Полный текст (6 753 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.
стр. 5741
الحديث الثالث عشر
حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي الْعَلاَءِ عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: جَلَسْتُ. وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَلاَءِ بْنُ الشِّخِّيرِ أَنَّ الأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ: "جَلَسْتُ إِلَى مَلإٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ خَشِنُ الشَّعَرِ وَالثِّيَابِ وَالْهَيْئَةِ حَتَّى قَامَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: بَشِّرِ الْكَانِزِينَ بِرَضْفٍ يُحْمَى عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْيِ أَحَدِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُفْضِ كَتِفِهِ، وَيُوضَعُ عَلَى نُفْضِ كَتِفِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيِهِ يَتَزَلْزَلُ، ثُمَّ وَلَّى فَجَلَسَ إِلَى سَارِيَةٍ، وَتَبِعْتُهُ وَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، وَأَنَا لاَ أَدْرِي مَنْ هُوَ فَقُلْتُ لَهُ: لاَ أُرَى الْقَوْمَ إِلاَّ قَدْ كَرِهُوا الَّذِي قُلْتَ؟ قَالَ: إِنَّهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا. قَالَ لِي خَلِيلِي: قَالَ: قُلْتُ: مَنْ خَلِيلُكَ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَا أَبَا ذَرٍّ أَتُبْصِرُ أُحُدًا؟. قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَى الشَّمْسِ مَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ وَأَنَا أُرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُرْسِلُنِي فِي حَاجَةٍ لَهُ، قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ كُلَّهُ إِلاَّ ثَلاَثَةَ دَنَانِيرَ. وَإِنَّ هَؤُلاَءِ لاَ يَعْقِلُونَ، إِنَّمَا يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا. لاَ وَاللَّهِ لاَ أَسْأَلُهُمْ دُنْيَا، وَلاَ أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ".
قوله: "وحدثني إسحاق بن منصور" أردف المصنف هذا الإسناد بالذي قبله، لتصريح عبد الصمد فيه بتحديث أبي العلاء للجريريّ، والأحنف لأبي العلاء. وقد روى الأسود بن شيبان عن أبي العلاء المذكور عن أخيه مُطْرِف عن أبي ذَرٍّ طرفًا من آخر هذا الحديث أيضًا. وأخرجه أحمد، وليس ذلك بعلة لحديث الأحنف؛ لأن حديث الأحنف أتَمّ سياقًا، وأكثر فوائد، ولا مانع أن يكون لأبي العلاء شَيخان.
وقوله: "جلست إلى ملأ" في رواية مسلم والإسماعيليّ عن إسماعيل بن علية عن الجَريريّ "قدمت المدينة، فبينما أنا في حلقة من قريش". وقوله: "خشن الشعر" كذا للأكثر، بمعجمتين، من الخشونة. وللقابسيّ بمهملتين، من الحسن، والأول أصح. وفي رواية مسلم "أخشن الثياب، أخشن الجسد، أخشن الوجه، فقام عليهم" وليعقوب بن سُفيان عن حميد بن هلال عن الأحنف "قدمت المدينة، فدخلت مسجدها، إذ دخل رجل آدَمُ طُوالٌ أبيضُ الرأس واللحية، يشبه بعضه بعضًا، فقالوا: هذا أبو ذَرٍّ".
وقوله: "بشر الكانزين" في رواية الإسماعيليّ "بشر الكَنّازين". وقوله: "برَضْف" بفتح الراء وسكون المعجمة بعدها فاء، هي الحجارة المُحماة، واحدتها رَضَفَة. وقوله: "على حَلَمة ثَدْي" الحَلَمة بالتحريك، هو ما نشر من الثدي وطال ويقال لها قُراد الصدر، وللأصمعيّ: هو رأس الثدي
стр. 5742
من الرجل والمرأة. وفي هذا الحديث جواز استعمال الثدي للرجل والمرأة. وهو الصحيح، وقال العسكري: لا يقال ثدي إلا في المرأة. ويقال في الرجل ثُنْدُؤة. والثديّ يذكر ويؤنث.
وقوله: "من مُفْضِ" بضم النون وسكون المعجمة بعدها ضاد معجمة، العظم الدقيق الذي على طرف الكتف، أو على أعلى الكتف. قال الخطابيّ: هو الشاخص منه، وأصل النَّفْض الحركة، فسمى ذلك الموضع نفضًا؛ لأنه يتحرك بحركة الإنسان. وقوله: "يتزلزل" أي: يضطرب ويتحرك، وفي رواية الإسماعيليّ: فيتجلجل، بجيمين. وزاد إسماعيل في هذه الرواية: "فوضع القوم رُؤوسهم، فما رأيت أحدًا منهم رجع إليه شيئًا، قال: فأدبر فاتَّبَعْتُه حتى جلس إلى سارية.
وقوله: "وأنا لا أدري مَنْ هو، زاد مسلم فقلت: مَنْ هذا؟ قالوا: أبو ذَرٍّ، فقمت إليه. فقلت: ما شيء سمعتك تقوله؟ قال: ما قلت إلا شيئًا سمعته من نبيهم ﷺ . وفي هذه الزيادة رد لقول منْ قال إنه موقوف على أبي ذرٍّ، فلا يكون حجة على غيره، ولأحمد عن يزيد الباهليّ عن الأحنف "كنت بالمدينة، فإذا رجل يفر منه الناس حين يرونه، قلت: منْ أنت؟ قال: أبو ذَرٍّ، قلت: ما تَفرَّ الناس منك؟ قال: إني أنهاهم عن الكنوز التي كان ينهاهم عنها رسول الله ﷺ ".
وقوله: "إنهم لا يعقلون شيئًا" بيّن وجه ذلك في آخر الحديث حيث قال: إنما يجمعون الدنيا. وقوله: "لا أسألهم دنيا" وفي رواية إسماعيل "فقلت: مالك ولإِخوانك من قريش لا تعتريهم ولا تصيب منهم؟ قال: وربك لا أسالهم دنيا الخ". قوله: "ومَنْ خَليلك؟ قال: النبي ﷺ ، فأعلى" قال: هو أبو ذَرٍّ والنبي ﷺ خبر لمبتدأ، كأنّه قال: خليلي النبي ﷺ ، وسقط بعد ذلك قال النبي ﷺ : يا أبا ذَرٍّ" أو سقط "قال" فقط، وكأن بعض الرواة ظنها مكررة فحذفها ولابد من إثباتها.
وقوله: "يا أبا ذر، أتبصر أحدًا؟ " هذا طرف من حديث مستقل، أخرجه المصنف في كتاب الرقاق، وسأتكلم عليه قريبًا إن شاء الله تعالى. وإنما أورده أبو ذر للأحنف، لتقوية ما ذهب إليه من ذم اكتناز المال. وهو ظاهر في ذلك، إلا أنه ليس على الوجوب، ومن ثَمَّ عقبه المصنف بالترجمة التي تليه، فقال: باب إنفاق المال في حقه، وأورد فيه الحديث الدال على الترغيب في ذلك، وهو من أدل دليل على أن أحاديث الوعيد محمولة على مَنْ لا يؤدي الزكاة، وأما حديث "ما أحب أنّ لي أحُدًا ذهبًا" فمحمول على الأولوية؛ لأن جمع المال، وإن كان مباحًا، لكن الجامع مسؤول. وفي المحاسبة خطر وإن كان الترك أسلم. وما ورد من الترغيب في تحصيله وإنفاقه في حقه فمحمول على مَنْ وثق بأنه يجمعه من الحلال الذي يأمن خطر المحاسبة عليه، فإنه إذا أنفقه، حصل له ثواب ذلك النفع المتعدي، ولا يتأتى ذلك لمن لم يحصل شيئًا، وقد مرَّ عند حديث ابن عمر السابق "طهرًا للأموال" الجمع بينه وبين هذا الحديث.
وقال الزين بن المنير: في هذا الحديث حجة على جواز إنفاق جميع المال، وبذله في الصحة، والخروج عنه بالكلية في وجوه البر، ما لم يؤد إلى حرمان الوارث، ونحو ذلك مما منع منه
стр. 5743
الشرع. وقوله: "يا أبا ذَرٍّ، أتبصر أُحدًا" وفي رواية الرِّقاق: "فاستقبلَنا أُحُد" بفتح اللام وأُحد بالرفع على الفاعلية، وفي رواية حفص بن غياث "فاستقبلْنا أحدًا" بسكون اللام، وأحدًا بالنصب على المفعولية. وفيها زيادة " فقال يا أبا ذر: فقلت: لبيك يا رسول الله" وعند أحمد زيادة "يا أبا ذَرٍّ، أي جبل هذا؟ قلت: أُحُد". وقوله: "ما أحب أنّ لي مثل أُحد ذهبًا أُنفقه كُلَّه إلا ثلاثة دنانير".
وفي رواية الرِّقاق "ما يسرني أنّ عندي مثل أُحُدٌ هذا ذهبًا، تمضي عليَّ ثالثةٌ، وعندي منه دينار" وفي رواية حفص بن غياث "ما أحب أن لي أُحدًا ذهبًا، يأتي عليّ يوم وليلة أو ثلاث، عندي منه دينار" وفي رواية أبي معاوية عند أحمد "ما أحب أنّ لي أُحدًا ذاك ذهبًا" وفي رواية أبي شهاب عن الأعمش في الاستئذان "فلما أبصر أُحدًا قال: ما أحب أنه تَحَوَّل لي ذهبًا يمكث عندي منه دينار فوق ثلاث". قال ابن مالك: تضمن هذا الحديث استعمال "حول" بمعنى "صير" وإعمالها عملها، وهو استعمال صحيح خَفِي على أكثر النحاة.
وقد جاءت هذه الرواية مبنية لما لم يسم فاعله، فرفعت أول المفعولين، وهو ضمير عائد على أحد، ونصبت ثانيهما، وهو قوله: "ذهباً" فصارت، ببنائها لما لم بسم فاعله، جاريةً مجرى "صار" في رفع المبتدأ ونصب الخبر. وقد اختلفت ألفاظ هذا الحديث، وهو متحد المخرج، فهو من تصرف الرواة، فلا يكون حجة في اللغة، ويمكن الجمع بين قوله: "مثل أُحد" وقوله: "تحول لي أُحد" يحمل المثلية على شيء يكون وزنه من الذهب وزن أحد، والتحويل على أنه إذا انقلب ذهبًا كان قدر وزنه أيضًا.
وقد اختلفت رواة ألفاظه عن أبي ذَرٍّ أيضًا. ففي رواية سالم ومنصور، عن زيد بن وهب بعد قوله: "قلت: أُحد، قال: والذي نفسي بيده ما يسرّني أنه ذهبٌ قطعًا، أنفقه في سبيل الله، أدع منه قيراطًا" وفي رواية سُويد بن الحارث عن أبي ذَرّ "ما يسرني أن لي أُحدًا ذهبًا، أموت يوم أموت، وعندي منه دينار أو نصف دينار".
وقوله: "تمضي عليّ ثالثةٌ" أي: ليلة ثالثة. قيل: إنما قيّد بالثلاث لأنه لا يتهيأ تفريق قدر أُحد من الذهب في أقل منها غالبًا، ويعكر عليه رواية يوم وليلة، فالأَوْلى أن يقال الثلاثة أقصى ما يحتاج إليه في تفرقة مثل ذلك، والواحدة أقل ما يمكن. وقوله في رواية الرِّقاق: "إلا شَيئًا أرصده في دَين" أي: أعده أو أحفظه، وهذا الإرصاد أعم من أن يكون لصاحب دَين غائب حتى يحضر فيأخذه، أو لأجل وفاء دين مؤجل حتى يحل فيوفى.
وفي رواية حفص وأبي شهاب عن الأعمش "إلا دينارٌ" بالرفع، والنصب والرفع جائزان؛ لأن المستثنى منه مطلق عام، والمستثنى مقيد خاص، فاتجه النصب. وتوجيه الرفع أن المستثنى منه في سياق النفي، وجواب "لو" هنا في تقدير النفي، ويجوز أن يحمل النفي الصريح في أن لا يمر عليّ حمل إلا على الصفة، وقد فسر شيء في هذه الرواية بالدينار. وفي رواية سُويد بن الحارث
стр. 5744
"وعندي منه دينار أو نصف دينار". وفي رواية سالم ومنصور "أَدَع منه قيراطًا، قال: قلت: قنطارًا؟ قال: قيراطًا". وفيه قال: يا أبا ذر، إنما أقول الذي هو أقل.
وفي رواية الأحنف الماضية "أنفقه كله إلا ثلاثة دنانير" فظاهره نفي محبة حصول المال، ولو مع الانفاق، وليس مرادًا، وإنما المعنى نفي إنفاق البعض مقتصرًا عليه، فهو يحب إنفاق الكل إلا ما استثنى، وسائر الطرق تدل على ذلك، ويؤيده أن في رواية سليمان بن يسار عن أبي هُريرة عند أحمد "ما يسرني أن أُحُدَ كم هذا ذهبًا، أنفق منه كلَّ يوم في سبيل الله، فيمر بي ثلاثة أيام وعندي منه شيء إلا شيء أرصده لدَيْن" ويحتمل أن يكون على ظاهره، والمراد بالكراهة الإنفاق في خاصة نفسه، لا في سبيل الله فمحبوب. وفي الرقاق زيادة "إلا أن أقول به في عباد الله هكذا، وهكذا وهكذا، عن يمينه، وعن شماله، ومن خلفه".
وقوله: "إلا أن أقول به" استثناء بعد استثناء، فيغير الإثبات، فيؤخذ منه أنّ نفي محبة المال مقيدة بعدم الإنفاق، فيلزم محبة وجوده مع الإنفاق، فما دام الإنفاق مستمرًا لا يكره وُجود المال، وإذا انتفى الانفاق ثبتت كراهية وجود المال، ولا يلزم من ذلك كراهية حصول شيء آخر، ولو كان قدر أحدٍ أو أكثر، مع استمرار الإنفاق.
