Полный текст (6 753 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.
стр. 5706
صاحبها كرهًا أجزأته.
واستدل بقوله: "ترد على فقرائهم" مَنْ قال بعدم وجوب تعميم الأصناف كالمالكية، وأجاب عنه القائلون بتعميم الأصناف بأن الاقتصار على الفقراء وقع لمقاتلة الأغنياء؛ لأن الفقراء هم الأغلب. وقوله: في فقرائهم، يفيد منع صرف الزكاة للكافر، ومنع نقل الزكاة من بلد المال؛ لأن الضمير في قوله: "فقرائهم" يعود على أهل اليمن، وعورض بأن الضمير إنما يرجح إلى فقراء المسلمين، وهو أعم من أن يكونوا فقراء أهل تلك البلد أو غيرهم.
وأجيب بأن المراد فقراء أهل اليمن بقرينة السياق، فلو نقلها عند وجوبها إلى بلد آخر، مع وجود الأصناف أو بعضهم، لا يُسْقِط الفرض عند المالكية النقلُ المضر ما كان على مسافة القصر لا أقل منها، فهو في حكم البلد الذي وجبت فيه، وإذا نقلت لدونهم في الاحتياج لم تجز، ولمثلهم أجزأت، ولأعدم منهم كان الأفضل نقل أكثرها إليهم.
وقال الطيبي: اتفقوا على أنها إذا نقلت وأديت يسقط الفرض عنه، إلا عمر بن عبد العزيز، فإنه رد صدقة نقلت من خراسان إلى الشام إلى مكانها من خراسان. وفي قوله: "تؤخذ من أغنيائهم" دلالة على أن الطفل تلزمه الزكاة لعموم اللفظ، وتناوله له، واختلف أهل العلم، فذهب كثير من الصحابة إلى وجوب الزكاة في مال اليتيم، منهم عمرو وابنه وعلي وعائشة، وبه قال مالك والشافعيّ وأحمد وإسحاق.
وقالت طائفة: ليس في مال اليتيم زكاة، وهو قول سفيان الثَّوريّ وابن المبارك وأبي حنيفة وأصحابه وسعيد بن جبير والحسن البصري والنخعيّ، وحجة الأولين ما رواه التِّرمْذِي عن عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ خطب فقال: "ألا مَنْ وَلي يتميًا له مالٌ فليتجر في ماله، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة" ورواه الدارقطني بلفظ: "احفظوا اليتامى في أموالهم لا تأكلها الزكاة" ورواه البَيْهقي والدارقطني أيضًا، عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قال: "ابتغوا بأموال اليتامى لا تأكلها الصدقة" وسعيد بن المسيب سمع من عمر على الصحيح، وحديث الباب كافٍ من الدليل.
وحجة الآخرين حديث رفع القلم عن ثلاث "عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق" وأجيب عن هذا بأن الزكاة حق واجب في المال، والمخاطب به ولي الصبيّ أو وصيه، واستدل به على أن الكفار غير مخاطبين بالفروع، حيث دعوا أولًا إلى الإيمان فقط، ثم دعوا إلى العمل، ورتب ذلك عليها بالفاء، وأيضًا فإن قوله: فإنْ هم أطاعوا فأخبرهم، يفهم منه أنهم لو لم يطيعوا لا تجب عليهم شيء، وفيه نظر؛ لأن مفهوم الشرط مختلف في الاحتجاج به.
وأجاب بعضهم عن الأول بأنه استدلال ضعيف؛ لأن الترتيب في الدعوة لا يستلزم الترتيب في
стр. 5707
الوجوب. كما أن الصلاة والزكاة لا ترتيب بينهما في الوجوب، وقد قدمت إحداهما على الأخرى في هذا الحديث، ورتبت الأُخرى عليها بالفاء، ولا يلزم من عدم الإتيان بالصلاة إسقاط الزكاة.
وقيل: الحكمة في ترتيب الزكاة على الصلاة أن الذي يُقر بالتوحيد ويجحد الصلاة، يكفر بذلك، فيصير ماله فيئًا، فلا تنفعه الزكاة، وأما قول الخطابيّ: إن ذكر الصدقة أُخّر عن ذكر الصلاة لأنها إنما تجب على قوم دون قوم، وأنها لا تُكَرَّر تَكَرُّرَ الصلاة فبدأ بالأهم فالأهم، وذلك من التلطف في الخطاب؛ لأنه لو طالبهم بالجميع في أول مرة لم يأمن النَّفْرة - فهو حسن، والمختار الذي هو قول المحققين والأكثرين أنهم مخاطبون بفروع الشريعة المأمور به، والمنهي عنه. وقيل: ليسوا مخاطبين، وقيل: مخاطبون بالمنهي دون المأمور، وقال شمس الأمة: لا خلاف أنهم مخاطبون بالإيمان؛ لأن النبي ﷺ بُعث إلى الناس كافةً، ليدعوهم إلى الإيمان. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾، ولا خلاف أنهم مخاطبون بالمشروع من العقوبات، ولا خلاف أن الخطاب بالمعاملات يتناولهم، ولا خلاف أن الخطاب بالشرائع يتناولهم في حكم المؤاخذة في الآخرة، وأما في وجوب الأداء في أحكام الدنيا، فمذهب العراقيين أن الخطاب يتناولهم أيضًا، والأداء واجب عليهم، وقيل: إنهم لا يخاطبون بأداء ما يحتمل السقوط من العبادات.
وفيه أن مَنْ ملك نصابًا لا يعطي من حيث أنه جعل المأخوذ منه غنيًا، وقابله بالفقير ومن ملك النصاب، فالزكاة مأخوذة منه فهو غني، والغنى مانع من إعطاء الزكاة إلا مَنْ استثنى. قال ابن دقيق العيد: ليس هذا البحث بالشديد القوة، وهو قول الحنفية، واستدل به مَنْ لا يرى على المديون زكاة ما بيده إذا لم يفضل عن الدين الذي عليه قدر نصاب؛ لأنه ليس بغني إذا كان إخراج ماله مستحقًا لغرمائه، وهذا مذهب المالكية في زكاة العَين خاصة. وقال البَغَويّ فيه: إن المال إذا تلف قبل التمكن من الأداء سقطت الزكاة لإضافة الصدقة إلى المال، واستدل به على أنه لا يكفي في الإِسلام الاقتصار على شهادة أن لا إله إلا الله، حتى يضيف إليها الشهادة لمحمد بالرسالة، وهو قول الجمهور. وقال بعضهم: يصير بالأُولى مسلمًا، ويطالب بالثانية.
وفائدة الخلاف تَظْهر بالحكم بالردة، وقد قال ابن العربي في شرح التِّرمذيّ: تبرأت اليهود في هذه الأزمان من القول بأن العزير ابن الله، وهذا لا يمنع كونه كان موجودًا في زمن النبي ﷺ ؛ لأن ذلك نزل في زمنه ﵊، واليهود معه بالمدينة وغيرها، فلم ينقل عن أحد منهم أنه رد ذلك، ولا تعقبه، والظاهر أن القائل بذلك طائفة منهم، لا جميعهم، بدليل أن القائل من النصارى: "إن المسيح ابن الله" طائفة منهم لا جميعهم. فيجوز أن تكون تلك الطائفة قد انقرضت في هذه الأزمان، كما انقلب اعتقاد معظم اليهود عن التشبيه إلى التعطيل، وتحول معتقد النصارى في الابن والأب إلى أنه من الأمور المعنوية لا الحسية. فسبحان مقلب القلوب. قاله في "الفتح".
стр. 5708
قلت: النصارى مَنْ كان منهم اليوم باقيًا على ديانتهم لم يطرأ له تغير في الابن والأب، ومَنْ انتقل إلى الطبيعة والدهرية لم يبق على شيء من ذلك لا حسًا ولا معنى.
لم يقع في هذا الحديث ذكر الصوم والحج مع أن بَعْثَ معاذٍ كان في آخر الأمر، كما مرَّ، وأجاب ابن الصلاح بأن ذلك تقصير من بعض الرواة، وتعقب بأنه يفضي إلى ارتفاع الوثوق بكثير من الأحاديث النبوية، لاحتمال الزيادة والنقصان.
وأجاب الكرمانيّ بأن اهتمام الشارع بالصلاة والزكاة أكثر، فلهذا كررا في القرآن، فمن ثَمّ لم يذكر الحج والصوم في هذا الحديث، مع أنهما من أركان الإِسلام، والسر في ذلك هو أن الصلاة والزكاة إذا وجبتا على المكلف لا يسقطان عنه أصلًا بخلاف الصوم، فإنه قد يسقط بالفدية والحج، فإن الغير قد يقوم مقامه فيه كما في المغصوب، ويحتمل أنه حينئذ لم يكن شرع.
وقال شيخ الإِسلام البلقينيّ: إذا كان الكلام في أركان الإِسلام لم يخل الشارع منه بشيء، كحديث ابن عمر "بني الإسلام على خمس" وإذا كان في الدعاء إلى الإِسلام اكتفى بالأركان الثلاثة الشهادة والصلاة والزكاة. ولو كان بعد فرض الحج والصوم كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ في موضعين من براءة، مع أن نزولها بعد فرض الصوم والحج قطعًا، وحديث ابن عمر أيضًا: "أمرت أنْ أقاتل الناس حتى بشهدوا أن لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة" وغير ذلك من الأحاديث.
قال: والحكمة في ذلك أن الأركان الخمسة اعتقاديّ: وهو الشهادة، وبدنيّ وهو الصلاة، وماليّ وهو الزكاة، فاقتصر في الدعاء إلى الإِسلام عليها, ليفرع الركنين الأخيرين عليها، فإن الصوم بدنيٌّ محض، والحج بدنيّ ماليّ، وأيضًا فكلمة الإِسلام هي الأصل، وهي شاقة على الكفار، والصلاة شاقة لتكررها، والزكاة شاقة لما في جِبِلَّة الإنسان من حب المال، فإذا أذعن المرء لهذه الثلاثة كان ما سواها أسهل عليه بالنسبة إليها.
رجاله ستة:
قد مرّوا، إلا يحيى بن عبد الله، مرَّ أبو عاصم الضَّحاك في أثَرٍ بعد الرابع من العلم، ومرَّ زكرياء بن إسحاق في السادس عشر من كتاب الصلاة، ومرَّ أبو معبد في الثامن والمئة من صفة الصلاة، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي، ومعاذ بن جبل في أثر أول الإيمان، قبل ذكر حديث منه.
والسادس: يحيى بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن صَيْفِيّ، ويقال بن عبد الله بن صيفي، ويقال يحيى بن محمد بن صيفي المكى، مولى بني مخزوم، ويقال مولى عثمان. ذكره ابن حِبان في "الثقات". وقال ابن مُعين والنَّسائيّ: ثقة، وقال ابن سعد: يحيى بن عبد الله بن صيفي كان
стр. 5709
ثقة، وله أحاديث. روى عن سعيد بن جُبير وأبي مَعْبَد مولى ابن عباس، وعتاب بن حُنين وغيرهم. وروى عنه ابن جُرَيج وإسماعيل بن عليه وزكرياء بن إسحاق وغيرهم.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع في موضع، والعنعنة وشيخه بصريٌّ، وزكرياء ويحيى مكيّان. أخرجه البخاريّ أيضًا في التوحيد والمغازي والمظالم وفي الجنائز والزكاة أيضًا.
الحديث الثاني
حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ ابْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ رضى الله عنه أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ. قَالَ: مَالَهُ مَالَهُ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَرَبٌ مَالَهُ، تَعْبُدُ اللَّهَ، وَلاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ".
قوله: "عن ابن عثمان" الإبهام فيه من الراوي عن شُعبة، وذلك أن اسم هذا الرجل عمرو، وكان شُعبة يسميه محمدًا، وكان الحُذّاق من أصحابه يبهمونه كما وقع في رواية حفص بن عمر، وكما سيأتي في الأدب عن أبي الوليد عن شُعبة، وكان بعضهم يقول محمدًا، كما قال شعبة، وبيان ذلك في طريق بَهْز التي عَلَّقها المصنف هنا، وسيأتي قريبًا من وصلها.
وقوله: "عن موسى بن طلحة عن أيوب" في رواية مسلم الآتي ذكرها: حدثنا موسى بن طلحة حدّثني أبو أيوب. وقوله: "إن رجلًا" يأتي الكلام عليه في السند. وقوله: "بعمل يُدخلُني الجنة" بضم اللام، والجملة في موضع جر صفة لقوله بعمل، ويجوز الجزم جوابًا للأمر، ورده بعض شراح المصابيح؛ لأن قوله: "بعمل" يصير غير موصوف مع أنه نكرة، فلا يفيد، وأجيب بأنه موصوف تقديرًا؛ لأن التنكير للتعظيم، فأفاد. أو أن الشرط محذوف، والتقدير: إن عملته يدخلني الجنة.
وفي دلالة هذا على الوجوب غُموض، وأجيب بأربعة أحدها أن سؤاله عن العمل الذي يدخل الجنة يقتضي أن لا يجاب بالنوافل قبل الفرائض، فتحمل على الزكاة الواجبة. ثانيها أن الزكاة قرينة الصلاة، كما سيأتي في الباب من قول أبي بكر، وقد قرن بينهما في الذكر هنا. ثالثها أنه وقف دخول الجنة على أعمال من جملتها أداء الزكاة، فيلزم إن من لم يعملها لم يدخل، ومَنْ لم يدخل الجنة دخل النار، وذلك يقتضي الوجوب. رابعها أنه أشار إلى أن القصة التي في حديث أبي أيوب، والقصة التي في حديث أبي هُريرة الذي يعقبه واحدة، فأراد أن يفسر الأول بالثاني لقوله فيه: وتؤدي الزكاة المفروضة، وهذا أحسن الأجوبة.
وقد أكثر المصنف من استعمال هذه الطريقة. وقوله: "قال ماله ماله؟ فقال رسول الله ﷺ : أرب ماله" كذا في هذه الرواية، لم يذكر فاعل قال ماله ماله. وفي رواية بَهْز المعلقة هنا، الموصولة
стр. 5710
في كتاب الأدب قال القوم: ماله ماله، وهو استفهام، والتكرار للتأكيد. وقوله: أرَب ماله، بفتح الراء والنون منونًا أي حاجة جاءت به، وهو خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ خبره محذوف. وقال في "المصابيح": هو مبتدأ مذكور الخبر، وهو له، وما زائدة، وسوغ الابتداء بالنكرة، كونها موصوفة بصفة يرشد إليها ما الزائدة، فإن ما الزائدة منبهة على وصف لائق بالمحل، واللائق هنا أن يقدر عظيم، لأنه سأل عن عمل يدخله الجنة، ولا أعظم من هذا الأمر. وروى أرِبَ، بكسر الراء وفتح الموحدة بلفظ الماضي، أي: احتاج فسأل حاجته، أو تفطن لما سأل عنه وعقل.
قال النضر بن شُميل: يقال: أرِبَ الرجل في الأمر، إذا بلغ فيه جهده. وقال الأصمعي: أرِب في الشيء صار ماهرًا فيه، فهو أريب. وكأنه تعجب من حُسن فطنته والتَّهَدِّي إلى موضع حاجته. ويؤيده قوله في رواية مسلم "فقال النبي ﷺ : لقد وفق، أو لقد هُدِي" وقال ابن قُتيبة: أرِبَ، من الآراب وهي الأعضاء، أي: سقطت أعضاؤه، وأصيب بها، كما يقال: تربت يمينك، وهو مما جاء بصيغة الدعاء. ولا يراد حقيقته. وقيل: لما رأى الرجل يزاحمه دعا عليه، لكن دعاؤه على المؤمن ظهر كما ثبت في الصحيح. وروي بفتح أوله وكسر الراء والتنوين، أي: هو أرِبٌ، أي: حاذق فطن، يسأل عمّا يعينه.
قال في "الفتحة: لم أقف على صحة هذه الرواية، وجزم الكرماني، بأنها ليست محفوظة. وفي رواية لأبي ذَرٍّ "أَرَبَ" بفتح الجميع، قال عياض: لا وجه له، ووقعت في الأدب من طريق الكشميهنيّ وحده. وقوله: "وتصل الرحمَ" أي: تواسي ذوي القرابة في الخيرات، وقال النوويّ: معناه إن تحسن إلى أقاربك ذوي رحمك بما تيسر على حسب حالك وحالهم، من إنفاق أو سلام أو زيارة أو طاعة أو غير ذلك، وخص هذه الخصلة من بين خصال الخير نظرًا إلي حال السائل، كأنه كان لا يصل رحمه، فأمره به؛ لأنه المهم بالنسبة إليه، ويؤخذ منه تخصيص بعض الأعمال بالحض عليها، بحسب المخاطب، وافتقاره للتنبيه عليها أكثر مما سواها، إما لمشتقتها عليه، وإما لتسهيله في أمرها.
