← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 5671–5710 · переход к 5676.

стр. 5671

الميم، أي نظر إلى فوق، وقوله: "صُعُدا" بضم المهملتين أي ارتفع كثيرًا، وضبطه ابن التين بفتح العين، وأستبعد ضمها. وقوله: "مثل الرَّبابة"، بفتح الراء وتخفيف الموحدتين، وهي السحابة البيضاء، ويقال لكل سحابة منفردة دون السحاب، ولو لم تكن بيضاء. وقال الخطابيّ: الربابة السحابة التي رَكِب بعضها بعضًا، وفي رواية الباب فرفعت رأسي فإذا فوقي مثل السحاب، وفيها فقلت: دعاني أدخل منزلي، قالا: إنه قد بقي لك عمر لم تستكمله، ولو استكملت به أتيت منزلك. وفي رواية الباب "ثم أخرجاني منها، فصعدا بي الشجرة، فأدخلاني دارًا هي أحسن وأفضل" وقد مرَّ في رواية الباب "وإذا رجل بين يديه نار يوقدها" وفي التعبير: فأتينا على رجل كريه المَرْآةِ كأكره ما أنت راءٍ رجلًا مَرْآة، فإذا عنده نارٌ يحشها ويسعى حولها. وقوله: "وأما الرجل الذي رأيته يشق شدقه، فكذاب يحدث بالكذبة، فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق، فيصنع به ما رأيت إلى يوم القيامة. قال ابن مالك: لابد من جعل الموصوف الذي هنا للمعين كالعام حتى جاز دخول الفاء في خبره، أي المراد هو وأمثاله، ولفظ ابن مالك في هذا شاهد على أن الحكم قد يستحق بجزء العلة، وذلك أن المبتدأ لا يجوز دخول الفاء على خبره إلا إذا كان شبيهًا بمن الشرطية في العموم، واستقبال ما يتم به المعنى، نحو الذي يأتيني فمكرم، ولو كان المقصود بالذي معينًا زالت مشابهته بمن، وامتنع دخول الفاء على الخبر، كما يمتنع دخولها على أخبار المبتدآت المقصود بها التعيين، نحو زيد فمكرم لم يخبر، وكذا لا يجوز الذي يأتيني فمكرم إذا قصدت به معينًا، لكن الذي يبنى عند قصد التعيين شبيه في اللفظ بالذي يأتيني عند قصد العموم، فجاز دخول الفاء حملًا للشبيه على الشبيه، ونظيره قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فإن مدلول ما معين، ومدلول أصابكم ماضٍ إلا أنه روعي فيه التشبيه اللفظي، لشبه هذه الآية بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ فأجرى ما في مصاحبة الفاء مجرى واحدًا. قال الطيبي: هذا كلام متين، لكن جواب الملكين تفصيلٌ لتلك الرؤيا المتعددة المبهمة، لابد من ذكر كلمة التفصيل، أو تقديرها، فالفاء جواب إما. قلت: رواية الباب مصرح فيها بإما، فلا احتياج إلى ما ذكره ابن مالك، وقوله: فتحمل عنه، بالتخفيف للأكثر، ولبعضهم بالتشديد، وإنما استحق التعذيب لما ينشأ عن تلك الكذبة من المفاسد، وهو فيها مختار، غير مكره، ولا مُلْجأ. قال ابن هبيرة: لما كان الكاذب يساعد أنفُه وعينُه لسانَه على الكذب بترويج باطله، وقعت المشاركة بينهم في العقوبة، لما في رواية التعبير "بشر شر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه".

стр. 5672

وقوله: "والذي رأيته يشدخ رأسه، فرجل علَّمه الله القرآن، فنام عنه بالليل، ولم يعمل فيه بالنهار، يفعل به إلى يوم القيامة". وفي رواية التعبير: "أما الرجل الأول، الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ بالقرآن فيرفِضه، وينام عن الصلاة المكتوبة"، وقوله: "فيرفِضه"، بكسر الفاء، ويقال بضمها، قال ابن هبيرة: رفض القرآن بعد حفظه جناية عظيمة؛ لأنه يوهم أنه رأى فيه ما يوجب رفضه، فلما رفض أشرف الأشياء، وهو القرآن، عوقب في أشرف أعضائه. وهو الرأس. وقوله: "عن الصلاة المكتوبة" هذا أوضح من رواية الباب المارة؛ لأن ظاهرها أنه يعذب على ترك قراءة القرآن بالليل، بخلاف رواية التعبير هذه، فإنه على تركه الصلاة المكتوبة، ويحتمل أن يكون التعذيب على مجموع الأمرين، ترك القراءة وترك العمل. وقوله: والذي رأيته في الثقب فهم الزناة، مناسبة العري لهم لاستحقاقهم أن يفضحوا؛ لأن عادتهم أن يستتروا في الخلوة، فعوقبوا بالهتك، والحكمة في إتيان العذاب من تحتهم كون جنايتهم من أعضائهم السفلى. وقوله: "والذي رأيته في النهر آكلو الربا"، قال ابن هبيرة: "إنما عوقب آكل الربا بالسباحة في النهر الأحمر، والقامه الحجارة، إن أصل الربا يجري في الذهب، والذهب أحمر، وأما المقام الملك له الحجر، فإنه إشارة إلى أنه لا ينفي عنه شيئًا، وكذلك الربا، فإن صاحبه يتخيل أن ماله قد زاد، والله من ورائه مَحَقَه". وقوله: "والشيخ في أصل الشجرة، إبراهيم ﵇، والصبيان حوله فأولاد الناس". وقوله: "فأولاد الناس"، إنما جاز دخول الفاء على الخبر لأن الجملة معطوفة على مدخول أما في قوله: "أما الرجل"، وقد تحذف الفاء في بعض المحذوفات نظرًا إلى أن "ما" لما حذفت، حذف مقتضاها، وكلاهما جائز، وإنما اختص إبراهيم لأنه أبو المسلمين. قال تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ الآية. وفي التعبير: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال: وأولاد المشركين. وظاهره أنه ألحقهم بأولاد المسلمين، ولا يعارض ذلك قوله: "هم من آبائهم" لأن ذلك حكم الدنيا. وقوله: والذي يوقد النار مالكٌ خازنُ النار، وقد مرَّ في رواية التعبير"فأتينا على رجل كريه المرآة .. إلخ"، وإنما كان كريه الرؤية لأن في ذلك زيادة في عذاب النار، وفي التعبير زيادة "وأما القوم الذين كانوا شطرًا منهم حسن، وشطرًا منهم قبيح" كذا في الموضعين، بنصب شطرًا، ولغير أبي ذرٍّ "شطر" في الموضين بالرفع، وحسنًا وقبيحًا بالنصب، ولكلٍ وجهٌ، وللنَّسفَيّ والإسماعيلي في الجميع بالرفع، وعليه اقتصر الحميديّ في جمعه، وكان في هذه الرواية تامة، والجملة حالية. وفي رواية الباب "والدار الأولى التي دخلت دار عامة المسلمين، وهذه الدار دار الشهداء، وأنا جبريل وهذا ميكائيل" وفي حديث أبي أمامة: "ثم انطلقنا، فإذا نحن برجال ونساء أقبح شيء

стр. 5673

منظرًا، وأنتنه ريحًا، كأنما ريحهم المراحيض، قلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء الزواني والزناة، ثم انطلقنا، فإذا نحن بموتى أشد شيء انتفاخًا، وأنتنه ريحًا، قلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء موتى الكفار. ثم انطلقنا، فإذا نحن برجالٍ نيامٍ تحت ظلال الشجر، قلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء موتى المسلمين. ثم انطلقنا، فإذا نحن برجال أحسن شيء وجهًا، وأطيبه ريحًا، قلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء الصديقون والشهداء والصالحون .. الحديث". وفي هذا الحديث من الفوائد أن الإسراء وقع مرارًا، يقظةً ومنامًا على أنحاء شتى، وفيه أن بعض العصاة يعذبون في البَرزخ، وفيه نوع من تلخيص العلم، وهو أن يجمع القضايا جملة ثم يفسرها على الولاء، ليجتمع تصورها في الذهن. والتحذير من النوم عن الصلاة المكتوبة، وعن رفض القرآن لمن يحفظه، وعن الزنى وأكل الربى، وتعمد الكذب، وأن الذي له قصر في الجنة لا نعيم فيه وهو في الدنيا، بل إذا مات، حتى النبي والشهيد. وفيه الحث على طلب العلم، واتباع من يلتمس منه ذلك، وفيه فضل الشهداء، وأن منازلهم في الجنة أرفع المنازل، ولا يلزم من ذلك أن يكونوا أرفع درجة من إبراهيم ﵊، لاحتمال أنّ إقامته هناك بسبب كفالته الولدان، ومنزله هو في المنزلة التي هي أعلى من منازل الشهداء، كما تقدم في الإسراء "أنه رأى آدم في السماء الدنيا، وإنما كان كذلك لكونه يرى نسم بنيه من أهل الخير ومن أهل الشر، فيضحك ويبكي، مع أن منزلته هو في عِفَيين، فإذا كان يوم القيامة، استقر كل منهم في منزلته. وفيه أن من استوت حسناته وسيئاته يتجاوز الله عنهم، اللهم تجاوزْ عنا برحمتك يا أرحم الراحمين. وفيه أن الاهتمام بأمر الرؤيا بالسؤال عنها، وفضل تعبيرها واستحباب ذلك بعد صلاة الصبح؛ لأنه الوقت الذي يكون فيه البال مجتمعًا، وفيه استقبال الإمام أصحابه بعد الصلاة إذا لم يكن بعدها راتبة، وأراد أن يعظهم أو يفتيهم أو يحكم بينهم. وفيه أن ترك استقبال القبلة للإقبال عليهم لا يكره، بل يشرع، كالخطيب، قال الكرماني: مناسبة العقوبات المذكورة فيه للجنايات واضحة، وقد مرت المناسبة في الزناة، والحكمة في الاقتصار على مَنْ ذكر من العصاة دون غيرهم، أن العقوية تتعلق بالقول أو الفعل، فالأول على وجود ما لا ينبغي منه أن يقال، والثاني إما بدنيّ، وإما ماليّ، فذكر لكل منهم مثالًا ينبه به على مَنْ عداه، كما نبه بمن ذكر من أهل الثواب، وأنهم أربع درجات: درجات النبي، ودرجات الأمة أعلاها الشهداء، وثانيها مَنْ بلغ، وثالثها مَن كان دون البلوغ. رجاله أربعة: قد مرّوا، وقد مرَّ أن بعض الروايات "وقال يزيد ووهب بن جرير الخ" مرّ موسى بن إسماعيل في الخامس من بدء الوحي، وجرير بن حازم في السبعين من استقبال القبلة، ومرَّ أبو رجاء في

стр. 5674

الحادي عشر من التيمم، ومرّ سمرة في الخامس والثلاثين من الحيض. وفي الحديث "قال بعض أصحابنا" وذلك البعض لم يسم، ويزيد المراد به يزيد هارون، وقد مرَّ في السادس والتسعين من الوضوء، ومرّ وهب في الخامس والأربعين من الوضوء. ثم قال المصنف:

стр. 5675

باب موت يوم الاثنين قال الزين بن المنير: تعين وقت الموت ليس لأحد فيه اختيار، لكن في التسبب في حصوله مدخل، كالرغبة إلى الله تعالى لقصد التبرك، فمن لم تحصل له الإجابة أثيب على اعتقاده، وكأنّ الخبر الذي ورد في فضل الموت يوم الجمعة لم يصح عند البخاري، فاقتصر على ما وافق شرطه، وأشار إلى ترجيحه على غيره، والحديث الذي أشار إليه أخرجه التِّرمذيّ عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا "ما من مسلم يموت الجمعة، أو ليلة الجمعة، إلا وقاه الله فتنة القبر" وفي إسناده ضعف، وأخرجه أبو يعلى عن أنس نحوه، وإسناده أضعف. الحديث الرابع والأربعون والمئة حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ فَقَالَ: فِي كَمْ كَفَّنْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ ؟ قَالَتْ: فِي ثَلاَثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلاَ عِمَامَةٌ. وَقَالَ لَهَا: فِي أَيِّ يَوْمٍ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: يَوْمَ الاِثْنَيْنِ. قَالَ: فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالَتْ: يَوْمُ الاِثْنَيْنِ. قَالَ: أَرْجُو فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّيْلِ. فَنَظَرَ إِلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ، بِهِ رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ فَقَالَ: اغْسِلُوا ثَوْبِي هَذَا، وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ فَكَفِّنُونِي فِيهَا. قُلْتُ: إِنَّ هَذَا خَلَقٌ. قَالَ: إِنَّ الْحَيَّ أَحَقُّ بِالْجَدِيدِ مِنَ الْمَيِّتِ، إِنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ. فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثُّلاَثَاءِ وَدُفِنَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ. قوله: "دخلتُ على أبي بكر"، تعني أباها، زاد أبو نعيم في المستخرج "فرأيت به الموت، فقلت هِيج هِيج: من لا يزال دمعه مقنعًا ... فإنه في حفرة مدفوف فقال: لا تقولي هذا، وقولي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾ الآية. ثم قال: في أي يوم .. ؟ الحديث، وهذه الزيادة أخرجها ابن سعد مفردة عن أبي أسامة عن هشام، وقولها: هِيج بالجيم والكسر، حكاية بكائها، وقوله: "في كم كفنتم النبي ﷺ " أي: كم ثوبًا كفنتم النبيَّ ﷺ فيه؟.

