← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

والأوْسِيُّ في نسبه نسبة إلى الأوس أخي الخزرج ابني حارثة بن ثعلبة العنقاء بن عمرو مُزَيْقيا الخارج من اليمن أيام سيل العرم ابن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف ابن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة بن مازن، وهو جماع غسان بن الأزد بن الغَوْث ابن بنت بن مالك بن زيد بن كهلان أخي حِمْيَر. لطائف إسناده: منها أنه كالذي قبله في أن رجاله مدنيون، وهذا في غاية الاستطراف، إذ اقتران إسنادين مدنيين قليل جدًّا، ومنها أن فيه التحديث والعنعنة والتصريح بالسماع، وفيه رواية ثلاثة من التابعين، أو تابِعيّين وصحابِيَّيْن، وقد مر في حديث "إنما الأعمال بالنيات" أعلى ما يكون من رواية تابعي عن تابعي أو صحابي عن صحابي. أخرجه البخاري هنا، وفي التفسير عن علي عن يعقوب، وفي فَضل عمر عن يحيى بن بُكير، وفي التعمير عن سعيد بن عُفَير. ومسلم في الفضائل عن منصور وغيره، والترمذي والنّسائي. بابٌ: الحياء من الإِيمان بالتنوين، والحياء مبتدأ، خبره: من الإِيمان، ووجه كون الحياء من الإِيمان تقدم مع بقية مباحثه في باب أمور الإِيمان، وفائدة إعادته هنا أنه ذُكِرَ هناك بالتبعية، وهنا بالقصد مع فائدة مغايرة الطريق.

стр. 597

الحديث السابع عشر ٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ». قوله: "مرّ على رجل" في رواية لمسلم: "مرّ برجل" ومرّ بمعنى اجتاز، يُعَدّى بعلى وبالباء. قال في "الفتح" لم أعرف اسم هذين الرجلين الواعظ وأخيه. وقوله: "يَعِظُ أخاه" أي: ينصح، أو يخوف، أو يذكر، والأوْلى أن يُفَسَّر بما جاء عند المصنف في الأدب عن ابن شِهاب، ولفظه: "يعاتِبُ أخاه في الحياء، يقول: إنك لَتَسْتَحي حتى كأنه يقول: أضَرَّ بك" ويحتمل أن يكون جمع له العتاب والوعظ، فذكر بعض الرواة ما لم يذكره الآخر، لكن المخرج متحد، فالظاهر أنه من تصرف الراوي بحسب ما اعتقد أن كل لفظ منهما يقوم مقام الآخر. وتعقبه العيني قائلًا: إن معنى الوعظ الزَّجْر، ومعنى العتب الوَجْد، يقال: عَتَبَ عليه إذا وَجَد، مع أن الروايتين تَدُلّان على معنيين جَلِيّين ليس في واحد منهما خفاء، حتى يفسر أحدهما بالآخر، وغايته أنه وعظ أخاه في استعمال الحياء، وعاتبه عليه، والراوي حكى في إحدى روايتيه بلفظ الوعظ، وفي الأخرى بلفظ المعاتبة. وما اعترض به هو ما ذكره ابن حَجَر أولًا احتمالًا، لكن منعه من الاعتماد عليه اتحاد المخرج، فاحتاج إلى ما ذكر، والسبب في وعظه له

стр. 598

هو أنَّ الرجل كان في الحياء، فكان ذلك يمنعه من استيفاء حقوقه، فعاتبه أخوه على ذلك، فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: اتركه على هذا الخلق السَّنِيّ ثم زاده في ذلك ترغيبًا لحكمه بأنه من الإِيمان، وإذا كان الحياء يمنع صاحبه من استيفاء حق نفسه، جرَّ له ذلك تحصيل أجر ذلك الحق، لا سيما إذا كان المتروك له مستحقًا. وقوله: "فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: دعه فإن الحياء من الإِيمان" قال ابن قُتَيبْة: معناه أن الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي، كما يمنع الإِيمان فسُمِّي إيمانًا كما يسمى الشيء باسم ما قام مقامه، وحاصله أن إطلاق كونه من الإِيمان مجاز، ومن تبعيضية، كقوله في الحديث السابق: "الحياء شعبة من الإِيمان" ولا يقال: إذا كان الحياء بعض الإِيمان فينتفي الإِيمان بانتفائه، لأن الحياء من مكملات الإِيمان، ونفي الكمال لا يستلزم نفي الحقيقة، والظاهر أن الواعظ كان شاكًّا، بل كان منكرًا، ولذلك وقع التأكيد بإنَّ، ويجوز أن يكون من جهة أن القصة في نفسها مما يجب أن يهتم به ويؤكد، وإنْ لم يكن ثَمَّ إنكارٌ أو شكٌ. وقد مرّت مباحث الحياء في باب أمور الإِيمان. رجاله خمسة: الأول: عبد الله بن يوسُف. والثاني: الإِمام مالك بن أنس، وقد مرّا في الثاني من بدء الوحي. والثالث: ابن شِهاب ومرّ في الثالث منه أيضًا، ومر عبد الله بن عُمر في الأثر الرابع أول كتاب الإِيمان قبل ذكر حديث منه. الرابع من السند: سالِم بن عبد الله بن عُمر بن الخطاب العَدَويّ أبو عُمر، ويقال: أبو عبد الله المدني الفقيه، أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال المتقدمة في ترجمة عُروة بن الزُّبير في الثالث من بدء الوحي. قال علي بن الحسن العَسْقلاني، عن ابن المُبارك: كان فقهاء أهل المدينة، فذكره فيهم. قال: وكانوا إذا جاءتهم المسألة دَخَلوا فيها

стр. 599

جميعًا، فنظروا فيها, ولا يَقْضي القاضي حتى يرفع إليهم، فينظرون، فيُصدرون. وقال ابن المُسَيِّب: كان عبد الله أشبه أولاد عمر به، وكان سالم أشبه ولد عبد الله به. وقال مالك: لم يكن في زمان سالم أشبه بمن مضى من الصالحين في الزهد والفضل والعيش منه، كان يلبس الثوب بدرهمين. وقال: كان ابن عُمر يخرُج إلى السوق فيشتري، وكان سالم دَهْرَه يشتري في الأسواق، وكان من أفضل أهل زمانه. وقال أبو الزِّناد: كان أهل المدينة يكرهون اتِّخاذ أمهات الأولاد حتى نشأ فيهم القُراء السادة: علي بن الحُسَيْن، والقاسم بن محمَّد، وسالم بن عبد الله، ففاقوا أهل المدينة علمًا وتقىً وعبادةً وورعًا، فرغب الناس حينئذٍ في السَّراري. وقال ابن راهويه: أصح الأسانيد كلها: الزُّهريّ عن سالم، عن أبيه. وكان أبوه يُلام في إفراط حب سالم، ويقول: يَلُومونَني في سالمٍ وألُومُهُم ... وجِلْدةُ بين العين والأنْفِ سالمُ وكان يقبله، ويقول: ألا تعجبون من شيخ يقبل شَيخًا. وقال ابن سَعد: كان ثقة كثير الحديث عاليًا من الرجال. وقال ابن مَعين: سالم والقاسم حديثهما قريب من السَّواء، وسعيد بن المُسَيِّب قريب منهما، وإبراهيم أعجب إليّ مرسلًا منهم. وقال العِجليّ: مدني تابعي ثقة. وكتب عُمر بن عَبْد العزيز إلى سالم بن عبد الله أن اكتب لي بشيء من رسائل عُمر بن الخطاب، فكتب إليه: يا عمر اذكر الملوك الذين تَفَقَّأت أعينهم التي كانت لا تَنْقضي لذتهم بها، وانفقأت بطونهم التي كانوا لا يشبعون بها، وصاروا جِيَفًا في الأرض آكامها, لو كانت بجنب مساكن لنا لتَأذَّيْنا بريحهم. ودخل سليمان بن عبد الملك الكعبة فوجد فيها سالمًا، فقال له: سلني حوائجَكَ. فقال: والله ما سألتُ في بيت الله غير الله تعالى. ودخل سالم يومًا على الوليد بن عبد الملك: فقال له: ما أحسن

стр. 600

جسمك: فما طعامك؟ قلت: الكعك والزيت. قال: وتشتهيه؟ قلت: أدعه حتى أشتهيه، وآكله. وكان يقول إياكم ومداومة اللحم، فإن له ضراوة كضراوة الشراب. وقال ابن إسحاق: رأيت سالم بن عبد الله يلبس الصوف، وكان عَلِجَ الخلق يعالج بيديه ويعمل. وقال ابن حِبّان في "الثقات" كان يُشبه أباه في السَّمْت والهُدى، وأمه من بنات يَزْدَجرد لما قدم سَبْيُ فارس على عمر بن الخطاب كانت فيه بنات يَزْدَجرد، فَقُوِّمْنَ فأخذهن علي بن أبي طالب، فأعطى واحدة لابن عمر فولدت له سالمًا، وأعطى أختها لولده الحسين فولدت له عليًّا، وأعطى أختها لمحمد بن أبي بكر فولدت له القاسم. روى عن: أبيه، وأبي هُريرة، وأبي رافع، وأبي أيوب، وزيد بن الخطاب. وأبي لُبابة على خلاف فيه، وغيرهم. وروى عنه: ابنه أبو بكر، وأبو بكر بن محمَّد بن عَمرو بن حَزْم، والزُّهريّ، وصالح بن كَيْسان، وحَنْظلة بن أبي سُفيان، وحُميد الطّويل، وعُمر بن حمزة بن عبد الله بن عُمر، وعَمرو بن دينار، وغيرهم. له إخوة: عبد الله، وعاصم، وحمزة، وبلال، وواقد، وزيد، وكان عبد الله وصي أبيهم فيهم، وروى عنه منهم: عبد الله وحمزة وبلال. مات بالمدينة سنة ست ومئة، وقيل: سنة خمس، وقيل: ثمان، وهشام بن عبد الملك يومئذ بالمدينة، وكان قد حجّ بالناس تلك السنة، فقدم المدينة، فوافق موت سالم، فصلى عليه بالبقيع لكثرة الناس، فلما رأى كَثْرة الناس، قال لإِبراهيم بن هِشام المخزوميّ: اضرب على الناس بعث أربعة آلاف، فَسُمِّي عام أربعة آلاف. وفي الستة سالم بن عبد الله سواه ثلاثة: أبو عبد الله النَّصريّ مولى شدّاد بن الهاد، روى عن عُثمان، وأبي هُريرة، وعائشة، وغيرهم. والثاني الخَيّاط البَصْريّ مولى عُكّاشة، روى عن الحسن، وابن أبي

стр. 601

مُلَيْكة، وعطاء، وغيرهم. والثالث: الجَزَريّ أبو المُهاجر الرَقِّي مولى بني كِلاب، روى عن مَيْمون بن مِهران، ومكْحُول، وغيرهما. وأما سالم فكثيرٌ جدًّا. لطائف إسناده: منها أن رجاله كلهم مدنيون ما خلا عبد الله بن يوسُف، وفيه التحديث والعنعنة والإِخبار، وفي رواية الأكثرين: أخبرنا مالك، وفي رواية الأصيلي: حدثنا مالك، وهو أحد الأسانيد التي قيل فيها: أصح الأسانيد كذا. والحديث أخرجه البخاري هنا، وفي البر والصلة عن أحمد بن يونُس، ومسلم هنا أيضًا عن النّاقِدِيّ وغيره، وأبو داود، والتِّرمذي، والنَّسائي، ومالك في "الموطأ". باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم باب منون في الرواية، والتقدير هذا باب في تفسير قوله تعالى: ﴿فإنْ تَابُوا﴾ وتجوز الإِضافة، أي: باب تفسير قوله، وإنما جعل الحديث مفسرًا للآية لأن المراد بالتوبة في الآية الرجوع عن الكفر إلى التوحيد، ففسره قوله ﷺ : "حتى يشهدوا أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله" وبين الآية والحديث مناسبة أخرى، لأن التخلية في الآية والعصمة في الحديث بمعنى واحد، ومناسبة الحديث لأبواب الإِيمان من جهة أخرى، وهي الرد على المُرْجئة حيث زعموا أن الإِيمان لا يحتاج إلى الأعمال.

