← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.

стр. 5811

باب أجر الخادم إذا تصدّق بأمر صاحبه غير مفسد قد مرّ الكلام على هذه الترجمة، وعلى حديثها عند باب "مَنْ أمر خادمه بالصدقة ولم يتناول بنفسه". الحديث الحادي والأربعون حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا تَصَدَّقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا، وَلِزَوْجِهَا بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ". قد مرّ الكلام عليه في المحل المذكور آنفًا. رجاله ستة: قد مرّوا في الذي قبله بحديث، إلا عائشة، وهي قد مرّت في الثاني من بدء الوحي. وهذا الحديث قد مرّ الكلام عليه قريبًا. الحديث الثاني والأربعون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْخَازِنُ الْمُسْلِمُ الأَمِينُ الَّذِي يُنْفِذُ وَرُبَّمَا قَالَ يُعْطِي مَا أُمِرَ بِهِ كَامِلاً مُوَفَّرًا طَيِّبٌ بِهِ نَفْسُهُ، فَيَدْفَعُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ، أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ". هذا الحديث مرّ الكلام عليه مستوفىً عند ذكره معلقًا في الباب المذكور آنفًا. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ محمد بن العلاء في حماد بن أُسامة في الحادي والعشرين من العلم، ومرّت الثلاثة الباقية في الرابع من الإيمان. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة، ورواته كلهم كوفيون، وفيه رواية الرجل عن جده، ورواية الرجل عن أبيه. أخرجه البخاريّ أيضًا في الوكالة وفي الإجارة، ومسلم وأبو داود والنَّسَائيّ في الزكاة. ثم قال المصنف:

стр. 5812

باب أجر المرّأة إذا تصدقت أو أطعمت مِنْ بيت زوجها غير مفسدة الحديث الثالث والأربعون حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ وَالأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ تَعْنِي إِذَا تَصَدَّقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا. مرّ الكلام عليه في الباب المذكور آنفًا. رجاله سبعة: قد مرّوا، مرّ آدم وشعبة في الثالث من الإيمان، ومرّ منصور في الثاني عشر من العلم، ومرّ الأعمش في الخامس والعشرين من الإيمان، ومرّ أبو وائل في الحادي والأربعين منه، ومرّ مسروق في السابع والعشرين منه، ومرّت عائشة في الثاني من بدء الوحي. الحديث الرابع والأربعون ح حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا أَطْعَمَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، لَهَا أَجْرُهَا، وَلَهُ مِثْلُهُ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَهُ بِمَا اكْتَسَبَ، وَلَهَا بِمَا أَنْفَقَتْ". رجاله ستة: مرّ محلهم في الذي قبله، إلا عمر بن حَفص، وأبو حفص، وهما قد مرّا في الثاني عشر من الغُسل. الحديث الخامس والأربعون حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : قَالَ: "إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ فَلَهَا أَجْرُهَا، وَلِلزَّوْجِ بِمَا اكْتَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ". أورد المصنف حديث عائشة هذا من ثلاثة طُرق، تدور على أبي وائل شقيق بن سلمة، عن مسروق عنها، أولها شعبة عن منصور والأعمش عنه، ولم يَسُق لفظه بتمامه. ثانيها: حفص بن

стр. 5813

غياث عن الأعمش وحده. ثالثها: جرير عن منصور وحده، ولفظ الأعمش: "إذا أطعمت المرأة من بيت زوجها" ولفظ منصور "إذا أنفقت من طعام بيتها". وقد أورده الإسماعيليّ عن شعبة، ولفظه "إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها كتب لها أجر، ولزوجها مثل ذلك، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص كل واحد منهم من أجر صاحبه شيئًا، للزوج بما اكتسب، ولها بما أنفقت غير مُفْسدة". ولشعبة فيه إسناد آخر، أورده الاسماعيليّ عن أبي وائل عن عائشة، ليس فيه مسروق، وقد أخرجه التِّرمِذِيّ بالإسنادين، وقال: إن رواية منصور والأعمش بذكر مسروق فيه أصح. رجاله رجال الذي قبله إلا اثنين: يحيى بن يحيى وجرير بن عبد الحميد، وجرير قد مرّ في الثاني عشر من العلم. ويحيى هو ابن يحيى بن بكير بن عبد الرحمن بن يحيى بن حمّاد التَّميميّ الحنظليّ، أبو زكرياء النَّيْسابوريّ. قال أحمد: ما أخرجت خراسان بعد ابن المبارك مثله. وقال أيضًا: كان ثقة، وزيادة وأثنى عليه خيرًا. وقال أيضًا: خرج من خراسان رجلان: ابن المبارك ويحيى بن يحيى. وقال أيضًا: ما رأى يحيى بن يحيى مثل نفسه، وقيل له: كان إمامًا. قال: نعم، ولو كانت عندي نفقة لرحلت إليه. وعن الأثرم أنه ذكر عنده، فقال: بخٍ بخٍ بخٍ. ثم ذكر عنده قُتيبة، فأثنى عليه، ثم قال: إلاَّ أن يحيى شيء آخر، وقدمه عليه، وقال: قرأ يحيى بن يحيى على مالك أحب إليّ من سماع غيره. وقال يحيى بن محمد بن يحيى: كان أبي يرجع في كل المشكلات إلى يحيى بن يحيى، ويقول: هو إمام فيما بيني وبين الله. قال يحيى: وما رأيت محدثًا أورع منه ولا أحسن بيانًا. وقال أبو أحمد الفراء: سمعت يحيى بن يحيى، وكان إمامًا وقدوة ونورًا وضوءًا للإسلام. وقال أيضًا: سمعت عامة مشائخنا يقولون: لو أن رجلًا جاء إلى يحيى بن يحيى عامدًا ليتعلم من شمائله، كان ينبغي له أن ينقل ذلك. وقال إسحاق بن راهوبه: ما رأيت مثله، ولا رأى مثل نفسه. قال: وهو أثبت من عبد الرحمن بن مهديّ، قال: ومات يوم مات وهو إمام لأهل الدنيا، وقال الحسن بن سُفيان: كنا إذا رأينا رواية ليحيى بن يحيى عن يزيد بن زريع قلنا: ريحانة أهل خراسان عن ريحانة أهل العراق. وقال محمد بن أسلم الطُّوسِيّ: رأيت النبي ﷺ في المنام، فقلت: عمن أكتب؟ فقال: عن يحيى بن يحيى. وقال العباس بن مصعب: يحيى بن يحيى أصله من مَرْو، وهو من بني تميم، من أنفسهم، وكان ثقة يرجع إلى زهد وصلاح. وقال أحمد بن سيار: يحيى بن يحيى من موالي بني منقر، وكان ثقة في الحديث، حسن الوجه، طويل اللحية، وكان خَيِّرًا فاضلًا صائنًا لنفسه. وقال النَّسائي: ثقة ثَبْتٌ. وقال مرة أخرى: ثقة مأمون. وذكره ابن حِبَّان في الثقات، وقال: أوصى بثياب بدنه لأحمد بن حنبل، وكان من

стр. 5814

سادات أهل زمانه علمًا ودينًا وفضلًا ونسكًا وإتقانًا. وقال زكرياء بن يحيى بن يحيى: أوصى أبي بثياب بدنه لأحمد بن حَنبل، فأتيته بها، فقال: ليس هذا من لباسي، ثم أخذ ثوبًا واحدًا منه، ورد الباقي. وقال الذهليّ: لو شئت لقلت هو أسن المحدثين في الصدق، وحِبّان ثبتًا. وقال قتيبة بن سعيد: يحيى بن يحيى رجل صالح إمام من أئمة المسلمين. وقيل لمحمد بن نصر المروزيّ: مَنْ أدركت من المشائخ على سُنَن النبي ﷺ ؟ فقال: ما أدركت أحدًا إلا أن يكون يحيى بن يحيى، وقال أبو علي النَّيسابوريّ: كنت في غم شديد، فرأيت النبي ﷺ في المنام كأنه يقول لي: "سر إلى قبر يحيى بن يحيى، واستغفر وسَلْ تقض حاجتك" فأصبحت ففعلت ذلك، فقضيت حاجتي. روى عن مالك والحمادين وجرير بن عبد الحميد وخلق. وروى عنه البخاري ومسلم والتِّرْمِذِيّ بواسطة مسلم، وروى عنه إسحاق بن راهويه والذهلى وخلق. ولد سنة اثنين وأربعين ومئة، ومات ليلة الأربعاء، غرة ربيع الأول سنة أربع وعشرين ومئتين. قال الحاكم: المكتوب على اللوح في قبره هو هذا، وقال بشر بن الحكم النَّيْسابوريّ: حزرنا في جنازة يحيى بن يحيى مئة ألف إنسان. ثم قال المصنف:

стр. 5815

باب قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ اللهم أعط منفقَ مالٍ خَلَفًا قال الزين بن المنير: أدخل هذه الترجمة بين أبواب الترغيب في الصدقة، ليفهم أن المقصود الخاص بها الترغيب في الإنفاق في وجوه البِر، وأن ذلك موعود عليه بالخَلَف في العاجل، زيادة على الثواب الآجل. وأخرج الطبريّ بطرق متعددة، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: أعطى مما عنده، واتقى ربه، وصدّق بالخَلَف من الله تعالى، ثم حكى عن غيره أقوالًا أخرى، قال: أو وأشبهها بالصواب قول ابن عباس: والذي يظهر أن البخاري أشار بذلك إلى سبب نزول الآية المذكورة، وهو بيَّن فيما أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء مرفوعًا نحو حديث أبي هريرة المذكور في الباب، وزاد في آخره "وأنزل الله في ذلك: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ إلى قوله: ﴿لِلْعُسْرَى﴾ وهو عند أحمد من هذا الوجه، لكن ليس فيه آخره. وقوله: "اللهم أعط منفقَ مالٍ خَلَفًا" قال الكرمانيُّ: هو معطوف على الآية، وحذف أداة العطف كثير، وهو مذكور على سبيل البيان للحسنى أي: تيسير الحسنى له إعطاء الخَلَف. وقوله: "منفق مالٍ" بالإِضافة، ولبعضهم لله منفقًا مالًا خلفًا" ومالًا مفعول منفق، بدليل رواية الإضافة، ولولاها احتمل أن يكون مفعول أعطِ والأول أولى من جهة أخرى، وهي أن سياق الحديث للحض على إنفاق المال، فناسب أن يكون مفعول منفق، وأما الخلف فإبهامه أولى، ليتناول المال والثواب وغيرهما. وكم من منفق مات قبل أن يقع الخَلَف المالي، فيكون خلفه الثوابَ المعدَّ له في الآخرة، أو يدفع عنه من السوء ما يقابل ذلك. الحديث السادس والأربعون حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ عَنْ أَبِي الْحُبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلاَّ مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا". قوله: "ما من يوم" في حديث أبي الدرداء المارّ: "ما من يوم طلعت فيه الشمس، إلا وبجنبتيها