стр. 5676

وقوله: "في كم"، معمول مقدم لكفنتم، قيل ذكر لها أبو بكر ذلك بصيغة الاستفهام، توطئة لها للصبر على فقده، واستنطاقًا لها بما يعلم أنه يعظم عليها ذكرُه لما في بداءته لها بذلك من إدخال الغم العظيم عليها؛ لأنه يبعد أن يكون أبو بكر نسي ما سأل عنه، لقرب العهد، ويحتمل أن يكون السؤال عن قدر الكفن على حقيقته؛ لأنه لم يحضر ذلك لاشتغاله بأمر البيعة، وأما تعيين اليوم فنسيانه أيضًا محتمل؛ لأنه ﵊ دفن ليلة الأربعاء، فيمكن أن يحصل التردد هل مات يوم الإثنين أو الثلاثاء. وقوله: "قلت يوم الاثنين" بالنصب أي في يوم الاثنين وقولها بعد ذلك قلت: يوم الاثنين بالرفع أي هذا يوم الاثنين، وقوله: "أرجو فيما بيني وبين الليل"، وللمستملي "الليلة" ولابن سعد عن عائشة "أول بدء مرض أبي بكر أنه اغتسل يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة، وكان يومًا باردًا فَحُمَّ خمسة عشر يومًا، ومات مساء ليلة الثلاثاء، لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة. وأشار الزين بن المنير إلى أن الحكمة في تأخر وفاته عن يوم الاثنين، مع أنه كان يحب ذلك، ويرغب فيه، لكونه قام بالأمر بعد النبي ﷺ ، فناسب أن تكون وفاته متأخرة عن الوقت الذي قبض فيه رسول الله ﷺ . وقوله: "به رَدْع"، بسكون المهملة بعدها عين مهملة، أي: لطخ لم يعمه كله. وقوله: "وزيدوا عليه ثوبين"، زاد ابن سعد عن هشام "جديدين فكفنوني فيهما" أي: المزيد والمزيد عليه. وفي رواية غير أبي ذَرٍّ "فيها" أي: الثلاثة. وقوله: خَلَق، بفتح المعجمة واللام، أي: غير جديد، وعند ابن سعد عن أبي معاوية "ألا تجعلها جددًا كلها؟ قال: لا". وظاهره أن أبا بكر كان يرى عدم المغالاة في الأكفان، ويؤيده قوله بعد ذلك "إنما هو للمهلة" وروى أبو داود عن علي مرفوعًا "لا تغالوا في الكفن، فإنه يسلب سريعًا" ولا يعارضه حديث جابر في الأمر بتحسين الكفن، أخرجه مسلم، فإنه يجمع بينهما يحمل التحسين على الصفة، وحمل المغالاة على الثمن، وقيل: التحسين حق الميت، فإذا أوصى بتركه أَتبع، كما فعل الصديق، ويحتمل أن يكون اختار ذلك الثوب بعينه، لمعنى فيه، من التبرك به، لكونه صار إليه من النبي ﷺ ، أو لكونه كان جاهد فيه، أو تعبد فيه. ويؤيده ما رواه ابن سعد عن القاسم بن محمد بن أبي بكر قال: كفنوني في ثوبيَّ اللَّذين كنت أصلي فيهما. وقوله: إنما هو، أي: الكفن. وقوله: للمهلة، قال عياض: رُوِي بضم الميم وفتحها وكسرها، وجزم الخليل بالكسر، وقال ابن حبيب هو بالكسر الصديدُ: وبالفتح التمهل، وبالضم عَكِر الزيت. والمراد هنا الصديد، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: إنما هو، أي الجديد، وأن يكون المراد بالمهلة على هذا التمهل، أي أن الجديد لمن يريد البقاء، والأول أظهر، ويؤيده قول القاسم بن محمد بن أبي بكر: كفن أبو بكر في رَيَطة بيضاء، وريَطة مُمَصَّرة. وقال: إنما هو لما

стр. 5677

يخرج من أنفه وفيه. أخرجه ابن سعد. وله عنه من وجه آخر: إنما هو للمهل والتراب، وضبط الأصمعي هذه بالفَتح. وفي هذا الحديث استحباب التكفين في الثياب البيض، وتثليث الكفن، وطلب الموافقة فيما وقع للأكابر، تبركًا بذلك، وفيه جواز التكفين في الثياب المغسولة، وإيثار الحي بالجديد، والدفن بالليل، وفضل أبي بكر، وصحة فراسته، وثباته عند موته، وفيه أخذ المرء العلم عمن دونه، وقال أبو عمر: فيه أن التكفين في الثوب الجديد والخَلَق سواء وتُعُقّب بما تقدم من احتمال أن يكون أبو بكر اختاره لمعنى فيه، وعلى تقدير أن لا يكون كذلك، فلا دليل فيه على المساواة. رجاله خمسة: وفيه ذكر أبي بكر، وقد مرّوا، مرَّ مُعَلّى بن أَسَد في الرابع والثلاثين من الحيض، ومرّ وهيب في تعليق بعد الخامس عشر من الإيمان، ومرّ هشام وأبوه وعائشة في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ أبو بكر في باب مَنْ لم يتوضأ من لحم الشاة بعد الحادي والسبعين من الوضوء. ثم قال المصنف:

стр. 5678

باب موت الفجأة البغتة قال ابن رشيد: هو مضبوط بالكسر على البدل، ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هي البغتة. وفي رواية الكشميهني "بغتةً" والفجاءة، بضم الفاء وبعد الجيم مَدّ ثم همز، ويروى بفتح ثم سكون بغير مد، وهي الهجوم على مَنْ لم يشعر به، وموت الفجاة وقوعه بغير سبب من مرض وغيره. قال ابن رشيد: مقصود المصنف الإشارة إلى أنه ليس بمكروه؛ لأنه ﷺ لم يظهر منه كراهيته، لمّا أخبره الرجل بأن أمه افتلتت نفسها، وأشار إلى ما رواه أبو داود بلفظ: "موت الفجأة أخذة أسف" وفي إسناده مقال، فجرى على عادته في الترجمة بما لم يوافق شرطه، وإدخال ما يومىء إلى ذلك، ولو من طرفٍ خفي. والحديث المذكور أخرجه أبو داود عن عبيد بن خالد السلميّ، إلا أن راويه رفعه تارةً، ووقفه أخرى. وقوله: أَسَفَ، أي: غَضَب، وزناً ومعنى، وروي بوزن فاعل، أي غضبان، ولأحمد عن أبي هريرة أن النبي ﷺ مرَّ بجدار مائل، فأسرع وقال أكره موت الفَوات. قال ابن بطال: وكأن ذلك، والله أعلم لما في موت الفجأة من خوف حرمان الوصية، وترك الاستعداد للمعاد، بالتوبة وغيرها من الأعمال. وقد روى ابن أبي الدنيا في كتاب الموت عن أنس نحو حديث عبيد بن خالد، وزاد فيه "المحروم من حرم وصيته" وفي مصنف ابن أبي شيبة عن عائشة وابن مسعود "موت الفجأة راحة للمؤمن، وأسف على الفاجر" وقال ابن المنير: لعل البخاري أراد بهذه الترجمة أن مَنْ مات فجأةً فليستدرك ولده من أعمال البر ما أمكنه، مما يقبل النيابة، كما وقع في حديث الباب. وقد نقل عن أحمد وبعض الشافعية كراهية موت الفجأة، ونقل النوويّ عن بعض القدماء أن جماعة من الأنبياء والصالحين ماتوا كذلك. قال النووي: وهو محبوب للمراقبين، قال في "الفتح": وبهذا يجمع بين القولين. الحديث الخامس والأربعون والمئة حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂. أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا قَالَ: "نَعَمْ".

стр. 5679

وقوله: "إن أمي"، يأتي في السند اسم الرجل واسم أمه، وتعريف الأم ومحل تعريف الرجل. وقوله: "افْتُلِتت" بضم المثناة بعد الفاء الساكنة وكسر اللام، أي: اخذِت فَلْتَة أي: بغتة. يقال: افتلت فلان أي: مات فجأة. وافتلتت نفسه كذلك، ونفسُها بالضم على الأشهر، نائبٌ عن الفاعل، والمراد بالنفس هنا الروح. وضبطه بعضهم بفتح السين، إِما على التمييز، وإما على أنه مفعول ثانٍ لافتلتت، بمعنى سلبت. وذكره ابن قتيبة بالقاف وتقديم التاء، وقال: هي كلمة تقال لمن قتله الحب، ولمن مات فجأة، والمشهور في الرواية بالفاء. وقوله: "وأظنها لو تكلمت تصدقت"، وفي رواية الوصايا "وأُراها لو تكلمت تصدقت" بضم همزة أرها، وهو يشعر بأن رواية ابن القاسم عن مالك عند النسائي، بلفظ "وإنها لو تكلمت" تصحيف، وظاهره أنها لم تتكلم فلم تتصدق، لكن في الموطأ عن سعيد بن سعد بن عبادة قال: خرج سعد بن عبادة مع النبيِّ ﷺ في بعض مغازيه، وحضرت أُمه الوفاة بالمدينة المنورة، فقيل لها: أوصي، فقالت: فيم أوصي؟ المالُ مالُ سعد، فتوفيت قبل أن يقدم سعد، فذكر الحديث، فإن أمكن تأويل رواية الباب أن المراد أنها لم تتكلم، أي بالصدقة، ولو تكلمت لتصدقت، أي: فكيف أُمضي ذلك؟ أو يحمل على أن سعد إما عرف ما وقع منها، أو يقال إن راوي الإثبات والنفي لم يتحدا. وقوله: "فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم"، وفي الوصايا: "أفأتصدق عنها؟ قال: نعم، تصدقْ عنها" ولبعضهم: "أتصدق عليها أو أصرفه على مصلحتها" وأخرج النَّسائيّ من وجه آخر جهة الصدقة، فقال عن سعد بن عبادة: قلت: "يا رسول الله، إن أُمي ماتت، أفأتصدق عنها؟ قال: نعم، قلت: فأي الصدقة أفضل؟ قال: سقي الماء" وأخرجه الدارقطني في غرائب مالك بلفظ: "أن سعدًا قال: يا رسول الله، اتنتفع أُمي إِنْ تصدقت عنها وقد ماتت؟ قال: نعم، قال: اسقِ الماء". وفي حديث ابن عباس في الوصايا روايتان، ففي رواية أن أُمي ماتت وأنا غائب عنها، أينفعها شيء إن تصدقت به عنها؟ قال: نعم، وفي رواية: إن أُمي ماتت، وعليها نذر، قال: اقضه عنها، ولا تنافي بين الروايتين لاحتمال أن يكون سأل عن النذر، وعن الصدقة عنها. وفي رواية سليمان بن كثير عند النَّسائيّ: أفيجزىء أن أعتق عنها؟ قال: اعتق عن أمك، فأفادت هذه الرواية بيان ما هو النذر المذكور، وهو أنها نذرت أن تعتق رتبة، فماتت قبل أن تفعل. ويحتمل أن تكون نذرت نذرًا مطلقًا غير مُعَيَّن، فيكون في الحديث حجة لمن أفتى في النذر المطلق بكفارة يمين، والعتق أعلى كفارات الإيمان, فلذلك أمره أن يعتق عنها. وحكى ابن عبد البر عن بعضهم أن النذر الذي كان على والدة سعد صيامٌ، واستند إلى حديث ابن عباس الآتي في الصوم "أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن أمي ماتت، وعليها صوم ... " الحديث. ثم رواه بأن في بعض الروايات عن ابن عباس أن امرأة فقالت: إن أختي ماتت، والحق

стр. 5680

أنها قصة أخرى، ويأتي إنْ شاء الله تعالى إيضاح ذلك في كتاب الصيام، وفي الحديث من الفوائد جواز الصدقة عن الميت، وأن ذلك ينفعه بوصول ثواب الصدقة إليه، ولاسيما إن كان من الولد، وهو مخصص لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ ويلتحق بالصدقة العتق عنه عند الجمهور، خلافًا للمشهور عند المالكية، وقد اختلف في غير الصدقة من أعمال البر، هل تصل إلى الميت كالحج والصوم؟ ويأتي إن شاء الله تعالى في كتاب الصيام الكلام على، ذلك مستوفى. وفيه أنَّ ترك الوصية جائزٌ؛ لأنه ﵊ لم يذم أُم سعد على ترك الوصية، قاله ابن عبد البَرّ. وتعقب بأن الإنكار عليها قد تعذر لموتها، وسقط عنها التكليف، وأجيب بأن فائدة إنكار ذلك لو كان منكرًا ليتعظ غيرها ممن سمعه، فلما أقر على ذلك، دل على الجواز. وفيه ما كان الصحابة عليه من استشارته ﵊ في أمور الدين، وفيه العمل بالظن الغالب، وفيه الجهاد في حياة الأم، وهو محمول على أنه استأذنها. قلت: أو لكونه خارجًا مع النبي ﷺ ، فلا يحتاج إلى إذنها. وفيه السؤال عن التحمل والمسارعة إلى عمل البر، والمبادرة إلى بر الوالدين، وأن إظهار الصدقة قد يكون خيرًا من إخفائها، وهو عند اغتنام صدق النية فيه، وأن للحاكم تحمل الشهادة في غير مجلس الحكم، لقوله في بعض الروايات "أشهدك أنّ حائطَي المخراف صَدَقةٌ عليها" وعند ابن ماكولا عن أنس أنه قال: سألت النبي ﷺ فقلت: إنا لندعو لموتانا، ونتصدق عنهم، ونحجّ، فهل يصل ذلك إليهم؟ فقال: إنه ليصل إليهم، ويفرحون به كما يفرح أحدكم بالهدية. رجاله خمسة: قد مرّوا، وفيه لفظ رجل مبهم، وهو سعد بن عبادة، وقد مرَّ أيضًا مرَّ سعيد بن أبي مريم في الرابع والأربعين من العلم، ومرَّ محمد بن جعفر غندر في الخامس والعشرين من الإيمان, ومرَّ محل الثلاثة الباقية في الذي قبله، ومرَّ سعد بن عبادة في الخامس والأربعين من الجنائز. وأُمه المذكورة في الحديث هي عَمرة بنت مسعود بن قيس بن عمرو بن زيد مناة بن عَدِيّ بن عمرو بن مالك بن النجار، والدة سعد بن عبادة، ماتت في حياة النبي ﷺ سنة خمس، وقال ابن سعد: ماتت والنبي ﷺ في غزوة دَوْمة الجندل، في شهر ربيع الأول، فلما جاء النبي ﷺ المدينةَ أتى قبرها، فصلى عليها. وفي هذا الحديث سؤال ولدها سعد عن الصدقة عنها. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإخبار بالأفراد، والعنعنة والقول، وفيه رواية الابن عن الأب، وشيخه مصري وبقية الرواة مدنيون. ثم قال المصنف:

стр. 5681

باب ما جاء في قبر النبي ﷺ - وأبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما. قول الله فاقبره اقبرت الرجل إذا جعلت له قبرًا وقبرته دفنته كفاتًا يكونون فيها أحياء ويدفنون فيها أمواتًا. قال ابن رشيد: قال بعضهم: مراده بقوله: قبر النبي ﷺ المصدرُ من قَبَرْته قبرًا، والأظهر عندي أنه أراد الاسم، ومقصوده بيان صفته من كون مُسَنّمًا أو غير مُسَنم، وغير ذلك مما يتعلق بعضه ببعض، وفي دفنهما رضي الله تعالى عنهما، معه ﵊، فضيلة عظيمة لهما، خصهما الله تعالى بها، وكرامة حياهما بها، لم تحصل لأحد، ألا ترى وصية عائشة رضي الله تعالى عنها إلى ابن الزبير، أنه لا يدفنها معهم، خشيةَ أن تزكى بذلك، وهذا من تواضعها، وإقرارها بالحق لأهله، وإيثارها به على نفسها، ورأت عمر رضي الله تعالى عنه أهلًا، وأيضًا لقرب طينتها من طينته. ففي حديث أبي سعيد: مرَّ رسول الله ﷺ على جنازة عند قبر، فقال: مَنْ هذا؟ فقيل فلان الحبشيّ، فقال ﵊: لا إله إلا الله، سيق من أرضه وسمائه إلى تربته التي منها خُلق. قال الحاكم: صحيح الإِسناد، وإنما استأذنها عمر في ذلك، ورغب إليها في ذلك؛ لأن الموضع كان بيتها, ولها فيه حق، ولها أن تؤثر نفسها به، فآثرت به عمر رضي الله تعالى عنه، وقد كانت عائشة رضي الله تعالى عنها رأت رؤيا دلتها على ما فعلت، حين رأت ثلاثة أقمار سقطن في حجرتها، فقصتها على والدها لما توفي النبي ﷺ ، ودفن ببيتها، فقال لها أبو بكر: هذا أول أقمارك، وهو خيرها. وقوله: قول الله فأقبره، يريد تفسير الآية: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ أي: جعله ممن يقبر، لا ممن يلقى حتى تأكله الكلاب مثلًا. وقال أبو عبيد في المجاز: أقبره أمران يقبر. وقوله: أقبرتُ الرجلِ، إذا جعلت له قبرًا، وقبرته دفنته، قال يحيى الفرّاء في المعاني: يقال: أقبره، جعله مقبوراَ، وقبره دفنه. وقوله: كفاتًا ... إلخ، روى عبد بن حميد عن مجاهد قال في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ قال: يكونون فيها ما أرادوا. ثم يدفنون فيها، والكِفات من كفتُّ الشيء أكفته إذا جمعته وضممته، قاله الزجاج. وقال الفراء: نكفتهم أمواتًا في بطنها، أي: نحفظهم ونحرزهم، ونصب أحياءً بفعل دل عليه كفاتًا، أي: تكفت أحياءً وأمواتاَ.

