Полный текст (6 753 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.
стр. 5776
بنت جَحش، وكانت أول نسائه لُحوقًا به. وقد مرَّ تعريفها في الجنائز أن موتها كانت سنة عشرين، وروى ابن سعد عن بَرْزَة بنت رافع قالت: لما خرج العطاء أرسل عمر إلى زينب بنت جَحش بالذي لها، فتعجبت، وسترته بثوب، وأمرت بتفرقته، إلى أن كشف الثوب، فوجدت تحته خمسة وثمانين درهمًا، ثم قالت: اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا، فماتت، فكانت أوّل أزواج النبي ﷺ لُحوقًا به.
وروى ابن أبي خيثمة عن القاسم بن مَعْن قال: كانت زينب أوّل نساء النبي ﷺ لُحُوقًا به، فهذه روايات يعضِّد بعضها بعضًا، ويحصل من مجموعها أن في رواية أبي عوانة وهمًا كما مرَّ.
وفي الحديث علم من أعلام النبوءة ظاهر، وفيه جواز إطلاق اللفظ المشترك بين الحقيقة والمجاز بغير قرينة، وهو لفظ "أطولكن" إذا لم يكن محذورٌ قال الزين بن المنير: لما كان السؤال عن آجالٍ مقدرة لا تُعلم إلا بالوحي، أجابهنّ بلفظ غير صريح، وأحالهن على ما لا يتبين إلا باخره، وساغ ذلك لكونه ليس من الأحكام التكليفية. وفيه أنّ مَنْ حمل الكلام على ظاهره وحقيقته لم يُلَم، وإن كان مراد المتكلم مجازه؛ لأن نسوة النبي ﷺ حملن طُول اليد على الحقيقة، ولم ينكر عليهن.
وأما ما رواه الطبراني في الأوسط عن ميمونة أنّ النبي ﷺ قال لهنّ: "ليس ذلك أعني، إنما أعني أصنعن يدًا" فهو ضعيف جدًا، ولو كان ثابتًا لم يحتجن بعد النبي ﷺ إلى ذرع أيديهنّ كما مرَّ. وقال المهلب: في الحديث دلالة على أن الحكم للمعاني لا للألفاظ؛ لأن النسوة فهمن من طول اليد الجارحة، وإنما أراد بالطول كثرة الصدقة، وما قاله لا يمكن اطِّراده في جميع الأحوال.
رجاله ستة:
وفيه بعض مبهمٌ. وذكره سودة، وقد مرَّ الجميع إلا فراس، مرَّ موسى بن إسماعيل وأبو عُوانة في الخامس من بدء الوحي، ومرّت عائشة في الثاني منه، ومرَّ الشعبيّ في الثالث من الإيمان، ومرّ مسروق في السابع والعشرين منه، ومرّت سودة في الثاني عشر من الوضوء والبعض المبهم عائشة.
وفِراس، بكسر الفاء، وابن يحيى الهمدانيّ الخارفيّ، أبو يحيى الكوفي المكَتَّب، وثّقه أحمد وابن مُعين والنَّسائيّ وابن عمّار وآخرون. وقال يعقوب بن شَيبة: ثقة، في حديثه لِين. وقال يحيى القطّان: ما أنكرت من حديثه إلاّ حديث الاستبراء. قال في المقدمة: كفى بها شهادة من مثل ابن القطان. وقد احتج به الجميع، وحديثه في الاستبراء لم يخرجه الشيخان روى عن الشعبيّ وأبي صالح السمَّان وعطية العَوفيّ وغيرهم. وروى عنه منصور بن المعتمر، وهو من أقرانه، وشُعيب وشيبان وغيرهم. مات سنة تسع وعشرين ومئة.
стр. 5777
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة، وشيخه بصريّ. ثم واسطيّ. وكوفيون. أخرجه النَّسائيّ في الزكاة. ثم قال المصنف:
стр. 5778
باب صدقة العلانية
وقوله : ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. سقطت هذه الترجمة للمستملي، وثبتت للباقين، وبه جزم الإسماعيليّ، ولم يثبت فيها لمن أثبتها حديث، وكأنه أشار إلى أنه لم يصح فيها على شرطه شيء، وقد اختلف في سبب نزول الآية، فعند عبد الرزاق بإسناد فيه ضعف عن ابن عباس، أنها نزلت في علي بن أبي طالب، كانت عنده أربعة دراهم، فأنفق بالليل واحدًا، وبالنهار واحدًا، وفي السر واحدًا، وفي العلانية واحدًا، وذكر الكلبي نحوه عن ابن عباس؛ وزاد أن النبي ﷺ قال له: "ما حملك على هذا؟ " قال: حملني أنْ استوجب على الله تعالى الذي وعدني، فقال: ألا إن ذلك لك، فأنزل الله الآية.
وفي الكشاف: نزلت في أبي بكر رضي الله تعالى عنه، إذ أنفق أربعين ألف دينار، عشرة آلاف جهرًا، وعشرة آلاف سرًا، وعشرة آلاف ليلًا، وعشرة آلاف نهارًا. وقيل: نزلت في أصحاب الخيل الذين كانوا يربطونها في سبيل الله. أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي أُمامة، وعن قتادة وغيره: نزلت في قوم أنفقوا في سبيل الله من غير إسراف ولا تقتير. ذكره الطبريّ وغيره. وقال الماوَرْديّ: يحتمل أن يكون في إباحة الارتفاق بالزروع والثمار؛ لأنها يرتفق بها كل مار في ليل ونهار، في سر وعلانية، فكانت أعم. ثم قال المصنف:
стр. 5779
باب صدقة السر
وقال أبو هريرة عن النبي ﷺ ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
وقد اقتصر في الترجمة على الحديث المعلق. وعلى الآية، والحديث المعلق طرق من حديث يأتي بعد باب بتمامه، وقد مرّ في باب "مَنْ جلس في المسجد ينتظر الصلاة" ومرَّ الكلام عليه هناك مستوفى، وهو أقوى الأدلة على أفضلية إخفاء الصدقة، وأما الآية ظاهرة في تفضيل صدقة السر أيضًا. ولكن ذهب الجمهور إلى أنها نزلت في صدقة التطوع، ونقل الطبريّ وغيره الإجماع على أن الإعلان في صدقة الفرض أفضل من الإخفاء. وصدقة التطوع على العكس من ذلك. وخالف يزيد بن أبي حبيب فقال: إنَّ الآية نزلت في الصدقة على اليهود والنصارى. قال: فالمعنى إنْ تبدوا الصدقات على أهل الكتابين، فنِعمّا هي، أي فلكم فضل، وإن تخفوها وتولوها فقراءكم فهو خير لكم، قال: وكان يأمر بإخفاء الصدقة مطلقًا، وقال أبو إسحاق الزجاج: إن إخفاء الزكاة في زمنه ﵊ كان أفضل، فأما بعده فإن الظن يساء بمن أخفاها، فلهذا كان إظهار الصدقة المفروضة أفضل.
قال ابن عطية: ويشبه في زماننا أن يكون الإخفاء بصدقة الفرض أفضل، فقد كثر المانع لها، وصار إخراجها عرضة للرياء. وأيضًا فكان السلف يعطون زكاتهم للسُّعَاة، وكان مَنْ أخفاها أنهم بعدم اخراجها، وأما اليوم فصار كل أحد يخرج زكاته بنفسه، فصار إخفاؤها أفضل.
وقال الزين بن المنير: لو قيل إن ذلك يختلف باختلاف الأحوال لما كان بعيدًا، فإذا كان الإِمام جائرًا ومال من وجبت عليه مخفيًا، فالإسرار أولى وإن كان المتطوع ممن يقتدى به، ويتبع وتنبعث الهمم على التطوع بالإنفاق وسلم قصده فالإظهار أوْلى.
стр. 5780
باب إذا تصدق على غني وهو لا يعلم
أي: فصدقته مقبولة، ولفظ "باب" ثابت في غير رواية أبي ذَرٍّ، ساقط في روايته، فأما على رواية غيره، فمناسبة الحديث المسوق للترجمة ظاهرة، وعلى رواية أبي ذرٍّ يحتاج إلى مناسبة بين ترجمة صدقة السر وحديث المتصدق، ووجهها أن الصدقة المذكورة وقعت بالليل، لقوله في الحديث: "فأصبحوا يتحدثون" بل وقع في صحيح مسلم التصريح بذلك، لقوله فيه: "لا تصدقن الليلة" كما سيأتي، فدل على أن صدقته كانت سرًا، إذ لو كانت بالجهر نهارًا لما خفي عنه حال الغني؛ لأنها في الغالب لا تخفى، بخلاف الزانية والسارق، ولذلك خص الغني بالترجمة دونهما.
الحديث السادس والعشرون
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "قَالَ رَجُلٌ: لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ. فَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ، لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ غَنِىٍّ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ فَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، عَلَى سَارِقٍ وَعَلَى زَانِيَةٍ وَعَلَى غَنِيٍّ. فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ.
قوله: "عن أبي هُريرة" في رواية مالك في الغرائب للدارقطنيّ عن أبي الزناد أن عبد الرحمن بن هُرْمُز أخبره أنه سمع أبا هريرة. وقوله: "قال رجل" قال في "الفتح": لم أقف على اسمه، ووقع عند أحمد عن ابن لُهَيعة أنه كان من بني إسرائيل، وقوله: "لأتصدقنَّ بصدقة" في رواية أبي أمية بهذا الإسناد "لأتصدقن الليلة" وكرره، كذلك في المواضع الثلاثة، وكذلك أخرجه أحمد عن ورقاء ومسلم عن موسى بن عُقبة والدارقطنيّ في غرائب مالك، كلهم عن أبي الزناد.
وقوله: "لأتصدقن" من باب الالتزام، كالنذر مثلًا. والقسم فيه مقدر، كأنه قال: والله لأتصدقن. وقوله: "فوضعها في يد سارقٍ" أي: وهو لا يعلم أنه سارق. وقوله: "تصدق على سارق" في رواية أبي أمية "تصدق الليلة على سارق" وفي رواية ابن لُهَيعة "تصدق الليلة على فلان
стр. 5781
السارق" وليس في شيء من الطرق تسمية أحد من الثلاثة المتصدَّق عليهم. وقوله: "تُصدق" بضم أوله على البناء للمجهول، وقوله: "اللهم لك الحمد" أي: لا لي؛ لأن صدقتي وقعت بيد مَنْ لا يستحقها، ذلك الحمد، كان ذلك بإرادتك لا بإرادتي، فإن إرادة الله كلها جميلة.
قال الطيبيّ: لما عزم على أن يتصدق على مستحق، فوضعها في يد زانية، حمد الله على أنه لم يقدر أن يتصدق على مَنْ هو أسوأ حالًا منها، أو أجرى الحمد مجرى التسبيح في استعماله عند مشاهدة ما يتعجب منه، تعظيمًا لله، فلما تعجبوا من فعله، تعجب هو أيضًا. فقال: "اللهم لك الحمد على زانية" أي التي تصدقت عليها، فهو متعلق بمحذوف، ولا يخفى بعد هذا الوجه، والذي قبله أبعد منه. والذي يظهر الأول، وأنه سلّم وفوِّض ورضي بقضاء الله، فحمد الله على تلك الحال؛ لأنه المحمود على جميع حال لا يحمد على المكروه سواه، وقد ثبت أن النبي ﷺ كان إذا رأى مالًا يعجبه، قال: اللهم لك الحمد علي كل حال. وقوله: فأتي، فقيل له. في رواية الطبرانيّ عن أبي اليمان بهذا الإسناد "فساءه ذلك، فأتي في منامه". وأخرجه أبو نعيم في المستخرج عنه، والإسماعيليّ عن شُعيب وفيه تعيين بعض الاحتمالات التي ذكرها ابن التين وغيره.
قال الكرمانيّ: قوله: "إني أرى" أي: أرى في المنام، أو سمع هاتفًا ملكًا أو غيره، أو أخبره نبي أو أفتاه عالِم. وقال غيره: أو أتاه مَلَك فكلمه، فقد كانت الملائكة تكلم بعضهم في بعض الأمور، وقد ظهر بالنقل الصحيح أنها كلها لم تقع إلا النقل الأول. وقوله: "أما صدقتك على سارق" زاد أبو أمية: "فقد قبلت" وفي رواية موسى بن عقبة وابن لُهَيعة: "أما صدقتك فقد قبلت" وفي رواية الطبرانيّ: "أن الله قد قبل صدقتك" وفي الحديث دلالة على أن الصدقة كانت عندهم مختصة بأهل الحاجة من أهل الخير، ولهذا تعجبوا من الصدقة على الأصناف الثلاثة.