стр. 602

الحديث الثامن عشر ٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٍ الْحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ: قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّ الإِسْلاَمِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ». قوله: "أمرت" أي: أمرني الله، لأنه لا آمر لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلا الله، وقياسه في الصحابي إذا قال: أمرت، فالمعنى أمرني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا يُحتَمَلُ أن يريد: أمرني صحابي آخر، لأنهم من حيث أنهم مجتهدون لا يَحْتَجّون بأمر مجتهد آخر، وإذا قاله التابعي احتمل والحاصل أن من اشتهر بطاعة رئيس إذا قال ذلك فُهم منه أن الآمر له هو ذلك الرئيس. وقوله: "أن أُقاتل" أي: بأن أقاتل، وحذف الجار من أن كثير. وقوله: "النّاس" أي: بمقاتلة الناس، وهو من العام الذي أُريد به الخاص، فالمراد بالناس المشركون غير المعاهدين منهم، دون أهل الكتاب, لأن أهل الكتاب يُكْتفى منهم بأحد الأمرين: الجزية أو الإِسلام، ويَدُلُّ على هذا الخصوص رواية النّسائي: "أُمِرْتُ أن أقاتل المشركين" والمعاهَدُ لا يُقاتل مدة المهادنة، والممتنع في ترك المقاتلة رفعُها لا تأخيرُها مدةً كما في المهادنة، أو يقال: إن المراد بالناس عموم الكفار، ووقع النسخ بأن يكون الإِذن بأخذ الجزية والمعاهَدة متأخرًا عن هذه الأحاديث، بدليل أنه متأخر عن قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾

стр. 603

[التوبة: ٥] أو يكون هذا من العام الذي خُصَّ منه البعض, لأن المقصود من الأمر حصول المطلوب، فإذا تخلف البعض لدليل لم يُقْدح في العموم، أو يكون المراد بما ذُكر من الشهادة وغيرها التعبير عن إعلاء كلمة الله تعالى، وإذعان المخالفين، فيحصُلُ في بعض بالقتل، وفي بعض بالجِزْية، وفي بعض بالمُعاهدة، أو يكون المراد بالقتال هو أو ما يقوم مقامَه من جزية وغيرها، أو يقال: الغرض من ضَرْب الجزية اضطرارهم إلى الإِسلام، وسبب السبب سببٌ، فكأنه قال: حتى يُسْلموا أو يَلتَزِموا ما يؤدّيهم إلى الإِسلام، وهذا أحسن. وقوله: "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ... الخ" جعلت غاية المقاتلة وجود ما ذكر، وهذا يقتضي أن من حصل منه ما ذُكِر يعْصِمُ دمه ولو جَحَدَ باقي الأحكام، والجواب أن الشهادة بالرسالة تتضمن التصديق بكل ما جاء به، مع أن نص الحديث، وهو قوله: "إلا بحقِّ الإِسلام" يدخل فيه جميع ما ذُكر، فإن قيل: لِمَ لم يكتف به، ونص على الصلاة والزكاة؟ فالجواب أن ذلك لِعظَمِهما والاهتمام بأمرهما، لأنهما أُمّا العبادات البدنية والمالية، وفي حديث أبي هُريرة في الجهاد الاقتصار على قول: لا إله إلا الله، فقال الطَّبَريّ: إنه ﵊ قاله في وقت قتاله للمشركين أهل الأوثان، الذين لا يُقرُّون بالتوحيد، وأما حديث الباب ففي أهل الكتاب المُقِرّين بالتوحيد الجاحدين لنبوته عمومًا وخصوصًا وغيرهم، وأما حديث أنس في أبواب أهل القبلة: "صَلَّوْا صلاتنا، واستقبَلُوا قبلَتنا، وذبَحَوا ذبيحَتَنا" ففي من دخل الإِسلام ولم يعمل الصالحات، كترك الجُمُعة والجماعة، فيقاتَلُ حتى يُذْعِن لذلك. ومرّ في حديث "بُني الإِسلام" الكلام على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فراجعه. وقوله: "فإذا فعلوا ذلك" فيه إطلاق الفعل على القول، لأنه من فعل اللسان، أو هو من باب تغليب الاثنين على الواحد. وقوله: "عَصَموا مني دماءَهم" أي منعوها، وأصل العصمة من

стр. 604

العِصام، وهو الخيط الذي يُشَدُّ به فم القِربة ليمنع سيلان الماء. أي: فلا تُهدر دماؤهم ولا تُستباح أموالهم بعد عصمتهم بالإِسلام بسبب من الأسباب إلا بقوله: "إلا بحق الإِسلام" أي: من قتل نفس، أو حدٍّ، أو غرامةٍ بمتلف، أو ترك صلاة. وقوله: "وحسابهم على الله" أي: في أمر سرائرهم، وأما نحن فإنما نحكم بالظاهر، فنعاملهم بمقتضى ظواهر أقوالهم وأفعالهم، والمعنى هذا القتال وهذه العصمة إنما هُما باعتبار أحكام الدنيا المتعلقة بنا، وأما أمور الآخرة من الجنة والنار، والثواب والعقاب، فمفوضٌ إلى الله تعالى، ولفظةُ على مشعرةٌ بالإِيجاب، وظاهرها غير مراد، فإما أن يكون المراد: فحسابهم إلى الله أو لله، فعلى بمعنى إلى أو اللام، أو على سبيل التشبيه، أي: هو كالواجب على الله في تحقق الوقوع، لا إنه تعالى يَجِبُ عليه شيء، خلافًا للمعتزلة القائلين بوجوب الحساب عقلًا. وفيه دليل على قَبول الأعمال الظاهرة، والحكم بما يقتضيه الظاهر، والاكتفاء في قَبول الإِيمان بالاعتقاد الجازم، خلافًا لمن أوجب تعلم الأدلة، وقد مرّ في باب "وإن المعرفة فعل القلب" بعض الكلام عليه. ويُؤخذ منه ترك تكفير أهل البدع المُقِرّين بالتوحيد الملتزمين للشرائع، وقَبول توبة الكافر من كفره من غير تفصيل بين كفر ظاهر أو باطن، ويأتي ما في هذا قريبًا إن شاء الله تعالى. واستدل به النّووي على أن من ترك الصلاة عمدًا يُقتل، وفي هذا الاستدلال نظرٌ، للفرق بين صيغة "أقاتل" و"أقتُل" وقد أطْنب ابن دقيق العيد في الإِنكار على من استدل بهذا الحديث على ذلك، قائلا: إنه لا يلزم من إباحة القتال إباحة القتل, لأن باب المُفاعلة يستلزم وقوع الفعل من الجانبين، ولا كذلك القتل، وحاصل ما قيل في حكم تارك الصلاة عمدًا مقرًّا بوجوبها هو: أن مذهب مالك تأخيره حتى يبقى قَدْر ركعة بسجدتيها من الضروري، ويُقتل حدًّا لا كفرًا بالسيف. وكذلك الشافعية

стр. 605

يُقتل عندهم بالسيف حدًا لا كُفرًا، واختلف أصحاب الشافعي هل يُقتل على الفور أو يُمهل ثلاثة أيام؟ الأصح الأول، والصحيح أنه يُقتل بترك صلاة واحدة إذا خرج وقت الضرورة لها. وقال أحمد في رواية أكثر أصحابه عنه: إنه يُقتل كُفرًا، فلا يُغَسَّل، ولا يُصلى عليه، وتَبِين منه امرأته. وبه قال ابن حَبيب من المالكية، وبعض الشافعية. وقال أبو حنيفة والمُزَني: يُحبس إلى أن يُحدث توبة، ولا يُقتل. قلت: الظاهر أن محل الخلاف عند العلماء إنما هو في الذي ترك الصلاة ويصلي، وأما التارك لها رأسًا بتاتًا فهذا لا خلاف في كفره، وعليه يتنزل الحديث الصحيح: "بينَ العبدِ والكفرِ ترك الصلاة". وسُئل الكِرْماني عن حكم تارك الزكاة فأجاب بأن حكمهما واحدٌ لاشتراكهما في الغاية، وكأنه أراد في المقاتلة، أما في القتل فلا، والفرق أن الممتنع من إيتاء الزكاة يمكن أن تُؤْخَذ منه قهرًا بخلاف الصلاة، فإن انتهى إلى نصب القتال ليمنَع الزكاة قوتل، وبهذه الصورة قاتل الصديق مانعي الزكاة، ولم يُنْقل أنه قتل أحدًا صبرًا، ولو ترك صوم رمضان حُبِس ومُنِع الطعام والشراب نهارًا، لأن الظاهر أنه ينويه معتقدًا, لأنه معتقد لوجوبه. وقال النَّوَوي: يُستدل به على وجوب قتال مانعي الصلاة والزكاة وغيرهما من واجبات الإِسلام قليلًا أو كثيرًا، ولذا قال محمَّد بن الحسن: إذا أجمع أهل بلدة أو قرية على ترك الأذان فإن الإِمام يقاتلهم، وكذا كل شيء من شعائر الإِسلام، وما قاله محمَّد بن الحسن مصرحٌ به عند المالكية، وأما الزِّنْديق، وهو الذي يُظهر الإِسلام ويبطن الكفر، فمذهب مالك أنه يُقْتَل إذا اطُّلع عليه، ولا تُقبل توبته، لكنه إن كان صادقًا في توبته نفعه ذلك عند الله تعالى، والصحيح عند الشافعية قَبول توبته، وعن أبي حنيفة روايتان كالوجهين، وقيل: إن كان من الدعاة إلى الضلال لم تُقبل توبته، وتقبل توبة عوامهم. وقيل: إن أُخذ ليقتل فتاب لم تُقبل، وإن