стр. 5682

الحديث السادس والأربعون والمئة حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ عَنْ هِشَامٍ وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَتَعَذَّرُ فِي مَرَضِهِ أَيْنَ أَنَا الْيَوْمَ أَيْنَ أَنَا غَدًا اسْتِبْطَاءً لِيَوْمِ عَائِشَةَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي قَبَضَهُ اللَّهُ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وَدُفِنَ فِي بَيْتِي. وقوله: "ليتعذر في مرضه أين أنا اليوم"، وهو بالعين المهملة والذال المعجمة، أي: يتمنع، وحكى ابن التين في رواية القابسيّ بالقاف والدال المهملة، أي يسأل عن قدر ما بقي إلى يومها، لأن المريض يجد عند بعض أهله من الإنس ما لا يجد عند بعض، وقد مرَّ عند حديثها في باب الغُسل والوضوء في "المخضب" من كتاب الوضوء ما قيل في إذْن أزواجه في تمريضه ﵊ في بيتها، ومرّ ما قيل في ابتداء مرضه وقدره ويوم موته مستوفىً في باب "حد المريض أن يشهد الجماعة" من أبواب الجماعة. وقوله: "قبضه الله بين سَحْرِي ونَحْرِي، ودفن في بيتي" السَّحْر، بفتح المهملة وسكون الحاء المهملة، هو الصدر، وهو في الأصل الرئة، والنَحْر، بفتح النون وسكون المهملة، والمراد به موضع النحر، وأغرب الداوديّ فقال: هو ما بين الثديين، قلت: لا إغراب فيما قال، بل هو ظاهر اللفظ، وفي روايتها في مرض موته ﵊: "وكانت تقول مات ورأسه بين حاقنتي وذاقنتي" والحاقنة بالمهملة والقاف ما سفل من الذقن، والداقنة ما علا منه، أو الحاقنة نُقرة التَّرْقُوة، وهما حاقنتان، ويقال: إن الحاقنة المطمئن من الترقوة والحلق، وقيل ما دون الترقوة من الصدر. وقيل: هي تحت السُّرة، وقال ثابت: الحاقنة طَرَف الحلقوم. والحاصل أن ما بين الحاقنة والذاقنة هو ما بين السحر والنحر، والمراد أنه ﵊ مات ورأسه بين حنكها وصدرها، وهذا لا يغاير حديثها، الآتي في مرضه ﵊، حيث قالت: "إن رأسه كان على فخذها؛ لأنه محمول على أنها رفعته من فخذها إلى صدرها" وفي رواية ذكوان عن عائشة "تُوفي في بيتي، وفي يومي، وبين سَحْري ونحري، وإن الله جمع ريقي وريقه عند موته في آخر يوم من الدنيا"، وفي رواية همام عن هشام عند أحمد نحوه، وزاد "فلما خرجت نفسه لم أجد ريحاً قط أطيب منها". وقد وردت أحاديث أنه مات ﷺ ورأسه في حجر عليّ، وهي تعارض حديث عائشة، ولكن لا تخلو طريق منها من شيعيّ أو ضعيف، والأحاديث هي هذه. ساق ابن سعد حديث جابر "سأل كعب الأحبار عليًا: ما كان آخر ما تكلم به النبي ﷺ ؟ فقال: أسندته إلى صدري فوضع رأسه على منكبي، فقال: الصلاةَ الصلاةَ، فقال كعب: كذلك آخر عهد الأنبياء" وفي سنده الواقدي، وحرم ابن عثمان، وهما متروكان.

стр. 5683

وروى الواقدي عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ في مرضه: "ادعو لي أخي، فدُعي له عليّ، فقال: ادْنُ مني، قال: فلم يزل مستندًا إليّ، وإنه ليكلمني حتى نزل به، وثقل في حجري، فصحت: يا عباس، أدركني، فإني هالك، فجاء العباس فكان جهدهما جميعاً أن أضجعاه" فيه انقطاع مع الواقدي، وعبد الله فيه لين، قلت: وفي لفظه نكارة، وبه عن أبيه عن علي بن الحسن "قبض ورأسه في حجر عليّ" فيه انقطاع، وعن الواقدي عن أبي الحويرث عن أبيه عن الشعبيّ "مات ورأسه في حجر عليّ" فيه الواقديّ والانقطاع. وأبو الحويرث اسمه عبد الرحمن بن معاوية بن الحارث المدنيّ قال مالك: ليس بثقة، وأبوه لا يعرف حاله، وعن الواقديّ عن سليمان بن داود بن الحُصين عن أبيه عن أبي غطفان، سألت ابن عباس قال: توفي رسول الله ﷺ وهو إلى صدر عليّ، قال: فقلت: فإن عروة حدّثني عن عائشة قالت: توفي النبي ﷺ بين سَحْري ونحري، فقال ابن عباس: لقد توفي وإنه لمستند إلى صدر عليّ، وهو الذي غسله، وأخي الفضل وأبي أبي أن يحضر. فيه الواقدي وسليمان لا يعرف حاله، وأبو غَطَفان بفتحات، اسمه سعد، وثَّقَه النَّسَائيّ، وأخرج الحاكم في الإكليل عن حَبّة العَدَنِيّ عن عليّ أسندته إلى صدري، فسألت نفسه" وحبة ضعيف، وعن أُم سلمة قالت: عليٌّ آخرهم عهدًا برسول الله ﷺ . وحديث عائشة أثبت من هذا, ولعلها أرادت آخر الرجال به عهدًا، ويمكن الجمع بأن يكون علي آخرهم عهدًا به، وأنه لم يفارقه حتى مال، فلما مال ظن أنه مات، ثم أفاق بعد أن توجه فأسنَدَتْه عائشة بعده إلى صدرها، فقبض. وعند أحمد عن يزيد بن بابنوس في أثناء حديث "فبينما رأسه ذات يومٍ على منكبي، إذ مال رأسه نحو رأسي، فظننت أنه يريد من رأسي حاجة، فخرجت من فيه نقطة باردة، فوقعت على ثُغْرة نحري، فاقشعر لها جلدي، وظننت أنه غُشي عليه، وسجيته ثوبًا". قلت: هذا الحديث ظاهر النكارة، إذ كيف يقشعر عليٌّ رضي الله تعالى عنه من نقطة وقعت عليه من فم النبي ﷺ ، فهذا لا يمكن صدوره من على، ولا ممن دونه من جميع المسلمين، فهذه هي الأحاديث المعارضة لحديث عائشة، وقد رأيت ما فيها من الضعف والنكارة، فكيف تعارضها؟ رجاله سبعة: مرَّ منهم إسماعيل بن أبي أويس في الخامس عشر من الإيمان، وسليمان بن بلال في الثاني منه، ومرَّ هشام وعروة وعائشة في الثاني من بدء الوحي. والباقي اثنان: الأول منهما: محمد بن حرب النَّشّائي، ويقال النشاستجي أبو عبد الله الواسطي، ذكره ابن حِبّان في الثقات. وقال أبو حاتم: صدوق، وقال الطبرانيّ: كان ثقة، له عند مسلم حديث أبي هريرة في فضيلة الصف الأول، وعند أبي داود حديث عبادة خمس صلوات افترضهن الله، وفي

стр. 5684

الزُّهرة روى له البخاريّ ثمانية أحاديث. روى عن إسماعيل بن علية، وأبي معاوية، وأبي مروان يحيى بن أبي زكرياء وغيرهم. وروى عنه البخاري ومسلم وأبو داود وبِقَيُّ بن مَخْلَد وغيرهم. مات سنة خمس وخمسين ومئتين. والنشائي في نسبه نسبة إلى النشأ، بالمد والقصر، شيء يعمل به الفالوذج، ويقال: النشاستج فارسيّ مُعَرث منسوب إلى عمل النشا هذا. الثاني: يحيى بن أبي زكرياء الغَسّاني، أبو مروان الواسطيّ، أصله من الشام، وأسم أبيه يحيى، سئل عنه ابن مُعين فقال: لا أدري، وقال أبو حاتم: ليس بالمشهور، وقال أبو داود: ضعيف. وقال ابن حِبّان: لا تجوز الرواية عنه، لما أكثر من مخالفة الثقات في الرواية عن الأثبات. له في صحيح البخاريّ حديث واحد عن عائشة، متابعة روى عن هشام بن عَروة وهشام بن حَسّان ويونس بن عبيد وغيرهم. وروى عنه أيوب بن أبي هند الحَرّاني وعبد الوهاب بن عيسى الثمار، ومحمد بن حرب. مات سنة تسعين ومئة. الحديث السابع والأربعون والمئة حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ هِلاَلٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: "لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ. لَوْلاَ ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَوْ خُشِيَ أَنَّ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا". قوله: "غير أنه خَشِي أو خُشِي"، قد مرَّ الكلام عليه في باب ما يكره من اتخاذ القبور على المساجد، ومرَّ الكلام على الحديث بجميع مباحثه في باب "هل تنبش قبور مشركي الجاهلية من أبواب المساجد". رجاله خمسة: قد مرّوا، مرَّ موسى بن إسماعيل وأبو عُوانة في الخامس من بدء الوحي، ومرّ هلال بن أبي حميد في السادس والثمانين من الجنائز، ومرَّ عُروة وعائشة في الثاني من بدء الوحي. ثم قال: وعن هلال قال: كنا في عروة بن الزبير، ولم يولد لي، وهذا موصول بالإسناد المذكور، وهلال قد مرَّ محله في الذي قبله، واختلف في كنية هلال، فقيل: إنه أبو عمرو، وهو المشهور، وقيل أبو أمية، وقيل أبو الجهم. وقوله: ولم يولد لي، جملة حالية، وهو دال على جواز تكنية من لم يولد له. وفيه رد على مَنْ منع تكنية مَنْ لم يولد له، مستندًا إلى أنه خلاف الواقع، فقد أخرج ابن ماجة وأحمد والطحاويّ، وصححه الحكم من حديث صُهيب أن عمر قال له: مالك تكنى أبا يحيى، وليس لك ولد؟ قال: إن النبي ﷺ كناني.

стр. 5685

وأخرج سعيد بن منصور عن فضيل بن عمرو قلت لإبراهيم: إني أُكنَّى أبا النضر، وليس لي ولد، وأسمع الناس يقولون: مَنْ اكتنى وليس له ولد، فهو أبو جَعْر. قال إبراهيم: كان علقمة يكنى أبا شِبل، وكان عقيمًا لا يولد له. وقوله: جَعْر بفتح الجيم وسكون المهملة، وهو ما يبس من العِذرة في المَجْعر، أي الدُّبر، وشِبل، بكسر المعجمة وسكون الموحدة، وهو ولد الأسد إذا أدرك الصيد. وأخرج المصنف في الأدب المفرد عن علقمة قال: كنّا في عبد الله بن مسعود قبل أن يولد لي، وقد كان ذلك مستعملًا عند العرب، قال الشاعر: لها كنية عمرو وليس لها عمر وأخرج ابن أبي شَيبة عن الزُّهريّ قال: كان رجال من الصحابة يكتنون قبل أن يولد لهم، وأخرج الطبرانيّ عن علقمة عن ابن مسعود أنّ النبي ﷺ كنّاه أبا عبد الرحمن قبل أن يولد له، وسنده صحيح. قال العلماء: كانوا يكنون الصبيّ تفاؤلًا بأنه سيعيش حتى يولد له، وللأمن من التلقيب، لأن الغالب أنَّ مَنْ يذكر شخصًا فيعظمه، أن لا يذكره باسمه الخاص به، فإذا كانت له كنية أَمِنَ من تلقيبه، ولهذا قال قائلهم: بادروا أبناءكم بالكنى قبل أن تغلب عليه الألقاب. وقالوا: الكنية للعرب كاللقب للعجم، ومن ثم كره للشخص أن يكني نفسه إلا إن قَصَد التعريف. الحديث الثامن والأربعون والمئة حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُسَنَّمًا. أي: مرتفعًا كسَنَم البعير، زاد أبو نعيم في "المستخرج": وقبر أبي بكر وعمر كذلك، واستدل به على أن المستحب تسنيم القبور، وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد والمُزَنِيّ والكثير من الشافعية. وادعى القاضي حسين اتفاق الأصحاب عليه، وتعقب بأن جماعة من قدماء الشافعية استحبوا التسطيح، كما نص عليه الشافعي، وبه جزم الماورديّ وآخرون. وقال البيهقي: إن قول سفيان التمار لا حجة فيه، لاحتمال أن قبره ﷺ لم يكن في الأول مسنمًا، فقد روى أبو داود والحاكم عن القاسم بن محمد بن أبي بكر قال: دخلت على عائشة فقلت: يا أمّه، اكشفي لي عن قبر النبيِّ ﷺ وصاحبيه، فكشفت له عن ثلاثة قبور لا مشرفة، ولا لائطة، مبطوحة ببطحاء العَرْصَة الحمراء. زاد الحاكم "فرأيت رسول الله ﷺ مقدمًا، وأبا بكر رأسه بين كتفي النبي ﷺ ، وعمر رأسه عند رجلي النبي ﷺ ، وهذا كان في خلافة معاوية، فكأنها كانت في الأول مسطحة، ثم لما بني جدار القبر في إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة، من قبل الوليد بن عبد الملك، صَيَّروها مرتفعة.

стр. 5686

وقد روى أبو بكر الآجُريّ في كتاب "صفة قبر النبي ﷺ " عن إسحاق بن عيسى بن بنت داود بن أبي هند عن غُنيم بن بُسطام المَدِينيّ قال: رأيت قبر النبيَّ ﷺ ، في إمارة عمر بن عبد العزيز، فرأيته مرتفعًا نحوًا من أربع أصابع، ورأيت قبر أبي بكر وراء قبره، ورأيت قبر عمر وراء قبر أبي بكر، أسفل منه. وما استدل به من رواية القاسم بن محمد عند أبي داود يرده أن رواية البخاري في صحيحه أصح وأثبت من رواية أبي داود. والاحتمال لا يرد المنصوص، وأيضًا فقد قال إبراهيم النخعيّ: أخبرني مَنْ رأى قبر النبي ﷺ وصاحبيه: مُسَنَّمة ناشرة من الأرض عليها مرمر أبيض. وقال الشعبي: رأيت قبور شهداء أُحد مسنمة، وكذا فعل بقبر ابن عمر وابن عباس، رضي الله تعالى عنهم، واستدل الشافعي للتسطيح أيضًا بما رواه التِّرمِذِيّ عن أبي الهياج، قال لي عليّ: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ أن لا أدع قبرًا مشرفًا إلاَّ سوَّيته، ولا تمثالًا إلا طمسته. ويجاب عن هذا بأن الشرفة المذكورة فيه هي المبنية التي يطلب بها المباهاة، ورجح المزنيّ التسنيم من حيث المعنى، بأن المسطح يشبه ما يصنع للمجوس، بخلاف المسنمَّ ورجحّه ابن قدامة بأنه يشبه أبنية أهل الدنيا، وهو من شعار أهل البِدع، فكان مكروهًا. ويرجح التسطيح أيضًا بما رواه مسلم من حديث فَضالة بن عبيد أنه أَمر بقبر فسوِّي ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها. ثم إن الاختلاف في ذلك، أيهما أفضل، لا في أصل الجواز، وذكر الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود بن النجار في كتابه "الدرة الثمينة" أن قبر النبي ﷺ ، وقبر صاحبيه في صُفَّة بيت عائشة، رضي الله تعالى عنها، قال: وفي البيت موضع قبر في السَّهْوَة المشرفة، قال سعيد بن المسيب: فيه يدفن عيسى بن مريم ﵊. وأخرج التِّرمِذِيّ عن عبد الله بن سَلاَم قال: مكتوب في التوراةِ صفة محمد وعيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام، يدفن معه. قال: أبو داود أحد رواته، وقد بقي في البيت موضع قبر، وفي رواية الطبرانيّ: يدفن عيسى مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فيكون قبرًا رابعًا. قال ابن بطال عن المهلب: إنما كرهت عائشة أن تدفن معهم، خشية أن يظن أحد أنها أفضل الصحابة بعد النبي ﷺ ، وصاحبيه، فقد سأل الرشيد مالكًا عن منزلة أبي بكر وعمر من النبي ﷺ في حياته؟ فقال: كمنزلتهما منه بعد مماته، فركاهما بالقرب منه في البقعة المباركة، والتربة التي خلق منها، فاستدل على أنهما أفضل الصحابة باختصاصهما بذلك، وفي "الحلية" لأبي نعيم عن أبي هُريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ما من مولود إلا وقد ذُرَّ عليه من تراب حُفرته. وقال: هذا حديث غريب. وفي الأصول للحكيم التِّرمِذِيّ عن ابن مسعود، أنَّ المَلَكَ الموكَّل بالرّحم يأخذ النطفة فيعجنها بالتراب الذي يدفن في بقعته، فذلك قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ وفي "التمهيد" عن عطاء الخراساني أن المَلَكَ ينطلق، فيأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه، فيذره