وفيه أن نية المتصدق إن كانت صالحة قبلت صدقته، ولو لم تقع الموقع، واختلف الفقهاء في الإجزاء إذا كان ذلك في زكاة الفرض، ولا دلالة في الحديث على الإجزاء، ولا على المنع. ومن ثَمّ أورد المصنف الترجمة بلفظ الاستفهام، ولم يجزم بالحلم، واحتج أبو حنيفة بهذا الحديث على أن مَنْ أعطى زكاته لشخص ظنه فقيرًا، فبان غنيًا، أنه تسقط عنه الزكاة، ولا تجب عليه الإعادة. ووافقه محمد بن الحسن، ومذهب مالك والشافعي وأبي يوسف أنها لا تجزىء، فإن قيل: إن الخبر إنما تضمن قصة خاصة، وقع الاطِّلاع فيها على قبول الصدقة برؤيا صادقة اتفاقية، فمن أين يقع تعميم الحكم؟ فالجواب أن التنصيص، في هذا الخبر على رجاء الاستعفاف، هو الدال على تعدية الحكم، فيقتضي ارتباط القبول بهذه الأسباب.
وفيه فضل صدقة السر. وفضل الإخلاص واستحباب إعادة الصدقة إذا لم تقع الموقع، وأن الحكم للظاهر حتى يتبين سواه، وبركة التسليم والرضى وذم التضجر بالقضاء، كما قال بعض السلف: لا تقطع الخدمة، ولو ظهر لك عدم القبول. وفيه اعتبار لمن تصدق عليه بأن يتحول عن
стр. 5782
الحال المذمومة إلى الحال الممدوحة، فيستعف السارق عن سرقته، والزانية عن زناها، والغني عن إمساكه.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، وفيه لفظ رجل مبهم لم يعرف اسمه، وهو من بني إسرائيل مرَّ أبو اليمان وشعيب في السابع من بدء الوحي، ومرَّ أبو الزناد والأعرج في السابع من الإيمان, ومرَّ أبو هريرة في الثاني منه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث والإخبار بالجمع والعنعنة، أخرجه مسلم والنَّسائيّ في الزكاة. ثم قال المصنف:
стр. 5783
باب إذا تصدق على ابنه وهو لا يشعر
قوله: "إذا تصدق" أي: الشخص قال الزين بن المنير: لم يذكر جواب الشرط اختصارًا وتقديره جاز لأنه يصير لعدم شعوره كالأجنبي ومناسبة الترجمة للخبر من جهة أن يزيدًا أعطى مَنْ يتصدق عنه ولم يحجر عليه وكان هو السبب في وقوع الصدقة في يد ولده وعبر في هذه الترجمة بني الشعور وفي التي قبله ابن في العلم لأن المتصدق في السابقة بذل وسعه في طلب اعطاء الفقير فأخطأ اجتهاده فناسب أن ينفي عنه العلم وأما هذا فباشر التصدق غيره فناسب أن ينفي عن صاحب الصدقة الشعور.
الحديث السابع والعشرون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ حَدَّثَنَا أَبُو الْجُوَيْرِيَةِ أَنَّ مَعْنَ بْنَ يَزِيدَ ﵁ حَدَّثَهُ قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَا وَأَبِي وَجَدِّي وَخَطَبَ عَلَيَّ فَأَنْكَحَنِي وَخَاصَمْتُ إِلَيْهِ، كَانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ. فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ.
قوله: "أنا وأبي وجَدَي" يأتي في السند تعريف الثلاثة. وقوله: "خطب عليّ فأنكحني" أي: طلب لي النكاح فأجيب. يقال: خطب المرأة إِلى وليها إِذا أرادها الخاطب لنفسه وعلى فلان إِذا أرادها لغيره وفاعل فأنحكني النبي ﷺ لأن مقصود الراوي بيان أنواع علاقاته به من المبالغة وغيرها ولم يعرف اسم المخطوبة ولو ورد أنها ولدت منه لضاهى بيت الصديق في الصحبة من جهة كونهم أربعة في نسق وقد وقع ذلك لأُسامة بن زيد بن حارثة فروى الحاكم في المستدرك أن حارثة قدم فأسلم وذكر الواقدي أن أسامة ولد له على رسول الله ﷺ .
وقوله: "وكان أبي يزيد" أي: بالرفع على البدلية. وقوله: "فوصفها عند رجل لم يعرف اسمه" وفي السياق حذف تقديره وأذن له أن يتصدق بها على محتاج إِليها أذنًا مطلقًا. وقوله: "فجئت فأخذتها" أي: من المأذون له في التصدق بها أي: بإذنه لا بطريق الاعتداء وعند البيهقي عن أبي الجويرية في هذا الحديث قلت: ما كانت خصومتك؟ قال: كان رجل يغشى المسجد فيتصدق على رجال يعرفهم فظن أني بعض مَنْ يعرف الحديث.
стр. 5784
وقوله: "فأتيته" الضمير لأبيه أي: فأتيت أبي بالدنانير المذكورة. وقوله: "والله ما إياك أردت" أي: لو أردت أنك تأخذها لناولتها لك ولم أوكل فيها أو كأنه كان يرى أن الصدقة على الولد لا تجزىء أو يرى أن الصدقة على الأجنبي أفضل.
وقوله: "فخاصمته" تفسير لقوله أولًا خاصمت إليه. وقوله: "لك ما نويت" أي: إنك نويت أن تتصدق بها على مَنْ يحتاج إليها وابنك يحتاج إليها فوقعت الموقع، وإن كان لم يخطر ببالك أنه يأخذها. وقوله: "ولك ما أخذت يا مَعن" أي: لأنك أخذتها محتاجًا إليها. قال ابن رشيد: الظاهر أنه لم يرد بقوله: والله ما إيَّاك أردت، أي: أني أخرجتك بنيتي، وإنما أطلقت لمن تجزىء الصدقة عني عليه، ولم تخطر أنت ببالي، فأمضى النبي ﷺ ؛ لأنه فرض للوكيل بلفظ مطلق، فنفذ فعله.
وفيه دليل على العمل بالمُطْلَقات على إطلاقها، وإن احتمل أن المطلق لو خطر بباله فرد من الأفراد لقيد به. وفيه جواز الافتخار بالمواهب الربانية، والتحدث بنعم الله، وفيه جواز التحاكم بين الابن والأب، وأن ذلك بمجرده لا يكون عقوقًا، وجواز الاستخلاف في الصدقة، ولاسيما صدقة التطور؛ لأن فيه نوع إسرار، وفيه أن للمتصدق أجر ما نواه، سواء صادف المستحق أو لا، وأن الأب لا رجوع له في الصدقة على ولده، بخلاف الهبة، ويأتي إن شاء الله تعالى ما قيل في الصدقة على الأقارب في باب الزكاة على الأقارب.
رجاله أربعة:
وفيه ذكر أبي معن يزيد، وجده، ولفظ رجل مبهم، مرَّ منهم محمد بن يوسف الغربائيّ في العاشر من العلم، ومرّ إسرائيل بن يونس في السابع والستين منه، والثالث أبو الجُويرية حطّان بن خُفاف، بالخاء أو بالجيم، ابن زهير بن عبد الله بن رُمْح بن عُرْعُرة الجَرْمِيّ، وثقه أحمد وابن مُعين وأبو زرعة. وقال أبو حاتم: صدوق صالح الحديث، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة لا بأس به، وذكره ابن حِبّان في الثقات. وقال ابن عبد البَرّ: أجمعوا على أنه ثقة، وقال العجليّ: كوفي ثقة، روى عن ابن عباس ومَعن بن يزيد وعبد الله بن بدر العجليّ وغيرهم. وروى عنه إسرائيل وزهير والسفيانان وشعبة وغيرهم.
الرابع: معن بن يزيد بن الأخنس بن حَبيب بن جرة بن زعب بن مالك بن عُوَيف بن عصية بن خفاف بن امرىء القيس بن بهثنة بن سليم السُّلَميّ، أخرج عن الليث أنه شهد بدرًا مع أبيه وجده، ولم يتفق ذلك لغيره، ولم يتابع على ذلك، فقد روى أحمد والطبرانيّ عن عبد الرحمن بن جُبير بن نُفير عن يزيد بن الأخنس السُّلَمِيّ أنه أسلم معه جميع أهله إلا امرأة واحدةً أبت أن تُسلم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ فهذا دال على أن إسلامه كان متأخرًا؛ لأن الآية متأخرة الإنزال عن بدر.
دخل مصر وسكن الشام، وشهد وقعة مَرْج راهِط مع الضّحّاك بن قيس، وقتل فيها. ويقال: إنه
стр. 5785
كان مع معاوية في حروبه. وقال ابن عساكر: شهد فتح دمشق، وكان له مكان عند عمر بن الخطاب، يكنى أبا يزيد، وذكر محمد بن سَلَام الجُمحيّ أنّ مَعن بن يزيد قال لمعاوية: ما ولدت قرشيةٌ من قرشي شرًا منك. قال: لم؟ قال: لأنك عودت الناس عادة، يعني في الحِلم، وكأني بهم وقد طلبوها من غيرك، فإذا هم صرعى في الطرق، فقال: ويحك، لقد كنت إليها قتيلاً. روى عنه أبو الجُويرية وسُهيل بن دراع وعُتبة بن رافع، انفرد البخاريّ بهذا الحديث الواحد.
الرابع: أبوه يزيد بن الأخنس، تقدم نسبة في نسب ولده، وتقدم إسلام جميع أهله بإسلامه، له ذكر في حديث أبي أُمامة أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله وعدني أن يدخل الجنة من أُمتي سبعين ألفًا بغير حساب، فقال يزيد بن الأخنس: والله ما أولئك يا رسول الله في أمتك إلا كالذباب الأصهب في الذباب. وفي رواية "الأزرق" أخرجه أحمد، وسنده صحيح.
الخامس: الأخنس بن حبيب، جد مَعن، تقدم ما قيل في كونه شهد بدرًا، وزعم ابن مَنْدَه أن اسم جدِ معنٍ ثَوْر، فذكره في حرف الثاء.
والرجل المبهم، قال في "الفتح": لم أقف على اسمه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإفراد، وشيخه شاميّ، والباقون كوفيون، وهو من رباعيات البخاريّ ومن أفراده. ثم قال المصنف:
стр. 5786
باب الصدقة باليمين
أي: حكم، أو بابٌ بالتنوين، والتقدير أي: فاضلةٌ أو يُرغب فيها.
الحديث الثامن والعشرون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ إِمَامٌ عَدْلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ".
مطابقته للترجمة في قوله: ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شِماله ما تنفق يمينه، وقد مضى هذا الحديث في باب "مَنْ جلس في المسجد ينتظر الصلاة" من أبواب الجماعة. وقد استوفينا الكلام عليه هناك.
رجاله ستة:
قد مرّوا، إلا عاصم، مرّ مسدد ويحيى في السادس من الإيمان , ومرّ أبو هريرة في الثاني منه، ومرّ عبيد الله العمريّ في الرابع عشر من الوضوء ومرّ خُبيب بن عبد الرحمن وحَفص بن عاصم في الثاني والستين من مواقيت الصلاة.
السادس: عاصم بن عمر بن الخطاب القرشيّ العدويّ، أُمه أُم جميلة بنت ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري، ولد في حياة النبي ﷺ ، ولم يرو عنه شيئًا، وقد جاءت له عنه رواية، وقال العسكري: ولد في السادسة، وقال أبو عمر: مات النبي ﷺ وله سنتان، وزوجه عمر في حياته، وأنفق عليه شهرًا ثم قال: حسبك، كان من أحسن الناس خَلْقًا، وكان طُوالًا جسيمًا حتى إن ذراعه تزيد نحو شبر، وكان يقول الشعر، وهو جد عمر بن عبد العزيز. وكان عمر طلّق أمه، فتزوجها يزيد بن جارية، بالجيم، فولدت له عبد الرحمن، فهو أخو عاصم لأُمه، وركب عمر إلى قباء، فوجده يلعب مع الصبيان، فحمله بين يديه، فركبت جدته لأُمه الشَّمُوس بنت أبي عارم إلى أبي
стр. 5787
بكر، فنازعته، فقال له أبو بكر: خل بينه وبينها، ففعل. وكان له يومئذ ثمان سنين على ما عند البخاري في تاريخه، وله أربع على ما عند أبي عمر، وروى ابن سيرين عن رجل حدثه قال: ما رأيت أحدًا من الناس إلا ولابد أن يتكلم ببعض ما لا يريد، إلا عاصم بن عمر. وقال أخوه عبد الله: أنا وأخي عاصم لا نغتاب الناس. مات بالرَّبَذَة سنة سبعين، وقيل سنة ثلاث وسبعين. وتمثل أخوه عبد الله لما مات بقول متمّم بن نُوَيرة:
فليت المنايا كنَّ خَلَّفْنَ مالكًا ... فعِشنا جميعًا أو ذهبنَ بنا معًا
فقال له رجل لما تمثل به: كن خلَّفْنَ عاصمًا. ويقال: كان بينه وبين رجل شيء، فقام وهو يقول:
قضى ما قضى فيما مضى ثم لا ترى ... له صَبْوَةً فيما بقي آخرَ الدهرِ
وقيل: إن لعمر بن الخطاب ابنًا يسمى عاصمًا مات في خلافته.