стр. 5816

مَلَكان يناديان، يسمعه خلق الله كلهم إلا الثقلين "يا أيها الناس هلموا إلى ربكم، إنَّ ما قَلَّ وكفى خيرٌ مما كثر وألهى، ولا غربت شمسه إلا وبجنبتيها مَلَكان يناديان" فذكر مثل حديث أبي هريرة. والجَنْبَة بسكون النون الناحية. وقوله: "خلفًا" أي عوضًا. وقوله: "أعطِ ممسكًا تلفًا" التعبير بالعطية في هذا للمشاكلة، لأن التلف ليس بعطية، وأفاد حديث أبي هريرة أن الكلام المذكور موزع بينهما، فنسب إليهما في حديث أبي الدرداء نسبة المجموع إلى المجموع. وتضمنت الآية الوعد بالتيّسير لمن ينفق في وجوه البر، والوعيد بالتعسير لعكسه، والتيسير المذكور أعم من أن يكون لأحوال الدنيا، ولأحوال الآخرة، وكذلك دعاء المَلَك بالخَلَف، يحتمل الأمرين. وأما الدعاء بالتلف، فيحتمل تلف المال بعينه، أو تلف نفس صاحب المال، أو المراد به فوات أعمال البِر بالتشاغل بغيرها. قال النّوويّ: الإنفاق الممدوح ما كان في الطاعات، وعلى العيال والضيفان أو التطوعات. قال القرطبي: وهو يعم الواجبات والمندوبات، لكن الممسك عن المندوبات لا يستحق هذا الدعاء، أَلاَّ يغلب عليه البخل المذموم، بحيث لا تطيب نفسه بإخراج الحقال في عليه، ولو أخرجه، وقد مرّت الإشارة إلى ذلك في قوله في حديث أبي موسى "طيبة بها نفسه" في هذا الحديث أنه موافق لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ وقوله: يا ابن آدم "أنفقْ، أنفقْ عليك" وفيه دعاء الملائكة، ومعلوم أنه مستجاب بدليل، قوله: "فإن مَنْ وافق تأمينه تامين الملائكة غُفِر له ما تقدم من ذنبه". رجاله ستة: مرّ منهم إسماعيل بن أبي أوَيس في الخامس عشر من الإيمان، ومرّ أخوه أبو بكر في الحادي والستين من العلم، ومرّ سليمان بن بلال وأبو هريرة في الثاني من الإيمان، والباقي اثنان: الأول معاوية بن أبي مُزَرِّد، بضم الميم وفتح الزاي وكسر الراء مشددة، واسمه عبد الرحمن بن يسار المَدَنِيّ، مولى بني هاشم، ذكره ابن حِبّان في الثقات. وقال ابن مُعين: صالح، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: لا بأس به، روى عن أبيه وعمه سعيد أبي الحُباب، ويزيد بن رَومان وغيرهم. وروى عنه يزيد بن الهاد، وهو من أقرانه، وسليمان بن بلال وابن المبارك وغيرهم. الثاني: أبو الحُباب سعيد بن يسار، عم الأول، المدنيّ، مولى ميمونة، وقيل: مولى شُقران، وقيل: مولى الحسن بن عليّ، وقيل: مولى بني النجّار. والصحيح أنه غير سعيد بن مُرجانة. قال ابن مُعين وأبو زرعة والنَّسائيّ: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال العجليّ: مدنيّ ثقة، وقال ابن عبد البر: يختلفون في توثيقه. روى عن أبي هريرة وعائشة وابن عباس، وروى عنه سعيد المَقْبَرِيّ، وابن أخيه معاوية،

стр. 5817

ويحيى بن سعيد وربيعة وغيرهم. مات بالمدينة سنة ست عشرة أو سبع عشرة ومئة. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، ورواته كلهم مدنيون، وفيه رواية الرجل عن أخيه، ورواية الرجل عن عمه. أخرجه مسلم في الزكاة والنَّسَائيّ في عِشرة النساء، وفي الملائكة. ثم قال المصنف:

стр. 5818

باب مثل المتصدق والبخيل قال الزين بن المنير: قام التمثيل في خبر الباب مقام الدليل على تفضيل المتصدق، فاكتفى المصنف بذلك عن أن يُضَمِّن الترجمة مقاصد الخبر على التفصيل. الحديث السابع والأربعون حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ". هذا الحديث يأتي الكلام عليه في الذي بعده. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ موسى بن إسماعيل في الخامس من بدء الوحي، ومرّ وهيب في تعليق بعد الخامس عشر من الإيمان، وأبو هُريرة في الثاني منه، ومرّ عبد الله بن طاوس في الرابع والثلاثين من الحيض، ومرّ أبوه في باب "مَنْ لم يتوضأ إلا من المخرجين" بعد الأربعين من الوضوء. الحديث الثامن والأربعون ح وَحَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، مِنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَأَمَّا الْمُنْفِقُ فَلاَ يُنْفِقُ إِلاَّ سَبَغَتْ أَوْ وَفَرَتْ عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تُخْفِيَ بَنَانَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ، وَأَمَّا الْبَخِيلُ فَلاَ يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إِلاَّ لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا، فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلاَ تَتَّسِعُ". لم يسق المصنف المتن من الطريق الأُولى هنا، وقد أورده في الجهاد عن موسى بهذا الإسناد، فساقه بتمامه. وقوله: "مثل البخيل والمنفق" وقع عند مسلم عن سفيان عن أبي الزناد "مثل المنفق والمتصدق". قال عياض: وهو وهم، ويمكن أن يكون حذف مقابلة لدلالة السياق عليه، لكن رواه الحميديّ. وأحمد وابن أبي عمر في مسانيدهم عن ابن عُيينة فقالوا في رواياتهم: "مثل المنفق والبخيل"، كما في رواية شُعيب عن أبي الزناد، وهو الصواب. وفي رواية الحسن بن مُسْلم عن طاووس "ضرب رسول الله ﷺ مَثَل البخيل والمتصرف" أخرجها المصنف في اللباس.

стр. 5819

وقوله: "عليهما جُبتان من حديد" كذا في هذه الرواية، بجيم بعدها موحدة، ومن رواه فيها بالنون، فقد صحّف، وكذا رواية الحسن بن مسلم. ورواه حنظلة بن أبي سفيان عن طاووس بالنون، ورجحت، لقوله من حديد، والجنة في الأصل الحصف وسميت بها الدرع، لأنها تِجن صاحبها أي: تُحصّنه، والجبة بالموحدة، ثوب مخصوص، ولا مانع من إطلاقه على الدرع. واختلف في رواية الأعرج، والأكثر على أنها بالموحدة. وقوله: "من ثُديهما" بضم المثلثة، جمع ثدي، وتراقيهما، بمثناة وقاف جمع تَرْقُوة، والتَّرْقُوتان: العظمان والمشرفان في أعلى الصدر من رأس المَنْكِبَين إلى طرف ثُغْرة النحر. وقوله: "سبغت" أي: امتدت وغطت. وقوله: "أو وفرت" شك من الراوي، وهو بتخفيف الفاء من الوفور، وفي رواية الحسن بن مسلم "انبسطت" وفي رواية أعرج "اتسعت عليه" وكلها متقاربة. وقوله: "حتى تخفي بَنَانه" أي: تستر أصابعه، وللحميدي "حتى تَجِنُّ" بكسر الجيم وتشديد النون، وهي بمعنى تخفي، وبَنَانه، بفتح الموحدة ونونين، الأولى خفيفة، الأُصبع، ورواه بعضهم "ثيابه" بمثلثة، وبعد الألف موحدة، وهو تصحيف، وفي رواية الحسن بن مسلم "حتى تغشى" بمعجمتين "أناملَه"، وقوله: "وتعفو أثره" بالنصب، أي: تستر أثره. يقال: عما الشيءُ وعَفوْته أنا، لازم ومتعد، ويقال: عفت الدار إذا غطّاها التراب، والمعنى: أَن الصدقة تستر خطاياه، كما يغطي الثوبُ الذي يجر على الأرض أَثَر صاحبه إذا مشى، بمرور الذيل عليه. وقوله: "لزقت" في رواية مسلم: "انقبضت" وفي رواية همام "غاصت كل حلقة مكانها" وفي رواية سفيان عند مسلم "قَلَصَت" والمفاد واحد، لكن الأُوْلى نظر فيها إلى صورة الضيق، والأخيرة نظر فيها إلى سبب الضيق، وزعم ابن التين أن فيه إشارة إلى أن البخيل يكون بالنار يوم القيامة. قال الخطابيّ وغيره: هذا مَثَلٌ ضربه النبي ﷺ للبخيل والمتصدق، فشببههما برجلين أراد كل واحد منهما أن يَلْبَس درعًا يستتر به من سلاح عدوه، فصبها على رأسه ليلبسها، والدروع أول ما تقع على الصدر والثديين إلى أن يُدخل الإنسان يديه في كميها، فجعل المنفق كمن لَبِس درعًا سابغةً، فاسترسلتْ عليه حتى سترت جميع بدنه، وهو معنى قوله: "حتى تَعْفُو أثره" أي: تستر جميع بدنه. وجعل البخيل كمثل رجل غُلَّت يداه إلى عنقه، كلما أراد لُبْسَها اجتمعت في عنقه، فلزمت تَرْقُوته، وهو معنى قوله: "قَلَصَت" أي: تَضَامَّت واجتمعت. والمراد أن الجواد إذا هم بالصدقة انفسح لها صدره، وطابت نفسه، فتوسعت في الإنفاق. والبخيل إذا حدث نفسه بالصدقة، شحت نفسه، فضاق صدره، وانقبضت يداه. ومن يوق شح نفسه، فأولئك هم المفلحون. وقال المهلب: المراد أن الله يستر المنفق في الدنيا والآخرة بخلاف البخيل، فإنه يفضحه. ومعنى "تعفو أثره" تمحو خطاياه، وتعقبه عياض بأن الخبر جاء على التمثيل لا على الإخبار ع ن كائن. قال: وقيل: هو تمثيل لنماء المال بالصدقة، والبخل بضده. وقيل: تمثيل لكثرة الجود

стр. 5820

والبخل، وأن المعطي إذا أعطى انبسطت يداه بالعطاء، وتعوَّدَ ذلك، وإذا أمسك صار ذلك عادة. وقال الطيبي: قيد المشبه به بالحديد إعلامًا بأن القبض والشدة من جِبِلَّةِ الإنسان، وأوقع المتصدق موقع السخيّ لكونه جعله في مقابلة البخيل إشعارًا بأن السخاءَ هو ما أمر به الشارع، وندب إليه من الإنفاق، لا ما يتعاطاه المسرفون. وقوله: "فهو يوسعها ولا تتسع" في رواية سفيان عند مسلم: قال أبو هُريرة: فهو يوسعها ولا تتسع، وهذا يوهم أن يكون مُدرجًا، وليس كذلك، ووقع التصريح برفع هذه الجملة، في رواية طاووس عن أبي هريرة، في الجهاد عند المصنف، فسمع النبي ﷺ يقول: "فيجتهد أن يوسعها ولا تتسع". وفي رواية مسلم: فسمعت رسول الله ﷺ ، فذكره، وفي رواية الحسن بن مسلم عندهما: فأنا رأيت رسول الله ﷺ يقول بأصبعه هكذا، في جيبه، فلو رأيته يوسعها ولا تتسع. وعند أحمد عن أبي الزناد في هذا الحديث: "وأما البخيل فإنها لا تزداد عليه إلا استحكامًا" وهذا بالمعنى، وقيل ضرب المثل بهما لأن المنفق يستره الله بنفقته ويستر عورته في الدنيا والآخرة، كسرت هذه الجبة لابسَها، والبخيل كمن لبس جُبة إلى ثدييه، فيبقى مكشوفًا ظاهر العورة، مفتضحًا في الدارين. رجاله خمسة: مرّوا، مرّ أبو اليمان وشعيب في السابع من بدء الوحي، ومرّ أبو الزناد وعبد الرحمن بن هرمز في السابع من الإيمان، ومرّ أبو هريرة في الثاني منه. ثم قال: تابعه الحسن بن مسلم عن طاووس في الجُبَّتين، وهذه المتابعة أخرجها البخاريّ في كتاب اللباس في باب حبيب القميص عند الصدر، والحسن بن مسلم مرّ في التاسع من الغُسل، ومرّ محل طاووس في الذي قبله بحديث. ثم قال: وقال حنظلة عن طاووس: جنتان، وهذا التعليق ذكره البخاري في كتاب اللباس معلقًا، ووصله الإسماعيليّ. وحنظلة مرّ في الأول من الإيمان، وطاووس مرّ محله الآن. ثم قال: وقال الليث: حدّثني جعفر عن ابن هُرْمز: سمعت أبا هُريرة، ﵁، عن النبي ﷺ : "جنتان"، قال في "الفتح": إن رواية الليث هذه لم تقع له موصولة إلى الآن، وقيل إن البخاريّ علقه أيضًا في الصلاة. ورجاله أربعة: قد مرّوا، مرّ الليث في الثالث من بدء الوحي، ومرّ جعفر بن ربيعة في الرابع من التيمم، ومرّ محل ابن هُرْمُز وأبي هريرة في الذي قبله. ثم قال المصنف:

стр. 5821

باب صدقة الكسب والتجارة لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾. هكذا أورد هذه الترجمة مقتصرًا على الآية بغير حديث، وكأنّه أشار إلى ما أخرجه الطبريّ وابن أبي حاتم عن مُجاهد في هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ قال: من التجارة الحلال، وقال عبيدة بن عمرو عن علي، في قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ قال: يعني من الحب والتمر كل شيء عليه زكاة. قال الزين بن المنير: لم يقيد الكسب في الترجمة بالطيب، كما في الآية استغناء عن ذلك بما تقدم في ترجمة باب الصدقة من كسب طيب. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ أي: لا تقصدوا الخبيث منه تنفقون، ولستم بآخذيه: أي: لو أعطيتموه ما أخذتموه إلا أن تتعاموا فيه، والله أغنى منكم عنه، فلا تجعلوا لله ما تكرهون. وروى أحمد عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله قسّم بينكم أخلاقكم كما قسّم بينكم أرزاقكم، وإنّ الله يعطي الدنيا مَنْ يحبُّ ومَنْ لا يُحب، ولا يعطي الدين إلا مَنْ أحب، فمَنْ أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده، لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمَنَ جارُه بوائِقَه، قالوا: وما بوائقه؟ قال: غَشْمته وظلمته، ولا يكسب عبد مالًا من حرام، فينفق منه، فيبارك له فيه، ولا يتصدق به، فيقبل، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيء بالسيء ولكن يمحو السيء بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث". وروى السدي عن البراء: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ يقول: لو كان لرجل على رجل دَين فأعطاه ذلك لم يأخذه إلا أن يرى أنه قد نقصه من حقه، رواه ابن جرير. وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أي: وإنْ أَمركم بالصدقات وبالطيب منها، فهو غنيٌّ عنها، حميد في جميع أقواله وأفعاله، وشرعه، وقدره، لا إله إلا هو، ولا رب سواه. ثم قال المصنف:

стр. 5822

باب على كل مسلم صدقة فمن لم يجد فليعمل بالمعروف قال الزين بن المنير: نصب هذه الترجمة علمًا على الخبر مقتصرًا على بعض ما فيه، إيجازًا، والمعروف اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله تعالى، والتقرب إليه، والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع أو نهى عنه من المحسنات والمقبحات. الحديث التاسع والأربعون حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ". فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ قَالَ: "يَعْمَلُ بِيَدِهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ". قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، قَالَ: "يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ". قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ. قَالَ: "فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ، وَلْيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ فَإِنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ". قوله: "على كل مسلم صدقة" أي على سبيل الاستحباب المتأكد، أوْ على ما هو أعم من ذلك، والعبارة صالحة للإيجاب والاستحباب، كقوله ﵊: "على المسلم ستُّ خصال" فذكر منها ما هو مستحب اتفاقًا. وزاد أبو هريرة في حديثه تقييد ذلك "بكل يوم" كما يأتي في الصلح عن همّام عنه، ولمسلم عن أبي ذَرٍّ مرفوعًا "يصبح على كل سُلامى من أحدكم صدقة" والسلامى، بضم المهملة وتخفيف اللام، المفصل. وله عن عائشة: "خلق الله كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاث مئة مفصل"، وقوله: "فقالوا: يا نبي الله، فمَنْ لم يجد" كأنهم فهموا من لفظ الصدقة العطية، فسألوا عمن ليس عنده شيء، فبين لهم أن المرّاد بالصدقة ما هو أعم من ذلك، ولو بإغاثة الملهوف، والأمر بالمعروف. وهل تلتحق هذه الصدقة بصدقة التطوع التي تحسب يوم القيامة من الغرض الذي أخل به؟ فيه نظر. والذي يظهر أنها غيرها لما تبين من حديث عائشة المذكور أنها شرعت بسبب عتق المفاصل، حيث قال في آخر هذا الحديث: "فإنه يمسي يومئذٍ وقد زَحْزَح نفسه عن النار". وقوله: "الملهوف" أي: المستغيث، وهو أعم من أن يكون مظلومًا أو عاجزًا. وقوله: "فليعمل بالمعروف" في رواية المصنف في الأدب: فليأمر بالخير، أو بالمعروف. زاد أبو داود الطيالسيّ في مسنده "وينهى عن المنكر". وقوله: "وليمسكْ" في روايته في الأدب قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: "فليمسك عن الشر". وكذا لمسلم، وهو أصح سياقًا، فظاهر سياق الباب أن الأمر بالمعروف

стр. 5823

والإمساك عن الشر رتبة واحدة، وليس كذلك، بل الإمساك هو الرتبة الأخيرة. وقوله: "فإنها له صدقة" كذا وقع هنا، بضمير المؤنث، وهو باعتبار الخصلة من الخير، وهو الإمساك. وفي رواية الأدب: "فإنه" أي: الإمساك له، أي: للمسك. قال الزين بن المنير: إنما يحصل ذلك للمسك عن الشر إذا نوى بالإمساك القربةُ بخلاف محض الترك. والإمساك أعم من أن يكون عن غيره، فكأنه تصدق عليه بالسلامة منه، فإن كان شره لا يتعدى نفسه، فقد تصدق على نفسه بأن منعها من الإثم. قال: وليس ما تضمنه الخبر من قوله: "فإن لم يجد" ترتيبًا، وإنما هو للإيضاح لما يفعله من عجز عن خصلة من الخصال المذكورة. فإنه تمكنه خصلة أخرى، فمن أمكنه أن يعمل بيده فيتصدق، وأن يغيث الملهوف، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويمسك عن الشر، فليفعل الجميع. ومقصود هذا الباب أن أعمال الخير تنزل منزلة الصدقات في الأجر، ولاسيما في حق مَنْ لا يقدر عليها، ويفهم منه أن الصدقة في حق القادر عليها أفضل من الأعمال القاصرة، ومحصل ما ذكر في حديث الباب أنه لابد من الشفقة على خلق الله، وهي إما بالمال أو غيره. والمال إما حاصل أو مكتسب، وغير المال إما فِعل، وهو الإغاثة، وإما ترك، وهو الإمساك. وقال أبو محمد بن أبي جمرة: ترتيب هذا الحديث أنه ندب إلى الصدقة، وعند العجز عنها ندب إلى ما يقرب منها، أو يقوم مقامها، وهو العمل والانتفاع، وعند العجز عن ذلك ندب إلى ما يقوم مقامه، وهو الإغاثة. وغند عدم ذلك ندب إلى فعل المعروف، أي من سوى ما تقدم، كإماطة الأذى. وعند عدم ذلك نَدَب إلى الصلاة، فإن لم يُطق، فَتَرْكُ الشر، وذلك آخر المراتب. قال: ومعنى الشر ما منعه الشرع، ففيه تسلية للعاجز عن فعل المندوبات، إذا كان عجزه عن ذلك عن غير اختيار، وأشار بالصلاة إلى ما في آخر حديث أبي ذر عند مسلم، ويجزىء عن ذلك كله ركعتا الضحى، وهو يؤيد ما مرّ من أن هذه الصدقة لا يكمل منها ما يحتل من الفرض، لأن الزكاة لا تكمل الصلاة، ولا العكس. فدل على افتراق الصدقتين، واستشكل الحديث بذكر الأمر بالمعروف فيه، وهو من فروض الكفاية، فكيف تجزىء عنه صلاة الضحى وهي من التطوعات؟ وأجيب يحمل الأمر هنا على ما إذا حصل من غيره، فسقط به الفرض، وكان في كلامه هو زيادة في تأكيد ذلك، فلو تركه أجزأت عنه صلاة الضحى، كذا قيل. وفيه نظر. والذي يظهر أن المراد أن صلاة الضحى تقوم مقام الثلاث مئة وستين حسنة، التي يستحب للمرء أن يسعى في تحصيلها كل يوم، ليعتق مفاصله التي هي بعددها، لا إن المراد أن صلاة الضحى تغني عن الأمر بالمعروف، وما ذكر معه، وإنما كان كذلك، لأن الصلاة عمل بجميع الجسد، فتتحرك المفاصل فيها كلها بالعبادة، ويحتمل أن يكون ذلك لكون الركعتين يشتملان على ثلاث مئة وستين، ما بين قول وفعل، إذا جعلت كل حرف من القراءة مثلًا صدقة. وكأنّ صلاة

стр. 5824

الضحى خصت بالذكر لكونها أوّل تطوعات النهار بعد الفرض، وراتبته. وقد أشار في حديث أبي ذَرٍّ إلى أن صدقة السُّلامى نهارية، لقوله: "يصبح على كل سُلامى من أحدكم" وفي حديث أبي هريرة "كل يوم تطلع فيه الشمس" وفي حديث عائشة: "فيمسي وقد زحزح نفسه عن النار". وفي الحديث أن الأحكام تجري على الغالب، لأن في المسلمين مَنْ يأخذ الصدقة المأمور بصرفها، وقد قال: "على كل مسلم صدقة" وفيه مراجعة العالم في تفسير المجمل وتخصيص العام، وفيه فضل التكسب، لما فيه من الإعانة وتقديم النفس على الغير، والمراد بالنفس ذات الشخص، وما يلزمه. رجاله خمسة: مرّ منهم مسلم بن إبراهيم في السابع والثلاثين من الإيمان، وشعبة في الثالث منه، وأبو بُردة وأبوه أبو موسى في الرابع منه. الخامس: سعيد بن أبي بُردة بن أبي موسى الأشعريّ. قال أحمد: بخٍ ثبتٌ في الحديثِ، وقال ابن مُعين والعجليّ: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق ثقة، وذكره ابن حِبّان في الثقات. وقال النَّسَائيّ: ثقة، روى عن أبيه وأنس بن مالك وأبي وائل وغيرهم. وروى عنه قتادة وشُعبة وأبو إسحاق الشيبانيّ وغيرهم. مات سنة ثمان وثلاثين ومئة. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة، ورواته بصريٌّ وواسطيّ وكوفيون، أخرجه مسلم والنَّسائيّ في الزكاة. ثم قال المصنف:

стр. 5825

باب قدركم يعطي من الزكاة والصدقة ومَنْ أعطى شاة قال الزين بن المنير: عَطْفُ الصدقة على الزكاة من عَطْفِ العام على الخاص، إذ لو اقتصر على الزكاة لأفهم أن غيرها بخلافها، وحذف مفعول "يعطي" اختصارًا لكونهم ثمانية أصناف، وأشار بذلك إلى الرد على مَنْ كره أن يدفع إلى شخص واحد قدر النصاب، وهو محكيّ عن أبي حنيفة. وقال محمد بن الحسن: لا بأس به، وقال غيره: لفظ الصدقة يعم الفرض والنفل، والزكاة كذلك، لكنها لا تطلق غالبًا إلا على المفروض دون التطوع، فهي أخص من الصدقة من هذا الوجه، ولفظ الصدقة من حيث الإطلاق على الفرض، مرادف الزكاة، لا من حيث الإطلاق على النفل، وقد تكرر في الأحاديث لفظ الصدقة على المفروضة، ولكن الأغلب التفرقة. وقوله: "كم يُعطى؟ " على بناء المجهول، ويجوز أن يكون علي بناء المعلوم، أي مقدار كم يعطي المزكي في زكاته؟ أو: كم يعطي المتصدق في صدقته. وقوله: "ومَنْ أُعطي شاة" عطف على قوله: "قدر كم يُعطى" أي: وفي بيان حكم من أعطى شاة، فكأنه أشار بذلك إلى أنه إذا أعطى شاة في الزكاة إنما تجوز إذا كانت كاملة، لأن الشارع نص على كمال الشاة في موضع تؤخذ منه الشاة، فإذا أعطى جزءًا منها لا يجوز، وأما في الصدقة فيجوز أن يعطي الشاة كلها، ويجوز أن يعطي جزءًا منها. الحديث الخمسون حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: بُعِثَ إِلَى نُسَيْبَةَ الأَنْصَارِيَّةِ بِشَاةٍ فَأَرْسَلَتْ إِلَى عَائِشَةَ ﵂ مِنْهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ ". فَقُلْتُ: لاَ، إِلاَّ مَا أَرْسَلَتْ بِهِ نُسَيْبَةُ مِنْ تِلْكَ الشَّاةِ، فَقَالَ: "هَاتِ فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا". قوله: "بُعث إلى نُسَيبة" بضم الموحدة مبنيًا للمجهول، وفي رواية بَعَثَ بفتحات مبنيًا للفاعل، والباعث رسولُ الله ﷺ ، لما في مسلم عن أُم عطية قالت: بعث إليّ رسول الله ﷺ بشاةٍ من الصدقة، فبعثتُ إلى عائشة بشيءٍ منها ... الحديث، ونُسَيبة بضم النون مصغرًا، وهي أُم عطية لا غيرها، فكان مقتضى الظاهر أن تقول: بُعِث إليّ بضمير المتكلم المجرور، لكنها عبرت عن نفسها بالظاهر، حيث قالت: "إلى نُسَيبة"، موضعَ المضمر الذي هو ضمير المتكلم المجرور،