وقوله: "هكذا وهكذا وهكذا .. إلخ" هكذا اقتصر على ثلاث، وحمل على المبالغة؛ لأن العطية لمن بين يديه هي الأصل، والذي يظهر أن ذلك من تصرفات الرواة، وأن الحديث مشتمل على الجهات الأربع، ونص عليه في البُشْرانيات عن حفص بن غياث بلفظ "إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا وهكذا" وأرانا بيده. كذا فيه بإثبات الأربع، وأخرجه المصنف في الاستئذان عن حفص بن غياث، لكن اقتصر على ثلاث من الأربع، وأخرجه أبو نعيم عنه، واقتصر على اثنين، وفي الحديث زيادة كثيرة لم أتكلم عليها، يأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى في محلها في كتاب الرِّقاق.
وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم، الحثُّ على الإنفاق في وجوه الخير، وأن النبيّ ﷺ كان في أعلى درجات الزهد في الدنيا، بحيث إنه لا يحب أن يبقى بيده شيءٌ من الدنيا إلا لإنفاقه فيمن يستحقه، وإما لإرصاده لمن له حق، وإما لتعذر من يقبل ذلك منه، لتقييده في رواية همّام عن أبي هُريرة الآتية في كتاب التمنّي بقوله: "أجد من يقبله"، ومن هذا يؤخذ جواز تأخير الزكاة الواجبة عن الإعطاء إذا لم يوجد مَنْ يستحق أخذها، وينبغي لمن وقع له ذلك أن يعزل القدر الواجب من ماله، ويجتهد في حصول مَنْ يأخذه، فإن لم يجد، فلا حرج عليه، ولا ينسب إلى تقصير في حبسه، ولا ضمان عليه إن ضاع، وإن ضاع الأصل لزمه إخراجه.
وفيه تقدم وفاء الدين على صدقة التطوع. وفيه جواز الاستقراض، وقيده ابن بطال باليسير، أخذًا من قوله ﷺ : "إلا دينارًا" قال: ولو كان عليه أكثر من ذلك لم يرصد لأدائه دينارًا واحدًا؛ لأنه
стр. 5745
كان أحسن الناس قضاء، ثم قال: ويؤخذ من هذا أنه لا ينبغي الاستغراق في الدَّين، بحيث لا يجد له وفاء، فيعجز عن أدائه وتعقب بأن الذي فهمه من لفظ "الدينار" من الوحدة، ليس كما فهم، بل إنما المراد به الجنس، وأما قوله في الرواية الأخرى: "ثلاثة دنانير" فليست الثلاثة فيه للتقليل، بل للمثال، أو لضرورة الواقع. وقد قيل: إن المراد بالثلاثة أنها كانت كفايته فيما يحتاج إليه في ذلك اليوم. وقيل: بل هي دينار للدَّين، ودينار للإنفاق على الأهل، ودينار للإنفاق على الضيف. ثم المراد بدينار الدين، الجنسُ، ويؤيده تعبيره في أكثر الطرق بالشيء على الإبهام، فيتناول القليل والكثير.
وفيه الحث على وفاء الديون، وأداء الأمانات، وجواز استعمال "لو" عند تمني الخير، وتخصيص الحديث الوارد في النهي عن استعمال "لو" على ما يكون في أمر غير محمود شرعًا، وادّعى المهلب أن قوله في رواية الأحنف: "أتبصر أُحدًا، قال: فنظرت ما عليه من الشمس ... " الحديث، أنه ذُكِر للتمثيل في تعجيل إخراج الزكاة، وأن المراد: ما أحب أن أحبس ما وجب عليّ إخراجه بقدر ما بقي من النهار، وتعقبه عياض وقال: هو بعيد في التأويل، وإنما السياق بيّن في أنه ﵊ أراد أن ينبهه على عِظَم أُحد، ليضرب به المثل في أنه لو كان قدره ذهبًا، ما أحب أن يؤخره عنده إلا لما ذكر من الإنفاق والإرصاد، فظن أبو ذَرّ أنه يريد أن يبعثه في حاجة، ولم يكن ذلك مرادًا إذ ذاك كما تقدم.
وقال القرطبي: إنما استفهمه عن رؤيته، ليستحضر قدره، حتى يشبه له ما أراد بقوله: "أن لي مثله ذهبًا". وقال عياض: احتج به من يفضل الفقر على الغنى، وقد يحتج به من يفضل الغنى على الفقر، ومأخذ كل منهما ظاهر من سياق الخبر، وقد مرَّ استيفاء الكلام على هذا المنزع، عند حديث: "لا حَسَد إلاَّ في اثنتين" في أول كتاب العلم.
وفيه الحض على إنفاق المال في الحياة وفي الصحة، وترجيحه على إنفاقه عند الموت، ويأتي قريبًا حديث: "أنْ تصدق وأنت صحيح شحيح" وذلك أن كثيرًا من الأغنياء يشح بإخراج ما عنده ما دام في عافية، فيأمل البقاء، ويخشى الفقر، فمن خالف شيطانه، وقهر نفسه، إيثارًا لثوابِ الآخرة فاز. ومَنْ بخل بذلك لم يأمن الجور في الوصية، وإن سلم لم يأمن تأخير تنجيز ما أوصى به أو تركه، أو غير ذلك من الأوقات، ولاسيما إن خلف وارثًا غير موفق، فيبذره في أسرع وقت، ويبقى وباله على الذي جمعه.
رجاله تسعة:
قد مرّوا، مرَّ عياش بن الوليد في الخامس والثلاثين من الغُسل، وعبد الأعلي بن عبد الأعلى في تعليق بعد الثالث من الإيمان، ومرَّ الأحنف بن قيس في الرابع والعشرين منه، وإسحاق بن منصور في الخامس والثلاثين منه، وأبو ذر في الثالث والعشرين منه، ومرَّ عبد الصمد في السادس
стр. 5746
والثلاثين من العلم، وأبوه عبد الوارث في السابع عشر منه، ومرَّ سعيد بن إياس في العشرين من الأذان، ومرَّ أبو العلا يزيد بن عبد الله في الرابع والخمسين من صفة الصلاة.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإفراد والإخبار بالجمع والعنعنة. ورواته كلهم بصريون. وفيه رواية الابن عن الأب. أخرجه مسلم في الزكاة أيضًا. ثم قال المصنف:
стр. 5747
باب انفاق المال في حقه
الحديث الرابع عشر
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لاَ حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً فَهْوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا".
هذا الحديث قد مرّ الكلام عليه، مستوفى غاية الاستيفاء، في باب الاغتباط في العلم والحكمة، من كتاب العلم.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرَّ محمد بن المثنى في التاسع من الإيمان، ويحيى القطّان في السادس منه، وإسماعيل بن أبي خالد في الثالث منه، وقيس بن أبي حازم في الخمسين منه، وابن مسعود في أثر أوله قبل ذكر حديث منه. ثم قال المصنف:
стр. 5748
باب الرياء في الصدقة
لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾. قال الزين بن المنير: يحتمل أن يكون مراده إبطال الرياء للصدقة، فيحمل على ما تمحض منها كحب المَحْمَدة والثناء من الخلق، بحيث لولا ذلك لم يتصدق بها، والرياء مشتق من الرُّوية وأصله طلب المنزلة في قلوب الناس، بإرائتهم الخصال المحمودة. فحد الرياء هو إراءة العباد لطاعة الله تعالى، فالمراءي هو العابد والمراءى له هو الناس، والمراى به هو الخصال الحميدة، والرياء هو قصد إظهار ذلك.
قال الزين بن المنير: وجه الاستدلال من الآية، أن الله تعالى شبّه مقارنة السنن والأذى للصدقة، أو إتباعها بذلك بإنفاق الكافر المرائي الذي لا يجد بين يديه شيئًا، ومقارنة الرياء من المسلم لصدقته أقبح من مقارنة الإيذاء، وأولى أن يشبه بإنفاق الكافر المرائي في إبطال إنفاقه. وقال ابن رشيد: اقتصر البخاريّ في هذه الترجمة على الآية، ومراده أن المشبه بالشيء يكون أخفى من المشبه به؛ لأن الشيء الخفيّ ربما شُبه بالظاهر، ليخرج من حيز الخفاء إلى الظهور، ولما كان الإنفاق، رياءًا من غير المؤمن، ظاهرًا في ابطال الصدقة، شبّه به الإبطال بالمن والأذى، أي حالة هؤلاء في الإبطال كحالة هؤلاء هذا من حيث الجملة. ولا يبعد أن يراعى حال التفصيل أيضًا؛ لأن حال إيمان شبيه بحال المرائي؛ لأنه لمّا من ظهر أنه لم يقصد وجه الله تعالى، وحال المؤذي يشبه حال الفاقد للإيمان من المنافقين؛ لأن مَنْ يعلم أن للمؤذي ناصرًا ينصره لم يُؤذه، فعلم بهذا أن حالة المرائي أشد من حالة المانّ والمؤذي.
ويتلخص أن يقال لما كان المشبه به أقوى من المشبه، وإبطال الصدقة بالمنّ والأذى قد شبه بإبطالها بالرياء فيها، كان أمر الرياء أشد. ثم قال: وقال ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما: صلدًا ليس عليه شيء. وروى الطبريّ عن قتادة في هذه الآية قال: هذا مثل ضربه الله لأعمال الكفار يوم القيامة، يقول: ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ يومئذ كما ترك هذا المطر الصفا نقيًا ليس عليه شيء، ومن طريق أسباط عن السّديّ نحوه. وتعليق ابن عباس وصله ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما، وابن عباس مرَّ في الخامس من بدء الوحي.
ثم قال: وقال عكرمة: وابل: مطر شديد، والطلَّ الندى. وهذا التعليق وصله عبد بن حميد في تفسيره، وعكرمة مرَّ في السابع عشر من العلم. ثم قال المصنف:
стр. 5749
باب لا تقبل الصدقة من غلول ولا يقبل إلا من كسب طيب
لقوله: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾.
كذا للأكثر، على البناء للمفعول، وفي رواية المستملي: "لا يَقْبَل الله" وهذا طرق من حديث أخرجه مسلم باللفظ الأول عن ابن عمر، ولفظه: "لا تُقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غُلُول" وأخرجه الحسن بن سُفيان في مسنده عن أبي كامل، أحد مشائخ مسلم فيه، بلفظ: "لا يَقْبل الله صلاةً إلا بطهور، ولا صدقة من غُلُول". ولأبي داود من حديث أبي فُليح عن أبيه مرفوعًا: "لا يقبل الله صدقة من غُلُول، ولا صلاة بغير طهور" وإسناده صحيح. والغُلول، ضيم الغين، الخيانة في المغنمة، والسرقة من الغنيمة قبل القسمة. وكل مَنْ خان في شيء خُفية فقد غَلّ. وقوله: "ولايقبل إلا من كَسْب طيبٍ" هذا للمستملي وحده، وهو طرف من حديث أبي هُريرة الآتي بعده.
وقوله: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ إلى قوله: ﴿حَلِيمٌ﴾ قال ابن المنير: جرى المصنف على عادته في إيثار الخفى على الجلى، وذلك أن في الآية أن الصدقة لما تبعتها سيئة الأذى بطلت، والغُلول أدّى، إن قارن الصدقة أبطلها بطريق الأَوْلى، أو لإنه جعل المعصية اللاحقة للطاعة بعد تقررها تبطل الطاعة، فكيف إذا كانت الصدقة بعين المعصية؛ لأن القالّ في دفعه المال إلى الفقير غاصبٌ متصرفٌ في ملك الغير، فكيف تقع المعصية طاعة معتبرة، وقدًا أبطلت المعصية الطاعة المحققة من أول الأمر؟
وتعقبة ابن رشيد بأنه ينبني على أنّ الأذى أعم من أن يكون من جهة المتصدِّق للمُتَصَدَّق عليه، أو إيذائه لغيره كما في الغُلول، فيكون من باب الأوْلى، وقد لا يسلم هذا في معنى الآية لبعده، فإن الظاهر أن المراد بالأذى في الآية إنما هو ما يكون من جهة المسؤول للسائل، فإنه عطف على المنّ، وجمعٌ معه بالواو. والذي يظهر أنّ البخاريّ قصد أن المتصدَّق عليه إذا علم أن المتصدَّق به غُلول أو غَصْب أو نحوه، تأذّى بذلك، ولم يرض به، كما قال أبو بكر: اللبَن، لما علم أنه من وجه غير طيب، وقد صدق على المتصدِّق أنه مؤذٍ له بتعريضه بأكل ما لو علمه لم يقبله.
والقول المعروف فُسّر بالرد الجميل ومغفرة، أي: عفو عن السائل إذا وجد منه ما يثقل على المسؤول. وقيل: المراد عفو من الله بسبب الرد الجميل. وقيل: عفو من جهة السائل، أي معذرة منه للمسؤول. لكنه رده ردًا جميلًا. والثاني أظهر.
وظاهر الآية أنَّ الصدقة تحبط بالمنّ والأذى بعد أن تقع سالمة، لكن يمكن أن يقال: لعل
стр. 5750
قبولها موقوف على سلامتها من المن والأذى، فإنْ وقع ذلك عدم الشرط فعدم المشروط، فعبر عن ذلك بالإبطال، وقد دل قوله: "لا تقبل صدقة من غُلول" على أن الغالّ لا تبرأ ذمته إلا برد الغُلول إلى أصحابه، بأن يتصدق به إذا جهلهم مثلًا. والسبب فيه أنه من حق الغانمين، فلو جُهِلت أعيانهم، لم يكن له أن يتصرف فيه بالصدقة على غيرهم. وقد مرّ في باب "إثم مانع الزكاة" ما في هذا من خلاف العلماء. ثم قال المصنف:
стр. 5751
باب الصدقة من كسب طيب
لقوله: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
وهذه الترجمة وقعت في رواية المستملي والكشميهنيّ وابن شَبّويه، وعلى هذا فتخلو الترجمة التي قبل هذا من الحديث، وتكون هذه كالتي قبلها في الاقتصار على الآية، لكن تزيد عليها بالإشارة إلى لفظ الحديث الذي في الترجمة، والترجمة ان كان "باب" بغير تنوين، فالجملة خبر المبتدأ، والتقدير هذا بابُ فضلِ الصدقة من كَسْبٍ طيب، وإن كان منونًا فما بعده مبتدأ، والخبر محذوف تقديره الصدقةُ من كسب طيب مقبولةٌ، أو يكثر الله ثوابها.