روى عن أبيه وروى عنه ابناه حفص وعُبيد الله، وعروة بن الزبير، له عندهم حديثان.
الحديث التاسع والعشرون
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ الْخُزَاعِيَّ ﵁ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "تَصَدَّقُوا، فَسَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ فَيَقُولُ الرَّجُلُ لَوْ جِئْتَ بِهَا بِالأَمْسِ لَقَبِلْتُهَا مِنْكَ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلاَ حَاجَةَ لِي فِيهَا".
وقال ابن رشيد: مطابقة الحديث للترجمة من جهة أنه اشترك مع الذي قبله في كون كل منهما حاملًا لصدقته؛ لأنه إذا كان حاملًا له بنفسه، كان أخفى لها، فكان في معنى لا تعلم شِماله ما تنفق يمينه، ويحمل المطلق في هذا على المقيد في هذا، أي: المناولة بالمين. قال: ويقوِّي أن ذلك مقصده إتْباعُه بالترجمة التي بعدها، حيث قال من أمر خادمه بالصدقة: ولم يناول بنفسه، وكأنه قصد في هذا من حمله بنفسه، وقد مرَّ هذا الحديث في باب الصدقة على الرد، ومرَّ استيفاء الكلام عليه هناك.
رجاله أربعة:
قد مرّوا، مرّ علي بن الجَعْد في السادس والأربعين من الإيمان، وشُعبة في الثالث منه، ومرَّ مَعْبَد الجدليّ في الخامس عشر من كتاب الزكاة هذا، ومرَّ حارثة بن وهب في الرابع من التقصير. ثم قال المصنف:
стр. 5788
باب مَنْ أمر خادمه بالصدقة ولم يناول بنفسه
قال الزين بن المنير: فائدة قوله: "ولم يناول بنفسه" التنبيهُ على أن ذلك مما يغتفر، وإن قوله في الباب قبله: "الصدقة باليمين" لا يلزم منه المنع من إعطائها بيد الغير، وإن كانت المباشرة أولى، فقد روى ابن أبي شَيبة عن عباس بن عبد الرحمن المدنيّ خصلتان لم يكن النبي ﷺ يَلِيْهُما إلى أحد من أهله؟ "كان يناول المسكين بيده، ويضع الطهور لنفسه". وفي الترغيب للجوزيّ عن ابن عباس: "كان النبي ﷺ لا يَكِل طَهوره ولا صَدقته التي يتصدق بها إلى أحد، يكون هو الذي يتولّاهما بنفسه".
ثم قال: وقال أبو موسى عن النبي ﷺ : هو أحد المتصدقين، ضبط في جميع روايات الصحيحين بفتح القاف على التثنية، قال القرطبيّ: ويجور الكسر على الجمع، أي هو متصدق من المتصدِقين، أي هو ورب الصدقة في أصل الأجر سواء، لا ترجيح لأحدهما على الآخر، وإن اختلف مقداره لهما، فلو أعطى المالك مثلًا مئة درهم لخادمه، ليدفعها لفقير على باب داره مثلًا، فأجر المالك أكثر، ولو أعطاه رغيفًا ليذهب إلى فقير في مسافة بعيدة، بحيث يقابل مشي الذاهب إليه بأجرة تزيد على الرغيف، فأجر الخادم أكثر. وقد يكون عمله قدر الرغيف مثلًا، فيكون مقدار الأجر سواءًا.
وهذا التعليق طرف من حديث وصله بعد ستة أبواب، بلفظ "الخازن" والخازن خادم المالك في الخزن، وإن لم يكن خادمه حقيقة. وقيد الخازن في الحديث الآتي بأمور فقال: "الخازن المسلم الأمين الذي ينفذ، وربما قال: يعطي ما أمر به كاملًا موفرًا طيبًا به نفسه، فيدفعه إلى الذي أمر له به. فأخرج بالمسلم الكافر؛ لأنه لا نية له، وبكونه أمينا الخائنَ؛ لأنه مأزور وتب الأجر على إعطائه ما يؤمر به غير ناقص، لكونه خائنًا أيضًا، وبكون نفسه بذلك طيبة لئلا يعدم النية، فيفقد الأجر، وهي قيود لابد منها. وقد مرَّ أبو موسى في الرابع من الإيمان.
الحديث الثلاثون
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لاَ يَنْقُصُ
стр. 5789
بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا".
قال ابن رشيد: نبه بالترجمة على أن هذا الحديث مفسر بها؛ لأن كلًا من الخازن والخادم والمرأة أمين ليس له أن يتصرف إلا بإذن المالك، نصًا أو عرفًا، إجمالًا أو تفصيلًا. قوله: "من طعام بيتها غير مُفسدة" أي: المتصرفة فيه إذا أذِنَ لها في ذلك بالتصريح، أو المفهوم من اطِّراد العُرف، فعلمت رضاه بذلك، وكانت غير مفسدة بأن لم تتجاوز العادة، ولا يؤثر نقصانه. وقيّد بالطعام لأن الزوج يسمح به عادة، بخلاف الدنانير والدراهم، فإنّ إنفاقها منها بغير إذنه لا يجوز، فلو اضطرب العُرف أو شكّت في رضاه، أو كان شحيحًا يشح بذلك، وعلمت ذلك من حاله، أو شكّت فيه، حَرُم عليها التصدُّق من ماله إلا بصريح أمره.
قال ابن العربيّ: اختلف السلف فيما إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها، فمنهم مَنْ أجازه، لكن في الشيء اليسير الذي لا يؤبه له، ولا يظهر به النقصان. ومنهم مَنْ حمله على ما إذا أذن ولو بطريق الإجمال، وهو اختيار البخاريّ، ولذلك قيد الترجمة بالأمر به، ويحتمل أن يكون ذلك محمولًا على العادة كما مرَّ، وأما التقييد بغير الإفساد، فمتفقٌ عليه. ومنهم مَنْ قال: المراد بنفقة المرأة والعبد والخازن، النفقةُ على عيال صاحب المال في مصالحه، وليس ذلك بأن يفتئتوا على رب البيت بالإنفاق على الفقراء بغير إذن، ومنهم مَنْ فرّق بين المرأة والخادم، فقال: المرأة لها حق في مال الزوج، والنظر في بيتها، فجاز لها أن تتصدق، بخلاف الخادم، فليس له تصرف في متاع مولاه، فيشترط الإذن فيه. وهو متعقب بأن المرأة إذا استوفت حقها، فتصدقت منه، فقد تخصصت به، وإن تصدقتْ من غير حقها رجعت المسألة كما كانت، وليس في حديث الباب تصريحٌ بجواز التصدق بغير إذنه. نعم في حديث أبي هريرة عند مسلم "وما أنفقتْ من كسبه من غير أمره فإن نصف أجره لها" لكن قال النّوويّ: معناه من غير أمره الصريح في ذلك القدر المعين، ويكون معها إذنُ عامٌ سابق متناول لهذا القدر وغيره، إما بالصريح أو بالمفهوم، كما مرَّ. قال النوويّ: قال الخطابيّ: هو على العُرف البخاري، وهو إطلاق رب البيت لزوجته إطعام الضيف، أو التصدق على السائل، فندب الشارع ربة البيت لذلك، ورغبها فيه على وجه الإصلاح لا الفساد والإسراف، وفي حديث أبي أُمامة عند التِّرمِذِيّ، وقال حسن: "لا تنفق امرأة من بيت زوجها إلا بإذن زوجها. قيل: يا رسول الله، ولا الطعام؟ قال: ذاك أفضل أموالنا". وفي حديث سعد بن أبي وقاص عند أبي داود "لما بايع رسول الله ﷺ النساء، قامت امرأة فقالت: يا رسول الله، إنا كَلٌّ على آبائنا وأبنائنا". قال أبو داود؟ وأرى فيه وأزواجنا، فما يحل لنا من أموالهم؟ قال: الرُّطب تأكليه وتهديه" قال أبو داود: الرطب بفتح الراء، الخبز والبقل، والرُّطب بضم الراء، وتحصل من هذا أن الحكم يختلف باختلاف عادة البلاد، وحال الزوج من مسامحة وغيرها، وباختلاف حال المنْفَق بين أن يكون يسيرًا يتسامح به، وبين أن يكون له خطر في نفس الزوج يبخل بمثله، وبين أن يكون ذلك رطبًا يخشى فساده إن تأخر، وبين غيره.
стр. 5790
وأخرج الإسماعيليّ هذا الحديث بلفظ: "إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها كتب لها أجر، ولزوجها مثل ذلك، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص كل واحد منهم من أجر صاحبه شيئًا، للزوج بما اكتسب ولها بما أنفقت غير مفسِدة". وقوله: "وللخازن مثل ذلك" أي: بالشروط المذكورة في حديث أبي موسى، وظاهره يقتضي تساويهم في الأجر، ويحتمل أن يكون المراد بالمثل، حصول الأجر في الجملة، وإن كان أجر الكاسب أوفر، لكن التعبير في حديث أبي هُريرة المارّ "فلها نصف أجره" يشعر بالتساوي، وقد مرَّ تفصيل ذلك عند تعليق أبي موسى السابق.
وقوله: "لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئًا" المراد به عدم المساهمة والمزاحمة في الأجر. ويحتمل أن يراد مساواة بعضهم بعضًا. وقوله: "شيئًا" نصب مفعول ينقص، كيزيد يتعدى إلى مفعولين، الأوال أجر والثاني شيئًا، كزادهم الله مرضًا. ويحتمل أن قوله: "أجر بعض" منصوب بنزع الخافض، أي من أجرِ بعض، وشيئًا مفعول به. وفي الحديث فضل الأمانة وسخاوة النفس وطيب النفس في فعل الخير، والإعانة على فعل الخير.
رجاله ستة:
قد مرّوا، مرّت الثلاثة الأُول بهذا النسق في الثاني عشر من العلم، ومرَّ شقيق في الحادي والأربعين من الإيمان، ومرَّ مسروق في السابع والعشرين منه، ومرّت عائشة في الثاني من بدء الوحي.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة، ورواته كلهم كوفيون، أخرجه البخاريّ في الزكاة أيضًا وفي البيوع، ومسلم في الزكاة، وكذلك أبو داود والتِّرْمِذِيّ والنَّسائيّ. وأخرجه ابن ماجه في التجارة. ثم قال المصنف:
стр. 5791
باب لا صدقة إلا عن ظهر غني
ومَنْ تصدف وهو محتاج أو أهله محتاج أو عليه دين فالدين أحق أن يقضى من الصدقة والعتق والهبة وهو رد عليه ليس له أن يتلف أموال الناس قال النبي ﷺ : "مَنْ أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله إلا أن يكون معروفًا بالصبر فيؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة لفعل أبي بكر ﵁ حين تصدق بماله وكذلك آثر الأنصار المهاجرين ونهى النبي ﷺ من إضاعة المال فليس له أن يضيع أموال الناس بعلة الصدقة". وقال كعب ﵁: قلت: يا رسوِل الله: إنَّ مِنْ توبتي أنْ أَنْخَلعَ مِن مالي صَدَقَةً إلى اللهِ وإلىِ رَسُولهِ ﷺ ، قال: "أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِك فَهْوَ خَيْرٌ لَكَ"، قلت: فإنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذي بِخَيْبَرَ.
أورد في الباب حديث أبي هريرة بلفظ: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غني" وهو مشعر بأن النفي في اللفظ الأول للكمال لا للحقيقة، فالمعنى لا صدقة كاملة إلا عن ظهر غني، وقد أورده أحمد بلفظ: "إنما الصدقة ما كان عن ظهر غني" وهو أقرب إلى لفظ الترجمة، وأخرجه أيضًا من وجه آخر بلفظ الترجمة، فقال: لا صدقة إلا عن ظهر غني، وكذا ذكره المصنف تعليقًا في الوصايا.