стр. 5826

إما على سبيل الالتفات، أو جردت من نفسها ذاتٍ تُسَمّى نُسَيبةَ، وليست أُم عطية غير نسيبة، ففي رواية الغربريّ قال أبو عبد الله البخاريّ: نُسَيبة هي أُم عطية. وقوله: "هل عندكم شيء؟ " أي: من الطعام. وقوله: "بلغت محلها" أي: أنها لما تصرفت فيها بالهدية، لصحة ملكها لها، انتقلت عن حكم الصدقة، فحلت محل الهدية، وكانت تحل لرسول الله ﷺ ، بخلاف الصدقة. كما يأتي في الهبة. وهذا تقرير ابن بطال بعد أن ضبط مَحَلها بفتح الحاء، وضبطه بعضهم بكسرها، من الحلول، أي: بلغت مُسْتَقَرَّها، والأول أَوْلى. وقوله: "هاتِ" بكسر التاء حذفت الياء منه تخفيفًا، ومطابقة الحديث للترجمة من جهة أن لها جزأين، أحدهما مقدار كم يعطي، ويطابقه إرسال نُسيبة إلى عائشة من تلك الشاة التي أُرسلت إليها من الصدقة، والجزء الثاني ومن أعطي شاة، ومطابقته من جهة إرسال النبي ﵊ لها شاة كاملة. واستنبط البخاري من قصة أُم عطية هذه، وقصة بُرَيرة الآتية في باب "إذا تحولت الصدقة" أن للهاشمي أن يأخذ من سهم العاملين إذا عمل على الزكاة، وذلك أنه إنما بأخذ على عمله، قال: فلما حل للهاشميّ أن يأخذ ما يملكه بالهدية، مما كان صدقة، لا بالصدقة، كذلك يحل له أخذ ما يملكه بعمله لا بالصدقة. واستدل به أيضًا على جواز صدقة التطوع، لأزواج النبي ﷺ ، لأنهم فرّقوا بين أنفسهم وبينه ﵊، ولم ينكر عليهم ذلك، بل أخبرهم أن تلك الهدية بعينها، خرجت عن كونها صدقة، بتصرف المتصدَّق عليه فيها، كما مرَّ تقريره. رجاله خمسة: مرّ منهم أحمد بن يونس في التاسع عشر من الإيمان، ومرّ خالد الحذاء في السابع عشر من العلم، ومرّت حفصة وأُم عطية في الثاني والثلاثين من الوضوء. الخامس: عبد ربه بن نافع الكِنانيّ أبو شِهاب الحَنّاط، الكوفيّ، نزيل المدائن، قال ابن مُعين: ثقة، وقال: أبو شهاب أحبّ إليّ من أبي بكر بن عياش في كل شيء. وقال يعقوب بن شَيبة: كان ثقة، وكان كثير الحديث. وكان رجلًا صالحًا، لم يكن بالمتين، وقد تكلموا في حفظه. وقال ابن نُمير: ثقة صدوق. وقال البَزّار: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال علي عن يحيى: لم يكن بالحافظ، قال: ولم يرضَ يحبى أمره. قال أحمد: كان كوفيًا ما علمت إلاَّ خيرًا. قال ابنه عبد الله: قلت: له: إن يحيى بن سعيد قال ليس بالحافظ، فلم يرضَ بذلك، وقال النَّسائيّ: ليس بالقويّ. وقال السَّاجيّ: صدوق يهم في بعض حديثه. قال في المقدمة: احتج به الجماعة سوى التِّرْمِذِيّ، ولعل تضعيف مَنْ ضعفه إنما هو بالنسبة إلى غيره من أقرانه، كأبي عُوانة ونظرائه. روى عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ والأعمش وعاصم الأحول وعاصم بن بَهْدَلة وغيرهم. وروى عنه أحمد بن يونس ومسدد وأبو داود المباركيّ وغيرهم.

стр. 5827

مات سنة إحدى أو اثنتين وسبعين ومئة. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة، ورواته كوفيّ ومدائنيّ وبصريّ ومدنيتان، وفيه رواية التابعية عن الصحابية. أخرجه البخاريُ أيضًا في الزكاة، ومسلم فيها. ثم قال المصنف:

стр. 5828

باب زكاة الوَرِق أي: الفضة، يقال وَرِق، بفتح الواو وبكسرها، وبكسر الراء وسكوتها. قال ابن المنير: لما كات الفضة هي المال الذي يكثر دورانه في أيدي الناس، ويروج بكل مكان، كان أولى بأن يقدم على ذكر تفاصيل الأموال الزكوية. الحديث الحادي والخمسون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ مِنَ الإِبِلِ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ". قوله: "عن عمرو بن يحيى" في موطأ ابن وهب عن مالك أن عمرو بن يحيى حدّثه، وهذا الحديث قد مرّت مباحثه مستوفاة في باب "ما أُدِّي زكاته فليس بكنز". رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرّ عمرو بن يحيى وأبوه يحيى في الخامس عشر من الإيمان، وأبو سعيد في الثاني عشر منه. الحديث الثاني والخمسون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو سَمِعَ أَبَاهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِهَذَا. هذا الحديث مباحثه مباحث الذي قبله. رجاله ستة: قد مرّوا، مرّ محمد بن المثنى وعبد الوهاب في التاسع من الإيمان، ومرّ يحيى بن سعيد الأنصاري في الأول من بدء الوحي، ومرّ محل الباقين في الذي قبله، فيه التحديث والإخبار والسماع، وقد أخرجه الستة. ثم قال المصنف:

стр. 5829

باب العَرْض في الزكاة أي: جواز أخذ العَرض، وهو بفتح المهملة وسكون الراء بعدها معجمة، والمراد به ما عدا النقدين. قال ابن رشيد: وافق البخاريّ في هذه المسألة الحنفيةَ، مع كثرة مخالفته لهم، لكن قاده إلى ذلك الدليل، وقد أجاب الجمهور عن قصة معاذ، وعن الأحاديث بما سيأتي عقب كل واحد منها. ثم قال: وقال طاووس: قال معاذ، رضي الله تعالى عنه، لأهل اليمن: ائتوني بعَرْض ثياب خميص، أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة، أهون عليكم وخير لأصحاب النبي ﷺ بالمدينة. هذا التعليق صحيح الإسناد إلى طاووس، لكن طاووس لم يسمع من معاذ، فهو منقطع، فلا يغتر بقول مَنْ قال: ذكره البخاريّ بالتعليق الجازم، فهو صحيح عنده، لأن ذلك لا يفيد إلا الصحة إلى مَنْ علق عنه. وأما باقي الإسناد فلا، إلا أنَّ إيراده له في معرض الاحتاج به، يقتضي قوته عنده، وكأنه عَضَّده عنده الأحاديثُ التي ذكرها في الباب. وقوله: "خميص" قال الداوديّ والجوهريّ: ثوب خميس، بسين مهملة، هو ثوب طوله خمسة أذرع، وقيل: سمي بذلك لأن أول مَنْ عمله الخَميسُ، ملك من ملوك اليمن. وقال عياض: ذكره البخاريّ بالصاد، وأما أبو عُبيدة فذكره بالسين، قال أبو عبيدة: كأنَّ معاذًا عني الصفيق من الثياب، وقال عياض: قد يكون المراد ثوب خميصٌ، أي: خميصة، لكن ذكره على إرادة الثوب. وقوله: "لبيس" أي: ملبوس، فعيل بمعنى مفعول. وقوله: "في الصدقة" يرد قول مَنْ قال: إن ذلك كان في الخراج، وحكى البيهقيّ أن بعضهم قال فيه: من الجزية، بدل الصدقة، فإن ثبت ذلك سقط الاستدلال، لكن المشهور الأول. وقد رواه ابن أبي شيبة عن طاووس أن معاذًا كان يأخذ العروض في الصدقة، وأجاب الإسماعيليّ باحتمال أن يكون المعنى "إيتوني به آخذه منكم مكانَ الشعير والذرة، الذي آخذه شراءًا، بما آخذه، فيكون بقبضة قد بلغ محله، ثم يأخذ مكانه ما يشتريه مما هو أوسع عندهم، وأنفع للأخذ" قال: ويؤيده أنها لو كانت من الزكاة، لم تكن مردودة على الصحابة، وقد أمره النبي ﷺ أن يأخذ الصدقة من أغنيائهم فيردها على فقرائهم. وأجيب بأنه لا مانع من أنه كان يحمل الزكاة إلى الإِمام ليتولى قسمتها، وقد احتج به من يجيز نقل الزكاة من بلد إلى بلد، وهي مسألة خلافية أيضًا.

стр. 5830

وقيل في الجواب عن قصة معاذ أنها اجتهاد، فلا حجة فيه، وفيه نظر، لأنه كان أعلم الناسِ بالحلال والحرام. وقد بيَّن له النبي ﷺ لمّا أرسله إلى اليمن ما يصنع، وقيل: كانت تلك واقعة حالٍ لا دلالة فيها، لاحتمال أن يكون عَلِم بأهل المدينة حاجة بذلك، وقد قام الدليل على خلاف عمله ذلك. وقال القاضي عبد الوهاب المالكي: كانوا يطلقون على الجزية اسم الصدقة، فلعل هذا منها، وتعقب بقوله: "مكان الشجر والذرة"، وما كانت الجزية حينئذ من أولئك من شعير ولا ذرة، إلا من النقدين. وقوله: أهون عليكم، أراد معنى تسلط السهو عليهم، فلم يقل أهون لكم. وقوله: وخير لأصحاب محمد، أي: أرفق بهم لأن مؤنة النقل ثقيلة، فرأى الأخف في ذلك خيرًا من الأثقل. وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة في مصنفه، وطاووس مرّ بعد الأربعين من الوضوء ومرّ معاذ في أثر أولَ الإيمان قبل ذكر حديث منه. ثم قال: وقال النبي ﷺ : "وأما خالد احتبس أوراعه واعتده في سبيل الله" وهذا طرف من حديث لأبي هريرة يأتى موصولًا في باب قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ مع بقية الكلام عليه، حيث ذكر هناك مستوفى. وخالد المراد به خالد بن الوليد، وقد مرّ في التاسع من الجنائز. ثم قال: وقال النبي ﷺ : "تصدقنَ ولو منْ حُلِيِّكِنّ" فلم يستثن صدقة الفرض من غيرها، فجعلت المرأة تلقي خُرصها وسِخابها، ولم يخص الذهب والفضة من العروض. وهذا طرف من حديث لابن عباس، أخرجه المصنف موصولًا في كتاب العلم في باب "عظة الإِمام النِساءَ" وفي العيدين، في باب موعظة الإمام النساء. وفيه هنا "فجعلت المرأة تلقي خُرصها وسِخابها" والخُرْص بضم المعجمة وسكون الراء بعدها مهملة، الحَلَقة التي تجعل في الأذن، والسِخاب، بكسر المهملة بعدها معجمة وآخره موحدة، القلادةُ. وقوله: ولم يستثن، وقوله: فلم يخص، كلُّ من الكلامين للبخاريّ، ذكرهما بيانًا لكيفية الاستدلال على أداء العرض في الزكاة، وهو مصير منه إلى أن مصارف الصدقة الواجبة، كمصارف صدقة التطوع، بجامع ما فيهما من قصد القربة، والمصروف إليهم بجامع الفقر والاحتياج، إلا ما استثناه الدليل. وأما من وجَّهه فقال: لما أمرّ النبي ﷺ النساءَ بالصدقةِ، في ذلك اليوم، وأَمره على الوجوب، صارت صدقة واجبة، ففيه نظر، لأنه لو كان للإيجاب هنا، لكان مقدارًا، وكانت المجازفة فيه وقبول ما تيسر، غير جائز. ويمكن أن يكون تمسك بقوله: "تصدقنَ" فإنه مطلق يصلح لجميع أنواع الصدقات، واجبها ونفلها، وجميع أنواع المُتَصَدَّق به، عينًا وعَرْضًا، ويكون قوله: "ولو من حِلْيكنّ" للمبالغة، أي: ولو لم يجدن إلا ذلك، وموضع الاستدلال منه للعَرْض قوله: "وسِخابها" لأنه قِلادة تتخذ من مِسْك وقَرَنْفُل ونحوهما، تجعل في العنق. والبخاريّ فيما عرف بالاستقراء من طريقته، يتمسك بالمُطْلَقات تمسك غير بالعمومات.