стр. 606

جاء تائبًا ابتداءً وظهرت مخائل الصدق عليه قُبلت، وحُكي هذا القول عن مالك، وهو الذي عليه الفتوى في مذهبه، وقيل: إن تاب مرة قبلت منه، وإن تكررت منه التوبة لم تقبل، ويأتي قريبًا في مبحث السَّنَد ما في هذا الحديث من الغرابة، ولذلك استبعد قوم صحته قائلين: إنه لو كان عند ابن عُمر لما ترك أباه يُنازع أبا بكر في قتال مانعي الزكاة، ولو كانوا يعرِفونه لما كان أبو بكر يُقِرُّ عمر على الاستدلال بقوله ﵊: "أُمِرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" وينتقل عن الاستدلال بهذا النص إلى القياس، إذ قال: "لأُقَاتِلَنَّ من فَرَّق بين الصلاة والزكاة، لأنها قرينتها في كتاب الله" والجواب أنه لا يلزم من كون الحديث المذكور عند ابن عُمر أن يكون استحضره في تلك الحالة، ولو كان مستحضرًا له فقد يُحتمل أن لا يكون حَضَر المناظرة المذكورة، ولا يمنع أن يكون ذَكَرَه لهما بعدُ، ولم يستدِلَّ أبو بكر في قتال مانعي الزكاة بالقياس فقط، بل أخذه أيضًا من قوله ﵊ في الحديث الذي رواه: "إلا بحقِّ الإِسلام" قال أبو بكر: والزكاة حق الإِسلام، ولم ينفرد ابن عُمر بالحديث المذكور، بل رواه أبو هُريرة بزيادة الصلاة والزكاة فيه كما يأتي في الزكاة. وتُؤخذ الزكاة مِمَّن وجبت عليه، فإن كان الممتنع من أدائها ذا شوكة قوتل، وإلا فإن أمكن تعزيره على الامتناع عُزِّرَ بما يليق به، وقد ورد في تعزيره بالمال حديث ابن حَكيم عن أبيه عن جده مرفوعًا، أخرجه أبو داود والنَّسائي وصححه ابن خُزيْمة والحاكم، ولفظه: "ومَن مَنعهَا -يعني الزكاة- فإنّا آخذُوها وشَطْرَ ماله، عَزْمةٌ من عَزَماتِ ربِّنا" وقال ابن حِبَّان في ترجمة بَهْز بن حكيم: لولا هذا الحديث لأدخلته في كتاب "الثقات" وأجاب من صححه ولم يعمل به بأن الحكم الذي دَلَّ عليه منسوخٌ وأن الأمر كان أولًا كذلك ثم نسخ، وضعف النّووي هذا الجواب من جهة أن العقوبة بالمال لا تعرف أولًا حتى تَتِمَّ دعوى النسخ، ولأن النسخ لا يثبت إلا بشرطه لمعرفة التاريخ, ولا يعرف ذلك، واعتمد الثّوري ما أشار إليه ابن حبّان من تضعيف بَهْز، وليس بجيد, لأنه مُوَثَّق عند الجمهور،

стр. 607

محتجٌّ به عند أجلاء العلماء، لكن أجيب عن هذا الحديث بأن إطباق علماء الأمصار على ترك العمل به يَدُلُّ على أن له معارضًا راجحًا، وقولُ مَنْ قال بمقتضاه يُعَدُّ في ندرة للمخالف. والذي يتولى قبض الزكاة هو الإِمام أو نائبه، وأطبق الفقهاء على أن لأرباب الأموال الباطنة مباشرة الإِخراج، وشذ من قال بوجوب الدفع إلى الإِمام، وهو رواية عن مالك وللشافعي في القديم نحوه على تفصيل عنهما فيه. وفي القصة دليل على أن السنة قد تَخْفى على بعض أكابر الصحابة، ويطلع عليها آحادهم، وكما خفي عليهم حديث جزية المجوس، وحديث الطاعون. ولهذا لا يلتفت إلى الآراء ولو قويت مع وجود سنة تخالفها, ولا يقال: كيف خَفِي ذا على فلان؟. رجاله ستة: الأول: عبد الله بن محمَّد المُسْنِدِي وقد مر في الثاني من كتاب الإِيمان هذا. والثاني: أبو رَوْح حَرَميّ بن عُمارة بن أبي حَفصة نابت -بالنون ثم الباء الموحدة- وقيل: ثابت بالمثلثة العَتَكيّ مولاهم البَصْري، فاسمه بلفظ النسبة تُثْبت فيه الألف والسلام وتُحذف كما في مَكّي بن إبراهيم، وقيل: اسمه عُبيد، قال يَحيى بن معين: صدوق، وقال أبو حاتِم: ليس هو في عداد يَحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مَهْدي، وغُنْدَر، هو مع وَهْب بن جَرير, وعبد الصمد، وأمثالهما، وذكره العُقَيْلِيّ في "الضعفاء". وقال أحمد: صدوق، وكانت فيه غَفلة، وأنكر حديثين من حديثه عن شُعبة، أحدهما: حديث جارية بن وَهْب وقد صححه الشيخان، والآخر: حديث أنس: "مَنْ كَذَبَ عَليّ". روى عن: أبي خَلْدة، وقُرّة بن خالد، وشُعبة، وزِرّ بن أبي يحيى، وأبي طَلْحة الرّاسِبيّ، وعدة.

стр. 608

وروى عنه: عبد الله بن محمَّد المُسْنِديّ، وعلي بن المَديني، وبُنْدار، وهارون الحَمّال، والفَلّاس، ويحيى بن حكيم المُقَوِّم، وغيرهم. مات سنة إحدى ومئتين، وغلط الكِرْماني فيه فجعل الحَرَميّ نسبةً، وليس هو بمنسوب إلى الحرمين أصلًا لأنه بصريّ المولد والمسكن والوفاة. وفي الستة حَرَميّ سواه واحد ابن حَفْص بن عمر العَتَكِيّ أبو علي البَصْرِي، روى عن أبان العطار، وحماد بن سَلَمة، وعبد الواحد بن زباد، وغيرهم. روى له البخاري وأبو داود والنّسائي. وفي الرواة حَرَميّ ابن يونُس المُؤدِّب. والعَتَكيّ في نسبه نسبة إلى عَتِيك -كأمير- وقد مر الكلام عليه في السادس من بدء الوحي. الثالث: شعبة وقد مرّ في الثالث من كتاب الإِيمان هذا. الرابع: واقد بن محمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العَدَويّ المَدَني. ذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال أحمد وابن معين وأبو داود: ثقة. وقال ابن مَعين مرة أخرى: صالح الحديث. وقال أبو حاتم: لا بأس به، ثقة. يحتج بحديثه. روى عن: أبيه، وسعيد بن مَرْجانة، وابن أبي مُلَيكة، ونافع مولى ابن عمر، وابن المُنْكَدر. وروى عنه: أخوه عاصم، وابنه عثمان بن واقد، وشعبة. وإخوته: أبو بكر، وعمر، وزيد، وعاصم، وكلهم رَوَوْا عن أبيهم محمَّد، وهو روى عن أبيه. وواقد سواه في الستة خمسة، وليس فيهم وافد بالفاء.

стр. 609

الخامس: أبوه محمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القُرشِيّ العَدويّ المَدَني. روى عن: العبادلة الأربعة، وسعيد بن زَيْد بن عمرو. وروى عنه: بنوه الخمسة كما مرّ قريبًا، والأعْمش، وسُويد بن أبي نُجيح أبو قطبة، وبشار بن كدان. قال أبو زُرعة: ثقة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ثقة. قلت: يحتج بحديثه؟ قال: نعم. وكان البخاري جعل محمَّد بن زَيْد الذي روى عن ابن عباس وروى عنه الأعمش غير ابن عُمر هذا، فغيره أبي، وقال: هما واحد. وذكره ابن حِبان في "الثقات". وفي الستة محمَّد بن زَيدْ سواه أربعة، الكِنْدِيّ قاضي مرو روى عن ابن المُسيِّب وابن جُبَيْر، والتَّيميّ المدني رأى ابن عمر، والعَبْديّ روى عن شَهر بن حَوْشب، ومحمد بن زَيد الذي روى عن حِبّان الأعرج، وروى عنه مغيرة الأزْديّ. السادس: عبد الله بن عُمر وقد مر في الأثر الرابع من كتاب الإِيمان هذا. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة والسماع، وفيه رواية الأبناء عن الآباء، وهو كثير لكن رواية الشخص عن أبيه عن جده أقل، وواقد هنا روى عن أبيه عن جد أبيه، وفيه أن إسناده غريب تفرد به شُعبة عن واقد، وهو عن شُعبة عزيز تفرد بروايته عنه الحرمي المذكور، وعبد الملك بن الصبّاح، وهو عزيز عن الحَرَميّ تفرد به عنه المُسنِدِي، وإبراهيم بن عَرعرة، ومن جهة إبراهيم أخرجه أبو عوانة، وابن حِبّان، والإِسماعيلي، وغيرهم. وهو غريب عن عبد الملك تفرد به عنه أبو غسان مالك بن عبد الواحد شيخ مسلم، فاتفق الشيخان على الحكم بصحته مع غرابته، وليس هو في "مسند" أحمد مع سعته.

стр. 610

أخرجه البُخاري هنا، وفي الإِيمان أيضًا عن أبي هُريرة، وفي الصلاة من حديث أنس، ومسلم من حديث جابر ثم قال المؤلف. باب من قال أن الإِيمان هو العمل لقول الله تعالى. ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] وقال عدة من أهل العلم في قوله تعالى ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عن لا إله إلا الله وقال ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾. باب مضاف حتمًا، مطابقة الآية والحديث لما ترجم له بالاستدلال بالمجموع على المجموع, لأن كل واحد منها دال بمفرده على بعض الدعوى، فقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ عام في الأعمال، وقد نقل جماعة من المفسرين أنَ قوله تعالى: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ معناه تؤمنون فيكون خاصًا. وقوله: ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٣] خاص بعمل اللسان على ما نقل المؤلف، وقوله: ﴿فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] عام أيضًا. وقوله في الحديث: "إيمان بالله" في جواب: أي العمل أفضل؟ دال على أن الاعتقاد والنُّطق من جملة الأعمال، فإن قيل: الحديث يدل على أن الجهاد والحج ليسا من الإِيمان لما تقتضيه ثَمَّ من المغايرة والترتيب، فالجواب: أن المراد بالإِيمان هنا التصديق، هذه حقيقته، والإِيمان يُطْلق على الأعمال البدنية لأنها من مكملاته. وقوله: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا﴾ أي: صُيِّرت لكم إرثًا، فأطلق الإِرْث مجازًا على الإِعطاء لتحقق الاستحقاق، أو الموروث الكافر، وكان له نصيب منها, ولكن كفره منعه، فانتقل منه إلى المؤمن. وقال البيضَاوي: شبه جزاء العمل بالميراث، لأنه يَخْلُفُه عليه العامل، والإِشارة إلى الجنة المذكورة في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف: ٧٠] وتلك مبتدأ خبره الجنة. وقوله: ﴿الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا﴾ صفة الجنة، أو الجنة صفة للمبتدأ الذي

стр. 611

هو تلك، والتي أُورثتُموها صفة أخرى، والخبر قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: تؤمنون، وما مصدرية، أي: بعملكم، أو موصولة محذوفة العائد، أي: بالذي كنتم تعملونه، والباء للملابسة، أي: أورثتموها ملابسةً لأعمالكم، أي: لثواب أعمالكم، أو للمقابلة، وهي التي تدخل على الأعواض كاشتريت بألف. ولا تنافي بين الآية وحديث: "لن يدخلَ أحدٌ الجنةَ بعمله" المخرج في "الصحيحين" لأن المثبت في الآية الدخول بالعمل المقبول، والمُنتفي في الحديث دخولها بالعمل المجرد عنه، والقَبول إنما هو من رحمة الله تعالى، فآل ذلك إلى أنه لم يقع الدخول إلا برحمته. وقال ابن بَطّال في الجمع بين الآية والحديث ما محصله: أنْ تُحمل الآية على أن الجنة تُنال المنازل فيها بالأعمال، فإن درجات الجنة متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال، وأن يُحْمل الحديث على دخول الجنة والخلود فيها، ثم أورد على هذا الجواب قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] فصرح بأن دخول الجنة أيضًا بالأعمال، ومثل الآية في الإِيراد ما رواه الدَّارَقُطْنيّ عن أبي أُمامة أنه ﵊ قال: "نعم الرَّجُلُ أنا لشرارِ أمتي" فقالوا: فكيف أنت لخيارها؟ فقال: "أما خيارُها فيدخلون الجنة بأعمالهم, وأما شِرارها فيدخلون الجنة بشفاعتي" وأجاب عن الآية بما هو جواب عن الحديث أيضًا، بأنه لفظٌ مجمل بينه الحديث، والتقدير: ادخلوا منازل الجنة وقصورها بما كنتم تعملون، وليس المراد بذلك أصل الدخول، ثم قال: ويجُوز أن يكون الحديث مفسرًا للآية والتقدير: ادخُلوها بما كنتم تعملون مع رحمة الله وتفَضُّلِه عليكم, لأن اقتسام منازل الجنة برحمة الله، وكذا أصل دخول الجنة هو برحمته، حيث ألهم العاملين ما نالوا به ذلك، ولا يخلو شيء من مجازاته لعباده من رحمته وفضله, وقد تفضل عليهم ابتداءً بإيجادهم، ثم برزقهم، ثم بتعليمهم.

