيف قوله: ليس السائل المُلْحِف خيرًا من المانع الحابس، ومن عجائب أجوبته أنه قيل أبو الأسود أظرف الناس، لولا بخل فيه، فقال: لا خير في ظَرْف لا يمسك ما فيه، ومن محاسن الحكم في شعره قوله:

стр. 5639

لا ترسلنّ مقالةً مشهورةً ... لا نستطيعُ، إذا مضت، إدراكها لا تبدينّ نميمة أُنْبِئتها ... وتَحفظنّ مِن الذي أنباكها وقوله: ما كل ذي لبٍّ بمؤتيك نصحه ... وما كل مؤتٍ نصحه بلبيبِ ولكنْ إذا ما استجمعا عند واحدٍ ... فحق له من طاعة بنصيب قال المبرد: أول من وضع العربية ونقط المصاحف أبو الأسود، وقد سئل عمن نهج له الطريق، فقال تلقيته من علي بن أبي طالب. وقيل: كان الذي حداه على ذلك أن ابنته قالت له: يا أبت ما أشدُّ الحر؟ برفع أشدُّ، وكان في شدة القيظ، فقال: ما نحن فيه. فقالت: إنما أردت أنه شديد، فقال: قولي ما أشد، نعمل باب التعجب. وروى عمرو بن شَبّة أنه استأذن زيادًا، وقال له: العرب خالطت العجم، ففسدت ألسنتها، فلم يأذن لي حتى جاء رجل، فقال: أظلح الله الأمير، ات أبانا وترك بنون، فقال زياد: ادع أبا الأسود، فأذِن له حينئذ. وروى ابن أبي سعد أن سبب ذلك أنه مرَّ به فارسيٌّ فَلَحنَ، فوضع باب الفاعل والمفعول، فلما جاء عيسى بن عمر تتبع الأبواب، فهو أول من بلغ الغاية فيه. وقد ذكر أبو عُبيدة أنه أدرك الإِسلام، وشهد بدرًا مع المسلمين، وهو وهم، ولعله مع المشركين، فقد ذكروا أن أباه قُتل كافرًا في بعض المشاهد التي قاتل فيها النبيُّ ﷺ المشركين. روى عن عمر وعليّ ومعاذ وابن عباس وغيرهم. وروى عنه ابنه أبو حرب وعبد الله بن بُريدة ويحيى بن يَعْمرُ وغيرهم. مات في طاعون الجارف سنة تسع وستين، وكان له يوم مات خمس وثمانون سنة. وأخباره كثيرة، فمنها أن قومه بنو الدُّئِل قتلوا رجلًا من بني لَيْث، ثم اصطلحوا على أن يعطوهم الدِّيَة، فجاء قومه يطلبون منه الإعانة، وألح عليه غلام منهم ذو بيان، فقال: يا أبا الأسود، أنت شيخ العشيرة، وسيدهم، وما يمنعك من معاونتهم قلةُ ذاتِ يدٍ، ولا سؤدد، فلما أكثر أقبل عليه أبو الأسود، ثم قال له: قد أكثرت يا ابن أخي، فاسمع مني، إن الرجل والله لا يعطي ماله إلا لأحدى ثلاث خلال، إما رجل أعطى ماله رجاء مكافأة، أو رجل خاف على نفسه فوقاها بماله، أو رجل أراد وجه الله وما عنده في الآخرة، أو رجل أحمق خدع من ماله. والله ما أنتم أحد هذه الطبقات, ولا عمك الرجل العاجز فينخدع لهؤلاء، ولَما أفدتك إياه في عقلك خير لك من مال أبي الأسود، لو وصل إلى بني الدُّئِل، قوموا إذا شئتم، فقاموا يبادرون الباب. ومنها أنه ذهب هو وأصحابه إلى الصيد، فجاءه أعرابيّ فقال له: السلام عليك، فقال له أبو الأسود: كلمة مَقولة، قال: قال له: أَدْخُل؟، قال له: وراءك أوسع لك، قال: إنَّ الرمضاء قد أحرقت رجليّ، قال له: بُلْ عليها أو أئت الجبلَ يفيء عليك. قال: هل عندك شيء تعطينيه؟ قال:

стр. 5640

نأكل ونطعم العيال، وإن بقي شيء فأنت أحق به من الكلب. قال الأعرابيّ: ما رأيت قط ألأم منك. قال أبو الأسود: قد رأيتك ولكنك قد نسيت. ومنها أنه كان جالسًا في دِهْليز، فجازَ به رجل من الأعراب، يقال له ابن أبي الحَمامة، فسلم، ثم ذكر باقي الخبر مثل ما تقدمه، وزاد فيه: فقال: أنا ابن أبي الحمامة، قال: كن ابن أبي الطاووسة، وانصرف، قال: أسألك بالله إلاَّ أطعمتني مما تأكل، فألقى إليه أبو الأسود ثلاث رُطَبات، فوقعت إحداها في التراب، فأخذها يمسحها بثوبه، فقال له أبو الأسود: دعها فإن الذي تمسحها منه أنظف من الذي تمسحها به، فقال: إنما كرهت أن أدعها للشيطان، فقال: لا والله ولا لجبريل وميكائيل تدعها. ومنها أن أبا الأسود كان له دكّان على باب داره يجلس عليه، مرتفع عن الأرض إلى قدر صدر الرجل، فكان يوضع بين يديه خُوَان على قدر الدكان، فإذا مرَّ به مارّ فدعاه للأكل لم يجد موضعًا يجلس فيه، فمر به ذات يوم فتى، فدعاه للغداء فأقبل، فتناول الخوان فوضعه أسفل، ثم قال له: يا أبا الأسود، إن عزمت على الغداء فانزلْ، وجعل يأكل وأبو الأسود ينظر إليه مغتاظًا، حتى أتى على الطعام، فقال له أبو الأسود: ما اسمك؟ قال: لقمان الحكيم، قال: لقد أصاب أهلك حقيقة اسمك. واخباره كثيرة جدًا مؤلف فيها. والدؤلي في نسبه نسبة إلى جده دُئِل بن بكر، وهو بضم الدال وكسر الهمزة، والنسبة إليه بضمها وفتح الهمزة، وفيه غير هذا من الضبط. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورجاله كلهم بصريون، وفيه رواية تابعي عن تابعي، أخرجه البخاريّ أيضًا في الشهادات، والترمذيّ في الجنائز، وكذا النَّسائي. ثم قال المصنف:

стр. 5641

باب ما جاء في عذاب القبر وقوله تعالى ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ هو الهَوان، والهَوْنُ الرفق، وقوله جل ذكره ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ وقوله تعالى ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. لم يتعرض المصنف في الترجمة لكون عذاب القبر يقع على الروح فقط، أو عليها وعلى الجسد، وفيه خلاف شهير عند المتكلمين، وكأنه تركه لأن الأدلة التي يرضاها ليست قاطعة في أحد الأمرين، فلم يتقلد الحكم في ذلك، واكتفى بإثبات وجوده، خلافًا لمن نفاه مطلقًا من الخوارج، وبعض المعتزلة، كضرار بن عمرو وبِشر المريسيّ ومن وافقهما. وخالفهما في ذلك أكثر المعتزلة، وجميع أهل السُنَّة وغيرهم، وأكثروا من الاحتجاج له. وذهب بعض المعتزلة كالجبائيّ إلى أنه يقع على الكفار دون المؤمنين، وبعض الأحاديث الآتية عليهم أيضًا. وقوله: وقوله تعالى، بالجر عطفًا على عذاب القبر، أي: ما ورد في تفسير الآيات المذكورة، وكأن المصنف قدّم ذكر هذه الآية، لينبه على ثبوت ذكره في القرآن، خلافًا لمن رده وزعم أنه لم يرِد ذكره إلا من أخبار الآحاد، فأما الآية التي في الأنعام، فروى الطبرانيّ وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ قال: هذا عند الموت، والبسط: الضرب، يضربون وجوههم وأدبارهم، ويشهد له قوله تعالى في سورة القتال ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ وهذا، وإن كان قبل الدفن، فهو من جملة العذاب الواقع قبل يوم القيامة، وإنما أضيف العذاب إلى القبر لكون معظمه يقع فيه، ولكون الغالب على الموتى أن يقبروا، وإلا فالكافر، ومن شاء الله تعذيبه من العصاة، يعذب بعد موته، ولو لم يدفن. ولكن ذلك محجوب عن الخلق، إلا من شاء الله. وقوله ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ خطاب للنبي ﵊، وجواب لو محذوف، أي: لرأيت أمرًا عجيبًا عظيمًا، وكلمة "إذا" ظرف مضاف إلى جملة اسمية، وهي قوله: ﴿الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ وقال الزمخشري: يريد بالظالمين الذين ذكرهم من اليهود والمتنبئة، فيكون اللام للعهد، ويجوز أن يكون للجنس، فيدخل فيه هؤلاء لاشتماله. وقال غيره: المراد من الظالمين قوم كانوا أسلموا بمكة، أخرجهم الكفار إلى قتال بدر، فلما أبصروا أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام

стр. 5642

رجعوا عن الإِيمان. وقيل: هم الذين قالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء. وقوله ﴿فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ أي: في شدائده وسكراته وكرباته، وهو جمع غمرة، وأصل الغمرة ما يغمر من الماء، فاستعيرت للشدة الغالبة. وقوله: ﴿بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ قد مرَّ تفسيره، وقال الزمخشري: يبسطون إليهم يقولون: هاتوا أرواحكم أخرجوها الينا من أجسادكم، وهذه عبارة عن العنف في السياق، والإِلحاح والتشديد في الإِرهاق من غير تنفيس وإمهال. وقال الضحّاك: باسطوا أيديهم بالعذاب. وقوله: أخرجوا أنفسكم، أي: تقول الملائكة: أخرجوا أنفسكم، وذلك لأن الكافر إذا احتُضر، بشرته الملائكة بالعذاب والنَّكال والسلاسل والجحيم وغضب الرحيم، فَتَغرَّقُ روحه في جسده، ويعطي ويأبى الخروج، فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم قائلين لهم؛ أخرجوا أنفسكم. وقيل: معناه أخرجوا أنفسكم من العذاب إن قدرتم، تقريعًا لهم، وتوبيخًا. واحتُج بهذه الآية على أن النفس والروح شيء واحد، لقوله تعالى ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ والمراد الأرواح، وهي مسألة مشهورة، فيها أقوال كثيرة، وقد مرَّ استيفاء الكلام عليها في كتاب العلم في باب "وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا" وبقية قليلة في باب الأذان بعد ذهاب الوقت، من كتاب المواقيت. وقوله ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ أي: اليوم تهانون غاية الإهانة بما كنتم تكفرون بالله، وتستكبرون عن اتباع آياته، والانقياد لرسله. وقال الزمخشري: اليوم تجزون، يجوز أن يراد به وقت الإِماتة، وما يعذبون به من شدة النزع، وأن يراد الوقت الممتد المتطاول الذي يلحقهم فيه العذاب، في البرزخ والقيامة. وفسر البخاريّ الهُون، بالضم، بأنه الهَوان، وهو الشديد، وإضافة العذاب له كقولك: رجلُ سَوْءٍ، يريد العراقة في الهوان، والتمكن فيه. وفسر الهَون، بفتح الهاء، بأنه الرفق، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ أي برفق وسكينة. قوله: وقوله تعالى ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ روى الطبريّ وابن أبي حاتم والطبرانيّ عن ابن عباس قال: خطب رسول الله ﷺ يوم الجمعة فقال: اخرجْ يا فلان، فإنك منافق، واخرج يا فلان فإنك منافق، فأخرج من المسجد ناسًا منهم فضحهم، فجاء عمر رضي الله تعالى عنه وهم يخرجون، فأختبأ منهم حياءًا، وأنه لم يشهد الجمعة، وظن أن الناس قد انصرفوا، واختبئوا هم منه، ظنوا أنه قد علم بأمرهم، فجاء عمر، فدخل المسجد فإذا الناس لم يصلوا، فقال له رجل من المسلمين: أبشر يا عمر، فقد فضح الله المنافقين. قال ابن عباس: فهذا العذاب الأول حين أخرجهم من المسجد، والعذاب الثاني عذاب القبر. وقال الطبريّ، بعد أن ذكر اختلافًا: والأغلب أن إحدى المرتين عذابُ القبر، والأخرى تحتمل