رجاله خمسة:
مرَّ منهم حفص بن عمر في الثالث والثلاثين من الوضوء وأبو أيوب في العاشر منه، ومرَّ شعبة في الثالث من الإيمان، والباقي اثنان: الأول محمد بن عثمان بن عبد الله بن موهب التيميّ مولى آل طلحة، روى عن موسى بن طلحة هذا الحديث. قال البخاريّ: أخشى أنْ يكون محمد غير محفوظ، وإنما هو عمرو بن عثمان، وهكذا رواه القطان وابن نمير، وغير واحد عن عمرو بن عثمان عن موسى، وذكر ابن أبي ميسرة أن محمدًا هذا أخ لعمرو، والله أعلم.
الثاني: موسى بن طلحة بن عُبيد الله التيميُّ القرشيُّ، أبو عيسى، ويقال أبو محمد المَزَنيّ، نزل الكوفة، وأُمه خولة بنت القعقاع بن سعيد بن زُرارة. قال أبو بكر بن أبي شَيبة: إنه ولد سنة
стр. 5711
ست، قال الواقديّ: رأيت من قبلنا، وأهل بيته، يكنونه أبا عيسى، وكان ثقة كثير الحديث، وقال الزبير بن بكار: كان من وجوه آل طلحة، وقال أحمد: ليس به بأس، وقال العجليّ: تابعيّ ثقة، وكان خيارًا. وقال مُرّة: كوفيّ ثقة، رجل صالح. وقال أبو حاتم: يقال إنه أفضل ولد طلحة بعد محمد، كان يسمى في زمانه المهديّ. وقال ابن خِراش: كان من أجلاء المسلمين، ويقال انه شهد الجمل مع أبيه، وأطلقه عليّ بعد أن أُسر. ويقال إنه فرّ من الكوفة إلى البصرة لما ظهر المختار بن أبي عُبَيد.
وقال عبد الملك بن عمير: كان فصحاء الناس أربعة فذكره فيهم، وروي عنه قال: صحبت عثمان اثنتي عشرة سنة، روى عن أبيه وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوّام، وأبي أيوب وغيرهم. وروى عنه ابنه عمران وحفيده سُليمان بن عيسى بن موسى، وعثمان بن موهب وغيرهم. مات سنة ثلاث أو أربع ومئة.
وفي الحديث لفظ: "أن رجلًا" مبهمًا، وقال في "الفتح": ان ابن قتيبة حكى في غريب الحديث له، أن الرجل المبهم هو أبو أيوب الراوي للحديث، ولا مانع من أن يبهم الراوي نفسه لغرض. والظاهر أن السائل هنا هو السائل في حديث أبي هُريرة الآتي، وهو أعرابيّ، وهو لقيط بن صُبْرة وافد بني المُنْتَفِق، وصبرة بن عبد الله بن المنتفق بن عامر بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صَعْصَعة العامريّ، من حديثه فيما أخرجه أحمد وأصحاب السنن الأربعة "أتيت النبيَّ ﷺ فقال: أَسبِغ الوضوء، وخلل الأصابع، وبالغْ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا"، وفيه قصة طويلة جرت له مع النبي ﷺ ، ومع عائشة، أخرجه بطوله ابن حِبّان في صحيحه.
وقد وقع مثل هذا السؤال الصخر بن القعقاع الباهليّ كما في حديث الطبرانيّ أنه قال: "لقيت النبي ﷺ بين عرفة ومزدلفة، فأخذتُ بخطام ناقته، فقلت: يا رسول الله، ما يقربني من الجنة ويباعدني من النار؟ ... " الحديث.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة، وشيخه من أفراده، وهو كوفيّ، وشعبة واسطيٌّ، وابن عثمان وموسى مدنيان. أخرجه البخاري أيضًا في الأدب، ومسلم في الإيمان، والنَّسائيّ في الصلاة وفي العلم.
ثم قال: وقال بَهْز: حدّثنا شُعبة قال: حدّثنا محمد بن عثمان وأبوه عثمان بن عبد الله، أنهما سمعا موسى بن طلحة عن أبي أيوب بهذا، قال أبو عبد الله: أخشى أن يكون محمد غير محفوظ، إنما هو عمرو.
قوله: أخشى أن يكون محمد غير محفوظ إنما هو عمرو، وجزم في التاريخ بذلك، وكذا قال مسلم في شيوخ شُعبة، والدارقطني في العلل، وآخرون "المحفوظ عمرو بن عثمان". وقال
стр. 5712
النووي: اتفقوا على أنه وهم من شَعبة، وأن الصواب عمرو. وهذا وصله في كتاب الأدب عن عبد الرحمن بن بشير عن بَهْز بن أَسَد، وكذا أخرجه مسلم والنَّسَائيّ من طريق بَهْز.
رجاله ستة:
مرّ ذكر محلهم، وتعريف محمد بن عثمان منهم في المسند قبله، إلا بَهْز، فإنه مرَّ في الرابع من الغُسل، وإلا عثمان أبو محمد السابق، فإنه لم يمر. وهو عثمان بن عبد الله بن موهب التيميّ، أبو عبد الله. ويقال: أبو عمرو المدني الأعرج مولى آل طلحة، وقد ينسب إلى جده. ذكره ابن حِبّان في "الثقات"، وقال ابن مُعين وأبي داود والنَّسائيّ ويعقوب بن شَيبة: ثقة. وقال العجليّ: تابعيّ ثقة، روى عن أبي هُريرة وابن عُمر وأُم سلمة وغيرهم. وروى عنه ابنه عمرو وشُعبة وشيبان وغيرهم. مات سنة ستين ومئة.
الحديث الثالث
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَيَّانَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ. قَالَ: "تَعْبُدُ اللَّهَ لاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ". قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا. فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا".
قوله: "عن يحيى بن سعيد بن حيان" ووقع عند الأصيليّ عن أبي أحمد الجرجانيّ عن يحيى بن سعيد بن أبي حَيّان، أو عن يحيى بن سعيد عن أبي حيان، وهو خطأ، إنما هو يحيى بن سعيد بن حَيّان، كما لغيره من الرواة. وقوله: "إن أعرابيًا" الأعرابي، بفتح الهمزة مَنْ سكن البادية، ويأتي في السند الكلام عليه، وقوله: "وتؤدي الزكاة المفروضة" قيل: فرَّق بين القيدين كراهية لتكرير اللفظ الواحد، وقيل: عبر في الزكاة بالمفروضة للاحتراز عن صدقة التطوع، فإنها زكاة لغوية. وقيل: احترز من الزكاة المعجلة قبل الحول، فإنها زكاة وليست مفروضة.
وقوله: "وتصوم رمضان" لم يذكر الحج؛ لأنه كان حينئذ حاجًا، ولعله ذكره فاختصره، وقوله: "قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا" زاد مسلم عن عَفّان بهذا السند "لا أزيد على هذا شيئًا أبدًا، ولا أنقص منه" وباقي الحديث مثله، وظاهر قوله: "مَنْ سرة أن ينظر إلى رجلٍ من أهل الجنة، فلينظر إلى هذا" إما أن يحمل على أنه ﷺ اطَّلع على ذلك فأخبر به، أو في الكلام حذف تقديره: إن دام على فعل الذي أُمر به.
ويؤيده قوله في حديث أبي أيوب عند مسلم أيضًا: "إن تمسَّك بما إمر به دخل الجنة" قال
стр. 5713
القرطبي في هذا الحديث، وكذا حديث طلحة في قصة الأعرابي وغيرهما: دلالةٌ على جواز ترك التطوعات، لكن مَنْ داوم على ترك السنن كان نقصًا في دينه، فإن كان تركها تهاونًا بها ورغبة عنها، كان ذلك فسقًا، لورود الوعيد عليه، حيث قال ﷺ : "مَنْ رغب عن سنتي فليس مني" وقد كان صدر الصحابة ومَنْ تبعهم يواظبون على السنن مواظبتهم على الفرائض، ولا يفرقون بينهما في اغتنام ثوابهما، وإنما احتاج الفقهاء إلى التفرقة لما يترتب عليه من وجوب الإعادة وتركها، ووجوب العقاب على الترك ونفيه، ولعل أصحاب هذه القصص كانوا حديثي عهد بالإِسلام، فاكتفى منهم يفعل ما وجب في الحال، لئلا يثقل ذلك عليهم فيملوا، حتى إذا انشرحت صدورهم للفهم عنه، والحرص على تحصيل ثواب المندوبات، سهلت عليهم. وقد تقدم الكلام على شيء من هذا عند حديث طلحة بن عُبيد الله في كتاب الإيمان.
وفي الحديث جواز قول: جاء رمضان وذهب رمضان، خلافًا لمن منع عن مثل ذلك، لزعمه أن رمضان من أسماء الله تعالى، وفيه أن مَنْ أتى بالشهادتين، وصلّى وزكّى وصام وحج، إن استطاع دخل الجنة. وفيه سؤال مَنْ لا يعلم مَنْ يعلم عن العمل الذي يكون سببًا لدخول الجنة، وفيه البشارة والتبشير للمؤمن الذي يؤدي الواجبات بدخول الجنة، وفيه أن المبشّرين بالجنة غير محصورين في العشرة. وقد قيل إن تخصيص العشرة بذلك من أجل أنهم بُشروا بالجنة دفعة واحدة، فلا ينافي المتفرق.
رجاله ستة:
قد مرَّوا، مرَّ محمد بن عبد الرحيم صاعقة في السادس من الوضوء ومرَّ عفّان بن مسلم في الحادي عشر والمئة منه، ومرَّ وهيب بن خالد في تعليق بعد الخامس عشر من الإيمان، وأبو حَيّان يحيى بن سعيد في الثالث والأربعين منه، وأبو زرعة في التاسع والعشرين منه، وأبو هريرة في الثاني منه.
وفي الحديث لفظ "أن أعرابيًا" وقد مرَّ في الذي قبله ما قيل في السائل، والأعرابي، هنا، قيل: إنه لقيط بن صُبْرة الماضي، كما مرَّ، وقيل إنه سعد بن الأخْرم أبو المُغيرة الطائيّ، روى ابنه المغيرة عنه أو عن عمه، قال: "أتيتُ النبيَّ ﷺ بعرفة، وأخذت بزمام ناقته، فَدُفعت عنه فقال: "دعوه ... " فذكر الحديث في سؤاله عما يباعده من النار إلخ. وذكره البخاريُّ وأبو حاتم في التابعين.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، وشيخه من أفراده، ورواته بغداديّ وبصريان وكوفيان، أخرجه البخاريّ أيضًا في كتاب الزكاة، ومسلم في الإيمان.
стр. 5714
الحديث الرابع
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي حَيَّانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو زُرْعَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا.
وهذه الطريق مرسلة؛ لأن أبا زُرعة تابعيّ لا صحابيّ، فلا يقول عن النبيَّ ﷺ إلا بطريق الإرسال، وفائدة هذه الطريق تصريحُ أبي حيّان بسماعه له من أبي زرعة، وبطل الترديد الذي عند الجرجانيّ.
رجاله أربعة:
قد مرّوا، مرَّ مسدد ويحيى القَطّان في السادس من الإيمان، ومرَّ محل أبي حيّان وأبي زرعة في الذي قبله.
الحديث الخامس
حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنْ رَبِيعَةَ قَدْ حَالَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ، وَلَسْنَا نَخْلُصُ إِلَيْكَ إِلاَّ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَمُرْنَا بِشَيْءٍ نَأْخُذُهُ عَنْكَ، وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا. قَالَ: "آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ الإِيمَانِ بِاللَّهِ وَشَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَعَقَدَ بِيَدِهِ هَكَذَا وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ".
وهذا الحديث قد مرَّ استيفاء الكلام عليه في باب "أداء الخمس من الإيمان، من كتاب الإيمان.
رجاله أربعة:
قد مرّوا، مرَّ حجاج بن منهال في الثامن والأربعين من الإيمان، وحمّاد بن زيد في الرابع والعشرين منه، وأبو جمرة في السادس والأربعين منه، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي.
ثم قال: وقال سليمان وأبو النعمان عن حمّاد: الإيمان بالله: شهادة أن لا إله إلا الله، بمعنى أنهما وافقا حجاجًا على سياقه، إلا في إثبات الواو في قوله: "وشهادة أن لا إله إلا الله" فحذفها هنا، وهو أصوب. وقد قال ابن بطال: الواو في الرواية الأولى كالمقحمة، يقال فلان حسن وجميل، أي: حسن جميل.
أما تعليق سليمان، فقد وصله أبو داود، وأما تعليق أبي النعمان فقد وصله البخاري في المغازي في باب "أداء الخمس من الدين" وسليمان المراد به ابن حرب، وقد مرَّ في الرابع عشر من الإيمان، ومرَّ أبو النعمان في الحادي والأربعين منه، وحماد مرَّ محله في الذي قبله.
стр. 5715
الحديث السادس
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ فَقَالَ عُمَرُ ﵁: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلاَّ بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ"؟. فَقَالَ وَاللَّهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا. قَالَ عُمَرُ ﵁: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلاَّ أَنْ قَدْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ.
قوله: "لما توفي رسول الله ﷺ ، وكان أبو بكر" كان هنا تامة، بمعنى حصل، والمراد به قام مقامه، وفي رواية "واستخلف أبو بكر" وقوله: إن أبا هريرة قال. الخ، في رواية مسلم عن أبي هريرة، وكذا رواه الأكثر، على أنه من رواية أبي هريرة عن أبي بكر وعمر وروى الزُّهرِي عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة أخبره أن رسول الله ﷺ قال: "أُمرت أنْ أُقاتل الناس ... " الحديث، فساقه على أنه من مسند أبي هُريرة، ولم يذكر أبا بكر ولا عمر، أخرجه مسلم، وهو محمول على أن أبا هريرة سمع الحديث من النبي ﷺ ، وحضر مناظرة أبي بكر وعمر، فقصها كما هي، ويؤيده أنه جاء عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، بلا واسطة، في طرق، فأخرجه مسلم من طريقين عنه، وأخرجه ابن خزيمة وأحمد ومالك خارج الموطأ، وابن مَنْده في كتاب الإيمان, كلهم عن أبي هريرة.
ورواه البخاريّ في أول كتاب الإيمان عن ابن عمر، وأخرجه مسلم عن جابر وطارق الأشجعيّ، وأخرجه أبو داود والتّرمذيّ عن أنس، وأخرجه الطبرانيّ عن أنس أيضًا، وهو عند ابن خزيمة عنه، لكن قال: عن أنس عن أبي بكر، وأخرجه البَزّار عن النعمان بن بشير، والطبرانيّ عن سهل بن سعد وابن عباس وجرير البَجْلِيّ. وفي الأوسط من حديث سمرة.
وقوله: "وكَفَر مَنْ كَفَر من العرب" في حديث أنس عند ابن خُزيمة "لما توفي رسول الله ﷺ ، ارتدت عامة العرب" قال القاضي عياض وغيره: كان أهل الردة ثلاثة أصناف: صنف عادوا إلى عبادة الأوثان، وصنف تبعوا مُسيلمة والأسود العَنْسي، وكان كل منهما ادّعى النبوءة قبل موت النبي ﷺ ، فصدّق مسيلمةَ أهلُ اليمامة وجماعة غيرهم. وصدّق الأسودَ أهلُ صنعاء وجماعة غيرهم. فقتل الأسود قبل موت النبي ﷺ بقليل، وبقي بعض مَنْ آمن به، فقاتلهم عمّال النبي ﷺ في خلافة أبي بكر. وأما مُسليمة، فجهز إليه أبو بكر الجيش، وعليهم خالد بن الوليد، فقتلوه.
стр. 5716
وصنف ثالث استمروا على الإِسلام، ولكن جحدوا الزكاة، وتأولوا بأنها خاصة بزمن النبي ﷺ ، وهم الذين ناظر عمر أبا بكر في قتالهم، كما جاء في حديث الباب. وقال ابن حزم في الملل والنحل: انقسمت العرب بعد موت النبي ﷺ على أربعة أقسام، طائفة بقيت على ما كانت عليه في حياته، وهم الجمهور، وطائفة بقيت على الإِسلام أيضًا، إلا أنهم قالوا: نقيم الشرائع إلا الزكاة، وهم كثير، لكنهم قليل بالنسبة إلى الطائفة الأولى. والثانية أعلنت بالكفر والردة كأصحاب طُلَيحة وسِجاح، وهم قليل بالنسبة لمن قبلهم، إلا أنه كان في كل قبيلة من يقاوم من ارتد، وطائفة توقفت فلم تطع أحدا من الطوائف الثلاثة، وتربصوا لمن تكون الغلبة، فأخرج أبو بكر إليهم البعوث، وكان فيروز ومَنْ معه غلبوا على بلاد الأسود، قتلوه، وقتل مسيلمة باليمامة، وعاد طليحة وسِجاح، ورجع غالب من ارتد إلى الإِسلام، فلم يَحُلِ الحَوْل إلا والجميع قد راجعوا دين الإِسلام.