الحديث الخامس عشر
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلاَ يَقْبَلُ اللَّهُ إِلاَّ الطَّيِّبَ وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ".
ومناسبة هذا الحديث لهذه الترجمة ظاهرة، ومناسبته للتي قبلها من جهة مفهوم المخالفة؛ لأنه دل بمنطوقه على أن الله تعالى لا يقبل إلا ما كان من كسب طيب، فمفهومه أن ما ليس بطيب لا يُقبل؟ والغُلول فرد من أفراد غير الطيب. فلا يقبل، ومعنى الكسب المكسوب. والمراد به ما هو أعم من تعاطي التكسب، أو حصول المكسوب بغير تعاطٍ، كالميراث، وكأنه ذكر الكسب لكونه الغالب في تحصيل المال، والمراد بالطيب الحلال؛ لأنه صفة الكسب.
قال القرطبيّ: أصل الطيب المستلَذّ بالطبع، ثم أطلق على المُطْلَق بالشرع، وهو الحلال وأما قول المصنف: لقوله: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ بعد الصدقة من كسب طيب، فقد اعترضه ابن التين وغيره، بأن تكثير أجر الصدقة ليس علة لكون الصدقة من كسب طيب، بل الأمر على عكس ذلك، فإن الصدقة من الكسب الطيب سبب لتكثير الأجر.
قال ابن التين: وكان الأبين أن يَستدل بقوله تعالى: ﴿نْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ وقال ابن بطال: لما كانت الآية مشتملة على أن الربى يمحقه الله؛ لأنه حرام، دل ذلك على أن الصدقة التي
стр. 5752
تقبل لا تكون من جنس الممحوق. وقال الكرمانيّ: لفظ الصدقات، وإن كان أعم من أن يكون من الكسب الطيب ومن غيره، لكنه مقيّد بالصدقات التي من الكسب الطيب، بقرينة السياق، نحو ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ أي: يذهبه، إما أن يذهب بالكلية من يد صاحبه، أو يحرمه بركة ماله فلا ينتفع به، بل يعذبه به في الدنيا، ويعاقبه عليه في الآخرة. فقد روى أحمد في مسنده عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: "الربى، وإن كثر، فإن عاقبته تصير إلى قُلّ". وهذا من باب المعاملة بنقيض القصد.
ثم إن الله تعالى لما أخبر بأنه يمحق الربى؛ لأنه من حرام، أخبر بأنه يُربي الصدقات كما في الآية. وفي حديث الباب: ثم قال: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ أي: كفور القلب، أثيم القول والفعل، ولابد من مناسبة في ختم الآية بهذه الصفة، وهي أن المرابي لا يرضى بما قسم الله له من الحلال، ولا يكتفي بما شرع له من التكسب المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل بأنواع المكاسب الخبيثة، فهو جَحُود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم بأكل أموال الناس بالباطل.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: لا خوف عليهم عند الموت، ولا هم يحزنون يوم القيامة، ذكر الله تعالى هذه الآية مادحًا للمطيعين لربهم، المؤدين شكره، المحسنين إلى خلقه، في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، مخبرًا عمّا أعَدَّ لهم من الكرامة، وأنهم يوم القيامة آمنون من التُّبِعات.
وقوله: بِعَدْل تمرة، أي: قيمتها؛ لأنه بالفتح المثل، وبالكسر الحِمْل بكسر المهملة، هذا قول الجمهور. وقال الفراء: بالفتح من غير جنسه، وبالكسر من جنسه. وقيل: بالفتح مثله في القيمة، وبالكسر مثله في النظر. وأنكر البصريون هذه التفرقة، وقال الكِسائيّ: هما بمعنى كما في لفظ المِثل لا يختلف، وضبط في هذه الرواية بالفتح للأكثر.
وقوله: "ولا يقبل الله إلا الطيب" في رواية سليمان بن بلال الآتي ذكرها: "ولا يصعد إلى الله إلاَّ الطيب" وهذه جملة معترضة بين الشرط والجزاء، لتقرير ما قبله. زاد سهيل في روايته الآتي ذكرها: "فيضعها في حقها". قال القرطبيّ: وإنما لا يقبل الله الصدقة بالحرام؛ لأنه غير مملوك للمصدق، وهو ممنوع من التصرف فيه، والمتصدق به متصرف فيه، فلو قبل منه لزم أن يكون الشيء مأمورًا منهيًا من وجه واحد، وهو محال.
وقوله: "يتقبلها بيمينه" في رواية سهيل: "إلا أخذها بيمينه" وفي رواية مسلم بن أبي مريم الآتي ذكرها: "فيضعها" وفي حديث عائشة عند البزار: "فيتلقاها الرحمن بيده". وقوله: "فَلُوّه" بوزن عدو هو المهر؛ لأنه يغلى أي: يعظم، وقيل: هو كل فطيم من ذات حافر، والجمع أفلاء،
стр. 5753
كعدو وأعداء. وقال أبو زيد: إذا فتحت الفاء شددت الواو، وإذا كسرتها سكنت اللام كجرو. وضربه به المثل؛ لأنه يزيد زيادة بينة، ولأن الصدقة نتاج العمل، وأحوج ما يكون النتاج إلى التربية إذا كان فطيمًا، فإذا أحسن العناية به انتهى إلى حد الكمال، وكذلك عمل ابن آدم، لاسيما الصدقة فإن العبد إذا تصدق من كسب طيب لا يزال نظر الله إليها يكسبها نعت الكمال، حتى ينتهي بالتضعيف إلى نصاب تقع بينه وبين ما قدم، نسبةُ ما بين التمرة إلى الجبل.
وفي رواية القاسم عن أبي هُريرة عند التِّرْمِذِيّ "فِلْوه أو مهره". ولعبد الرزاق عن القاسمُ "مُهره أو فصيله". وفي رواية له عند البزّار "مُهره أو ضِيعه أو فصيله". ولابن خُزيمة عن أبي هريرة "فُلوه أو قال فصيله" وهذا يشعر بأن "أو" للشك. قال المازريّ: هذا الحديث وشبهه إنما عبّر به على ما اعتادوا في خطابهم، ليفهموا عنه، فكنى عن قبول الصدقة باليمين، وعن تضعيف أجرها بالتربية. وقال عياض: لما كان الشيء الذي يرتضى يُتَلَقَّى باليمين، ويؤخذ بها استعمل في مثل هذا، واستعير للقبول، كقول الشماخ بن ضرار في عرابة الأوسي:
رأيت عرابة الأوسيُ يسمو ... إلى الخيرات منقطع القرين
إذا مارايه رقعت لمجد ... تلقاها عُرابة باليمين
أي هو مؤهل للمجد والشرق، وليس المراد الجارحة، وقيل: عبر باليمين عن جهة القبول، إذ الشِّمال بضده. وقيل: المراد يمين الذي تدفع إليه الصدقة، وأضافها إلى الله تعالى إضافة ملك واختصاص، لوضع هذه الصدقة في يمين الأخذ لله تعالى، وقيل: المراد سرعة القبول، وقيل حُسنه.
وقال الزين بن المنير: الكناية عن الرضى والقبول بالتلقي باليمين لتثبت المعاني المعقولة في الأذهان، وتحقيقها في النفوس تحقيق المحسوسات، أي لا يتشكك في القبول كما لا يتشكك من عاين التلقي للشيء بيمينه، لا أن التناول كالتناول المعهود، ولا أنّ المتناول به جارحةٌ. وقال التِّرمِذِيّ في جامعه: قال أهل العلم من أهل السنة والجماعة: نؤمن بهذه الأحاديث، ولا نتوهم فيها تشبيهًا، ولا نقول كيف؟ " هكذا رُوي عن مالك وابن عيينة وابن المبارك وغيرهم.
وأنكرت الجهمية هذه الروايات، وقد استوفينا الكلام في الرد عليهم في كتابنا "استحالة المعية بالذات". ويأتي إن شاء الله تعالى العودُ إلى ذلك في كتاب "التوحيد". وقوله: "حتى تكون مثل الجبل" ولمسلم: "حتى تكون أعظم من الجبل" ولابن جرير: "حتى يوافى بها يوم القيامة وهو أعظم من أُحُد" يعني التمرة، وعند التِّرمِذِيّ بلفظ: "حتى أن اللفحة لتصير مثل جبل" قال: وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾.
وفي رواية ابن جرير التصريح بأن تلاوة الآية من كلام أبي هريرة، وزاد عبد الرزاق "فتصدقوا" والظاهر أن المراد بعظمها أن عينها تعظم لتثقل في الميزان, ويحتمل أن يكون ذلك معبرًا به عن ثوابها.
стр. 5754
رجاله ستة:
قد مرّوا، مرّ عبد الله بن منير في الستين من الوضوء وأبو النضر في السابع والستين منه، وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار في الثامن والثلاثين منه، ومرَّ أبوه عبد الله بن دينار وأبو صالح وأبو هريرة في الثاني من الإيمان.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والسماع والعنعنة، ورواته كلهم مدنيون، وفيه رواية الابن عن الأب، ورواية التابعيّ عن التابعيّ. أخرجه مسلم في الزكاة أيضًا.
ثم قال: تابعه سليمان عن ابن دينار، ورواه مسلم عن أحمد بن عثمان عن خالد بن مَخْلَد عن سُليمان عن سُهيل عن أبي صالح، وهذا إن كان أحمد بن عثمان حَفِظَه فلسليمان فيه شيخان: عبد الله بن دينار، وسهيل. وقد غفل صاحب الأطراف، فسوى بين روايتي الصحيحين في هذا، وليس بجيد، وهذه المتابعة ذكرها المصنف في التوحيد، وقد وصلها أبو عُوانة والجوزقيّ. وسليمان المراد به سليمان بن بلال، وقد مرَّ في الثاني من الإيمان مع شيخه عبد الله بن دينار.
ثم قال: وقال ورقاء عن ابن دينار عن سعيد بن يسار عن أبي هُريرة، ﵁، عن النبي ﷺ ، يعني أن ورقاء خالف عبد الرحمن وسليمان، فجعل شيخ ابن دينار فيه سعيد بن يسار بدل أبي صالح. وقد أشار الداوديّ إلى أن رواية ورقاء وهم، لتوارد الرواة عن أبي صالح دون سعيد بن دينار، وليس ما قال بجيد؛ لأنه محفوظ عن سعيد بن يسار من وجه آخر، كما أخرجه مسلم والتِّرمذيّ وغيرهما. نعم، رواية ورقاء شاذة بالنسبة إلى مخالفة سليمان وعبد الرحمن. وهذا التعليق وصله البيهقي في سننه من رواية أبي النضر هاشم. وقال في "الفتح": ثبت ذلك في كتاب التوحيد.
ورجال هذا التعليق أربعة:
مرّ منهم ابن دينار، وأبو هريرة في الثاني من الإيمان، ومرَّ ورقاء في التاسع من الوضوء ومرَّ سعيد بن يسار في التاسع من الوتر.
ثم قال: ورواه مسلم بن أبي مريم وزيد بن أسلم وسهيل عن أبي صالح عن أبي هريرة، ﵁، عن النبي ﷺ . وقد مرّ ما في سياق الثلاثة من فائدة وزيادة. أما رواية مسلم فقد وصلها يوسف بن يعقوب القاضي في كتاب الزكاة، ورواية زيد بن أسلم وسُهيل وَصَلَهما مسلم، ورجال الروايتين خمسة قد مرّوا، إلا مُسلمًا. مرَّ زيد بن أسلم في الثاني والعشرين من الإيمان، ومرَّ سهيل بعد التاسع والأربعين منه، ومرَّ محل أبي صالح وأبي هريرة في الحديث السابق.
والخامس: مسلم بن أبي مريم، وأسم أبي مريم يسار السَّلُوليّ المدنيّ، مولى الأنصار، وقيل
стр. 5755
في ولائه غير ذلك. قال ابن مُعين، وأبو داود والنَّسَائيّ: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وهم ثلاثة إخوة محمد وعبد الله ومسلم بنو أبي مريم، ومسلم أعلاهم. وقال ابن سعد: ليس بأخيهما، وقال: كان شديدًا على القدرية، وكان ثقة قليل الحديث. وقال القَعنبيَّ: كان مالك يثني عليه، وقال: لا يكاد يرفع حديثًا إلي النبي ﷺ . وذكره ابن حِبّان في الثقات، روى عن أبي سعيد الخُدريّ وابن عمر، وأبي صالح السمان وغيرهم. وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاريّ ومالك وشعبة والليث وغيرهم. مات في ولاية أبي جعفر المنصور. ثم قال المصنف:
стр. 5756
باب الصدقة قبل الرد
قال الزين بن المنير ما ملخصه: مقصوده بهذه الترجمة الحث على التحذير من التسويف في الصدقة، لما في المسارعة إليها من تحصيل النمو المذكور. قيل: لأن التسويف بها قد يكون ذريعة إلى عدم القابل لها، إذ لا يتم مقصود الصدقة إلا بمصادفة المحتاج إليها. وقد أخبر الصادق أنه سيقع فَقْدُ الفقراء المحتاجين إلى الصدقة، بأن يُخرج الغني صدقته فلا يجد من يقبلها، فإن قيل إن مَنْ أخرج صدقته مثابٌ على نيته ولو لم يجد مَنْ يقبلها، فالجواب أن الواجد يثاب ثواب المجازاة والفضل، والناوي يثاب ثواب الفضل فقط، والأول أرجح.
الحديث السادس عشر
حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "تَصَدَّقُوا فَإِنَّهُ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ، فَلاَ يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا يَقُولُ الرَّجُلُ لَوْ جِئْتَ بِهَا بِالأَمْسِ لَقَبِلْتُهَا، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلاَ حَاجَةَ لِي بِهَا".