стр. 5687

على النطقة، فيخلق من التراب ومن النطفة، فذلك قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ إلخ. وعند الترمذيّ قال محمد بن سيرين "لو حلف صادقًا بارًّا غير شاكٌ ولا مستثنٍ، أن الله تعالى ما خلق نبيه ﷺ ، ولا أبا بكر، ولا عمر، إلا من طينة واحدة، ثم ردّهم إلى تلك الطينة"، وقد أحتج أبو بكر الأبْهريّ المالكيّ على أن المدينة أفضل من مكة بأن النبيّ ﷺ مخلوق من تربة المدينة، وهو أفضل البشر، فكانت تربته أفضل الترب. قال في "الفتح ": وكون تربته أفضل الترب، لا نزاع فيه. وإنما النزاع هل يلزم من ذلك أن تكون المدينة أفضل من مكة؟ لأن المجاور للشيء، لو ثبت له جميع مزاياه، لكان لما جاور ذلك المجاور نحوُ ذلك، فيلزم أن يكون ما جاور المدينة أفضل من مكة، وليس كذلك اتفاقًا، كذا أجاب بعض المتقدمين، وفيه نظر. قلت: بطلانه ظاهر؛ لأن الذي يقال إن التابع للفاضل، أفضل من التابع للمفضول، فهذا كانت بقعته ﵊ أفضل من الكعبة، كان التابع لها أفضل من التابع للكعبة، هذا هو مراد الأبهريّ في استدلاله، لا ما قاله ذلك المجيب. رجاله أربعة: مرَّ محمد بن مقاتل في السابع من العلم، وابن المبارك في السادس من بدء الوحي، والباقي اثنان، الأول أبو بكر بن عيّاش بن سالم الأَسَديّ الكوفيّ الحنّاط المُقْرِىء، مولى واصل الأحدب، اختلف في اسمه اختلافًا كثيرًا، والأصح أن اسمه كنيته. قال الفضل بن موسى: قلت لأبي بكر بن عيّاش: ما اسمك؟ قال: ولدت وقد قسمت الأسماء. ذكره ابن المبارك وأثنى عليه. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: صدوق صالح، صاحب قرآن وحديث. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة ربما غلِط. وقيل لابن مُعين: فأبو الأحوص أحب إليك في أبي إسحاق أو أبو بكر بن عَيّاش؟ قال: ما أقربهما، قيل له: الحسن بن عياش أخو أبي بكر، كيف حديثه؟ قال: هو ثقة. قال عثمان الدارميّ: هما من أهل الصدق والأمانة، وليسا بذاك في الحديث. وذكره ابن حِبّان في "الثقات"، وقال: اختلفوا في اسمه، والصحيح أن اسمه كنيته. وكان من العُبّاد الحُفّاظ المتقنين، وكان يحيى القطّان وعليّ بن المدينيّ يسيئان الرأي فيه، وذلك أنه لما كبر ساء حفظه، فكان يوهم إذا روى، والخطأ والوهم شيئان لا ينفك عنهما البشر، فمَنْ كان لا يكثر ذلك منه، فلا يستحق أن يترك حديثه بعد تقدم عدالته. وكان شريك يقول: رأيت أبا بكر بن عياش عند أبي إسحاق يأمر وينهى كأنه رب البيت، قد صام سبعين سنة وقامها، وكان لا يعلم له بالليل نوم، والصواب في أمره مجانبة ما علم أنه أخطأ فيه، والاحتجاج بما يرويه سواء وافق الثقات أو خالفهم. وقال العجليّ: كان ثقة قديمًا، صاحب

стр. 5688

سنة وعبادة، وكان يخطىء بعض الخطأ، تعبَّد سبعين سنة، وقال ابن سعد: عُمِّر حتى كتب عنه الأحداث، وكان من العُبّاد، وكان ثقة صدوقًا عارفًا بالحديث والعلم، إلاَّ أنه كثير الخطأ. وقال ابن عبد البر: كان الثَّوريُّ وابن المبارك وابن مهديّ يثنون عليه، وهو عندهم في أبي إسحاق مثل شريك وأبي الأحوص، إلا أنه يهم في حديثه، وفي حفظه شيء، وقال ابن المبارك: ما رأيت أحدًا أسرع إلى السنة من أبي بكر بن عيّاش. وقال الأحْمُسِيّ: ما رأيت أحدًا أحسن صلاة من أبي بكر بن عيَّاش. وقال يحيى الحَمّاني وبشر بن الوليد: سمعنا أبا بكر بن عيَّاش يقول: جئت ليلة إلى زمزم فاستقيت دلوًا لبنًا وعسلًا. وقال يعقوب بن شَيبة: شيخ قديم، معروف بالصلاح البارع، وكان له فقه كثير، وعلم بأخبار الناس، ورواية للحديث، يعرف له سنة وفضل، وفي حديثه اضطراب. وقال أبو سعيد الأشجّ: قدم جرير بن عبد الحميد فأخلى مجلس أبي بكر، فقال أبو بكر: والله لأخرجن غدًا من رجالي مَنْ يخلي مجلس جرير، لا يُبقي عنده أحدًا. قال: فأخرج أبا إسحاق وأبا حصين. وقال ولده إبراهيم: لما نزل بأبي الموت قلت: يا أبتِ ما اسمك؟ قال: يا بني، إن أباك لم يكن له اسم، وإن أباك أكبر من سُفيان بأربع سنين، وإنه لم يأتِ فاحشةً قطُّ، وإنه يختم القرآن من ثلاثين سنة كل يوم مرة، قال في المقدمة: لم يرو عنه مسلم إلا شيئًا في مقدمة صحيحه، وروى له البخاري أحاديث منها في الحج بمتابعة الثَّوريّ عن عبد العزيز عن أنس في صلاة الظهر والعصر بمنى يوم التَّروْية، ومنها في الصوم بمتابعة ابن عُيينة، وآخرين في الفطر عند غروب الشمس، ومنها في الفتن حديثه عن عمار أنه قال في عائشة: "هي زوجة نبيكم في الدنيا والآخرة"، ومنها في التفسير بمتابعة جرير وغيره عن عمر في قصة قتله، وقصة الشورى. روى عن أبيه وأبي إسحاق السَّبيعيّ وسفيان التمار وغيرهم. وروى عنه الثَّوريّ وابن المبارك وأبو داود الطيالسيّ وغيرهم. ولد سنة خمس أو عن وتسعين، ومات هو وهارون الرشيد في شهر واحد، سنة ثلاث وتسعين ومئة. الثاني: سفيان بن دينار التمار أبو سعيد الكوفي، قال ابن مُعين: سفيان بن دينار ثقة، وسفيان بن زياد العُصْفُريّ ثقة. جميعًا كوفيان، وقال أبو زرعة: سفيان بن دينار ثقة، وقال النَّسَائيّ: ليس به بأس، وذكره ابن حِبّان في الثقات، وجعله هو والعُصْفُريّ واحدًا، والتحقيق أن سفيان بن دينار التمار هذا يقال له العُصفُري أيضًا، وأن سفيان بن زياد العُصْفُريً آخر بَيَّنَه الباجيّ، روى عن أبي صالح السمَّان وسعيد بن جبير ومصعب بن سعد وغيرهم. وعنه أبو بكر بن عيّاش وابن المبارك، ويعلي بن عيد وغيرهم.

стр. 5689

الحديث التاسع والأربعون والمئة حَدَّثَنَا فَرْوَةُ حَدَّثَنَا عَلِيٌّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ لَمَّا سَقَطَ عَلَيْهِمُ الْحَائِطُ فِي زَمَانِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَخَذُوا فِي بِنَائِهِ، فَبَدَتْ لَهُمْ قَدَمٌ فَفَزِعُوا، وَظَنُّوا أَنَّهَا قَدَمُ النَّبِيِّ ﷺ فَمَا وَجَدُوا أَحَدًا يَعْلَمُ ذَلِكَ حَتَّى قَالَ لَهُمْ عُرْوَةُ: لاَ وَاللَّهِ مَا هِيَ قَدَمُ النَّبِيِّ ﷺ مَا هِيَ إِلاَّ قَدَمُ عُمَرَ ﵁. وَعَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا أَوْصَتْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ﵄ لاَ تَدْفِنِّي مَعَهُمْ وَادْفِنِّي مَعَ صَوَاحِبِي بِالْبَقِيعِ، لاَ أُزَكَّى بِهِ أَبَدًا. قوله: "لما سقط عليهم الحائط" أي: حائط حجرة النبي ﷺ ، وفي رواية الحمويّ "عنهم"، والسبب في ذلك ما رواه أبو بكر الآجريّ عن هشام بن عروة قال: أخبرني أبي قال: كان الناس يصلون إلى القبر، فأمر به عمر بن عبد العزيز فرفع حتى لا يصلي إليه أحد، فلما هدم، بدت قدم بساق وركبة، ففزع عمر بن عبد العزيز، فأتاه عروة فقال: هذا ساق عمر وركبته، فَسُرِّيَ عن عمر بن عبد العزيز. وروى الأجريّ عن رجاء بن حَيْوة قال: كتب الوليد بن عبد الملك إلى عمر بن عبد العزيز، وكان قد اشترى. حجر أزواج النبي ﷺ ، أن اهدمها، ووسع بها المسجد، فقعد عمر في ناحية، فأمر بهدمها، فما رأيت باكياً أكثر مني يومئذ، ثم بناه كما أراد، فلما أن بني البيت على القبر، وهدم البيت الأول، ظهرت القبور الثلاثة، وكان الرمل الذي عليها قد إنهار، ففزع عمر بن عبد العزيز، وأراد أن يقوم فيسويه بنفسه، فقلت له: أصلحك الله، إنك إن قمت قام الناس معك، فلو أمرت رجلًا أن يصلحها، ورجوت أن يأمرني بذلك، فقال: يا مزاحم، مولى له، قم فأصلحها، قال رجاء: وكان قبر أبي بكر عند وسط النبي ﷺ وعمر خلف أبي بكر، ورأسه عند وسطه، وهذا ظاهره يخالف حديث القاسم، فإن أمكن الجمع وإلا فحديث القاسم أصح. وأما ما أخرجه أبو يعلى من وجه آخر عن عائشة "أبو بكر عن يمينه، وعمر عن يساره"، فسنده ضعيف، ويمكن تأويله. وقوله: وعن هشام، هو بالإسناد المذكور، وقد أخرجه المصنف في الاعتصام من وجه آخر عن هشام، وأخرجه الإسماعيليّ عن عَبَدة عن هشام، وزاد فيه "وكان في بيتها موضع قبر". وقوله: "لا أزكَّى بهذا أبدًا"، بضم أوله وفتح الكاف على البناء للمجهول، أي لا يثنى عليّ بسببه، ويجعل لي بذلك مزية وفضل، وأنا في نفس الأمر، يحتمل أن لا أكون كذلك وهذا منها على سبيل التواضع وهضم النفس، بخلاف قولها لعمر "كنت أريده لنفسي" في الحديث الذي بعده، فكان اجتهادها في ذلك تغيرًا. ولما قالت ذلك لعمر، كان قبل أن يقع لها ما وقع في قصة الجمل، فاستحيت بعد ذلك أن

стр. 5690

تدفن هناك، وقولهاهنا "لا تدفني معهم" يشعر بأنه بقي من البيت موضع للدفن، وقولها لعمر: أريده لنفسي، يدل على أنه لم يبق ما يسع إلا موضع قبر واحد، فهما متغايران، والجمع بينهما بأنها كانت أولًا تظن أنه لا يسع إلا قبرًا واحدًا، فلما دفن عمر ظهر أن هناك ما يسع قبرًا آخر. وفي "التكملة" لابن الأبّار يسنده إلى عائشة أنها قالت للنبي ﷺ : إني لا أراني إلا سأكون بعدك، فتأذن لي أن أدفن إلى جانبك؟ قال: وأنّى لكِ ذلك الموضع؟ ما فيه إلا قبري وقبر أبي بكر وعُمرَ وفيه عيسى بن مريم ﵉. رجاله خمسة: وفيه ذكر عمر رضي الله تعالى عنه، والوليد بن عبد الملك، وقد مرَّ رجاله إلاَّ فروة، مرَّ علي بن مسهر في الرابع والمئة من استقبال القبلة، ومرَّ هشام وعروة وعائشة في الثاني من بدء الوحي. وفروة هو ابن أبي المفراء، واسمه معدي كَرِب، الكنديّ أبو القاسم الكوفي، ذكره ابن حِبّان في الثقات، ووثقه الدارقطنيّ، وقال أبو حاتم: صدوق. روى عن علي بن مسهر وأبي الأحوص وعُبيدة بن حميد وغيرهم. وروى عنه البخاري وأبو حاتم وأبو زرعة والتِّرمِذِيّ بواسطة. مات سنة خمس وعشرين ومئتين. وقد مرَّ عمر في الأول من بدء الوحي، والوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم ولي الأمر بعد موت عبد الملك في سنة ست وثمانين، وكان أكبر ولد عبد الملك، وكانت خلافته تسع سنين وثمانية أشهر على المشهور، وكانت وفاته يوم السبت منتصف جمادى الآخرة سنة ست وتسعين بدمشق، بدير مروان، وصلّى عليه عمر بن عبد العزيز وحمل على أعناق الرجال ودفن بمقابر باب الصغير وقيل بباب الفراييس وبعد وفاته بويع بالخلافة لأخيه سليمان بن عبد الملك، وكان بالرّملة. الحديث الخمسون والمئة حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، اذْهَبْ إِلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ فَقُلْ يَقْرَأُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَيْكِ السَّلاَمَ، ثُمَّ سَلْهَا أَنْ أُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيَّ. قَالَتْ كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي، فَلأُوثِرَنَّهُ الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي. فَلَمَّا أَقْبَلَ قَالَ لَهُ: مَا لَدَيْكَ قَالَ: أَذِنَتْ لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: مَا كَانَ شَيْءٌ أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ الْمَضْجَعِ، فَإِذَا قُبِضْتُ فَاحْمِلُونِي ثُمَّ سَلِّمُوا ثُمَّ قُلْ يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. فَإِنْ أَذِنَتْ لِي فَادْفِنُونِي، وَإِلاَّ فَرُدُّونِي إِلَى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، إِنِّي لاَ أَعْلَمُ أَحَدًا أَحَقَّ بِهَذَا الأَمْرِ مِنْ هَؤُلاَءِ النَّفَرِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، فَمَنِ اسْتَخْلَفُوا بَعْدِي فَهُوَ الْخَلِيفَةُ