стр. 5831

الحديث الثالث والخمسون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ أَنَّ أَنَسًا ﵁ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ الَّتِى أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ مَخَاضٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُ بِنْتُ لَبُونٍ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ، وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ عَلَى وَجْهِهَا، وَعِنْدَهُ ابْنُ لَبُونٍ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ. هذا طرف من حديث الصدقات، ويأتي معظمه في زكاة الغنم، وموضع الدلالة منه قبول ما هو أنفس مما يجب على المتصدق، وإعطاؤه التفاوت من جنس غير الجنس الواجب، وكذا العكس، لكن أحاب الجمهور عن ذلك بأنه لو كان كذلك، لكان ينظر إلى ما بين الشيئين في القيمة، فكأنّ العرض يزيد تارة وينقص أخرى، لاختلاف ذلك في الأمكنة والأزمنة، فلما قَدَّر الشارع التفاوت بمقدار معين، لا يزيد ولا ينقص، كان ذلك هو الواجب في الأصل، في مثل ذلك، ولولا تقدير الشارع بذلك، لتعينت بنت المخاض مثلًا، ولم يجز أن تبدل بنتَ لبون، مع التفاوت. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ محمد بن عبد الله في الخامس من الاستسقاء، ومرّ عبد الله بن المثنى وثُمامة في السادس والثلاثين من العلم، ومرّ أنس في السادس من الإيمان، ومرّ أبو بكر في باب "مَنْ لم يتوضأ من لحم الشاة" بعد الحادي والسبعين من الوضوء. لطائف إسناده: فيه أن السند كله بالتحديث بالجمع وبالإفراد، وهو مسلسل بالأنسيين، وكلهم بصريون، وفيه رواية الابن عن الأب، ورواية الرجل عن جده، ورواية الرجل عن عمه، وهو من الرباعيات. قلت: أو الخماسيات. أخرجه البخاريّ في عشرة مواضع، ستة من الزكاة، وفي الخمس وفي الشركة وفي اللباس وفي ترك الحيل، وأخرجه أبو داود والنَّسَائيّ وابن ماجَه في الزكاة. الحديث الرابع والخمسون حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ، فَرَأَى أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ، فَأَتَاهُنَّ وَمَعَهُ بِلاَلٌ نَاشِرَ ثَوْبِهِ فَوَعَظَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي، وَأَشَارَ أَيُّوبُ إِلَى أُذُنِهِ وَإِلَى حَلْقِهِ.

стр. 5832

قوله: "فجعلت المرأة تلقي" وأشار أيوب إلى أُذنه وحَلْقه، قد مرّ تفسير ذلك بما ذكره في الترجمة من قوله: "تلقي خُرْصها وسِخابها" لأن الخُرص من الأذن، والسِخاب من الحَلْق. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ مُؤَمل بن هشام في الرابع والعشرين من التهجد، ومرّ إسماعيل بن علية في الثامن من الإيمان، وأيوب في التاسع منه، وعطاء بن أبي رباح وبلال بن حَمامة في التاسع والثلاثين من العلم، ومرّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي، وتقدم الكلام على الحديث في باب العيدين. ثم قال المصنف:

стр. 5833

باب لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع في رواية الكشميهنيّ "متفرق" بتقديم التاء وتشديد الراء، قال الزين بن المنير: لم يقيد المصنف الترجمة بقوله: "خشية الصدقة" لاختلاف نظر العلماء في المراد بذلك، لما يأتي قريبًا. ثم قال: ويذكر عن سالم عن ابن عمر عن النبي ﷺ مثلُه، أي: مثل لفظ هذه الترجمة، وهو طرف من حديث أخرجه أبو داود وأحمد والتِّرمِذيّ والحاكم وغيرهم، عن سفيان بن حسين عن الزُّهريّ عنه، موصولًا. وسفيان بن حسين ضعيف في الزُّهريّ، وقد خالفه مَنْ هو أحفظ منه في الزُّهريّ، فأرسله الحاكم عن يونس بن يزيد عن الزُّهريّ، وقال: إن فيه تقوية لرواية سُفيان بن حسين، لأنه قال عن الزُّهريّ قال: أَقرأَنيها سالم بن عبد الله بن عمر، فوعيتها على وجهها، فذكر الحديث، ولم يقل: إن ابن عمر حدثه به، ولهذه العلة لم يجزم به البخاريّ، لكن أورده شاهدًا لحديث أنس الموصول عنده في الباب. وسالم قد مرّ في السابع عشر من الإيمان، ومرّ أبوه عبد الله في أوله قبل ذكره حديث منه. الحديث الخامس والخمسون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ أَنَّ أَنَسًا ﵁ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلاَ يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ. وقوله: "لا يجمع بين متفرق" بتقديم التاء، وزاد هنا: خشية الصدقة، واختلف في المراد بالخشية كما يذكر قريباً. قال مالك في الموطأ: معنى هذا الحديث أن يكون النفي الثلاثة، لكل واحد منهم، أربعون شاة وجبت فيها الزكاة، فيجمعونها حتى لا تجب عليهم كلهم فيها إلا شاة واحدة، أو يكون للخليطين مئتا شاة وشاتان، فيكون عليهما فيها ثلاث شياه، فيفرقونها حتى لا يكون على كل واحد إلا شاةً واحدة. وقال الشافعيّ: هو خِطاب لرب المال من جهة، وللساعي من جهة، فأمر كل واحد منهم أن لا يحدث شيئًا من الجمع والتفريق خشية الصدقة، فرب المال يخشى أن تكثر الصدقة، فيجمع أو يفرق، لتقل، والساعي يخشى أن تقل الصدقة، فيجمع أو يفرق، لتكثر. فمعنى قوله: "خشية الصدقة" أي: خشية أن تكثر الصدقة، أو خشية أن تقل الصدقة. فلما كان محتملًا للأمرين، لم

стр. 5834

يكن الحمل على أحدهما بأولى من الآخر، فحمل عليهما معًا، لكن الذي يظهر أن حمله على المالك أظهر. وفي الباب عن عليّ عند أصحاب السنن، وعن سُويد بن غفلة قال: أتانا مُصَدَّق النبي ﷺ ، فقرأت في عهده، فذكر مثله. أخرجه النَّسائيّ، وعن سعد بن أبي وقاص أخرجه البيهقيّ، واستدل بحديث الباب على أنَّ مَنْ كان عنده دون النصاب من الفضة، ودون النصاب من الذهب، مثلًا، أنه لا يجب ضم بعضه إلى بعضه حتى يصير نِصَابًا كاملًا فتجب فيه الزكاة، خلافًا لمن قال: يضم على الأجزاء، كالمالكية، كعشرة دنانير ومئة درهم، أو على القيم، كالحنفية، واستدل به لأحمد على أن مَنْ كان له ماشية ببلد لا تبلغ النصاب، كعشرين شاةً مثلاً بالبصرة، ومثلها بالكوفة، أنها لا تضم، باعتبار، أنها ملك رجل واحد، وتؤخذ منها الزكاة لبلوغها النصاب، قاله ابن المنذر، وخالفه الجمهور، فقالوا: يجمع على صاحب المال أمواله، ولو كانت في بلدان شتى، ويخرج منها الزكاة. واستدل به على إبطال الحيل، والعمل على المقاصد المدلول عليها بالقرآن، وأن زكاة العين لا تسقط بالهبة. قال العينيّ: ومما يستفاد منه النهيُ عن الحيل لسقوط ما كان واجبًا عليه، ويجري ذلك في أبواب كثيرة من الفقه، وللعلماء في ذلك خلاف في التحريم، أو الكراهة أو الإباحة، والحق أنه إن كان ذلك لغرض صحيح، فيه رفق للمعذور، وليس فيه إبطال لحق الغير، فلا بأس به، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ وإن كان لغرضٍ فاسد، كإسقاط حق الفقراء من الزكاة، بتمليك ماله قبل الحول لولده، أو نحو ذلك، فهو حرام، أو مكروه على الخلاف المشهور في ذلك. رجاله خمسة: قد مرّوا في الذي قبله بحديث، فهو هذا بعينه، إلا أن في هذا زيادة. ثم قال المصنف:

стр. 5835

باب ما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية واختلف في المراد بالخليط، فعند أبي حنيفة أنه الشريك، قال: ولا يجب على أحد منهم فيما يملك، إلا مثل الذي كان يجب عليه لو لم يكن خلط، وتعقبه ابن جرير بأنه لو كان تفريقها مثل جمعها في الحكم، لبطلت فائدة الحديث، وإنما نهى عن أمر، لو فعله، كانت فيه فائدة قبل النهي، ولو كان كما قال، لما كان، لتراجع الخليطين بينهما بالسَّويّة معنى. واعترض عليه أيضًا بأن الشريك قد لا يعرف عين ماله، وقد قال إنهما يتراجعان بينهما بالسوية، ومما يدل على أن الخليط لا يستلزم أن يكون شريكًا قولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ﴾ وقد بيّنه قبل ذلك بقوله: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾. واعتذر بعضهم عن الحنفية، بأنهم لم يبلغهم هذا الحديث، والحق أنهم تمسكوا بالأصل في قوله: "ليس فيما دون خمس ذَودٍ صدقة" وقالوا: إن جميع النصوص الواردة في نُصُب الزكاة تمنع الوجوب فيما دونها. وقوله: "يتراجعان" قال الخطابيّ: معناه أن يكون أربعون شاة مثلًا، لكل واحدٍ منهما عشرون، قد عرف كل منهما عين ماله، يأخذ المصدق منهما شاة، فيرجع المأخوذ من ماله على خليطه بقيمة نصف شاة، وتسمى هذه خلطة الجِواز. وقوله: "بالسوية" أي: بنسبة عدديهما، كتسع من الإبل لأحدهما وللآخر خمس، ففيهما شاتان، على الأول تسعة أسباع وعلى الثاني خمسة أسباع، والمأخوذ منه يرجع على الآخر بما عليه. ثم قال: وقال طاووس وعطاء: إذا عَلِم الخليطان أموالهما، فلا يجمع مالهما، وهذا وصله أبو عبيد في كتاب الأموال عن طاووس، قال: إذا كان الخليطان يعلمان أموالهما، لم يجمع مالهما في الصدقة. قال ابن جُريج: فذكرته لعطاء، فقال: ما أراه إلا حقًا. وقال عبد الرزاق أيضًا، عن ابن جُريج: قلت لعطاء: ناسٌ خُلِط لهم أربعون شاةً، قال: عليهم شاة. قلت: فلواحدٍ تسعٌ وثلاثون شاة، ولأخر شاة؟ قال: عليهم شاة. وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة في مصنفه. وطاووس مرّ في باب "مَنْ لم ير الوضوء إلا من المخرجَيْن" بعد الأربعين من الوضوء. ومرّ عطاء في الذي قبله بحديث. ثم قال: وقال سفيان: لا تجب حتى تتم لهذا أربعون شاةً، ولهذا أربعون شاة. رواه عبد الرزاق عن الثَّوريّ، وبهذا قال مالك. وقال الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث: إذا بلغت