وقوله: "ومَنْ تصدق وهو محتاج" إلى آخر الترجمة، كأنَّه أراد تفسير الحديث المذكور بأن شرط المتصدق أن لا يكون محتاجًا لنفسه، أو لمن تلزمه نفقته، ويلتحق بالتصدق سائر التبرعات. وأما قوله: "فهو رد عليه" فمقتضاه أن ذا الدَّين المستغرِق لا يصح منه التبرع، لكن محل هذا عند الفقهاء إذا حَجَر عليه الحاكم بالفَلَس، وقد نقل فيه صاحب المغني وغيره الإجماع، فيحمل إطلاق المصنف عليه، واستدل له المصنف بالأحاديث التي علقها.
وقوله: "محله إذا حَجَر عليه الحاكم بالفَلَس" هذا مخالف لمذهب مالك، فإن مذهبه أن الغريم له منع من أحاط الدَّينُ بماله من التبرع، وإن لم يحجر عليه الحاكم، وقد اشتملت هذه الترجمة على خمسة أحاديث معلقة.
أولها قوله: "وقال النبي ﷺ مَنْ أخذ أموال الناس" وهو طرف من حديث لأبي هُريرة موصولٌ عنده في الاستقراض. وقوله: "إلا أن يكون معروفًا بالصبر" هو من كلام المصنف، وكلام ابن التين يوهم أنه من بقية الحديث، فلا يغتر به، وكأنَّ المصنف أراد أن يخص عموم حديث الترجمة "لا صدقة إلا عن ظهر غني" والظاهر أنه يختص بالمحتاج، ويحتمل أن يكون عامًا، ويكون التقدير: إلا أن يكون كلٌّ من المحتاج أو مَنْ تلزمه النفقة، أو صاحب الدَّين معروفًا بالصبر.
стр. 5792
ويقوِّي الأولَ التمثيلُ الذي مثّل به مِن فعل أي بكر والأنصار. قال ابن بطال: أجمعوا على أنه لا يجوز للمِديان أن يتصدق بماله ويترك قضاء الدَّين، فتعين حمل ذلك على المحتاج. وحكى ابن رشيد عن بعضهم: أنه يتصور في المِديان فيما إذا عامله الغُرماء على أن يكل من المال. فلو آثر بقوته، وكان صبورًا جاز له ذلك، وإلا كان إيثاره سببًا في أن يرجع لاحتياجه، فيأكل فيتلف أموالهم فيمنع.
ثاني التعاليق: قوله: "كفعل أبي بكر حين تصدق بماله" هذا مشهور في السير، وورد في حديث مرفوع أخرجه أبو داود وصححه التِّرمذيّ والحاكم عن زيد بن أسلم عن أبيه، سمعت عمر يقول: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق" فوافق ذلك مالًا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا فجئت بنصف مالي، وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال له النبي ﷺ : "يا أبا بكر، ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله ... " الحديث، تفرد به هشام بن سعد، وهو صدوق. فيه مقال من جهة حفظه.
قال الطبريُّ وغيره: قال الجمهور: مَنْ تصدق بماله كله في صحة بدنه وعقله، حيث لا دَيْن عليه، وكان صبورًا على الإضافة، ولا عائلة له أو له عيال يصبرون أيضًا، فهو جائز. فإن فُقِد شيء من هذه الشروط كُره. وقال بعضهم: هو مردود، وروي عن عمر، حيث رد على غيلان الثقفيّ، قسمةُ ماله، ويمكن أن يحتج له بقصة المدبر الآتي ذكره، فإنه ﷺ باعه وأرسل ثمنه إلى الذي دبر، لكونه كان محتاجًا.
وقال آخرون: يجوز في الثلث، ويرد عليه الثلثان، وهو قول الأوزاعيّ ومكحول، وعن مكحول أيضًا: يرد ما زاد على النصف، قال الطبريّ: والصواب عندنا الأول من حيث الجواز، والمختار من حيث الاستحباب أن يجعل ذلك من الثلث جميعاً بين قصة أبي بكر، وحديث كعب.
ثالثها: قوله: "وكذلك آثر الأنصار المهاجرين" هو مشهور أيضًا في السِيَر، وفيه أحاديث مرفوعة منها حديث أنس: "قدِم المهاجرونَ المدينةَ وليس عندهم، فقاسمهم الأنصار" وسيأتي موصولًا في الهبة، وحديث أبي هريرة في قصة الأنصاري الذي آثر ضيفه بعشائه وعشاء أهله، وسيأتي موصولًا في تفسير سورة الحشر.
رابعها: قوله: "ونهى النبي ﷺ عن إضاعة المال، وهذا طرق من حديث يأتي موصولًا بتمامه في كتاب الاستقراض، وكتاب الأدب. واستدل به المصنف على رد صدقة المِدْيان، وإذا نُهي الإنسان عن إضاعة مال نفسه فإضاعة مال غيره أولى بالنهي، ولا يقال إن الصدقة ليست إضاعة، لأنها إذا عورضت بحق الدَّين لم يبق فيها ثوابٌ، فبطل كونها صدقة، وبقيت إضاعة محضةً، وإضاعة المال، قال الأكثر: إنه محمول على الإسراف في الإنفاق، وقيده بعضهم بالإنفاق في الحرام، والأقوى أنه ما أنفق في غير وجهه المأذون فيه شرعًا، سواءًا كانت دينية أو دنيوية، فمنع منه
стр. 5793
لأن الله تعالى جعل المال قيامًا لمصالح العباد، وفي تبذيرها تفويت تلك المصالح، أما في حق مضيعها، وإما في حق غيره، ويستثنى من ذلك كثرة إنفاقه في وجوه البِر، لتحصيل ثواب الآخرة، ما لم يفوت حقًا أخرويًا أهم منه، والحاصل في كثرة الإنفاق ثلاثة أوجه:
الأول: إنفاقه في الوجوه المذمومة شرعًا، فلا شك في منعه.
والثاني: إنفاقه في الوجوه المحمودة شرعًا، ولا شك في كونه مطلوبًا بالشرط المذكور.
والثالث: إنفاقه في المباحات بالأصالة، كملاذ النفس، فهذا ينقسم إلى قسمين: أحدهما أن يكون على وجه يليق بحال المنفق، وبقدر ماله، فهذا ليس بإسراف. والثاني: ما لا يليق به عُرفًا، وهو ينقسم أيضًا إلى قسمين: أحدهما ما يكون لدفع مفسدة، إما ناجزة أو متوقعة، وهذا ليس بإسراف. والثاني ما لا يكون لشيء من ذلك، فالجمهور على أنه إسراف. وذهب بعض الشافعية إلى أنه ليس بإسراف. قال: لأنه تقوم به مصلحة البدن، وهو غرض صحيح، وإذا كان في غير معصية، فهو مباح له.
قال ابن دقيق العيد: وظاهر القرآن يمنع ما قال، وقد صرّح بالمنع القاضي حُسين فقال في كتاب "قَسْم الصدقات": هو حرام، وتبعه الغزاليّ، وجزم به الرافعيّ في الكلام على المغارم، وصحح أنه ليس بتبذير أيضًا، وتبعه النوويّ. والذي يترجح أنه ليس مذمومًا لذاته، لكنه يقضي غالبًا إلى ارتكاب المحذور، كسؤال الناس، وما أدّى إلى المحذور فهو محذور، وقد مرّ قريبًا البحث في جواز التصدق بجميع المال.
وجزم الباجيّ من المالكية بمنع استيعاب المال بالصدقة، قال: ويكره كثرة إنفاقه في مصالح الدنيا, ولا بأس به إذا وقع نادر الحادث يحدث كضيف أو عيد أو وليمة، ومما لا خلاف في كراهته مجاوزةُ الحد في الإنفاق على البناء، زيادة على قدر الحاجة، ولاسيما إن أضاف إلى ذلك المبالغة في الزخرفة، ومنه احتمال الغبن الفاحش في البياعات بغير سبب، وأما إضاعة المال في المعصية فلا يختص بارتكاب الفواحش، بل يدخل فيه سوء القيام على الرقيق والبهائم، حتى هلكوا، ودفع مال من لم يؤنس منه الرشد إليه، وقسمة ما لا ينتفع بجزئه، كالجوهرة النفيسة.
وقال السبكيّ الكبير: الضابط في إضاعة المال أن لا يكون الغرض دينيّ ولا دنيويّ، فإن انتفيا حَرُم قطعًا، وإن وجد أحدهما وجودًا له بالٌ، وكان الأنفاق لائقًا بالحال، ولا معصية فيه، جاز قطعًا. وبين الرتبتين وسائط كثيرة لا تدخل تحت ضابط، فعلى المفتي أن يرى فيما تيسر منها رأيه، وأما ما لا يتيسر فلا تعرض له، فالإنفاق في المعصية حرام كله، ولا نظر إلى ما يحصل في مطلوبه من قضاء شهوة، ولذة حسنة، وأما إنفاقه في الملاذ المباحة، فهو موضع الاختلاف، فظاهر قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ أنَّ الزائد الذي لا يليق بحال المنفق إسرافٌ، ثم قال: ومن بذل مالًا كثيرًا في غرض يسير تافه، عده العقلاء مضيعًا، بخلاف
стр. 5794
عكسه. وقال الطيبيّ: هذا الحديث أصل في معرفة حسن الخُلُق، وهو تتبع جميع الأخلاق الحميدة والخلال الجميلة.
خامس التعاليق قوله: "وقال كعب" يعني ابن مالك الخ، وهو طرف من حديثه الطويل في قصة توبته، الآتي بتمامه في تفسير سورة التوبة، وإنما منعه ﷺ من صرف كل ماله، ولم يمنع الصديق، لقوة يقين الصديق، وتوكله وشدة صبره عن غيره من الصحابة، وكعب قد مرَّ في السادس والأربعين من استقبال القبلة.
الحديث الحادي والثلاثين
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ".
قوله: "ما كان عن ظهر غني" أي ما وقع من غير محتاج إلى ما يتصدق به لنفسه، أو لمن تلزمه نفقة. قال الخطابيّ: لفظ الظَّهر يرد في مثل هذا إشباعًا للكلام، والمعنى أفضل الصدقة ما أخرجه الإنسان من ماله بعد أن يستبقي منه قدر الكفاية، ولذلك قال بعده: "وابدأ بمَنْ تعول". وقال البغويّ: معناه غنًى يستظهر به على النوائب التي تنوبه، ونحوه قوله: ركب متن السلامة، والتنكير في قوله: غني، للتعظيم، هذا هو المعتمد في معنى الحديث. وقيل: المراد خير الصدقة ما أغنيت به من أعطيته عن المسألة، وقيل: "عن" للسببية، والظهور زائد، أي: خير الصدقة ما كان سببها غنى في المتصدق.
وقال النوويّ: مذهبنا أن التصدق بجميع المال مستحب لمن لا دَين عليه، ولا له عيال لا يصبرون، ويكون هو ممن يصبر على الإضافة والفقر، فإن لم يجمع هذه الشروط فمكروه، وقد مرَّ هذا. وقال القرطبي في المُفهم: يرد على تأويل الخطابيّ بالآيات والأحاديث الواردة في فضل المؤثرين على أنفسهم، ومنها حديث أبي ذَرٍّ "أفضل الصدقة جهد من مُقِلّ" والمختار أن معنى الحديث أفضل الصدقة ما وقع بعد القيام بحقوق النفس والعيال، بحيث لا يصير المتصدق محتاجًا بعد صدقته إلى أحد، فمعنى الغنى في هذا الحديث حصولُ ما تُدفع به الحاجة الضرورية كالأكل عند الجوع، المشوش الذي صبر عليه، وستر العورة والحاجة إلى ما يدفع به عن نفسه الأذى، وما هذا سبيله لا يجوز الإيثار به، بل يحرم، وذلك أنه إذا آثر غيره به أدى إلى اهلاك نفسه، أو الإضرار بها، أو كشف عورته، فمراعاة حقه أولى على كل حال. فإذا سقطت هذه الواجبات صح الإيثار، وكانت صدقته الأفضل لأجل ما يتحمله من مضض الفقر وشدة مشقته، فبهذا يندفع التعارض بين الأدلة إن شاء الله تعالى.