стр. 5643

أن كون أحد ما تقدم ذكره، من الجوع أو السبي أو القتل أو الإذلال أو غير ذلك. وقوله تعالى ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ الآية، حاق يعني نزل بهم سوء العذاب، أي: شدته. وقال الزمخشريّ: وحاق بآل فرعون ما هموا به من تعذيب المسلمين، ورجع عليهم كيدهم، يقال: حاق به شيء يحيق، أي: أحاط به، ومنه ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾. وقوله ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ﴾ بدل من قوله سوء العذاب، أو خبر مبتدأ محذوف، أي كأَنَّ قائلًا قال: ما سوء العذاب؟ فقيل: هو النار. أو مبتدأ وخبره يعرضون عليها، وعرضهم عليها إحراقهم. يقال: عرض الأُسارى على السيف إذا قتلهم به. وقرىء النصب، وتقديره: يدخلون النار، ويجوز أن ينصب على الاختصاص، وقال ابن عباس: يعرضون أرواحهم على النار غُدُوًا وعشيًا، أي: في هذين الوقتين. وهكذا قال مجاهد وقتادة. وقال مقاتل: تعرض روح كل كافر على منازلهم من النار كل يوم مرتين. وروى الطبريّ عن هُذيل بن شُرَحبيل قال: أرواح آل فرعون في طيور سودٍ تغدو وتروح على النار، فذلك عَرْضُها، ووصله ابن أبي حاتم عن لَيث، فذكر عبد الله بن مسعود فيه. وليث ضعيف، وسيأتي في الكلام على حديث ابن عمر، بعد بابين، بيانُ أن هذا العرض يكون في الدنيا قبل يوم القيامة. قال القرطبي: الجمهور على أن هذا العرض يكون في البرزخ، وهو حجة في تثبيت عذاب القبر. وقال غيره: وقع ذكر عذاب الدارين مفسرًا مبينًا في هذه الآية، لكنه حجة على من أنكر عذاب القبر مطلقًا، لا على من خصه بالكفار، واستدل بها على أن الأرواح باقية بعد فراق الأجساد، وهو قول أهل السنة كما مرَّ في المحلين المذكورين آنفًا، وكما سيأتي. الحديث الرابع والعشرون والمئة حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا أُقْعِدَ الْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ أُتِيَ، ثُمَّ شَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾. قوله: أُتِي ثم شهد، بضم الهمزة، أي: حال كونه مأتبًا إليه، والآتي المَلَكان مُنْكَر ونكير. وقوله: ثم شهد، في رواية الحمويّ والمستملي "ثم يشهد" هكذا ساقه المصنف بهذا اللفظ، وأخرجه الإسماعيليّ عن حفص بن عمر، شيخ المصنف، بلفظ أبين من لفظه، قال: إن المؤمن إذا شهد أن لا إله إلا الله، وعرف محمدًا في قبره، فذلك قوله .. الخ. وأخرجه ابن مردويه وغيره من هذا الوجه، بلفظ "إن النبي ﷺ ذكر عذاب القبر فقال: "إن المسلم، إذا شهد أن لا إله إلا الله، وعرف أن محمدًا رسول الله، والقول الثابت هو كلمة التوحيد, لأنها راسخة في قلب المؤمن.

стр. 5644

رجاله خمسة: مرَّ منهم حفص بن عمر في الثالث والثلاثين من الوضوء، مرَّ سعد بن عبيدة في الأخير منه، ومرَّ شعبة في الثالث من الإِيمان, والبراء بن عازب في الثاني والثلاثين منه. والباقي علقمة بن مرثد الحضرميّ أبو الحارث الكوفيّ، ذكره ابن حِبَّان في الثقات، وقال أحمد: ثبت في الحديث، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال النَّسائيّ: ثقة، ووثَّقه يعقوب بن سفيان، روى عن سعد بن عُبيدة وزر بن حُبَيش وطارق بن شهاب وغيرهم. وروى عن شُعبة والثَّوريّ وغيرهم. مات في آخر ولاية خالد القسري على العراق. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة، وشيخه من أفراده، ورواته بصريّ وواسطيّ وكوفيان. أخرجه البخاريّ أيضًا في الجنائز وفي التفسير، ومسلم في صفة النار، وأبو داود في السنة، والتِّرمذي في التفسير، والنَّسائيّ في الجنائز والتفسير، وابن ماجه في الزهد. الحديث الخامس والعشرون والمئة حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا وَزَادَ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ. قوله: وزاد، يوهم أن لفظ غندر كلفظ حفص، وزيادة، ليس كذلك، وإنما هو بالمعنى، فقد أخرجه مسلم والنَّسَائيّ وابن ماجه عن محمد بن بشار، والقدر الذي ذكره هو أول الحديث، وبقيته عندهم "يقال له من ربك؟ فيقول: "ربي الله ونبي محمدٌ" والقدر المذكور أيضًا أخرجه مسلم والنَّسائيّ عن البراء، وقد اختصر سعد وخَيْثمة هذا الحديث عن البراء جدًا، لكن أخرجه ابن مردويه من وجه آخر عن خيثمة، فزاد فيه "إن كان صالحًا وُفِّق، وإن كان لا خير فيه وجد أيله"، وفيه اختصار أيضًا. وقد رواه زاذان أبو عمرو عن البراء مطولًا مبينًا، أخرجه أصحاب السنن, وصححه أبو عُوانة وغيره، وفيه من الزيادة في أوله "استعيذوا بالله من عذاب القبر" وفيه "فترد روحه في جسده" وفيه "فيأتيه ملَكان فيُجْلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإِسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله، فيقولان: وما يدريك؟ فيقول: قرأت القرآن كتاب الله، فآمنت به وصَدَّقت، فذلك قوله تعالى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ وفيه "وأنّ الكافر تعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان فيُجلسانه، فيقولان له من ربك؟ فيقول: هاه، هاه، لا أدري .. الحديث، سيأتي نحو هذا في حديث أنس، آخر أحاديث

стр. 5645

الباب. ويأتي هناك محل الكلام عليه. قال الكرمانيّ: ليس في الآية ذكر عذاب القبر، فلعله سمى أحوال العبد في قبره عذاب القبر تغليبًا لفتنة الكافر على فتنة المؤمن، لأجل التخويف، ولأن القبر مقام الهول والوحشة، ولأن ملاقاة الملائكة مما يهاب منه ابن آدم في العادة، ونقل عبد الرزاق عن طاووس ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ لا إله إلا الله، وفي الآخرة، قال: المسألة في القبر. وقال قتادة: أما الحياة الدنيا فيثبتهم بالخير والعمل الصالح، وفي الآخرة في القبر. قلت: استدلال أهل السنة بهذه الآية، وما قبلها من الآيات السابقة على عذاب القبر، واضحٌ، ولا يرد عليه قوله ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ أي: موضع نومنا، ففيه دلالة على أن مدتهم في القبر نوم لا عذاب فيه، وأُجيب بأنَّهم لما شاهدوا أهوال القيامة عَدُّوا عذاب القبر راحة، أو لأنهم لاختلاط عقولهم، يظنون أنهم كانوا نيامًا. وقيل: رفع الله عنهم العذاب بين النفختين، فيهجعون هَجْعَة، وهذا غير صحيح، قاله ابن عطية. رجاله رجال السند الأول، إلا شيخ المؤلف وشيخه، والأول محمد بن بشار، وقد مرَّ في الحادي عشر من العلم، والثاني غندر، وقد مرَّ في الخامس والعشرين من الإيمان. الحديث السادس والعشرون والمئة حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ صَالِحٍ حَدَّثَنِي نَافِعٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ قَالَ: اطَّلَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَهْلِ الْقَلِيبِ فَقَالَ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا. فَقِيلَ لَهُ تَدْعُو أَمْوَاتًا فَقَالَ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لاَ يُجِيبُونَ. ذكره هنا مختصرًا، وذكره في المغازي مطولًا. قوله: اطَّلع: أي شاهد أهل القليب، وحضر عندهم، وهم كثيرون، وفيهم أبو جهل بن هشام وأمية بن خلف وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، اطَّلع عليهم وهم مقتولون، فقال ما قال، ثم أمر بهم، فسُحبوا فأُلقوا في قَليب بدر، والقليب، بوزن عظيم، البيرُ قبل أن يُطوى، يذكر ويؤنث، وقال أبو عبيدة: هو البشر العادِيّة القديمة، وجمع القلة أَقْلِية، والكثير قُلُب، بضمتين، والمراد به هنا قليب بدر، كما بينه في بعض الروايات بقوله: "قليب بدر". وقوله: فقيل له، أي: للنبي ﷺ ، والقائل له هو عمر، رضي الله تعالى عنه، كما صرح به في رواية أحمد ومسلم عن أنس "أن رسول الله ﷺ ترك قتلى بدرٍ ثلاثًا ثم أتاهم، فقام عليهم فناداهم، فقال: يا أبا جهل بن هشام، ويا أمية بن خلف، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقًا فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقًا، فسمع عمر رضي الله تعالى عنه قول النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أتناديهم بعد ثلاث؟ وهل يسمعون؟ ويقول الله تعالى ﴿إِنَّكَ لَا

стр. 5646

تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ فقال: "والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، لكن لا يستطيعون أن يجيبوا". وفي بعضه نظر. لأن أمية بن خلف لم يكن في القلب, لأنه كان ضخمًا فانتفخ، فألقوا عليه من الحجارة والتراب ما غيّبه، وقد أخرج ذلك ابن إسحاق من حديث عائشة، لكن يجمع بينهما بأنه كان قريبًا من القليب فيمن نودي، لكونه من جملة رؤسائهم. ومن جملة مخاطبتهم ما ذكره ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، أنه ﵊ قال: يا أهل القليب، بئس عشيرة النبي، كنتم كذبتموني وصدقني الناس، ومأتيٌّ إتمام الكلام عليه عند حديث عائشة التالي له. رجاله ستة: قد مرّوا، مرَّ علي بن المدِينيّ في الرابع عشر من العلم، ويعقوب بن إبراهيم في السادس عشر منه، ونافع في الأخير منه، مرَّ إبراهيم بن سعد في السادس عشر من الإِيمان، وابن عمر في أوله قبل ذكر حديث منه، ومرَّ صالح بن كيسان في الأخير من بدء الوحي. وقوله في الحديث: فقيل له، القائل عمر، ومرَّ في الأول من بدء الوحي. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإِفراد والإِخبار بالأفراد والعنعنة، ورواته مدنيون، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. أخرجه البخاريّ أيضًا في المغازي، ومسلم والنَّسائي في الجنائز. الحديث السابع والعشرون والمئة حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ الآنَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ حَقٌّ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾. وقوله: إنما قال النبي ﷺ : إنهم ليعلمون الآن أنما كنت أقول لهم حق، وهذا مصير من عائشة إلى رد رواية ابن عمر المذكورة، وقد خالفها الجمهور في ذلك، وقبلوا حديث ابن عمر لموافقة من رواه من غيره عليه، ولم ينفرد ابن عمر ولا ابنه بذلك، بل وافقهما أبو طلحة في المغازي، وروى الطبرانيّ مثله عن ابن مسعود بإسناد صحيح، وفيه "ولكنهم اليوم لا يجيبون" وروى الطبرانيّ أيضًا عن عبد الله بن سيدان نحوه، وفيه "فقالوا: يا رسول الله، وهل يسمعون؟ قال: يسمعون كما تسمعون، ولكن لا يجيبون". ومن الغريب أن في المغازي لابن إسحاق رواية يونس بن بكير بإسناد جيد عن عائشة، مثل حديث أبي طلحة، وفيه "ما أنتم بأسمع منهم لما أقول" وأخرجه أحمد بإسناد حسن، فإن كان