وقوله: "قال عمرَ: يا أبا بكر، كيف تقاتل الناس؟ " في حديث أنس أتريد "أن تقاتل العرب" وقوله: "أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" كذا ساقه الأكثر، وفي رواية طارق عند مسلم "مَنْ وحد الله وكفر بما يعبد من دونه، حرم دمه وماله" وأخرجه الطبرانيّ من حديثه كرواية الجمهور، وفي حديث ابن عمر في كتاب الإيمان "حتى يُشْهَد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة" ونحوه في حديث أبي العنبس، وفي حديثٍ عند أبي داود "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسله، وأن يستقبلوا قبلتنا، ويأكلوا ذبيحتنا، ويصلوا صلاتنا".
وفي رواية العَلاء بن عبد الرحمن "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، ويؤمنوا بي، وبما جئت به" وقد مرَّ كثير من مباحث هذا الحديث عند حديث ابن عمر في باب "فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة" من كتاب الإيمان. قال الخطّابيّ: زعم الروافض أن حديث الباب متناقض لأن في أوله أنهم كفروا، وفي آخره أنهم ثبتوا على الإِسلام، إلا أنهم منعوا الزكاة، فإن كانوا مسلمين، فكيف إستحل قتالهم وسبي ذراريهم؟ وإن كانوا كفارًا فكيف احتج على عمر بالتفرقة بين الصلاة والزكاة؛ فإنّ في جوابه إشارة إلى أنهم كانوا مقرين بالصلاة.
قال: والجواب عن ذلك أن الذين نسبوا إلى الردة كانوا صنفين، صنف رجعوا إلى عبادة الأوثان، وصنف منعوا الزكاة. وتأولوا قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ فزعموا أن دفع الزكاة خاص به ﷺ ؛ لأن غيره لا يطهرهم ولا يصلي عليهم، فكيف تكون صلاته سكنًا لهم؟ وإنما أراد عمر بقوله: "تقاتل الناس" الصنفَ الثاني؛ لأنه لا يتردد في جواز قتل الصنف الأول، كما أنه لا يتردد في قتال غيرهم من عُبّاد الأوثان والنيران واليهود والنصارى.
قال: وكأنَّه لم يستحضر من الحديث إلا القدر الذي استحضره، وقد حفظ غيره في الصلاة والزكاة معًا، وقد رواه عبد الرحمن بن يعقوب بلفظ يعم جميع الشريعة، حيث قال فيها: "ويؤمنوا بي
стр. 5717
وبما جئت به" فإن مقتضى ذلك أن مَنْ جحد شيئًا مما جاء به ﷺ ، ودُعِي إليه، فامتنع ونصب القتال، أنه يجب قتاله وقتله إذا أصر. قال: وإنما عرضت الشبهة لما دخله من الاختصار، وكان راويه لم يقصد سياق الحديث على وجهه، وإنما أراد سياق مناظرة أبي بكر وعمر، واعتمد على معرفة السامعين بأصل الحديث.
قال في "الفتح": وفي هذا الجواب نظر؛ لأنه لو كان عند عمر في الحديث: "حتى يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة" ما استشكل قتالهم، للتسوية في كون غاية القتال ترك كل من التلفظ بالشهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. قال عياض: حديث ابن عمر نصٌّ في قتال مَنْ لم يصلِّ ولم يترك، كمن لم يقر بالشهادتين، واحتجاج عمر على أبي بكر، وجواب أبي بكر، دل على أنهما لم يسمعا في الحديث الصلاة والزكاة، إذ لو سمعه عمر لم يحتج على أبي بكر، ولو سمعه أبو بكر لرد به على عمر، ولم يحتج إلى الاحتجاج بعموم قوله إلا بحقه، وقد مرَّ هذا، وزيادة، عند الحديث المذكور في الباب المار ذكره.
وأُجيب عمّا تأوّلوه في الآية بأن الخطاب في كتاب الله تعالى على ثلاثة أقسام: خطاب عام، كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾. وخاص بالرسول، في قوله: ﴿فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ حيث قطع التشريك بقوله: "لك". وخطاب مواجهة للنبي ﷺ ، وهو وجميع أمته في المراد منه سواء، كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾، وقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾، فعلى القائم بعده بأمر الأمة أن يحتذي حذوه في أخذها منهم، وأما التطهير والتزكية والدعاء من الإِمام لصاحبها، فإن الفاعل لها قد ينال ذلك كله بطاعة الله تعالى ورسوله فيها، وكل ثواب موعود على عمل كان في زمنه ﵊، فإنه باقِ غير منقطع، ويستحب للإمام أن يدعو للمتصدق، ويرجى أن يستجيب الله له، ولا يُخيِّب مسألته.
وما قيل من أن منكر وجوب الزكاة كافر بالإجماع، وإن تأوَّلَ بكل تأويل فكيف يقال إن هذا الصنف غير كفار، فالجواب أنهم عذروا فيما جرى منهم لقرب العهد بالإسلام الذي كان يقع فيه تبديل الأحكام، ولوقوع الفترة بموت النبي ﷺ ، وكان القوم جهالًا بأمور الدين، قد أضلتهم الشبهة، أما اليوم فقد شاع أمر الدين، واستفاض العلم بوجوب الزكاة، حتى عرفه الخاص والعام، فلا يعذر أحد بتأويله، وكان سبيلها سبيل الصلوات الخمس ونحوها.
وقوله: "إلاَّ بحقه" الضمير فيه للإسلام فمهما ثبت أنه من حق الإِسلام تناوله، ولذلك اتفق الصحابة على قتال مَنْ جحد الزكاة، وقوله: "لأقاتلنَّ مَنْ فرَّق بين الصلاة والزكاة" يجوز بتشديد فرق وتخفيفه، والمراد بالفرق مَنْ أقر بالصلاة وأنكر الزكاة جاحدًا أو مانعًا مع الاعتراف، وإنما أطلق في أول القصة الكفر ليشمل الصفين، فهو في حق مَنْ جحد حقيقة، وفي حق الآخرين مجاز تغليبًا، وإنما قاتلهم الصديق ولم يعذرهم بالجهل؛ لأنهم نصبوا القتال، فجهز إليهم مَنْ دعاهم إلى الرجوع، فلما أصروا قاتلهم.
стр. 5718
قال المازريّ: ظاهر السياق أن عمر كان موافقًا على قتال مَنْ جحد الصلاة، فألزمه الصديق بمثله في الزكاة، لورودهما في الكتاب والسنة مورداً واحدًا. وقوله: "فإن الزكاة حق المال" يشير إلى دليل منع التفرقة التي ذكرها، أن حق النفس الصلاة، وحق المال الزكاة، فمن صلّى عصم نفسه، ومَنْ زكّى عصم ماله، فمَنْ لم يصل قوتل على ترك الصلاة، ومَنْ لم يزكِ أُخذت الزكاة من ماله قهرًا، وإنْ نصَبَ الحرب لذلك قوتل. وهذا يوضح أنه لو كان سمع في الحديث "ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة" لما احتاج إلى هذا الاستنباط، لكنه يحتمل أن يكون سمعه، واستظهر بهذا الدليل النظري.
وما صدر من عمر كان تعلقًا منه بظاهر الكلام قبل أن ينظر إلى آخره، ويتأمل شرائطه، فقال له أبو بكر: إن الزكاة حق المال، يريد أن القضية قد تضمنت عصمة دم ومال، معلقة بإيفاء شرائطها، والحكم المعلق بشرطين لا يحصل بأحدهما، والآخر معدوم، ثم قايَسَه بالصلاة وَرَدَّ الزكاة إليها، فكان في ذلك دليلٌ على أن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعًا من رأي الصحابة، ولذلك رد المختلف فيه إلى المتفق عليه، فاجتمع في هذه القضية الاحتجاج من عمر بالعموم، ومن أبي بكر بالقياس.
وقوله: "لو منعوني عَنَاقًا" بفتح العين والنون الأنثى، من ولد المعز، وفي رواية ذكرها أبو عبيدة "جديًا أَذوطَ" والأذوط الصغير الفك والذقن، وفي رواية الليث عند مسلم "عِقالًا" واختلف في هذه اللفظة، فقيل هي وهم، وأشار إلى ذلك البخاريّ بقوله في كتاب الاعتصام: وعن الليث عَناقًا، وهو أصح، قال عياض: احتج برواية العَناق من يجيز أخذ العَناق في زكاة الغنم، إذا كانت كلها سِخالًا؛ لأن الصغار تزكي على حول أُمهاتها إن كانت نصاباً وماتت الأمهات كلها، أو مكملة له بأن مات بعض الأمهات وبقي منها مع النتاج نصاب، أو ملك دون النصاب فولدت ما تم به النصاب. هذا مذهب المالكية.
قال النوويّ: المراد أنها كانت صغارًا، فماتت أمهاتها في بعض الحول، فيزكين بحول الأمهات، ولو لم يبق من الأمهات شيء على الصحيح، ويتصور فيما إذا مات معظم الكبار، وحدثت الصغار، فحال الحول على بقية الكبار وعلى الصغار. وقال أبو القاسم الأنماطيّ: لا تزكي الأولاد بحول الأمهات، إلا أن يبقى من الأمهات نصاب. قال العينيّ: وقال أصحابنا: إلا أن يبقى من الأمهات شيء، ويتصور ذلك أيضًا فيما إذا مات معظم الكبار، وحدثت صغارٌ، فحال حول الكبار على بقيتها وعلى الصغار، قال: وهو الصحيح المشهور، وهو قول أبي يوسف من أصحابنا. وعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى: لا تجب الزكاة في المسألة المذكورة، وحملا الحديث على صيغة المبالغة أو على الفرض والتقدير. وقيل: إنما ذكر العَناق مبالغةً في التقليل، لا العناق نفسها. ورواية "لو منعوني عِقالًا" قال النوويّ: محمولة على أنه قالها مرتين، مرة عَناقًا، ومرة عِقالًا. قال في "الفتح": هذا بعيد مع اتحاد المخرج والقصة، واختلف في المراد به، فقيل:
стр. 5719
العِقال يطلق على صدقة العام، يعني صدقته، حكاه المازريّ عن الكسائيّ، واستشهد بقول الشاعر:
سعى عِقالًا فلم يترك لنا سندًا ... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين
وعمرو المشار إليه وابن عُتبة بن أبي سفيان، وكان عمه معاوية يبعثه ساعيًا على الصدقات، فقيل فيه ذلك، ونقل عياض عن ابن وهب أنه الفريضة من الإبل، ونحوه عن النضر بن شُميل. وعن أبي سعيد الضّرير العقال: ما يؤخذ في الزكاة من نِعَم وثمار؛ لأنه عَقَلَ عنه به طلب السلطان، وعقَلَ عنه به الإثم.
وقال المبرد: العِقال ما أخذه العامل من صدقة بعينها، فإن تعوّض عن شيء منها قيل: أخذ نقدًا، وعلى هذا فلا إشكال فيه. وذهب الأكثر إلى حمل العِقال على حقيقته، وأن المراد به الحبل الذي يعقل به البعير، نقله عياض عن مالك وابن أبي ذيب، قالا: العقال عِقال الناقة. وقال أبو عُبيد: العقال اسم لما يُعْقَل به البعير، وقد بعث النبي ﷺ محمد بن مَسْلمة على الصدقة، فكان يأخذ من كل فريضة عقالًا.
وقال النوويّ: ذهب إلى هذا كثير من المحققين، وقال ابن التيمي في التحرير: قول مَنْ فسرا العقال بفريضة العام تعسُّف، وهو نحو تأويل من حمل البيضة والحبل في حديث "لعن السارق" على بيضة الحديد، وحبل السفينة. قال: وكلما كان في هذا السياق أحقر كان أبلغ. قال: والصحيح أن المراد بالعقال ما يعقل به البعير. قال: والدليل على أن المراد به المبالغة قولُه في الرواية الأخرى: "عنَاقًا" وفي الأخرى: "جديًا" قال: فعلى هذا فالمراد بالعقال قدر قيمته. قال النوويّ: وهذا هو الصحيح الذي لا ينبغي غيره.
وفي المحكم، العقال: القَلُوص، وروى ابن القاسم وابن وهب عن مالك العقال: القلوص، وقال عياض: احتج به بعضهم على جواز أخذ الزكاة في عروض التجارة، وفيه بعد، والراجح أن العقال لا يؤخذ في الزكاة لوجوبه بعينه، وإنما يؤخذ تبعًا للفريضة التي تعقل به، أو أنه قال ذلك مبالغةً، على تقدير أنْ لو كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ . وقال النوويّ: يصح قدر قيمة العِقال في زكاة النقد والمعدن والركاز والمُعَشّرات وزكاة الفطر، وفيما لو وجبت سِنّ فأخذ الساعي دونه، وفيما إذا كانت الغنم سِخالًا، فأخذ واحدة وقيمتها عقال. قال: وقد رأيت كثيرًا ممن يتعاطى الفقه يظنُّ أنه لا يتصور، وإنما هو للمبالغة، وهو غلط منه.
وقد قال الخطابيّ: حمله بعضهم على زكاة العِقال إذا كان من عروض التجارة، وعلى الحبل نفسه عند مَنْ يجيز أخذ القيم. وللشافعيُّ قول أنه يتخير بين العرض والنقد. قال: وأظهر من ذلك كله قول مَنْ قال: إنه يجب أخذ العِقال مع الفريضة، كما جاء عن عائشة "كان من عادة المتصدق أن يعمد إلى قَرَنٍ، بالتحريك، وهو الحبل، فيقرن به بين بعيرين لئلا تشرد الإبل"، وهكذا جاء عن
стр. 5720
الزهري. وقال غيره في قول أبي بكر: "لو منعوني عِقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ غِنْيةٌ عن حمله على المبالغة، وحاصله أنهم متى منعوا شيئًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ ، ولو قلّ، فقد منعوا شيئًا واجبًا، إذ لا فرق في منع الواجب وجحده بين القليل والكثير.
قال: وهذا يغني عن جميع التقادير والتأويلات التي لا يسبق اللهم إليها, ولا يظن بالصديق أنه يقصد إلى مثلها، والحامل لمن حمله على المبالغة، أن الذي تمثل به في هذا المقام لابد وأن يكون من جنس ما يدخل في الحكم المذكور، فلذلك حملوه على المبالغة. وقوله: "فوالله ما هو إلا أن قد رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعلمت أنه الحق" أي: ظهر له من صحة احتجاجه، لا أنه قدّره في ذلك.
وقد قيل: إن أبا بكر رضي الله تعالى عنه استند في قتالهم إلى النص الصريح، مع ما احتج به على عمر. فقد روى الحاكم في الإكليل عن عبد الرحمن الظُّفْريّ: "بعث النبي ﷺ إلى رجل من أشجع لتؤخذ صدقته، فرده، فرجع فأخبر النبي ﷺ ، فقال: ارجع فأخبره أنك رسول رسول الله، فجاء إلى الأشجعيّ فرده، فقال له النبي ﷺ : اذهب إليه الثالثة، فإن لم يعطِ صدقته فاضرب عنقه" قال عبد الرحمن بن عبد العزيز، أحد رواة الحديث، لحكيم بن عباد بن حُنيف، أحد رواته أيضًا: ما أرى أبا بكر قاتلهم مُتأَوّلًا، إنما قاتلهم بالنص.
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم في كتاب الإيمان: الاجتهادُ في النوازل، وردها إلى الأصول، والمناظرة على ذلك، والرجوع إلى الراجح، والأدب في المناظرة، فيترك التصريح بالتخطئة، والعدول إلى التلطف، والأخذ في إقامة الحجة إلى أن يظهر للمناظرة، فلو عاند بعد ظهورها، فحينئذ يستحق الإغلاظ بحسب حاله، وفيه الحلف على الشيء لتأكيده.
وفيه منع قتل مَنْ قال لا إله إلا الله ولو لم يزد عليها، وهو كذلك، لكن هل يصير بمجرد ذلك مسلمًا؟ الراجح لا، بل يجب الكف عن قتله حتى يختبر، فإن شهد بالرسالة والتزم أحكام الإِسلام حُكِم بإسلامه، وإلى ذلك الإشارة بقوله: "إلا بحق الإِسلام". قال البَغَويّ: الكافر إذا كان وثنيًا أو ثنويًا لا يقر بالوحدانية، فإذا قال لا إله إلا الله، حُكِم بإسلامه، ثم يجبر على قبول جميع أحكام الإِسلام، ويبرأ من كل دين خالف دين الإِسلام، وأما مَنْ كان مقرًا بالوحدانية منكرًا للنبوءة، فإنه لا يحكم بإسلامه حتى يقول "محمد رسول الله" فإن كان يعتقد أن الرسالة المحمدية إلى العرب خاصة، فلابد أن يقول إلى جميع الخلق، فإن كان كفر بجحودُ واجبٍ أو استباحةِ محرم فيحتاجُ أن يَرجع عمّا اعتقده.