стр. 5795
وقوله: "وابدأ بِمَنْ تعول" أي بمَنْ تجب عليك نفقته، يقال: عال الرجلُ أهلَه إذا مَأَنَهم، أي: قام بما يتحاجون إليه من قوت وكِسوة، وهو أمر بتقديم من يجب، وهو نفقة نفسه وعياله؛ لأنها منحصرة فيه، بخلاف نفقة غيرهم. وقال ابن المنذر: اختُلف في نفقة مَنْ بلغ من الأولاد، ولا مال له ولا كسب، فأوجبت طائفة النفقة لجميع الأولاد أطفالًا كانوا أو بالغين، إناثًا أو ذكورًا إذا لم تكن لهم أموال يستغنون بها. وذهب الجمهور إلى أن الواجب أن ينفق عليهم حتى يبلغ الذكر أو تتزوج الأنثى، ثم لا نفقة على الأب إلا إن كانوا زَمْنى، فإن كانت لهم أموال فلا وجوب على الأب. وألحق الشافعيّ ولد الولد، وإن سَفُل في ذلك.
رجاله ستة:
قد مرّوا، مرَّ عبدان وعبد الله بن المبارك في السادس من بدء الوحي، ومرّ الزهريّ في الثالث منه، ويونس في متابعة بعد الرابع منه، ومرَّ ابن المُسَيَّب في التاسع عشر من الإيمان، وأبو هريرة في الثاني منه.
الحديث الثاني والثلاثون
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ".
قوله: "اليد العليا خير من اليد السفلى" جاء في حديث ابن عمر الذي بعده، تفسيرُ العليا بأنها هي المنفِقة، والسفلى بأنها هي السائلة، والمنفِقة في أكثر الروايات، بالنون والقاف، من الإنفاق وفي بعض الروايات "المتعففة" بالعين وفاءين، من العفة، والأُولى هي الصحيحة، بل قيل: إن الأخيرة تصحيف، ويؤيدها حديث طارق المحاربيّ عند النَّسائيّ قال: قدمنا المدينة فإذا النبي ﷺ قائمٌ على المنبر يخطب الناس، وهو يقول: "يد المعطي العُليا" ولابن أبي شيبة والبزار عن ثعلبة بن زهرم مثله، وللطبراني بإسناد صحيح عن حكيم بن حِزام مرفوعًا "يد الله فوق يد المعطي، ويد المعطي فوق يد المعطى، أو يد المعطى أسفل الأيدي".
وللطبرانيّ عن عدي الجُذاميّ، مرفوعًا، مثله، ولأبي داود وابن خُزيمة عن أبي الأحوص، مرفوعًا "الأيدي ثلاثة: فيد الله العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السائل السفلى" فهذه الأحاديث متضافرة على أن اليد العليا هي المنفِقة المعطية، وأن السفلى هي السائلة، وهذا هو المعتمد، وهو قول الجمهور. وقيل: اليد السفلى الآخذة، سواءًا كان بسؤال أم بغير سؤال، وهذا أباه قومٌ، واستندوا إلى أن الصدقة تقع في يد الله قبل يد المتصدق عليه.
قال ابن العربيّ: التحقيق أن السفلى يد السائل، وأما يد الأخذ فلا؛ لأن يد الله هي المعطية،
стр. 5796
ويد الله هي الآخذة، وكلتاهما عليا وكلتاهما يمين، وفيه نظر؛ لأن البحث إنما هو في أيدي الآدميين، وأما يد الله تعالى فباعتبار كونه مالكَ كل شيء، نسبت يده إلى الإعطاء، وباعتبار قبوله للصدقة ورضاه بها نسبت يده إلى الأخذ، ويده العليا على كل حال، وأما يد الآدمي فهي أربعة: يد المعطي، وقد تضافرت الأخبار بأنها عُليا. ثانيها: يد السائل، وقد تضافرت بأنها سفلى سواءًا أخذت أم لا، وهذا موافق لكيفية الإعطاء والأخذ غالبًا، وللمقابلة بين العلو والسفل، والمشتق منهما. ثالثها: يد المتعفف عن الأخذ، ولو بعد أن تمد إليه يد المعطي مثلًا، وهذه توصف بكونها عُليا علوًا معنوياً. رابعها: يد الآخذ بغير سؤال، وهذه قد اختلف فيها، فذهب جمع إلى أنها سُفلى، وهذا بالنظر إلى الأمر المحسوس، وأما المعنويّ فلا يطرد، فقد تكون عُليا في بعض الصور، وعليه يحمل كلام من أطلق أنها عُليا.
قال ابن حِبّان: اليد المتصدقة أفضل من السائلة، لا الآخذة بغير سؤال، إذ محالٌ أن تكون اليد التي أُبيح لها استعمال فعل باستعماله دون من فرض عليه إتيان شيء، فأتى به، أو تقرب إلى ربه متنفلًا، فربما كان الآخذ لما أبيح له أفضل وأورع من الذي يعطي. وعن الحسن البصريّ: اليد العليا المُعْطِية، والسفلى المانعة. ولم يوافق على ذلك. وأطلق آخرون من المتصوفة أن اليد الآخذة أفضل من المعطية مثلًا، وقد حكى ابن قُتيبة ذلك عن قوم، ثم قال: وما أرى هؤلاء إلا قومًا استطابوا السؤال، فهم يحتجون للدناءة، ولو جاز هذا لكان المولى من فوق هو الذي كان رقيقًا فأُعتق، والمولي من أسفل هو السيد الذي أعتقه.
ولجمال الدين بن بُناتة معنى آخر في تأويل الحديث، فقال: اليد هنا هي النعمة، وكأنَّ المعنى أن العطية الجزيلة خيرٌ من العطية القليلة، وهذا حث على المكارم بأوجز لفظ، ويشهد له أحد التأويلين في قوله: "ما أبقت غنى" أي: ما حصل به للسائل غنى عن سؤاله، كمن أراد أن يتصدق بألف، فلو أعطاها لمئة إنسان لم يظهر عليهم الغنى، بخلاف ما لو أعطاها لرجل واحد، قال: وهذا أولى من حَمْلِ اليد على الجارحة؛ لأن ذلك لا يستمر، إذ فيمن يأخذ مَنْ هو خير عند الله تعالى ممن يعطي، والتفاضل هنا راجع إلى الإعطاء والأخذ، ولا يلزم منه أن يكون المعطي أفضل من الآخذ على الإطلاق.
وقد روى إسحاق في مسنده أن حكيم بن حِزام قال: يا رسول الله، ما اليد العليا؟ قال: "التي تعطي ولا تأخذ". فقوله: "ولا تأخذ" صريح في أن الآخذة ليست بعُليا، وكل هذه التأويلات المتعسفة تضمحل عند الأحاديث المتقدمة، المصرحة بالمراد، فأولى ما فسر به الحديثُ الحديثُ، ومحصل ما في الآثار المتقدمة أن أعلى الأيدي المنفقة ثم المتعففة عن الأخذ، ثم الأخذة بغير سؤال، وأسفل الأيدي السائلة والمانعة.
وفي الحديث الحث على الإنفاق في وجوه الطاعة، وفيه تفضيل الغنى، مع القيام بحقوقه،
стр. 5797
على الفقر؛ لأن العطاء إنما يكون مع الغنى، وقد مرّ الخلاف في ذلك عند حديث "لا حد إلاَّ في اثنتين" في كتاب العلم. وفيه كراهة السؤال والتنفير عنه، ومحله إذا لم تدعُ إليه ضرورة من خوف هلاك ونحوه، وقد روى الطبرانيّ عن ابن عمر بإسناد فيه مقال، مرفوعًا إما المعطي من سَعَةٍ أفضل من الآخذ إذا كان محتاجًا".
وقوله: "ومَنْ يستعف" من الاستعفاف، وهو طلب العفة، وهم الكف عن الحرام والسؤال من الناس. وقيل: الاستعفاف الصبر والنزاهة عن الشيء، وقوله: "يُعِفُّه الله" بضم الياء من الإِعفاف، ومعناه يُصَيِّره عفيفًا. وقوله: "ومَنْ يستغن يغنه الله" شرط وجزاء، وعلاقة الجزم حذف الياء، أي من يطلب الغنى من الله يعطه.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، إلا حكيمًا. مرّ موسى بن إسماعيل في الخامس من بدء الوحي، وهشام وأبو عروة في الثاني منه، ومرَّ وهيب في تعليق بعد الخامس عشر من الإيمان.
وأما حكيم فهو ابن حِزام بن خُويلد بن أَسَد بن عبد العُزّى بن قُصَى الأسديّ ابن أخي خديجة بنت خُويلد، يكنى أبا خالد، وأمه صفية، وقيل: فاختة، وقيل: زينب بنت زُهير بن الحارث بن أسد بن عبد العُزّى. وروى أبو حبيبة، مولى الزبير، سمعت حكيم بن حزام يقول: ولدت قبل الفيل بثلاث عشرة سنة، وكنت أعقل حين أراد عبد المطلب أن يذبح ولده عبد الله، وكانت ولادته قبل مولد النبي ﷺ بخمس سنين. وقتل والد حكيم في الفِجار، وشهدها هو.
ولد في جوف الكعبة، وذلك أن أمه دخلت الكعبة في نسوة من قريش، وهي حامل، فضربها المخاض فأتيت بنِطْعٍ، فولدت حكيمًا عليه. كان من سادات قريش في الجاهلية وفي الإِسلام، وكان صديق النبي ﷺ قبل المبعث، وكان يوده، ولكن تأخر إسلامه حتى أسلم عام الفتح، فأسلم هو وبنو عبد الله وخالد ويحيى وهشام، وكلهم صحب النبي ﵊، وثبت في السِيَر وفي الصحيح أن النبي ﷺ قال: "مَنْ دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن" وكان من المؤلفة، وشهد حُنَيْنَاً، وأعطي من غنائمها مئة بعير، ثم حسن إسلامه.
وكان قد شهد بدرًا مع الكفار، ثم نجا مع مَنْ نجا، وكان إذا اجتهد في اليمين يقول: والذي نجّاني يوم بدر. كان عاقلاً سَرِيًّا فاضلًا سيدًا بماله، غنيًا، أعتق في الجاهلية مئة رقبة، وحمل على مئة بعير، ثم أتى النبي ﷺ بعد أن أسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت أشياءَ كنتُ أفعلها في الجاهلية أتحنَّثُ بها، ألي فيها أجر؟ قال له: "أسلمت على ما أسلفت من خير". وجاء الإِسلام وفي يده الرِّفادة، وكان يفعل المعروف، ويصل الرحم، وكانت له دار الندوة، فباعها من معاوية بمئة ألف درهم، فلامه ابن الزبير، وقال له: بعت مكرمة قريش. فقال له: ذهبت المكارم إلا التقوى، اشتريتُ بها يا ابن أخي دارًا في الجنة، فتصدق بالدراهم كلها، وهو ممن عاش مئة وعشرين سنة،
стр. 5798
نصفها في الجاهلية ونصفها في الإِسلام.
وحج في الإِسلام ومعه مئة بدنة قد جللها بالحِبرة، وكلها عن أعجازها وأهداها، ووقف بمئة وصيف بعرفة في أعناقهم أطواق الفضة منقوش فيها "عتقاء الله"، عن حكيم بن حزام. وأهدى ألف شاة، له أربعون حديثًا، اتفقا على أربعة منها، روى عنه ابن المسيب، وعروة بن الزبير وعبد الله بن الحارث بن نوفل وغيرهم. مات بالمدينة في داره في زقاق الصواغينيّ، عند بلاط الفاكهة، في خلافة معاوية، سنة خمسين. وقيل سنة أربع، وقيل ثمان وخمسين. وقيل سنة ستين، وهو ابن مئة وعشرين كما مرَّ.
ثم قال: وعن وهيب قال: أخبرنا هشام عن أبيه عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، بهذا أورده معطوفًا على إسناد حكيم بلفظ "وعن وهيب" والظاهر أنه حمله عن موسى بن إسماعيل عنه بالطريقين معًا، وكان هشامًا حدّث به وهيبًا تارة عن أبيه عن حكيم، وتارة عن أبيه عن أبي هُريرة، أو حدّثه به عنهما مجموعًا، ففرقه وهيب أو الراوي عنه، والتعليق وصله الإسماعيلي، ورجاله مرَّ ذكر محلهم في الذي قبله، إلا أبا هريرة، وهو قد مرَّ في الثاني من الإيمان.
الحديث الثالث والثلاثون
حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ح. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَذَكَرَ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ وَالْمَسْأَلَةَ: "الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، فَالْيَدُ الْعُلْيَا هِىَ الْمُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَى هِىَ السَّائِلَةُ".