قوله: "فإنه يأتي عليكم زمان" في رواية تأتي بعد أبواب "فسيأتي". وقوله: "يقول الرجل" أي: الذي يريد المتصدق أن يعطيه إياها. وقوله: "وأما اليوم فلا حاجة لي بها" وفي رواية الكشميهنيّ فيها يحتمل أن يكون هذا وقع، كما ذكر في خلافة عمر بن عبد العزيز، فلا يكون من أشراط الساعة، وهو نظير ما وقع في حديث عدي بن حاتم الآتي بعد هذا.
وأخرج يعقوب بن سفيان في تاريخه بسند جيد عن عمر بن أَسِيد قال: لا والله ما مات عمر بن عبد العزيز، حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم، فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون في الفقراء، فما يبرح حتى يرجع بماله، يتذكر من يضعه فيهم، فلا يجد، فيرجع به. قد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس، وسبب ذلك بسطه للعدل، وإيصال الحقوق لأهلها حتى استغنوا، ويأتي في ترجمة عيسى ﵇ من أحاديث الأنبياء حديث: "ليوشكنَّ أن ينزل فيكم ابن مريم" وفيه: "ويفيض المال" وفي رواية أخرى: "حتى لا يقبله أحد" فيحتمل أن يكون هذا هو المراد، والأول أرجح، لما أذكره في حديث عديّ قريبًا، وسبب كثرته في زمن عيسى ﵇ نزولُ البركات وتوالي الخيرات، بسبب العدل وعدم الظلم، وحينئذ تُخْرج الأرض كنوزها، وتقل الرغبات في اقتناء المال، لعلمهم بقرب الساعة.
стр. 5757
رجاله أربعة:
مرَّ منهم آدم وشعبة في الثالث من الإيمان، ومرَّ حارثة بن وهب في الرابع من التقصير.
الرابع: معبد بن خالد بن مُرَير، براء بن مصفر، بن حارثة بن ناضرة بن عمرو بن سعيد بن علي بن رِهم بن رباح بن يَشْكُر بن عُدوان الجَدْلِيّ، التميمي الكوفي، العابد. وجديلة هي أُم يشكر، ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال: كان عابدًا صابرًا على التهجد، يصلي الغداة والعشي بوضوء واحد. وقال أبو حاتم: صدوق، وذكره يعقوب بن سفيان في جماعة. وقال: كل هؤلاء كوفيون ثقات. وذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة، وقال: كان ثقة إن شاء الله تعالى، قليل الحديث. وقال ابن مُعين: ثقة، وقال ابن عديّ والعجليّ: كوفي تابعيّ ثقة. وقال النَّسائيّ: مُعْبَد بن خالد ثقة. وقال ابن مُعين: هو من أقدم شيخ لقيه سفيان، وقد ذكروا أن عبد الملك بن مروان لما قدم الكوفة، بعد قتل مصعب بن الزبير، جلس يعرض أحياء العرب، فقام إليه معبد بن خالد الجدليّ، وكان قصيرًا دميمًا، فذكر قصة له مع عبد الملك دالةً على معرفته وفهمه. روى عن أبيه، ويقال: له صحبة، وحارثة بن وهب الخزاعي والنعمان بن بشير ومَسروق وغيرهم. وروى عنه الأعمش وشُعبة والثَّوريّ وغيرهم. مات في ولاية خالد على العراق سنة ثمان عشرة ومئة.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والقول والسماع، وشيخه من أفراده، ورواته ما بين عسقلانيّ وواسطيّ وكوفي. والحديث من الرّباعيات، أخرجه هنا وفي الفتن، ومسلم في الزكاة.
الحديث السابع عشر
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ فَيَفِيضَ، حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ، وَحَتَّى يَعْرِضَهُ فَيَقُولَ الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ لاَ أَرَبَ لِي".
وقوله: "حتى يكثر فيكم المال فيقبض" التقيد بقوله: "فيكم" يشعر بأنه محمول على زمن الصحابة، فيكون إشارة إلى ما وقع من الفتوح واقتسامهم أموال الفرس والروم، ويكون قوله: "فيفيض، حتى يهم رب المال" إشارة إلى ما وقع في زمن عمر بن عبد العزيز، فقد تقدم أنه وقع في زمنه أن الرجل كان يعرض ماله للصدقة فلا يجد مَنْ يقبل صدقته، ويكون قوله: وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب لي به، إشارة إلى ما سيقع في زمن عيسى ﵇، فيكون في هذا الحديث إشارة إلى ثلاثة أحوال:
الأولى: إلى كثرة المال فقط، وقد كان ذلك في زمن الصحابة، ومن ثم قيل فيه: يكثر، وقد
стр. 5758
وقع في حديث عوف بن مالك الآتي في الجزية، ذكرُ علامة أخرى مباينة لعلامة الحالة الثانية في حديث عوف بن مالك، رفعه "بين يدي الساعة موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم مَوَتان، ثم استفاضة المال حتى يعطي الرجل منه مئة دينار فيظل ساخطًا ... " الحديث.
الحالة الثانية: الإشارة إلى فيضه من الكثرة، بحيث أن يحصل استغناء كل أحد عن أخذ مال غيره، وكان في آخر عصر الصحابة، وأول عصر مَنْ بعدهم، ومن ثم قيل: يهتم رب المال، وذلك ينطبق على ما وقع في زمن عمر بن عبد العزيز.
الحالة الثالثة: فيه الإشارة إلى فيضه، وحصول الاستغناء لكل أحد، حتى يهتم صاحب المال بكونه لا يجد من يقبل صدقته، ويزداد بأنه يعرضه على غيره، ولوكان ممن لا يستحق الصدقة، فيأبى أخذه، فيقول: لا حاجة لي فيه. وهذا في زمن عيسى ﵇، ويحتمل أن يكون هذا الأخير خروجُ النار واشتغال الناس بأمر الحشر، فلا يلتفت حينئذ إلى المال، بل يقصد أن يتخفف ما استطاع.
وقوله: "حتى يَهُمّ ربَّ المال" بفتح أوله وضم الهاء، ورب المال منصوب على المفعولية، وفاعله قوله: "من يقبله". يفال: همه الشيء: أُحْزنه، ويروى بضم أوله، يقال أَهَمه الأمر: أقلقه. وقال النّوويّ في شرح مسلم: ضبطوه بوجهين: أشهرهما بضم أوله وكسر الهاء، ورب المال مفعول، والفاعل "من يقبل" أي: يحزنه. والثاني بفتح أوله وضم الهاء، ورب المال فاعل، ومَنْ مفعوله، أي يقصد.
وقوله: "لا أرب لي" زاد في الفتن "به" أي: لا حاجة لي به، لاستغنائي عنه.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرَّ أبو اليمان وشعيب في السابع من بدء الوحي، وأبو الزناد والأعرج في السابع من الإيمان، وأبو هريرة في الثاني منه.
الحديث الثامن عشر
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ أَخْبَرَنَا سَعْدَانُ بْنُ بِشْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو مُجَاهِدٍ حَدَّثَنَا مُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ الطَّائِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ ﵁ يَقُولُ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَاءَهُ رَجُلاَنِ أَحَدُهُمَا يَشْكُو الْعَيْلَةَ، وَالآخَرُ يَشْكُو قَطْعَ السَّبِيلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمَّا قَطْعُ السَّبِيلِ فَإِنَّهُ لاَ يَأْتِي عَلَيْكَ إِلاَّ قَلِيلٌ حَتَّى تَخْرُجَ الْعِيرُ إِلَى مَكَّةَ بِغَيْرِ خَفِيرٍ، وَأَمَّا الْعَيْلَةُ فَإِنَّ السَّاعَةَ لاَ تَقُومُ حَتَّى يَطُوفَ أَحَدُكُمْ بِصَدَقَتِهِ لاَ يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا مِنْهُ، ثُمَّ لَيَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ وَلاَ تُرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ لَهُ: أَلَمْ أُوتِكَ مَالاً؟ فَلَيَقُولَنَّ: بَلَى. ثُمَّ لَيَقُولَنَّ: أَلَمْ أُرْسِلْ إِلَيْكَ رَسُولاً؟
стр. 5759
فَلَيَقُولَنَّ: بَلَى. فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلاَ يَرَى إِلاَّ النَّارَ، ثُمَّ يَنْظُرُ عَنْ شِمَالِهِ فَلاَ يَرَى إِلاَّ النَّارَ، فَلْيَتَّقِيَنَّ أَحَدُكُمُ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ".
قوله: "حتى يطوف أحدكم بصدقته، لا يجد مَنْ يقبلها منه" قد مرَّ ما قيل فيه في الحديثين اللذين قبله، ومرّ أن الذي في حديث عديّ يؤيد أن هذه الكثرة ليست من أشراط الساعة، بل هي الواقعة في زمن عمر بن عبد العزيز، وذلك لأن الذي رواه عَدِي ثلاثة أشياء، أمْن الطرق، والاستيلاء على كنوز كسرى، وفقد مَنْ يقبل الصدقة من الفقراء، فذكر عديّ أن الأوَّلَين وَقَعا، وشاهدهما. وأن الثالث سيقع، فكان كذلك بعد موت عدي، في زمن عمر بن عبد العزيز.
وقوله ﵊ في الحديث: "ولئن طالت بك حياةٌ، لتجدنَّ الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة، .. " إِلى آخره أدل دليل على ذلك. وقوله: "يشكو العَيْلة" بفتح العين المهملة، أي: الفقر، من عال إذا افتقر. قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ وقوله: قطع السبيل، هو من فساد قطاع الطريق. وقوله: "العِير" بكسر العين وسكون الياء: الإبل التي تحمل المِيْرة. وقيل: القافلة من الإبل والدوابّ، تحمل الطعام وغيره من التجارة. وأصلها عُيْر، بالضم، كسُقف وسِقف، إِلا أنه حوفظ على الياء بالكسرة، نحو عِين.
وقوله: "خَفير" بفتح الخاء المعجمة: المجير الذي يكون القوم في ضمانه وذمته. وقوله: "بين يدي الله" هو من المتشابهات، كاليمين ونحوه، والأمة في أمثالها طائفتان: المفوِّضة والمؤُوِّلة بما يناسبها. وقوله: "ولا تُرجمان" بضم التاء وفتحها والجيم مضمومة فيهما، والتاء أصلية، وقيل: زائدة، وقيل: بفتح الجيم، على وزن زَعْفران، وهذا على جهة التمثيل ليفهم الخطاب، فإن الله تعالى لا يحيط به شيء، ولا يحجبه، وإنما يستتر تعالى عن أبصارنا بما وضع فيها من الحجب، للعجز عن الإِدراك في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة كشف تلك الحجب عن أبصارنا، وقوّاها حتى نراه معاينة، كما نرى القمر ليلة البدر، كما ثبت في الأحاديث الصحاح.
وقوله: "فليتقينَّ أحدكم النار" وهذا أمر مؤكد بالنون الثقيلة وبلام الأمر، وفي رواية: "ولو بِشِق تمرة" بكسر المعجمة، نصفها أو جانبها، أي: ولو كان الاتقاء بالتصدُّق بِشِق تمرة واحدة، فإنه يفيد. وفي الطبرانيّ عن فَضَالة بن عبيد مرفوعًا: "اجعلوا بينكم وبين النار حجابًا، ولو بِشِق تمرة" ولأحمد عن ابن مسعود مرفوعًا بإسناد صحيح "ليتق أحدكم وجهه بالنار ولو بشق تمرة" وله عن عائشة بإسناد حسن "يا عائشة: استتري من النار، ولو بِشِق تمرة، فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان" ولأبي يعلى عن أبي بكر الصديق نحوه وأَتم منه، بلفظ: "تقع من الجائع موقعها من الشبعان" وكأنّ الجامع بينهما في ذلك الحلاوة.
وقوله: "فإن لم يجد فبكلمة طيبة" أي: فإن لم يجد أحدكم شيئًا يتصدق بيما على المحتاج، فليرده بكلمة طيبة، وهي التي فيها تطييب قلب، فدل على أن الكلمة الطيبة يُتّقى بها، كما أن
стр. 5760
الكلمة الخبيثة مستوجب بها النار. وفي الحديث الحث على الصدقة بما قل وما جل، وأن لا يحتقر ما يتصدق به، وأن اليسير من الصدقة يستر المتصدق من النار.
رجاله ستة:
قد مرّت منهم ثلاثة، وفيه لفظ رجلان مبهمان، مرّ عبد الله بن محمد المسنديّ في الثاني من الإيمان, ومرَّ أبو عاصم النبيل في أثر بعد الرابع من العلم، ومرّ عديّ بن حاتم في الأربعين من الوضوء، والباقي ثلاثة:
الأول: سعدان بن بشر، بكسر الباء الموحدة، ويقال: ابن بشير الجُهَنيّ القُبِّي، بضم القاف، الكوفيّ، ويقال: اسمه سعيد، وسعدان لقب له، ذكره ابن حِبّان في الثقات. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال ابن المدينيّ: لا بأس به، وقال الدارقطنيّ: ليس بالقويّ، روى عن سعد أبي مجاهد الطائيّ، ومحمد بن جحادة وكنانة مولى صفية، وروى عنه وكيع وإسماعيل بن محمد بن جحادة وأبو عاصم وغيرهم. والقُبَّيَّ، بضم القاف وشد الباء، في نسبه نسبة قُب، بطن من مراد، أو إلى قُبَّةِ الكوفة، وهي رَحَبَةٌ بها.
الثاني: أبو مجاهد سعد الطائيّ الكوفيّ، ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال أحمد بن حنبل: لا بأس به. وقال وكيع: كان ثقة، روى عن مُحِلّ بن خليفة وعطية العَوْفيّ، وعبد الرحمن بن سابط الجُمَحِيّ، وغيرهم. وروى عنه الأعمش وسِعدان الجهنيّ وإسرائيل وغيرهم.