стр. 5647

محفوظًا، فكأنها رجعت عن الإِنكار لما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة، لكونها لم تشهد القصة. قال الإِسماعيلي: كان عند عائشة من الفهم والذكاء وكثرة الرواية والغوص على الغوامض ما لا مزيد عليه، لكن لا سبيل إلى رد رواية الثقة إلا بنص مثله، يدل على نسخه، أو تخصيصه، أو استحالته، فكيف والجمع بين الذي أنكرته وأثبته غيرها ممكن؟ لأن قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ لا ينافي قوله ﷺ "إنهم الآن يسمعون" لأن الإسماع هو إبلاغ الصوت من المسمع في أذن السامع، فالله تعالى هو الذي أسمعهم بأنْ أبلغهم صوت نبيه ﷺ بذلك. وقيل: معنى الآية: لا تسمعهم سماعًا ينفعهم، أو لا تسمعهم إلا أن يشاء الله، وقيل: إن هذه الآية كقوله تعالى ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ أي: أن الله هو الذي يُسْمع ويهدي. وقال ابن التين: لا معارضة بين حديث ابن عمر والآية, لأن الموتى لا يسمعون بلا شك، لكن إذا أراد الله إسماع من ليس من شأنه السماع، لم يمتنع، كقوله تعالى ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ الآية، وقوله ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ وسيأتي في المغازي قول قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله، توبيخًا وتصغيرًا ونقمة وحسرة وندمًا. وفي رواية الإسماعيلي: وَتَنَدُّمًا وذِلة وصَغارًا، والصغار الذلة والهَوان. وأراد قتادة بهذا التأويل الرد على من أنكر أنهم يسمعون، كما جاء عن عائشة أنها استدلت بقوله تعالى ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ كما مرَّ قريبًا. وقد قال السّهيلي ما محصله: أن في نفس الخبر ما يدل على خَرْق العادة بذلك للنبي ﷺ ، لقول الصحابة له: أتخاطب أقوامًا قد جَيّفوا؟ فأجابهم قال: وإذا جاز أن يكونوا في تلك الحالة عالمين، جاز أن يكونوا سامعين، إمّا بآذان رؤوسهم كما هو قول الجمهور، أو بآذان الروح على رأي من يوجه السؤال للروح، من غير رجوع إلى الجسد. وقال أيضًا: عائشة لم تحضر قول النبي ﷺ ، فغيرها ممن حضر أحفظ للفظ النبي ﷺ , وقد قالوا له: يا رسول الله، أتخاطب قومًا قد جيّفوا؟ فقال: ما أنتم بأسمع، لما أقول منهم. وقوله: إنها لم تحضر، صحيح، ولكن لا يقدح ذلك في روايتها, لأنه مرسل صحابيّ، وهو محمول على أنها سمعت ذلك ممن حضره، أو من النبي ﵊، بعد، ولو كان ذلك قادحًا في روايتها لقدح في رواية ابن عمر، فإنه لم يحضر أيضًا، ولا مانع، أن يكون النبي ﷺ قال اللفظين معًا، فإنه لا تعارض بينهما. قلت: ما قاله في رواية ابن عمر لا يرد على السّهيليّ, لأنه لم يذكر ابن عمر، وإنما قال: فغيرها ممن حضر أحفظ، وموجود غير ابن عمر، ممن حضر القصة، فيقدم على عائشة، وقد تمسك بهذا الحديث من يقول: إن السؤال يتوجه على الروح والبدن، ورده من قال إنما يتوجه على الروح فقط، بأنّ الإسماع يحتمل أن يكون لأذُن الرأس ولأذن القلب كما مرَّ، فلم يبق فيه حجة، وأيضًا إذا كان الواقع فيه من خوارق العادة للنبي ﷺ ، كما مرَّ، لم يحسن حينئذ التمسك به في مسألة السؤال أصلًا.

стр. 5648

وقل اختلف أهل التأويل في المراد بالموتى، في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ وفي المراد بمن في القبور، فحملته عائشة على الحقيقة، وجعلته أصلًا احتاجت معه إلى تأويل قوله "ما أنتم بأسمع منهم لما أقول" وهذا قول الأكثر، وقيل: هو مجاز، والمراد بالموتى وبمن في القبور، الكفارُ، شبهوا بالموتى وهم أحياء، والمعنى من هم في حال الموتى من سكن القبر، وعلى هذا لا يبقى في الآية دليل على ما نفته عائشة رضي الله تعالى عنها. وقد اختلف في سؤال الميت، هل يقع في الروح أو البدن، أو عليهما؟ إلى آخر ما مرَّ مستوفى عند حديث أسماء في باب الفُتْيا بإشارة الرأس واليد. ووجه إدخال حديث ابن عمر، وما عارضه من حديث عائشة، في ترجمة عذاب القبر أنه لمّا ثبت من سماع أهل القليب كلامه، وتوبيخه لهم، دل إدراكهم الكلام بحاسة السمع على جواز إدراكهم ألم العذاب ببقية الحواس، بل بالذات، إذ الجامع بينهما وبين بقية الأحاديث أن المصنف أشار إلى طريق من طرق الجمع بين حديثي ابن عمر وعائشة، يحمل حديث ابن عمر على أن مخاطبة أهل القليب وقعت وقت المسألة، وحينئذ كانت الروح قد أُعيدت إلى الجسد، وقد تبين من الأحاديث الأخرى أن الكافر المسؤول يعذب، وأما إنكار عائشة، فمحمول على غير وقت المسألة، فيتفق الخبران، ويظهر من هذا التقرير وجه إدخال حديث ابن عمر في هذه الترجمة. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرَّ عبد الله بن محمد بن أبي شيبة في الثامن من العمل في الصلاة، وسفيان بن عُيينة في الأول من بدء الوحي، وهشام وعروة وعائشة في الثاني منه. الحديث الثامن والعشرون والمئة حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ شُعْبَةَ سَمِعْتُ الأَشْعَثَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا، فَذَكَرَتْ عَذَابَ الْقَبْرِ، فَقَالَتْ لَهَا أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدُ صَلَّى صَلاَةً إِلاَّ تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. زَادَ غُنْدَرٌ عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ. قوله: سمعت الأشعث عن أبيه، في رواية أبي داود الطَّيالسيّ "عن شعبة عن أشعث سمعت أبي"، وهذا الحديث مرَّ الكلام عليه مستوفى في باب التعوُّذ من عذاب القبر في الكسوف. وقوله هنا: قال نعم عذاب القبر، هو رواية الأكثر، وزاد في رواية الحموي والمستملي "حق" وليس بجيد, لأن المصنف قال عقب هذه الطريق: زاد غندر "عذاب القبر حق"، فتبيَّنَ أن لفظ "حق" ليس في رواية عبدان عن أبيه عن شعبة، وأنها ثابتة في رواية غندر عن شعبة، وهو كذلك، وقد

стр. 5649

أخرج رواية غندر النَّسائيّ والإِسماعيليّ كذلك، وكذا أخرجه أبو داود الطيالسيّ في مسنده عن شعبة. وقوله: وزاد غندر، وقع في رواية أبي ذَرٍّ وحده، ووقع ذلك في بعض النسخ عقب حديث أسماء بنت أبي بكر، وهو غلط. رجاله سبعة: قد مرّوا، مرَّ عبدان في السادس من بدء الوحي، ومرَّ أبوه عثمان بن جَبْلة في الخامس والمئة من الوضوء, ومرَّ الأشعث وأبوه أبو الشعثاء في الثالث والثلاثين منه، ومرَّ شعبة في الثالث من الإِيمان, ومرَّ مسروق في السابع والعشرين منه، ومرت عائشة في الثاني من بدء الوحي. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإِخبار بالأفراد والعنعنة والسماع، ورواية تابعي، عن تابعيّ عن صحابية، ورواته بصريان وواسطيّ وكوفيون أخرجه مسلم والنَّسائيّ في الصلاة. الحديث التاسع والعشرون والمئة حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ ﵄ تَقُولُ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطِيبًا فَذَكَرَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ الَّتِي يَفْتَتِنُ فِيهَا الْمَرْءُ، فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ ضَجَّ الْمُسْلِمُونَ ضَجَّةً. زَادَ غُنْدَرٌ عَذَابَ القَبْرِ. قوله: فلما ذكر ذلك ضج المسلمون ضجة، وهو مختصر، وقد ساقه النَّسَائيّ والإِسماعيليّ من الوجه الذي أخرجه منه البخاريّ، فزاد بعد قوله ضجة "حالت بيني وبين أن أفهم آخر كلام رسول الله ﷺ ، فلما سكت ضجيجهم، قلت لرجل قريب مني: أي بارك الله فيك، ماذا قال رسول الله ﷺ في آخر كلامه؟ قال: قد أُوحي إليَّ أنكم تفتنون في القبور قريبًا من فتنة الدجال". وهذا الحديث تقدم في كتاب العلم، وفي الكسوف من طريق فاطمة بنت المنذر عن أسماء بتمامه، وفيه من الزيادة "يؤتى أحدكم فيقال له: ما عليك بهذا الرجل .. " الحديث، فلم يبيِّن فيه ما بيَّن في هذه الرواية من تفهيم الرجل المذكور لأسماء فيه. وأخرجه في الجمعة عن فاطمة أيضًا وفيه "أنه لما قال: أمَّا بعدُ، لَغَط نسوةٌ من الأنصار، وأنها ذهبت لتسكتهنَّ، فسألت عائشة عما قال" فيجمع بين مختلف هذه الروايات أنها احتاجت إلى الاستفهام مرتين، وأنه لما حدَّثت فاطمة لم تبين لها الاستفهام الثاني، ولم يعرف اسم الرجل الذي استفهمت منه عن ذلك. ولأحمد عن محمد بن المنكدر عن أسماء مرفوعًا. "إذا دخل الإنسان قبره فإن كان مؤمنًا احتف به عمله، فيأتيه الملك، فترده الصلاة والصيام، فيناديه المَلَك: اجلس، فيجلس، فيقول: ما تقول

стр. 5650

في هذا الرجل محمد؟ قال: أشهد أنه رسول الله، قال: على ذلك عِشت، وعلى ذلك مِت، وعليه تُبعث". رجاله ستة: قد مرّوا، مرَّ يحيى بن سليمان في الخامس والخمسين من العلم، ومرَّ ابن وهب في الثالث عشر منه، ومرت أسماء في الثامن والعشرين منه، ومرَّ يونس بن يزيد في متابعة بعد الرابع من بدء الوحي، وابن شهاب في الثالث منه، وعروة في الثاني منه. الحديث الثلاثون والمئة حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولاَنِ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي الرَّجُلِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ . فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ. فَيُقَالُ لَهُ انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا. قَالَ قَتَادَةُ وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُفْسَحُ فِي قَبْرِهِ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: وَأَمَّا الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ فَيَقُولُ لاَ أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ. فَيُقَالُ لاَ دَرَيْتَ وَلاَ تَلَيْتَ. وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ، غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ. قوله: إن العبد إذا وضع في قبره، كذا وقعٍ عنده مختصرًا، وأوله عند أبي داود بهذا السند، "أنّ النبي ﷺ دخل نخلًا لبني النجار، فسمع صوتًا، ففزع، فقال: من أصحاب هذه القبور؟ قالوا: يا رسول الله، ناسٌ ماتوا في الجاهلية، فقال: تعوذوا بالله من عذاب القبر، ومن فتنة الدجال، قالوا: وما ذلك يا رسول الله؟ قال: إن العبد .. " فذكر الحديث. فأفاد بيانُ سبب الحديث. وقوله: وإنه ليسمع قَرْعَ نعالهم، زاد مسلم "إذا انصرفوا" وفي رواية "يأتيه مَلَكَان" زاد ابن حِبّان عن أبي هُريرة "أسودان" إلى آخر ما مرَّ عند حديث أسماء في كتاب العلم. وقوله: فيُقْعِدانه، زاد في حديث البراء "فتعاد روحه في جسده" كما تقدم في أول أحاديث الباب، وذهب بعض الفقهاء إلى أن اسم اللَّذَين يسألان المذنب منكرٌ ونكير، وأن اسم اللذين يسألان المطيع مبشرٌ وبَشير. وقوله: فيقولان ما كنت تقول في هذا الرجل محمد؟ زاد أبو داود في أوله "ما كنت تعبد؟ فإن هداه الله قال: كنت أعبد الله، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ " ولأحمد عن عائشة "ما هذا الرجل الذي كان فيكم؟ " وله عن أبي سعيد "فإن كان مؤمنًا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، فيقال له: صدقت" زاد أبو داود "فلا يسأل عن شيء غيرهما".

стр. 5651

وقوله: فيقال له: انظر إلى مَقْعَدك من النار، وفي رواية أبي داود "هذا بيتك كان في النار" إلى آخر ما مرَّ. وقوله: قال قتادة وذكر لنا أنه يُفْسح له في قبره، زاد مسلم "سبعون ذراعًا" آخر ما مرَّ. وقوله: وأما المنافق والكافر، كذا في هذه الطريق بواو العطف، وقد مرَّ في باب خفق النعال بها "وأما الكافر أو المنافق" بالشك. وفي رواية أبي داود "إن الكافر إذا وضع" وكذا لابن حِبّان عن أبي هريرة، وكذا في حديث البراء الطويل، وعند أحمد من حديث أبي سعيد "وإن كافرًا أو منافقًا" بالشك، وله في حديث أسماء "فإن كان فاجرًا أو كافرًا" وفي الصحيحين من حديثها "وأما المنافق أو المرتاب". وفي حديث جابر عند عبد الرزاق وحديث أبي هريرة عند التّرمذيّ "وأما المنافق" وفي حديث عائشة عند أحمد وأبي هُريرة عند ابن ماجه "وأما الرجل السوء" وللطبرانيّ عن أبي هريرة "وإن كان من أهل الشك" فاختلفت هذه الروايات لفظًا، وهي مجتمعة على أن كلًا من الكافر والمنافق يسأل، ففيه تعقبٌّ على من زعم أن السؤال إنما يقع على من يدعي الإِيمان إنْ مُحقًا وإنْ مُبْطلًا. ومستندهم في ذلك ما رواه عبد الرزاق إلى آخر ما مرَّ. وقوله: فيقول: لا أدري، في رواية أبي داود "وإنّ الكافر إذا وضع في قبره أتاه ملك، فينتهره، فيقول له: ما كنت تعبد؟ " وفي أكثر الأحاديث فيقولان له "ما كنت تقول في هذا الرجل" وفي حديث البراء "فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه" لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري" وهو أتم الأحاديث سياقًا. وقوله: لا دَرَيت ولا تَلَيت، تقدم الكلام عليها مستوفى في كتاب العلم، وقوله "بمطارق من حديد ضربة" وفي باب "خفق النعال" بمطرقة، على الإفراد، إلى آخر ما مرَّ. وقوله: يسمعها من يليه، قد مرَّ ما فيه مستوفى في كتاب العلم في حديثَ أسماء، مرَّ هناك أكثر مباحثه، وهي كثيرة جدًا. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرَّ عياش بن الوليد في الخامس والثلاثين من الغسل، وعبد الأعلي بن حماد في الرابع والثلاثين منه، وسعيد بن أبي عَروبة في الحادي والعشرين منه، وقتادة وأنس في السادس من الإِيمان. وقد مرَّ هذا الحديث كثيرًا. ثم قال المصنف:

стр. 5652

باب التعوذ من عذاب القبر قال الزين بن المنير: أحاديث هذا الباب تدخل في الباب الذي قبله، وإنما أفردها عنها لأن الباب الأول مقصود لثبوته ردًا على من أنكره، وهذا لبيان ما ينبغي اعتماده في مدة الحياة من التوسل إلى الله تعالى بالنجاة منه، والابتهال إليه في الصرف عنه. قلت: ويدل على هذا المعنى مغايرته بين الترجمتين، فقال في الأول "باب ما جاء في عذاب القبر" وفي الثانية "باب التعوذ من عذاب القبر". الحديث الحادي والثلاثين والمئة حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنِي عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵃ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ وَجَبَتِ الشَّمْسُ، فَسَمِعَ صَوْتًا فَقَالَ يَهُودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا. قوله: وجبت الشمس، أي سقطت، والمراد غروبها. وقوله: فسمع صوتًا، قيل: يحتمل أن يكون سمع صوت ملائكة العذاب، أو صوت اليهود المعذَّبين، أو صوت وقع العذاب. وقد وقع عند الطبرانيّ عن عبد الجبار بن العباس عن عون، بهذا السند، مفسرًا، ولفظه "خرجتُ مع النبي ﷺ حين غربت الشمس، ومعي كُوز من ماء، فانطلق لحاجته حتى جاء، فوضأته، فقال: أتسمع ما أسمع؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: أسمع أصواتَ اليهود يعذبون في قبورهم". وقوله: يهود تعذب في قبورها، هو خبر مبتدأ، أي: هذه يهود، أو هو مبتدأ خبره محذوف، أو خبره تعذب في قبورها، قال الجوهريّ: اليهود قبيلة، والأصل اليهوديون، فحذف ياء الإِضافة، مثل زَنْج وزنجي، ثم عرف على هذا الحد، فجمع على قياس شعير وشعيرة، ثم عرف الجمع بالألف واللام، ولولا ذلك لم يجز دخول الألف واللام, لأنه معرفة مؤنث، فجرى مجرى القبيلة، وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث، وهو موافق لقوله فيما تقدم عن عائشة: "إنما تعذب يهودُ". وإذا ثبت أن اليهود نعذب بيهوديتهم، ثبت تعذيب غيرهم من المشركين, لأن كفرهم بالشرك أشد من كفر اليهود. رجاله سبعة: قد مرّوا، مرّ محمد بن المثنى في التاسع من الإِيمان, ويحيى القطان في السادس منه، وشعبة في

стр. 5653

الثالث منه، والبراء في الثالث والثلاثين منه، ومرَّ عون بن أبي جُحَيفة في الثامن والعشرين من كتاب الصلاة، ومرَّ أبوه أبو جحيفة في الحادي والخمسين من العلم، ومرَّ أبو أيوب في العاشر من الوضوء. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإِفراد والعنعنة والقول، وثلاثة من الصحابة يروي بعضهم عن بعض، أخرجه مسلم في صفة أهل النار، والنَّسائيّ في الجنائز. الحديث الثاني والثلاثون والمئة قَالَ النَّضْرُ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَوْنٌ سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . ساق هذه الطريق لتصريح عون فيها بسماعه عن أبيه، وسماع أبيه له من البراء، وقد وصلها الإسماعيليّ عن أحمد بن منصور عن النضر، ولم يسق المتن، وساقه إسحاق بن راهويه في مسنده عن النضر، بلفظ "فقال هذه يهودُ تعذب في قبورها" قال ابن رشيد: لم يجر للتعوّذ من عذاب القبر في هذا الحديث ذكرٌ، فلهذا قال بعض الشارحين: إنه من بقية الباب الذي قبله، وإنما أدخله في هذا الباب بعض من نسخ الكتاب، ولم يميز. قال: ويحتمل أن يكون المصنف أراد أن يخبر بأن حديث أم خالد، ثاني أحاديث هذا الباب، محمولٌ على أنه ﷺ تعوّذ من عذاب القبر حين سمع أصوات يهود، لما عُلِم من حاله أنه كان يتعوَّذ ويأمر بالتعوذ مع عدم سماع العذاب، فكيف مع سماعه؟ قال: وهذا جار على ما عرف من عادة المصنف في الإِغماض. قال الكرمانيّ: العادة قاضية بأن كل مَنْ سمع مثل ذاك الصوت يتعوّذ من مثله، وهذا هو الحديث الأول، ورجاله رِجاله إلا النضر، وهو قد مرَّ في متابعة بعد الثامن عشر من الوضوء، وأتى به البخاريّ هنا على وجه التابعة المعلقة، وقد وصله الإِسماعيليّ. الحديث الثالث والثلاثون والمئة حَدَّثَنَا مُعَلًّى حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ حَدَّثَتْنِي ابْنَةُ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. أورده المصنف في الدعوات من وجه آخر، من موسى بن عقبة، سمعت أم خالد بنت خالد، ولم أسمع أحدًا سمع من النبي ﷺ غيرها، فذكره، وفي الطبرانيّ من وجه آخر عن موسى بلفظ "استجيروا بالله من عذاب القبر، فإن عذاب القبر حق" وإذا استعاذ النبي ﷺ ، وهو معصوم مطهر، مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فينبغي لك، يا من لا عصمة لك، ولا طهارة لك عن الذنوب، أن تستعيذ بالله من عذاب القبر، مع امتثال الأوامر، وإجتناب المعاصي، حتى ينجيك الله من

стр. 5654

النار، ومن عذاب القبر. واستعاذته ﷺ إرشاد لأمته، ليقتدوا به فيما فعله، وفيما أمره، حتى يتخلصوا من شدائد الدنيا والآخرة. رجاله أربعة: مرَّ منهم معلّى، في الرابع والثلاثين من الحيض، ومرَّ وهيب بن خالد في تعليق بعد الخامس عشر من الإِيمان, ومرَّ موسى بن عقبة في الخامس من الوضوء. والرابع: أَمَةً بفتح الهمزة وتخفيف الميم، بنت خالد بن سعد بن العاص بن أمية بن عبد شمس، تكنى أم خالد، مشهورة بكنيتها، أمها أميمة أو هميمة بنت خَلَف الخُزاعية، هاجر أبوها للحبشة معه زوجته، وولدت له بالحبشة وعقلت، وقدموا في السفينتين، روى ابن سعد عنها أنها قالت: سمعت النجاشيّ يقول لأصحاب السفينتين: اقرئوا رسول الله ﷺ مني السلام، قالت: فكنت فيمن أقرأه السلام من النجاشي. وفي الصحيح عنها أن النبي ﷺ قال: ائتوني بأُم خالد، فأُتي بي أحمل، فألبسني خَميصة، ولما كسانيها قال: سَنَه سَنَه أي: حسنة، وقال لها: أَبْلِي وأَخْلِقي حتى ذكر دهرًا طويلًا. قال البخاري: فلم تعش امرأة ما عاشت هذه. تزوجها الزبير بن العوام، فولدت له خالدًا وعمرًا، لها أحاديث، ولها في البخاري حديثان، روى عنها سعيد بن عمر والأشق وموسى وإبراهيم ابنا عقبة المدنيان. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإِفراد والعنعنة والسماع والقول، ورواته بصريان ومدنيّ. أخرجه البخاريّ أيضًا في الدعوات، والنَّسائيّ في النُّعوت. الحديث الرابع والثلاثون والمئة حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ. قوله يدعو: زاد الكشميهنيّ "ويقول"، وقد مرت مباحث هذا الحديث مستوفاة في باب الدعاء، قبل السلام، آخر صفة الصلاة، قبيل كتاب الجمعة. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرَّ مسلم بن إبراهيم، وهشام الدَّستوائيّ، في السابع والثلاثين من الإِيمان, وأبو

стр. 5655

هريرة في الثاني منه، ومرَّ يحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من العلم، وأبو سلمة في الرابع من بدء الوحي. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة، وفيه رواية التابعيّ عن التابعيّ، ورواته بصريان ويمانيّ ومدنى. أخرجه مسلم في الصلاة. ثم قال المصنف:

стр. 5656

باب عذاب القبر من الغيبة والبول قال الزين بن المنير: المراد بتخصيص هذين الأمرين بالذكر تعظيم أمرهما، لا نفي الحكم عما عداهما، فعلى هذا لا يلزم من ذكرهما حصر عذاب القبر فيهما، لكن الظاهر من الاقتصار على ذكرهما، أنهما أمكن في ذلك من غيرهما، وقد روى أصحاب السنن عن أبي هريرة "استنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه". الحديث الخامس والثلاثون والمئة حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ مِنْ كَبِيرٍ ثُمَّ قَالَ بَلَى أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَسْعَى بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لاَ يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ. قَالَ ثُمَّ أَخَذَ عُودًا رَطْبًا فَكَسَرَهُ بِاثْنَتَيْنِ ثُمَّ غَرَزَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَبْرٍ، ثُمَّ قَالَ لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا. ليس في الحديث ذكر للغيبة المترجم لها، وإنما ورد بلفظ النميمة، وقيل: مراد المصنف أن الغيبة تلازم النميمة؛ لأن النميمة مشتملة على ضربين: نقل كلام المغتاب إلى الذي اغتابه، والحديث عن المنقول عنه بما لا يريده، قال ابن رشيد: لكن لا يلزم من الوعيد على النميمة ثبوته على الغيبة وحدها؛ لأن مفسدة النميمة أعظم، وإذا لم تساوِها لم يصح الإلحاق، إذ لا يلزم من التعذيب على الأشد التعذيب على الأخف، لكن يجوز أن يكون ورد ذلك على معنى التوقع. والحذر، فيكون قَصَدَ التحذير من المغتاب لئلا يكون له في ذلك نصيب. وقد وقع في بعض طرق هذا الحديث بلفظ "الغيبة" كما بيناه في الطهارة، فالظاهر أن البخاريّ جرى على عادته في الإشارة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث، وهذا الحديث قد مرَّ الكلام عليه مستوفى في باب "من الكبائر أن لا يستتر من بوله" من كتاب الوضوء. رجاله ستة: قد مرّوا، مرَّ قتيبة بن سعيد في الحادي والعشرين من الإيمان، ومرَّ الأعمش في الخامس والعشرين منه، ومرَّ مجاهد في أثر أوله، ومرَّ جرير بن حازم في السبعين من استقبال القبلة، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي، وصاحبا القبرين لم يسميا، وقد مرَّ هذا الحديث في العلم، ومرَّ الكلام عليه. ثم قال المصنف:

стр. 5657

باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي الحديث السادس والثلاثون والمئة حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قوله: بالغداة والعشيّ، قال ابن التين: يحتمل أن يريد بالغداة والعشي غداةً واحدة وعشية واحدة، يكون العرض فيها. ويحتمل أن يريد كلَّ غداةٍ وكلَّ عشيٍّ، وهو محمول على أنه يُحيا منه جزء ليدرك ذلك، فغير ممتنع أن تعاد الحياة إلى جزء من الميت، أو أجزاء وتصح مخاطبته، والعرض عليه. والأول موافق للأحاديث المتقدمة، قبل بابين في سياق المسألة، وعرض المُقْعَدين على كل أحد. وقال القرطبي: يجوز أن يكون هذا العرض على الروح فقط، ويجوز أن يكون عليه مع جزء من البدن. قال: والمراد بالغداة والعشي وقتهما، وإلا فالموتى لا صباح عندهم ولا مساء، قال: وهذا في حق المؤمن والكافر واضح، فأما المؤمن المخلط فمحتمل في حقه أيضًا؛ لأنه يدخل الجنة في الجملة، ثم هو مخصوص بغير الشهداء؛ لأنهم أحياء وأرواحهم تسرح في الجنة. ويحتمل أن يقال: إن فائدة العرض في حقهم تبشير أرواحهم باستقرارها في الجنة مقترنة بأجسادها، فإنّ فيه قدرًا زائدًا على ما هي فيه الآن. وقوله: فإن كان من أهل الجنة، فمن أهل الجنة، اتحد فيه الشرط والجزاء لفظًا، ولابد فيه من تقدير. قال التّوربشتّي: التقدير إن كان من أهل الجنة فمقعده من مقاعد أهل الجنة، يعرض عليه. وقال الطيبى: الشرط والجزاء إذا اتحدا لفظًا دل على الفخامة، والمراد أنه يرى بعد البعث من كرامة الله ما ينسيه هذا المقعد. ووقع عند مسلم بلفظ "إن كان من أهل الجنة فالجنة" أي: فالمعروض الجنة، وفي هذا الحديث إثبات عذاب القبر، وأن الروح لا تفنى بفناء الجسد؛ لأن العرض لا يقع إلا على حيّ، وقال ابن عبد البر: استدل به على أن الأرواح على أفنية القبور، قال: والمعنى عندي أنها قد تكون