стр. 612

وقال عِياض: طريق الجمع أن الحديث فَسّر ما أُجْمل في الآية، فذكر نحوًا من كلام ابن بَطّال الأخير، وأن من رحمة الله توفيقه للعمل وهدايته للطاعة، وكل ذلك لم يستحقه العامل بعمله، وإنما هو بفضل الله ورحمته. وقال ابن الجَوْزيَ. يتحصل عن ذلك أربعة أجوبة: الأول أن التوفيق للعمل عن رحمة الله، ولولا رحمة الله السابقة ما حصل الإِيمان ولا الطاعة التي يحصُلُ بها النجاة، الثاني: أن منافع العبد لسيده، فعمله مستحق لمولاه، فمهما أنعم عليه من الجزاء فهو من فضله. الثالث: جاء في بعض الأحاديث أن نفس دخول الجنة برحمة الله، واقتسام الدرجات بالأعمال. الرابع: أن أعمال الطاعات كانت في زمن يسير، والثواب لا يَنْفَد، فالإِنعام الذي لا يَنْفد في جزاء ما يَنْفَد بالفضل لا بمقابلة الأعمال. وجزم ابن هشام في "المغني" بأن الباء ترد للمقابلة، وهي الداخلة على الأعواض، كاشتريته بألف، ومنه ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون، وإنما لم تقدر هنا للسببية كما قالت المعتزلة، وكما قال الجميع في "لَن يدخل أحدُكُم الجنة بعملِه" لأن المُعطى بعوضٍ قد يُعطى مجانًا، بخلاف المسبب، فلا يوجد بدون السبب، قال: وعلى ذلك ينتفي التعارض بين الآية والحديث. وجزم النّووي بأن ظاهر الآية أن دخول الجنة بسبب الأعمال، والجمع بينها وبين الحديث بأن التوفيق للأعمال والهداية للإِخلاص فيها وقبولها إنما هو برحمة الله وفضله، فيصح أنه لم يدخل بمجرد العمل، وهو مراد الحديث، ويصح أنه دخل بسبب العمل وهو من رحمة الله تعالى، ورد الكِرماني الأخير بأنه خلاف صريح الحديث. قال المازَرِيّ: ذهب أهل السنة إلى أن إثابة الله تعالى مَنْ أطاعه بفضل منه، وكذلك انتقامه ممن عصاه بعدلٍ منه، ولا يثبُتُ واحد منهما إلا بالسمع، وله أن يُعَذِّب الطائع ويُنَعِّم العاصي، ولكنه

стр. 613

أخبر أنه لا يفعل ذلك، وخبره صدق لا خلاف فيه، وهذا الحديث يُقوّي مذهبهم، ويرد على المعتزلة حيث أثبتوا بعقولهم أعواض الأعمال، ولهم في ذلك خَبْط كثير. وقال بعض العلماء: لا تنافيَ بين ما في الآية والحديث، لأن الباء التي أثبَتَتِ الدخول هي باء السبب التي تقتضي سببية ما دخلت عليه لغيره، وإن لم يكن مستقلًا بحصوله، والباء التي نفت الدخول هي باء المعاوضة التي يكون فيها أحد العوضين مقابلًا للآخر، نحو اشتريت منه بكذا، فأخبر أن دخول الجنة ليس في مقابلة عمل أحد، وأنه لولا رحمة الله لعبده لما أدخله الجنة، لأن العمل بمجرده ولو تناهى لا يوجب بمجرده دخول الجنة، ولا يكون عوضًا لها، لأنه لو وقع على الوجه الذي يحبه الله لا يقاوم نعمةَ الله، بل جميع العمل لا يوازي نعمة واحدة، فلو طالبه بحقه لبقيت عليه من التشكر على تلك النعمة بقية لم يَقُم بها، فلذلك لو عذب أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا من أعمالهم كما في حديث أُبيّ بن كَعْب عند أبي داود وابن ماجه، وهذا فصلُ الخطاب مع الجبرية النفاة للحكمة والتعليل، القائلين: إن القيام للعبادة ليس إلا لمجرد الأمر، من غير أن يكون سببًا للسعادة في معاشٍ ولا معاد ولا للنجاة، المعتقدين أن النار ليست سببًا للإِحراق، وأن الماء ليس سببا للإِرواء ولا التبريد، والقدرية الذين ينفون نوعًا من الحكمة والتعليل، القائلين: إن العبادات شُرِعت أثمانًا لما يناله العبد من الثواب والنعيم، وإنما هو بمنزلة استيفاء الأجير أجرته، مُحْتَجِّين بأن الله تعالى جعلها عوضًا عن العمل، كما في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وبقوله ﵊ مخبرًا عن ربه تعالى: "يا عبادي إنما هي أعمالكم، أُحصيها لكم، ثم أفيكم إياها" وهؤلاء الطائفتان متقابلتان أشد التقابل، وبينهما أعظم التباين، فالجبرية لم تجعل للأعمال ارتباطًا بالجزاء البتَّة، والقدرية جعلت ذلك بمحض الأعمال ثمنًا لها، والطائفتان جائرتان منحرفتان عن الصراط المستقيم

стр. 614

الذي فطر الله عليه عباده، وجاءت به رسله، ونزلت به كتبه، وهو أن الأعمال أسبابٌ موصلةٌ إلى الثواب والعقاب مقتضياتٌ لهما كاقتضاء سائر الأسباب لمسبباتها، وأن الأعمال الصالحة من توفيق الله تعالى ومنته وصدقته على عبده أن أعانه عليها ووفقه لها وخلق فيه إرادتها والقدرة عليها، وحببها إليه وزينها في قلبه، وكره إليه أضدادها، ومع هذا فليست ثمنًا لجزائه وثوابه، بل غايتها أن تكون شكرًا له أن قبلها سبحانه منه، ولهذا نفى ﵊ دخول الجنة بالعمل ردًّا على القدرية القائلين: إن الجزاء بمحض الأعمال وثمنًا لها، وأثبت دخول الجنة بالعمل ردًّا على الجبرية الذين لم يجعلوا للأعمال ارتباطًا بالجزاء، فتبين أن لا تنافي بينهما، إذ تواردُ النفي والإِثبات ليس على معنى واحد، فالمنفي استحقاقها بمجرد الأعمال وكون الأعمال ثمنًا لها وعوضًا ردًّا على القدرية، والمثبت الدخول بسبب العمل ردًّا على الجبرية، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، فالتعارض إنما هو من جهة أنه كثيرًا ما تجيء السنة ببيان الحقيقة، ويأتي القرآن بإضافة الفعل إلى سببه ومكتسبه، والحاصل أنه كلّما نُفِيَ في الكتاب أو السنة الحكم عن السبب، فالمراد من ذلك النفي الرد على القدرية الملزمين وجود الثواب والعقاب به، وكُلّما ورد فيهما إثبات الحكم للسبب. فالمراد من ذلك الإِثبات الرد على الجبرية الذين لم يجعلوا بين الأسباب والمتسببات ارتباطًا البتة، وهذه فائدة عظيمة لأهل السنة، ويأتي إن شاء الله تعالى استيفاء الكلام على هذا الحديث عند ذكره في كتاب الرقاق في باب القصد والمداومة على العمل. وقوله: "وقال عِدَّةٌ من أهل العلم" أي -بكسر العين وتشديد الدال- أي: عدة من أهل العلم كأنس بن مالك فيما رواه الترمذي مرفوعًا بإسناد فيه ضَعْف وابن عُمر فيما رواه الطّبري في "تفسيره" والطبراني في "الدعاء" له، ومجاهد فيما رواه عبد الرزاق في "تفسيره"، وعبد الله بن عمر ومجاهد مرّا في الآثار المذكورة قبل ذكر حديث من هذا الكتاب، وأنس في السادس منه.

стр. 615

وقوله: "في قوله تعالى" في رواية الأصيلي وأبي الوقت: " ". وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ﴾ [الحجر: ٩٢] أي: المقتسمين جواب القسم مؤكد باللام. وقوله: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تأكيد للضمير في لَنَسألَنَّهم مع الشمول في أفراد مخصوصين. وقوله: ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عن لا إله إلا الله، في رواية عن قول لا إله إلا الله. قال النووي: المعنى: لنسألنهم عن أعمالهم كلها التي يتعلق بها التكليف، فقول من خَصَّ بلفظ التوحيد دعوى تخصيص بلا دليل فلا تقبل. قال في "الفتح" لتخصيصهم وجه من جهة التعميم في قوله: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ بعدم تقدم ذكر الكفار والمؤمنين في قوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨] فيدخل المسلم والكافر في العموم، لكن الكافر مخاطب بالتوحيد بلا خلاف، بخلاف باقي الأعمال ففيها الخلاف، فمن قال: إنهم مخاطبون، يقول: إنهم مسؤولون عن الأعمال كلها، ومن قال: إنهم غير مخاطبين، يقول: إنما يُسألون عن التوحيد فقط، فالسؤال عن التوحيد متفق عليه، وحمل الآية على المتفق عليه أولى من حملها على ما فيه اختلاف، فهذا هو دليل التخصيص، وقول العيني: إن التعميم ليس في قوله: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ بل التعميم في قوله: ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فتخصيص ذلك بالتوحيد تحكم غير ظاهر، فإن قوله: ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٣] راجع لقوله: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ فعمومه عموم له، فتأمل. ولا تنافي بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ لأن في القيامة مواقف مختلفة، وأزمنة متطاولة، ففي موقف وزمان يُسألون، وفي آخر لا يُسألون، أو لا يسألون سؤال استخبار بل سؤال توبيخ لمستحقه.