стр. 5691

فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا. فَسَمَّى عُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، وَوَلَجَ عَلَيْهِ شَابٌّ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِبُشْرَى اللَّهِ، كَانَ لَكَ مِنَ الْقَدَمِ فِي الإِسْلاَمِ مَا قَدْ عَلِمْتَ، ثُمَّ اسْتُخْلِفْتَ فَعَدَلْتَ، ثُمَّ الشَّهَادَةُ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ. فَقَالَ: لَيْتَنِي يَا ابْنَ أَخِي وَذَلِكَ كَفَافًا لاَ عَلَيَّ وَلاَ لِي أُوصِى الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِالْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ خَيْرًا، أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ، وَأَنْ يَحْفَظَ لَهُمْ حُرْمَتَهُمْ، وَأُوصِيهِ بِالأَنْصَارِ خَيْرًا الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ أَنْ يُقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَيُعْفَو عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ اللَّهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ ﷺ أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَأَنْ لاَ يُكَلَّفُوا فَوْقَ طَاقَتِهِمْ. هذا طرف من حديث طويل يأتي في مناقب عثمان، وأوله في سياق مقتل عمر، وآخره في قصة بيعة عثمان، وقوله: "يقرأ عمر بن الخطاب عليك السلام"، في رواية المناقب زيادة: "ولا تقل أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميرًا" قال ابن التين: إنما قال ذلك عندما أيقن بالموت، إشارة بذلك إلى عائشة، حتى لا تحابيه لكونه أمير المؤمنين. وقوله: "لأوثرنَّه اليومَ على نفسي"، قال ابن بطال: إنما استأذنها عمر لأن الموضع كان بيتها، وكان لها فيه حق، وكان لها أن تؤثر به نفسها، فآثرت به عمر. واستدل بعضهم باستئذان عمر لها على أنها كانت تملك البيت. وفيه نظر، بل الواقع أنها كانت تملك منفعته بالسكنى فيه والإسكان، ولا يورث عنها، وحكم أزواج النبي ﷺ كالمعتدات لأنهن لا يتزوجن بعده، وقد مرَّ في الحديث الذي قبله وجه الجمع بين قول عائشة: "لأوثرنَّه علي نفسي"، وبين قولها لابن الزبير: "لا تدفني عندهم". ويحتمل أن يكون مرادها بقولها: "لأوثرنَّه على نفسي" الإشارة إلى أنها لو أذنت في ذلك لامتنع عليها الدفن هناك، لمكان عمر، لكونه أجنبيًا منها، بخلاف أبيها وزوجها, ولا يستلزم ذلك أن لا يكون في المكان سعة أم لا, ولهذا كانت تقول بعد أن دفن عمر: "لم أضع ثيابي عني منذ دفن عمر في بيتي" أخرجه ابن سعد وغيره. وقوله: "ما كان شيء أهم عليّ من ذلك المضجع، فإذا قبضت فاحملوني ثم سلِّموا، ثم قل: يستأذن عمر بن الخطاب"، ذكر ابن سعد عن مالك أن عمر كان يخشى أن تكون أذنت في حياته حياء منه، وأن ترجع عن ذلك بعد موته، فأراد أن لا يكرهها على ذلك. وقوله: "وولج عليه شاب من الأنصار فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله". وفي رواية المناقب: "وجاء الناس يثنون عليه، وجاء رجل شاب .. إلخ". وفي رواية الكشميهنيّ: "فجعلوا يثنون عليه" وفي حديث جابر عند ابن سعد من تسمية مَنْ أثنى عليه عبد الرحمن بن عوف، وأنه أجابه بما أجاب به غيره، وروى عمر بن شَيَّة أن المغيرة أثنى عليه، وقال له: هنيئًا لك الجنة، وأجابه بنحو ذلك. وروى ابن أبي شَيبة عن المُسَوّر بن مَخْرَمة أنه ممن دخل

стр. 5692

على عمر حين طُعِن، وعند ابن سعد عن جُوَيْرية بن قُدَامة "فدخل عليه الصحابة، ثم أهل المدينة، ثم أهل الشام ثم أهل العراق، فكلما دخل عليه قومٌ بكوا، وأثنوا عليه". وفي رواية أبي إسحاق عند ابن سعد: "فأتاه كعب الأحبار فقال: ألم أقل لك إنك لا تموت إلا شهيدًا وإنك تقول: من أين وإنّي في جزيرة العرب؟ وقوله: "جاء رجل شاب"، وفي رواية سِماك الحنفيّ عن ابن عباس عند ابن سعد أنه أثنى على عمر فقال له نحوًا مما قال هنا للشاب، فلو لم يكن في رواية الباب من الأنصار لساغ أن يفسر المبهم بابن عباس، لكن لا مانع من تعدد المُثْنين مع اتحاد جوابه، كما تقدم. ويؤيده أنّ في قصة هذا الشاب أنه لما ذهب رأى عمر إزاره يصل إلى الأرض، فأنكر عليه، ولم يقع ذلك في قصة ابن عباس. وقوله: "كان من القِدَم في الِإسلام ما قد علمت، ثم استخلفت فعدلت، ثم الشهادة بعد هذا كله"، والقِدِم بفتح القاف وكسرها، فالأول بمعنى الفضل والثاني بمعنى السبق، وقوله: "ليتني يا ابن أخي، وذلك كِفَافًا، لا عليّ، ولا لي"، تفسير للكَفاف، بفتح الكاف أي: سواء بسواء. وفي رواية المناقب زيادة "فلما أدبر إذا إزاره يَمَسّ الأرض قال: ردوا عليّ الغلام، قال: يا ابن أخي، ارفع ثوبك، فإنه أنقى لثوبك، وأتقى لربك" وفي إنكاره على الغلام ما كان عليه من الصلابة في الدين، وأنه لم يشغله ما هو فيه من الموت عن الأمر بالمعروف. وفي رواية المبارك بن فضالة قال ابن عباس: وإن قلت ذلك فجزاك الله خيرًا أليس قد دعا رسول الله ﷺ أن يعز بكَ الدين؟ والمسلمين إذ يخافون بمكة، فلما أسلمت كان إسلامك عزًا، وظهر بك الإِسلام، وهَاجرت فكانت هجرتك فتحًا، ثم لم تغلب عن مشهد شهده رسول الله ﷺ ، من قتال المشركين ثم قُبِض وهو عنك راضٍ، ووازرت الخليفة بعده على منهاج النبي ﷺ ، فضربت من أدبر بمن أقبل، ثم قبض الخليفة وهو عنك راض، ثم وُلِّيتَ بخير ما ولي الناس، مَصَرَّ الله بك الأمصار، وجبا بك الأموال، ونقى بك العدو، وأدخل بك على أهل كل بيت ما يوسعهم في دينهم وأرزاقهم، ثم ختم لك بالشهادة، فهنيئًا لك. فقال: إن المغرور والله من تغرونه، ثم قال: أتشهد لي يا عبد الله عند الله يوم القيامة؟ فقال: نعم فقال: اللهم لك الحمد. وفي رواية مبارك بن فَضالة أيضًا قال الحسن البصري؛ وذكر له فعل عمر عند موته، وخشيته من ربه، فقال: هكذا المؤمن، جمع إحسانًا وشفقة، والمنافق جمع إساءة وعزة، والله ما وجدت إنسانًا ازداد إحسانًا إلا ازداد مخافة وشفقة، ولا ازداد إساءة إلا ازداد عزة. وقوله: "لا أعلم أحدًا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ"، وفي رواية "المناقب" فقالوا: أوصي يا أمير المؤمنين، استخلف وسيأتي في الأحكام ما يدل على أن الذي قال له ذلك هو عبد الله بن عمر. وروى عمر بن مَشيّة بإسناد فيه انقطاع أن أسْلَمَ مولى عمر، قال لعمر حين وقف لم يُوَلِّ أحدًا

стр. 5693

بعده: يا أمير المؤمنين ما يمنعك أن تصنع كما صنع أبو بكر؟ ويحتمل أن يكون ذلك قبل أن يطعنه أبو لؤلؤة. فقد روى مسلم عن مَعدان بن أبي طلحة أن عمر قال في خطبته قبل أن يُطعن: إن أقوامًا يأمرونني أن أَستخلف. وقوله: "فسمَّى عثمان وعليًا ... إلخ"، وعند ابن سعد من رواية ابن عمر أنه ذكر عبد الرحمن بن عوف وعثمان وعليًا، وفيه قلت لسالم: أبدأ بعبد الرحمن بن عوف قبلهما، قال: نعم، فدل هذا على أن الرواة تصرفوا؛ لأن الواو لا ترتب، واقتصار عمر على الستة من العشرة لا إشكال فيه؛ لأنه منهم، وكذلك أبو بكر، ومنهم أبو عبيدة وقد مات قبل ذلك، وأما سعيد بن زيد فهو ابن عم عمر، فلم يسمه عمر فيهم مبالغة في التبري من الأمر، وقد صرح في رواية المدائنيّ بأسانيده أنَّ عمر عد سعيد بن زيد فيمن توفي النبي ﷺ وهو عنهم راضٍ، إلا أنه استثناه من أهل الشورى لقرابته منه، وقد صرّح بذلك المدائنيّ بأسانيده قال: فقال عمر: لا أرب لي في أموركم فارغب فيها لأحدٍ من أهلي. وفي رواية "المناقب" زيادة "يُشَهدُكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء، كهيئة التعزية له" في رواية الطبري عن المدائنيّ بأسانيده قال: فقال له رجل: استخلف عبد الله بن عمر، قال: والله ما أردتَ الله بهذا، وأخرج ابن سعد بسند صحيح من مرسل إبراهيم النخعي نحوه، قال: فقال عمر: قاتلك الله، والله ما أردت الله بهذا، أأستخلف مَنْ لم يحسن أن يطلق امرأته؟ وقوله: "كهيئة التعزية له"، أي: لابن عمر؛ لأنه لما أخرجه من أهل الشورى في الخلافة، أراد جبر خاطره بأن جعله من أهل المُشاورة في ذلك، وزعم الكرمانيّ أن قوله: "كهيئة التعزية له" من كلام الراوي، ولم أعرف من أين تهيأ له الجزم بذلك مع الاحتمال، وذكر المدائنيّ أن عمر قال لهم: إذا اجتمع ثلاثة على رأي، وثلاثة على رأي، فحكموا عبد الله بن عمر، فإن لم ترضوا بحكمه، فقدموا مَنْ معه عبد الرحمن بن عوف. وفي رواية "المناقب" زيادة "فإن أصابت الإمرة سعدًا فهو ذلك، وإلا فليستعن به أيكم ما أمر، فإني لم أعزله من عجز ولا خيانة" والإِمِرة بكسر الميم، وللكشميهنيّ "الإِمارة"، وزاد المدائنيّ "وما أظن أن يلي هذا الأمر إلا عثمان أو علي، فإن ولي عثمان فرجل فيه لين، وإن ولي عليّ فستختلف عليه الناس، وإن ولي سعد، وإلا فليستعن به الوالي، ثم قال لأبي طلحة: إن الله نصر بكم الإِسلام، فاختر خمسين رجلًا من الأنصار، واستحث هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلًا منهم". وقوله: "وأوصى الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين" في رواية أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون "فقال ادعو لي عليًا وعثمان وعبد الرحمن وسعدًا والزبير" وكان طلحة غائبًا، قال: فلم يكلم أحدًا منهم غير عثمان وعلي، فقال: يا عليّ لعل هؤلاء القوم يعلمون لك حقك، وقرابتك من رسول الله ﷺ وصهرك، وما آتاك الله من الفقه والعلم، فإنْ وُلِّيت هذا الأمر فاتق الله فيه، ثم دعا عثمان فقال: يا عثمان، فذكر له نحو ذلك".

стр. 5694

وفي رواية إسرائيل عن أبي إسحاق في قصة عثمان: فإن وَلَّوْك هذا الأمر فاتق الله فيه، ولا تحملن بني أبي مُعَيط على رقاب الناس. ثم قال: ادعوا لي صُهيبًا، فدعى له ثم قال: صل بالناس ثلاثًا، وليحل هؤلاء القوم في بيت، فإذا اجتمعوا على رجل، فمن خالف فاضربوا عنقه. فلما خرجوا من عنده قال: إنْ تولوها الأَجلح يأخذ بهم الطريق، فقال له ابنه: ما يمنعك يا أمير المؤمنين؟ قال: أكره أن أتحملها حيًا وميتًا. وقد اشتمل هذا الفصل على فوائد عديدة، وله شاهد من حديث ابن عمر، أخرجه ابن سعد بإسناد صحيح، قال: دخل الرهط على عمر، فنظر إليهم فقال: إني قد نظرت في أمر الناس، فلم أجد عند الناس شقاقًا، فإن كان فهو فيكم، وإنما الأمر إليكم، وكان طلحة يومئذ غائبًا في أمواله، قلت: يأتي في المتن ما يدل على حضوره، قال: فإن كان قومكم لا يؤمرون إلا لأحد الثلاثة عبد الرحمن بن عوف وعثمان وعليّ، فمن ولي منكم فلا يحمل قرابته على رقاب الناس، قوموا فتشاوروا، ثم قال عمر: أمهلوا فإنْ حدث لي حدث، فليصل لكم صهيب ثلاثًا، فمن تَأمَّر منكم على غير مشورة من المسلمين فاضربوا عنقه. والمهاجرون الأولون هم مَنْ صلّى إلى القبلتين، وقيل مَنْ شهد بيعة الرضوان. وقوله: "الذين تبوؤا الدار"، أي: سكنوا المدينة قبل الهجرة، وقوله: "والإيمان" ادّعى بعضهم أنه من أسماء المدينة، وهو بعيد، والراجح أنه ممن تبوؤا معنى لزم، وعامل نصبه محذوف تقديره واعتقدوا، أو أن الإِيمان لشدة ثبوته في قلوبهم كأنه أحاط بهم، وكأنهم نزلوه، والله تعالى أعلم. وقوله: "وأوصيه بذمة الله وذمة رسول الله ﷺ أن يوفي لهم بعدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلَّفوا إلا طاقتهم"، والمراد بذمة الله أهل الذمة، والمراد بالقتال من ورائهم أي: إذا قصدهم عدولهم، والوراء الخلف، ويطلق على المقدام، فهو من الأضداد. وفي رواية "المناقب": "ووأصيه بأهل الأمصار خيرًا فإنهم رِدء الإِسلام، وجُباة المال، وغَيْظ العدو، وأنْ لا يؤخذ منهم إلا فَضْلُهم عن رضاهم". وقوله: "ردء الإِسلام"، أي: عون الإِسلام الذي يدفع عنه، وغيظ العدو، أي: يغيظون العدو بكثرتهم وقوتهم. وقوله: "إلا فَضْلهم"، أي: إلاَّ ما فضل عنهم، وفيها: وأوصيه بالأعراب خيرًا، فإنهم أصل العرب ومادة الإِسلام، أنْ يوخذ من حواشي أموالهم، وترد على فقرائهم، وحواشي أموالهم التي ليست بخيار. وقد استوفى عمر في وصيته جميع الطرائق؛ لأن الناس إما مسلم أو كافر، والكافر إما حربيّ ولا يوصى به، أو ذميٌّ وقد ذكره. والمسلم إما مُهاجريّ أو أنصاريّ أو غيرهما، وكلهم إما حضريّ أو بدوي، وقد بيّن الجميع. وفي رواية المدائنيّ من الزيادة "وأحسنوا مؤازرة مَنْ يلي أمركم، وأعينوه، وأدوا إليه الأمانة" وفي رواية "المناقب" من الزيادة: "فلما فرغ من دفنه، اجتمع هؤلاء