الثالث: مُحِلّ، بضم الميم وكسر الحاء وتشديد اللام، ابن خليفة الطائيّ الكوفيّ. قال ابن مُعين وأبو حاتم والنَّسائي: ثقة، زاد أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حِبّان في الثقات. ووثَّقه ابن خُزيمة والدارقطنيّ. وقول ابن عبد البر في "التمهيد" إنه ضعيف - لم يُتابَعَ عليه. روى عن جده عديّ بن حاتم، وأبي السمح خادم النبي ﷺ ، ومِلحان بن زياد. وروى عنه أبو مجاهد الطائيّ وشُعبة والثوريّ وغيرهم.
لطائف إسناده:
فيه التحديث والإخبار بالجمع والسماع والقول، وشيخه من أفراده، ورواته ما بين بصريّ وكوفيّ وفيه ثلاثة طائيون. أخرجه البخاريّ أيضًا في علامات النبوءة، والنَّسائيّ في الزكاة، والرجلان المبهمان في الحديث، قال في "الفتح": لم أعرفهما.
الحديث التاسع عشر
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَطُوفُ الرَّجُلُ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ ثُمَّ لاَ يَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُهَا مِنْهُ، وَيُرَى الرَّجُلُ الْوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امْرَأَةً، يَلُذْنَ بِهِ
стр. 5761
مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ".
قوله: "من الذهب" خصه بالذكر مبالغةً في عدم مَنْ يقبل الصدقة، وكذا قوله: "يطوف ثم لا يجد مَنْ يقبلها" وقد مرَّ الكلام عليه في الأحاديث التي قبله. وقوله: "وُيرى الواحد ... إلخ" مرَّ الكلام عليه مستوفىً في باب رفع العلم من كتاب العلم.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرَّ محمد بن العلاء وأبو أُسامة في الحادي والعشرين مق العلم، ومرّت الثلاثة الباقية في الرابع من الإيمان.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالإفراد والجمع والعنعنة، ورواته كلهم كوفيون، وفيه ثلاثة مكيون، ورواية الابن عن أبيه. أخرجه مسلم أيضًا بهذا الإسناد. ثم قال المصنف:
стр. 5762
باب اتقوا النار ولو بِشِق تمرة والقليل من الصدقة ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ﴾ إلى قوله: ﴿فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾
قال الزين بن المنير وغيره: جمع المصنف بين لفظ الخبر، الآية، لاشتمال ذلك كله على الحث على الصدقة، قليلها وكثيرها فإن قوله تعالى: ﴿أَمْوَالَهُمُ﴾ يشمل قليل النفقة وكثيرها، ويشهد له قوله: "لا يحل مال أمرىء مسلم إلا عن طيب نفس" فإنه يتناول القليل والكثير، إذ لا قائل بحل القليل دون الكثير.
وقوله: "اتقوا النار ولو بِشِق تمرة" يتناول القليل والكثير أيضًا، والآية مشتملة أيضًا على قليل الصدقة وكثيرها، من جههْ التمثيل المذكور فيها بالطل والوابل، فشبهت الصدقة بالقليل بالطل، والصدقة بالكثير بالوابل. وأما ذكر القليل من الصدقة بعد ذكر شق التمرة، فهو من عطف العام على الخاص، ولهذا أورد في الباب حديث أبي مسعود الذي كان سببًا لنزول قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾.
وقال عز الدين بن عبد السلام: تقدير الآية، مَثَل تضعيف أجور الذين ينفقون كمَثَل تضعيف ثمار الجنة بالمطر، إن قليلًا فقليل، وإن كثيرًا فكثير. وكان البخاري اتبع الآية الأولى التي ضربت مثلًا بالربوة، بالآية الثانية التي تضمنت ضرب المثل لمن عمل عملاً يفقده أحوج ما كان إليه، للإشارة إلى اجتناب الرياء في الصدقة، ولأن قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ يشعر بالوعيد بعد الوعد، فأوضحه بذكر الآية الثانية. وكان هذا هو السر في اقتصاره على بعضها، اختصارًا. وها أنا أذكر معنى الآيات التي ذكر مُخْتَصِرًا.
وأما حديث: "اتقوا النار" فقد مرَّ الكلام عليه قريبًا في حديث عدي بن حاتم. وقوله: "ابتغاءَ مرضاة الله" الابتغاءُ الطلب. وقوله: "تثبيتًا" عطف على ابتغاء والتقدير: مبتغين ومتثبتين من أنفسهم بالإخلاص، وذلك ببذل المال الذي هو شقيق الروح، وبذله أشق على النفس من سائر العبادات الشاقة، وكأن إنفاق المال تثبيتًا لها على الإيمان واليقين.
وقال الزمخشريّ: يحتمل أن يكون المعنى: وتثبيتًا على أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة الإيمان، مُخْلَصَة فيه. وقال الشعبيّ: تثبيتًا من أنفسهم، أي تصديقًا أن الله سيجزيهم على ذلك أوفر الجزاء. وكذا قاله قتادة. وقال مجاهد والحسن: أي: يتثبتون أين يضعون صدقاتهم. وقال الحسن: كان الرجل إذا همَّ بصدقة تثبت، فإن كان لله أمضى، وإلا ترك. وقوله: الآية، أي: إلى
стр. 5763
آخره الآية. وهو قوله: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
وقوله: "كمثل جنة" خبر لقوله: مَثَل الذين ينفقون أي: كمثل بستان بربوة، وهي عند الجمهور المكان المرتفع المستوي من الأرض، وزاد ابن عباس والضحاك "وتجري فيه الأنهار" وفي الربوة ثلاث لغات في ثلاث قراآت، بضم الراء، وبها قرأ عامة أهل المدينة والحجاز والعراق. وبفتحها وهي قراءة بعض أهل الشام والكوفة. وبكسر الراء، ويقال إنها قراءة ابن عباس، وإنما سميت بذلك لأنها رَبَت وغَلُظت، من قولهم: ربا الشيء يربوا إذا زاد وانتفخ، وإنما خصت الربوة لأن شجرها أزكى وأحسن ثمرًا.
وقوله: "أصابها وابل" أي: مطر عظيم القطر شديد، وهي في محل جر؛ لأنها صفة ربوة. وقوله: "فآتت أُكُلها ضعفين" أي: ثَمَرها مِثْلَيْ ما كانت تثمر بسبب الوابل. وقوله: "فإن لم يصبها" أي: تلك الجنة التي بالربوة، فطل، أي: فالذي يصيبها طل، وهو أضعف المطر. وقيل: هو المطر الدائم الصفار القطر، الذي لا يكاد تسيل منه المتاعب، أي: هذه الجنة بهذه الربوة، لا تمحل أبدًا؛ لأنها إن لم يصبها وابل فطل، أيًا ما كان، فهو كفايتها. وكذلك عمل المؤمن، لا يبور أبدًا، بل يتقبله الله منه، ويكثره وينميه لكل عامل بحسبه، ولذا قال: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: لا يخفي عليه من أعمال عباده شيء.
وقوله: "وإلى قوله: ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ " أي: قوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ إلى آخرها. قال ابن أبي حاتم: قال ابن عباس: ضرب الله مثلًا حسنًا، وكل أمثاله حسن، أيود أحدكم ... إلى آخره، وهو متصل بقوله تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ وخص النخيل والأعناب بالذكر؛ لأنهما أكرم الشجر، وأكثره منافع. وتمام الآية: ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ الواو في "وأصابه" للحال، والإعصار هو الريح التي تستدير في الأرض ثم تَسْطَع نحو السماء كالعمود. وهذا مثل لمن يعمل الأعمال الحسنة لا يبتغي بها وجه الله، فإذا كان يوم القيامة وجدها مُحْبَطة، فيتحسر عند ذلك حسرةَ من كانت عنده جنة من أبهى الجِنان، وأجمعها للثمار، فبلغ الكبر، وله أولاد ضعاف، والجنة معاشهم ومنفعتهم، فهلكت بالصاعقة.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ يعني لما بين هذه الأمثال، لعلكم تتفكرون بهذه الأمثال، وتعتبرون بها، وتنزلونها على المراد منها، كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾.
الحديث العشرون
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ الْحَكَمُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ كُنَّا نُحَامِلُ،
стр. 5764
فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ فَقَالُوا: مُرَائِي. وَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ فَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَاعِ هَذَا. فَنَزَلَتِ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ الآيَةَ.
قوله: "لما نزلت آية الصدقة" كأنّه يشير إلى قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الآية. وقوله: "نُحامل" أي: نحمل على ظهورنا بالأُجرة. يقال: حاملت بمعنى حَمَلْت، كسافرت. وقال الخطابيّ: يريد نتكلف العمل بالأُجرة لنكتسب ما نتصدق به. ويؤيده قوله في الرواية الثانية التي بعد هذه، حيث قال فيها: انطلق أحدنا إلى السوق فيحامل، أي: يطلب الحبل بالأجرة.
وقوله: "فجاء رجل فتصدق بشيءٍ كثير" والرجل هو عبد الرحمن بن عَوف، ويأتي في السند محل ذكره. والشيء المذكور هو ثمانية آلاف، أو أربعة آلاف. وقوله: "وجاء رجل، سنذكر في السند ما قيل من الخلاف فيه، ونذكر تعريف من قيل إنه هو، وإنما حصل له الصالح لكونه آجر نفسه على النَّزْح من البئر بالحبل. وقوله: "فقالوا: سمى من اللّامزين" في مغازي الواقدي مُعتب بن قُشير وعبد الرحمن بن نُبْتل، بنون ثم موحدة ساكنة ثم مثناة مفتوحة ثم لام. وقوله: "يلمزون" أي: يعيبون. وقوله: "المُطَّوِّعينَ" أصله المتطوعين، أبدلت التاء طاء وأدغمت الطاء في الطاء. وشاهد الترجمة قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾.
رجاله ستة:
وفيه لفظ رجل مبهم مرتين، مرّت من رجاله أربعة، ومرّ أحد الرجلين المبهمين. مرَّ شعبة في الثالث من الإيمان، وسليمان بن مِهران في الخاص والعشرين منه، وأبو وائل في الحادي والأربعين منه، وأبو مسعود في الثامن والأربعين منه، والرجلان المبهمان: الأول منهما عبد الرحمن بن عوف، وقد مرَّ في السابع والخمسين من الجمعة، والباقي اثنان من السند، ورجل من المبهَمَين.
الأول: عُبيد الله بن سعيد بن يحيى بن بُرْد اليَشكُريّ، مولاهم، أبو قدامة السَّرخَسِيّ الحافظ، نزيل نَيْسابور. قال أبو حاتم: كان من الثقات، وقال أبو داود: ثقة، وقال النَّسائيّ: ثقة مأمون، قَلَّ من كتبنا عنه مثله. وقال إبراهيم بن أبي طالب: ما قدم علينا أثبت منه ولا أتقن. وذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال: هو الذي أظهر السنة بسَرْخَس، ودعا إليها. وقال يحيى بن محمد بن يحيى: حدثنا أبو قُدامة وكان إمامًا خيرًا فاضلًا. وقال ابن عَديّ: فاضل من أهل السنة. وقال مسلمة: ثقة مأمون. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على ثقته، وقال الحاكم: أبو قُدامة أحد أئمة الحديث، متفق على إمامته وحفظه وإتقانه.
وقد كان محمد بن يحيى روى عنه، ثُمّ ضرب على حديثه لا يخرج عنه، وسبب ذلك أن محمد بن يحيى دخل على أبي قدامة يومًا فلم يقم إليه. وفي الزهرة روى عنه البخاريّ ثلاثة عشر
стр. 5765
ومسلم، ثمانية وأربعين. روى عن عبد الله بن نُمير وابن عيينة وحمّاد بن زيد وغيرهم. وروى عنه الشيخان والنَّسائِيّ وأبو زرعة والذُّهلي وغيرهم. مات بَفَرْقَد سنة إحدى وأربعين ومئتين.
الثاني: أبو النعمان الحَكَم بن عبد الله الأنصاريّ، ويقال: القيسيّ بالقاف، ويقال العجليّ البصريّ. قال البخاريّ: حديثه معروف كان يحفظ. وقال الخطيب: كان ثقة معروفًا بالحفظ. وقال ابن حِبّان: كان حافظًا، وربما أخطأ. وقال الذُّهليّ: حدثنا أبو النعمان، وكان ثَبْتًا في شُعبة، عاجله الموت سمعت عبد الصمد يثبته، ويذكره بالضبط. وقال ابن عديّ: له مناكير لا يتابع عليها.
وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: كان يحفظ وهو مجهول. قال في المقدمة: ليس بمجهول من روى عنه أربعة ثقات، ووثقه العجلي وغيره، ومع ذلك لم يرو عنه البخاريّ سوى هذا الحديث الواحد في الزكاة. روى عن سعيد بن أبي عرَوبة وشُعبة ويزيد بن زريع وغيرهم. وروى عنه أبو قُدامة السَّرْخَسِيّ، وأبو موسى ومحمد بن المُنهال وغيرهم.
والرجل الثاني المبهم، قيل: هو أبو عقيل الأنصاري، سماه قتادة حَثْحَاث، بمهملتين مفتوحتين ومثلثتين، الأولى ساكنة. أخرج الطبريّ "جاء عبد الرحمن بن عوف بنصف ماله، أربعة آلاف درهم، وأقبل رجل من فقراء المسلمين من الأنصار يقال له الحثحاث أبو عقيل، فقال: يا رسول الله، بن أجر الجرير علي صاعين من تمر، فأما صاع فامسكته لعيالي، وأما صاع فها هو هذا. فقال المنافقون: إنْ كان الله ورسولُه لَغنيين عن صاع أبي عقيل. وثبت ذكره في الصحيح من حديث ابن مسعود قال: لما أمرنا بالصدقة، كنا نتحامل، فتصدق أبو عقيل بنصف صاع، وجاء إنسان بأكثر من ذلك.
وقيل: إن اسمه سَهْل بن رافع بن أبي عمرو بن عائذ بن ثَعْلبة بن غنم بن مالك بن النجَّار الأنصاريّ، الخزرجيّ، يقال: إنه شهد أُحدًا، ومات في خلافة عمر. وروى عن سعيد بن عثمان البَلَوِيّ عن جدته بنت عَدِيّ أن أُمها عُميرة بنت سَهل بن رافع صاحب الصالح الذي لمزه المنافقون، خرج بزكاته صاع تمر، وبابنته عُميرة إلى النبي ﷺ فقال: ادع الله لي ولها بالبركة، فمالي غيرها، فوضع يده عليها فدعا لها. أخرجه الطبراني في الأوسط.