стр. 5658

على أفنية قبورها, لا أنها لا تفارق الأفنية، بل كما قال مالك، إنه بلغه أن الأرواح تسرح حيث شاءت. وقوله: حتى يبعثك الله إلى يوم القيامة، أي: لا تصل إليه إلى يوم البعث. وفي رواية مسلم عن يحيى عن مالك "حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة". وحكى ابن عبد البر فيه الاختلاف بين أصحاب مالك، وأن الأكثر رووه كرواية البخاري، وأن ابن القاسم رواه كرواية مسلم. قال: والمعنى حتى يبعثك الله إلى ذلك المقعد، ويحتمل أن يعود الضمير إلى الله، فإلى الله ترجع الأمور، والأول أظهر، ويؤيده رواية الزُّهريّ عن سالم عن أبيه بلفظ "ثم يقال هذا مقعدك الذي تبعث إليه يوم القيامة". أخرجه مسلم. وقد أخرج النَّسَائيّ رواية ابن القاسم، لكن لفظه كلفظ البخاري. رجاله أربعة قد مرّوا، مرَّ إسماعيل بن أبي أوَيس في الخامس عشر من الإيمان، ومرَّ عبد الله بن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه، ومرَّ مالك في الثاني من بدء الوحي، ومر نافع في الأخير من العلم. والحديث أخرجه مسلم في صفة النار، والنّسائيّ في الجنائز. ثم قال المصنف:

стр. 5659

باب كلام الميت على الجنازة أي: بعد حملها، والمراد بالجنازة هنا للنعش. الحديث السابع والثلاثون والمئة حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا وُضِعَتِ الْجَنَازَةُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي. وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا. يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلاَّ الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهَا الإِنْسَانُ لَصَعِقَ. أورد حديث أبي سعيد في هذه الترجمة، كما أورده سابقًا، في ترجمة قول الميت وهو على الجنازة: قدِّموني، قال ابن رشيد: الحكمة في هذا التكرير أن الترجمة الأولى مناسبة للترجمة التي قبلها، وهي باب السرعة بالجنازة، لاشتمال حديثه على بيان موجب الإسراع، وكذلك هذه الترجمة مناسبة للتي قبلها، كأنه أراد أن يبين أن ابتداء العرض، إنما يكون عند حمل الجنازة؛ لأنها حينئذٍ يظهر لها ما تؤول إليه، فتقول ما تقول. قلت: ظهور ما تؤول إليه يحصل قبل نزع الروح، كما في الحديث الصحيح عن عائشة وغيرها، "فلا تخرج نفس من الدنيا حتى تعلم مصيرها إلى الجنة أو النار" وقال ابن بطال: الكلام لا يكون إلا من الروح، وقد جاءت آثار تدل على معرفة الميت من يحمله، ويدخله في قبره، وروى بسند له عن أبي سعيد عن النبي ﵊ "أن الميت ليعرف من يغسله، ومن يحمله، ومن يدليه في قبره" وعن مجاهد "إذا مات الميت فما من شيء إلا وهو يراه، عند غسله وعند حمله حتى يصل إلى قبره". وقد مرت مباحث هذا الحديث عند ذكره في الترجمة السابقة. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرَّ محل قتيبة في الذي قبله بحديث ومرَّ الليث في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ سعيد المنْبَرِي في السادس والعشرين من صفة الصلاة. ثم قال المصنف:

стр. 5660

باب ما قيل في أولاد المسلمين أي غير البالغين: قال الزين بن المنير: تقدم في أوائل الجنائز ترجمة "من مات له ولد فاحتسب" وفيها الحديث المصدَّر به: وإنما ترجم بهذه لمعرفة مآل الأولاد، ووجه انتزاع ذلك أن من يكون سببًا في حجب النار عن أبويه، أولى بأن يحتجب هو؛ لأنه أصل الرحمة وسببها. ثم قال: وقال أبو هُريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ : "من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحِنث كان له حجابًا من النار أو دخل الجنة". قال في "الفتح": لم أر هذا التعليق موصولاً من حديثه على هذا الوجه، وهو عند أحمد عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة بلفظ "ما من مسلِمَيْن يموت لهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحِنث إلا أدخلهما الله وإياهم، بفضل رحمته، الجنة" ولمسلم أيضًا عن أبي هُريرة مرفوعًا "لا يموت لإحداكن ثلاثة من الولد، فتحتسب، إلا دخلت الجنة: "الحديث، وله عن أبي زرعة عن أبي هُريرة "أن النبي ﷺ قال لامرأة: دفنتِ فلانة؟ قالت: نعم، قال: لقد احتظرت بحظار شديد من النار". وفي صحيح أبي عُوانة عن أنس "مات ابن للزبير فجزع عليه، فقال النبي ﷺ : "من مات له ثلاثة من الولد، لم يبلغوا الحِنث، كانوا له حجابًا من النار" وقوله "كان له" كذا للأكثر أي كان موتهم له حجابًا، وللكشهمينيّ: كانوا، أي الأولاد. وقوله: ثلاثة من الولد، سقط قوله "من الولد" في رواية أبي ذَرٍّ، ومرَّ أبو هريرة في الثاني من الإيمان. الحديث الثامن والثلاثون والمئة حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنَ النَّاسِ مُسْلِمٌ يَمُوتُ لَهُ ثَلاَثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ". هذا الحديث والذي قبله مرَّ استيفاء الكلام عليهما في باب هل يجعل للنساء يومًا على حدة من كتاب العلم، وفي باب فضل من مات له ولد فاحتسب، لم يبق شيء من مباحثهما. رجاله أربعة: قد مرّوا، مرَّ يعقوب بن إبراهيم في السادس عشر من العالم، ومرَّ إسماعيل بن علية وعبد العزيز في الثامن من الإيمان, ومرَّ أنس في السادس منه.

стр. 5661

الحديث التاسع والثلاثون والمئة حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ سَمِعَ الْبَرَاءَ ﵁ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الْجَنَّةِ". قال ابن التين: يقال امرأة مُرْضِع، بلا هاء، مثل حائض، وقد أرضعت فهي مرضعة، إذا بُني من الفعل، أي بأنْ كانت في الحال مرضعة، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ قال: روي "مَرْضعًا بفتح الميم أي: رِضاعًا، وقد سبق إلى حكايته هذا الوجه الخطابيّ، والأول رواية الجمهور، وقد مرّ الكلام على إبراهيم في باب "إنا لمحزونون" وإيراد البخاري له في هذا الباب يشعر باختيار القول الصائر إلى أنهم في الجنة، فكأنه توقف فيه أولًا. رجاله أربعة: وفيه ذكر إبراهيم، مرَّ أبو الوليد في العاشر من الإيمان، وشعبة في الثالث منه، وعدي بن ثابت في الثامن والأربعين منه، والبراء بن عازب في الثالث والثلاثين منه، ومرَّ إبراهيم، ابنه ﵊، في الرابع من الكسوف. ثم قال المصنف:

стр. 5662

باب ما قيل في أولاد المشركين هذه الترحمة تشعر أيضًا بأنه كان متوقفًا في ذلك، وقد جزم، بعد هذا في تفسير سورة الروم، بما يدل على اختيار القول الصائر إلى أنهم في الجنة، وقد رتب أيضًا أحاديث هذا الباب ترتيبًا يسير إلى المذهب المختار، فإنه صدَّره بالحديث الدال على التوقف، ثم ثنى بالحديث المرجح لكونهم في الجنة، ثم ثلث بالحديث المصرح بذلك، فإن قوله في سياقه: "وأما الصبيان حوله فأولاد الناس" قد أخرجه في التعبير بلفظ "وأمَّا الولدان الذين حوله، فكل مولود يولد على الفطرة، فقال بعض المسلمين: وأولاد المشركين؟ فقال: وأولاد المشركين". ويؤيده ما رواه أبو يعلى عن أنس مرفوعًا "سألت ربي اللاهين من ذرية البشر أنْ لا يعذبهم، وأعطانيهم" إسناده حسن، وورد تفسير "اللاهين" بأنهم الأطفال، عن ابن عباس مرفوعًا، أخرجه البزار، وروى أحمد عن خَنساء بنت مُعاوية بن صَريم عن عمتها قالت: قلت: يا رسول الله، من في الجنة؟ قال: "النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة". إسناده حسن. الحديث الأربعون والمئة حَدَّثَنَا حِبَّانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَوْلاَدِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: اللَّهُ إِذْ خَلَقَهُمْ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ. قوله: الله أعلم بما كانوا عاملين، قال ابن قتيبة أي: لو أبقاهم فلا تحكموا عليهم بشيء، وقال غيره: أي علم أنهم لا يعملون شيئًا، ولا يرجعون فيعملون، أو أخبر بعلم شيء لو وجد، كيف يكون؟ مثل قوله تعالى ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا﴾ ولكن لم يرو أنهم يجازون بذلك في الآخرة؛ لأن العبد لا يجازى بما لم يعمل. وقال ابن بطال: يحتمل قوله: "الله أعلم بما كانوا عاملين" وجوهاً من التأويل، أحدها أن يكون قبل إعلامه بأنهم من أهل الجنة، الثاني أي: على أيِّ دين يميتهم إذا عاشوا، فبلغوا العمل، فأما إذا لم يبلغوا العمل فهم في رحمة الله التي ينالها من لا ذنب له. الثالث: أنه مجمل يفسره قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. وفي حديث ابن عباس عن أولاد المشركين، وفي حديث أبي هُريرة الذي بعده "سُئل عن

стр. 5663

ذراري المشركين" قال في الفتح: لم أقف في شيء من الطرق على تسمية السائل، لكن عند أحمد وأبي داود عن عائشة، ما يَحْتَملُ أن تكون هي السائلة، فأخرجا عن عبد الله بن أبي قيس عنها قالت: قلت يا رسول الله، وذراري المسلمين؟ قال: مع آبائهم، قلت: يا رسول الله، بلا عمل؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين. الحديث. وروى عبد الرزاق عن عروة عن عائشة قالت: "سألت خديجةُ النبي ﷺ عن أولاد المشركين، فقال: هم مع آبائهم، ثم سألته بعد ذلك، فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين، ثم سألته بعد أن استحكم الإِسلام، فنزل ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ قال: هم على الفطرة، أو قال: في الجنة" وفيه أبو معاذ سليمان بن أرقم، وهو ضعيف، ولو صح هذا لكان قاطعًا للنزاع، رافعًا لكثير من الإشكال الآتي، وقد اختلف العلماء قديمًا وحديثًا في هذه المسألة على أقوال: أحدها: أنهم في مشيئة الله تعالى, وهو منقول عن الحمادين وابن المبارك وإسحاق، ونقله البيهقي في الاعتقاد عن الشافعيّ في حق أولاد الكفار خاصة. قال ابن عبد البر: وهو مقتضى صنيع مالك، وليس عنده في هذه المسألة شيء منصوص، إلا أن أصحابه صرحوا بأن أطفال المسلمين في الجنة، وأطفال الكفار خاصة في المشيئة، والحجة فيه حديث "الله أعلم بما كانوا عاملين". ثانيها: أنهم تَبَع لآبائهم، فاولاد المسلمين في الجنة، وأولاد الكفار في النار، وحكاه ابن حزم في الأزارقة من الخوارج، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ وتعقبه بأن المراد قوم نوح خاصة، وإنما دعا بذلك لما أوحى الله إليه أنه ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾. وأما حديث "هم من آبائهم أو منهم" فذلك في حكم الحربي، وروى أحمد عن عائشة "سألتُ النبيّ ﷺ عن ولدان المسلمين، قال: في الجنَّة، وعن أولاد المشركين قال: في النار، قلت: يا رسول الله، لم يدركوا الأعمال؟ قال ربك أعلم بما كانوا عاملين، لو شئت أسمعتك تضاغيهم في النَّار"، وهو حديث ضعيف جدًا لأن في إسناده أبا عقيل مولى بهيّة، وهو متروك. ثالثها: أنهم يكونون في برزخ بين الجنة والنار؛ لأنهم لم يعملوا حسنات يدخلون بها الجنة، ولا سيئات يدخلون بها النار. رابعها: خدم أهل الجنة، وفيه حديث عن أنس ضعيف، أخرجه أبو داود والطَّيَالسيّ وأبو يعلى وللطبرانيّ والبزّار عن سمرة "أولاد المشركين خدم أهل الجنَّة" وإسناده ضعيف. خامسها: أنهم يصيرون ترابًا، رُوي عن ثُمامة بن أَشْرس. سادسها: هم في النار، حكاه عياض عن أحمد، وقال بعض الحنابلة: إنه قول لبعض أصحابه، ولا يحفظ عن الإِمام أصلًا. سابعها: أنهم يمتحنون في الآخرة بأن ترفع لهم نار، فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن أبى عُذِّب. أخرجه البزار عن أنس وأبي سعيد، وأخرجه الطبرانيّ عن معاذ بن جبل، وقد