ومقتضى قوله: "يجبر" أنه إذا لم يلتزم تجري عليه أحكام المرتد، وبه صرّح القَفّال، واستدل بحديث الباب، فادّعى أنه لم يرد في خبر من الأخبار "أمرتُ أنْ أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" أو "أني رسول الله" وهذه غفلة عظيمة، فالحديث في صحيحي البخاري
стр. 5721
ومسلم، في كتاب الإيمان من كل منهما عن ابن عمر بلفظ: "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله". ويحتمل أن يكون المراد بقول لا إله إلا الله هنا، التلفظَ بالشهادتين، لكونها صارت علمًا على ذلك، ويؤيده ورودهما صريحًا في الطرق الأخرى.
واستدل به على أن الزكاة لا تسقط عن المرتد، وتعقب بأن المرتد كافر، والكافر لا يطالب بالزكاة، وإنما يطالب بالإِيمان، وليس في فعل الصديق حجة لما ذكر، وإنما فيه قتال من منع الزكاة. والذين تمسكوا بأصل الإِسلام، ومنعوا الزكاة بالشبهة التي ذكروها ,لم يحكم عليهم بالكفر قبل إقامة الحجة، وقد اختلف الصحابة فيهم بعد الغلبة عليهم، هل تغنم أموالهم وتسبى ذراريهم، كالكفار؟ أم لا كالبغاة؟ فرأى أبو بكر الأول وعمل به، وناظره عمر في ذلك، وذهب إلى الثاني ووافقه غيره في خلافته على ذلك. واستقر الإجماع عليه في حق مَنْ جحد شيئًا من الفرائض بشبهة، فيطالب بالرجوع، فإنْ نصب القتال قوتل، وأقيمت عليه الحجة، فإن رجع وإلا عومل معاملة الكافر حينئذ.
ويقال إن أَصْبَغَ، من المالكية، استقر على القول الأول، فعد من ندرة المخالف، وقال القاضي عياض: يستفاد من هذه القصة أن الحاكم إذا أداه اجتهاده في أمر لا نص فيه، إلى شيء تجب طاعته فيه، ولو اعتقد بعض المجتهدين خلافه، فإن صار ذلك المجتهد المعتقد خلافه حاكمًا، وجب عليه العمل بما أداه إليه اجتهاده، وتسوغ له مخالفة الذي قبله في ذلك؛ لأن عمر أطاع أبا بكر فيما رأى من حق مانعي الزكاة، مع اعتقاده خلافه، ثم عمل في خلافته بما أدّاه إليه اجتهاده، ووافقه أهل عصره من الصحابة وغيرهم، وهذا مما يُنبه عليه في الاحتجاج بالإجماع السُّكوتي، فيشترط في الاحتجاج به انتفاء موانع الإنكار، وهذا منها.
وقال الخطابيّ: في الحديث أنَّ مَنْ أظهر الإِسلام، أُجريت عليه أحكامه الظاهرة، ولو أسر الكفر في نفس الأمر، ومحل الخلاف إنما هو فيمن اطلع على معتقده الفاسد، فأظهر الرجوع، هل يقبل منه أو لا؟ وأما مَنْ جهل أمره فلا خلاف في إجراء الأحكام الظاهرة عليه، وقد مرَّ عند حديث ابن عمر في كتاب الإيمان ما قيل في قبول تولة الزنديق، وهو الذي يسر الكفر ويظهر الإِسلام.
تكميل:
قصد البخاري بهذه الأحاديث الاستدلال على وجوب الزكاة، وقد اختلف في أول وقت فرض الزكاة، فذهب الأكثر إلى أنه وقع بعد الهجرة، فقيل: كان في السنة الثانية قبل فرض رمضان، أشار إليه النوويّ، وجزم ابن الأثير بأن ذلك كان في التاسعة، وفيه نظر، فقد تقدم في حديث ضِمام بن ثَعْلبة، وحديث وفد عبد القيس، وفي عدة أحاديث ذكرُ الزكاة، وكذا مخاطبة أبي سفيان مع هرقل، وكانت في أول السابعة، وقال فيها: "يأمرنا بالزكاة" لكن يمكن تأويل كل ذلك كما سيأتي في آخر الكلام، إلا حديث ضمام بن ثعلبة، فإنه صريح في أن فرضها كان قبل التاسعة؛ لأن قدومه كان
стр. 5722
سنة خمس كما مرَّ، وفي حديثه "أنشدك الله، آلله أمرك أن تأخذ الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ ".
وقوّى بعضهم ما ذهب إليه ابن الأثير بما وقع في قصة ثعلبة بن حاطب المطولة، ففيها لما أنزلت آية الصدقة، بعث النبي ﷺ عاملًا، فقال: ما هذه إلا جِزية وأخت الجزية. والجِزية إنما وجبت في التاسعة، فتكون الزكاة في التاسعة، لكنه حديث ضعيف لا يحتج به.
وادّعى ابن خُزيمة في صحيحه أن فرضها كان قبل الهجرة، واحتج بما أخرجه من حديث أم سلمة في قصة هجرتهم إلى الحبشة، وفيها أن جعفر بن أبي طالب قال للنجاشي في جملة ما أخبره عن النبي ﷺ : "ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام" وفي استدلاله نظر؛ لأن الصلوات الخمس لم تكن فرضت بعد، ولا صيام رمضان، فَيُحْتَمل أن تكون مراجعة جعفر لم تكن في أول ما قدم على النجاشيّ، وإنما أخبره بذلك بعد مدة قد وقع فيها ما ذُكِرَ من قصة الصلاة والصيام، وبلغ ذلك جعفرًا فقال: "يأمرنا بمعنى يأمر به أمته" وهو بعيدٌ جدًا، وأولى ما حُمِلَ عليه حديث أُم سَلَمةَ هذا، أن سلم من قُدح في إسناده أن المُراد بقوله: يأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، أي في الجملة، ولا يلزم من ذلك أن يكون المراد بالصلاة الصلوات الخمس، ولا بالصيام صيام رمضان، ولا بالزكاة هذه الزكاة المخصوصة ذات النصاب والحول.
والظاهر أن الذي وقع في التاسعة بعث العمال لأخذ الصدقات، وذلك يَستدعي تقدم فرضية الزكاة قبل ذلك، ولما يدل على أن فرض الزكاة وقع بعد الهجرة، اتفاقهم على أن صيام رمضان إنما فرض بعد الهجرة؛ لأن الآية الدالة على فرضيته مدنية بلا خلاف، وثبت عند أحمد وابن خزيمة والنَّسائيّ وابن ماجه والحاكم، من حديث قيس بن سعد بن عُبادَةَ قال: أمرنا رسول الله ﷺ بصدقة الفطر، قبل أن تنزل الزكاة، ثم نزلت فريضة الزكاة، فلم يأمرنا ولم ينهنا، ونحن نفعله.
إسناده صحيح، رجاله رجال الصحيح إلا أبا عمار الراوي له عن قيس بن سعد، وهو كوفيّ اسمه عَرِيْبٌ، بالمهملة المفتوحة، بن حميد، وقد وثّقه أحمد وابن مُعين، وهو دال على أن فرض صدقة الفطر كان قبل فرض الزكاة، فيقتضي وقوعها بعد فرض رمضان، وذلك بعد الهجرة، وهو المطلوب.
وفي تاريخ الإِسلام في السنة الأولى فرضت الزكاة، وقد أخرج البيهقيّ في الدلائل حديثَ أُم سلمة المذكور، عن مغازي ابن إسحاق من رواية يونس بن بكير عنه، وليس فيه ذكر الزكاة وابن خزيمة أخرجه عن ابن إسحاق، لكن عن سلمة بن الفضل عنه، وفي سلمة مقال.
رجاله سبعة:
قد مرّوا، مرَّ أبو اليمان وشعيب في السابع من بدء الوحي، وابن شهاب في الثالث منه، وعُبَيْد الله المسعُودِيّ في السادس منه، وعمر بن الخطاب في الأول منه، وأبو هريرة في الثاني من
стр. 5723
الإيمان، وأبو بكر في باب مَنْ لم يتوضأ من لحم الشاة بعد الحادي والسبعين من الوضوء. أخرجه البخاريّ أيضًا في استنابة المرتدين وفي الاعتصام، ومسلم في الإيمان، وأبو داود في الزكاة، والتِّرمِذِيّ في الإيمان، والنَسَائيّ فيه وفي المحاربة وفي الجهاد ثم قال المصنف:
стр. 5724
باب البيعة على إيتاء الزكاة
﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾.
قال الزين بن المنير: هذه الترجمة أخص من التي قبلها, لتضمنها أن بيعة الإِسلام لا تتم إلا بالتزام إيتاء الزكاة، وأن مانعها ناقضٌ لعهده مبطل لبيعته، فهو أخص من الإيجاب؛ لأن كل ما تضمنته بيعة النبي ﷺ واجب، وليس كل واجب تضمنته بيعته، وموضع التخصيص الاهتمام والاعتناء بالذكر حال البيعة. قال: وأتبع المصنف الترجمة بالآية معتضدًا بحكمها؛ لأنها تضمنت أنه لا يدخل في التوبة من الكفر، وينال أُخُوَّة المؤمنين في الدين إلا مَنْ أقام الصلاة، وآتى الزكاة.
الحديث السابع
حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ قَيْسٍ قَالَ: قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.
هذا الحديث قد مرَّ الكلام عليه مستوفىً في آخر كتاب الإيمان.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرَّ محمد بن نمير في الأول من أبواب العمل في الصلاة، ومرَّ أبوه عبد الله بن نُمير في الثالث من التيمم، ومرَّ إسماعيل بن خالد في الثالث من الإيمان، ومرَّ قيس بن أبي حازم وجرير بن عبد الله في الخمسين منه، ومرَّ الكلام عليه هناك. ثم قال المصنف:
стр. 5725
باب إثم مانع الزكاة
وقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾.
قال الزين بن المنير: هذه الترجمة أخص من التي قبلها, لتضمن حديثها تعظيم إثم مانع الزكاة، والتنصيص على عظيم عقوبته في الدار الآخرة، وتبري نبيه منه، بقوله له: "لا أملك لك من الله شيئًا" وذلك مؤذن بانقطاع رجائه، وإنما تتفاوت الواجبات بتفاوت المثوبات والعقوبات، فما شددت عقوبته كان إيجابه آكد مما جاء فيه مطلق العقوبة، وعبر المصنف بالإثم ليشمل من تركها جحدًا أو بخلًا.
قوله: "وقول الله تعالى" بالجرِ عطفًا على سابقه، وبالرفع على الاستئناف، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الآية، الكنز اسم للمال ولما يحرز فيه، وقال الطبريّ: هو كل شيء مجموع بعضه إلى بعض، في بطن الأرض كان أو في ظهرها, ولا يختص ذلك بالذهب والفضة، ألا ترى إلى قوله ﷺ : "ألا أخبركم بخير ما يكنزه المرءُ، المرأةَ الصالحةَ التي إذا نظر إليها سرته وإذا أمرها طاعته، وإذا غاب عنها حفظته" رواه أبو داود وابن مردويه والحاكم. وقال: على شرطهما ولم يخرجاه. وسمي الذهب ذهبًا لأنه يذهب ولا يبقى، وسميت الفضة فضة لأنها تنفض أي تنصرف.
والضمير في قوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ للكنوز الدال عليها يكنزون، أو للأموال، فإن الحكم عام، وتخصيصها بالذكر لأنهما قانون التمول، أو للفضة لأنها أقرب، ويدل على أن حكم الذهب كذلك بطريق الأولى. وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ المراد به المعنى الأعم، لا خصوص أحد السهام الثمانية، وإلا لاختص بالصرف إليه بمقتضى هذه الآية.
وقوله: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ يوم توقد النار ذات حُمّى وحر شديد على الكنوز، وأصله تحمى النار، فجعل للنار مبالغة، ثم طوى ذكر النار، وأسند الفعل للجار والمجرور، تنبيهًا على المعهود، وانتقل من صيغة التأنيث إلى صيغة التذكير، وإنما قال "عليها" والمذكور شيئان، لأن المذكور دنانير ودراهم كثيرة، كما قال عليّ رضي الله تعالى عنه، فيما قاله الثَّوريّ عن أبي حُصين عن أبي الضُّحَى عن جَعْدة بن هبيرة عنه "أربعة آلاف وما دونها نفقة، وما فوقها كنز".
وقوله: فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، أي: لأنها مجوفة فتسرع الحرارة إليها، أو لأن
стр. 5726
الكي في الوجه أبشع وأشهر، وفي الظهر والجنب أوجع وآلم. وقال البيضاويّ: خص الجنب والجبين والظهر لأنه جمع المال ولم يصرفه في حقه لتحصيل الجاه والتنعم بالمطاعم والملابس، أو لأنه أعرض عن الفقير، وولاه ظهره، أو لأنها أشرف الأعضاء الظاهرة، لاشتمالها على الأعضاء الرئيسة. وقيل: المراد بها الجهات الأربع التي هي مقدم البدن ومؤخره وجنباه، نسأل الله تعالى العافية والسلامة.
وقد أخرج مسلم من رواية زيد بن أسلم: "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة، صفحت له صفائحٍ من نارٍ، فأُحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره". وروى ابن أبي حاتم مرفوعًا "ما من رجل يموت، وعنده أحمر أو أبيض، إلا جعل الله بكل صحيفة من نار تكوى بها قدمه إلى ذقنه".
وروي أنه لا يوضع دنيار على دينار، ولكن يوسع جلده حتى يوضع كل درهم في موضع على حدة. وقوله: ﴿فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ أي: كنزكم، أو ما تكنزونه، فما مصدرية أو موصولة، وأكثر السلف أن الآية عامة للمسلمين وأهل الكتاب. وفي سياق المؤلف لها تلميح إلى تقوية ذلك،
خلافًا لمن زعم أنها خاصة بالكفار، والوعيد المذكور في كل ما لم تُؤَد زكاته، ففي حديث عمر: "أيما مال أُدِّيت زكاته، فليس بكنز، وإن كان مدفونًا في الأرض، وأيما مالٍ لم تُؤَد زكاته، فهو كنز مكويٌّ به صاحبه، وإن كان على وجه الأرض".
الحديث الثامن
حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "تَأْتِى الإِبِلُ عَلَى صَاحِبِهَا، عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، إِذَا هُوَ لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا، تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَأْتِي الْغَنَمُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، إِذَا لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا، تَطَؤُهُ بِأَظْلاَفِهَا، وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا. وَقَالَ: وَمِنْ حَقِّهَا أَنْ تُحْلَبَ عَلَى الْمَاءِ. قَالَ: وَلاَ يَأْتِي أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِشَاةٍ يَحْمِلُهَا عَلَى رَقَبَتِهِ لَهَا يُعَارٌ، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ. فَأَقُولُ: لاَ أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُ. وَلاَ يَأْتِي بِبَعِيرٍ، يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ لَهُ رُغَاءٌ، فَيَقُولُ يَا مُحَمَّدُ. فَأَقُولُ: لاَ أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُ.
قوله: "تأتي الإبل على صاحبها" يعني يوم القيامة، وقوله: "على خير ما كانت" أي: من العِظَم والسِّمَن والكثرة؛ لأنها تكون عنده على حالات مختلفة، فتأتي أكملها, ليكون ذلك أنكىِ له، لشدة ثقلها. وقوله: "إذا هو لم يعطِ فيها حقها" أي: لم يؤد زكاتها. وقد رواه مسلم عن أبي ذَرٍّ بهذا اللفظ. وقوله: "تطأه بأخفافها" بألف من غير واو، وكذا هو عند بعض النحويين، لشذوذ هذا الفعل من بين نظائره في التعدي؛ لأن الفعل إذا كان فاؤه واوًا، وكان على فَعِل، مكسور العين،
стр. 5727
كان غير متعدٍ، غير هذا الحرف ووَسِع، فلما شذا دون نظائرهما، أعطيها هذا الحكم. وقيل: أصله يَوْطِىء، بكسر الطاء، فسقطت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، ثم فتحت الطاء لأجل الهمزة.
والأخفاف جمع خف، وهو للإبل كالظلف للغنم والبقر، والحافر للحمار والبغل والفرس، والقدم للآدمي. وفي رواية همام عن أبي هريرة في ترك الخيل فتخبط وجهه بأخفافها, ولمسلم عن أبي صالح عنه "ما من صاحب إبل لا يؤدي حقها منها إلا إذا كان يوم القيامة بُطح لها بقاعٍ قَرْقَرٍ، أو فر ما كانت، لا يفقد منها فصيلًا واحدًا، تطؤه بأخفافها وتعضده بأفواهها، كلما مرت عليه أولاها ردت عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضي الله بين العباد، ويرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار".