وزعم ابن الكلبيّ أنه أخو سهيل، وأنهما صاحبا المَرْبِد الذي كان موضع المسجد، وأما ابن إسحاق فقال: إن صاحبي المسجد سهَل وسُهيل ابنا عمرو.
وقيل: سهل بن رافع بن خَريج بن مالك بن غنم بن سَرِيّ بن سَلَمة بن أُنَيْف البَلَويّ الأراشِيّ، حليف بني عمرو بن الأنصاري. قال ابن الكلبي في الجَمهرة: هو صاحب الصالح الذي لمزه المنافقون. وقال ابن عبد البَرّ أيضًا: هو صاحب الصالح، ويقال له صاحب الصاعين، لمّا أتى بصاعي تمر زكاة ماله. وفيه نزلت: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية.
وقيل: اسمه عبد الرحمن بن بَيْجان بموحدة ثم تحتانية ساكنة ثم جيم، وقيل بسين مهملة بدل
стр. 5766
الموحدة، وقيل بنون أوله وآخره حاء مهملة، أبو عقيل صاحب الصالح، ونسبه ابن الكلبي إلى جده الأعلى بيجان، وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن ثعلبة بن بيجان بن عامر بن الحارث بن مالك بن أُنَيف بن جُشَم البَلَوِيّ، حليف بني مَحْجبى من الأنصار.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواية تابعيّ عن تابعيّ عن الصحابيّ. أخرجه البخاري في الزكاة أيضًا، وفي التفسير، ومسلم في الزكاة أيضًا، والنَّسائيّ فيها وفي التفسير، وابن ماجه في الزهد.
الحديث الحادي والعشرون
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ انْطَلَقَ أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ فَتَحَامَلَ فَيُصِيبُ الْمُدَّ، وَإِنَّ لِبَعْضِهِمُ الْيَوْمَ لَمِائَةَ أَلْفٍ.
قوله: "فيُحامل" بضم التحتانية واللام، بلفظ المضارع من المفاعلة، ويروى بفتح المثناة وفتح اللام أيضًا، بلفظ الماضي من التفاعل. ويؤيده قوله في رواية زائدة الآتية في التفسير "فيحتال أحدنا حتى يجيء بالمُدّ". وقوله: "فيصيب المُدَّ" أي: في مقابلة أجرته، فيتصدق به. وقوله: "وإن لبعضهم اليوم لمئة ألف" زاد في التفسير، "كأنه يعرض بنفسه" وأشار بذلك إلى ما كانوا عليه في عهد النبي ﷺ من قلة الشيء، وإلى ما صاروا إليه بعده من التوسع لكثرة الفتوح، ومع ذلك فكانوا في العهد الأول يتصدقون بما يجدون، ولو جهدوا. والذين أشار إليهم آخرًا بخلاف ذلك، وفي شرح مغلطاي بخطه: وإن لبعضهم اليوم ثمانية آلاف، وهو تصحيفٌ.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرَّ سعيد بن يحيى وأبو يحيى في الرابع من الإيمان، ومرَّ الأعمش في الخامس والعشرين منه، وأبو وائل في الحادي والأربعين منه، ومرَّ أبو مسعود في الثامن والأربعين منه. وقد مرّت مواضع في الذي قبله.
الحديث الثاني والعشرون
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْقِلٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ".
هذا الحديث فيه لفظ الترجمة، وهو طرف من حديثه المذكور في الباب قبله، وقد مرَّ الكلام
стр. 5767
عليه هناك.
رجاله خمسة:
قد مرّوا إلّا عبد الله بن مَعْقِل، مرَّ سليمان بن حرب في الرابع عشر من الإيمان، وشعبة في الثالث منه، وأبو إسحاق السَّبيعي في الثالث والثلاثين منه، وعديّ بن حاتم في الأربعين من الوضوء.
وعبد الله هو ابن مَعْقِل، بفتح الميم وكسر القاف، بن مُقْرن، أبو الوليد الكوفيّ المُزَنيّ. قال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة، من خيار التابعين. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وذكره ابن حيّان في الثقات. روى عن أبيه وعلي وابن مسعود وعديّ بن حاتم وغيرهم. وروى عنه أبو إسحاق السبيعي، وأبو إسحاق الشَّيبانيّ وعبد الملك بن عُمير وغيرهم. مات بالبصرة سنة بضع وثمانين، وقيل بأنقرة غازيًا.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول والسماع، ورواته شيخه، بصريّ قاضي مكة، وواسطيّ وكوفيان. أخرجه مسلم في الزكاة أيضًا.
الحديث الثالث والعشرون
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَتِ امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا تَسْأَلُ، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا، فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْنَا، فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: "مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ".
مناسبة الحديث للترجمة من جهة أن الأم المذكورة، لما قسمت التمرة بين ابنتيها صار، لكل واحدة منهما شق تمرة، وقد دخلت في عموم خبر الصادق أنها ممن ستر من النار؛ لأنها ممن ابتلي بشيء من البنات, فأحسن إليهنّ. ومناسبة فعل عائشة للترجمة من قوله: "والقليل من الصدقة"، وللآية من قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ لقولها في الحديث: "فلم تجد عندي إلا تمرة". وهذا الحديث يأتي في الأدب في باب "رحمة الولد وتقبيله".
وفيه التقييد بالإحسان، ولفظه: "مَنْ ابتُلِيَ من البنات بشيء، فأحسن إليهن كن له سترًا من النار" وقوله: "جاءت امرأة معها ابنتان" سقطت الواو من قوله "معها" لغير أبي ذَرٍّ. قال في "الفتح": لم أقف على أسمائهن. وقوله: "فحدثته" هكذا في رواية عُروة هنا، وفي رواية عِراك عن عائشة عند مسلم "جاءتني مِسكينة تحمل ابنتين لها، فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدةٍ منهن تمرة،
стр. 5768
ورفعت تمرة إلى فيها لتأكلها، فاستطعمتها ابنتاها، فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها، فأعجبني شأنها ... " الحديث.
وللطبرانيّ من حديث الحسن بن علي نحوه، ويمكن الجمع بأن مرادها بقولها في حديث عروة هنا "فلم تجد عندي غير تمرة واحدة" أي: أخصها بها، ويحتمل أنها لم يكن عندها في أول الحال سوى واحدة، فأُعْطِيَتْها، ثم وجدت اثنتين، ويحتمل تعدد القصة. وفي رواية عُروة هنا "من ابتُلي بشيء من هذه البنات" وفي رواية الأدب "من يلي من هذه البنات شيئًا" بتحتانية مفتوحة أوله، من الولاية، واختلف في المراد بالابتلاء، هل هو نفس وجودهنّ؟ أو ابتلى بما يصدر منهن؟ وكذلك، هل هو على العموم في البنات؟ أو المراد من اتصف منهن بالحاجة إلى ما يفعل به؟
وقوله في رواية الأدب: "فأَحْسَنَ إليهنَّ" مشعر بأن المراد بقوله في أول الحديث من هذه "أكثر من واحدة"، وفي حديث أنس عند مسلم "مَنْ عال جاريتين" ولأحمد عن أُم سلمة "مَنْ أنفق على البنتين أو أختين، أو ذاتي قَرابة، يُحْتَسب عليهما" والواقع في أكثر الروايات بلفظ "الإحسان" وفي رواية عبد المجيد "فصبر عليهن" ومثله في الأدب المفرد عن عُقبة بن عامر. وكذا في ابن ماجه، وزاد "وأطعمهنّ وسقاهنّ وكساهنّ" وعند الطبراني عن ابن عباس "فأنفق عليهنَّ وزوجهنَّ وأحسنَ أَدَبهنّ" وعند أحمد عن جابر، وفي الأدب المفرد "يؤدبهنَّ ويرحمهنّ ويكْفُلُهنّ" زاد الطبريّ فيه "ويزوجهنَّ" وله نحوه عن أبي هريرة في الأوسط" وللتِّرمذيّ.
وفي الأدب المفرد عن أبي سعيد "فأحسن صحبتهن، واتقى الله فيهنَّ" وهذه الأوصاف يجمعها لفظ "الإحسان الذي اقتصر عليه في رواية الأدب. واختلف في المراد بالإحسان هل يُقتصر فيه على قدر الواجب أو بما زاد عليه؟ والظاهر الثاني، فإن عائشة أعطت المرأة التمرة، فآثرت بها ابنتيها، فوصفها النبي ﷺ بما أشار إليه من الحكم المذكور بالإحسان، فدل على أن مَنْ فعل معروفًا لم يكن واجبًا عليه، أو زاد على قدر الواجب عليه عُدّ مُحسنًا، والذي يقتصر على الواجب، وإن كان يوصف بكونه محسنًا، لكن المراد من الوصف المذكور قدر زائد، وشرط الإحسان أنْ يوافق الشرع لا ما خالفه. والظاهر أن الثواب المذكور إنما يحصل لفاعله إذا استمر إلى أن يحصل استغناؤهن عنه بزوج أو غيره، كما أشير إليه في بعض ألفاظ الحديث.
والإحسان إلى كل أحد بحسب حاله، وقد جاء أن الثواب المذكور يحصل لمن أحسن لواحدة فقط، ففي حديث ابن عباس المتقدم: "فقال رجل من الأعراب: أو اثنتين؟ فقال: أو اثنتين". وفي حديث عوف بن مالك عند الطبرانيّ: فقالت امرأة، وفي حديث جابر "فقيل" وفي حديث أبي هُريرة "قلنا" وهذا يدل على تعدد السائلين. وزاد في حديث جابر "فرأى بعض القوم" أن لو قال: "وواحدة". وفي حديث أبي هُريرة: "قلنا وثنتين؟ قال: وثنتين. قلنا: وواحدة؟ قال: وواحدة".
وشاهده حديث ابن مسعود، رفعه "مَنْ كانت له ابنة فأدبها فأحسن تأديبها، وعلّمها فأحسن
стр. 5769
تعليمها، وأوسع عليها من نعمة الله التي أوسع عليه" أخرجه الطبرانيّ بسند واهٍ. وقوله: "كنّ له سترًا من النار" كذا في أكثر الأحاديث التي أشرت إليها. وفي رواية عبد المجيد: "حجابًا" وهو بمعناه.
وفي الحديث شدة حرص عائشة على الصدقة امثتالًا لوصيته ﵊ لها، حيث قال: "لا يرجع من عندكِ سائلٌ ولو بشق تمرة". رواه البزار عن أبي هريرة. وفيه تأكيد حق البنات، لما فيهن من الضعف غالبًا عن القيام بمصالح أنفسهن، بخلاف المذكور لما فيهم من قوة البدن، وجزالة الرأي، وإمكان التصرف في الأمور المحتاج إليها في أكثر الأحوال.
قال ابن بطال: وفيه جواز سؤال المحتاج، وسخاء عائشة لكونها لم تجد إلا تمرة فآثرت بها، وأن القليل لا يمنع التصدق به لحقارته، بل ينبغي للمتصدِّق أن يتصدق بما تيسر له، قل أو كثُر. وفيه جواز ذكر المعروف ان لم يكن على وجه الفخر والمن، وقال النووي تبعًا لابن بطال: إنما سماه ابتلاءً لأن الناس يكرهون البنات، فجاء الشرع يزجرهم عن ذلك، ورغّب في إبقائهن وترك قتلهن، بما ذكر من الثواب الموعود به من أَحْسَن إليهن، وجاهد نفسه في الصبر عليهن.
وفي شرح التِّرْمِذِيّ للعراقيّ أو البلقينيّ: يحتمل أن يكون معنى الابتلاء هنا الاختبار، أي من اختبر بشيء من البنات، لينظر ما يفعل الحسن عليهن، أو يسيء. ولهذا قيده في حديث أبي سعيد بالتقوى، فإن مَنْ لا يتقِ الله لا يأمن أن يتضجر بمن وَكَلَه الله إليه، أو يقصر عمّا أُمر بفعله أولًا، يقصد بفعله امتثال أمر الله تعالى، وتحصيل ثوابه.
رجاله سبعة:
قد مرّوا، وفيه ذكر امرأة مبهمة وابنتيها. وقد قال الحافظ ابن حجر: لم أعرفها ولا ابنتيها، وقد مرَّ بشر بن محمد وعبد الله بن المبارك في السادس من بدء الوحي، ومرَّ معمر في متابعة بعد الرابع منه، والزهري في الثالث منه، وعروة وعائشة في الثاني منه، ومرَّ عبد الله ابن أبي بكر بن حَزْم في الرابع والعشرين من الوضوء.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإفراد والإخبار بالجمع والعنعنة والقول. أخرجه البخاريّ أيضًا في الأدب، ومسلم فيه، والتِّرمِذِيّ في البِر، وقال: حسن صحيح. ثم قال المصنف:
стр. 5770
باب فضل صدقة الشحيح الصحيح
لقوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ الآية. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾ الآية.
هكذا الترجمة لأبي ذَرٍّ ولغيره، أي الصدقة أفضل، وصدقة الشحيح الصحيح، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآية، فعلى الأول المرادُ فضل مَنْ كان كذلك على غيره، وهو واضح. وعلى الثاني كأنه تردد في إطلاق أفضلية مَنْ كان كذلك، فأورد الترجمة بصيغة الاستفهام .. قال الزين بن المنير ما ملخصه: مناسبة الآية للترجمة أن معنى الآية التحذير من التسويف بالإنفاق استبعادًا لحلول الأجل، واشتغالًا بطول الأمل، والترغيب في المبادرة بالصدقة قبل هجوم المنية، وفوات الأمنية.