стр. 5836

ماشيتهما النصاب، زَكَّيا. والخلطة عندهم أن يجتمعا في المسرح والمبيت والحوض والفحل، والشركة أخص منهما، والشرط عند مالك أن يجتمعا في الأكثر من خمسة: من مَراح وماء ومبيت وراع وفحل، وأكثر هو الثلاثة، وسُفيان هو الثَّوْرِيّ، وقد مرّ في السابع والعشرين من الإيمان. الحديث السادس والخمسون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ. أورد طرفًا من حديث أنس المذكور، وفيه لفظ الترجمة، وقد مرّ الكلام عليها. رجاله مرّ في الذي قبله. ثم قال المصنف:

стр. 5837

باب زكاة الإبل سقط لفظ باب من رواية الكشميهنيّ والحمويّ، ثم قال: ذكره أبو بكر وأبو ذَرٍّ وأبو هُريرة رضي الله تعالى عنهم عن النبي ﷺ ، أما حديث أبي بكر فقد ذكره مطولًا بعد باب، وأما حديثا أبي ذرٍّ وأبي هُريرة فسيأتيان بعد ستة أبواب، وأبو بكر مرّ في باب مَنْ لم يتوضأ من لحم الشاة بعد الحادي والسبعين من الوضوء، ومرّ أبو ذَرٍّ في الثالث والعشرين من الإيمان، ومرّ أبو هريرة في الثاني من الإيمان. الحديث السابع والخمسون حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْهِجْرَةِ فَقَالَ: "وَيْحَكَ، إِنَّ شَأْنَهَا شَدِيدٌ، فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ تُؤَدِّي صَدَقَتَهَا. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا". موضع الحاجة منه قوله: "فهل لك من إبل تؤدي صدقتها؟ قال: نعم" قال الزين بن المنير: في هذه الأحاديث أحكام متعددة، تتعلق بهذه الترجمة، منها إيجاب الزكاة، والتسوية بينها وبين الصلاة في قتال مانعيها، حتى لو منعوا عقالًا، وهو ما تربط به الإبل، وتسميتها فريضة، وذلك أعلى الواجبات، وتوعد مَنْ لم يؤدها بالعقوبة في الدار الآخرة، كما في حديثي أبي ذرٍّ وأبي هُريرة. وقوله: "إن أعرابيًا" لم يعرف اسمه، والهجرة المسؤول عنها مفارقةُ دار الكفر إذ ذاك، والتزام أحكام المهاجرين مع النبي ﷺ . وكان ذلك وقع بعد فتح مكة، لأنها كانت إذ ذاك فَرْضَ عَين، ثم نسخ ذلك بقوله ﷺ : "لا هجرة بعد الفتح"، وقوله: "فاعمل من وراء البحار" مبالغة في إعلامه بأن عمله لا يضيع في أي موضع كان. وقوله: "لن يَتِرَكَ" بفتح التحتانية وكسر المثناة ثم راء وكاف، أي: ينقصك، وفي القرآن: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ أي: لن ينقصكم شيئأ من ثواب أعمالكم. وفي الحديث فضل أداء زكاة الإبل ومعادلة إخراج أداء حق الله منها لفضل الهجرة، فإن في الحديث إشارة إلى أن استقراره بوطنه إذا أدَّى زكاة ماله، يقوم له مقام ثواب هجرته، وإقامته بالمدينة.

стр. 5838

رجاله ستة: قد مرّوا، مرّ علي بنَ المِدينيّ في الرابع عشر من العلم، ومرّ الوليد بن مسلم في السادس والثلاثين من مواقيت الصلاة، ومرّ الأوزاعيّ في العشرين من العلم، ومرّ ابن شِهاب في الثالث من بَدء الوحي، ومرّ عطاء بن يزيد في الحديث العاشر من الوضوء ومرّ أبو سعيد الخُدريّ في الثاني عشر من الإيمان. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، وشيخه من أفراده، ورواته شاميان ومدنيان. أخرجه البخاري أيضًا في الهجرة وفي الأدب وفي الهبة، ومسلم في المغازي، وأبو داود في الجهاد، والنَّسائيّ في البيعة وفي السِيَر. ثم قال المصنف:

стр. 5839

باب مَنْ بلغت عنده صدقة بنت مخاض وليست عنده الحديث الثامن والخمسون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ أَنَّ أَنَسًا ﵁ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ فَرِيضَةَ الصَّدَقَةِ الَّتِى أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ : مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةُ الْجَذَعَةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ الْحِقَّةُ وَعِنْدَهُ الْجَذَعَةُ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجَذَعَةُ، وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ إِلاَّ بِنْتُ لَبُونٍ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ لَبُونٍ، وَيُعْطِي شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ مَخَاضٍ وَيُعْطِي مَعَهَا عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ. أورد هنا طرفًا من حديث أنس المذكور، وليس فيه ما ترجم به، وقد أورد الحكم الذي ترجم به في باب العرض في الزكاة، وحذفه هنا، فقال ابن بطال: هذه غفلة منه، وتعقبه ابن رشيد وقال: بل هي غفلة ممن ظن به الغفلة، وإنما مقصده أن يستدل على أن مَنْ بلغت صدقته بنتَ مَخاض، وليست عنده هي، ولا ابن اللَّبون، لكن عنده مثلًا حِقّةٌ، وهي أرفع من بنتِ مخاض، لأن بينهما بنتَ لَبون، وقد تقرر أن بين بنت اللبون وبنت المخاض عشرين درهمًا أو شاتين، وكذلك سائر ما وقع ذكره في الحديث من سن، تزيد أو تنقص، إنما ذكر فيه ما يليها، لا ما يقع بينهما بتفاوت درجة، فأشار البخاريّ إلى أنه يستنبط من الزائد والناقص والمنفصل ما يكون منفصلًا بحساب ذلك، فعلى هذا، مَنْ بلغت صدقته بنت مخاض وليست عنده إلاَّ حِقَّةٌ أي يرد عليه المُصَّدق أربعين درهمًا أو أربع شياه جَبرانًا أو بالعكس، فلو ذكر اللفظ الذي ترجم به، لما أفهم هذا الغرض، فتدبره. وقال الزين بن المنير: مَنْ أمعن النظر في تراجم هذا الكتاب، وما أودعه فيها من أسرار

стр. 5840

المقاصد، استبعد أن يغفل أو يمهل أو يضع لفظًا بغير معنى، أو يرسم في الباب خبرًا يكون غيره به أقعد وأَوْلى، وإنما قصد بذكر ما لم يترجم به أن يقرر أن المفقود إذا وجد الأكمل منه والأنقص شُرع الجَبْران، كما شرع ذلك فيما تضمنه هذا الخبر، من ذكر الأسنان، فإنه لا فرق بين ذِكر فَقْدِ بنت المخاض ووجود الأكمل منها. قال: ولو جعل العمدة في هذا الباب الخَبر المشتمل على فَقْدِ بنت المخاض لكان نصًا في الترجمة ظاهرًا، فلما تركه واستدل بنظيره أفهم ما ذكرناه من الإلحاق بنفي الفرق، وتسويته بين فقد بنت المخاض ووجود الأكمل منها، وفقد الحِقَّة ووجود الأكمل منها. رجاله خمسة: وقد مرّوا في الثاني والخمسين. ثم قال المصنف:

стр. 5841

باب زكاة الغنم قال الزين بن المنير: حذف وصف الغنم بالسائمة، وهو ثابت في الخبر، إما لأنه لم يعتبر هذا المفهوم، أو لتردده، من جهة تعارض وجوه النظر فيه عنده، وهي مسألة خلافية شهيرة، والراجح في مفهوم الصفة أنها إن كانت تناسب الحكم مناسبة العلة لمعلولها، اعتبرت، وإلا فلا، ولا شك أن السِّوم يشعر بخفة المؤنة ودَرْء المشقة، بخلاف العَلَف، فالراجح اعتباره هنا. قاله في "الفتح"، قلت: هذا هو مذهبه، ويأتي ما فيه من الخِلاف عند انتهاء الحديث. الحديث التاسع والخمسون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى الأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ هَذَا الْكِتَابَ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ، فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا فَلْيُعْطِهَا، وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلاَ يُعْطِ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ فَمَا دُونَهَا مِنَ الْغَنَمِ مِنْ كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، إِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلاَثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلاَثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْجَمَلِ، فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ يَعْنِي سِتًّا وَسَبْعِينَ إِلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلاَّ أَرْبَعٌ مِنَ الإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ، إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا مِنَ الإِبِلِ فَفِيهَا شَاةٌ، وَفِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِلَى مِائَتَيْنِ شَاتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إِلَى ثَلاَثِمِائَةٍ فَفِيهَا ثَلاَثٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلاَثِمِائَةٍ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ، إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وَفِي الرِّقَةِ رُبْعُ الْعُشْرِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِلاَّ تِسْعِينَ وَمِائَةً فَلَيْسَ

стр. 5842

فِيهَا شَيْءٌ، إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا. قد تابع عبد الله بن المثنى على حديثه هذا حمّادُ بن سَلَمة، فرواه عن ثُمامة أنه أعطاه كتابًا، زعم أن أبا بكر كتبه لأنس، وعليه خاتم النبي ﷺ ، حين بعثه مُصَدَقًا، فذكر الحديث، هكذا أخرجه أبو داود عن أبي سلمة عنه. ورواه أحمد في مسنده عن حماد قال: أخذت هذا الكتاب من ثُمامة بن عبد الله بن أنس عن أنس أنّ أبا بكر ... فذكره، وقال إسحاق بن راهويه في مسنده عن حمّاد بن سَلَمة: أخذنا هذا الكتاب من ثمامة يُحَدِّثُه عن أنس عن النبي ﷺ ، فذكره، فوضح أن حمّادًا سمعه من ثُمامة وأقرأه الكتابَ، فانتفى تعليل من أعلّه بكونه مكاتبة، وانتفى تعليل من أعله يكون عبد الله بن المثنى لم يتابع عليه. قوله: "لما وجهه إلى البحرين" أي: عاملًا عليها، وهو اسم لإقليم مشهور يشتمل على مدن معروفة، قاعدتها هجر، وهكذا ينطق بها بلفظ التثنية، والنسبة إليه بحرانيّ. وقوله: "بسم الله الرحمن الرحيم" قال الماورديّ: يستدل به على إثبات البسملة في ابتداء الكتب، وعلى أن الابتداء بالحمد ليس بشرط، قوله: "هذه فريضة الصدقة" أي: نسخة فريضة، فحذف المضاف للعلم به، وفيه أن اسم الصدقة يطلق على الزكاة خلافًا لمن منع ذلك من الحنفية. وقوله: "التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين" ظاهر في رفع الخبر إلى النبي ﷺ ، وأنه ليس موقوفًا على أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وقد صرّح برفعه في رواية إسحاق المتقدم ذكرها، ومعنى فرض هنا، أوجب أو شرع، يعني بأمر الله تعالى. وقيل: معناه قَدّر لأن إيجابها ثابت بالكتاب، ففرض النبي ﷺ لها بيانُه للمجمل من الكتاب، بتقدير الأنواع والأجناس. وأصل الفرض قطع الشيء الصُّلب، ثم استعمل في التقدير، لكونه مقتطعًا من الشيء الذي يقدر منه، ويرد بمعنى البيان كقوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ وبمعنى الإنزال كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ وبمعنى الحل كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ وكل ذلك لا يخرج عن معنى التقدير. ووقع استعمال الفرض بمعنى اللزوم حتى كاد يغلب عليه، وهو لا يخرج أيضًا عن معنى التقدير، وقال الراغب: كل شيء ورد في القرآن فَرْض على فلان، فهو بمعنى الإلزام، وكل شيء ورد فرض له فهو بمعنى لم يُحَرِّمه عليه، وذكر أن معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ أوجب عليك العمل به. وهذا يؤيد قول الجمهور: إن الفرض مرادف للوجوب. وتفريق الحنفية بين الفرض والواجب باعتبار ما يثبتان به لا مشاحة فيه، وإنما النزاع في حمل ما ورد من الأحاديث الصحيحة على ذلك؛ لأن اللفظ السابق لا يحمل على الاصطلاح الحادث. وقوله: "على المسلمين" استدل به على أن الكافر ليس مخاطبًا بذلك، وتعقب بأن المراد بذلك، كونُها لا تصح منه، لا أن المراد أنه لا يعاقب عليها، وهو محل النزاع.