أورد حديث ابن عمر من وجهين في ذكر اليد العليا، وإنما أورده ليفسر به ما أُجمل في حديث حكيم. قال ابن رشيد: والذي يظهر أن حديث حكيم بن حِزام لما اشتمل على شيئين: حديث اليد العليا، وحديث لا صدقة إلا عن ظهر غنى، ذكر معه حديث ابن عمر المشتمل على الشيء الأول تكثيرًا لطرقه، ويحتمل أن تكون مناسبة "حديث اليد العليا" للترجمة من جهة أن إطلاق كون اليد العليا هي المنفقة محله ما إذا كان الإنفاق لا يمنع منه الشرع كالمِديان المحجور عليه، فعمومه مخصوص بقوله: "لا صدقة إلا عن ظهر غني" ولم يسق البخاريّ متن طريق حمّاد عن أيوب، وعطف عليه طريق مالك، فربما أوهم أنهما سواء، وفيهما بعض اختلاف قليل.
وقال القرطبيّ: وقع تفسير اليد العليا والسفلى في حديث ابن عمر هذا، وهو نص يرفع الخلاف، ويدفع تعسف من تعسف في تأويله ذلك، لكن ادعى أبو العباس الداني أن التفسير المذكور فدْرَج في الحديث، ولم يذكر مستندًا لذلك. وفي كتاب العسكريّ في الصحابة بإسناد له
стр. 5799
فيه انقطاع عن ابن عمر، أنه كتب إلى بشر بن مروان أني سمعت النبي ﷺ يقول: "اليد العليا خير من اليد السفلى" ولا أحسب اليد السفلى إلا السائلة، ولا العليا إلا المعطية. وهذا يشعر بأن التفسير من كلام ابن عمر، ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة عنه. قال: كنا نتحدث أن العليا هي المنفقة.
وقوله: "وذكر الصدقة والتعفف والمسألة" كذا للبخاري بالواو قبل المسألة، ولمسلم عن مالك "والتعفف عن المسألة" ولأبي داود "والتعفف منها" أي: من أخذ الصدقة، والمعنى أنه كان ﵊ يحض الغنيّ على الصدقة، والفقير على التعفف عن المسألة، أو يحضه على التعفف ويذم المسألة.
وقوله: "فاليد العليا هي المنفقة" قد مرَّ ما قيل فيه من تفسير العليا والسفلى، والكلام على المنفقة مستوفى في الحديث الذي قبله. قال ابن عبد البَرّ: في الحديث إباحة الكلام للخطيب بكل ما يصلح من موعظة وعلم وقربة.
رجاله سبعة:
قد مرّوا، مرَّ أبو النعمان محمد بن الفضل في الأخير من الإيمان، ومرَّ حمّاد بن زيد في الرابع والعشرين منه، ومرَّ أيوب في التاسع منه، ومرّ عبد الله بن مَسْلَمة في الثاني عشر منه، ومرَّ ابن عمر في أوله قبل ذكر حديث منه، ومرَّ نافع في الأخير من العلم، ومالك في الثاني من بدء الوحي.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة، ورواته ما بين بصريّ ومدنيّ، أخرجه مسلم وأبو داود والنَّسائيّ في الزكاة. ثم قال المصنف:
стр. 5800
باب المنان بما أعطى
لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ الآية. هذه الترجمة ثبتت في رواية الكشميهنيّ وحده بغير حديث، وكأنه أشار إلى ما رواه مسلم عن أبي ذَرٍّ مرفوعًا "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة: المانُّ الذي لا يعطي شيئًا إلا مَنَّ به، والمنفق سلعته بالحَلْف، والمسبل إزاره" ولما لم يكن على شرطه، اقتصر على الإشارة إليه، ومناسبة الآية للترجمة واضحة من جهة أن النفقة في سبيل الله، لما كان المنان بها مذمومًا، كان ذم المعطي في غيرها من باب أولى.
قال القرطبيّ: المن غالبًا يقع من البخيل والمعَجب، فالبخيل تعظم أي: نفسه العطية، وإن كانت حقيرة في نفسها، والمعجب يحمله العجب على النظر لنفسه بعين العظمة، وأنه منعم بماله على المعطى، وإن كان أفضل منه في نفس الأمر، وموجب ذلك كله الجهل، ونسيان نعمة الله فيما أنعم عليه به، ولو نظر مصيرَه لَعَلَم أن المنة للآخذ لما يترتب له من الفوائد.
وقوله: "لقوله تعالى ... إلخ" علّل الترجمة بهذه الآية، ووجه ذلك أن الله تعالى مَدَح الذين ينفقون أموالهم ثم لا يتبعون ما أنفقوا من الخيرات والصدقات منًا على ما أَعطوه، لا بقول ولا بفعل. والذين يتبعون ما أنفقوا منًا وأذى، يكونون مذمومين، ولا يستحقون من الخيرات شيئًا. ووعد الله تعالى الذين لا يمنون بما أنفقوا، بالثواب الجزيل، فقال: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فيما يستقبلونه من أهوال يوم القيامة، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما خَلَّفوا من الأولاد. وذكر الكلبيّ أن هذه الآية نزات في عثمان وعبد الرحمن بن عوف، جاء عبد الرحمن إلى النبي ﷺ بأربعة آلاف درهم، نصفِ ماله، وقال عثمان: عَلَيّ جهاز من لا جهاز عنده، في غزوة تبوك، فجهز المسلمين بألف بعير بأقنابها وأحلاسها. ثم قال المصنف:
стр. 5801
باب مَنْ أحب تعجيل الصدقة من يومها
الحديث الرابع والثلاثون
حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ الْحَارِثِ ﵁ حَدَّثَهُ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ الْعَصْرَ، فَأَسْرَعَ ثُمَّ دَخَلَ الْبَيْتَ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ، فَقُلْتُ أَوْ قِيلَ لَهُ فَقَالَ: "كُنْتُ خَلَّفْتُ فِي الْبَيْتِ تِبْرًا مِنَ الصَّدَقَةِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُبَيِّتَهُ فَقَسَمْتُهُ".
قوله: "كنت خلفت في البيت تبرًا من الصدقة، فكرهت أن أبيته فقسمته" قال ابن بطال: فيه أن الخير ينبغي أن يبادر به، فإن الآفات تعرض، والموانع تمنع، والموت لا يؤمن، والتسويف غير محدود. زاد غيره: وهو أخلص للذمة، وأنفى للحاجة، وأبعد من المَطْل المذموم، وأرضى للرب، وأمحى للذنب. وقال الزين بن المنير: ترجم المصنف بالاستحباب، وكان يمكن أن يقول: كراهة تبييت الصدقة لأن الكراهة صريحة في الخبر، واستحباب التعجيل مستنبط من قرائن سياق الخبر، حيث أسرع في الدخول والقسمة، فجرى على عادته في إيثار الأخفى على الأجلى.
وقوله: "أن أُبيته" أي: أتركه حتى يدخل عليه الليل، يقال: بات الرجل دخل في الليل، وبيته: تركه حتى دخل الليل، وهذا الحديث قد مرَّ في باب "مَنْ صلى بالناس، فذكر حاجة، فتخطاهم" من أبواب صفة الصلاة. ومرّت بقية فوائده هناك.
رجاله أربعة:
قد مرّوا، مرَّ أبو عاصم في أثر بعد الخامس من العلم، ومرَّ عمر بن سعيد وعقبة بن الحارث في الثلاثين منه، ومرَّ ابن أبي مليكة في تعليق بعد الأربعين من الإيمان. ثم قال المصنف:
стр. 5802
باب التحريض على الصدقة والشفاعة فيها
قال الزين بن المنير: يجتمع التحريض والشفاعة في أن كلًا منهما إيصال الراحة للمحتاج، ويفترقان في أن التحريض معناه الترغيب بذكر ما في الصدقة من الأجر، والشفاعة فيها معنى السؤال والتقاضي للإجابة، ويفترقان أيضًا بأن الشفاعة لا تكون إلا في خير، بخلاف التحريض، وبأنها قد تكون بدون تحريض.
الحديث الخامس والثلاثون
حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَدِيٌّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ عِيدٍ فَصَلَّي رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلُ وَلاَ بَعْدُ، ثُمَّ مَالَ عَلَى النِّسَاءِ وَمَعَهُ بِلاَلٌ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي الْقُلْبَ وَالْخُرْصَ.
وقوله: "القُلْب" بضم القاف وسكون اللام آخرها موحدة، هو السِّوار، وقيل: إنه مخصوص بما كان من عَظْم، والخُرْص، بضم المعجمة وسكون الراء: الحلقة، وهذا الحديث مرّت مباحثه في باب عظة الإِمام النساءَ من كتاب العلم. ومرَّ قليل منها في باب موعظة الإِمام النساءَ يوم العيد، من كتاب العيدين.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرَّ مسلم بن إبراهيم في السابع والثلاثين من الإيمان، ومرَّ شعبة في الثالث منه، ومرَّ عديّ بن ثابت في الثامن والأربعين منه، ومرَّ سعيد بن جبير وابن عباس في الخامس من بدء الوحي، ومرَّ الكلام على الحديث في العيدين.
الحديث السادس والثلاثون
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ، أَوْ طُلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ قَالَ: "اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ مَا شَاءَ".
قال ابن بطال: المعنى اشفعوا يحصل لكم الأجر مطلقًا، سواء قضيت الحاجة أم لا. وقد قالوا: إن الأجر على الشفاعة ليس على العموم، بل مخصوص بما تجوز فيه الشفاعة، وهي
стр. 5803
الشفاعة الحسنة، وضابطها ما أذِن فيه الشرع دون ما لم يأذن فيه. وقوله: "كان إذا جاءه السائل أو طلبت إليه حاجة" هكذا الرواية هنا، وأخرجه مسلم عن بريد بلفظ "كان إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جُلسائه" وأخرجه المصنف في الأدب بلفظ: "إنه كان إذا أتاه السائل أو صاحب الحاجة" وأخرجه مسلم من هذا الوجه، وأخرجه أبو نعيم بلفظ "كان رسول الله ﷺ إذا جاءه السائل، أوطالب الحاجة، أقبل علينا بوجهه" وكل هذه الروايات لا أشك فيها.
وقوله: "اشفعوا تؤجروا" بالجزم على جواب الأمر المُضَمَّن معنى الشرط، وهو واضح، وكذا وقع في مسلم. وجاء في الأدب بلفظ "فلتؤجروا" وينبغي أن تكون هذه اللام مكسورة؛ لأنها لام كيّ وتكون الفاء زائدة، كما زيدت في حديث "قوموا فلأُصلي لكم" ويكون معنى الحديث: اشفعوا كي يؤجروا، ويحتمل أن تكون لام الأمر، والمأمور التعرض للأجر بالشفاعة، فكأنه قال: اشفعوا فتعرضوا بذلك للأجر، وتكسر هذه اللام على أصل لام الأمر، ويجوز تسكينها تخفيفًا لأجل الحركة التي قبلها.
وفي رواية أبي داود "اشفعوا لتؤجروا" وهو يقوي أن اللام للتعليل، وجوّز الكرمانيّ أن تكون الفاء سببية، واللام بالكسر، وهي لام كي، وقال: جاز اجتماعهما؛ لأنهما لأمر واحد. ويحتمل أن تكون جزائية جوابًا للأمر، ويحتمل أن تكون زائدة على رأي، أو عاطفة على "اشفعوا" واللام لام الأمر، أو على مقدر، أي: اشفعوا لتؤجروا، فلتؤجروا, ولفظ "اشفعوا تؤجروا" في تقدير: ان تشفعوا تؤجروا والشرط يتضمن السببية، فإذا أُتي باللام وقع التصريح بذلك.
وقال الطيبيّ: الفاء واللام زائدتان للتأكيد، لأنه لو قيل "اشفعوا تؤجروا" صح، أي: إذا عرض المحتاج حاجته علي، فاشفعوا له إليّ، فإنكم إن شفعتم حصل لكم الأجر، سواءًا قبلت شفاعتكم أم لا. ويُجري الله على لسان نبيه ما شاء، أي: من موجبات قضاء الحاجة أو عدمها، أي أن قضيتها أو لم أقضها، فهو بتقدير الله تعالى وقضائه. وفي حديث ابن عباس بسند ضعيف، رفعه "مَنْ سعى لأخيه المسلم في حاجته، قضيت له أو لم تقضَ، غفر له".
وقوله: "ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء" بيان أن الساعي مأجور على كل حال، وإن خاب سعيه. قال ﵊: "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" ولا يأبى كبير أن يشفع عند صغير، فإن شفع عنده ولم يقضها, لا ينبغي له أن يؤذي المشفوع له؛ لأنه ﵊ شفع عند بُريدة لترد زوجها فأبت، ويجوز في قوله: "ويقضي الله" الرفعَ والنصبَ والجزم، لقول ابن مالك:
والفعل من بعد الجزا إن يقترنْ ... بالفاء أو الواو بتثليث قَمِنْ
وفي رواية كتاب الأدب "وليقض الله على لسان نبيه ما شاء" وفي رواية مسلم "فليقض". قال القرطبيّ: "لا يصح أن تكون هذه اللام لام الأمر؛ لأن الله لا يؤمر، ولا لام كي؛ لأنه ثبت في الرواية
стр. 5804
"وليقض" بغير ياء مد، ثم قال: ويحتمل أن تكون بمعنى الدعاء، أي اللهم اقضي، أو الأمر هنا بمعنى الخبر.