стр. 5664

صحت مسألة الامتحان في حق المجنون، ومن مات في الفترة، من طرق صحيحة. وحكى البيهقيّ في كتاب الاعتقاد أنه المذهب الصحيح، وتعقب بأن الآخرة ليست دار تكليف، فلا عمل فيها ولا ابتلاء، وأجيب بأن ذلك بعد أن يقع الاستقرار في الجنة أو النار، وأما في عرصات القيامة، فلا مانع من ذلك. قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾. وفي الصحيحين أن الناس يؤمرون بالسجود، فيصيرُ ظهر المنافق طبقًا، فلا يستطيع أن يسجد. ثامنها: أنهم في الجنة، وقد تقدم القول في باب فضل "من مات له ولد". قال النوويّ: وهو المذهب الصحيح المختار، الذي صار إليه المحققون، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ وإذا كان لا يعذِّب العاقل لكونه لم تبلغه الدعوة، فَلَأن لا يعذب غير العاقل من باب الأولى، ولحديث سمرة المذكور في هذا الباب، ولحديث عمة خنساء المتقدم، وحديث عائشة. تاسعها: الوقف. عاشرها: الإمساك، وفي الفرق بينهما دقة، ولم يسمع ابن عباس هذا الحديث من النبي ﷺ ، بيَّن ذلك أحمد عن عمار بن أبي عمار عن ابن عبّاس قال: كنت أقول في أولاد المشركين هم منهم، حتى حدثني رجل عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، فلقيته، فحدثني عن النبي ﷺ أنه قال: "ربهم أعلم بهم، هو خلقهم، وهو أعلم بما كانوا عاملين". وكذا أخرجه مسلم عن أبي هريرة، فهو طرف من ثاني أحاديث الباب، كما يأتي في "القَدَر" عن همام عن أبي هريرة، ففي آخره، قالوا: يا رسول الله، أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين" وكذا أخرجه مسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ "فقال رجل يا رسول الله، أرأيت لو مات قبل ذلك؟ ". ولأبي داود عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة نحو رواية همام وأخرج أبو داود عن عقبة عن ابن وهب "سمعت مالكًا، وقيل له: إن أهل الأهواء يحتجون علينا بهذا الحديث" يعني قوله "فأبواه يهوّدانه أو ينصرانه" قال مالك: احتج عليهم بآخره "الله أعلم بما كانوا عاملين". ووجه ذلك أن أهل القدر استدلوا على أن الله فطر العباد على الإِسلام، وأنه لا يُضل أحدًا، وإنما يضل الكافرَ أبوهم، فأشار مالك إلى الرد عليهم بقوله: "اللهَ أعلم" فهو قال على أنه يعلم بما يصيرون إليه بعد إيجادهم على الفِطرة، فهو دليل على ما تقدم العلم الذي ينكره غلاتهم، ومن ثم قال الشافعي: أهل القدر إن أثبتوا العلم خُصِموا. رجاله ستة: قد مرّوا، مرَّ حبَّان بن موسى في السادس والمئة من صفة الصلاة، ومرَّ عبد الله بن المبارك في السادس من بدء الوحي، وسعيد بن جبير وابن عباس في الخامس منه، وشعبة في الثالث من الإيمان، وأبو بشر في الثاني من العلم. فيه التحديث والإخبار بالجمع، ورواته مروزيان وواسطيّ وبصريّ وكوفيّ. أخرجه البخاريّ

стр. 5665

أيضًا في القدر، ومسلم فيه، وأبو داود في السنة، والنسائيّ في الجنائز. الحديث الحادي والأربعون والمئة حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: "اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ". هذا الحديث عين ما قبله، ومباحثه مباحثه. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرَّ أبو اليمان وشعيب في السابع من بدء الوحي، والزهريّ في الثالث منه، ومرَّ عطاء بن يزيد في العاشر من الوضوء، وأبو هريرة في الثاني من الإيمان. أخرجه البخاريّ أيضًا، ومسلم في القَدَر، والنّسائيّ في الجنائز. الحديث الثاني والأربعون والمئة حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ تُنْتَجُ الْبَهِيمَةَ، هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ". هذا الحديث قد مرت مباحثه مستوفاة غاية الاستيفاء في باب "إذا أسلم الصبي فمات". رجاله خمسة: قد مرّوا، مرَّ آدم في الثالث من الإِيمان، وأبو هريرة في الثاني منه، وابن أبي ذيب في السنين من العلم، والزُّهريّ في الثالث من بدء الوحي، وأبو سلمة في الرابع منه. وقد مرَّ هذا الحديث ثم قال المصنف باب. كذا ثبت لجميعهم إلا لأبي ذَرٍّ، وهو كالفصل من الباب الذي قبله، وتعلق الحديث به ظاهر من قوله في حديث سمرة المذكور "والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم، والصبيان حوله أولاد الناس" وقد تقدم التنبيه على أنه أورده في التعبير بزيادة "قالوا: وأولاد المشركين؟ فقال: وأولاد المشركين". الحديث الثالث والأربعون والمئة حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلاَةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ:

стр. 5666

مَنْ رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا. قَالَ فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ قَصَّهَا، فَيَقُولُ: مَا شَاءَ اللَّهُ، فَسَأَلَنَا يَوْمًا، فَقَالَ هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا. قُلْنَا: لاَ. قَالَ: لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَأَخَذَا بِيَدِي، فَأَخْرَجَانِي إِلَى الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ بِيَدِهِ كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ مُوسَى إِنَّهُ يُدْخِلُ ذَلِكَ الْكَلُّوبَ فِي شِدْقِهِ، حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هَذَا، فَيَعُودُ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ. قُلْتُ مَا هَذَا؟ قَالاَ: انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ عَلَى قَفَاهُ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ بِفِهْرٍ أَوْ صَخْرَةٍ، فَيَشْدَخُ بِهِ رَأْسَهُ، فَإِذَا ضَرَبَهُ تَدَهْدَهَ الْحَجَرُ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، فَلاَ يَرْجِعُ إِلَى هَذَا حَتَّى يَلْتَئِمَ رَأْسُهُ، وَعَادَ رَأْسُهُ كَمَا هُوَ، فَعَادَ إِلَيْهِ فَضَرَبَهُ، قُلْتُ مَنْ هَذَا؟ قَالاَ: انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا إِلَى ثَقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ، أَعْلاَهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ، يَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَارًا، فَإِذَا اقْتَرَبَ ارْتَفَعُوا حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجُوا، فَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُوا فِيهَا، وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ. فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالاَ: انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ، فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى وَسَطِ النَّهَرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ، فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ. فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالاَ: انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ، وَفِى أَصْلِهَا شَيْخٌ وَصِبْيَانٌ، وَإِذَا رَجُلٌ قَرِيبٌ مِنَ الشَّجَرَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ نَارٌ يُوقِدُهَا، فَصَعِدَا بِي فِي الشَّجَرَةِ، وَأَدْخَلاَنِي دَارًا لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وَشَبَابٌ، وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ، ثُمَّ أَخْرَجَانِي مِنْهَا فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ فَأَدْخَلاَنِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ، فِيهَا شُيُوخٌ وَشَبَابٌ. قُلْتُ: طَوَّفْتُمَانِي اللَّيْلَةَ، فَأَخْبِرَانِي عَمَّا رَأَيْتُ؟. قَالاَ: نَعَمْ، أَمَّا الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ يُحَدِّثُ بِالْكَذْبَةِ، فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الآفَاقَ، فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَالَّذِي رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأْسُهُ فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ، فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ، وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِالنَّهَارِ، يُفْعَلُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَالَّذِى رَأَيْتَهُ فِي الثَّقْبِ فَهُمُ الزُّنَاةُ. وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُو الرِّبَا. وَالشَّيْخُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ ﵇ وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ فَأَوْلاَدُ النَّاسِ، وَالَّذِي يُوقِدُ النَّارَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ. وَالدَّارُ الأُولَى الَّتِي دَخَلْتَ دَارُ عَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ، وَأَنَا جِبْرِيلُ، وَهَذَا مِيكَائِيلُ، فَارْفَعْ رَأْسَكَ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحَابِ. قَالاَ: ذَاكَ مَنْزِلُكَ. قُلْتُ دَعَانِي أَدْخُلْ مَنْزِلِي. قَالاَ: إِنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمْرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ، فَلَوِ اسْتَكْمَلْتَ أَتَيْتَ مَنْزِلَكَ". قوله: أقبل علينا بوجهه فقال: من رأى منكم الليلة رؤيا، وفي رواية مُؤَمْل في التعبير: كان رسول الله ﷺ يعني مما يكثر أن يقول لأصحابه، وهذه رواية أبي ذَرٍّ عن الكشميهنيّ، وله عن غيره

стр. 5667

بإسقاط "يعني" وكذا وقع عند الباقين، وفي رواية النَّسَفِي، وكذا في رواية محمد بن جعفر "مما يقول لأصحابه" وقد مرَّ في حديث ابن عباس في بدء الوحي ما قيل في معنى "مما يحرك شفتيه" وهذه هنا في معناها. وقال الطيبي: قوله: مما يكثر، خبر كان، وما موصولة، ويكثر صلته، والضمير العائد إلى "ما" هو فاعل يقول المستتر، "وأن يقول" فاعل يكثر، وقوله: هل رأي أحد منكم رؤيا، هو المقول، وفي رواية الباب هنا "فقال: من رأى عنكم الليلة رؤيا" المعني في الرواية الأولى، أي رسول الله ﷺ ، كائنًا من النفر الذين كثر منهم هذا القول، فوضع ما موضع من تفخيماً وتعظيمًا لجانبه. وتحريره كان رسول الله ﷺ يجيد تعبير الرؤيا، وكان له مشارك في ذلك منهم؛ لأن الإكثار من هذا القول لا يصدر إلا ممن تدرب فيه، ووُفق بإصابته، كقولك: كان زيد من علماء النحو، ومنه قول صاحبي السجن ليوسف ﵇: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ وعلما ذلك مما رأياه منه، هذا من حيث البيان، وأما من حيث النحو فيحتمل أن يكون قوله: "هل رأى أحد منكم رؤيا" مبتدأ والخبر مقدم، وهو مما يكثر، وهذا على تأويل: هل رأى بهذا القول؟ أي هذا القول مما يكثر رسول الله ﷺ أن يقوله، ثم أشار إلى ترجيح الوجه السابق، والمتبادر هو الثاني، وهو الذي إتفق أكثر الشارحين عليه. وقوله: فإن رأى أحدًا قصها، فيقول ما شاء الله. وفي رواية التعبير: فيُقَصّ عليه ما شاء الله أن يقص، وفي رواية يزيد: فَيَقُص عليه من شاء، وفي الأولى فيُقَصق بضم الياء وفتح القاف، والثانية بفتح الياء وضم القاف، وما في الرواية الأولى للمقصوص، وما في الثانية للقاص. وقوله: فسأل يومًا، فقال: هل رأى رؤيا: قلنا: لا، قال: لكني رأيت الليلة رجلين أتياني. قال الطيبي: وجه الاستدراك أنه كان يحب أن يعبر لهم الرؤيا، فلما قالوا ما رأينا شيئًا، كأنه قال: أنتم ما رأيتم شيئًا، لكني رأيت. وأخرج أبو عُوانة عن سمرة "أن رسول الله ﷺ دخل المسجد يومًا فقال: رأى أحد منكم رؤيا، فليحدث بها، فلم يحدث أحد بشيء، فقال: إني رأيت رؤيا، فاسمعوا مني" وفي رواية التعبير "وأنه قال لنا ذات غداة". لفظ "ذات" زائد، أو هو من إضافة الشيء إلى اسمه، وفي رواية يزيد بن هارون عنه "إذا صلى صلاة الغداة، وفي رواية وهب بن جرير عن أبيه عند مسلم: إذا صلى الصبح، وبه تظهر مناسبة الترجمة للحديث في التعبير. وذكر ابن أبي حاتم عن زيد بن علي بن الحسين بن علي عن أبيه عن جده عن علي، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ يومًا صلاة الفجر، فجلس .. الحديث بطوله، نحو حديث سمرة، والراوي له عن زيد ضعيف، وأخرج أبو داود والنَّسائيّ عن أبي هريرة أن النبي ﷺ كان إذا انصرف من صلاة الغداة يقول "هل رأى أحد الليلة رؤيا".