стр. 616

وقوله: "وقال" أي الله تعالى، وفي رواية سقوط وقال. وقوله: ﴿لِمِثْلِ هَذَا﴾ [الصافات: ٦١] أي الفوز العظيم. وقوله: ﴿فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] أي في الدنيا، والظاهر أن المصنف تأولها بما تأول به الآيتين المتقدمتين، أي: فليؤمن المؤمنون لذلك الفوز العظيم، لا للحظوظ الدنيوية المشوبة بالآلام السريعة الانصرام، أو يُحمل العمل على عمومه، لأن من آمن لا بد أن يقبل، ومن قبل فمن حقه أن يعمل، ومن عمل لا بد أن ينال، فإذا وصل "قال لمثل هذا فليعمل العاملون" والقائل يحتمل أن يكون المؤمن الذي رأى قرينه، ويحتمل أن يكون كلامه انقضى عند قوله: ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصافات: ٦٠] والذي بعده ابتداءٌ من قول الله تعالى أو بعض الملائكة لا حكاية عن قول المؤمن، والاحتمالات مذكورة في التفسير، ولعل هذا هو السِّرُّ في إبهام المصنف القائل، فإن كان غرض البخاري من هذا الباب وغيره إثبات أن العمل من أجزاء الإِيمان ردًّا على من قال: إن العمل لا دخل له في ماهية الإِيمان، فهذا الغرض غير تام إذ لا يَخْفى أن العمل ليس من نفس الإِيمان، وإن كان مراده جواز إطلاق العمل على الإِيمان فلا نزاع فيه، لأن الإِيمان عمل القلب، وهو التصديق، وقد مرّ الكلام عليه مستوفى.

стр. 617

الحديث التاسع عشر ٢٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالاَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ ابْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» قِيلَ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ» قِيلَ، ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ». قوله: "سُئل" أبهم السائل وهو أبو ذر الغِفاري، وحديثه في العتق، ويأتي تعريفه في الثالث والعشرين من الإِيمان هذا عند التصريح به هناك. وقوله: "قال الجهاد" وقع في "مسند" الحارث بن أبي أسامة عن إبراهيم بن سَعْد "ثم جهاد" فوافى بين الثلاثة في التنكير بخلاف ما عند المصنف، وأُجيب عن هذا بأن الإِيمان والحج لا يتكرران، والجهاد يتكرر، فالتنوين فيهما للإِفراد الشخصي، والتعريف فيه للكمال، إذ الجهادُ لو أتى به مرة مع الاحتياج إلى تكراره لما كان أفضل، وتعقِّب بأن التنكير من جملة وجوهه التعظيم، وهو يعطي الكمال، والتعريف من جملة وجوهه العهد وهو يعطي الإِفراد الشخصي، فيبطل الفرق، والظاهر كما تدل عليه رواية الحارث المارة أن التنكير والتعريف من تصرف الرواة، لأن مَخْرَجَهُ واحد فلا حاجة في طلب الفرق. وقوله: "حجٌّ مبرور" أي: مقبول، ومنه: بَرَّ حَجُّك، وقيل: هو الذي لا يخالطه إثم، أي: لم يُعْصَ الله به ولا فيه ولا معه. وقيل هو الذي لا رياء فيه، وعلامة القَبول أن يكون حاله بعد الرجوع خيرًا مما قبله.

стр. 618

وقد وقع هنا ذكر الجهاد بعد الإِيمان، وفي حديث أبي ذرٍّ لم يذكر الحج وذكر العِتْق، وفي حديث ابن مسعود بدأ بالصلاة ثم البِرّ ثم الجهاد، وفي الحديث المتقدم ذكر السلامة من اللسان واليد. قال العلماء: اختلاف الأجوبة في ذلك باختلاف الأحوال، واحتياج المخاطبين، وذكر ما لم يعلَمْه السائل والسامعون، وترك ما علموه، ويمكن أن يقال: إن لفظة "من" مرادةٌ، يعني في "أفضل" المقدرة، كما يقال: فلان أعقل الناس، والمراد: من أعقلهم، ومنه حديث: "خيرُكم خيرُكم لأهله" ومن المعلوم أنه لا يصير بذلك خير الناس، فإن قيل: لم قدم الجهاد وليس بركن على الحج وهو ركن، فالجواب أن نَفْعَ الحج قاصرٌ غالبًا، ونفع الجهاد متعدٍّ غالبًا، أو كان ذلك حيث كان الجهاد فرض عين، ووقوعُهُ فرض عين إذ ذاك متكررٌ، فكان أهم منه، فقُدِّم. رجاله ستة: الأول: أحمد بن عبد الله بن يونُس بن عبد الله بن قَيْس التَّمِيميّ اليَرْبُوعيّ الكوفي، وقد ينسب إلى جده. قال أحمد بن حنبل لرجل: اخرج إلى أحمد بن يونُس، فإنه شيخ الإِسلام. قال أبو حاتم: كان ثقة متقنًا، آخر من روى عن الثَّوريّ. وقيل: آخر من روى عنه عَليُّ بن الجَعْد. وقال النّسائي: ثقة. وقال عُثمان بن أبي شَيْبة: كان ثقة، وليس بحجة. وقال ابن سَعْد: كان ثقة صدوقًا صاحب سنة وجماعة. وقال العِجليّ: ثقة صاحب سنة. وقال أبو حاتم: كان من صالحي أهل الكوفة وسُنِّيّيها. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال ابن قانع: كان ثقة ثبتًا مأمونًا. وقال ابن يونس: أتَيْت حماد بن زَيْد، فسألته أن يملي علي شيئًا من فضائل عثمان ﵁ فقال: من أين أنت، فقلت: من أهل الكوفة، فقال: كوفيٌّ يطلب فضائل عثمان؟! فوالله لا أمليتها عليك إلا أنا قائم وأنت جالس. وقال أبو داود: هو أنبل من

стр. 619

ابن أبي فْدَيْك. وقال أبو عُبيد الآجُرّيّ عن أبي داود: سمعته يقول: مات الأعْمش وأنا ابن أربع عشرة سنة، ورأيت أبا حنيفة ومِسْعرًا وابن أبي لَيلى يقضي خارج المسجد من أجل الحُيَّض. روى عن: الثَّوري، وابن عُيَينة، وزائدة، وعاصم بن محمَّد، وابن أبي الزِّناد، وإسرائيل، واللَّيث، ومالك، وخلق. وروى عنه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والباقون بواسطة، وأبو زُرعة، وأبو حاتم، وصاعِقة، والحارث بن أبي أسامة، وإسحاق الحَرْبيّ، وإسماعيل سَمّوَيْه، وخلق. مات في ربيع الآخر بالكوفة ليلة الجمعة لخمس بقين من الشهر، وهو ابن أربع وتسعين سنة. وأحمد بن عبد الله في الستة سواه عشرة. واليَرْبُوعيّ في نسبه نسبة إلى يَرْبوع بن حَنْظلة بن مالك بن عَمرو بن تميم أبو حي من تميم، منهم مُتَمِّم بن نُوَيرة اليَرْبُوعي الصحابي وأخوه مالك. الثاني: موسى بن إسماعيل المِنْقَريّ وقد مر في الخامس من بدء الوحي. الثالث: إبراهيم بن سَعْد، وقد مرّ أيضًا في السادس عشر من كتاب الإِيمان هذا، ومرّ ابن شِهاب الزُّهريّ في الثالث من بدء الوحي. الخامس: سعيد بن المُسيِّب بن حَزْن بن أبي وَهْب بن عَمرو بن عائذ ابن عِمران بن مخزوم القُرَشيّ المخزُومي أبو محمَّد الأعور، رأس التابعين وفردهم وفاضلهم وفقيههم، أبوه وجده صحابيان أسلما يوم الفتح، ولد سعيد لسنتين مضتا من خلافة عُمر ﵁، وقيل: لأربع، وهو زوج بنت أبي هُريرة، وأعلم الناس بحديثه، دخل على أزواج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وأخذ عنهن.

стр. 620

وقال عبد الله بن عُمر ﵄ لرجل سأله عن مسألة: ائت ذاك فاسأله -يعني سعيدًا- ثم ارجع إليّ فأخبرني، ففعل، فقال: ألم أخبركم أنه أحد العلماء؟ وقال أيضًا في حقه لأصحابه: لو رأى هذا رسولُ الله ﷺ لسَرَّه. وقال نافع عن ابن عُمر: هو والله أحد المتقنين. وسُئل مَكْحول والزُّهريّ: من أفقه من أدركتما؟ فقالا: سعيد بن المسيِّب. وقال عَمرو بن ميمون عن أبيه: قدمت المدينة، فسألت عن أعلم أهل المدينة، فدُفِعت إلى سعيد بن المُسيِّب. وقال ابن شِهاب: قال عبد الله بن ثَعْلبة: إن كنت تريد الفقه فعليك بهذا الشيخ سعيد بن المُسيَّب. وقال قَتادة: ما رأيت أحدًا أعلم بالحلال والحرام منه. وقال مكحول أيضًا: طُفت الأرض كلها في طلب العلم، فما لقيت أعلم منه. وقال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا من سعيد بن المُسيِّب، قال: وإذا قال سعيد بن المسيب: مَضَتِ السُّنَّة، فحسبك به. قال: هو عندي أجل التابعين. وقال أبو حاتم: ليس في التابعين أنبلُ منه، وهو أثبتهم في أبي هُريرة. وقال الشافعي: إرسال ابن المُسيِّب عندنا حسنُ. وقال أحمد: مرسلاتُ سعيد صحاح لا نرى أصحّ منها. وقال أيضًا: أفضل التابعين لسعيد بن المُسيِّب، وقيل له: سعيد بن المُسيِّب؟ فقال: ومَنْ مثل سعيد ثقةً من أهل الخير؟ قيل له: سعيدٌ عن عمر حجة؟ فقال: هو عندنا حجة، قد رأى عمر وسمع منه، وإذا لم يُقْبل سعيد عن عمر، فمن يقبل؟ قال النووي في "تهذيب الأسماء": قولهم: إنه أفضل التابعين، مرادهم أفضلهم في علم الشرع، وإلا ففي "صحيح" مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ خير التابعين رجلٌ يقال له: أُوَيْس، وبه بياضٌ، فمروه فلْيَستغفر لكم". وهو أحد الفقهاء السبعة باتفاق، ورُوي عنه أنه قال: ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنة، وما نظرت في قفا رجل غير الإِمام منذ خمسين سنة لمحافظتي على الصف الأول، وقيل: إنه صلى الصبح بوضوء العشاء خمسين سنة.