стр. 5695

الرهط، فقال عبد الرحمن اجعلوا أمركم إلى ثلاثة، فجعل الزبير أمره إلى عليّ، وطلحة أمره إلى عثمان، وسعد أمره إلى عبد الرحمن". وقوله: "اجعلوا أمركم إلى ثلاثة"، أي: في الاختيار، ليقل الاختلاف. وقول طلحة: جعلت أمري إلى عثمان فيه دلالة على أنه حضر، وقد تقدم أنه كان غائبًا عند وصية عمر، ويحتمل أنه حضر بعد أن مات، وقبل أن يتم أمر الشورى، وهذا أصح مما رواه المدائنيّ أنه لم يحضر حتى بويع عثمان. ويدل على هذا أن غيبته كانت في أمواله كما مرّ، فهي غيبة قريبة. وقوله: "فقال عبد الرحمن: أيكم تَبَرَّأ من هذا الأمر فنجعله إليه والله عليه، وكذا الإِسلام؟ لينظرن أفضلهم في نفسه، فأُسْكِت الشيخان، فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إليّ، والله على أن لا آلو عن أفضلكم؟ قالا: نعم". وقوله: "والله عليه"، الخبر محذوف أي: عليه رقيب، وقوله: "فأُسْكِت"، بضم الهمزة وكسر الكاف، أي: كأنَّ مسكتاً أسكتهما، ويجوز فتح الهمزة والكاف، وهو بمعنى سكت، والمراد بالشيخين علي وعثمان. وقوله: "فأخذ بيد أحدهما هو عليّ"، وبقية الكلام تدل عليه، ووقع مصرحًا به في رواية ابن فضيل عن حصين، وقوله: "فقال: لك قرابة من رسول الله ﷺ "، والقِدَم في الإِسلام ما قد علمت، والقِدَم بكسر القاف وفتحها، زاد المدائنيّ أنه قال: أريت لو صرف هذا الأمر عنك فلم تحضر، مَنْ كنت ترى أحق بها من هؤلاء الرهط؟ قال: عثمان. وقوله: "خلا بالآخر، فقال له مثل ذلك"، زاد المدائنيّ أنه قال له: "مثل ما قال لعلي" وزاد فيه أن سعدًا أشار عليه بعثمان، وأنه دار تلك الليالي كلها على الصحابة، ومَنْ وافى المدينة من أشراف الناس، لا يخلو برجل منهم، إلا أمره بعثمان. وقد أورد المصنف قصة الثورى في كتاب الأحكام عن المُسَوّر بن مَخْرمة نحو هذا، وأتم مما هنا. وفي قصة عمر هذه من الفوائد شفقته على المسلمين، ونصيحته لهم، وإقامته السنة فيهم، وشدة خوفه من ربه، واهتمامه بأمر الدين أكثر من اهتمامه بأمر نفسه، وأن النهي عن المدح في الوجه مخصوص بما إذا كان غلوًا مفرطًا أو كذبًا ظاهرًا، ومن ثم لم ينه عمر الشاب عن مدحه له مع أنه أمره بتشمير إزاره، والوصية بأداء الدين، والاعتناء بالدفن في جوار الصالحين، طمعًا في إصابة الرحمة إذا نزلت عليهم، وفي دعاء مَنْ يزورهم من أهل الخير، وفيه أن مَنْ بَعث رسولًا في حاجة مهمة أن له أن يسأل الرسول قبل وصوله إليه، ولا يعد ذلك من قلة الصبر، بل من الحرص على الخير. وفيه أن مَنْ وعد بعدة له الرجوع فيها, ولا يقضى عليه بالوفاء؛ لأن عمر لو علم لزوم ذلك لها لم يستأذن ثانيًا، وأجاب مَنْ قال بلزوم العدة، يحمل ذلك من عمر على الاحتياط، والمبالغة في الورع، ليتحقق طيب نفس عائشة بما أذنت فيه أولًا، ليضاجع أكمل الخلق ﷺ على أكمل

стр. 5696

الوجوه. وفيه المشورة في نصب الإمام وتقديم الأفضل، وأن الإمامة تنعقد بالبيعة، وغير ذلك مما هو ظاهر بالتأمل. وقال ابن بطال: فيه دليل على جواز تولية المفضول على الأفضل منه؛ لأن ذلك لو لم يجز لم يجعل الأمر شورى إلى ستة أنفس، مع علمه بأن بعضهم أفضل من بعض. قال: ويدل على ذلك قول أبي بكر: قد رضيت لكم أحد الرجلين: عمر وأبي عُبيدة، مع علمه بأنه أفضل منهما. قلت: الدليل الأول فيه أن عمر، وإن كان يعلم أن بعضهم أفضل من بعض، لا يعلم الأفضل بعينه. وعن الثاني بأن أبا بكر لفضله، يعتقد الفضل لغيره، ولا يعتقد لنفسه فضلًا، وقد استشكل جعل عمر الخلافة في ستة، ووكل ذلك إلى اجتهادهم، ولم يصنع ما صنع أبو بكر في اجتهاده فيه؛ لأنه إن كان لا يرى جواز ولاية المفضول على الفاضل، فصنيعه يدل على أن من عدا الستة كان عنده مفضولًا بالنسبة إليهم. وإذا عرف ذلك لم يخف عليه أفضلية بعض الستة على بعض، وإن كان يرى جواز ولاية المفضول على الفاضل، فمن ولّاه منهم أو من غيرهم كان ممكنًا. والجواب عن الأول، ويدخل فيه الجواب عن الثاني هو أنه تعارض عنده صنيع النبي ﷺ ، حيث لم يصرح باستخلاف شخص بعينه، وصنيع أبي بكر حيث صرّح، فتلك طريق تجمع التنصيص وعدم التعيين، وإن شئت قلت تجمع الاستخلاف وترك تعيين الخليفة. وقد أشار إلى ذلك بقوله: "لا أتقلدها حيًا وميتًا" لأن الذي يقع ممن يستخلف بهذه الكيفية إنما ينسب إليه بطريق الإجمال، لا بطريق التفصيل، فعينهم ومكنهم من المشاورة في ذلك والمناظرة، لتقع ولاية مَنْ يتولى بعده باتفاق من معظم الموجودين حينئذ ببلده، الذي هو دار الهجرة، وبها معظم الصحابة، وكل مَنْ كان ساكنًا غيرهم في بلد غيرها، كان تبعًا لهم فيما يتفقون عليه. قلت: الأوْلى عندي أن عمر علم فضل هؤلاء الستة على غيرهم، بكونه ﵊ مات وهو عنهم راض بالنص على ذلك، ولم يعلم أيهم أفضل، فجعل الخلافة شورى بينهم، وترك النبي ﷺ الخلافة اتكالًا منه على ما صرّح به من قوله ﷺ ، كما في الصحيح: "ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر". وقد استوفينا أبحاث ما أشار إليه البخاري من هذا الحديث هنا، وبقي الكلام على موت عمر رضي الله تعالى عنه، وكيفيته وإيصائه على قضاء دينه. رجاله خمسة: وفيه ذكر عمر وأم المؤمنين عائشة وعثمان وعليًا وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص، وفيه لفظ شاب مبهم، وقد مرَّ الجميع، مرَّ قتيبة في الحادي والعشرين من الإيمان, ومرّ جرير بن عبد الحميد في الثاني عشر من العلم، ومرَّ حصين بن عبد الرحمن في الثالث والسبعين

стр. 5697

من مواقيت الصلاة، ومرَّ عمرو بن ميمون في الخاص والمئة من الوضوء، ومرَّ عمر ﵁ في الأول من بدء الوحي، ومرَّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه، ومرَّ سعد بن أبي وقاص في العشرين منه، ومرَّ طلحة بن عُبيد الله في التاسع والثلاثين منه، ومرَّ عثمان في أثر بعد الخامس من العلم، ومرَّ علي بن أبي طالب في السابع والأربعين منه، والزبير في الثامن والأربعين منه، ومرَّ عبد الرحمن بن عوف في السابع والخمسين من الجمعة. والشاب لم يسم ثم قال المصنف:

стр. 5698

باب ما ينهى من سب الأموات أي: هذا باب في بيان ما ينهى من سب الأموات، وكلمة "ما" مصدرية، أي: باب النهي عن سب الأموات، أي: شتمهم من السَّب، بالفتح، وهو القطع أو من السُّبة، بالضم، وهي حلقة الدّبر، كأنه على الأول قطع المسبوب عن الخير والفضل، وعلى الثاني كشف العورة وما ينبغي أن يستر. الحديث الحادي والخمسون والمئة حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لاَ تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا". قال الزين بن المنير: لفظ الترجمة يشعر بانقسام السب إلى منهي وغير منهي، ولفظ الخبر مضمونه النهي عن السب مطلقًا، والجواب أن عمومه مخصوص بحديث أنس السابق حيث قال ﷺ ، عند ثنائهم بالخير وبالشر: "وجبت وأنتم شهداء الله في الأرض" ولم ينكر عليهم، ويحتمل أن اللام في الأموات عهدية، والمراد بهم المسلمون؛ لأن الكفار مما يتقرب إلى الله بسبهم. وقال القرطبي في الكلام على حديث "وجبت" يحتمل أجوبةً: الأول أن الذي كان يحدث عنه بالشر كان مستظهرًا به، فيكون من باب لا غيبة في فاسق، أو كان منافقًا. ثانيها: يحمل النهي على ما بعد الدفن، والجواز على ما قبله، ليتعظ به مَنْ يسمعه. ثالثها: يكون النهي العام متأخرًا، فيكون ناسخًا، وهذا ضعيف. وقال ابن رشيد ما محصله: إن السب ينقسم في حق الكافر وحق المسلم، أما الكافر فيمنع إذا تأذى به الحي المسلم، فعند أحصد والنَّسائيّ عن ابن عباس أن رجلًا من الأنصار وقع في أبي العباس كان في الجاهلية، فلطمه العباس، فجاء قومه وقالوا: والله لنلطمنه كما لطمه، فلبسوا السلاح، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فصعد المنبر فقال: "أيها الناس، أيُّ أهل الأرض أكرمُ عند الله؟ " قالوا: أنت، قال: "فإن العباس مني وأنا منه، فلا تسبوا أمواتنا فتؤذوا أحياءنا"، فجاء القوم فقالوا: يا رسول الله، نعوذ بالله من غضبك. وفي كتاب الصمت لأبي الدنيا في حديث مرسل صحيح الإِسناد عن محمد بن علي الباقر قال: نهى النبيَّ ﷺ أن تسب قتلى بدر من المشركين، وقال: لا تسبوا هؤلاء، فإنهم لا يخلص إليهم شيء مما تقولون، وتؤذون الأحياء إلا أن البذاء لؤم، وأما المسلم فحيث تدعو الضرورة إلى

стр. 5699

ذلك، كان يكون من قبيل الشهادة، وقد يجب في بعض المواضع، وقد تكون فيه مصلحة للميت، كمن علم أنه أخذ ماله بشهادة زور، ومات الشاهد، فإن ذكر ذلك ينفع الميت، إن علم أن ذلك المال يرد إلى أهله. قال: ولأجل الغفلة عن هذا التفصيل، ظن بعضهم أن البخاري سها عن حديث الثناء بالخير والشر، وإنما قصد البخاريّ أن يبين أن ذلك الجائز كان على معنى الشهادة، وهذا الممنوع هو على وجه السب، ولما كان المتن قد يشعر بالعموم، أتْبعه بالترجمة التي بعده، وتأول بعضهم الترجمة الأولى على المسلمين خاصة، والوجه حَمْلُه على العموم إلا ما خصصه الدليل، بل لقائل أن يمنع أنّ ما كان على جهة الشهادة، وقصد التحذير، يسمى سبًا في اللغة. وقال ابن بطال: سب الأموات يجري مجرى الغيبة، فإن كان أغلب أحوال المرء الخير، وقد تكون منه الفلتة، فالاغتياب له ممنوع، وإن كان فاسقًا معلنًا فلا غيبة له. فكذلك الميت، ويحتمل أن يكون النهي على عمومه فيما بعد الدفن، والمباح ذكر الرجل بما فيه قبل الدفن، ليتعظ بذلك قُسّاق الأحياء، فإذا صار إلى قبره أمسك عنه، لإفضائه إلى ما قدم. وقد عملت عائشة راوية الحديث بذلك فيمن استحق عندها اللعن، فكانت تلعنه وهو حي، فلما مات تركت ذلك، ونهت عنه، فقد أخرج عمر بن شَيّة في أخبار البصرة عن مجاهد أن عائشة قال: ما فعل يزيد الأرجي: لعنه الله؟ قالوا: مات، قالت: استغفر الله. قالوا: ما هذا؟ فذكرت الحديث. وأخرج عن مسروق أن عليًا بعث يزيد بن قيس الأرجي في أيام الجمل برسالة، فلم ترد عليه جوابًا، فبلغها أنه عاب عليها ذلك، فكانت تلعنه، ثم لما بلغها موته نهت عن لعنه. وقالت: إن رسول الله ﷺ نهانا عن سب الأموات. وقوله: "أَفْضُوا إلى ما قدموا"، أي: وصلوا إلى ما عملوا من خير أو شر، واستدل به على منع سب الأموات مطلقًا، وقد مرَّ أن عمومه مخصوص. وأصح ما قيل في ذلك أن أموات الكفار والفُسّاق يجوز ذكر مساوئهم، للتحذير منهم والتنفير عنهم، وقد أجمع العلماء على جواز جرح المجروحين من الرواة. رجاله خمسة: قد مرَّوا، مرَّ آدم وشعبة في الثالث من الإيمان، ومرَّ الأعمش في الخامس والعشرين منه، ومرَّ مجاهد في أثر أوله قبل ذكر حديث منه، ومرت عائشة في الثاني من بدء الوحي. ثم قال: رواه عبد الله بن عبد القدوس ومحمد بن أنس عن الأعمش، أي: متابعين لشعبة، ورواية عبد الله بن عبد القدوس ومحمد بن أنس لم أرها موصولة، ولكن أخرجه عمر بن شَيَّة في كتاب أخبار البصرة عن مجاهد.

стр. 5700

رجاله ثلاثة: مرَّ محل الأعمش في الذي قبله، والباقي اثنان: الأول: عبد الله بن عبد القدوس التميميّ السعديّ، أبو محمد، ويقال أبو سعيد، ويقال أبو صالح، قال محمد بن عيسى: هو ثقة، وقال البخاريّ: هو في الأصل صَدُوق إلا أنه يروي عن أقوام ضعاف. وقال ابن مُعين: ليس بشيء، رافضي خبيث. وقال محمد بن مِهران الحمّال: لم يكن بشيء، كان يسخر منه، يشبه المجنون، يصيح الصبيان في أثره. وقال أبو داود: ضعيف الحديث، كان يرمى بالرفض، وقال النَّسَائِيُّ: ضعيف، وقال مرة: ليس بثقة، وقال ابن عديّ: عامة ما يرويه في فضائل أهل البيت، وذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال: ربما أغرب. روى عن الأعمش وعبد الملك بن عُمير ولَيث بن أبي سُلَيم وغيرهم. وروى عنه عبّاد بن يعقوب، ومحمد بن حُميد الرازيّ، ومحمد بن عيسى بن الطبّاع وغيرهم وليس له في صحيح البخاري ذكر إلا في هذا الموضع، وروى عنه أبو داود حديثًا واحدًا في الفتن. الثاني: محمد بن أنس القرشي أبو أنس العدويّ، مولى عمر بن الخطاب، كوفيّ سكن الدِّيْنَوَر. قال أبو حاتم: سمع منه إبراهيم بن موسى فقط، وهو صحيح الحديث، وقال أبو زرعة: ثقة، كان إبراهيم بن موسى يثني عليه، وذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال: يغرب، وذكر العقيلي في الضعفاء محمد بن أنس بن عبد الحميد بن أخي جرير، وقال: كوفيّ سكن الرَّيَّ، يحدث عن الأعمش بأحاديث لم يتابَع عليها، ثم أخرج من طريق إبراهيم بن موسى عنه عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، رفعه، "رأيت في يدي سُوَارين، فنفختهما ... " الحديث، فلعلهما اثنان روى عنهما إبراهيم بن موسى؛ لأن جريرًا ضَبِّيٌّ، وما هو من موالي آل عمر، أو كان أنس بن أخي جرير من غير أبيه. روى عن الأعمش وسهيل بن أبي صالح وحُصَين بن عبد الرحمن وغيرهم. وروى عنه إبراهيم بن موسى الرازيّ وعلي بن بَحر بن بَرِيّ. ثم قال: تابعه عَلِيُّ بن الجَعْد وابن عُرْعُرة وابن أبي عَدِيّ عن شُعبة. أما متابعة علي بن الجعد، فقد وصلها المصنف في الرقاق، ومتابعة محمد بن عرعرة قال في الفتح: لم يرها موصولة من طريقة، ومتابعة ابن أبي عَدِيّ وصلها الإسماعيليّ، ووصلها أيضًا من طريق عبد الرحمن بن مهديّ عن شُعبة، وهي عند أحمد أيضًا عنه. ورجال المتابعة أربعة، مرَّ عليّ بن الجَعْد في السادس والأربعين من الإيمان، ومرَّ محمد بن عُرْعُرة في الحادي والأربعين منه، ومرَّ شعبة في الثالث منه، ومرَّ محمد بن أبي عديّ في العشرين من الغُسل. ثم قال المصنف:

стр. 5701

باب ذكر شرار الموتى تقدم في الباب الذي قبله من شرح ذلك ما فيه كفاية. الحديث الثاني والخمسون والمئة حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ أَبُو لَهَبٍ عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ لِلنَّبِىِّ ﷺ : تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ. فَنَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾. هذا الحديث أورده هنا مختصرًا جدًا، وسيأتي مطولًا في تفسير الشعراء، ويأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى هناك، وقوله: "فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ " وفي رواية أبي أسامة ﴿تبت يدا أبي لهب وقد تب﴾ وزاد: هكذا قرأها الأعمش يومئذ، وليست هذه القراءة فيما نقل القراء عن الأعمش، والأظهر أنه قرأها حاكيًا لا قارئًا، ويؤيده قوله في هذا السياق "يومئذ"، فإنه يشعر بأنه كان لا يستمر على قراءتها كذلك، والمحفوظ أنها قراءة ابن مسعود وحده. رجاله ستة: قد مرّوا، مرَّ عمر بن حفص وأبو حفص في الثاني عشر من الغسل، والأعمش في الخامس والعشرين من الإيمان، وعمرو بن مرة في السبعين من الجماعة والإمامة، ومرَّ سعيد بن جبير وابن عباس في الخامس من بدء الوحي. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، أخرجه البخاريّ في سورة الشعراء في التفسير مطولًا، والترمذيّ في التفسير والنَّسائيّ فيه وفي اليوم والليلة.