والمراد بالصحة في الحديث مَنْ لم يدخل في مرض مخوفٍ، فيتصدق عند انقطاع أمله من الحياة، كما أشار إليه في آخره بقوله: "ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم". ولما كانت مجاهدة النفس على إخراج المال مع قيام مانع الشح، وإلا على صحة القصد وقوة الرغبة في القربة، كان ذلك أفضل من غيره، وليس المراد أن نفس الشح هو السبب في هذه الأفضلية. وفي رواية غير أبي ذرٍّ تقديمُ آية المنافقين على آية البقرة، وفي رواية أبي ذرٍّ بالعكس.
وقوله في الآية: ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ بتشديد الصاد، أصله فأتَصَدق، أي: أُزكّي، أُبدلت التاء صادًا وأدغمت الصاد في الصاد، أو المعنى افعل ما يفعل المصَّدِّقون. وروى الضَّحَّاك عن ابن عباس أنه قال: مَنْ كان له مال تجب فيه الزكاة، ولم يزكِّهِ، أو مال يبلغه بيت ربه فلم يحج، سَأَلَ عند الموت الرجعةَ، فقال له رجل: اتقِ الله يا ابن عباس، إنما سألت الكفارُ الرجعةَ، قال ابن عباس: إني أقرأ عليك بهذا القرآن، وقوله: ﴿يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾ أي: لا بدل فيه، وذكر لفظ البيع لما فيه من المعاوضة، وأخذ البدل. "ولا خلة" أي: ليس خليل ينفع في ذلك اليوم، والكافرون هم الظالمون؛ لأنهم وضعوا العبادة في غير موضعها، وعَوّلوا على شفاعة الأصنام. وروى ابن أبي حاتم عن عطاء بن دينار أنه قال: الحمد لله الذي قال: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. ولم يقل والظالمون هم الكافرون.
стр. 5771
الحديث الرابع والعشرين
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: "أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى، وَلاَ تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ" قُلْتَ لِفُلاَنٍ كَذَا، وَلِفُلاَنٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلاَنٍ.
قوله: "جاء رجل" لم يعرف، ويحتمل أنه أبو ذَرٍّ لما في مسند أحمد عنه أنه سأل: أي الصدقة أفضل؟ لكن في الجواب جهد من مقل أو سؤال فقير، وكذا روى الطبرانيّ عن أبي أمامة، أن أبا ذَرٍّ سأل فأُجيب. ويأتي في السند محل تعريفه. وقوله: "أي الصدقة أعظم أجرًا؟ " وفي الوصايا: أي الصدقة أفضل؟ وقوله: "أنْ تَصَّدَّقَ" بتشديد الصاد، وأصله تتصدق، فأُدغمت إحدى التاءين في الصاد بعد إبدالها صادًا، وبتخفيف الصاد على حذف إحدى التاءين.
وقوله: "وأنت صحيح شحيح" في الوصايا: "وأنت صحيح حريص". قال صاحب المنتهى: الشح بخلٌ مع حِرص. وقال صاحب المحكم: الشُّح مثلث الشين، والضم أعلى. وقال صاحب الجامع: الفتح في المصدر، والضم في الاسم. وقال الخطابيّ فيه: إن المرض يقصر يد المالك عن بعض ملكه، وإن سخاوته بالمال في مرضه لا تمحو عنه شيحة البخل، فلذلك شَرَط صحة البدن في الشح بالمال؛ لأنه في الحالتين يجد للمال وقعًا في قلبه، لما يأمل من البقاء، فيحذر معه الفقر. قال ابن بطّال وغيره: لما كان الشح غالبًا في الصحة، فالسماح فيه أصدق في النية، وأعظم للأجر، بخلاف مَنْ فيض من الحياة، ورأى مصدر المال لغيره.
وقوله: "تأمُل الغنى" بضم الميم، أي: تطمع. وقوله: "ولا تمهلْ" بالإسكان على أنه نهى، وبالرفع على أنه نقى. وتجوز النصب. وقوله: "إذا بلغت" أي: الروح، والمراد قاربت بلوغه، أذ لو بلغت حقيقة لم يصح شيء من تصرفاته، ولم يجد للروح ذكر استغناءًا بدلالة السياق، والحلقوم مجرى النَّفَس. وقوله: "قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان" الظاهر أن هذا المذكور على سبيل المثال، وقال الخطابي: فلان الأول والثاني الموصى له، وفلان الأخير الوارث؛ لأنه إن شاء أبطله، وإن شاء أجازه.
وقال غيره: يحتمل أن يكون المراد بالجميع من يوصي له، وإنما أدخل "كان" في الثالث إشارة إلى تقدير القدر له بذلك، وقال الكرمانيّ: يحتمل أن يكون الأول الوارث، والثاني الموروث، والثالث الموصى له. ويحتمل أن يكون بعضها وصية، وبعضها إقرارًا. وعند الإسماعيليّ: قلت: اصنعوا لفلان كذا، وتصدقوا بكذا. وفي حديث بُسر بن جِحاش، بضم الباء في الابن وكسر الجيم
стр. 5772
وحاء مهملة في الأب، عند أحمد وابن ماجه، وصححه، واللفظ له "قال: بزق النبي ﷺ في كفه، ثم وضع أُصبعه السَّبَّابةَ، وقال؟ يقول الله: أنِّى يعجزني ابن آدم، وقد خلقتك من قبل من مثل هذه، فإذا بلغت نفسك إلى هذه، وأشار إلى حلقه، قلت: أتصدق، وأَنَّى أوانُ الصدقة".
وزاد في رواية "حتى إذا سويتك وعدلتك، مشيت بين بُرْدَين، وللأرض منك وثيدٌ، فجمعتَ ومنعتَ، حتى إذا بلغت التّراقي قلت: لفلان كذا، وتصدقوا بكذا". وفي الحديث أن تنجيز وفاء الدين والتصدق في الحياة وفي الصحة أفضل منه بعد الموت. وفي المرض. وأشار ﷺ إلى ذلك بقوله: "وأنت صحيح حريص" إلى آخره؛ لأنه في حال الصحة يصعب عليه إخراج المال غالبًا، لما يخوِّفُه به الشيطان، ويزين له من إمكان طول العمر، والحاجة إلى المال. كما قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ الآية، وأيضًا فإن الشيطان رُبما زيَّن له الحَيْفَ في الوصية، أو الرجوع عن الوصية، فيتمحض تفضيل الصدقة الناجزة.
وقال بعض السلف عن بعض أهل الترف: يعصون الله تعالى في أموالهم مرتين، يبخلون وهي في أيديهم، يعني في الحياة، ويسرفون فيها إذا خرجت من أيديهم، يعني بعد الموت؛ وأخرج التِّرمِذِيّ بإسناد حسن، وصححه ابن حِبّان عن أبي الدَّرداء مرفوعًا "الذي يعتق ويتصدق بعد موته، مثل الذي يهدي إذا شبع" وهو يرجع إلى معنى حديث الباب. وروى أبو داود، وصححه ابن حِبّان عن أبي سعيد الخُدْرِيّ مرفوعًا "لأنْ يتصدقَ الرجل في حياته وصحته بدرهم، خيرٌ له من أن يتصدق عند موته بمئة".
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرَّ موسى بن إسماعيل في الخامس من بدء الوحي، ومرّ عبد الواحد بن زياد وعمارة وأبو زرعة في التاسع والعشرين من الإيمان، وأبو هريرة في الثاني منه، والرجل المبهم في الحديث قيل: إنه أبو ذَرٍّ الغفاريّ، وقد مرّ في الثالث والعشرين من الإيمان أيضًا.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع في الإسناد كله، وهذا لم يوجد قبل، وفيه القول، وشيخه وشيخ شيخه بَصْريان، وعِمارة وأبو زرعة كوفيان. أخرجه البخاريّ أيضًا في الوصايا، ومسلم والنَّسائيّ في الزكاة. ثم قال المصنف:
стр. 5773
باب
كذا للأكثر، وبه جزم الإسماعيليّ، وسقط لأبي ذَرٍّ، فعلى روايته هو من ترجمة فضل صدقة الصحيح، وعلى رواية غيره فهو بمنزلة الفصل منه، وأورد فيه المصنف قصة سؤال أزواج النبي ﷺ أيتهن أسرع لحوقًا به؟ وفيه قوله لهنَّ: "أطولكنّ يدًا ... " الحديث، ووجه تعلقه بما قَبْلَه أنَّ هذا الحديث تضمّنَ أن الإيثار والاستكثار من الصدقة في زمن القدرة على العمل، سببٌ للحاقِ بالنبي ﷺ ، وذلك الغاية في الفضيلة. قاله الزين بن المنير.
وقال ابن رشيد: وجه المناسبة أنه تبيَّن في الحديث أنّ المراد بطول اليد، المقتضي للحاق به، الطولُ وذلك إنما يتأتى للصحيح؛ لأنه إنما يحصل بالمداومة في حال الصحة، وبذلك يتم المراد.
الحديث الخامس والعشرون
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ فِرَاسٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ رضى الله عنها أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ قُلْنَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا؟ قَالَ: "أَطْوَلُكُنَّ يَدًا". فَأَخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا، فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا، فَعَلِمْنَا بَعْدُ أَنَّمَا كَانَتْ طُولَ يَدِهَا الصَّدَقَةُ، وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا لُحُوقًا بِهِ وَكَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ.
قوله: " إن بعض أزواج النبي ﷺ " قال في "الفتح": لم أقف على تعيين المُسائلة منهن عن ذلك، إلا عند أبي عُوانة بهذا السند، قالت: فقلت، بالمثناة، وأخرجه النَّسائيّ من هذا الوجه بلغظ "فقلن" بالنون، وقوله: "أسرع بك لحوقًا" منصوبًا على التمييز. وكذا قوله: "يدًا" وأطولُكن مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف. وقوله: "فأخذوا قصبة يَذْرَعونها" أي: يَقَدِّرونها بذراع كل واحدة منهن، وإنما ذكره بلفظ جمع المذكر بالنظر إلى لفظ الجمع، لا بلفظ جماعة النساء. وقد قيل في قول الشاعر:
وإن شئت حرمت النساءَ سواكم
إنه ذكره بلفظ جمع المذكر تعظيمًا. وقوله: "أطولكن" يناسب ذلك، وإلّا لقال: طُولاكُنّ.
وقوله: "فكانت سَوْدَة" زاد ابن سعد "بنت زمعة بن قيس". وقوله: "أطولهن يدًا" في رواية عفّان عند ابن سعد "ذراعًا" وهي تعين أنهن فهمن من لفظ اليدِ الجارحةَ. قلت: كذلك لفظ "قَصَبة
стр. 5774
يذرعونها" الوارد في حديث الباب، يعين ذلك. وقوله: "فكانت أسرعنا" كذا وقع في الصحيح بغير تعيين، وفي التاريخ الصغير للمصنف عن موسى بن إسماعيل، بهذا الإسناد، فكانت سودةُ أسرعنا .. إلخ. وكذا في رواية عفان عند أحمد وابن سعد، عنه، وقد ساقه يحيى بن حمّاد عن أبي عُوانة مختصرًا ولفظه: "فأخذنَ قصبة يتذارعنها، فماتت سَوْدة بنت زمعة، وكانت كثيرة الصدقة، فعلمنا أنه قال أطولكن يدًا بالصدقة" هذا لفظ عند ابن حِبّان. ولفظه عند النَّسَائيّ: "فأخذنَ قصبة، فجعلنَ يذرعنها، فكانت سَودة أسرعهن به لحوقًا، وكانَت أطولهن يدًا، وكان ذلك من كثرة الصدقة".
وهذا السياق لا يحتمل التأويل، إلا أنه محمول على ما يأتي ذكره من دخول الوهم على الراوي في التسمية خاصة، فقد قال ابن سعد: قال لنا الواقديّ هذا الحديث، وهو في سَودة وإنما هو في زينب بنت جَحش، فهي أول نسائه به لُحوقًا، وتوفيت في خلافة عمر، وبقيت سودة إلى أن توفيت في خلافة معاوية، في شوال سنة أربع وخمسين. وقال ابن بطال: هذا الحديث سقط منه ذكر زينب، لاتفاق أهل السير على أن زينب أول مَنْ مات من أزواج النبي ﷺ ، يعني أن الصواب: فكانت زينب أسرعنا إلخ، ولكان يعكر على هذا التأويل تلك الروايات المتقدمة، المصرحة بأن الضمير لسَوَدة.
وفي خط الحافظ أبي علي الصدقي ظاهر هذا اللفظ، أن سودة كانت أسرع، وهو خلاف المعروف عند أهل العلم من أن زينب أوّل مَنْ مات من الأزواج. ثم نقله عن مالك من روايته عن الواقدي قال: ويقويه رواية عائشة بنت طلحة، وهي آتية. وقال ابن الجَوزيّ: هذا الحديث غلط من بعض الرواة، والعجب من البخاري كيف لم ينبه عليه، ولا أصحاب التعاليق، ولا عَلِم بفساد ذلك الخطّابيُّ، فإنّه فسره وقال: لُحوق سَودة به من أعلام النبوءة، وكل ذلك وهم، وإنما هي زينب، فإنها كانت أطولهن يدًا بالعطاء، كما رواه مسلم عن عائشة بنت طلحة عن عائشة بلفظ: "فكانت أطولنا يدًا زينب؛ لأنها كانت تعمل وتتصدق".
وقد جمع بعضهم بين الروايتين، فقال الطيبي: يمكن أن يقال في رواه البخاريّ: المراد الحاضرات من أزواجه دون زينب، وكانت في نسب أوّلهنَّ موتًا، لكن يعكر على هذا أن في رواية يحيى بن حماد عند ابن حِبّان أنَّ نِساء النبي ﷺ اجتمعن عنده، لم تغادر منهن واحدة، ثم هو مع ذلك إنما يتأتى على أحد القولين في وفاة سَودة، فقد روى البخاري في تاريخه بإسناد صحيح عن هلال بن سعيد أنه قال: ماتت سَودة في خلافة عمر، وجزم الذهبيّ في "التاريخ الكبير" بأنها ماتت في آخر خلافة عمر.