стр. 621

وقال ابن حِبّان في "الثقات": كان من سادات التابعين فقهًا ودينًا وورعًا وعبادةً وفضلًا، وكان أفقه أهل الحجاز، وأعْبَر الناس للرؤيا، ما نُودي بالصلاة من أربعين سنة إلا وسعيد بالمسجد، فلما بايع عبد الملك للوليد وسُليمان وأبَى سعيدٌ ذلك، ضربه هشام بن إسماعيل المَخْزومي ثلاثين سوطًا، وألبسه ثيابًا من شَعْر، وأمر به فطيف به، وسجن بأمر عبد الملك بن مروان لما كُتب له أن أهل المدينة قد أطبقوا على البيعة للوليد وسليمان إلا ابن المسيِّب، فكتب إليه أن اعرضه على السَّيْف، فإن مضى فاجلِده خمسين جلدةً، وطُف به أسواق المدينة، فلما قدم الكتاب على الوالي دخل سليمان بن يَسار وعُروة بن الزُّبير وسالم بن عبد الله على سعيد بن المُسيِّب، وقالوا له: جئناك في أمر، قد قدم كتاب من أمير المؤمنين إن لم تُبايع ضُرِبت عُنُقُك ونحن نعرض عليك خصالًا ثلاثًا، فأعطنا واحدة منهن، فإن الوالي قد قبل أن يقرأ عليك الكتاب، فلا تقل لا ولا نعم، قال: يقول الناس: بايع سعيد ابن المُسيِّب، ما أنا بفاعل، وكان إذا قال لا، لم يستطيعوا أن يقولوا نعم. قالوا: فتجلس في بيتك ولا تخرُجُ إلى الصلاة أيامًا، فإنه يقبل منك إذا طلبك من مجلِسِك فلم يجِدْك. قال: فأنا أسمع الأذان فوق أُذُني "حيَّ على الصلاة حيَّ على الفلاح"، ما أنا بفاعل. قالوا: فانتَقل من مجلِسِك إلى غيره فإنه يرسل من مجلسك، فإن لم يَجِدْك أمْسَكَ عنك. قال أفرقًا من مخلوقٍ؟ ما أنا بمتقدم شبرًا ولا متأخرٍ، فخرجوا وخرج إلى صلاة الظهر، فجلس في مجلسه الذي كان يجلس فيه، فلما صلى الوالي بعث إليه، فأتي به، فقال: إن أمير المؤمنين كتب يأمرنا إن لم تُبايع ضَرَبنا عُنُقَكَ قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين. فلما رآه لم يُجب أُخْرِجَ إلى السُّدّة، فَمُدَّت عنقه، وسُلَّت السيوف، فلما رآه قد مضى أمر به، فجُرّد، فإذا عليه ثياب شعر، فقال: لو علمت بهذا ما اشتهرت بهذا الشأن، فضربه خمسين سوطًا، ثم طاف به أسواق المدينة، فلما ردوه والناس منصرفون من صلاة العصر، قال: إنَّ هذه لَوجوهٌ ما نظرت إليها منذ أربعين سنة،

стр. 622

ومنعوا الناس من مجالسته، وكان من ورعه إذا جاء إليه أحد يقول: قُم من عندي كراهيةَ أن يُضرب بسببه. وقال مالك ﵁ بلغني أن سعيد بن المُسيِّب كان يلزم مكانًا من المسجد لا يصلي ذهب غيره من المسجد، وأنه لياليَ صنع به عبد الملك ما صنع، قيل له أن يَترُكَ الصلاة فيه، فأبى إلا أن يصلي فيه، وكان يقول: ما أعزت العباد نفسها بمثل طاعة الله، ولا أهانت نفسها بمثل معصية الله، وكان قد حَجّ أربعين حجة لا يأخذ العطاء، وكان له بضاعة أربع مئة دينار يَتَّجِرُ بها في الزيت، ودعي إلى نَيِّفٍ وثلاثين ألفًا ليأخذها، فقال: لا حاجة لي فيها، ولا في بني مروان حتى ألقى الله تعالى فيحكم بيني وبينهم. وقيل له وقد نزل الماء في عينيه: ألا تقدح عينيك؟ قال: فيم أفتحها؟ وكان يقول: لا تملؤوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بإنكار قلوبكم، لكي لا تحبطَ أعمالكم. وكان جابر بن الأسود على المدينة، فدعا سعيدًا إلى البيعة لابن الزُّبير، فأبى، فضربه ستين سوطًا، وطاف به المدينة. وخطب عنده عبد الملك ابنته لابنه الوليد حين ولاه العهد، فأبى أن يزوجه، فلم يزل عبد الملك يحتال على سعيد حتى ضربه في يوم باردٍ وصبَّ عليه الماء، وكان أبو وداعة يجالس سعيد بن المسيِّب ففقده أيامًا، قال: فلما جئته، قال: أين كنت؟ قلت: توفيت زوجة لي فاشتغلت بها. فقال: ألا ما أخبرتنا فشهدناها، ثم قال: ثم أردت أن أقوم، فقال: هل تزوجت امرأة غيرها؟ فقلت: يرحمك الله، ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة؟ فقال: إن أنا فعلت تفعل؟ قلت: نعم. ثم حمد الله، وصلى على النبي ﷺ ، وزوجني على دِرهمين أو قال: ثلاثة. قال: فقمت وما أدري ما أصنع من الفرح والسرور، فسرت إلى منزلي، وجعلت أتفكر ممن آخذ، وصليت المغرب، وكنت صائمًا فقدمت عشاي لأفطر، وكان

стр. 623

خبزًا وزيتًا، وإذا بالباب يقرع، فقلت: من هذا؟ فقال: سعيد. ففكرت في نفسي في كل إنسان اسمه سعيد، إلا سعيد بن المُسيِّب؛ لأنه لم يُرَ منذ أربعين سنة إلا بين بيته والمسجد، فقمت، وخرجت، وإذا بسعيد ابن المُسيِّب، فظننت أنه قد بدا له، فقلت له: يا أبا محمَّد هَلَّا أرسلت إلي فآتيك، قال: لا أنت أحق أن تؤتى، قلت: فماذا تأمرني؟ قال: رأيتك رجلًا عَزَبًا قد تزوجت، فكرهت أن تبيت الليلة وحدك، وهذه زوجتك، فإذا هي قائمة خلفه في طوله، ثم دفعها في الباب ورَدَّ الباب، فسقطت المرأة من الحياء، فاستوْثَقْت من الباب، ثم صعدت إلى السطح، فناديت الجيران، فجاؤوني، وقالوا: ما شأنك؟ قلت: زوجني سعيد بن المُسيِّب اليوم ابنته، وقد جاء بها على غَفْلة، وها هي في الدار، فنزلوا إليها، وبلغ أمي الخبر، فجاءت وقالت: وجهي من وجهك حرام إن مَسَسْتها قبل أن أصلحها ثلاثة أيام، فمكثت ثلاثًا، ثم دخلتُ بها، فإذا هي من أجمل الناس، وأحفظهم لكتاب الله تعالى، وأعلمهم بسنة رسول الله ﷺ ، وأعرفهم بحق الزوج. قال: فمكثت شهرًا لا يأتيني ولا آتيه، ثم أتيته بعد شهر وهو في حَلْقته، فسلمت عليه، فرد علي ولم يكَلِّمني حتى انفضَّ مَنْ في المسجد، فلما لم يبق غيري، قال: ما حال ذاك الإنسان؟ قلت: هو على ما يُحِبُّ الصديق ويكره العدو. قال: إن رابك منها شيء فالعصا، فانصرفت إلى منزلي. وقال الليث عن يحيى بن سعيد: كان سعيد يُسمّى راوية عمر، كان أحفظ الناس لأحكامه وأقضيته. وقال إبراهيم بن سعد عن أبيه عن سعيد: ما بقي أعلم بكل قضاء قضاهُ رسول الله ﷺ ، وكل قضاء قضاه أبو بكر، وكل قضاء قضاه عُمر، وكل قضاء قضاه عثمان مني. وقال مالك: بلغني أن ابن عُمر كان يُرسل إلى ابن المُسيِّب يسأله عن بعض شأن عمر وأمره. قال مالك: لم يَسْمع من عُمر، ولكنه أكب على المسألة في شأنه وأمره حتى كأنه روى منه. وقال قَتادة: كان الحسن إذا أشكل عليه شيء كتب إلى سعيد بن المُسيِّب. وقال أبو زُرْعة: مدني قُرشيٌّ إمام ثقة. وقال يزيد

стр. 624

ابن أبي مالك: كنت عند سعيد بن المُسيِّب، فحدثني بحديث، فقلت له: من حدثك يا أبا محمَّد بهذا؟ فقال: يا أخا أهل الشام، خذ ولا تسأل، فإنا لا نأخذ إلا عن الثقات. وقال إياس بن مُعاوية: قال لي سعيد ابن المُسيّب: ممن أنت؟ قلت: من مُزَيْنة. قال: إني لأعقل يوم نَعَى عمر ابن الخطاب النعمان بن مُقَرِّن على المِنْبر. وروى عِمران بن عبد الله الخُزَاعيّ عنه أنه قال: أنا أصلحت بين عليّ وعُثمان رضي الله تعالى عنهما. وأنكر ابن مَعين هذا الحديث، وقال: قد رأى عُمر وكان صغيرًا. وقال الواقِديّ: لم أرَ أهلَ العلم يصححون سماعه من عمر، وإن كانوا قد رووه. قال ابن حَجَر: قد وقع لي حديث بإسناد صحيح لا مَطْعَن فيه، فيه التصريح بسماعه من عُمر من طريق داود بن أبي هِند، عن سعيد بن المُسيِّب، قال: سمعت عُمر بن الخطاب على هذا المنبر يقول: عسى أن يكون بعدي أقوام يُكذِّبون بالرَّجم، يقولون لا نجدُهُ في كتاب الله، لولا أن أزيد في كتاب الله ما ليس منه لكتبت: إنه حقٌّ، قد رجم رسول الله ﷺ ، ورجم أبو بكر، ورجمت أنا. وانظر إسناده إلى داود بن أبي هند في "تهذيب التهذيب" إن شئت. روى عن أبي بكر مُرسلًا، وعن عُمر، وعن عثمان، وعلي، وسعد ابن أبي وقّاص، وحَكيم بن حِزام، والعبَادلة ما عدا ابن الزُّبير، وأبيه المُسيِّب، وأبي الدَّرداء، وأبي ذَرّ، وحسان بن ثابت، وزيد بن ثابت، وعائشة، وأسماء بنت عُمَيْس، وأم سُلَيْم، وخلق كثير. وروى عنه: ابنه محمَّد، وسالم بن عبد الله بن عُمر، والزُّهريّ، وقَتادة، وداود بن أبي هِند، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وأبو جَعفر الباقِر، وابن المُنْكَدر، وعبد المجيد بن سُهيل، وهاشم بن هاشم بن عُتبة، وخلق كثير. مات سنة أربع وتسعين في خلافة الوليد وهو ابن خمس وسبعين سنة. قال ابن حَجَر: وعلى تقدير ما ذَكروا عنه أن مولده لسنتين مضتا من خلافة

стр. 625

عُمر، والإِسناد إليه صحيح، يكون مبلغ عمره ثمانين سنة إلا سنة، لا كما قال الواقِدِيّ، ويؤيده ما ذكره ابن أبي شَيْبة عنه أنه قال: قد بلغت ثمانين سنة وإن أخوفَ ما يكون علي النساء. وأبوه المسيِّب -بضم الميم وفتح الياء على المشهور عند المحدثين، وفي "القاموس": وكمحدث والد سعيد ويفتح- وقال بعض المحدثين: أهل العراق يفتحونه، وأهل المدينة يكسرونه، ويُحكى أن سعيدًا كان يكره فتح الياء ويقول: سَيَّب الله من سَيَّب أبي، والكسر حكاه عِياض، وابن المديني. والمُسيَّب غير والد سعيد بالفتح من غير خِلاف، كالمسَيَّب بن رافع، ابنه العلاء بن المُسَيَّب. وفي نسب سعيد هذا يتفاضل النّسابون، لأن في بني مخزوم عابدًا بالدال المهملة والباء الموحدة، وعايذًا بالمثناة آخر الحروف والذال المعجمة، فالأول: هو عابد بن عبد الله بن عُمر بن مَخزوم، ومن ولده السائب والمُسيَّب ابنا أبي السائب، واسم أبي السائب صَيْفي بن عابد بن عبد الله، وولده عبد الله بن السائب شريك النبي ﷺ الذي قال فيه: "نعم الشريك" وقيل: الشريك أبوه السائب، وعتِيق بن عابد بن عبد الله كان على أُمِّنا خديجة ﵂ قبل النبي ﷺ ، وأما عائِذ فهو ابن عِمران ابن مَخْزوم، ومن ولده: سعيد، وأبوه، وفاطمة أم عبد الله والد النبي ﷺ بنت عُمر بن عائذ بن عِمران، وهُبيرة بن أبي وُهَيب بن عَمْرِو بن عائذ بن عمران، وهُبيرة هذا هو زوج أم هانىء بنت أبي طالب، فَرَّ عن الإِسلام يوم فتح مكة، ومات كافرًا بنجران، والله تعالى أعلم. وعن ابن قُتَيْبة قال: أتى جَدُّه حزنٌ النبيَّ ﷺ ، فقال له: ما اسمك؟ قال له: حزن. قال له: أنت سَهْل. قال: بل أنا حزن، ثلاثًا. قال سعيد: فما زِلنا نعرف تلك الحُزُونة فينا، ففي ولده سوءُ خلق. السادس: أبو هُريرة وقد مر في الثاني من كتاب الإِيمان.