стр. 5843

وقوله: "والتي أمر الله بها ورسوله" كذا في كثير من نسخ البخاريّ، وفي كثير منها بحذف "بها"، وأنكرها النَّوويّ، وفي رواية أبي داود المقدم ذكرها، "التي أمر" بغير واو، على أنها بدل من أولى. وقوله: "من سُئِلها من المسلمين على وجهها فلْيُعطِها" أي: على هذه الكيفية المبنية في هذا الحديث. وفيه دلالة على دفع الأموال الظاهرة إلى الإِمام. وقوله: "ومَنْ سئل فوقها فلا يعط" أي: من سئل زائدًا على ذلك في سن أو عدد، فله المنع. ونقل الرافعي الاتفاقَ على ترجيحه، وقيل: معناه فليمنع الساعي وليتول هو إخراجها بنفسه، أو بساع آخر، فإنّ الساعي الذي طلب الزيادة يكون بذلك متعديًا، وشرطه أن يكون أمينًا، لكن محل هذا إذا طلب الزيادة بغير تأويل. وقوله: "في كل أربع وعشرين من الإبل فما دونها" أي: إلى خمس. وقوله: "من الغنم" كذا للأكثر، وفي رواية ابن السكن بإسقاط "من" وصوَّبها بعضهم. قال عياض: مَنْ أثبتها فمعناه زكاتها، أي الإبل من الغنم، ومن للبيان لا للتبعيض، ومَن حذفها فالغنم مبتدأ والخبر مضمر في قوله: "في كل أربع وعشرين"، وإنما قدم الخبر لأن الغرض بيان المقادير التي تجب فيها الزكاة، والزكاة إنما تجب بعد وجود النصاب، فحسن التقديم، واستدل به على تَعَيُّن إخراج الغنم في مثل ذلك، وهو قول مالك وأحمد، فلو أخرج بعيرًا عن الأربع والعشرين لم يجزه. وقال الشافعي والجمهور: يجزؤه، لأنه يجزىء عن خمس وعشرين، فما دونها أولى، ولأن الأصل أن تجب من جنس المال، وإنما عدل عنه رفقًا بالمالك، فإذا رجع باختياره إلى الأصل أجزأه، فإن كانت قيمة البعير مثلًا دون قيمة أربع شياه، ففيه خلاف عند الشافعية وغيرهم، والأَقيس أنه لا يُجزىء. واستدل بقوله: "في كل أربع وعشرين" على أن الأربع مأخوذة عن الجميع، وإن كانت الأربع الزائدة على العشرين وَقَصًا، وهو قول الشافعي في البُوَيطيّ. وقال في غيره: إنه عفو، ويظهر أثر الخلاف فيمن له مثلًا تسعٌ من الإبل فتلف منها أربعة بعد الحول، وقبل: التمكن، حيث قلنا إنه شرط في الوجوب، وجبت عليه شاة بلا خلاف. وكذا إذا قلنا التمكن شرط في الضمان، وقلنا الوَقَص عفو، وإن قلنا يتعلق به الفرض، وجبت خمسة أتساع شاة، والأول قول الجمهور، كما نقله ابن المنذر. قلت: الأصح في مذهب مالك إجزاء البعير عن شاة، والوَقَص بالتحريك، ويجوز إسكان القاف، وبالسين المهملة بدل الصاد، هو ما بين الفرضين عند الجمهور. واستعمله الشافعي فيما دون النصاب الأول أيضًا. وقوله: "فإذا بلغت خمسًا وعشرين" فيه أن في هذا القدر بنتَ مخاض، وهو قول الجمهور إلا ما جاء عن عليّ، أن في خمسٍ وعشرين شياه، فإذا صارت ستًا وعشرين كانت فيها بنت مخاض، أخرجه ابن أبي شيبة وغيره، موقوفًا ومرفوعًا. وإسناد المرفوع ضعيف، وقوله: "ففيها بنت مخاض أنثى" زاد حمّاد بن سَلَمة في روايته "فإن لم تكن بنتَ مخاض، فابن لبون ذكر".

стр. 5844

وقوله: "أنثى وذكر" للتأكيد أو لتنبيه رب المال ليطيب نفسًا بالزيادة. وقيل: احترز بذلك عن الخنثى، وفيه بُعد، وبنت المخاض، بفتح الميم والمعجمة الخفيفة وآخره معجمة، هي التي أتى عليها حول، ودخلت في الثاني، وحملت أُمها، والماخض الحامل، أي: دخل وقت حملها وإن لم تحمل، وابن اللَّبون هو الذي دخل في الثالثة، فصارت أمه لبوناً بوضع الحمل. وقوله: "إلى خمس وأربعين إلى للغاية" وهو يقتضي أن ما قبل الغاية يشتمل عليه الحكم المعهود بيانه، بخلاف ما بعدها، فلا يدخل إلا بدليل، وقد دخل هنا بدليل قوله بعد ذلك: "فإذا بلغت ستًا وأربعين" فعلم أن حكمها حكم ما قبلها. وقوله: "ففيها حِقّة طَرُوقة الجَمَل" حِقّة بكسر المهملة وتشديد القاف، والجمع حِقاف بالكسر والتخفيف، وطَرُوقة بفتح أوله، أي: مَطروقة، وهي فَعُولة بمعنى مفعولة، كَحلُولة بمعنى مَحلوية، والمراد أنها بلغت أنْ يطرقها الفحل، وهي التي أتت عليها ثلاث سنين، ودخلت في الرابعة. وقوله: "جَذَعَة" بفتح الجيم والمعجة، وهي التي أتت عليها أربع، ودخلت في الخامسة. وقوله: "فإذا بلغت" يعني ستًا وسبعين، كذا في الأصل بزيادة يعني، وكأن العدد حُذف من الأصل اكتفاءًا بدلالة الكلام، فذكره بعض رواته، وأتى بلفظ "يعني" لينبه على أنه مزيد، أو شك أَحد رواته فيه. وقد ثبت بغير لفظ "يعني" في رواية الإسماعيليّ من طريق أخرى، فيحتمل أن يكون الشك فيه من البخاريّ، وفي رواية حمّاد بن سلمة بإثباته أيضًا. وقوله: "فإذا زادت على عشرين ومئة واحدةً فصاعدًا" وهذا قول الجمهور، وعند المالكية من إحدى وعشرين ومئة إلى تسع وعشرين حِقَّتان، أو ثلاث بنات لبون، الخيار للساعي وجدًا أو فَقْدًا، وتعيَّن أحدهما منفردًا، وعند كمال الثلاثين يكون الحكم عندهم ما في الحديث: في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حِقّة. وعن الإصطخري من الشافعية: تجب ثلاث بنات لبون، لزيادة بعض واحدة، لصدق الزيادة، وتتصور المسألة في الشركة، ويرده ما في كتاب عمر "إذا كانت إحدى وعشرين ومئة، ففيها ثلاث بنات لبون، حتى تبلغ تسعًا وعشرين ومئة" ومقتضاه أن ما زاد على ذلك فزكاته بالإبل، وعند أبي حنيفة: إذا زادت على عشرين ومئة تستأنف الفريضة، فيكون في الخمس شاة مع الحِقَّتَين، وفي العشر شاتان، وفي خمسَ عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين بنت مخاض، وفي ست وثلاثين بنت لَبون، فإذا بلغت مئة وستًا وتسعين، ففيها أربع حِقاق إلى مئتين، ثم تستأنف الفريضة أبدًا، كما تستأنف في الخمسين التي بعد الخمسين والمئة. واستدلوا بما رواه أبو داود وغيره من مرسل أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنّ النبي ﵊ كتبه لجده، فكان فيه ما يخرج من فرائض الإبل، فقص الحديث إلى أن تبلغ عشرين ومئة، فإذا كانت أكثر من عشرين ومئة، فإنه يعاد إلى أول فريضة الإبل، وما كان أقل من خمس وعشرين ففيه الغنم، في كل خمسِ ذودٍ شاةٌ. وهذا مرسل منقطع لا تقوم به حجة.

стр. 5845

وقوله: "فإذا بلغت خمسًا من الإبل ففيها شاه، وفي صدقة الغنم ... إلخ" قد اقتطع البخاريُّ من بين هاتين الجملتين بعد قوله: "ففيها شاة" قوله: "ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجَذَعة" إلى آخر ما ذكره في الباب الذي قبله. وقد ذكره في باب العرض في الزكاة، وزاد، بعد قوله فيه: "يقبل منه بنت مخاض ويعطي معها عشرين درهمًا أو شاتين، فإن لم تكن عنده بنت مخاض على وجهها، وعنده ابن لبون، فإنه يقبل منه، وليس معه شيءٌ" وهذا الحكم متفق عليه، فلو لم يجد واحدًا منهما، فله أن يشتري أيهما شاء على الأصح عند الشافعية، وقيل: يتعين شراء بنت مخاض، وهو قول مالك وأحمد. وقوله: "ويعطي معها عشرين درهمًا أو شاتين" هو قول الشافعيّ وأحمد وأصحاب الحديث. وعن الثَّوريّ عشرة، وهي رواية عن إسحاق، وعن مالك: يلزم رب المال بشراء ذلك السن بغير جُبران. قال الخطابيّ: يشبه أن يكون الشارع جعل الشاتين أو العشرين درهمًا تقديرًا في الجُبران لئلا يَكِل الأمر إلى اجتهاد الساعي، لأنه يأخذها على المياه، حيث لا حاكم ولا مُقَوِّم غالبًا، فضبطه بشيء يرفع التنازع، كالصاع في المُصَرَّاة والغُرة في الجنين، وبين هاتين الجملتين قوله: "وفي صدقة الغنم" وسيأتي التنبيه على ما حذفه منه أيضًا في موضع آخر قريبًا. وقوله: "في سائمتها" أي: راعيتها، وهذا دليل على أن لا زكاة في المعلوفة، وهذا قول أبي حنيفة والشافعيّ وأحمد والليث وأبي ثور. وقال الحنفية: لا زكاة في العوامل والمعلوفة، وعند مالك وقتادة ومحكول: تجب الزكاة في المعلوفة والنواضح بالعمومات. استدل الأولون بكتاب الصديق هذا، وما شابهه، وجعل مالك ومَنْ معه التعبير بالسوم من باب التعبير بالغالب، على حد قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ فلا مفهوم له. والسائمة عند أبي حنيفة وأحمد هي التي تكتفي بالرعي في أكثر الحول؛ لأن اسم السوم لا يزول عنها بالعلف اليسير، ولأن العلف اليسير لا يمكن التحرز منه، ولأن الضرورة تدعو إليه في بعض الأحيان، لعدم الشرعي فيه، واعتبر الشافعي في جميع الحول، ولو علفت قدرًا تعيش بدونه بلا ضرر بَيِّن، وجبت الزكاة. وقوله: "إذا كانت أربعين ... إلخ" في رواية الكشميهنيّ: "إذا بلغت" وقد أجمع العلماء على أن لا شيء في أقل من الأربعين من الغنم. وقوله: "فإذا زادت على عشرين ومئة، في كتاب عمر "فإذا كانت إحدى وعشرين، حتى تبلغ مئتين، ففيها شاتان". وقوله: "فإذا زادت على مئتين إلى ثلاث مئة، ففيها ثلاث" مذهب مالك أنها إذا زادت على مئتين بشاة، تجب فيها ثلاث شياه، تقديمًا لحق الفقراء عند وجود أول جزء من المئة الثالثة. وقوله: "فإذا زادت على ثلاث مئة، ففي كل مئة شاة" مقتضاه أنه لا تجب الشاة الرابعة حتى تتم أربع مئة، وهو قول الجمهور. قالوا: وفائدة ذكر الثلاث مئة لبيان النصاب الذي بعده، لكون