وللمصنف من حديث أبي ذَرٍّ "إلا أُتي بها يوم القيامة أعظم ما كانت، وأسمنه" ورواية مسلم هذه "كلما مرت عليه أُولاها ردت عليه أُخراها" قال عياض: قالوا هو تغيير وتصحيف، وصوابه ما في رواية سُهيل عن أبيه "كلما مرَّ عليه أُخراها رد عليه أُولاها" وبهذا ينتظم الكلام، وكذا وقع عند مسلم من حديث أبي ذَرٍّ أيضًا، وأقره النوويّ على هذا، وحكاه القُرطبيّ، وأوضح وجه الرد بأنه إنما يرد الأول الذي قد مرَّ قبل، وأما الآخر، فلم يمر بعد، فلا يقال فيه رد، ثم أجاب بأنه يحتمل أن المعنى أن أول الماشية إذا وصلت إلى آخرها تمشي عليه، تلاحقت بها أخراها، ثم إذا أرادت الأولى الرجوع بدأت الأخرى بالرجوع، فجاءت الأُخرى أول حتى تنتهي إلى آخرِ الأولى.
وكذا وجهه الطيبي فقال: إن المعنى أنَّ أُولاها إذا مرت على التتابع إلى أن تنتهي إلى الأُخرى، ثم ردت الأُخرى من هذه الغاية، وتبعها ما يليها إلى أن تنتهي أيضًا إلى الأُولى، هكذا قيل. ولم يتضح لي غاية الاتضاح.
وقوله: وتأتي الغنم تطأه بأظلافها، وتنطِحه بقرونها، بكسر الطاء من تنطحه، ويجوز الفتح، زاد في رواية أبي صالح المذكورة: "ليس فيها عقصاء ولا جَلحاء ولا عضباء، تنطحه بقرونها". وزاد فيه ذكر البقر أيضًا، وذكر في البقر والغنم ما ذكر في الإبل، وسيأتي ذكر البقر في حديث أبي ذَرٍّ في باب مفرد.
وقوله: "ومن حقها أنْ تُحلب على الماء" بحاء مهملة، أي لمن يحضرها من المساكين، وإنما خص الحلب بموضع الماء ليكون أسهل على المحتاج من قصد المنازل، وأرفق بالماشية، لكونه أوسع عليها. وذكره الداوديّ بالجيم، وفسره بإحضارها عند الماء للمصدق، ولو كان هذا هو المراد، لقال "إلى" بدل "على" وجزم ابن دَحْية بأنه تصحيف، وعند أبي داود عن أبي هُريرة ما يؤذن بأن هذه الجملة مرفوعة، ولفظه "قلنا: يا رسول الله، ما حقها؟ قال: إطراق فحلها، وإعارة دلوها ومنحتها، وحلبها على الماء، وحمل عليها في سبيل الله" وستأتي في أواخر الشرب هذه القطعة وحدها مرفوعة من وجه آخر، عن أبي هريرة. ودلت هذه القطعة على أن في المال حقًا سوى الزكاة.
стр. 5728
وقد روى ابن ماجةَ عن فاطمة بنت قيس: سمعت النبي ﷺ يقول: "ليس في المال حق سوى الزكاة" وفي رواية "في المال حق سوى الزكاة" وهذا الحديث ليس بصحيح، والصحيح أنه من كلام الشعبيّ، وقد قال به غيره من التابعين، كالحسن وعطاء وطاووس، ومذهب أكثر العلماء أن هذا على النَّدبْ والمواساة.
قال ابن بطال: يريد حق الكرم والمواساة، وشريف الأخلاق، لا أن ذلك فرض، وقال أيضًا: كانت عادة العرب التصديق باللبن علي الماء، فكان الضعفاء يرصدون ذلك منهم، وقال أيضًا: الحق حقان: فرضُ عينٍ وغيره. فالحلب من الحقوق التي هي من مكارم الأخلاق. وقال إسماعيل القاضي: الحق المفترض هو الموصوف المحدود، وقد تحدث أمور لا تحد، فتجب فيها المواساة للضرورة التي تنزل، من ضيف مضطر، أو جائعٍ أو عار أو ميت ليس له من يواريه، فيجب حينئذ على مَنْ تمكنه المواساة التي تزول بها هذه الضرورات.
وقيل: المراد بالحق القدر الزائد على الواجب، ولا عقاب بتركه، وإنما ذكر استطرادًا لما ذكر، حقها بين الكمال فيه، وإن كان له أصل يزول الذم بفعله، وهو الزكاة، وقيل: كان هذا قبل فرض الزكاة، ويؤيده ما يأتي في حديث ابن عمر في الكنز، لكن يعكر عليه أن فرض الزكاة متقدم على إسلام أبي هريرة كما تقدم تقريره.
وفي الحديث أن الله يحيي البهائم ليعاقب مانع الزكاة، وفي ذلك معاملة له بنقض قصده؛ لأنه قصد منع حق الله تعالى منها، وهو الارتفاق والانتفاع بما يمنعه منها، فكان ما قصد الانتفاع به أضر الأشياء عليه، والحكمة في كونها تعاد كلها، مع أن حق الله فيها، إنما هو في بعضها؛ لأن الحق في جميع المال غير متميز، ولأن المال، لما لم تخرج زكاته، كان غير مطهر.
وقوله: "ولا يأتي أحدكم" في رواية النَّسَائيّ "ألا لا يأتين أحدكم" وفي رواية الجهاد "لا أُلْفِيَنَّ" بضم أوله، والفاء أي: لا أجدَنَّ، وهذا نفي مراد به النهي، وهو وإن كان من نهي المرء نفسه، فليس المراد ظاهره، وإنما المراد نهي مَنْ يخاطبه عن ذلك، وهذا طرف من حديث متعلق بالغلول من الغنائم، أخرجه المصنف مفردًا في أواخر الجهاد في باب الغلول.
وقوله: "لها يُعار" بتحتانية مضمومة ثم مهملة، صوت المعز، وفي رواية المستملي والكشمينهيّ "ثُغاء" بضم المثلثة ثم معجمة بغير راء، ورجحه ابن التين، وهو صياح الغنم، وحكى ابن التين عن القزاز أنه رواه "تُعار" بمثناة مضمومة ومهملة، وليس بشيء. وقوله: "رُغاء" بضم الراء ومعجمة، صوت الإبل.
وقوله: "لا أملك لك شيئًا من المغفرة" لأن الشفاعة أمْرُها إلى الله تعالى. وقوله: "قد بلغتك" أي: فليس لك عذر بعد الإبلاع، وكأنه ﷺ أبرز هذا الوعيد في مقام الزجر والتغليظ، وإلا فهو يوم القيامة صاحب الشفاعة في مذنبي الأمة، وهذا العمل، قال المهلب: إنه وعيد لمن أنفذه الله عليه
стр. 5729
من أهل المعاصِي، ويحتمل أن يكون العمل المذكور لابد منه، عقوية له بذلك، ليفتضح على رؤوس الأشهاد، وأما بعد ذلك، فإلى الله الأمر في تعذيبه أو العفو عنه. وقال غيره: هذا الحديث يفسر قوله : ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: يأت به حاملًا له على رقبته، ولا يقال إن بعض ما يسرق من النقد أخف من البعير مثلًا والبعير أرخص ثمنًا، فكيف يعاقب الأخف جناية بالأثقل؟ وعكسه؛ لأن الجواب أن المراد بالعقوبة بذلك، فضيحة الحامل على رؤوس الأشهاد في ذلك الموقف العظيم، لا بالثقيل والخفة.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أن الغالّ عليه أن يعيد ما غل قبل القسمة، وأما بعدها، فقال مالك والثَّوْرِيّ والأوزاعيّ واللَّيث: يدفع إلى الإِمام خمسه، ويتصدق بالباقي، وكان الشافعيّ لا يرى ذلك، ويقول: إن كان ملكه، فليس عليه أن يتصدق به، وإن كان لم يملكه، فليس له الصدقة بمال غيره. قال: والواجب أن يدفعه إلى الإمام كالأموال الضائعة.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ الحكم بن نافع وشعيب في السابع من بدء الوحي، ومرَّ أبو الزناد والأعرج في السابع من الإيمان، ومرَّ أبو هريرة في الثاني منه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإفراد والإخبار بالجمع، والسماع والقول، وفيه أن نصف السند حُمصيّ، ونصفه مَدَنِيّ. أخرجه مسلم وأبو داود والنَّسَائيّ.
الحديث التاسع
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً، فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ، لَهُ زَبِيبَتَانِ، يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ يَعْنِي شِدْقَيْهِ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ ثُمَّ تَلاَ ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ الآيَةَ.
قوله: "عن أبي صالح" كذا رواه عبد الرحمن، وتابعه زيد بن أسلم عن أبي صالح عند مسلم، وساقه مطولًا، وكذا رواه مالك عن عبد الله بن دينار، ورواه ابن حِبّان عن القعقاع بن حلية عن أبي صالح، لكنه وقفه على أبي هريرة، وخالفهم عبد العزيز بن أبي سَلَمة، فرواه عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، أخرجه النَّسَائِيّ، ورجحه، لكن قال ابن عبد البَرَّ: رواية عبد العزيز خطأٌ بَيِّنْ؛ لأنه لو كان عند عبد الله بن دينار عن ابن عمر ما رواه عن أبي صالح أصلًا.
стр. 5730
وفي هذا التعليل نظر، وما المانع أن يكون له فيه شيخان، نعم الذي يجري على طريقة أهل الحديث أن رواية عبد العزيز شاذة؛ لأنه لم يسلك الجادة، ومن عدل عنها دل على مزيد حفظه. وقوله: "مُثِّلَ له" أي: صوّر أو ضمِّن مثل معنى التصيير، أي: سير ماله على صورة شجاع. والمراد بالمال النّاضّ، وقد مرت رواية زيد بن أسلم في الذي قبله، ولا تنافي بين الروايتين، لاحتمال اجتماع الأمرين معًا، فرواية ابن دينار توافق الآية التي ذكرها، وهي سيطوقون، ورواية زيد بن أسلم توافق قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ الآية.
وقوله: "شُجاعًا" بضم المعجمة ثم جيم، الحية الذكر، وقيل: الذي يقوم على ذَنَبه ويواثب الفارس. وقوله: "أقرع" هو الذي تقرع رأسه أي: تَمَعَّط، لكثرة سمه. وفي كتاب أبي عبيد: سُمي أقرع لأن شعر رأسه يتمعَّط لجمعه السم فيه. وتعقبه القَزَّاز بأن الحية لا شعر برأسها، فلعله يذهب جلد رأسه، وفي تهذيب الأزهري: سمي أقرع لأنه يَقْرِي السم، ويجمعه في رأسه حتى يتمعَّط فروة رأسه. قال ذو الرمة:
قَرَى السم حتى انمار فروة رأسه ... عن العظمِ صلّ قاتلُ اللسعِ ما رِدُه
وقال القرطبي: الأقرع من الحيات الذي ابيضّ رأسه من السم، ومن الناس الذي لا شعر برأسه.
وقوله: "له زبيبتان" تثنية زبيبة، بفتح الزاي وموحدتين، وهما الزبدتان اللتان في الشدقين، يقال: تكلم حتى زَبَّب شَدْقاه، أي: خرج الزَّبَد منهما. وقيل: هما النكتتان السوداوان فوق عينيه، وقيل: نقطتان يكتنفان فاه، وقيل: هما في حلقه بمنزلة زَنَمَتْي العنز. وقيل: لحمتان على رأسه مثل القرنين، وقيل: نابان يخرجان من فيه.
وقوله: "يُطَوَّقُه" بضم أوله وفتح الواو الثقيلة، يصير له ذلك الثعبان طوقًا. وقوله: "ثم يأخذ بلِهْزِمتيه" فاعل يأخذ هو الشجاع، والمأخوذ يد صاحب المال كما وقع مبينًا في رواية همّام عن أبي هريرة الأتية في ترك الحيل بلفظ "لا يزال يطلبه حتى يبسط يده، فيلقمها فاه" واللِّهْزِمة، بكسر اللام وسكون الهاء بعدها زاي مكسروة، وقد فسَّر في الحديث بالشدقين، وفي الصحاح: هما العظمان الناتئان في اللَّحْيَين تحت الأُذنين، وفي الجامع: هما لحم الخدين الذي يتحرك إذا أكل الإنسان.
وقوله: "ثم يقول: أنا مالُك، أنا كنزك" وفائدة هذا القول الحَسْرة والزيادة في التعذيب، حيث لا ينفعه الندم. وفيه نوع من التهكم، وزاد في ترك الحيل عن همام عن أبي هريرة "يفر منه صاحبه ويطلبه" وفي حديث ثوبان عند ابن حِبّان "يتبعه فيقول: أنا كنزك الذي تركته بعدك، فلا يزال يتبعه حتى يلقمه يده، فيمضغها، ثم يتبعه سائر جسده" ولمسلم عن جابر: "يتبع صاحبه حيث ذهب، وهو يفر منه، فإذا رأى أنه لابد منه أدخل يده في فيه، فجعل يقضمها كما يقضم الفحل" وللطبرانيّ عن ابن مسعود: "ينقر رأسه".
стр. 5731
وظاهر الحديث أن الله يصور نفس المال بهذه الصفة، وفي حديث جابر عند مسلم: الأمثل له كما هنا، قال القرطبي: أي صورًا، ونَصَب وأقيم من قولهم مثل قائمًا أي: منتصبًا. وقوله: "ثم تلا: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ الآية. في حديث ابن مسعود عند الشافعي والحميدي، ثم قرأ رسول الله ﷺ فذكر الآية، ونحوه في رواية التِّرْمِذِيّ قرأ مصداقه: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وفي هذين الحديثين تقوية لقول مَنْ قال: المراد بالتطويق في الآية الحقيقةُ خلافًا لمن قال إن معناه سيطَوَّقون الإثم.
وفي تلاوة النبي ﷺ الآية، دلالةٌ على أنها نزلت في مانعي الزكاة، وهو قول أكثر أهل العلم بالتفسير، وقيل إنها نزلت في اليهود الذين كتموا صفة النبي ﷺ ، وقيل: نزلت فيمن له قرابة لا يصلهم، قاله مسروق.
رجاله ستة:
قد مرّوا، مرَّ علي بن المَدِينيّ في الرابع عشر من العلم، ومرَّ هشام بن القاسم في التاسع من الوضوء وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار في الثامن والثلاثين منه، ومرَّ أبوه عبد الله بن دينار وأبو صالح وأبو هريرة في الثاني من الإيمان.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة، وشيخه من أفراده، وهو بَصْريّ، وهاشم خراسانيّ، والباقون مدنيون. وفيه رواية الابن عن الأب. أخرجه البخاريّ أيضًا في التفسير، والنَّسائيّ في الزكاة. ثم قال المصنف:
стр. 5732
باب ما أدى زكاته فليس بكنز
لقول النبي ﷺ : "ليس فيما دون خمس أواق صدقة".
قال ابن بطال وغيره: وجه استدلال البخاري بهذا الحديث للترجمة، أن الكنز المنفي هو المتوعد عليه، الموجب لصاحبه النار، لا مطلق الكنز الذي هو أعم من ذلك. وإذا تقرر ذلك لحديث: "لا صدقة فيما دون خمس أواق" مفهومُه أن ما زاد على الخمس فيه الصدقة، ومقتضاه أن كل مال أخرجت منه الصدقة فلا وعيد على صاحبه، فلا يسمى ما يفضل بعد إخراج الصدقة كنزًا. وقال ابن رشيد: وجه التمسك به أن ما دون الخمس، وهو ما لا تجب فيه الزكاة، قد عفى عن الحق فيه، فليس بكنز قطعًا، والله قد أثنى على فاعل الزكاة، ومَنْ أثنى عليه في واجب حق المال، لم يلحقه ذم من جهة ما أثنى عليه فيه، وهو المال.
ويتلخص أن يقال: ما لم تجب فيه الصدقة لا يسمى كنزًا؛ لأنه معفوٌّ عنه، فليكن ما أخرجت منه الزكاة كذلك؛ لأنه عفى عنه بإخراج ما وجب منه، فلا يسمى كنزًا، ثم إن لفظ الترجمة لفظ حديثٍ روي مرفوعًا وموقوفًا عن ابن عمر، أخرجه مالك عن عبد الله بن دينار عنه موقوفًا، وكذلك أخرجه الشافعيّ عنه، ووصله البيهقيّ والطبرانيّ عن الثّوْرِيّ عن عبد الله بن دينار، وقال: إنه ليس بمحفوظ، وأخرجه البيهقي أيضًا عن نافع عن ابن عمر بلفظ: "كلما أُدِّيت زكاته، وان كان تحت سبع أرضين، فليس بكنز، وكل ما لا تؤدى زكاته، فهو كنز، وإن كان ظاهرًا على وجه الأرض" أو رده مرفوعًا ثم قال: ليس بمحفوظ، والمشهور وقفه، وهذا يؤيد ما تقدم من أن المراد بالكنز معناه الشرعي.