وفي الحديث الحض على الخير بالفعل وبالتسبب إليه بكل وجه، والشفاعة إلى الكبير في كشف كُرْبة، ومَعونة ضعيف، إذ ليس كل أحد يقدر على الوصول إلى الرئيس، أو التمكن منه ليلج عليه، أو يوضح له مراده. ليعرف حاله على وجهه، وإلا فقد كان ﷺ لا يحتجب. قال عياض: ولا يستثني من الوجوه التي تستحب الشفاعة فيها إلا الحدود، وإلا فما لأحد فيه تجوز الشفاعة فيه، ولاسيما ممن وقعت منه هفوة أو كان من أهل الستر والعفاف. قال: وأما المصرون على فسادهم، المشتهرون في باطلهم، فلا يشفع فيهم، ليزجروا عن ذلك.
وقد قال تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ وحاصل معنى الآية أنَّ مَنْ شفع لأحد في الخيركان له نصيب من الأجر، ومَنْ شفع له بالباطل كان له نصيب من الوِزر. وقيل: الشفاعة الحسنة الدعاءَ للمؤمن، والسيئة الدعاء عليه.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرَّ موسى بن إسماعيل في الخامس من بدء الوحي، ومرّ عبد الواحد بن زياد في التاسع والعشرين من الإيمان، ومرّت الثلاثة الباقية بهذا النسق في الرابع منه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة، ورواته بصريان وكوفيون، وفيه الرواية عن الجد والأب. أخرجه البخاريّ أيضًا في الأدب. وفي التوحيد، ومسلم في الأدب، وأبو داود فيه وفي السنة، والتِّرمِذِيّ في العلم، والنَّسائيّ في الزكاة.
الحديث السابع والثلاثون
حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ لِى النَّبِيُّ ﷺ : "لاَ تُوكِى فَيُوكَي عَلَيْكِ. حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدَةَ وَقَالَا: لاَ تُحْصِى فَيُحْصِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ".
قوله: "حدثنا عثمان عن عَبَدَة" أي بإسناده المذكور، ويحتمل أن يكون الحديث كان عند عبدة عن هشام باللفظين، فحدث به تارة هكذا، وتارة هكذا. وقد رواه النَّسَائي والإسماعيليّ عن هشام باللفظين معًا. وقوله: "لا تُوكي" من أوكى يوكي، يقال: أوكى ما في سقائه إذا شده بالوِكاء، وهو الخيط الذي يُشد به رأس القربة. وأوكى علينا أي: بخل. وقوله: "فيوكَي عليك" بفتح الكاف على صيغة المجهول، وسيأتي في الهبة بلفظ: "ولا تحصي فيحصى الله عليك، ولا توعي فيوعي الله عليك" والوَعْي، بالعين المهملة، بمعنى الإيكاء. يقال: أوعيت المتاع في الوعاء أُوعية إذا
стр. 5805
جعلته فيه، ووعيت الشيء حفظته.
وإسناد الوعي إلى الله تعالى مجاز عن الإمساك والإحصاء معرفة قدر الشيء وزنًا أو عددًا. وهو من باب المقابلة، والمعنى النهي عن منع الصدقة خشية النفاد، فإن ذلك أعظم الأسباب لقطع مادة البركة؛ لأن الله يثيب على الإعطاء بغيرحساب، ومن لا يحاسب على الجزاء لا يحسب عليه عند العطاء، ومن علم أن الله يرزقه من حيث لا يحتسب، فحقه أن يعطي ولا يحسب. وقيل: المراد بالإحصاء عد الشيء؛ لأن يدخر ولا ينفق منه، وإحصاء الله قطع البركة عنه، أو حبس مادة الرزق أو المحاسبة عليه في الآخرة.
قال ابن رشيد: قد تخفى مناسبة حديث أسماء لهذه الترجمة، وليس بخاف على الفَطِن ما فيه من معنى التحريض والشفاعة معًا، فإنه يصلح أن يقال في كل منهما، وهذه هي النكتة في ختم الباب به.
رجاله ستة:
قد مرّوا، مرّ صدقة بن الفضل في السادس والخمسين من العلم، ومرّت فاطمة بنت المنذر وأسماء بنت أبي بكر الصديق في الثامن والعشرين منه، ومرَّ عبدة بن سليمان في الثالث عشر من الإيمان، ومرَّ هشام بن عروة في الثاني من بدء الوحي.
لطائف إسناده:
فيه التحديث والإخبار بالجمع والعنعنة، ورواته مروزيّ وكوفيّ ومدنيون، وفيه رواية التابعية عن الصحابية، ورواية التابعيّ عن التابعية، أخرجه البخاريُّ أيضًا في الهبة، ومسلم في الزكاة والنَّسائي فيها وفي عِشرة النساء.
وعثمان بن أبي شَيبة قد مرّ في الثاني عشر من العلم. ثم قال المصنف:
стр. 5806
باب الصدقة فيما استطاع
الحديث الثامن والثلاثون
حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيق ﵄ أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "لاَ تُوعِي فَيُوعِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ، ارْضَخِي مَا اسْتَطَعْتِ".
أورد حديث أسماء المذكور قبل من وجه آخر عنها من وجهين، وساقه هنا على لفظ حجاج بن محمد لخلو طريق أبي عاصم من التقييد بالاستطاعة، وسيأتي في الهبة بلفظ أبي عاصم، وسياقه أتم، وقوله: "إرضَخِي" بكسر الهمزة من الرَّضْخ، بمعجمتين، وهو العطاء اليسير، فالمعنى أنفقي بغير إجحاف ما دمت قادرة مستطيعة.
رجاله سبعة:
مرْ منهم أبو عاصم النبيل في أثر بعد الرابع من العلم، ومرَّ ابن جُريج في الثالث من الحيض، ومرّ محمد بن عبد الرحيم في السادس من الوضوء ومرّ ابن أبي مليكة في أثر بعد الأربعين من الإيمان. ومرّ محل أسماء في الذي قبله، والباقي اثنان:
الأول: حجّاج بن محمد المَصِّيصِيّ الأعور، أبو محمد مولى سليمان بن مُجالِد، تِرْمِذِيُّ الأصل، قال أحمد: ما كان أضبطه وأشد تعاهده للحروف، ورفع أمره جدًا. وسئل أحمد: أيما أثبت حجاج أو الأسود بن عامر؟ فقال: حجاج، وسئل ابن مقيل: أيما أحب إليك؟ حجاج أو أبو عاصم؟ فقال: حجاج. وقال المعلّى الرازيّ: قد رأيت أصحاب ابن جُريج، فما رأيت فيهم أثبت من حجاج.
وقال إسحاق بن عبد الله السلميّ: حجاج نائمًا أوثق من عبد الرزاق يقظانَ، وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا إن شاء الله تعالى، وكان قد تغير في آخر عمره حين قدم إلى بغداد سنة ستة ومئتين. قال في المقدمة: ذكره أبو الَعْرُب الصِّقِلّي في الضعفاء، بسبب أنه تغير في آخر عمره واختلط، ولكن ما ضرّه الاختلاط. فإن إبراهيم الحريّ حكى أن يحيى بن مُعين منع ابنه أن يُدخل عليه
стр. 5807
أحدًا بعد اختلاطه. روى له الجماعة، روى عن ابن جُريج والليث وشُعبة وغيرهم. وعنه أحمد ويحيى بن مُعين ويحيى بن يحيى. وروى عنه أبو خالد الأحمر. وهو من أقرانه، وغير ذلك. مات في ربيع الأول سنة ست ومئتين ببغداد.
الثاني: عبّاد بن عبد الله بن الزبير بن العوّام الأسدي المدنيّ. قال النَّسائي: ثقة، وذكره ابن حِبّان في الثقات. وقال الزبير بن بكّار: كان عظيم القدر عند أبيه، وكان على قضائه بمكة، وكان يستخلفه إذا حج، وكان أصدق الناس لهجة، ووصفه مصعب الزبيريّ بالوقار. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقة.
روى عن أبيه وجدته أسماء، وخالة أبيه عائشة. وأما روايته عن عمر بن الخطاب فمرسلة قطعًا. وروى عنه يحيى وابن أخيه عبدالواحد بن حَمزة وابن أبي مليكة وغيرهم.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإفراد والإخبار بالأفراد والعنعنة، وشيخه من أفراده ورواته بغدادِيّ ومكيّ وتِرمذيّ مَصِّيصيّ ومكيون. أخرجه البخاريّ أيضًا في الزكاة والهبة، ومسلم في الزكاة والنَّسائيّ فيها وفي عِشرة النساء. ثم قال المصنف:
стр. 5808
باب الصدقة تكفر الخطيئة
الحديث التاسع والثلاثون
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْفِتْنَةِ قَالَ: قُلْتُ: أَنَا أَحْفَظُهُ كَمَا قَالَ. قَالَ: إِنَّكَ عَلَيْهِ لَجَرِيءٌ فَكَيْفَ قَالَ؟ قُلْتُ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْمَعْرُوفُ. قَالَ سُلَيْمَانُ: قَدْ كَانَ يَقُولُ: الصَّلاَةُ وَالصَّدَقَةُ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ. قَالَ: لَيْسَ هَذِهِ أُرِيدُ، وَلَكِنِّي أُرِيدُ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ. قَالَ: قُلْتُ: لَيْسَ عَلَيْكَ بِهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَأْسٌ، بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابٌ مُغْلَقٌ. قَالَ: فَيُكْسَرُ الْبَابُ أَوْ يُفْتَحُ. قَالَ: قُلْتُ: لاَ. بَلْ يُكْسَرُ. قَالَ: فَإِنَّهُ إِذَا كُسِرَ لَمْ يُغْلَقْ أَبَدًا. قَالَ: قُلْتُ: أَجَلْ. فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَهُ مَنِ الْبَابُ فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ: سَلْهُ. قَالَ: فَسَأَلَهُ. فَقَالَ عُمَرُ ﵁. قَالَ: قُلْنَا: فَعَلِمَ عُمَرُ مَنْ تَعْنِي، قَالَ: نَعَمْ، كَمَا أَنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةً، وَذَلِكَ أَنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ.
هذا الحديث مرّ الكلام عليه مستوفى في أول كتاب مواقيت الصلاة، في باب الصلاة كفارة.
رجاله ستة:
وفيه ذكر مسروق، وقد مرّ الجميع، مرَّ قتيبة بن سعيد في الحادي والعشرين من الإيمان، والأعمش في الخامس والعشرين منه، وأبو وائل في الحادي والأربعين منه، ومسروق في السابع والعشرين منه، وجرير بن عبد الحميد في الثاني عشر من العلم، وحذيفة في تعليق بعد الثاني منه، وعمر في الأول من بدء الوحي، والحديث سبق الكلام عليه في أوائل كتاب الصلاة. ثم قال المصنف:
стр. 5809
باب مَنْ تصدَّق في الشرك ثم أسلم
أي: هل يعتد له بثواب ذلك أم لا؟ قال الزين بن المنير: لم يبت الحكم من أجل قوة الاختلاف فيه.
الحديث الأربعون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَرَأَيْتَ أَشْيَاءَ كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ عَتَاقَةٍ وَصِلَةِ رَحِمٍ فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَجْرٍ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ".
قوله: "أتحنَّث" بالمثلثة أي: أتقرَّب، والحِنث في الأصل الإثم، وكأنه أراد: ألقي عني الإثم، ولما أخرج البخاري هذا الحديث في الأدب عن أبي اليمان قال في آخره: ويقال أيضًا عن أبي اليمان: أتحنَّثُ، يعني بالمثناة. ونقل عن أبي إسحاق أنَّ التَّحَنُّث التَّبَرر. وحديث هشام أورده في العتق بلفظ "كنت أتحنث بها" يعني أتبرر بها. قال عِياض: رواه جماعة من الرواة في البخاري بالمثلثة، وبالمثناة أصح رواية، ومعنى.