стр. 5702

خاتمة اشتمل كتاب الجنائز من الأحاديث المرفوعة على مئتي حديث وعشرة أحاديث، المعلق من ذلك والمتابعة ستة وخمسون حديثًا، والبقية موصولة المكرر من ذلك فيه وفيما مضى مئة حديث وتسعة أحاديث. والخالص مئة حديث وحديث، وافقه مسلم على تخريجها سوى أربعة وعشرين حديثًا، وهي حديث عائشة "أقبل أبو بكر على فَرسه"، وحديث أم العلاء في قصة عثمان بن مظعون، وحديث أنس "أخذ الراية زيد فاصيب"، وحديثه: "ما من الناس من مسلم يتوفى له ثلاثة"، وحديث عبد الرحمن بن عوف "قتل مصعب بن عميرا وحديث سهل بن سعد "أن امرأة جاءت ببردة منسوجة"، وحديث أنس "شهدتا بنتًا للنبي ﷺ "، وحديث أبي سعيد "إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال"، وحديث ابن عباس في القراءة على الجنائز بفاتحة الكتاب، وحديث جابر في قصة قتلى أُحد "زملوهم بدمائهم"، وحديثه في قصة استشهاد أبيه ودفنه، وحديث صفية بنت شَيبة في تحريم مكة، وحديث أنس في قصة الغلام اليهودي، وحديث ابن عباس "كنت أنا وأُمي من المستضعفين" وقد وهم المزي تبعًا لأبي مسعود في جعله في المتفق، وقد تعقبه الحميدي على أبي مسعود فأجاد، وحديث أبي هريرة "الذي يخنق نفسه"، وحديث عمر "أيما مسلم شهد له أربعة بخير"، وحديث بنت خالد بن سعيد في التعوذ، وحديث البراء "لما توفي إبراهيم"، وحديث سمرة في الرؤيا بطوله، لكن عند مسلم طرق يسير من أوله، وحديث عائشة "توفي رسول الله ﷺ يوم الاثنين"، وحديثها في وصيتها "أن لا تدفن معهم"، وحديث عمر في قصة وصيته عند قتله، وحديث عائشة "لا تسبوا الأموات"، وحديث ابن عباس في قول أبي لهب، وفيه من الآثار الموقوفة على الصحابة، ومن بعدهم ثمانية وأربعون أثرًا، منها ستة موصولة، والبقية معلقة والله أعلم بالصواب. ثم قال المصنف:

стр. 5703

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الزكاة البسملة ثابتة في الأصل، ولأكثر الرواة "باب" بدل "كتاب"، وسقط ذلك لأبي ذَرٍّ، فلم يقل باب ولا كتاب، وفي بعض النسخ كتاب الزكاة " باب وجوب الزكاة ". والزكاة في اللغة النماء، يقال زكا الزرع إذا نما، ويرد أيضًا في المال، وترد أيضًا بمعنى التطهير، وشرعًا بالاعتبارين معًا، أما بالأول فإن اخراجها سبب النماء في المال، أو بمعنى أن الأجر بسببها يكثر، أو بمعنى متعلقها الأموال ذات النماء كالتجارة والزراعة. ودليل الأول "ما نقص مال من صدقة" ولأنها يضاعف ثوابها كما جاء أن الله يُرْبي الصدقة. وأما بالثاني فلأنها طهرة للنفس من رذيلة البخل، وتطهير من الذنوب. وهي الركن الثالث من الأركان التي بُني عليها الإِسلام، كما مرَّ في كتاب الإيمان. وقال ابن العربي: تطلق الزكاة على الصدقة الواجبة والمندوبة والنفقة والحق والعفو. قلت: وكذلك الماعون: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ وتعريفها في الشرع إعطاء جزء من النصاب الحولي إلى فقير، ونحوه غير هاشميّ ولا مُطَّلِبيّ. وقوله: ولا مُطّلبيّ هو مذهب الشافعيّ، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى، في باب ما يذكر من الصدقة للنبي ﷺ ، وآله. ولها ركن وهو الإخلاص، وشرط هو السبب، وهو ملك النصاب الحولي، وشرط مَنْ تجب عليه وهو العقل والبلوغ والحرية، ولها حكم وهو سقوط الواجب في الدنيا، وحصول الثواب في الآخرة. وحكمة وهي التطهير من الأدناس ورفع الدرجة واسترقاق الأحرار، وهو جيد، لكن في شرط من تجب عليه اختلاف، والزكاة أمر مقطوع به في الشرع، يستغني مَنْ تكلّف الاحتجاج له، وإنما وقع الاختلاف في بعض فروعه. وأما أصل فرضية الزكاة فمن جحدها كفر، وإنما ترجم المصنف بذلك على عادته في إيراد الأدلة الشرعية المتفق عليها، والمختلف فيها. ثم قال: وقول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ قول بالرفع، قال الزين بن المنير: مبتدأ وخبره محذوف، أي: هو دليل على ما قلناه من الوجوب، وقد مرَّ معنى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة عند حديث "بُني الإِسلام على خمس" أول كتاب الإيمان. ثم قال: وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: حدّثني أبو سفيان رضي الله تعالى عنه، فذكر حديث النبي ﷺ فقال: "يأمرنا

стр. 5704

بالصلاة والزكاة والصلة والعَفاف" أورده هنا مختصرًا جدًا، وقد جاء مطولًا آخر بدء الوحي، واقتصر هنا على قوله: "يأمرنا بالصلاة والزكاة والصلة والعَفاف" ودلالته على الوجوب ظاهرة، وهذا التعليق ذكره موصولًا مراتٍ أولها في آخر بدء الوحي، وقد مرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي، ومرَّ أبو سفيان في السابع منه. الحديث الأول حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا ﵁ إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: "ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ". هذا الحديث دلالته على وجوب الزكاة أوضح من الذي قبله. قوله: ادعُهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وفي رواية التوحيد "إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إلى أن توحدوا الله تعالى" وأهل الكتاب هم اليهود، وكان ابتداء دخول اليهودية في اليمن زمن أسعد ذي كرب، وهو تُبَّع الأصغر، كما ذكره ابن إسحاق في السير، فقام الإِسلام وبعض أهل اليمن على اليهودية. ودخل دين النصرانية على اليمن بعد ذلك، لما غلبت الحبشة على اليمن. وكان منهم أبرهة صاحب الفيل الذي غزا مكة، وأراد هدم الكعبة حتى أجلاهم عنه سيف بن ذي يَزَن، فلم يبق بعد ذلك باليمن أحدٌ من النصارى أصلًا إلا بنجران، وهي بين مكة واليمن، وبقي ببعض بلاده قليل من اليهود، وكان بَعْثُه ﵊ معاذاً إلى اليمن عند انصرافه من تبوك، سنة تسع. وزعم ابن الحذّاء أن ذلك كان في شهر ربيع الآخر سنة عشر، وقدم في خلافة أبي بكر، ﵁، في الحجة التي حج عمر عنه فيها، وفي الطبقات في شهر ربيع الآخر سنة تسع، وفي "كتاب الصحابة" للعسكريّ: بعثه ﵊ واليًا على اليمن، وفي الاستيعاب "لما خلع من ماله لغرمائه بعثه ﷺ وقال: لعل الله أن يَجْبُرَك، وبعثه أيضًا قاضيًا، وجعل إليه قبض الصدقات من العمال الذين باليمن. وقوله في رواية التوحيد: "فإذا عرفوا الله" قال على أن أهل الكتاب لا يعرفون الله؛ لأن من شبهه وجسمه من اليهود أو أضاف إليه الولد أو الصاحبة أو أجاز الحلول والانتقال عليه والامتزاج، من النصارى، أو وصفه بما لا يليق به أو أضاف إليه الشريك، لم يعرفه، فمعبودهم الذي يعبدونه

стр. 5705

ليس هو الله تعالى، وإن سموه به، إذ ليس موصوفًا بصفات الله الواجبة، فأذَنْ ما عرفوا الله . وأمُرهم بالشهادتين؛ لأن ذلك أصل الدين الذي لا يصح شيء من فروعه إلا به، فمن كان منهم غير موحد على التحقيق، كالنصرانيّ، فالمطالبة موجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين، ومَنْ كان موحدًا كاليهود، فالمطالبة له بالجمع بين ما أقربه من التوحيد، وبين الإقرار بالرسالة. وقوله: "فإنْ هم أطاعوا لذلك" أي: للإتيان بالشهادتين. وقوله: "فأَعلمهم" بفتح الهمزة من الِإعلام، وقوله: "أن الله قد افترض" بفتح همزة أن؛ لأنها في محل النصب على أنها مفعول ثانٍ للإعلام، وطاعتهم بالصلاة يحتمل وجهين: أحدهما أن يريد إقرارهم بها، أي بوجوبها، والثاني أن يريد الطاعة بفعلها. ويرجح الأول أن المذكور في لفظ الحديث هو الإخبار بالفريضة، فتعود الإشارة بذلك إليها، ويرجح الثاني أنهم لو أخبروا بالوجوب فبادروا بالامتثال بالفعل، لكفى، ولم يشترط تلقيهم بالإقرار بالوجوب، وكذا الزكاة، لو امتثلوا بأدائها من غير تلفظ بالإقرار لكفى، فالشرط عدم الإنكار والإذعان بالوجوب لا باللفظ. وقوله: "تؤخذ من أغنيائهم" على صيغة المجهول في محل النصب على أنه صفة، لقوله: صدقة، وكذلك قوله: وترد، على صيغة المجهول، عطف على قوله: "تؤخذ"، وأُخذ من هذا وجوب أَخْذ الزكاة ممن وجبت عليه، وقهر الممتنع على بذلها, ولو لم يكن جاحدًا، فلو كان مع امتناعه ذا شوكة قوتل، وإلا فإن أمكن تعزيره على الامتناع عُزّر بما يليق به. وقد ورد في تعزيره بالمال حديث بَهْز بن حكيم، عن أبيه عن جده، مرفوعًا ولفظه "ومَنْ منعها، يعني الزكاة، فأنا آخذِها وشطر ماله عَزْمة من عزَمَات ربنا" أخرجه أبو داود والنسائي، وصححه ابن خُزيمة والحاكم. وأما ابن حِبّان فقالَ في ترجمة بَهْز بن حيكم: لولا هذا الحديث لأدخلته في كتاب "الثقات"، وأجاب من صححه، ولم يعمل به، بأن الحكم الذي دل عليه منسوخ، وأن الأمر كان أولًا كذلك، ثم نسخ. وضعّف النوويّ هذا الجواب من جهة أن العقوبة بالمال لا تعرف أولًا، حتى يتم دعوى النسخ، ولأن النسخ لا يثبت إلا بشرطه، كمعرفة التاريخ" ولا يعرف ذلك، واعتمد النوويّ ما أشار إليه ابن حِبّان من تضعيف بَهْز، وليس بجيد؛ لأنه موثق عند الجمهور، ولكن إطباق علماء الأمصار على عدم العمل به، يدل على أن له معارضًا راجحًا، وقول مَنْ قال بمقتضاه يعد في ندرة المخالف، ودل الحديث على أن الذي يقبض الزكاة الإِمام أو مَنْ أقامه لذلك، وقد أطبق الفقهاء بعد ذلك على أنَّ لأرباب الأموال الباطنة مباشرةَ الإخراج، وشذ مَنْ قال بوجوب الدفع إلى الإِمام، وهو رواية عن مالك، وفي القديم للشافعي نحوه، على تفصيل عنهما فيه، والحق أن الأمير إذا كان لا يضع الزكاة في مواضعها لا يجوز دفعها له طوعًا، وإن دفعها له طوعًا لم تجز، وإن أخذها من

стр. 5706

صاحبها كرهًا أجزأته. واستدل بقوله: "ترد على فقرائهم" مَنْ قال بعدم وجوب تعميم الأصناف كالمالكية، وأجاب عنه القائلون بتعميم الأصناف بأن الاقتصار على الفقراء وقع لمقاتلة الأغنياء؛ لأن الفقراء هم الأغلب. وقوله: في فقرائهم، يفيد منع صرف الزكاة للكافر، ومنع نقل الزكاة من بلد المال؛ لأن الضمير في قوله: "فقرائهم" يعود على أهل اليمن، وعورض بأن الضمير إنما يرجح إلى فقراء المسلمين، وهو أعم من أن يكونوا فقراء أهل تلك البلد أو غيرهم. وأجيب بأن المراد فقراء أهل اليمن بقرينة السياق، فلو نقلها عند وجوبها إلى بلد آخر، مع وجود الأصناف أو بعضهم، لا يُسْقِط الفرض عند المالكية النقلُ المضر ما كان على مسافة القصر لا أقل منها، فهو في حكم البلد الذي وجبت فيه، وإذا نقلت لدونهم في الاحتياج لم تجز، ولمثلهم أجزأت، ولأعدم منهم كان الأفضل نقل أكثرها إليهم. وقال الطيبي: اتفقوا على أنها إذا نقلت وأديت يسقط الفرض عنه، إلا عمر بن عبد العزيز، فإنه رد صدقة نقلت من خراسان إلى الشام إلى مكانها من خراسان. وفي قوله: "تؤخذ من أغنيائهم" دلالة على أن الطفل تلزمه الزكاة لعموم اللفظ، وتناوله له، واختلف أهل العلم، فذهب كثير من الصحابة إلى وجوب الزكاة في مال اليتيم، منهم عمرو وابنه وعلي وعائشة، وبه قال مالك والشافعيّ وأحمد وإسحاق. وقالت طائفة: ليس في مال اليتيم زكاة، وهو قول سفيان الثَّوريّ وابن المبارك وأبي حنيفة وأصحابه وسعيد بن جبير والحسن البصري والنخعيّ، وحجة الأولين ما رواه التِّرمْذِي عن عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ خطب فقال: "ألا مَنْ وَلي يتميًا له مالٌ فليتجر في ماله، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة" ورواه الدارقطني بلفظ: "احفظوا اليتامى في أموالهم لا تأكلها الزكاة" ورواه البَيْهقي والدارقطني أيضًا، عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قال: "ابتغوا بأموال اليتامى لا تأكلها الصدقة" وسعيد بن المسيب سمع من عمر على الصحيح، وحديث الباب كافٍ من الدليل. وحجة الآخرين حديث رفع القلم عن ثلاث "عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق" وأجيب عن هذا بأن الزكاة حق واجب في المال، والمخاطب به ولي الصبيّ أو وصيه، واستدل به على أن الكفار غير مخاطبين بالفروع، حيث دعوا أولًا إلى الإيمان فقط، ثم دعوا إلى العمل، ورتب ذلك عليها بالفاء، وأيضًا فإن قوله: فإنْ هم أطاعوا فأخبرهم، يفهم منه أنهم لو لم يطيعوا لا تجب عليهم شيء، وفيه نظر؛ لأن مفهوم الشرط مختلف في الاحتجاج به. وأجاب بعضهم عن الأول بأنه استدلال ضعيف؛ لأن الترتيب في الدعوة لا يستلزم الترتيب في