وفي الباب عن جابر، أخرجه الحاكم بلفظ "إذا أديتَ زكاة مالِك، فقد أذهبت عنك شره" ورجح أبو زرعة والبيهقيّ وغيرهما وقَفه، كما عند البزار، وعن أبي هريرة أخرجه التِّرْمِذِيّ بلفظ: "إذا أديت زكاةَ مالك، فقد قضيت ما عليك" وقال: حسن غريب، وصححه الحاكم، وهو على شرط ابن حِبّان. وعن أُم سلمة عند الحاكم، وصححه ابن القطّان، وأخرجه أبو داود، وقال ابن عبد البر: في سنده مقال. وذكر البلقينيّ في شرح التِّرمِذِيّ: إن سنده جيد، وعن ابن عباس، أخرجه ابن أبي شيبة موقوفًا بلفظ الترجمة، وأخرجه أبو داود مرفوعًا بلفظ: "إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم" وفيه قصة، قال ابن عبد البَرّ: الجمهور على أن الكنز المذموم ما لم تُؤَدَّ زكاتُه، ويشهد له حديث أبي هُريرة مرفوعًا: وإذا أدَّيْتَ زكاة مالك، فقد قضيت ما عليك" فذكر
стр. 5733
بعض ما تقدم من الطرق، ثم قال: ولم يخالف في ذلك إلا طائفة من الزهاد، كأبي ذَرٍّ، وسيأتي شرح ما ذهب إليه من ذلك في هذا الباب.
الحديث العاشر
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ أَخْبِرْنِي عن قَوْلَ اللَّهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: مَنْ كَنَزَهَا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا فَوَيْلٌ لَهُ، إِنَّمَا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تُنْزَلَ الزَّكَاةُ فَلَمَّا أُنْزِلَتْ جَعَلَهَا اللَّهُ طُهْرًا لِلأَمْوَالِ.
قوله: "وقال أحمد بن شبيب" كذا للأكثر، وفي رواية لأبي ذَرٍّ: "حدّثنا أحمد" ووصله أبو داود في كتاب "الناسخ والمنسوخ" عن محمد بن يحيى الذّهْلِيّ عن أحمد بن شبيب بإسناده، وزاد فيه سؤال الأعرابيّ: "أَتَرث العمة؟ قال ابن عمر: لا أدري" وزاد في آخره بعد قوله: "طهر للأموال" ثم التفت إليّ فقال: "ما أُبالي لو كان لي مثل أحد ذهبًا، أعلم عدده، أزكيه وأعمل فيه بطاعة الله تعالى".
وهو عند ابن ماجة عن عقيل عن الزُّهريّ، وقوله: "مَنْ كنزها فلم يؤدِّ زكاتها" أفرد الضمير إما على سبيل تأويل الأموال أو عودًا إلى الفضة؛ لأن الانتفاع بها أكثر، أو كأنَّ وجودها في زمنهم أكثر من الذهب، أو على الاكتفاء ببيان حالها عن بيان حال الذهب، والحامل على ذلك رعاية لفظ القرآن، حيث قال: ينفقونها، وقد مرَّ ما قيل فيها عند ذكر الآية.
وقوله: "قبل أن تنزل الزكاة" هذا مشعر بأن الوعيد على الاكتنار، وهو حبس ما فضل عن الحاجة عن المواساة به في أول الإِسلام، ثم نسخ ذلك بفرض الزكاة لما فتح الله الفتوح، وقدرت نُصُب الزكاة، فعلى هذا المراد بنزول الزكاة بيان نُصُبها ومقاديرها, لا إنزال أصلها. وقد مرَّ ما قيل في وقت نزول الزكاة عند الحديث السادس، حديث أبي بكر وعمر.
وقوله: "طهرًا للأموال" من حق الفقراء، وهو أوساخ الناس، فإذا أخرجت الزكاة حصل الطهر للأموال، وكذلك هي طهر لأصحابها عن رذائل الأخلاق والبخل. وقول ابن عمر السابق: "لا أبالي لو كان لي مثل أحد ذهبًا ... إلخ"، كأنه يشير إلى قول أبي ذَرٍّ الآتي آخر الباب، والجمع بين كلام ابن عمر وحديث أبي ذَرٍّ الآتي آخر الباب "لا أحب أن لي مثل أحد ذهبًا أُنفقه ... إلخ" أنْ يُحْمَل حديثُ أبي ذَرٍّ على مال تحت يد الشخص لغيره، فلا يحب أن يحبسه عنه. قلت: هذا المعنى بعيد لا وجه له، أو يكون له، لكنه ممن يرجى فضله، وتطلب عائدته، كالإِمام الأعظم، فلا يحب أن يدخر عن المحتاجين من رعيته شيئًا.
стр. 5734
ويحمل حديث ابن عمر على مال يملكه قد أدّى زكاته، فهو يحب أن يكون له ليصل به قرابته، ويستغني به عن مسألة الناس، وكان أبو ذَرٍّ يحمل الحديث على إطلاق، فلا يرى ادخار شيء أصلًا. قال ابن عبد البَرّ: وردت على أبي ذرٍّ آثار كثيرة، تدل على أنه كان يذهب إِلى أن كل مال مجموع يفضل عن القوت وسداد العيش، فهو كنز يذم فاعله، وأن آية الوعيد نزلت في ذلك. وخالفه جمهور الصحابة ومَنْ بعدهم. وحملوا الوعيد على مانعي الزكاة، وأصح ما تمسكوا به حديث طلحة وغيره في قصة الأعرابيّ حيث قال: هل عليّ غيرها؟ قال: لا، إلا أن تَطَوَّع.
والظاهر أن ذلك كان في أول الأمر، كما مرَّ عن ابن عمر، وقد استدل ابن بطال له بقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ أي: ما فضل عن الكفاية، فكان ذلك واجبًا في أول الأمر، ثم نسخ، وفي المسند عن يَعلي بن شَدّاد بن أوس عن أبيه قال: كان أبو ذر يسمع الحديث من رسول الله ﷺ فيه الشدة، ثم يخرج إلى قومه ثم يرخص فيه النبي ﷺ ، فلا يسمع الرخصة، ويتعلق بالأمر الأول.
رجاله ستة:
قد مرّوا إِلا خالد بن أسلم، وفيه لفظ أعرابيّ مبهم، مرَّ أحمد بن شبيب وأبوه شبيب في التاسع والثلاثين من الوضوء، ومرَّ يونس بن يزيد في متابعة بعد الرابع من بدء الوحي، ومرَّ ابن شهاب في الثالث منه، ومرَّ عبد الله بن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه.
والخامس: خالد بن أسْلم القرشيّ العَدَويّ أخو زيد بن أسلم مولى عمر، ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال الدارقطني: ثقة ليس بالمكثر، له في البخاري هذا الحديث فقط، روى عن ابن عمر، وعنه أخوه زيد والزُّهريّ وغيرهم. والأعرابي السائل لابن عمر لم أر من سماه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة، ورواته بصريان وأيْلِيّ ومصريّ ومدنيان. وشيخه من أفراده، وفيه رواية الابن عن الأب. أخرجه البخاريّ أيضًا في التفسير، والنَّسائيّ في الزكاة.
الحديث الحادي عشر
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يَزِيدَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ الأَوْزَاعِيُّ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّ عَمْرَو بْنَ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ ﵁ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ".
قوله: "أخبرني يحيى بن أبي كثير" تعقبه الدارقطني وأبو مسعود، بأن عبد الوهاب بن نَجْدة خالف إسحاق بن يزيد شيخَ البخاريّ فيه، فقال: عن شعيب عن الأوزاعيّ، حدّثني يحيى بن
стр. 5735
سعيد وحماد، ورواه داود بن رشيد وهشام بن خالد جميعًا عن شُعيب بن إسحاق عن الأوزاعيّ عن يحيى غير منسوب، وقال الوليد بن مُسلم: رواه عن الأوزاعيّ عن عبد الرحمن بن اليَمان عن يحيى بن سعيد. وقال الإسماعيلي: هذا الحديث مشهور عن يحيى بن سعيد، رواه عنه الخلق، وقد رواه داود بن رشيد عن شعيب فقال: عن الأوزاعيّ عن يحيى بن سعيد.
وقد تابع إسحاق بن يزيد سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي عن شعيب بن إسحاق، أخرجه أبو عُوانة والإسماعيليّ من طريقه، وذلك دال على أنه عند شعيب عن الأوزاعيّ على الوجهين. لكن دلت رواية الوليد بن مسلم على أن رواية الأوزاعيّ عن يحيى بن سعيد بغير واسطة موهومة أو مُدَلَّسةَ، ولذلك عدل عنها البخاري واقتصر على طريق يحيى بن أبي كثير.
وقوله: "عن أبيه يحيى بن عمارة" في رواية يحيى بن سعيد عن عمرو أنه سمع أباه، وكذا في مسند الحميدي، فحدثني عن أبيه. وقد حكى ابن عبد البر عن بعض أهل العلم أن حديث الباب لم يأت إلا من حديث أبي سعيد الخُدريّ. قال: وهذا هو الأغلب إلا أنني وجدته من رواية سهيل عن أبيه عن أبي هريرة. ومن طريق محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار عن جابر وقد أخرجه مسلم من وجه آخر عن جابر.
وجاء أيضًا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وعائشة وأبي رافع ومحمد بن عبد الله بن جحش أخرج أحاديث الأربعة الدارقطنيُّ، ومن حديث ابن عمر أخرجه ابن أبي شَيْبة وأبو عبيد. وقوله: "ليس فيما دون خمس أواقٍ صدقة" زاد مالك عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبي سعيد "خمس أواقٍ من الوَرِق صدقة" والورق الفضة، يقال وَرِقٌ، بفتح الواو وكسرها وبكسر الراء وسكونها، قال الزين بن المنير: لما كانت الفضة هي المال الذي يكثر دورانه في أيدي الناس. ويروج بكل مكان كان أولى بأنْ يقدم على ذكر تفاصيل الأموال الزكوية، وأواقٍ بالتنوين وبإثبات التحتانية مشددًا ومخففًا. جمع أُوقيّة، بضم الهمزة وتشديد التحتانية، وحكى الجبائي: وفيه بحذف الهمزة، وفتح الواو، ومقدار الأوقية في هذا الحديث أربعون درهمًا بالاتفاق. والمراد بالدرهم الخالص من الفضة سواء كان مضروبًا أو غير مضروب.
وقال عياض: قال أبو عُبَيد الدرهم لم يكن معلوم القدر، حتى جاء عبد الملك بن مروان، فجمع العلماء، فجعلوا كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، وهذا يلزم منه أن يكون ﷺ أحال نصاب الزكاة على أمرٍ مجهول، وهو مشكل، والصواب: أن معني ما نقل من ذلك أنه لم يكن شيء منها من ضرب الإِسلام، وكانت مختلفة في الوزن بالنسبة إلى العدد فعشرة مثلًا وزن عشرة، وعشرة وزن ثمانية فاتفق الرأي على أن ينقش بكتابة عربية، ويصير وزنها واحدًا وقال غيره: لم يتغير المثقال في جاهلية ولا في إسلام. وأما الدرهم، فاجمعوا على أن كل سبعة مثاقيل عشرة دراهم، ولم يخالِف في أن نصاب الزكاة مئتا درهم، تبلغ مئة وأربعين مثقالًا من الفضة الخالصة، إلا ابن
стр. 5736
حبيب المالكي الأندلسيّ فإنه انفرد بقوله إن أهل كل بلد يتعاملون بدراهيمهم.
وذكر ابن عَبْد البر اختلافًا في الوزن بالنسبة إلى دراهم الأندلس وغيرها، من دراهم البلاد، وكذا خرق المريسي الإجماع فاعتبر النصاب بالعدد لا بالوزن، وانفرد السرخسيّ من الشافعية بحكاية وجه في المذهب "إن الدراهم المغشوشة إذا بلغت قدرًا لوْ ضَمَّ إليه قيمة الغش من نحاس مثلًا، لمبلغ نصابًا فإن الزكاة، تجب فيه وعند أبي حنيفة وصاحبيه إذا كان الغالب على الورق الفضة فهي في حكم الفضة، كان كان الغالب عليه الغش، فهي في حكم العروض، يعتبر أن تبلغ قيمتها نصابًا فلا زكاة فيها إلا بأحد الأمرين: أن يبلغ ما فيها من الفضة مئتي درهم، أو يكون للتجارة وقيمتها مئتان وما زاد على مئتي درهم، ففي كل شيء منه ربع عُشْرة قلّ أو كثر، وبهذا قال مالك والشافعيّ وأحمد والليث، وهو قول الجمهور.
وقال أبو حنيفة وزُفَر: لا شيء فيما زاد على المئتين حتى تبلغ الزيادة أربعين درهمًا، فإنْ بلغتها كان فيها ربع عُشرها، وهو درهم، وبه قال ابن المسيب والحسن وجماعة، فعلى هذا المذهب يكون في النقد وقص كالماشية، واحتج الطبري على هذا المذهب بالقياس على الثمار والحبوب، والجامع كون الذهب والفضة مستخرجَين من الأرض بكلفة ومؤنة، وقد أجمعوا على ذلك في خمسة أوسق فما زاد.
واستُدل بهذا الحديث على عدم الوجوب فيما إذا نقص من النصاب ولو حبة واحدة، خلافًا لمن سامح بنقص يسير، كما نُقل عن بعض المالكية. وقوله: "ولا فيما دون خَمْس ذَوْدٍ صدقة" والذَّود بفتح المعجمة وسكون الواو بعدها مهملة، قال الزين بن المنير: أضاف خمس إلى ذود وهو مذكر؛ لأنه يقع على المذكر والمؤنث، وأضافه إلى جمع لأنه يقع على المفرد والجمع، وأما قول ابن قتيبة: إنه لا يطلق على الجمع، فلا يصح أن يقال خمس ذود، كما لا يصح خَمس ثَوب، فقد غلّطه العلماء في ذلك، لكن قال أبو حاتم: تركوا القياس في الجمع فقالوا: خمس ذود لخمس من الإبل، كما قالوا ثلاث مئة على غير قياس.
قال القرطبيّ: وهذا صريح في أن الذود واحد في لفظه، والأشهر ما قاله المتقدمون أنه لا يقصر على الواحد، والأكثر على أن الذود من الثلاثة إلى العشرة، وأنه لا واحد له من لفظه. وقال أبو عبيد: من الثنتين إلى العشرة. قال: وهو مختص بالإناث، وقال سيبويه: نقول ثلاث ذَوْد لأن الذود مؤنث، وقال القرطبيّ: أصله ذاد يذود إذا دفع شيئًا، فهو مصدر، وكان من كان عنده دَفع عن نفسه معرة الفقر وشدة الحاجة والفاقة. وقوله: "وليس فيما دون خمس أوسقٍ صدقة" جمع وَسَق، بفتح الواو ويجوز كسرها، وجمعها حينئذ أوساق كجمل وأجمال. وقد وقع كذلك في رواية لمسلم، وهو ستون صاعًا بالاتفاق، وفي رواية ابن ماجة عن أبي سعيد مثل هذا الحديث، وفيه: والوسق ستون صاعًا، وأخرجها أبو داود، لكن قال: ستون مختومًا، والمختوم الصالح. والدارقطني من حديث عائشة أيضًا والوسق ستون صاعًا. ولم تقع في الحديث بيان المكيل بالأوسق، لكن في
стр. 5737
رواية مسلم "ليس فيما دون خمس أوسق من تمر ولا حب صدقة". وفي رواية له: "ليس في حب ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق" ولفظ "دون" في المواضع الثلاثة بمعنى أقل، لا أنه نفي عن غير الخمس الصدقة بأن تكون لون بمعنى غير، كما زعم بعض من لا يعتد بقوله.
واستدل بهذا الحديث على وجوب الزكاة في الأمور الثلاثة، واستدل به على أن الزروع لا زكاة فيها، حتى تبلغ خمسة أوسق. وقال أبو حنيفة: في كل ما أخرجته الأرض كثيره وقليله العُشر، سواء سقي سبحًا أو سقته السماء، إلا القصب الفارسي والحطب والحشيش. واستدل أبو حنيفة بقوله: "فيما سقت السماء العُشر" وأجمع العلماء على اشتراط الحول في الماشية والنقد دون المعشرات، والجمهور على أن الذهب والفضة يُضم بعضها إلى بعض في إكمال النصاب، وبه قال مالك، إلا أنه يراعى الوزن، ويضم على الأجزاء لا على القيم، ويجعل كل دينار كعشرة دراهم على الصرف الأول.