وقال ابن سيد الناس: إنه المشهور، وهذا يخالف ما أطلقه الشيخ محي الدين، حيث قال: أجمع أهل السير على أن زينت أوّل مَنْ مات من أزواجه، وسبقه إلى نقل الاتفاق ابن بطّال، كما مرَّ، ويمكن الجمع بأن النقل مقيد بأهل السير، فلا يرد نقل قول من خالفهم من أهل النقل ممن
стр. 5775
لا يدخل في أهل السير، وأما على قول الواقديّ الذي تقدم، فلا يصح، وقد تقدم عن ابن بطال أن الضمير في قوله: "فكانت" لزينب، وقد مرّ ما يعكر، لكن يمكن أن يكون تفسيره بسودة، من بعض الرواة، لكون غيرها لم يتقدم له ذكر، فلما لم يطلع على قصة زينب، وكونها أوّل الأزواج لُحوقًا به، جعل الضمائر كلها لسَودة، وهذا من أبي عوانة، فقد خالفه في ذلك ابن عُيينة عن فِراس.
وروى يونس بن بكير في زيادات المغازي، والبيهقيّ في الدلائل عن الشعبيّ التصريحَ بأن ذلك لزينب عن عائشة، ولفظه: "قلنا النسوة لرسول الله ﷺ : أينا أسرع بك لُحُوقًا؟ قال: أطولكن يدًا، فأخذنَ يتذارعنَ أيتهنَّ أطول يدًا، فلما توفيت زينب، علمن أنها كانت أطولهن يدًا في الخير والصدقة".
ويؤيده ما روى الحاكم في مستدركه، وقال: على شرط مسلم عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ لأزواجه: "أسرعكن لُحوقًا بي أطولكن يدًا، قالت عائشة: فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا، بعد وفاة النبي ﷺ ، نمد أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيتْ زينب بنت جحش، وكانت امرأة قصيرة، ولم تكن أطولنا، فعرفنا حينئذ أن النبي ﷺ إنما أراد بطول اليد الصدقةَ، وكانت زينب امرأة صناعة باليد، وكانت تدبغ وتَخْرِزُ، وتَصَدَّق في سبيل الله". وهذه رواية مفسِّرة مبيِّنة مرجِّحة لرواية عائشة بنت طلحة في أمر زينب.
قال ابن رشيد: والدليل على أن عائشة لا تعني سَودة قولها: "فعلمنا بعد" إذ قد أخبرت عن سَودة بالطول الحقيقي، ولم تذكر سبب الرجوع عن الحقيقة إلى المجاز إلا الموت، فإذا طلب السامع سبب العدول، لم يجد إلا الإضمار، مع أنه لم يصلح أن يكون المعنى "فعلمنا بعد" أن المخبر عنها، إنما هي الموصوفة بالصدقة، لموتها قبل الباقيات، فينظر السامع ويبحث، فلا يجد إلا زينب، فيتعين الحمل عليه، وهو من باب إضمار ما لا يصلح غيره، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾.
قال الزين بن المنير: وجه الجمع أن قولها: "فعلمنا بعد" يشعر إشعارًا قويًا أنهن حملن طول اليد على ظاهره، ثم علمن بعد ذلك خلافه، وأنه كناية عن كثرة الصدقة، والذي علمنه آخرًا خلاف ما اعتقدنه أولًا، وقد انحصر الثاني في زينب، للاتفاق على أنها أولهن موتًا، فتعين أن تكون هي المرادة، وكذلك بقية الضمائر بعد قوله: "فكانت"، واستغنى عن تسميتها لشهرتها بذلك.
وقال الكرمانيّ: يحتمل أن يقال: إن في الحديث اختصارًا أو اكتفاءًا بشهرة القصة لزينب، أو يؤول الكلام بأنَّ الضمير راجع إلى المرأة التي علم رسول الله ﷺ أنها أول مَنْ يلحق به، وكانت كثيرة الصدقة. والأول هو المعتمد وكان هذا هو السر في كون البخاري حذف لفظ سودة من سياق الحديث، لما أخرجه في الصحيح، لعلمه بالوهم فيه، وأنه لما ساقه في "التاريخ" بإثبات ذكرها، ذكر ما يرد عليه عن الشعبيّ عن عبد الرحمن بن أبزى قال: صليت مع عمر على أُم المؤمنين زينب
стр. 5776
بنت جَحش، وكانت أول نسائه لُحوقًا به. وقد مرَّ تعريفها في الجنائز أن موتها كانت سنة عشرين، وروى ابن سعد عن بَرْزَة بنت رافع قالت: لما خرج العطاء أرسل عمر إلى زينب بنت جَحش بالذي لها، فتعجبت، وسترته بثوب، وأمرت بتفرقته، إلى أن كشف الثوب، فوجدت تحته خمسة وثمانين درهمًا، ثم قالت: اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا، فماتت، فكانت أوّل أزواج النبي ﷺ لُحوقًا به.
وروى ابن أبي خيثمة عن القاسم بن مَعْن قال: كانت زينب أوّل نساء النبي ﷺ لُحُوقًا به، فهذه روايات يعضِّد بعضها بعضًا، ويحصل من مجموعها أن في رواية أبي عوانة وهمًا كما مرَّ.
وفي الحديث علم من أعلام النبوءة ظاهر، وفيه جواز إطلاق اللفظ المشترك بين الحقيقة والمجاز بغير قرينة، وهو لفظ "أطولكن" إذا لم يكن محذورٌ قال الزين بن المنير: لما كان السؤال عن آجالٍ مقدرة لا تُعلم إلا بالوحي، أجابهنّ بلفظ غير صريح، وأحالهن على ما لا يتبين إلا باخره، وساغ ذلك لكونه ليس من الأحكام التكليفية. وفيه أنّ مَنْ حمل الكلام على ظاهره وحقيقته لم يُلَم، وإن كان مراد المتكلم مجازه؛ لأن نسوة النبي ﷺ حملن طُول اليد على الحقيقة، ولم ينكر عليهن.
وأما ما رواه الطبراني في الأوسط عن ميمونة أنّ النبي ﷺ قال لهنّ: "ليس ذلك أعني، إنما أعني أصنعن يدًا" فهو ضعيف جدًا، ولو كان ثابتًا لم يحتجن بعد النبي ﷺ إلى ذرع أيديهنّ كما مرَّ. وقال المهلب: في الحديث دلالة على أن الحكم للمعاني لا للألفاظ؛ لأن النسوة فهمن من طول اليد الجارحة، وإنما أراد بالطول كثرة الصدقة، وما قاله لا يمكن اطِّراده في جميع الأحوال.
رجاله ستة:
وفيه بعض مبهمٌ. وذكره سودة، وقد مرَّ الجميع إلا فراس، مرَّ موسى بن إسماعيل وأبو عُوانة في الخامس من بدء الوحي، ومرّت عائشة في الثاني منه، ومرَّ الشعبيّ في الثالث من الإيمان، ومرّ مسروق في السابع والعشرين منه، ومرّت سودة في الثاني عشر من الوضوء والبعض المبهم عائشة.
وفِراس، بكسر الفاء، وابن يحيى الهمدانيّ الخارفيّ، أبو يحيى الكوفي المكَتَّب، وثّقه أحمد وابن مُعين والنَّسائيّ وابن عمّار وآخرون. وقال يعقوب بن شَيبة: ثقة، في حديثه لِين. وقال يحيى القطّان: ما أنكرت من حديثه إلاّ حديث الاستبراء. قال في المقدمة: كفى بها شهادة من مثل ابن القطان. وقد احتج به الجميع، وحديثه في الاستبراء لم يخرجه الشيخان روى عن الشعبيّ وأبي صالح السمَّان وعطية العَوفيّ وغيرهم. وروى عنه منصور بن المعتمر، وهو من أقرانه، وشُعيب وشيبان وغيرهم. مات سنة تسع وعشرين ومئة.
стр. 5777
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة، وشيخه بصريّ. ثم واسطيّ. وكوفيون. أخرجه النَّسائيّ في الزكاة. ثم قال المصنف:
стр. 5778
باب صدقة العلانية
وقوله : ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. سقطت هذه الترجمة للمستملي، وثبتت للباقين، وبه جزم الإسماعيليّ، ولم يثبت فيها لمن أثبتها حديث، وكأنه أشار إلى أنه لم يصح فيها على شرطه شيء، وقد اختلف في سبب نزول الآية، فعند عبد الرزاق بإسناد فيه ضعف عن ابن عباس، أنها نزلت في علي بن أبي طالب، كانت عنده أربعة دراهم، فأنفق بالليل واحدًا، وبالنهار واحدًا، وفي السر واحدًا، وفي العلانية واحدًا، وذكر الكلبي نحوه عن ابن عباس؛ وزاد أن النبي ﷺ قال له: "ما حملك على هذا؟ " قال: حملني أنْ استوجب على الله تعالى الذي وعدني، فقال: ألا إن ذلك لك، فأنزل الله الآية.
وفي الكشاف: نزلت في أبي بكر رضي الله تعالى عنه، إذ أنفق أربعين ألف دينار، عشرة آلاف جهرًا، وعشرة آلاف سرًا، وعشرة آلاف ليلًا، وعشرة آلاف نهارًا. وقيل: نزلت في أصحاب الخيل الذين كانوا يربطونها في سبيل الله. أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي أُمامة، وعن قتادة وغيره: نزلت في قوم أنفقوا في سبيل الله من غير إسراف ولا تقتير. ذكره الطبريّ وغيره. وقال الماوَرْديّ: يحتمل أن يكون في إباحة الارتفاق بالزروع والثمار؛ لأنها يرتفق بها كل مار في ليل ونهار، في سر وعلانية، فكانت أعم. ثم قال المصنف:
стр. 5779
باب صدقة السر
وقال أبو هريرة عن النبي ﷺ ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
وقد اقتصر في الترجمة على الحديث المعلق. وعلى الآية، والحديث المعلق طرق من حديث يأتي بعد باب بتمامه، وقد مرّ في باب "مَنْ جلس في المسجد ينتظر الصلاة" ومرَّ الكلام عليه هناك مستوفى، وهو أقوى الأدلة على أفضلية إخفاء الصدقة، وأما الآية ظاهرة في تفضيل صدقة السر أيضًا. ولكن ذهب الجمهور إلى أنها نزلت في صدقة التطوع، ونقل الطبريّ وغيره الإجماع على أن الإعلان في صدقة الفرض أفضل من الإخفاء. وصدقة التطوع على العكس من ذلك. وخالف يزيد بن أبي حبيب فقال: إنَّ الآية نزلت في الصدقة على اليهود والنصارى. قال: فالمعنى إنْ تبدوا الصدقات على أهل الكتابين، فنِعمّا هي، أي فلكم فضل، وإن تخفوها وتولوها فقراءكم فهو خير لكم، قال: وكان يأمر بإخفاء الصدقة مطلقًا، وقال أبو إسحاق الزجاج: إن إخفاء الزكاة في زمنه ﵊ كان أفضل، فأما بعده فإن الظن يساء بمن أخفاها، فلهذا كان إظهار الصدقة المفروضة أفضل.
قال ابن عطية: ويشبه في زماننا أن يكون الإخفاء بصدقة الفرض أفضل، فقد كثر المانع لها، وصار إخراجها عرضة للرياء. وأيضًا فكان السلف يعطون زكاتهم للسُّعَاة، وكان مَنْ أخفاها أنهم بعدم اخراجها، وأما اليوم فصار كل أحد يخرج زكاته بنفسه، فصار إخفاؤها أفضل.
وقال الزين بن المنير: لو قيل إن ذلك يختلف باختلاف الأحوال لما كان بعيدًا، فإذا كان الإِمام جائرًا ومال من وجبت عليه مخفيًا، فالإسرار أولى وإن كان المتطوع ممن يقتدى به، ويتبع وتنبعث الهمم على التطوع بالإنفاق وسلم قصده فالإظهار أوْلى.
стр. 5780
باب إذا تصدق على غني وهو لا يعلم
أي: فصدقته مقبولة، ولفظ "باب" ثابت في غير رواية أبي ذَرٍّ، ساقط في روايته، فأما على رواية غيره، فمناسبة الحديث المسوق للترجمة ظاهرة، وعلى رواية أبي ذرٍّ يحتاج إلى مناسبة بين ترجمة صدقة السر وحديث المتصدق، ووجهها أن الصدقة المذكورة وقعت بالليل، لقوله في الحديث: "فأصبحوا يتحدثون" بل وقع في صحيح مسلم التصريح بذلك، لقوله فيه: "لا تصدقن الليلة" كما سيأتي، فدل على أن صدقته كانت سرًا، إذ لو كانت بالجهر نهارًا لما خفي عنه حال الغني؛ لأنها في الغالب لا تخفى، بخلاف الزانية والسارق، ولذلك خص الغني بالترجمة دونهما.
الحديث السادس والعشرون
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "قَالَ رَجُلٌ: لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ. فَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ، لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ غَنِىٍّ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ فَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، عَلَى سَارِقٍ وَعَلَى زَانِيَةٍ وَعَلَى غَنِيٍّ. فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ.
قوله: "عن أبي هُريرة" في رواية مالك في الغرائب للدارقطنيّ عن أبي الزناد أن عبد الرحمن بن هُرْمُز أخبره أنه سمع أبا هريرة. وقوله: "قال رجل" قال في "الفتح": لم أقف على اسمه، ووقع عند أحمد عن ابن لُهَيعة أنه كان من بني إسرائيل، وقوله: "لأتصدقنَّ بصدقة" في رواية أبي أمية بهذا الإسناد "لأتصدقن الليلة" وكرره، كذلك في المواضع الثلاثة، وكذلك أخرجه أحمد عن ورقاء ومسلم عن موسى بن عُقبة والدارقطنيّ في غرائب مالك، كلهم عن أبي الزناد.
وقوله: "لأتصدقن" من باب الالتزام، كالنذر مثلًا. والقسم فيه مقدر، كأنه قال: والله لأتصدقن. وقوله: "فوضعها في يد سارقٍ" أي: وهو لا يعلم أنه سارق. وقوله: "تصدق على سارق" في رواية أبي أمية "تصدق الليلة على سارق" وفي رواية ابن لُهَيعة "تصدق الليلة على فلان
следующие страницы →