стр. 5846

ما قبله مختلفًا، وعن بعض الكوفيين، كالحسن بن صالح، ورواته عن أحمد إذا زادت على الثلاث مئة واحدةً وجبت الأربع. وقوله: "ففي كل مئة شاة شاة"، وقوله: "فإذا كانت سائمة الرجل" اقتطع البخاري من بين هاتين الجملتين. قوله: "ولا يخرج في الصدقة هَرِمة" إلى آخر ما ذكره في الباب الذي يليه، واقتطع منه أيضًا. قوله: "ولا يجمع بين مفترق" إلى آخر ما ذكره في بابه، وكذا قوله: "وما كان من خليطين" إلى آخر ما ذكره في بابه. ويلي هذا قوله هنا: "فإذا كانت سائمة الرجل ... إلخ". وهذا حديث واحد يشتمل على هذه الأحكام التي فرقها المصنف في هذه الأبواب غَيْرَ مراعٍ الترتيبَ فيها، بل بحسب ما ظهر له من مناسبة إيراد التراجم المذكور. وقوله: "وفي الرِّقَةِ" بكسر الراء وتخفيف القاف، الفضة الخالصة، سواء كانت مضروبة أو غير مضروبة. قيل: أصلها الوَرِق فحذفت الواو وعوضت الهاء، وقيل: يطلق على الذهب والفضة بخلاف الوَرِق، فعلى هذا فقيل إن الأصل في زكاة النقدين نصابُ الفضة، فإذا بلغ الذهب ما قيمته مئتا درهم فضة خالصة، وجبت فيه الزكاة، وهو ربع العشر، وهذا قول الزُّهريّ. وخالفه الجمهور. وقوله: "فإن لم تكن إلا تسعين ومئة" أي: إن لم تكن الفضة، وهذا يوهم أنها إذا زادت على التسعين ومئة، قبل بلوغ المئتين، أن فيها صدقة، وليس كذلك، وإنما ذكر التسعين لأنه آخر عقد قبل المئة، والحساب إذا جاوز الآحاد كان تركيبه بالعقود، كالعشرات والمِئتين والألوف، فذكر التسعين ليدل على أن لا صدقة فيما نقص عن المئتين. ويدل عليه قوله الماضي "ليس فيما دون خمس أواقٍ صدقة، إلا أن يشاء ربها" أي: في المواضع الثلاثة، أي: إلا أن يتبرع متطوعًا. رجاله رجال الذي قبله. ثم قال المصنف:

стр. 5847

باب لا يؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس إلا ما شاء المصدق اختلف في ضبطه، فالأكثر على أنه بالتشديد، والمراد المالك، وهو اختيار أبي عبيد، وتقدير الحديث لا تؤخذ هَرِمة ولا ذات عيب أصلًا، ولا يؤخذ التيس، وهو فحل الغنم إلا برضا المالك، لكونه يحتاج إليه، فَفي أخذه بغير اختياره إضرار به، وعلى هذا فالاستثناء مختص بالثالث. ومنهم مَنْ ضبطه بتخفيف الصاد، وهو الساعي، وكأنه يشير بذلك إلى التفويض إليه في اجتهاده، لكونه يجري مجرى الوكيل، فلا يتصرف بغير المصلحة، فيتغير بما تقتضيه القواعد، هذا قول الشافعي في البُويْطِيّ. ولفظه: "ولا تؤخذ ذات عُوار ولا تَيس ولا هَرِمة إلا أن يرى المُصَّدِّق أن ذلك أفضل للمساكين، فيأخذه على النظر" وهذا أشبه بقاعدة الشافعيّ في تناول الاستثناء جميع ما ذكر قبله، وكذلك مذهب مالك: للساعي أخذ المعيبة دون الصغيرة، فلو كانت الغنم كلها معيبة مثلًا، أو تيوسًا، أجزأه أن يخرج منها. وعن المالكية يلزم المالك أن يشتري شاة مجزئة تمسكًا بظاهر هذا الحديث، وفي رواية أخرى عندهم كالأول. الحديث الستون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ أَنَّ أَنَسًا ﵁ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ وَلاَ يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلاَ ذَاتُ عَوَارٍ، وَلاَ تَيْسٌ، إِلاَّ مَا شَاءَ الْمُصَدِّقُ. قوله: "هَرمَة" بفتح الهاء وكسر الراء، الكبيرة التي سقطت أسنانها. وقوله: "ذات عُوار" بفتح العين المهملة وبضمها، أي معيبة، وقيل بالفتح العيب، وبالضم العَوَر، واختلف في ضبطها، فالأكثر على أنه ما يثبت به الرد في البيع، وقيل: ما يمنع الإجزاء في الأُضحية، ويدخل في المعيب المريض والذكورة بالنسبة إلى الأنوثة، والصغير سنًا بالنسبة إلى سن أكبر منه، ومذهب الحنفية أنه ليس في الفُصلان والعَجاجيل والحِملان صَدَقة، وهذا آخر أقوال أبي حنيفة. وبه قال محمد بن الحسن والثَّوري والشَّعبيّ. وكان يقول فيها: أولًا يجب فيها ما يجب في الكبار من الجَذَع والثَّنِيَّة، وبه قال مالك وزُفَر وأبو عبيد والثَّورِيّ وأبو بكر من الحنابلة، وفي المغني في الصحيح ثم رجع، وقال: تجب واحدة منها، وبه قال الأوزاعي وإسحاق والشافعيّ في الجديد، وصححوه، ثم رجع إلى ما ذكرناه آنفًا، وفي شرح المهذب للنوويَّ: إذا كانت الماشية صغارًا أو واحدة منها في سن

стр. 5848

الفرض، يجب سن الفرض المنصوص عليه عند الشافعي، وهو قول مالك وأحمد، فإنْ هلكت المسنة بعد الحول، لا يؤخذ منها شيء في قول أبي حنيفة ومحمد، وتجعل تبعًا لها في الوجوب والهلاك، فإذا هلكت بغير صنع أحد، تُجعل كأنها هلكت مع الصغار، وعند أبي يوسف: تجب بتسعة وثلاثون جزأ من أربعين جزأ من حمل هو أفضلها، ويسقط فضل المسنة كأنَّ الكل كان حِملانًا وهلك منها حمل، وعند زُفَر يجب مثلها من ثَنِيّة وَسَط، وإن هلكت الصغار وبقيت المسنة، يجب فيها جزء من شاة وسطٍ اتفاقًا. رجاله رجال الذي قبله. ثم قال المصنف:

стр. 5849

باب أخذ العناق بفتح المهملة وتخفيف النون، ولد المعز الأُنثى إذا أتى عليه أربعة أشهر، وفُصل عن أُمه، وقوي على الرعي، فإن كان ذكرًا فهو جَديٌ. واختلف في الجَذَع من المعز، فقيل ابن سنة، وقيل: ودخل في الثانية واختلف في الثَّنِيّ، فقيل: إذا سقط سن واحدة أو اثنتين أو ثناياه كلها، فهو ثَنِيّ، وقيل: لا يكون ثنيًا إلا بسقوط ثنتين، وأما الجذع من الضأن ففيه أربعة أقوال: عند المالكية ابن سنة، ابن ستة أشهر، ابن ثمانية، ابن عشرة، والأصح عند الشافعية ما استكمل سنة ودخل في الثانية. وكأنّ البخاريّ أشار بهذه الترجمة بعد الترجمة السابقة إلى جواز أخذ الصغيرة من الغنم في الصدقة، لأن الصغيرة لا عيب فيها سوى صغر السن، فهي أولى أن تُؤخذ من الهَرِمة، إذا رأى الساعي ذلك، وهذا هو السر في اختيار لفظ الأخذ في الترجمة دون الإعطاء، وخالف في ذلك المالكية كما مرّ، فقالوا: لا تجزىء الصغيرة، وقالوا: المعنى كانوا يؤدون عنها ما يلزم أداؤه. الحديث الحادي والستون حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ ح وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا. قَالَ عُمَرُ ﵁: فَمَا هُوَ إِلاَّ أَنْ رَأَيْتُ أَنَّ اللَّهَ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ بِالْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ. ذكر هنا طرفًا من قصة عمر مع أبي بكر في قتال مانعي الزكاة، المتقدمة في أول الزكاة بتمامها، المار استيفاء الكلام عليها هناك، والغرض منه هنا قوله: "لو منعوني عَنَاقًا" فإنه يدل على أنها مأخوذة في الصدقة، وهذا هو مذهب البخاريّ، وقد مرَّ الكلام على هذا في الذي قبله. رجاله ثمانية: وفيه ذى عمر، وقد مرّ الجميع، مرَّ أبو اليمان وشُعيب في السابع من بدء الوحي، وابن شهاب في الثالث منه، وعُبَيدَ الله المسعودي في السادس منه، والليث في الثالث منه، ومرّ عمر في الأول منه، ومرَّ أبو بكر في باب "مَنْ لم يتوضأ من لحم الشاة" بعد الحادي والسبعين من الوضوء، ومرَّ أبو هريرة في الثاني من الإيمان، ومرَّ عبد الرحمن بن خالد في السابع والخمسين من العلم. ثم قال المصنف:

стр. 5850

باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة هذه الترجمة مقيِّدة لمطلق الحديث؛ لأن فيه "وَتُوَقَّ كرائم أموال الناس بغير تقييد بالصدقة، وأموال الناس ليستوي التوقي لها بين الكرائم وغيرها، فقيدها في الترجمة بالصدقة، وهو بيِّن من سياق الحديث، لأنه ورد في شأن الصدقة. والكرام جمع كريمة، يقال: ناقةكريمة، أي غزيرة اللبن، والمراد نفائس الأموال من أي صنف كان. وقيل له نَفْس لأن نَفْس صاحبه تتعلق به، وأصل الكريمة كثيرة الخير، وقيل للمال النفيس كريمٌ لكثرة منفعته. الحديث الثاني والستون حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا ﵁ عَلَى الْيَمَنِ قَالَ: "إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهُمْ زَكَاةً مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ". هذا الحديث قد مرّ الكلام عليه مستوفى عند ذكره في أول كتاب الزكاة. رجاله سبعة: وفيه ذكر معاذ، مرّ منهم يزيد بن زريع في السادس والتسعين من الوضوء ومرّ رُوْح بن القاسم في الثاني والثمانين منه، ومرّ يحيى بن عبد الله في الأول من كتاب الزكاة هذا، ومرّ أبو معبد في الثامن والمئة من صفة الصلاة، وابن عباس في الخامس من بدء الوحي، ومعاذ بن جبل في أثر أول الإيمان قبل ذكر حديث منه. والباقي اثنان، الأول: أُمية بن بَسِطام، بكسر الباء وبفتحها، بن المنتشر العيشيّ، أبو بكر البصريّ، ابن عم يزيد بن زريع، ذكره ابن حِبّان في الثقات. وقال أبو حاتم: محله الصدق، ومحمد بن المنهال أحب إلى منه. روى عن يزيد بن زريع وابن عيينة ومعتمر بن سليمان وغيرهم. وروى عنه الشيخان، وروى النَّسائيّ عنه بواسطة عثمان بن خُرَّزاذ وغيرهم. مات سنة إحدى وثلاثين ومئتين.
следующие страницы →