стр. 626

لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، وفيه شيخان للبخاري وهما أحمد بن يونُس وموسى بن إسماعيل، وفيه أربعة كلهم مدنيون، أخرجه البخاري هنا، ومسلم في كتاب الإِيمان، والنّسائي نحوه، والترمذي بلفظ غير المذكور هنا ثم قال المؤلف. باب إذا لم يكن الإِسلام على الحقيقة وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل لقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ فإذا كان على الحقيقة فهو على قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ ومن يبتغ غير الإِسلام دينًا فلن يقبل منه . باب بالتنوين، وقوله: "إذا" متضمن معنى الشرط، وجوابه محذوف، أي: إذا كان الإِسلام على ما ذُكر لا يُنتفَع به في الآخرة. ومحصل ما ذكره أن الإِسلام يُطلق وتراد به الحقيقة الشرعية، وهو الذي يرادف الإِيمان، وينفع عند الله، وعليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] ويُطلق وُيراد به الحقيقة اللغوية، وهو مجرد الانقياد والاستسلام، فالحقيقة في كلام المصنف هنا هي الشرعية، ومناسبة الحديث للترجمة ظاهرة من حيث أن المسلم يُطلق على من أظهر الإِسلام وإن لم يُعْلَم باطنه، فلا يكون مؤمنًا لأنه ممن لم تَصْدُق عليه الحقيقة الشرعية، وأما اللغوية فحاصلة. فقوله: "وكان على الاستسلام" أي: الانقياد والظاهر. وقوله: "لقوله تعالى" في رواية: " " بدل تعالى. وقوله: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾ [الحجرات: ١٤] المراد بهم أهل البدو، ولا واحد له من لفظه، ومقول قولهم قوله: ﴿آمَنَّا﴾ [الحجرات: ١٤] نزلت في نفر من بني أسلم قدموا المدينة في سنة جَدْب، وأظهروا الشهادتين، وكانوا يقولون لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أتيناك بالأثقال والعِيال، ولم نقاتِلك كما قاتلك بنو فلان، يريدون الصدقة ويَمُنّون،

стр. 627

فقال الله تعالى لرسوله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ [الحجرات: ١٤] إذ الإِيمان تصديق مع ثقة وطمأنينة قلب ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] فإن الإِسلام انقياد، ودخول في السِّلْم، وإظهار للشهادة لا بالحقيقة، ومن ثمّ قال تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ لأن كل ما يكون بالإِقرار باللسان من غير مواطأة القلب فهو إسلام، وما واطأ فيه القلبُ اللسان فهو إيمان، وكان نظم الكلام أن يقول: لا تقولوا آمنا، ولكن قولوا أسلمنا، إذ لم تؤمنوا، ولكن أسلمتم، فعدل عنه إلى هذا النظم ليُفيد تكذيبَ دعواهم. وفي هذه الآية حُجّة على الكَرّامية ومن وافقهم من المُرجئة في قولهم: إن الإِيمان إقرار باللسان فقط، ومثل هذه الآية في الرد عليهم قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ [المجادلة: ٢٢] إذ لم يَقُل كَتَب في ألسنتهم، ومِن أقوى ما يُرَدُّ عليهم به الإِجماع على كفر المنافقين مع إظهارهم الشهادتين. وقوله: "فإذا كان على الحقيقة" أي: الشرعية، وهو الذي يُرادف الإِيمان، وينفع عند الله تعالى. وقولى: "فهو على قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ جواب "فإذا كان"، أي: لا دينَ مرضيٌّ عنده تعالى سواه. وفتح الكِسائيُّ همزة "إنَّ" على أنه بدل الكل من الكل إن فُسِّرَ الإِسلام بالإِيمان، أو بدل اشتمال إن فُسِّر بالشريعة. وقد استدل المؤلف بهذه الآية على أن الإِسلام الحقيقي هو الدين، وعلى أن الإِيمان والإِسلام مترادفان، وهو قول جماعة من المحدثين، وجمهور المعتزلة والمتكلمين، واستدلوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥] فاستثنى المسلمين من المؤمنين، والأصل في الاستثناء كون المستثنى من جنس المستثنى منه، فيكون الإِسلام هو الإِيمان، ورُدَّ

стр. 628

بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] فلو كانا شيئًا واحدًا لزم إثبات شيء ونفيه في آن واحد، وهو محال، وأُجيب بأن الإِسلام المعتبر في الشرع لا يوجد بدون الإِيمان، وهو في الآية بمعنى انقياد الظاهر من غير انقياد الباطن كما مر قريبًا. وقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ [آل عمران: ٨٥] أي: غير التوحيد والانقياد لحكم الله. وقوله: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ جواب الشرط، ووجه استدلال المصنف به على مذهبه الذي هو ترادفهما هو أن الإِيمان لو كان غير الإِسلام لما كان مقبولًا، فتعين أن يكون عينه، لأن الإِيمان هو الدين، والدين هو الإِسلام لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ فينتج أن الإِيمان هو الإِسلام، وسقط للكُشْمِيهنِي والحَمَويّ قوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ ... الخ﴾.

стр. 629

الحديث العشرون ٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ سَعْدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَى رَهْطًا -وَسَعْدٌ جَالِسٌ- فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلاً هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَالَكَ عَنْ فُلاَنٍ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ: أَوْ مُسْلِمًا. فَسَكَتُّ قَلِيلاً. ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلاَنٍ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا فَقَالَ: أَوْ مُسْلِمًا. فسكت قليلًا ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي وَعَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: «يَا سَعْدُ إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ». قوله: "أعطى رَهْطًا" الرهط العدد من الرجال لا امرأة فيهم، من ثلاثة إلى عشرة، وربما جاوز ذلك قليلًا، ولا واحد له من لفظه، وجمعه: أرهُط وأراهِط وأراهِيط وأرْهاط، ورهط الرجل بنو أبيه الأدنى، وقيل: قبيلته، وعند الإِسماعيلي أنه "جاءهُ رهْطٌ، فسألوه، فأعطاهم وترك رجلًا، وإنّما أعطاهم لِيَتألَّفَهم لضَعْف إيمانهم". وقوله: "وسعدٌ جالسٌ" جملة اسمية حالية، ولم يقل: وأنا جالس كما هو الأصل، بل جرَّد من نفسه شخصًا، وأخبر عنه بالجلوس، أو هو من باب التعبير بخلاف مُقتضى الظاهر، إذ المَقام مقام التكلم، وعدل عنه إلى الغَيْبة، ويسميه صاحب "المفتاح" التفاتًا، ولفظه في

стр. 630

الزكاة: "أعطى رجلًا وأنا جالسٌ" فساقه بلا تجريد ولا التفات، وزاد فيه: "فقُمتُ إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فسارَرْتُه" وغَفَل بعضهم، فعزا هذه الزيادة إلى مسلم فقط. وقوله: "فتركَ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم رجلًا" أي: سأله أيضًا مع كونه أحبَّ إليه ممن أعطى، وهو جُعَيْل، ويأتي تعريفه في آخر السند. وقوله: "هو أعجبهم إلي" أي: أفضلهم وأصلحهم في اعتقادي، والجملة في محل نصب صفة لرجلًا، وفي قوله: "إليّ" التفات من الغَيْبة إلى التكلم. وقوله: "مالَكَ عن فلانٍ؟ " أي: أي سبب لعُدولِك عنه إلى غيره، ولفظ فلان كناية عن اسم أُبْهم بعد أن ذُكر. وقوله: "فوالله" فيه القسم في الإِخبار على سبيل التأكيد. وقوله: "لأراه مؤمنًا" فيه فتح الهمزة ومعناه أعلم، وضم الهمزة ومعناه أظنه. وجَزَم القُرْطُبيّ بالضم قائلا: إنه هو الرواية. ومنعه النّوويّ محتجًّا بقوله الآتي: "ثم غلبني ما أعلم منه" ولأنه راجع النبي ﷺ مرارًا، فلو لم يكن جازمًا باعتقاده لما كرر المراجعة، وتُعُقِّب بأنه لا دلالة فيه على تَعَيُّن الفتح لجواز إطلاق العلم على الظن الغالب نحو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] أي: العلم الذي يمكنكم تحصيله، وهو الظن الغالب بظهور الأمارات، وإنما سمي علمًا إيذانًا بأنه كالعلم في وجوب العمل. وقال العَيْني: إن قسم سعد وتأكيد كلامه بأن واللام ومراجعته للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم وتكرار نسبة العلم إليه يدُلُّ على أنه كان جازمًا باعتقاده، وإنما كانت همزة أراه بمعنى الظن، مضمومة وبمعنى العلم مفتوحة لغلبة استعمال التي بالضم في معنى الظن، فلم ينطِقوا في أرأيت بمعنى أظننت، وفي مضارعها بالمبني