стр. 5668

وأخرج الطبراني بسند جيد عن أبي أمامة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ بعد صلاة الصبح، فقال: "إني رأيت الليلة رؤيا هي حق فاعقلوها .. فدكر حديثًا فيه أشياء بعضها ما في حديث سمرة، لكن يظهر من سياقه أنه حديث آخر، فإن في أوله "أتاني رجل فأخذ بيدي فاستتبعني حتى أتى جبلًا وعرًا طويلًا، فقال لي: ارقه، فقلت: لا أستطيع، فقال: إني سأسهله لك، فجعلت كلما وضعت قدمي وضعتها على درجة، حتى استويت على سواء الجبل، ثم انطلقنا، فإذا نحن برجال ونساء مشققة أشداقهم، فقلت: من هؤلاء؟ فقال: الذين يقولون ما لا يعلمون .. " الحديث. وقوله: رأيت الليلة رجلين أتياني، فأخذا بيدي، وفي رواية التعبير "أنه أتاني في الليلة آتيان، وفي رواية ابن أبي شيبة "اثنان أو آتيان" بالشك، وفي رواية علي "رأيتُ ملكين" ويأتي في آخر الحديث أنهما جبريل وميكائيل. وقوله "فإذا رجل جالس ورجل قائم بيده" قال بعض أصحابنا عن موسى "كَلَّوب من حديد .. إلخ"، والكلوب، بفتح الكاف وتشديد اللام المضمومة، وهي الحديدة التي ينشل بها اللحم عن القدر، وكذلك الكُلَّاب، وكذا وقع في رواية الطبراني، والبعض المبهم لم يعرف المراد به، إلا أن الطبراني أخرجه في الكبير عن العباس بن الفضل الإسقاطي عن موسى بن إسماعيل، فذكر الحديث بطوله، وفيه "بيده كلّاب من حديد". وقوله: "وإنا أتينا على رجل مضطجع على قفاه، وفي رواية الباب "حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه" وفي رواية "مستلقٍ على قفاه"، وقوله: بفِهْر أو صخرة، بكسر الفاء وسكون الهاء وفي آخره راء، هو الحجر ملأ الكف، وقيل: هو الحجَر مَطلقًا، وفي رواية "بصخرة" فقط وفي حديث عليّ "فمررت على مَلَك وأمامه آدمي، وبيد الملك صخرة يضرب بها هامة الأدمي". وقوله: إلى الأرض المقدسة، عند أحمد إلى أرض فضاء، أو أرض مستوية، وفي حديث عَليّ "فانطلقا بي إلى السماء"، وقوله: فيشدخ به رأسه، الشدخ كسر الشيء الأجوف، وفي رواية "فيثلغ" بفتح أوله وسكون المثلثة وفتح اللام بعدها عين معجمة، أي يشدخه. وقوله: فإذا ضربه تدهده الحجر، بفتح المهملتين بينهما هاء ساكنة، وفي رواية الكشميهنيّ "فيتدأدأ" بهمزتين بدل الهاءين، وفي رواية "فيتهدأ" بهاء ثم همزة، وكل بمعنى، والمراد أنه دفعه من علو إلى أسفل، وتدهده إذا انحط، والهمزة تبدل من الهاء كثيرًا، وتدأدأ تدحرج، وهو بمعناه. وقوله: فانطلق إليه ليأخذه، وفي رواية، فإذا ذهب إليه ليأخذه. وقوله: حتى يلتئم رأسه، وفي التعبير حتى يصبح رأسه، وعند أحمد "عاد رأسه كما كان" وفي حديث على "فيقع دماغه جانبًا، وتقع الصخرة جانبًا". قال ابن العربي: جعلت العقوبة في رأس هذه النومة عن الصلاة، والنوم موضعه الرأس. وقوله: فانطلقنا إلى ثقب مثل التنور، أعلاه ضيق وأسفله واسع، يتوقد نارًا، كذا بالنصب، وفي رواية أحمد "تتوقد تحته نارٌ" بالرفع، وهي رواية أبي ذر، وعليها اقتصر الحميدي في جمعه، وهو واضح. وقال ابن مالك: "يتوقد تحته نارًا" بالنصب على التمييز، وأسند يتوقد إلى

стр. 5669

ضمير عائد إلى الثقب، كما يقال: مررت بامرأة يتضوع من أردانها طيبًا، أي يتضوع طيبٌ من أردانها، فكأنه قال: يتوقد ناره تحته، فيصح نصب نارًا على التمييز. ويجوز أن يكون فاعل يتوقِد موصولًا تحته، فحذف، وبقيت صلته دالة عليه لوضوح المعنى، والتقدير يتوقد الذي تحته نارًا، وهو على التمييز أيضًا، وذكر لحذف الموصول في مثل هذا عدة شواهد. وقوله: فإذا اقترب ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا، اقترب من القرب، وهي رواية أب ذرٍ والأصيليّ، والضمير في اقترب يرجع إلى الوقود، أو الحر الدال عليه قولُه "يتوقد"، وفي رواية القابسيّ وابن السكن وعَبْدوس "فإذا اقترب" بالفاء والتاء المثناة من فوق، أي: فإذا خمدت، وأصله من الفترة، وهو الانكسار والضعف. وقد فتر الحر وغيره يَفْتُر فتورًا، وفَتَّره الله تفتيرًا، وقال ابن التين بالقاف، قترت، ومعناه ارتفعت، من القَتَرة وهو الغبار. وقال الجوهري: قتر اللحم يَقْتِر بالكسر، إذا ارتفع قُتَاره، والقتار ريح الشُّواء. وقال ابن التين: وأما فترت، بالفاء، فما علمت له وجهًا؛ لأن بعده "فإذا خمدت رجعوا" ومعنى خمدت وفترت واحد، وعند النسفي: فإذا أُوقدت ارتفعوا، وقال الطيبي في شرح المشكاة: فإذا ارتقت، من الارتقاء، وهو الصعود. ثم قال: كذا في الحميدي وجامع الأصول، وهو الصحيح رواية ودراية. وقوله: "حتى كادوا أن يخرجوا"، أي كاد خروجهم، والخبر محذوف، أي كاد خروجهم يتحقق، قال الطيبيّ وفي نسخ المصابيح حتى يكادوا يخرجوا، وحقه إثبات النون، اللهم إن يحتمل، ويقدّر "أن يخرجوا" تشبيهًا لكاد بعسى، ثم حذف أن وترك على حاله، وفي التوضيح: وروي بإثبات النون. وقوله: فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم، وفيه رجل قائم على وسط النهر، قال يزيد ووهب بن جرير عن جرير بن حازم "وعلى شط النهر رجل"، وهذا التعليق ثبت عن هذين في رواية أبي ذرٍ، فأما حديث يزيد، وهو ابن هارون، فوصله أحمد عنه، فساق الحديث بطوله. وفيه "فإذا نهر من دم فيه رجل وعلى شط النهر رجل" وأما حديث وهب بن جرير فوصله أبو عُوانة في صحيحه, فساق الحديث بطوله، وفيه: "حتى ينتهي إلى نهر من دم، ورجل قائم في وسطه، ورجل قائم على شاطىء النهر" الحديث. وأصل الحديث في مسلم عن وهب لكن باختصار. وقوله: "فانطلقنا حتى انتهيا إلى روضة خضراء فيها شجرة عظيمة .. إلخ"، وفي التعبير "فأتينا على روضة معتمة" أي بضم الميم وسكون المهملة وكسر المثناة وتخفيف الميم بعدها هاء تأنيث، ولبعضهم بفتح المثناة وتشديد الميم، يقال: اعتمَّ النبت إذا اكتهل، ونخلة عَتِيمة طويلة. وقال الداودي: اعتمت الروضة: غطاها الخصب، وهذا كله على الرواية بتشديد الميم. قال ابن التين: ولا يظهر للتخفيف وجه، والذي يظهر أنه من العتمة، وهو شدة الظلام، فوضعها بشدة الخضرة، كقوله تعالى: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ وضبط ابن بطال "روضة مُغِنّة" بكسر الغين المعجمة وتشديد النون، ثم نقل عن ابن دريد: واد أغرّة ومُغِنّ، إذا كثر شجره. وقال الخليل: روضة غناء كثيرة العشب.

стр. 5670

وقوله: "وفي أصلها شيخ وصبيّانٍ، وإذا رجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها، فصعدا بي في الشجرة وأدخلاني دارًا الخ ... "، وفي التعبير: "وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولًا في السماء، وإذا الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط" قال الطيبي: أصل هذا الكلام: "وإذا حول الرجل وِلدان ما رأيت ولدانًا قط أكثر منهم"، ونظير قوله: "لم أر روضة قط أعظم منها ولا أحسن" ولما كان هذا التركيب يتضمن معنى النفي جازت زيادة من وقَط التي تختص بالماضي المنفي. وقال ابن مالك: جاز استعمال قط في المثبت في هذه الرواية، وهو جائز، وغفل بعضهم عن ذلك فخصوه بالماضي المنفي، والذي وجهه به الطيبي حسن جدًا، ووجهه الكرمانيّ بأنه يجوز أن يكون اكتفى بالنفي الذي يلزم من التركيب، إذ المعنى "ما رأيتهم أكثر من ذلك" أو النفي مقدر، وسبق نظيره في صلاة الكسوف "فصلى بأطول قيام رأيته قط". وقوله: "وأدخلاني دارًا لم أر قط أحسن منها، فيها رجال شيوخ وشبان ونساء وصبيان، وفي التعبير "فانتهينا إلى مدينة مبنية بلَبن ذهب ولبن فضة، فأتينا بابَ المدينة، فاستفتحنا ففتح لنا، فدخلناها، فتلقانا فيها رجال، شطرٌ من خلقهم كأحسن ما أنت راءٍ، وشطر كاقبح ما أنت راءٍ. اللَّبِن بفتح اللام وكسر الموحدة جمع لَبَنة، وأصلها ما ينبى به، وفي التعبير قال: قالا لهم اذهبوا، فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة. وقوله: "شطر من خَلقهم، بفتح الخاء وسكون اللام بعدها قاف، أي هيئتهم، وقوله: شطر، مبتدأ، وكأحسن الخبر، والكاف زائدة، والجملة صفة رجال، وهذا الإطلاق يحتمل أن يكون المراد أن نصفهم حسن كله، ونصفهم قبيح كله، ويحتمل أن يكون كل واحد منهم نصفه حسن ونصفه قبيح، والثاني هو المراد، ويؤيده قوله في صفتهم: هؤلاء قوم خَلَطوا، أي عمل كل منهم عملًا صالحًا، وخلطه بعمل سيء. وقوله: "فقعوا في ذلك النهر"، بصيغة فعل الأمر بالوقوع، والمراد أنهم ينغمسون فيه ليغسل تلك الصفة بهذا الماء الخاص. وقوله: "نهر معترض" أي: يجري عرضًا، وقوله: "كأنَّ ماءه المَحْض" بفتح الميم وسكون المهملة بعدها صاد معجمة، هو اللَّبَن الخالص عن الماء، حلوًا كان أو حامضاً، وقد بين جهة التشبيه بقوله: من البياض. وفي رواية النَّسَفِي والإسماعيليّ "في البياض" قال الطيبيّ: كأنهم سموا اللَّبَن بالصفة، ثم استعمل في كل صاف، قال: ويحتمل أن بالماء المذكور عفو الله عنهم، أو التوبة منهم، كما في الحديث "اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد". وقوله: "ذهب ذلك السوء عنهم"، أي: صار القبيح كالشطر الحسن، فلذلك قال: وصاروا في أحسن صورة. وقوله: قال قالا لي، هذه جنة عدن، وهذا منزلك، قال: فسما بصري صًعُدًا فإذا قصر مثل الرَّبابة البيضاء، قال: قالا لي: هذاك منزلك، قال: قلت لهما: بارك الله فيكما، ذراني فأدخله، قالا: أما الآن فلا، وأنت داخله. وقوله: فسما، بفتح السين المهملة وتخفيف