وقال الأوزاعيّ وأبو حنيفة والثَّوريّ: يضُمّ على القيم في وقت الزكاة. وقال الشافعيّ وأحمد وأبو ثَور وداود: لا يضم مطلقًا. وقال الخطابيّ: لم يختلفوا في أن الغنم لا تضم إلى الإبل ولا إلى البقر، وأن التمر لا يضم إلى الزبيب. واختلفوا في البُرّ والشعير، فقال أكثر العلماء: لا يضم واحد منهما إلى الآخر، وهو قول الثَّوري والأوزاعي وأصحاب الرأي والشافعيّ وأحمد بن حنبل. وقال مالك: يضم القمح إلى الشعير، ولا يضم القَطَانيّ إلى القمح والشعير.
رجاله سبعة:
مرّ منهم الأوزاعيّ في العشرين من العلم، ومرّ يحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين منه، ومرَّ عمرو بن يحيى وأبوه يحيى بن عِمارة في الخامس عشر من الإيمان، ومرَّ أبو سعيد الخُدري في الثاني عشر منه، والباقي اثنان: الأول إسحاق بن إبراهيم بن يزيد، أبو النضر الدمشقي الفراديسي، مولى عمر بن عبد العزيز. قال أبو زرعة: كان من الثقات البكائين. وقال أيضًا: كان أبو مسهر يوثقه، وقال الدارقطنيّ والنَّسائيّ وأبو حاتم: ثقة، وقال أبو داود: ما رأيت بدمشق مثله. كان كثير البكاء، كتبت عنه. وذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال: ربما خالف، وذكر له الأزديّ حديثًا خالفه فيه مَنْ هو أضعف منه، وأورد له ابن عديّ أحاديث العمل فيها على شيخه يزيد بن ربيعة، فإنه ضعيف.
روى عن يحيى بن حمزة الحَضرميّ وأبي ضَمرة وشُعيب بن إسحاق وغيرهم. وروى عنه البخاريّ، وربما نسبه إلى جده، وأبو داود وأبو زرعة الدمشقيّ وغيرهم. ولد سنة واحد وأربعين ومئة، ومات سنة سبع وعشرين ومئتين. والفراديسيّ فيٍ نسبه نسبة إلى موضع قرب دمشق، وإليه يضاف باب من أبوابها، وموضع أيضًا قرب حلب بين بَرِّية خُساف وحاضر طيء.
الثاني: شعيب بن إسحاق بن عبد الرحمن بن عبد الله بن راشد الدمشقيّ الأمويّ، مولى رَملة
стр. 5738
بنت عثمان، أصله من بُصرى. قال أحمد: ثقة، ما أصح حديثه، وأَوْثَقه. وقال ابن مُعين والنَّسائيّ وأبو داود: ثقة، وزاد أبو داود: مُرجىء. وقال الوليد بن مسلم: رأيت الأوزاعيّ يُدْنِيه ويقرّبه. وقال أبو حاتم: شعيب بن إسحاق ثقة مأمون.
روى عن أبيه وأبي حنيفة وتمذهب له، وابن جُريج والأوزاعيّ وغيرهم. وروى عنه ابن ابنه عبد الرحمن بن عبد الصمد بن شعيب وأبو النضر الفراديسيّ وإسحاق بن راهويه وغيرهم. ولد سنة ثماني عشرة ومئة. ومات سنة تسع وثمانين ومئة.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإخبار بالجمع والإفراد والعنعنة والسماع، ورواية الابن عن الأب، ورواته دمشقيون ويماميّ ومدنيان. أخرجه البخاري أيضًا في الزكاة، ومسلم والباقون فيها أيضًا.
الحديث الثاني عشر
حَدَّثَنَا عَلِىٌّ سَمِعَ هُشَيْمًا أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ مَرَرْتُ بِالرَّبَذَةِ فَإِذَا أَنَا بِأَبِى ذَرٍّ ﵁ فَقُلْتُ لَهُ مَا أَنْزَلَكَ مَنْزِلَكَ هَذَا قَالَ كُنْتُ بِالشَّأْمِ، فَاخْتَلَفْتُ أَنَا وَمُعَاوِيَةُ فِي الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قَالَ مُعَاوِيَةُ نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ. فَقُلْتُ نَزَلَتْ فِينَا وَفِيهِمْ. فَكَانَ بَيْنِى وَبَيْنَهُ فِي ذَاكَ، وَكَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ ﵁ يَشْكُونِى، فَكَتَبَ إِلَىَّ عُثْمَانُ أَنِ اقْدَمِ الْمَدِينَةَ. فَقَدِمْتُهَا فَكَثُرَ عَلَىَّ النَّاسُ حَتَّى كَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْنِى قَبْلَ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُ ذَاكَ لِعُثْمَانَ فَقَالَ لِى إِنْ شِئْتَ تَنَحَّيْتَ فَكُنْتَ قَرِيبًا. فَذَاكَ الَّذِي أَنْزَلَنِى هَذَا الْمَنْزِلَ، وَلَوْ أَمَّرُوا عَلَىَّ حَبَشِيًّا لَسَمِعْتُ وَأَطَعْتُ.
قوله: "حدثنا عليٌّ" يأتي في السند ما قيل فيه. قوله: "بالرَّبَذَة" بفتح الراء والموحدة والمعجمة، مكان معروف بين مكة والمدينة، نزل به أبو ذَرٍّ في عهد عثمان، ومات به. وقد ذكر في هذا الحديث سبب نزوله، وإنما سأله زيد بن وهب عن ذلك؛ لأن مبغضي عثمان كانوا مشنعين عليه، أنه نفى أبا ذر، وقد بيّن أبو ذر أن نزوله في ذلك المكان كان باختياره، نعم، أمره عثمان بالتنحي عن المدينة لدفع المفسدة التي خافها على غيره من مذهبه المذكور، فاختار الرَّبَذَة، وكان يغدو إليها في زمن النبي ﷺ ، كما رواه أصحاب السنن من وجه آخر عنه. وفيه قصة له في التيمم.
وفي فوائد أبي الحسن بن جذلم بإسناده إلى عبد الله بن الصامت قال: دخلت مع أبي ذَرٍّ على عثمان، فحسر عن رأَسه، فقال: والله ما أنا منهم يعني الخوارج، فقال: إنما أَرسَلْنا إليك لتجاورنا بالمدينة، فقال: لا حاجة لي في ذلك" إيذن لي في الرَّبَذَة. قال: نعم، ورواه أبو داود الطيالسي من هذا الوجه دون آخره. وقال بعد قوله: "ما أنا منهم": ولا أدركهم، سيماهم التحليق، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، والله لو أمرتني أن أقوم ما قعدت.
стр. 5739
وفي طبقات ابن سعد من وجهٍ آخر أن ناسًا من أهل الكوفة قالوا لأبي ذَرٍّ: إن هذا الرجل فعل بك وفعل، هل أنت ناصبٌ لنا راية فنقاتله؟ فقال: لا، لو أن عثمان سيّرني من المشرق إلى المغرب، لسمعت وأطعت. وقوله: "كنت بالشام" يعني بدمشق، ومعاوية إذ ذاك عاملُ عثمان عليها، وقد بيَّن السبب في سكناه الشام ما أخرجه أبو يعلى عن زيد بن وهب، قال: حدّثني أبو ذر قال: قال لي رسول الله ﷺ : "إذا بلغ البناء بالمدينة سَلْعًا فارتحل إلى الشام"، فلما بلغ البناء سلعًا قدمت الشام فكنت بها، فذكر الحديث.
وعنده أيضًا بإسناد فيه ضعف عن ابن عباس، قال: استأذن أبو ذَرٍّ على عثمان، فقال: إنه يؤذينا، فلما دخل قال عثمان: أنت الذي تزعم أنك خيرٌ من أبي بكر وعمر؟ قال: لا ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ أحبكم إليّ وأقربكم مني مَنْ بقي على العهد الذي عاهدته عليه، وأنا باق على عهده، قال: فأمره أن يلحق بالشام، وكان يحدثهم ويقول: لا يبيتن عند أحدكم دينار ولا درهم، إلا ما ينفقه في سبيل الله، أو يعده لغريم، فكتب معاوية إلى عثمان: إن كان لك بالشام حاجة فأبعث إلى أبي ذر، فكتب إليه عثمان: أَقْدِم عليّ، فقدم.
وقوله: " ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ " سيأتي في تفسير براءة عن حُصين بلفظ: "فقرأت: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الآية". وقوله: "نزلت في أهل الكتاب، في رواية التفسير "ما هذه فينا"، وقوله: "فكثر على الناس حتى كأنهم لم يروني" في رواية الطبري أنهم كثروا عليه يسألونه عن سبب خروجه من الشام. قال: فخشي عثمان على أهل المدينة ما خشيه معاوية على أهل الشام. وقوله: "إن شئت تنحيت"، في رواية الطبريّ "فقال له تَنحَّ قريبًا، قال: والله لن أدع ما كنت أقوله" وكذا لابن مردويه بلفظ: "والله لا أدع ما قلت". وقوله: "حبشيًا" في رواية ورقاء عند ابن مردويه "عبدًا حبشيًا" ولأحمد وأبي يَعلى عن أبي ذَرٍّ "أن النبي ﷺ -قال له: كيف تصنع إذا أُخرجت منه؟ أي: المسجد النبوي؟ قال: آتي الشام، قال: كيف تصنع إذا اخرجت منها؟ قال: أعود إليك، أي: المسجد، قال: كيف تصنع إذا أُخرجت منه؟ قال: أضربُ بسيفي. قال: أدلك على ما هو خيرٌ لك من ذلك، وأقرب رشدًا؟ قال: تسمع وتطيع، وتنساق لهم حيث ساقوك".
وعند أحمد أيضًا، عن أسماء بنت يزيد عن أبي ذَرٍّ نحوه. والصحيح أن إنكار أبي ذَرٍّ كان على السلاطين الذين يأخذون المال لأنفسهم، ولا ينفقونه في وجهه، وتعقبه النووي بالإبطال؛ لأن السلاطين كانوا مثل أبي بكر وعمر وعثمان، وهؤلاء لم يخونوا. قال صاحب "الفتح": لقوله محمل، وهو أنه أراد من يفعل ذلك وإن لم يوجد حينئذ من يفعله، وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم، أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، لاتفاق أبي ذر ومعاوية على أن الآية نزلت في أهل الكتاب. وقد مرَّ ما في ذلك من التفصيل عند حديث ابن عباس في أول الزكاة.
وفيه ملاطفة الأئمة للعلماء، فإن معاوية لم يجسر على الإنكار عليه، حتى كاتب مَنْ هو أعلى
стр. 5740
منه في أمره، وعثمان لم يحنق على أبي ذَرٍّ مع كونه كان مخالفًا له في تأويله. وفيه التحذير من الشقاق والخروج على الأئمة، والترغيب في الطاعة لأولي الأمر، وأمر الأفضل بطاعة المفضول خشية المفسدة، وجواز الاختلاف في الاجتهاد، والأخذ بالشدة في الأمر بالمعروف، وإنْ أدّى ذلك إلى فراق الوطن. وتقديم دفع المفسدة على جلب المصلحة؛ لأن في بقاء أبي ذَرٍّ بالمدينة مصلحة كبيرة من بث علمه في طالب العلم، ومع ذلك ترجح عند عثمان دفع ما يتوقع من المفسدة من الأخذ بمذهبه الشديد في هذه المسألة، ولم يأمره بعد ذلك بالرجوع عنه؛ لأن كلًا منهما كان مجتهدًا.
رجاله خمسة:
وفيه ذكر عثمان ومعاوية، رضي الله تعالى عنهما، مرَّ هُشَيم في الثاني من التيمم، وحصين بن عبد الرحمن في الثالث والسبعين من مواقيت الصلاة، ومرّ زيد بن وهب في الثالث عشر منها، ومرّ أبو ذَرٍّ في الثالث والعشرين من الإيمان، ومرَّ عثمان في باب "ما يذكر في المناولة" بعد الخامس من العلم، ومرَّ معاوية في الثالث عشر منه. والباقي شيخ البخاريّ، ذكره بلفظ علي مبهمًا، واختلف فيه، قيل: هو عليّ بن المَدينيّ، وقد مرَّ في الرابع عشر من العلم. وقيل: عليّ بن أبي هاشم، وقيل: عليّ بن مُسْلِم.
والأول: علي بن أبي هاشم، واسم أبي هاشم عُبيد الله بن طِبْراخ، بكسر الطاء وسكون الباء الموحدة، قال أبو حاتم: ما عَلِمته إلاَّ صدوقًا، ترك الناس حديثَه لأنه يتوقف في القرآن. وقال الأزديّ: إنه ضعيف جدًا. وفي الزهرة روى عنه البخاريُّ أربعة. قال في المقدمة: إن الأزديّ لا يعتبر تجريحه لضعفه، وقد بين أبو حاتم السبب في توقف من توقف عنه، وليس ذلك بمانع من قبول روايته روى عن أبيه وهُشيم وحمّاد بن زيد وغيرهم. وروى عنه البخاريّ وأحمد بن الخليل القَوْمَسيّ، ويعقوب بن شَيبة وغيرهم.
والثاني: علي بن مسلم بن سعيد الطوسي أبو الحسن، نزيل بغداد. قال النَّسائيّ: ليس به بأس، وذكره ابن حِبّان في الثقات. وقال الدارقطنيّ: ثقة، وفي الزهرة روى عنه البخاريّ سبعة، روى عن هُشيم وابن المبارك وعبّاد بن العَوّام وغيرهم. وروى عنه البخاريّ وأبو داود والنَّسَائيّ ويحيى بن مُعين. ولد سنة ستين ومائة، ومات في جُمادى الآخرة سنة ثلاث وخمسين ومئتين.
لطائف إسناده:
فيه التحديث والإخبار بالجمع والسماع والعنعنة والقول، وسنده بين بغداديّ ومدنيّ وواسطيّ وكوفيّ. وفيه رواية التابعيّ عن التابعيّ عن الصحابيّ. أخرجه البخاريّ أيضًا في التفسير، والنَّسائيّ فيه أيضًا.
стр. 5741
الحديث الثالث عشر
حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي الْعَلاَءِ عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: جَلَسْتُ. وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَلاَءِ بْنُ الشِّخِّيرِ أَنَّ الأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ: "جَلَسْتُ إِلَى مَلإٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ خَشِنُ الشَّعَرِ وَالثِّيَابِ وَالْهَيْئَةِ حَتَّى قَامَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: بَشِّرِ الْكَانِزِينَ بِرَضْفٍ يُحْمَى عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْيِ أَحَدِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُفْضِ كَتِفِهِ، وَيُوضَعُ عَلَى نُفْضِ كَتِفِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيِهِ يَتَزَلْزَلُ، ثُمَّ وَلَّى فَجَلَسَ إِلَى سَارِيَةٍ، وَتَبِعْتُهُ وَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، وَأَنَا لاَ أَدْرِي مَنْ هُوَ فَقُلْتُ لَهُ: لاَ أُرَى الْقَوْمَ إِلاَّ قَدْ كَرِهُوا الَّذِي قُلْتَ؟ قَالَ: إِنَّهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا. قَالَ لِي خَلِيلِي: قَالَ: قُلْتُ: مَنْ خَلِيلُكَ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَا أَبَا ذَرٍّ أَتُبْصِرُ أُحُدًا؟. قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَى الشَّمْسِ مَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ وَأَنَا أُرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُرْسِلُنِي فِي حَاجَةٍ لَهُ، قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ كُلَّهُ إِلاَّ ثَلاَثَةَ دَنَانِيرَ. وَإِنَّ هَؤُلاَءِ لاَ يَعْقِلُونَ، إِنَّمَا يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا. لاَ وَاللَّهِ لاَ أَسْأَلُهُمْ دُنْيَا، وَلاَ أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ".
قوله: "وحدثني إسحاق بن منصور" أردف المصنف هذا الإسناد بالذي قبله، لتصريح عبد الصمد فيه بتحديث أبي العلاء للجريريّ، والأحنف لأبي العلاء. وقد روى الأسود بن شيبان عن أبي العلاء المذكور عن أخيه مُطْرِف عن أبي ذَرٍّ طرفًا من آخر هذا الحديث أيضًا. وأخرجه أحمد، وليس ذلك بعلة لحديث الأحنف؛ لأن حديث الأحنف أتَمّ سياقًا، وأكثر فوائد، ولا مانع أن يكون لأبي العلاء شَيخان.
وقوله: "جلست إلى ملأ" في رواية مسلم والإسماعيليّ عن إسماعيل بن علية عن الجَريريّ "قدمت المدينة، فبينما أنا في حلقة من قريش". وقوله: "خشن الشعر" كذا للأكثر، بمعجمتين، من الخشونة. وللقابسيّ بمهملتين، من الحسن، والأول أصح. وفي رواية مسلم "أخشن الثياب، أخشن الجسد، أخشن الوجه، فقام عليهم" وليعقوب بن سُفيان عن حميد بن هلال عن الأحنف "قدمت المدينة، فدخلت مسجدها، إذ دخل رجل آدَمُ طُوالٌ أبيضُ الرأس واللحية، يشبه بعضه بعضًا، فقالوا: هذا أبو ذَرٍّ".