стр. 631

للفاعل كما لم ينطقوا بأظَنَنت التي أُريتَ بمعناها، وأصل أُرى يريني الله، فعُمِل فيه العمل المشهور من ضم أوله وفتح ما قبل آخره وحذف الفاعل، وزيد على ذلك هنا إبدال الياء همزة للاحتياج إلى ذلك، لأنه لما حذف الفاعل وأنيب المفعول به لزم إسناد الفعل إلى ضمير المتكلم، ولا يسند له إلا المبدوء بالهمزة، فحذفت الياء، وأُتي بالهمزة عوضَها. وقوله: "فقال: أو مسلمًا" أي: بسكون الواو فقط، فقيل: هي للتنويع، وقيل: للتشريك، وإنه أمره أن يقولهما معًا لأنه أحوط، ويَرُدُّ هَذا رواية ابن الأعْرابي في "معجمه" في هذا الحديث فقال: "لا تَقُل: مؤمنٌ بل مسلمٌ" فوضح أنها للإِضراب، وليس معناه إنكار أن الرجل مؤمنٌ، بل معناه النهي عن القطع بإيمان من لم يُخْتَبَر حاله الخبرة الباطنة، لأن الباطن لا يَطَّلع عليه إلا الله، فالأولى التعبير بالإِسلام الظاهر، بل في الحديث إشارة إلى إيمان المذكور، وهي قوله: "لأعطي الرجل وغيرُهُ أحبَّ إليّ منه" وقوله: "ثمَّ غلبني ما أعلم منه، فعُدت لمقالتي، وعاد رسول الله ﷺ " وليس في رواية الكُشْمِيهَنِيّ إعادة السؤال ثانيًا، ولا الجواب عنه. وقوله: "إني لأُعطي الرجل وغيرُهُ أحب إلي منه" أي: أعجب إليّ منه، وهو جملة حالية "خشية أن يَكُبَّه الله في النار" لكفره إما بارتداده إن لم يُعْطَ، أو لكونه يَنْسُبُ النبي ﷺ إلى البخل، وأما من قوي إيمانه فهو أحب إليّ فأكلُهُ إلى إيمانه، ولا أخشى عليه رجوعًا عن دينه، ولا سوءًا في اعتقاده. وقوله: "يَكُبّه الله" هو بفتح أوله وضم الكاف، يقال: أكَبَّ الرجل إذا أطرق، وكَبَّه غيره إذا قلبه، وهذا على خلاف القياس، لأن الفعل اللازم يتعدى بالهمزة، وهذا زيدت فيه الهمزة فَقَصُر، وجاء نظير هذا في أحرف يسيرة منها: أنْسَلَ ريشُ الطائر ونَسَلْتُه، وأنْزفَتِ البئرُ ونَزَفتها، وأمْرَت الناقةُ: درت، ومَرَيْتُها، وأشْبق البعير: رفع رأسه، وشَبَقته،

стр. 632

وأقشع الغيمُ، وقَشَعَتْه الريح، وفي هذا اللفظ كناية، فإن الكَبَّ في النار لازم الكفر، فأُطلق اللازم واريد الملزوم الذي هو الكفر. ومحصل القصة أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يُوسع العطاء لمَن أظهر الإِسلام تألفًا، فلما أعطى الرّهْط وهم من المُؤلَّفَة، وترك جُعَيْلًا وهو من المهاجرين، مع أن الجميع سألوه، خاطبه سعد في أمره لأنه كان يرى أن جعيلًا أحق منهم لما اختبره منه دونهم، ولهذا راجع أكثر من مرة، فأرشده النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى أمرين: أحدهما: إعلامه بالحكمة في إعطاء أولئك وحرمان جُعَيل، مع كونه أحب إليه ممن أعطى، لأنه لو ترك إعطاء المؤلف لم يُؤمن ارتداده فيكون من أهل النار. ثانيهما: إِرشاده إلى التوقف عن الثناء بالأمر الباطن دون الثناء بالأمر الظاهر، فَوَضحَ بهذا فائدة رَدِّ الرسول ﵊ على سعد، وأنه لا يستلزم محض الإِنكار عليه، بل كان أحد الجوابين على طريق المشورة بالأوْلى أي: الإشارة، والآخر على طريق الاعتذار. فإن قيل: كيف لم تُقْبل شهادة سعد لجُعيل بالإِيمان، ولو شَهِد له بالعدالة لقُبل منه وهي تستلزم الإِيمان؟ فالجواب أن كلام سعد لم يَخْرُج مخرج الشهادة، وإنما خرج مخرج المدح له، والتوسل في الطلب لأجله، فلهذا نوقِشَ في لفظه، حتى ولو كان بلفظ الشهادة لما استلزمت المشورة عليه بالأمر الأوْلى رد شهادته، بل السياق يرشِدُ إلى أنه قَبِل قوله فيه، بدليل أنه اعتذر إليه، ويأتي في تعريفه قريبًا حديث أبي ذَرٍّ المصرح فيه بفضله. وفي حديث الباب من الفوائد التفرقة بين حقيقتي الإِيمان والإِسلام، وترك القطع بالإِيمان الكامل لمن لم يُنَصَّ عليه، وأما منع القطع بالجنة فلا يؤخذ من هذا صريحًا، وإن تعرض له بعض الشارحين، نعم هو كذلك فيمن لم يَثْبُت فيه النص كالعشرة، وفيه الرد على غُلاة المرجئة في اكتفائهم في الإِيمان بِنُطْق اللسان، وفيه جواز تصرف الإِمام في مال

стр. 633

المصالح وتقديم الأهم فالأهم، وإن خَفِي وجه ذلك على بعض الرعية، وفيه جواز الشفاعة عند الإِمام فيما يعتقد الشافع جوازه، وتنبيه الصغير للكبير على ما يظن أنه ذَهِلَ عنه، ومراجعة المشفوع إليه في الأمر إذا لم يؤدِّ إلى مفسدة، وأن الإِسرار بالنصيحة أولى من الإِعلان كما مرت الإِشارة إليه في قوله: "فقُمْتُ فسارَرته" وقد يتعين إذا جرّ الإِعلان إلى مفسدة، وفيه أن من أُشير عليه بما يعتقده المُشير مصلحةً لا يُنْكر عليه بل يبين له وجه الصواب، وفيه الاعتذار إلى الشافع إذا كانت المصلحة في ترك إجابته، وأن لا عَيبَ على الشافع إذا رُدَّت شفاعته لذلك، وفيه استحباب ترك الالحاح في السؤال كما استنبطه المؤلف منه في الزكاة، واستنباطه له منه هو من قول سعد الآتي في الزكاة: "فضرب رسول الله ﷺ بيده فجمع بين عُنُقي وكَتِفي، ثم قال: أقْبِل، أي سعد، إني لأُعطي الرجل" أمر من الإِقبال أو القَبول، وعند مسلم "إقبالا" مصدر، أي: أتُقابلني إقبالًا بهذه المعارضة، وسياقه يُشعر بأنه ﷺ كره منه إلحاحه عليه في المسألة، ويُحتمل أن يكون استنباطه من جهة أن المشفوع له ترك السؤال فَمُدِح. رجاله خمسة: الأول: أبو اليَمان، والثاني: شُعيب بن أبي حَمْزة وقد مرّا في السابع من بدء الوحي. ومرّ ابن شِهاب في الثالث منه. الرابع: عامر بن سَعْد بن أبي وقّاص الزُّهريّ المدني. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال العِجْليّ: مدني تابعي ثقة. وذكر البخاري فيمن قال: "لا طلاق قبل النكاح" عامر بن سعد. قال ابن حَجَر: ولا أدري أراد هذا أو عامر ابن سعد البَجَليّ.

стр. 634

روى عن: أبيه، وعثمان، والعباس بن عبد المطلب، وأبي أيوب الأنصاري، وأسامة بن زيد، وأبي هُريرة، وابن عُمر، وعائشة، وخلق. وروى عنه: ابنه داود، وابنا إخوته إسماعيل بن محمَّد، وأشعث ابن إسحاق، وبجاد بن موسى، وابن أخته سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عَوْف، وسعيد بن المُسَيِّب، وهو من أقرانه، ومُجاهد، والزُّهريّ، وعطاء بن يسار، وعمرو بن دينار، وأبو طُوالة، وعثمان بن حَكيم، وغيرهم. مات بالمدينة سنة أربع ومئة في خلافة الوليد، وقيل: في وفاته غير ذلك. وفي الستة: عامر بن سَعْد سواه واحد، وهو البَجَلي الكوفي، روى عن أبي هُريرة، وأبي قَتادة، وغيرهما، له في البخاري حديث واحد. الخامس: سعد بن أبي وقّاص -بتشديد القاف- واسم أبي وقّاص مالك بن أُهَيب -ويقال له: وهيب- ابن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب القُرشيّ الزُّهريّ أبو إسحاق، أحد العشرة وآخرهم موتًا، وأمه حِمْنة بنت سفيان بن أمية بنت عم أبي سفيان بن حرب. رُوي عنه أنه قال: أسلمت وأنا ابن تسع عشرة سنة، وأنه قال: كنت السابع في الإِسلام بعد ستة، وأنه قال: أسلمت قبل أن تُفرض الصلاة. شهد بدرًا والحُديبية وسائر المشاهد كلها، وهو أحد الستة الذين جعل فيهم عُمر الشُّورى لأن رسول الله ﷺ تُوفي وهو عنهم راض. وقال عُمر: إن أصابت الإِمرة سعدًا فذاك، وإلا فلْيستعن به الوالي، فإني لم أعزله عن عَجْز ولا خِيانة. وقيل: أسلم بعد ثلاثه. وفي "صحيح" البخاري عنه أنه قال: لقد مكثت سبعة أيام وإني لثالث الإِسلام، وهو أول من أراق دمًا في سبيل الله، فقد قال ابن إسحاق في المغازي: "كان أصحاب رسول الله ﷺ بمكة يَسْتخفون بصلاتهم،

стр. 635

فبينا سعد في شعْب من شِعاب مكة في نفر من أصحابه، إذ ظهر عليهم المشركون، فنافروهم وعابوا عليهم دينهم حتى قاتلوهم، فضرب سعد رجلًا من المشركين بِلَحْي جمل فشجه، فكان أول دم أريق في سبيل الله. وهو أيضًا أول من رمى بسهم في سبيل الله، وكان يقال له: فارس الإِسلام، وكان رميه ذلك في جيش عُبَيْدة بن الحارث حين بعثه النبي ﷺ يلقَى عير قريش فترامَوْا بالنَّبْل وفي ذلك يقول سعد: ألا هل أتى رسولَ الله أنّي ... حَمَيْتُ صحَابتي بصُدُور نَبْلي أذُود بهَا عَدُوَّهُم ذِيادا ... بِكُلِّ حُزونةٍ وبكلِّ سَهْلِ فَمَا يَعتَدُّ رامٍ من مَعَدٍّ ... بَسَهم في سبيل الله قَبْلي وجمع رسول الله ﷺ له وللزبير أبويه، فقال لكل واحدٍ منهما فيما روي عنه: "ارمِ فداكَ أبي وأمّي" ولم يقل ذلك لأحد غيرهما فيما يقولون. وروى التِّرمذي من حديث جابر: أقبل سعدٌ، فقال رسول الله ﷺ : "هذا خالي فَلْيُرِني امرؤٌ خاله". وروى الشيخان من حديث عائشة أن النبي ﷺ لما قدم المدينة أرِق ليلة، فقال: "ليت رجلًا صالحًا من أصحابي يحرُسُني" إذ سمعنا صوت السلاح، فقال: "مَن هذا؟ " قال: أنا سعد. فقام، وفي رواية فدعا له. وفي الزُّبَير بن بكار من حديث عامر بن سعد، عن أبيه قال: كان رجلٌ من المشركين قد أحرق المسلمين، فنزعت له سهمًا، فأصبت جبهته، فوقع وانكشفت عورته، فضحك رسول الله ﷺ . وسماه الواقِدِيّ حِبّان بن العرقة، وزاد أنه رمى بسهم، فأصاب ذيل أم أيْمن، وكانت جاءت تسقي الجرحى، فضحك منها، فدفع رسول الله ﷺ سهمًا لسعد، فوقع السهم في نحر حِبّان، فوقع مستلقيًا، وبدت عورته، فضحك رسول الله ﷺ ، وقال: "استعاذ لها".
следующие страницы →