стр. 5707

الوجوب. كما أن الصلاة والزكاة لا ترتيب بينهما في الوجوب، وقد قدمت إحداهما على الأخرى في هذا الحديث، ورتبت الأُخرى عليها بالفاء، ولا يلزم من عدم الإتيان بالصلاة إسقاط الزكاة. وقيل: الحكمة في ترتيب الزكاة على الصلاة أن الذي يُقر بالتوحيد ويجحد الصلاة، يكفر بذلك، فيصير ماله فيئًا، فلا تنفعه الزكاة، وأما قول الخطابيّ: إن ذكر الصدقة أُخّر عن ذكر الصلاة لأنها إنما تجب على قوم دون قوم، وأنها لا تُكَرَّر تَكَرُّرَ الصلاة فبدأ بالأهم فالأهم، وذلك من التلطف في الخطاب؛ لأنه لو طالبهم بالجميع في أول مرة لم يأمن النَّفْرة - فهو حسن، والمختار الذي هو قول المحققين والأكثرين أنهم مخاطبون بفروع الشريعة المأمور به، والمنهي عنه. وقيل: ليسوا مخاطبين، وقيل: مخاطبون بالمنهي دون المأمور، وقال شمس الأمة: لا خلاف أنهم مخاطبون بالإيمان؛ لأن النبي ﷺ بُعث إلى الناس كافةً، ليدعوهم إلى الإيمان. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾، ولا خلاف أنهم مخاطبون بالمشروع من العقوبات، ولا خلاف أن الخطاب بالمعاملات يتناولهم، ولا خلاف أن الخطاب بالشرائع يتناولهم في حكم المؤاخذة في الآخرة، وأما في وجوب الأداء في أحكام الدنيا، فمذهب العراقيين أن الخطاب يتناولهم أيضًا، والأداء واجب عليهم، وقيل: إنهم لا يخاطبون بأداء ما يحتمل السقوط من العبادات. وفيه أن مَنْ ملك نصابًا لا يعطي من حيث أنه جعل المأخوذ منه غنيًا، وقابله بالفقير ومن ملك النصاب، فالزكاة مأخوذة منه فهو غني، والغنى مانع من إعطاء الزكاة إلا مَنْ استثنى. قال ابن دقيق العيد: ليس هذا البحث بالشديد القوة، وهو قول الحنفية، واستدل به مَنْ لا يرى على المديون زكاة ما بيده إذا لم يفضل عن الدين الذي عليه قدر نصاب؛ لأنه ليس بغني إذا كان إخراج ماله مستحقًا لغرمائه، وهذا مذهب المالكية في زكاة العَين خاصة. وقال البَغَويّ فيه: إن المال إذا تلف قبل التمكن من الأداء سقطت الزكاة لإضافة الصدقة إلى المال، واستدل به على أنه لا يكفي في الإِسلام الاقتصار على شهادة أن لا إله إلا الله، حتى يضيف إليها الشهادة لمحمد بالرسالة، وهو قول الجمهور. وقال بعضهم: يصير بالأُولى مسلمًا، ويطالب بالثانية. وفائدة الخلاف تَظْهر بالحكم بالردة، وقد قال ابن العربي في شرح التِّرمذيّ: تبرأت اليهود في هذه الأزمان من القول بأن العزير ابن الله، وهذا لا يمنع كونه كان موجودًا في زمن النبي ﷺ ؛ لأن ذلك نزل في زمنه ﵊، واليهود معه بالمدينة وغيرها، فلم ينقل عن أحد منهم أنه رد ذلك، ولا تعقبه، والظاهر أن القائل بذلك طائفة منهم، لا جميعهم، بدليل أن القائل من النصارى: "إن المسيح ابن الله" طائفة منهم لا جميعهم. فيجوز أن تكون تلك الطائفة قد انقرضت في هذه الأزمان، كما انقلب اعتقاد معظم اليهود عن التشبيه إلى التعطيل، وتحول معتقد النصارى في الابن والأب إلى أنه من الأمور المعنوية لا الحسية. فسبحان مقلب القلوب. قاله في "الفتح".

стр. 5708

قلت: النصارى مَنْ كان منهم اليوم باقيًا على ديانتهم لم يطرأ له تغير في الابن والأب، ومَنْ انتقل إلى الطبيعة والدهرية لم يبق على شيء من ذلك لا حسًا ولا معنى. لم يقع في هذا الحديث ذكر الصوم والحج مع أن بَعْثَ معاذٍ كان في آخر الأمر، كما مرَّ، وأجاب ابن الصلاح بأن ذلك تقصير من بعض الرواة، وتعقب بأنه يفضي إلى ارتفاع الوثوق بكثير من الأحاديث النبوية، لاحتمال الزيادة والنقصان. وأجاب الكرمانيّ بأن اهتمام الشارع بالصلاة والزكاة أكثر، فلهذا كررا في القرآن، فمن ثَمّ لم يذكر الحج والصوم في هذا الحديث، مع أنهما من أركان الإِسلام، والسر في ذلك هو أن الصلاة والزكاة إذا وجبتا على المكلف لا يسقطان عنه أصلًا بخلاف الصوم، فإنه قد يسقط بالفدية والحج، فإن الغير قد يقوم مقامه فيه كما في المغصوب، ويحتمل أنه حينئذ لم يكن شرع. وقال شيخ الإِسلام البلقينيّ: إذا كان الكلام في أركان الإِسلام لم يخل الشارع منه بشيء، كحديث ابن عمر "بني الإسلام على خمس" وإذا كان في الدعاء إلى الإِسلام اكتفى بالأركان الثلاثة الشهادة والصلاة والزكاة. ولو كان بعد فرض الحج والصوم كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ في موضعين من براءة، مع أن نزولها بعد فرض الصوم والحج قطعًا، وحديث ابن عمر أيضًا: "أمرت أنْ أقاتل الناس حتى بشهدوا أن لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة" وغير ذلك من الأحاديث. قال: والحكمة في ذلك أن الأركان الخمسة اعتقاديّ: وهو الشهادة، وبدنيّ وهو الصلاة، وماليّ وهو الزكاة، فاقتصر في الدعاء إلى الإِسلام عليها, ليفرع الركنين الأخيرين عليها، فإن الصوم بدنيٌّ محض، والحج بدنيّ ماليّ، وأيضًا فكلمة الإِسلام هي الأصل، وهي شاقة على الكفار، والصلاة شاقة لتكررها، والزكاة شاقة لما في جِبِلَّة الإنسان من حب المال، فإذا أذعن المرء لهذه الثلاثة كان ما سواها أسهل عليه بالنسبة إليها. رجاله ستة: قد مرّوا، إلا يحيى بن عبد الله، مرَّ أبو عاصم الضَّحاك في أثَرٍ بعد الرابع من العلم، ومرَّ زكرياء بن إسحاق في السادس عشر من كتاب الصلاة، ومرَّ أبو معبد في الثامن والمئة من صفة الصلاة، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي، ومعاذ بن جبل في أثر أول الإيمان، قبل ذكر حديث منه. والسادس: يحيى بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن صَيْفِيّ، ويقال بن عبد الله بن صيفي، ويقال يحيى بن محمد بن صيفي المكى، مولى بني مخزوم، ويقال مولى عثمان. ذكره ابن حِبان في "الثقات". وقال ابن مُعين والنَّسائيّ: ثقة، وقال ابن سعد: يحيى بن عبد الله بن صيفي كان

стр. 5709

ثقة، وله أحاديث. روى عن سعيد بن جُبير وأبي مَعْبَد مولى ابن عباس، وعتاب بن حُنين وغيرهم. وروى عنه ابن جُرَيج وإسماعيل بن عليه وزكرياء بن إسحاق وغيرهم. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع في موضع، والعنعنة وشيخه بصريٌّ، وزكرياء ويحيى مكيّان. أخرجه البخاريّ أيضًا في التوحيد والمغازي والمظالم وفي الجنائز والزكاة أيضًا. الحديث الثاني حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ ابْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ رضى الله عنه أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ. قَالَ: مَالَهُ مَالَهُ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَرَبٌ مَالَهُ، تَعْبُدُ اللَّهَ، وَلاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ". قوله: "عن ابن عثمان" الإبهام فيه من الراوي عن شُعبة، وذلك أن اسم هذا الرجل عمرو، وكان شُعبة يسميه محمدًا، وكان الحُذّاق من أصحابه يبهمونه كما وقع في رواية حفص بن عمر، وكما سيأتي في الأدب عن أبي الوليد عن شُعبة، وكان بعضهم يقول محمدًا، كما قال شعبة، وبيان ذلك في طريق بَهْز التي عَلَّقها المصنف هنا، وسيأتي قريبًا من وصلها. وقوله: "عن موسى بن طلحة عن أيوب" في رواية مسلم الآتي ذكرها: حدثنا موسى بن طلحة حدّثني أبو أيوب. وقوله: "إن رجلًا" يأتي الكلام عليه في السند. وقوله: "بعمل يُدخلُني الجنة" بضم اللام، والجملة في موضع جر صفة لقوله بعمل، ويجوز الجزم جوابًا للأمر، ورده بعض شراح المصابيح؛ لأن قوله: "بعمل" يصير غير موصوف مع أنه نكرة، فلا يفيد، وأجيب بأنه موصوف تقديرًا؛ لأن التنكير للتعظيم، فأفاد. أو أن الشرط محذوف، والتقدير: إن عملته يدخلني الجنة. وفي دلالة هذا على الوجوب غُموض، وأجيب بأربعة أحدها أن سؤاله عن العمل الذي يدخل الجنة يقتضي أن لا يجاب بالنوافل قبل الفرائض، فتحمل على الزكاة الواجبة. ثانيها أن الزكاة قرينة الصلاة، كما سيأتي في الباب من قول أبي بكر، وقد قرن بينهما في الذكر هنا. ثالثها أنه وقف دخول الجنة على أعمال من جملتها أداء الزكاة، فيلزم إن من لم يعملها لم يدخل، ومَنْ لم يدخل الجنة دخل النار، وذلك يقتضي الوجوب. رابعها أنه أشار إلى أن القصة التي في حديث أبي أيوب، والقصة التي في حديث أبي هُريرة الذي يعقبه واحدة، فأراد أن يفسر الأول بالثاني لقوله فيه: وتؤدي الزكاة المفروضة، وهذا أحسن الأجوبة. وقد أكثر المصنف من استعمال هذه الطريقة. وقوله: "قال ماله ماله؟ فقال رسول الله ﷺ : أرب ماله" كذا في هذه الرواية، لم يذكر فاعل قال ماله ماله. وفي رواية بَهْز المعلقة هنا، الموصولة

стр. 5710

في كتاب الأدب قال القوم: ماله ماله، وهو استفهام، والتكرار للتأكيد. وقوله: أرَب ماله، بفتح الراء والنون منونًا أي حاجة جاءت به، وهو خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ خبره محذوف. وقال في "المصابيح": هو مبتدأ مذكور الخبر، وهو له، وما زائدة، وسوغ الابتداء بالنكرة، كونها موصوفة بصفة يرشد إليها ما الزائدة، فإن ما الزائدة منبهة على وصف لائق بالمحل، واللائق هنا أن يقدر عظيم، لأنه سأل عن عمل يدخله الجنة، ولا أعظم من هذا الأمر. وروى أرِبَ، بكسر الراء وفتح الموحدة بلفظ الماضي، أي: احتاج فسأل حاجته، أو تفطن لما سأل عنه وعقل. قال النضر بن شُميل: يقال: أرِبَ الرجل في الأمر، إذا بلغ فيه جهده. وقال الأصمعي: أرِب في الشيء صار ماهرًا فيه، فهو أريب. وكأنه تعجب من حُسن فطنته والتَّهَدِّي إلى موضع حاجته. ويؤيده قوله في رواية مسلم "فقال النبي ﷺ : لقد وفق، أو لقد هُدِي" وقال ابن قُتيبة: أرِبَ، من الآراب وهي الأعضاء، أي: سقطت أعضاؤه، وأصيب بها، كما يقال: تربت يمينك، وهو مما جاء بصيغة الدعاء. ولا يراد حقيقته. وقيل: لما رأى الرجل يزاحمه دعا عليه، لكن دعاؤه على المؤمن ظهر كما ثبت في الصحيح. وروي بفتح أوله وكسر الراء والتنوين، أي: هو أرِبٌ، أي: حاذق فطن، يسأل عمّا يعينه. قال في "الفتحة: لم أقف على صحة هذه الرواية، وجزم الكرماني، بأنها ليست محفوظة. وفي رواية لأبي ذَرٍّ "أَرَبَ" بفتح الجميع، قال عياض: لا وجه له، ووقعت في الأدب من طريق الكشميهنيّ وحده. وقوله: "وتصل الرحمَ" أي: تواسي ذوي القرابة في الخيرات، وقال النوويّ: معناه إن تحسن إلى أقاربك ذوي رحمك بما تيسر على حسب حالك وحالهم، من إنفاق أو سلام أو زيارة أو طاعة أو غير ذلك، وخص هذه الخصلة من بين خصال الخير نظرًا إلي حال السائل، كأنه كان لا يصل رحمه، فأمره به؛ لأنه المهم بالنسبة إليه، ويؤخذ منه تخصيص بعض الأعمال بالحض عليها، بحسب المخاطب، وافتقاره للتنبيه عليها أكثر مما سواها، إما لمشتقتها عليه، وإما لتسهيله في أمرها. رجاله خمسة: مرَّ منهم حفص بن عمر في الثالث والثلاثين من الوضوء وأبو أيوب في العاشر منه، ومرَّ شعبة في الثالث من الإيمان، والباقي اثنان: الأول محمد بن عثمان بن عبد الله بن موهب التيميّ مولى آل طلحة، روى عن موسى بن طلحة هذا الحديث. قال البخاريّ: أخشى أنْ يكون محمد غير محفوظ، وإنما هو عمرو بن عثمان، وهكذا رواه القطان وابن نمير، وغير واحد عن عمرو بن عثمان عن موسى، وذكر ابن أبي ميسرة أن محمدًا هذا أخ لعمرو، والله أعلم. الثاني: موسى بن طلحة بن عُبيد الله التيميُّ القرشيُّ، أبو عيسى، ويقال أبو محمد المَزَنيّ، نزل الكوفة، وأُمه خولة بنت القعقاع بن سعيد بن زُرارة. قال أبو بكر بن أبي شَيبة: إنه ولد سنة
следующие страницы →