وقوله: "بشر الكانزين" في رواية الإسماعيليّ "بشر الكَنّازين". وقوله: "برَضْف" بفتح الراء وسكون المعجمة بعدها فاء، هي الحجارة المُحماة، واحدتها رَضَفَة. وقوله: "على حَلَمة ثَدْي" الحَلَمة بالتحريك، هو ما نشر من الثدي وطال ويقال لها قُراد الصدر، وللأصمعيّ: هو رأس الثدي
стр. 5742
من الرجل والمرأة. وفي هذا الحديث جواز استعمال الثدي للرجل والمرأة. وهو الصحيح، وقال العسكري: لا يقال ثدي إلا في المرأة. ويقال في الرجل ثُنْدُؤة. والثديّ يذكر ويؤنث.
وقوله: "من مُفْضِ" بضم النون وسكون المعجمة بعدها ضاد معجمة، العظم الدقيق الذي على طرف الكتف، أو على أعلى الكتف. قال الخطابيّ: هو الشاخص منه، وأصل النَّفْض الحركة، فسمى ذلك الموضع نفضًا؛ لأنه يتحرك بحركة الإنسان. وقوله: "يتزلزل" أي: يضطرب ويتحرك، وفي رواية الإسماعيليّ: فيتجلجل، بجيمين. وزاد إسماعيل في هذه الرواية: "فوضع القوم رُؤوسهم، فما رأيت أحدًا منهم رجع إليه شيئًا، قال: فأدبر فاتَّبَعْتُه حتى جلس إلى سارية.
وقوله: "وأنا لا أدري مَنْ هو، زاد مسلم فقلت: مَنْ هذا؟ قالوا: أبو ذَرٍّ، فقمت إليه. فقلت: ما شيء سمعتك تقوله؟ قال: ما قلت إلا شيئًا سمعته من نبيهم ﷺ . وفي هذه الزيادة رد لقول منْ قال إنه موقوف على أبي ذرٍّ، فلا يكون حجة على غيره، ولأحمد عن يزيد الباهليّ عن الأحنف "كنت بالمدينة، فإذا رجل يفر منه الناس حين يرونه، قلت: منْ أنت؟ قال: أبو ذَرٍّ، قلت: ما تَفرَّ الناس منك؟ قال: إني أنهاهم عن الكنوز التي كان ينهاهم عنها رسول الله ﷺ ".
وقوله: "إنهم لا يعقلون شيئًا" بيّن وجه ذلك في آخر الحديث حيث قال: إنما يجمعون الدنيا. وقوله: "لا أسألهم دنيا" وفي رواية إسماعيل "فقلت: مالك ولإِخوانك من قريش لا تعتريهم ولا تصيب منهم؟ قال: وربك لا أسالهم دنيا الخ". قوله: "ومَنْ خَليلك؟ قال: النبي ﷺ ، فأعلى" قال: هو أبو ذَرٍّ والنبي ﷺ خبر لمبتدأ، كأنّه قال: خليلي النبي ﷺ ، وسقط بعد ذلك قال النبي ﷺ : يا أبا ذَرٍّ" أو سقط "قال" فقط، وكأن بعض الرواة ظنها مكررة فحذفها ولابد من إثباتها.
وقوله: "يا أبا ذر، أتبصر أحدًا؟ " هذا طرف من حديث مستقل، أخرجه المصنف في كتاب الرقاق، وسأتكلم عليه قريبًا إن شاء الله تعالى. وإنما أورده أبو ذر للأحنف، لتقوية ما ذهب إليه من ذم اكتناز المال. وهو ظاهر في ذلك، إلا أنه ليس على الوجوب، ومن ثَمَّ عقبه المصنف بالترجمة التي تليه، فقال: باب إنفاق المال في حقه، وأورد فيه الحديث الدال على الترغيب في ذلك، وهو من أدل دليل على أن أحاديث الوعيد محمولة على مَنْ لا يؤدي الزكاة، وأما حديث "ما أحب أنّ لي أحُدًا ذهبًا" فمحمول على الأولوية؛ لأن جمع المال، وإن كان مباحًا، لكن الجامع مسؤول. وفي المحاسبة خطر وإن كان الترك أسلم. وما ورد من الترغيب في تحصيله وإنفاقه في حقه فمحمول على مَنْ وثق بأنه يجمعه من الحلال الذي يأمن خطر المحاسبة عليه، فإنه إذا أنفقه، حصل له ثواب ذلك النفع المتعدي، ولا يتأتى ذلك لمن لم يحصل شيئًا، وقد مرَّ عند حديث ابن عمر السابق "طهرًا للأموال" الجمع بينه وبين هذا الحديث.
وقال الزين بن المنير: في هذا الحديث حجة على جواز إنفاق جميع المال، وبذله في الصحة، والخروج عنه بالكلية في وجوه البر، ما لم يؤد إلى حرمان الوارث، ونحو ذلك مما منع منه
стр. 5743
الشرع. وقوله: "يا أبا ذَرٍّ، أتبصر أُحدًا" وفي رواية الرِّقاق: "فاستقبلَنا أُحُد" بفتح اللام وأُحد بالرفع على الفاعلية، وفي رواية حفص بن غياث "فاستقبلْنا أحدًا" بسكون اللام، وأحدًا بالنصب على المفعولية. وفيها زيادة " فقال يا أبا ذر: فقلت: لبيك يا رسول الله" وعند أحمد زيادة "يا أبا ذَرٍّ، أي جبل هذا؟ قلت: أُحُد". وقوله: "ما أحب أنّ لي مثل أُحد ذهبًا أُنفقه كُلَّه إلا ثلاثة دنانير".
وفي رواية الرِّقاق "ما يسرني أنّ عندي مثل أُحُدٌ هذا ذهبًا، تمضي عليَّ ثالثةٌ، وعندي منه دينار" وفي رواية حفص بن غياث "ما أحب أن لي أُحدًا ذهبًا، يأتي عليّ يوم وليلة أو ثلاث، عندي منه دينار" وفي رواية أبي معاوية عند أحمد "ما أحب أنّ لي أُحدًا ذاك ذهبًا" وفي رواية أبي شهاب عن الأعمش في الاستئذان "فلما أبصر أُحدًا قال: ما أحب أنه تَحَوَّل لي ذهبًا يمكث عندي منه دينار فوق ثلاث". قال ابن مالك: تضمن هذا الحديث استعمال "حول" بمعنى "صير" وإعمالها عملها، وهو استعمال صحيح خَفِي على أكثر النحاة.
وقد جاءت هذه الرواية مبنية لما لم يسم فاعله، فرفعت أول المفعولين، وهو ضمير عائد على أحد، ونصبت ثانيهما، وهو قوله: "ذهباً" فصارت، ببنائها لما لم بسم فاعله، جاريةً مجرى "صار" في رفع المبتدأ ونصب الخبر. وقد اختلفت ألفاظ هذا الحديث، وهو متحد المخرج، فهو من تصرف الرواة، فلا يكون حجة في اللغة، ويمكن الجمع بين قوله: "مثل أُحد" وقوله: "تحول لي أُحد" يحمل المثلية على شيء يكون وزنه من الذهب وزن أحد، والتحويل على أنه إذا انقلب ذهبًا كان قدر وزنه أيضًا.
وقد اختلفت رواة ألفاظه عن أبي ذَرٍّ أيضًا. ففي رواية سالم ومنصور، عن زيد بن وهب بعد قوله: "قلت: أُحد، قال: والذي نفسي بيده ما يسرّني أنه ذهبٌ قطعًا، أنفقه في سبيل الله، أدع منه قيراطًا" وفي رواية سُويد بن الحارث عن أبي ذَرّ "ما يسرني أن لي أُحدًا ذهبًا، أموت يوم أموت، وعندي منه دينار أو نصف دينار".
وقوله: "تمضي عليّ ثالثةٌ" أي: ليلة ثالثة. قيل: إنما قيّد بالثلاث لأنه لا يتهيأ تفريق قدر أُحد من الذهب في أقل منها غالبًا، ويعكر عليه رواية يوم وليلة، فالأَوْلى أن يقال الثلاثة أقصى ما يحتاج إليه في تفرقة مثل ذلك، والواحدة أقل ما يمكن. وقوله في رواية الرِّقاق: "إلا شَيئًا أرصده في دَين" أي: أعده أو أحفظه، وهذا الإرصاد أعم من أن يكون لصاحب دَين غائب حتى يحضر فيأخذه، أو لأجل وفاء دين مؤجل حتى يحل فيوفى.
وفي رواية حفص وأبي شهاب عن الأعمش "إلا دينارٌ" بالرفع، والنصب والرفع جائزان؛ لأن المستثنى منه مطلق عام، والمستثنى مقيد خاص، فاتجه النصب. وتوجيه الرفع أن المستثنى منه في سياق النفي، وجواب "لو" هنا في تقدير النفي، ويجوز أن يحمل النفي الصريح في أن لا يمر عليّ حمل إلا على الصفة، وقد فسر شيء في هذه الرواية بالدينار. وفي رواية سُويد بن الحارث
стр. 5744
"وعندي منه دينار أو نصف دينار". وفي رواية سالم ومنصور "أَدَع منه قيراطًا، قال: قلت: قنطارًا؟ قال: قيراطًا". وفيه قال: يا أبا ذر، إنما أقول الذي هو أقل.
وفي رواية الأحنف الماضية "أنفقه كله إلا ثلاثة دنانير" فظاهره نفي محبة حصول المال، ولو مع الانفاق، وليس مرادًا، وإنما المعنى نفي إنفاق البعض مقتصرًا عليه، فهو يحب إنفاق الكل إلا ما استثنى، وسائر الطرق تدل على ذلك، ويؤيده أن في رواية سليمان بن يسار عن أبي هُريرة عند أحمد "ما يسرني أن أُحُدَ كم هذا ذهبًا، أنفق منه كلَّ يوم في سبيل الله، فيمر بي ثلاثة أيام وعندي منه شيء إلا شيء أرصده لدَيْن" ويحتمل أن يكون على ظاهره، والمراد بالكراهة الإنفاق في خاصة نفسه، لا في سبيل الله فمحبوب. وفي الرقاق زيادة "إلا أن أقول به في عباد الله هكذا، وهكذا وهكذا، عن يمينه، وعن شماله، ومن خلفه".
وقوله: "إلا أن أقول به" استثناء بعد استثناء، فيغير الإثبات، فيؤخذ منه أنّ نفي محبة المال مقيدة بعدم الإنفاق، فيلزم محبة وجوده مع الإنفاق، فما دام الإنفاق مستمرًا لا يكره وُجود المال، وإذا انتفى الانفاق ثبتت كراهية وجود المال، ولا يلزم من ذلك كراهية حصول شيء آخر، ولو كان قدر أحدٍ أو أكثر، مع استمرار الإنفاق.
وقوله: "هكذا وهكذا وهكذا .. إلخ" هكذا اقتصر على ثلاث، وحمل على المبالغة؛ لأن العطية لمن بين يديه هي الأصل، والذي يظهر أن ذلك من تصرفات الرواة، وأن الحديث مشتمل على الجهات الأربع، ونص عليه في البُشْرانيات عن حفص بن غياث بلفظ "إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا وهكذا" وأرانا بيده. كذا فيه بإثبات الأربع، وأخرجه المصنف في الاستئذان عن حفص بن غياث، لكن اقتصر على ثلاث من الأربع، وأخرجه أبو نعيم عنه، واقتصر على اثنين، وفي الحديث زيادة كثيرة لم أتكلم عليها، يأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى في محلها في كتاب الرِّقاق.
وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم، الحثُّ على الإنفاق في وجوه الخير، وأن النبيّ ﷺ كان في أعلى درجات الزهد في الدنيا، بحيث إنه لا يحب أن يبقى بيده شيءٌ من الدنيا إلا لإنفاقه فيمن يستحقه، وإما لإرصاده لمن له حق، وإما لتعذر من يقبل ذلك منه، لتقييده في رواية همّام عن أبي هُريرة الآتية في كتاب التمنّي بقوله: "أجد من يقبله"، ومن هذا يؤخذ جواز تأخير الزكاة الواجبة عن الإعطاء إذا لم يوجد مَنْ يستحق أخذها، وينبغي لمن وقع له ذلك أن يعزل القدر الواجب من ماله، ويجتهد في حصول مَنْ يأخذه، فإن لم يجد، فلا حرج عليه، ولا ينسب إلى تقصير في حبسه، ولا ضمان عليه إن ضاع، وإن ضاع الأصل لزمه إخراجه.
وفيه تقدم وفاء الدين على صدقة التطوع. وفيه جواز الاستقراض، وقيده ابن بطال باليسير، أخذًا من قوله ﷺ : "إلا دينارًا" قال: ولو كان عليه أكثر من ذلك لم يرصد لأدائه دينارًا واحدًا؛ لأنه
стр. 5745
كان أحسن الناس قضاء، ثم قال: ويؤخذ من هذا أنه لا ينبغي الاستغراق في الدَّين، بحيث لا يجد له وفاء، فيعجز عن أدائه وتعقب بأن الذي فهمه من لفظ "الدينار" من الوحدة، ليس كما فهم، بل إنما المراد به الجنس، وأما قوله في الرواية الأخرى: "ثلاثة دنانير" فليست الثلاثة فيه للتقليل، بل للمثال، أو لضرورة الواقع. وقد قيل: إن المراد بالثلاثة أنها كانت كفايته فيما يحتاج إليه في ذلك اليوم. وقيل: بل هي دينار للدَّين، ودينار للإنفاق على الأهل، ودينار للإنفاق على الضيف. ثم المراد بدينار الدين، الجنسُ، ويؤيده تعبيره في أكثر الطرق بالشيء على الإبهام، فيتناول القليل والكثير.
وفيه الحث على وفاء الديون، وأداء الأمانات، وجواز استعمال "لو" عند تمني الخير، وتخصيص الحديث الوارد في النهي عن استعمال "لو" على ما يكون في أمر غير محمود شرعًا، وادّعى المهلب أن قوله في رواية الأحنف: "أتبصر أُحدًا، قال: فنظرت ما عليه من الشمس ... " الحديث، أنه ذُكِر للتمثيل في تعجيل إخراج الزكاة، وأن المراد: ما أحب أن أحبس ما وجب عليّ إخراجه بقدر ما بقي من النهار، وتعقبه عياض وقال: هو بعيد في التأويل، وإنما السياق بيّن في أنه ﵊ أراد أن ينبهه على عِظَم أُحد، ليضرب به المثل في أنه لو كان قدره ذهبًا، ما أحب أن يؤخره عنده إلا لما ذكر من الإنفاق والإرصاد، فظن أبو ذَرّ أنه يريد أن يبعثه في حاجة، ولم يكن ذلك مرادًا إذ ذاك كما تقدم.
وقال القرطبي: إنما استفهمه عن رؤيته، ليستحضر قدره، حتى يشبه له ما أراد بقوله: "أن لي مثله ذهبًا". وقال عياض: احتج به من يفضل الفقر على الغنى، وقد يحتج به من يفضل الغنى على الفقر، ومأخذ كل منهما ظاهر من سياق الخبر، وقد مرَّ استيفاء الكلام على هذا المنزع، عند حديث: "لا حَسَد إلاَّ في اثنتين" في أول كتاب العلم.
وفيه الحض على إنفاق المال في الحياة وفي الصحة، وترجيحه على إنفاقه عند الموت، ويأتي قريبًا حديث: "أنْ تصدق وأنت صحيح شحيح" وذلك أن كثيرًا من الأغنياء يشح بإخراج ما عنده ما دام في عافية، فيأمل البقاء، ويخشى الفقر، فمن خالف شيطانه، وقهر نفسه، إيثارًا لثوابِ الآخرة فاز. ومَنْ بخل بذلك لم يأمن الجور في الوصية، وإن سلم لم يأمن تأخير تنجيز ما أوصى به أو تركه، أو غير ذلك من الأوقات، ولاسيما إن خلف وارثًا غير موفق، فيبذره في أسرع وقت، ويبقى وباله على الذي جمعه.
رجاله تسعة:
قد مرّوا، مرَّ عياش بن الوليد في الخامس والثلاثين من الغُسل، وعبد الأعلي بن عبد الأعلى في تعليق بعد الثالث من الإيمان، ومرَّ الأحنف بن قيس في الرابع والعشرين منه، وإسحاق بن منصور في الخامس والثلاثين منه، وأبو ذر في الثالث والعشرين منه، ومرَّ عبد الصمد في السادس
следующие страницы →