وقوله: "من صدقة أو عتاقة أو صلة" كذا هنا بلفظ "أو" وفي رواية شُعيب في الأدب بالواو في الموضعَيْن، وسقط لفظ "الصدقة" من رواية معمر، وفي رواية هشام المذكورة أنه أعتق في الجاهلية مئة رقبة، وحمل على مئة بعير، وزاد في آخره: فوالله لا أدع شيئًا صنعته في الجاهلية إلا فعلت مثله في الإِسلام. وقوله: "أسلمت على ما سلف من خير" قال المازريّ: ظاهره أن الخير الذي أسلفه كتب له، والتقدير: أسلمت على قبول ما سلف لك من خير، وقال الحربيّ: معناه ما تقدم لك من الخير الذي عملته، هو لك، كما تقول: أسلمت على أن أحوز لنفسي مئة درهم، وأما مَنْ قال: ان الكافر لا يُثاب، فحمل الحديث على وجه أخرى، إلى آخر ما مرَّ مستوفى عند حديث: "إذا أسلم العبد فحسن إسلامه" من كتاب الإيمان في باب "حُسْن إسلام المرء".
رجاله ستة:
قد مرّوا، مرَّ محمد بن عبد الله المسنديّ في الثاني من الإيمان، ومرّ هشام بن يوسف الصنعانيّ في الثالث من الحيض، ومرّ معمر في متابعة بعد الرابع من بدء الوحي، ومرّ الزهري في
стр. 5810
الثالث منه، ومرّ عُروة بن الزبير في الثاني منه، ومرّ حكيم بن حزام في الحادي والثلاثين من هذا الكتاب.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة، ورواته بخاريّ ويمانيّ وبصريّ ومدنيان. أخرجه البخاريّ أيضًا في البيوع، وفي الأدب وفي العتق، ومسلم في الإيمان. ثم قال المصنف:
стр. 5811
باب أجر الخادم إذا تصدّق بأمر صاحبه غير مفسد
قد مرّ الكلام على هذه الترجمة، وعلى حديثها عند باب "مَنْ أمر خادمه بالصدقة ولم يتناول بنفسه".
الحديث الحادي والأربعون
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا تَصَدَّقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا، وَلِزَوْجِهَا بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ".
قد مرّ الكلام عليه في المحل المذكور آنفًا.
رجاله ستة:
قد مرّوا في الذي قبله بحديث، إلا عائشة، وهي قد مرّت في الثاني من بدء الوحي. وهذا الحديث قد مرّ الكلام عليه قريبًا.
الحديث الثاني والأربعون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْخَازِنُ الْمُسْلِمُ الأَمِينُ الَّذِي يُنْفِذُ وَرُبَّمَا قَالَ يُعْطِي مَا أُمِرَ بِهِ كَامِلاً مُوَفَّرًا طَيِّبٌ بِهِ نَفْسُهُ، فَيَدْفَعُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ، أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ".
هذا الحديث مرّ الكلام عليه مستوفىً عند ذكره معلقًا في الباب المذكور آنفًا.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ محمد بن العلاء في حماد بن أُسامة في الحادي والعشرين من العلم، ومرّت الثلاثة الباقية في الرابع من الإيمان.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة، ورواته كلهم كوفيون، وفيه رواية الرجل عن جده، ورواية الرجل عن أبيه. أخرجه البخاريّ أيضًا في الوكالة وفي الإجارة، ومسلم وأبو داود والنَّسَائيّ في الزكاة. ثم قال المصنف:
стр. 5812
باب أجر المرّأة إذا تصدقت أو أطعمت مِنْ بيت زوجها غير مفسدة
الحديث الثالث والأربعون
حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ وَالأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ تَعْنِي إِذَا تَصَدَّقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا.
مرّ الكلام عليه في الباب المذكور آنفًا.
رجاله سبعة:
قد مرّوا، مرّ آدم وشعبة في الثالث من الإيمان، ومرّ منصور في الثاني عشر من العلم، ومرّ الأعمش في الخامس والعشرين من الإيمان، ومرّ أبو وائل في الحادي والأربعين منه، ومرّ مسروق في السابع والعشرين منه، ومرّت عائشة في الثاني من بدء الوحي.
الحديث الرابع والأربعون
ح حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا أَطْعَمَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، لَهَا أَجْرُهَا، وَلَهُ مِثْلُهُ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَهُ بِمَا اكْتَسَبَ، وَلَهَا بِمَا أَنْفَقَتْ".
رجاله ستة:
مرّ محلهم في الذي قبله، إلا عمر بن حَفص، وأبو حفص، وهما قد مرّا في الثاني عشر من الغُسل.
الحديث الخامس والأربعون
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : قَالَ: "إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ فَلَهَا أَجْرُهَا، وَلِلزَّوْجِ بِمَا اكْتَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ".
أورد المصنف حديث عائشة هذا من ثلاثة طُرق، تدور على أبي وائل شقيق بن سلمة، عن مسروق عنها، أولها شعبة عن منصور والأعمش عنه، ولم يَسُق لفظه بتمامه. ثانيها: حفص بن
стр. 5813
غياث عن الأعمش وحده. ثالثها: جرير عن منصور وحده، ولفظ الأعمش: "إذا أطعمت المرأة من بيت زوجها" ولفظ منصور "إذا أنفقت من طعام بيتها". وقد أورده الإسماعيليّ عن شعبة، ولفظه "إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها كتب لها أجر، ولزوجها مثل ذلك، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص كل واحد منهم من أجر صاحبه شيئًا، للزوج بما اكتسب، ولها بما أنفقت غير مُفْسدة".
ولشعبة فيه إسناد آخر، أورده الاسماعيليّ عن أبي وائل عن عائشة، ليس فيه مسروق، وقد أخرجه التِّرمِذِيّ بالإسنادين، وقال: إن رواية منصور والأعمش بذكر مسروق فيه أصح.
رجاله رجال الذي قبله إلا اثنين: يحيى بن يحيى وجرير بن عبد الحميد، وجرير قد مرّ في الثاني عشر من العلم.
ويحيى هو ابن يحيى بن بكير بن عبد الرحمن بن يحيى بن حمّاد التَّميميّ الحنظليّ، أبو زكرياء النَّيْسابوريّ. قال أحمد: ما أخرجت خراسان بعد ابن المبارك مثله. وقال أيضًا: كان ثقة، وزيادة وأثنى عليه خيرًا. وقال أيضًا: خرج من خراسان رجلان: ابن المبارك ويحيى بن يحيى. وقال أيضًا: ما رأى يحيى بن يحيى مثل نفسه، وقيل له: كان إمامًا. قال: نعم، ولو كانت عندي نفقة لرحلت إليه.
وعن الأثرم أنه ذكر عنده، فقال: بخٍ بخٍ بخٍ. ثم ذكر عنده قُتيبة، فأثنى عليه، ثم قال: إلاَّ أن يحيى شيء آخر، وقدمه عليه، وقال: قرأ يحيى بن يحيى على مالك أحب إليّ من سماع غيره. وقال يحيى بن محمد بن يحيى: كان أبي يرجع في كل المشكلات إلى يحيى بن يحيى، ويقول: هو إمام فيما بيني وبين الله. قال يحيى: وما رأيت محدثًا أورع منه ولا أحسن بيانًا. وقال أبو أحمد الفراء: سمعت يحيى بن يحيى، وكان إمامًا وقدوة ونورًا وضوءًا للإسلام. وقال أيضًا: سمعت عامة مشائخنا يقولون: لو أن رجلًا جاء إلى يحيى بن يحيى عامدًا ليتعلم من شمائله، كان ينبغي له أن ينقل ذلك.
وقال إسحاق بن راهوبه: ما رأيت مثله، ولا رأى مثل نفسه. قال: وهو أثبت من عبد الرحمن بن مهديّ، قال: ومات يوم مات وهو إمام لأهل الدنيا، وقال الحسن بن سُفيان: كنا إذا رأينا رواية ليحيى بن يحيى عن يزيد بن زريع قلنا: ريحانة أهل خراسان عن ريحانة أهل العراق. وقال محمد بن أسلم الطُّوسِيّ: رأيت النبي ﷺ في المنام، فقلت: عمن أكتب؟ فقال: عن يحيى بن يحيى. وقال العباس بن مصعب: يحيى بن يحيى أصله من مَرْو، وهو من بني تميم، من أنفسهم، وكان ثقة يرجع إلى زهد وصلاح.
وقال أحمد بن سيار: يحيى بن يحيى من موالي بني منقر، وكان ثقة في الحديث، حسن الوجه، طويل اللحية، وكان خَيِّرًا فاضلًا صائنًا لنفسه. وقال النَّسائي: ثقة ثَبْتٌ. وقال مرة أخرى: ثقة مأمون. وذكره ابن حِبَّان في الثقات، وقال: أوصى بثياب بدنه لأحمد بن حنبل، وكان من
стр. 5814
سادات أهل زمانه علمًا ودينًا وفضلًا ونسكًا وإتقانًا. وقال زكرياء بن يحيى بن يحيى: أوصى أبي بثياب بدنه لأحمد بن حَنبل، فأتيته بها، فقال: ليس هذا من لباسي، ثم أخذ ثوبًا واحدًا منه، ورد الباقي.
وقال الذهليّ: لو شئت لقلت هو أسن المحدثين في الصدق، وحِبّان ثبتًا. وقال قتيبة بن سعيد: يحيى بن يحيى رجل صالح إمام من أئمة المسلمين. وقيل لمحمد بن نصر المروزيّ: مَنْ أدركت من المشائخ على سُنَن النبي ﷺ ؟ فقال: ما أدركت أحدًا إلا أن يكون يحيى بن يحيى، وقال أبو علي النَّيسابوريّ: كنت في غم شديد، فرأيت النبي ﷺ في المنام كأنه يقول لي: "سر إلى قبر يحيى بن يحيى، واستغفر وسَلْ تقض حاجتك" فأصبحت ففعلت ذلك، فقضيت حاجتي.
روى عن مالك والحمادين وجرير بن عبد الحميد وخلق. وروى عنه البخاري ومسلم والتِّرْمِذِيّ بواسطة مسلم، وروى عنه إسحاق بن راهويه والذهلى وخلق. ولد سنة اثنين وأربعين ومئة، ومات ليلة الأربعاء، غرة ربيع الأول سنة أربع وعشرين ومئتين. قال الحاكم: المكتوب على اللوح في قبره هو هذا، وقال بشر بن الحكم النَّيْسابوريّ: حزرنا في جنازة يحيى بن يحيى مئة ألف إنسان. ثم قال المصنف:
стр. 5815
باب قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ اللهم أعط منفقَ مالٍ خَلَفًا
قال الزين بن المنير: أدخل هذه الترجمة بين أبواب الترغيب في الصدقة، ليفهم أن المقصود الخاص بها الترغيب في الإنفاق في وجوه البِر، وأن ذلك موعود عليه بالخَلَف في العاجل، زيادة على الثواب الآجل. وأخرج الطبريّ بطرق متعددة، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: أعطى مما عنده، واتقى ربه، وصدّق بالخَلَف من الله تعالى، ثم حكى عن غيره أقوالًا أخرى، قال: أو وأشبهها بالصواب قول ابن عباس: والذي يظهر أن البخاري أشار بذلك إلى سبب نزول الآية المذكورة، وهو بيَّن فيما أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء مرفوعًا نحو حديث أبي هريرة المذكور في الباب، وزاد في آخره "وأنزل الله في ذلك: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ إلى قوله: ﴿لِلْعُسْرَى﴾ وهو عند أحمد من هذا الوجه، لكن ليس فيه آخره.
وقوله: "اللهم أعط منفقَ مالٍ خَلَفًا" قال الكرمانيُّ: هو معطوف على الآية، وحذف أداة العطف كثير، وهو مذكور على سبيل البيان للحسنى أي: تيسير الحسنى له إعطاء الخَلَف. وقوله: "منفق مالٍ" بالإِضافة، ولبعضهم لله منفقًا مالًا خلفًا" ومالًا مفعول منفق، بدليل رواية الإضافة، ولولاها احتمل أن يكون مفعول أعطِ والأول أولى من جهة أخرى، وهي أن سياق الحديث للحض على إنفاق المال، فناسب أن يكون مفعول منفق، وأما الخلف فإبهامه أولى، ليتناول المال والثواب وغيرهما. وكم من منفق مات قبل أن يقع الخَلَف المالي، فيكون خلفه الثوابَ المعدَّ له في الآخرة، أو يدفع عنه من السوء ما يقابل ذلك.
الحديث السادس والأربعون
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ عَنْ أَبِي الْحُبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلاَّ مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا".
قوله: "ما من يوم" في حديث أبي الدرداء المارّ: "ما من يوم طلعت فيه الشمس، إلا وبجنبتيها
следующие страницы →