стр. 5671

الميم، أي نظر إلى فوق، وقوله: "صُعُدا" بضم المهملتين أي ارتفع كثيرًا، وضبطه ابن التين بفتح العين، وأستبعد ضمها. وقوله: "مثل الرَّبابة"، بفتح الراء وتخفيف الموحدتين، وهي السحابة البيضاء، ويقال لكل سحابة منفردة دون السحاب، ولو لم تكن بيضاء. وقال الخطابيّ: الربابة السحابة التي رَكِب بعضها بعضًا، وفي رواية الباب فرفعت رأسي فإذا فوقي مثل السحاب، وفيها فقلت: دعاني أدخل منزلي، قالا: إنه قد بقي لك عمر لم تستكمله، ولو استكملت به أتيت منزلك. وفي رواية الباب "ثم أخرجاني منها، فصعدا بي الشجرة، فأدخلاني دارًا هي أحسن وأفضل" وقد مرَّ في رواية الباب "وإذا رجل بين يديه نار يوقدها" وفي التعبير: فأتينا على رجل كريه المَرْآةِ كأكره ما أنت راءٍ رجلًا مَرْآة، فإذا عنده نارٌ يحشها ويسعى حولها. وقوله: "وأما الرجل الذي رأيته يشق شدقه، فكذاب يحدث بالكذبة، فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق، فيصنع به ما رأيت إلى يوم القيامة. قال ابن مالك: لابد من جعل الموصوف الذي هنا للمعين كالعام حتى جاز دخول الفاء في خبره، أي المراد هو وأمثاله، ولفظ ابن مالك في هذا شاهد على أن الحكم قد يستحق بجزء العلة، وذلك أن المبتدأ لا يجوز دخول الفاء على خبره إلا إذا كان شبيهًا بمن الشرطية في العموم، واستقبال ما يتم به المعنى، نحو الذي يأتيني فمكرم، ولو كان المقصود بالذي معينًا زالت مشابهته بمن، وامتنع دخول الفاء على الخبر، كما يمتنع دخولها على أخبار المبتدآت المقصود بها التعيين، نحو زيد فمكرم لم يخبر، وكذا لا يجوز الذي يأتيني فمكرم إذا قصدت به معينًا، لكن الذي يبنى عند قصد التعيين شبيه في اللفظ بالذي يأتيني عند قصد العموم، فجاز دخول الفاء حملًا للشبيه على الشبيه، ونظيره قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فإن مدلول ما معين، ومدلول أصابكم ماضٍ إلا أنه روعي فيه التشبيه اللفظي، لشبه هذه الآية بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ فأجرى ما في مصاحبة الفاء مجرى واحدًا. قال الطيبي: هذا كلام متين، لكن جواب الملكين تفصيلٌ لتلك الرؤيا المتعددة المبهمة، لابد من ذكر كلمة التفصيل، أو تقديرها، فالفاء جواب إما. قلت: رواية الباب مصرح فيها بإما، فلا احتياج إلى ما ذكره ابن مالك، وقوله: فتحمل عنه، بالتخفيف للأكثر، ولبعضهم بالتشديد، وإنما استحق التعذيب لما ينشأ عن تلك الكذبة من المفاسد، وهو فيها مختار، غير مكره، ولا مُلْجأ. قال ابن هبيرة: لما كان الكاذب يساعد أنفُه وعينُه لسانَه على الكذب بترويج باطله، وقعت المشاركة بينهم في العقوبة، لما في رواية التعبير "بشر شر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه".

стр. 5672

وقوله: "والذي رأيته يشدخ رأسه، فرجل علَّمه الله القرآن، فنام عنه بالليل، ولم يعمل فيه بالنهار، يفعل به إلى يوم القيامة". وفي رواية التعبير: "أما الرجل الأول، الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ بالقرآن فيرفِضه، وينام عن الصلاة المكتوبة"، وقوله: "فيرفِضه"، بكسر الفاء، ويقال بضمها، قال ابن هبيرة: رفض القرآن بعد حفظه جناية عظيمة؛ لأنه يوهم أنه رأى فيه ما يوجب رفضه، فلما رفض أشرف الأشياء، وهو القرآن، عوقب في أشرف أعضائه. وهو الرأس. وقوله: "عن الصلاة المكتوبة" هذا أوضح من رواية الباب المارة؛ لأن ظاهرها أنه يعذب على ترك قراءة القرآن بالليل، بخلاف رواية التعبير هذه، فإنه على تركه الصلاة المكتوبة، ويحتمل أن يكون التعذيب على مجموع الأمرين، ترك القراءة وترك العمل. وقوله: والذي رأيته في الثقب فهم الزناة، مناسبة العري لهم لاستحقاقهم أن يفضحوا؛ لأن عادتهم أن يستتروا في الخلوة، فعوقبوا بالهتك، والحكمة في إتيان العذاب من تحتهم كون جنايتهم من أعضائهم السفلى. وقوله: "والذي رأيته في النهر آكلو الربا"، قال ابن هبيرة: "إنما عوقب آكل الربا بالسباحة في النهر الأحمر، والقامه الحجارة، إن أصل الربا يجري في الذهب، والذهب أحمر، وأما المقام الملك له الحجر، فإنه إشارة إلى أنه لا ينفي عنه شيئًا، وكذلك الربا، فإن صاحبه يتخيل أن ماله قد زاد، والله من ورائه مَحَقَه". وقوله: "والشيخ في أصل الشجرة، إبراهيم ﵇، والصبيان حوله فأولاد الناس". وقوله: "فأولاد الناس"، إنما جاز دخول الفاء على الخبر لأن الجملة معطوفة على مدخول أما في قوله: "أما الرجل"، وقد تحذف الفاء في بعض المحذوفات نظرًا إلى أن "ما" لما حذفت، حذف مقتضاها، وكلاهما جائز، وإنما اختص إبراهيم لأنه أبو المسلمين. قال تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ الآية. وفي التعبير: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال: وأولاد المشركين. وظاهره أنه ألحقهم بأولاد المسلمين، ولا يعارض ذلك قوله: "هم من آبائهم" لأن ذلك حكم الدنيا. وقوله: والذي يوقد النار مالكٌ خازنُ النار، وقد مرَّ في رواية التعبير"فأتينا على رجل كريه المرآة .. إلخ"، وإنما كان كريه الرؤية لأن في ذلك زيادة في عذاب النار، وفي التعبير زيادة "وأما القوم الذين كانوا شطرًا منهم حسن، وشطرًا منهم قبيح" كذا في الموضعين، بنصب شطرًا، ولغير أبي ذرٍّ "شطر" في الموضين بالرفع، وحسنًا وقبيحًا بالنصب، ولكلٍ وجهٌ، وللنَّسفَيّ والإسماعيلي في الجميع بالرفع، وعليه اقتصر الحميديّ في جمعه، وكان في هذه الرواية تامة، والجملة حالية. وفي رواية الباب "والدار الأولى التي دخلت دار عامة المسلمين، وهذه الدار دار الشهداء، وأنا جبريل وهذا ميكائيل" وفي حديث أبي أمامة: "ثم انطلقنا، فإذا نحن برجال ونساء أقبح شيء

стр. 5673

منظرًا، وأنتنه ريحًا، كأنما ريحهم المراحيض، قلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء الزواني والزناة، ثم انطلقنا، فإذا نحن بموتى أشد شيء انتفاخًا، وأنتنه ريحًا، قلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء موتى الكفار. ثم انطلقنا، فإذا نحن برجالٍ نيامٍ تحت ظلال الشجر، قلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء موتى المسلمين. ثم انطلقنا، فإذا نحن برجال أحسن شيء وجهًا، وأطيبه ريحًا، قلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء الصديقون والشهداء والصالحون .. الحديث". وفي هذا الحديث من الفوائد أن الإسراء وقع مرارًا، يقظةً ومنامًا على أنحاء شتى، وفيه أن بعض العصاة يعذبون في البَرزخ، وفيه نوع من تلخيص العلم، وهو أن يجمع القضايا جملة ثم يفسرها على الولاء، ليجتمع تصورها في الذهن. والتحذير من النوم عن الصلاة المكتوبة، وعن رفض القرآن لمن يحفظه، وعن الزنى وأكل الربى، وتعمد الكذب، وأن الذي له قصر في الجنة لا نعيم فيه وهو في الدنيا، بل إذا مات، حتى النبي والشهيد. وفيه الحث على طلب العلم، واتباع من يلتمس منه ذلك، وفيه فضل الشهداء، وأن منازلهم في الجنة أرفع المنازل، ولا يلزم من ذلك أن يكونوا أرفع درجة من إبراهيم ﵊، لاحتمال أنّ إقامته هناك بسبب كفالته الولدان، ومنزله هو في المنزلة التي هي أعلى من منازل الشهداء، كما تقدم في الإسراء "أنه رأى آدم في السماء الدنيا، وإنما كان كذلك لكونه يرى نسم بنيه من أهل الخير ومن أهل الشر، فيضحك ويبكي، مع أن منزلته هو في عِفَيين، فإذا كان يوم القيامة، استقر كل منهم في منزلته. وفيه أن من استوت حسناته وسيئاته يتجاوز الله عنهم، اللهم تجاوزْ عنا برحمتك يا أرحم الراحمين. وفيه أن الاهتمام بأمر الرؤيا بالسؤال عنها، وفضل تعبيرها واستحباب ذلك بعد صلاة الصبح؛ لأنه الوقت الذي يكون فيه البال مجتمعًا، وفيه استقبال الإمام أصحابه بعد الصلاة إذا لم يكن بعدها راتبة، وأراد أن يعظهم أو يفتيهم أو يحكم بينهم. وفيه أن ترك استقبال القبلة للإقبال عليهم لا يكره، بل يشرع، كالخطيب، قال الكرماني: مناسبة العقوبات المذكورة فيه للجنايات واضحة، وقد مرت المناسبة في الزناة، والحكمة في الاقتصار على مَنْ ذكر من العصاة دون غيرهم، أن العقوية تتعلق بالقول أو الفعل، فالأول على وجود ما لا ينبغي منه أن يقال، والثاني إما بدنيّ، وإما ماليّ، فذكر لكل منهم مثالًا ينبه به على مَنْ عداه، كما نبه بمن ذكر من أهل الثواب، وأنهم أربع درجات: درجات النبي، ودرجات الأمة أعلاها الشهداء، وثانيها مَنْ بلغ، وثالثها مَن كان دون البلوغ. رجاله أربعة: قد مرّوا، وقد مرَّ أن بعض الروايات "وقال يزيد ووهب بن جرير الخ" مرّ موسى بن إسماعيل في الخامس من بدء الوحي، وجرير بن حازم في السبعين من استقبال القبلة، ومرَّ أبو رجاء في

стр. 5674

الحادي عشر من التيمم، ومرّ سمرة في الخامس والثلاثين من الحيض. وفي الحديث "قال بعض أصحابنا" وذلك البعض لم يسم، ويزيد المراد به يزيد هارون، وقد مرَّ في السادس والتسعين من الوضوء، ومرّ وهب في الخامس والأربعين من الوضوء. ثم قال المصنف:

стр. 5675

باب موت يوم الاثنين قال الزين بن المنير: تعين وقت الموت ليس لأحد فيه اختيار، لكن في التسبب في حصوله مدخل، كالرغبة إلى الله تعالى لقصد التبرك، فمن لم تحصل له الإجابة أثيب على اعتقاده، وكأنّ الخبر الذي ورد في فضل الموت يوم الجمعة لم يصح عند البخاري، فاقتصر على ما وافق شرطه، وأشار إلى ترجيحه على غيره، والحديث الذي أشار إليه أخرجه التِّرمذيّ عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا "ما من مسلم يموت الجمعة، أو ليلة الجمعة، إلا وقاه الله فتنة القبر" وفي إسناده ضعف، وأخرجه أبو يعلى عن أنس نحوه، وإسناده أضعف. الحديث الرابع والأربعون والمئة حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ فَقَالَ: فِي كَمْ كَفَّنْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ ؟ قَالَتْ: فِي ثَلاَثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلاَ عِمَامَةٌ. وَقَالَ لَهَا: فِي أَيِّ يَوْمٍ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: يَوْمَ الاِثْنَيْنِ. قَالَ: فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالَتْ: يَوْمُ الاِثْنَيْنِ. قَالَ: أَرْجُو فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّيْلِ. فَنَظَرَ إِلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ، بِهِ رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ فَقَالَ: اغْسِلُوا ثَوْبِي هَذَا، وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ فَكَفِّنُونِي فِيهَا. قُلْتُ: إِنَّ هَذَا خَلَقٌ. قَالَ: إِنَّ الْحَيَّ أَحَقُّ بِالْجَدِيدِ مِنَ الْمَيِّتِ، إِنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ. فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثُّلاَثَاءِ وَدُفِنَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ. قوله: "دخلتُ على أبي بكر"، تعني أباها، زاد أبو نعيم في المستخرج "فرأيت به الموت، فقلت هِيج هِيج: من لا يزال دمعه مقنعًا ... فإنه في حفرة مدفوف فقال: لا تقولي هذا، وقولي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾ الآية. ثم قال: في أي يوم .. ؟ الحديث، وهذه الزيادة أخرجها ابن سعد مفردة عن أبي أسامة عن هشام، وقولها: هِيج بالجيم والكسر، حكاية بكائها، وقوله: "في كم كفنتم النبي ﷺ " أي: كم ثوبًا كفنتم النبيَّ ﷺ فيه؟.
следующие страницы →