← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

ما قبله مختلفًا، وعن بعض الكوفيين، كالحسن بن صالح، ورواته عن أحمد إذا زادت على الثلاث مئة واحدةً وجبت الأربع. وقوله: "ففي كل مئة شاة شاة"، وقوله: "فإذا كانت سائمة الرجل" اقتطع البخاري من بين هاتين الجملتين. قوله: "ولا يخرج في الصدقة هَرِمة" إلى آخر ما ذكره في الباب الذي يليه، واقتطع منه أيضًا. قوله: "ولا يجمع بين مفترق" إلى آخر ما ذكره في بابه، وكذا قوله: "وما كان من خليطين" إلى آخر ما ذكره في بابه. ويلي هذا قوله هنا: "فإذا كانت سائمة الرجل ... إلخ". وهذا حديث واحد يشتمل على هذه الأحكام التي فرقها المصنف في هذه الأبواب غَيْرَ مراعٍ الترتيبَ فيها، بل بحسب ما ظهر له من مناسبة إيراد التراجم المذكور. وقوله: "وفي الرِّقَةِ" بكسر الراء وتخفيف القاف، الفضة الخالصة، سواء كانت مضروبة أو غير مضروبة. قيل: أصلها الوَرِق فحذفت الواو وعوضت الهاء، وقيل: يطلق على الذهب والفضة بخلاف الوَرِق، فعلى هذا فقيل إن الأصل في زكاة النقدين نصابُ الفضة، فإذا بلغ الذهب ما قيمته مئتا درهم فضة خالصة، وجبت فيه الزكاة، وهو ربع العشر، وهذا قول الزُّهريّ. وخالفه الجمهور. وقوله: "فإن لم تكن إلا تسعين ومئة" أي: إن لم تكن الفضة، وهذا يوهم أنها إذا زادت على التسعين ومئة، قبل بلوغ المئتين، أن فيها صدقة، وليس كذلك، وإنما ذكر التسعين لأنه آخر عقد قبل المئة، والحساب إذا جاوز الآحاد كان تركيبه بالعقود، كالعشرات والمِئتين والألوف، فذكر التسعين ليدل على أن لا صدقة فيما نقص عن المئتين. ويدل عليه قوله الماضي "ليس فيما دون خمس أواقٍ صدقة، إلا أن يشاء ربها" أي: في المواضع الثلاثة، أي: إلا أن يتبرع متطوعًا. رجاله رجال الذي قبله. ثم قال المصنف:

стр. 5847

باب لا يؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس إلا ما شاء المصدق اختلف في ضبطه، فالأكثر على أنه بالتشديد، والمراد المالك، وهو اختيار أبي عبيد، وتقدير الحديث لا تؤخذ هَرِمة ولا ذات عيب أصلًا، ولا يؤخذ التيس، وهو فحل الغنم إلا برضا المالك، لكونه يحتاج إليه، فَفي أخذه بغير اختياره إضرار به، وعلى هذا فالاستثناء مختص بالثالث. ومنهم مَنْ ضبطه بتخفيف الصاد، وهو الساعي، وكأنه يشير بذلك إلى التفويض إليه في اجتهاده، لكونه يجري مجرى الوكيل، فلا يتصرف بغير المصلحة، فيتغير بما تقتضيه القواعد، هذا قول الشافعي في البُويْطِيّ. ولفظه: "ولا تؤخذ ذات عُوار ولا تَيس ولا هَرِمة إلا أن يرى المُصَّدِّق أن ذلك أفضل للمساكين، فيأخذه على النظر" وهذا أشبه بقاعدة الشافعيّ في تناول الاستثناء جميع ما ذكر قبله، وكذلك مذهب مالك: للساعي أخذ المعيبة دون الصغيرة، فلو كانت الغنم كلها معيبة مثلًا، أو تيوسًا، أجزأه أن يخرج منها. وعن المالكية يلزم المالك أن يشتري شاة مجزئة تمسكًا بظاهر هذا الحديث، وفي رواية أخرى عندهم كالأول. الحديث الستون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ أَنَّ أَنَسًا ﵁ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ وَلاَ يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلاَ ذَاتُ عَوَارٍ، وَلاَ تَيْسٌ، إِلاَّ مَا شَاءَ الْمُصَدِّقُ. قوله: "هَرمَة" بفتح الهاء وكسر الراء، الكبيرة التي سقطت أسنانها. وقوله: "ذات عُوار" بفتح العين المهملة وبضمها، أي معيبة، وقيل بالفتح العيب، وبالضم العَوَر، واختلف في ضبطها، فالأكثر على أنه ما يثبت به الرد في البيع، وقيل: ما يمنع الإجزاء في الأُضحية، ويدخل في المعيب المريض والذكورة بالنسبة إلى الأنوثة، والصغير سنًا بالنسبة إلى سن أكبر منه، ومذهب الحنفية أنه ليس في الفُصلان والعَجاجيل والحِملان صَدَقة، وهذا آخر أقوال أبي حنيفة. وبه قال محمد بن الحسن والثَّوري والشَّعبيّ. وكان يقول فيها: أولًا يجب فيها ما يجب في الكبار من الجَذَع والثَّنِيَّة، وبه قال مالك وزُفَر وأبو عبيد والثَّورِيّ وأبو بكر من الحنابلة، وفي المغني في الصحيح ثم رجع، وقال: تجب واحدة منها، وبه قال الأوزاعي وإسحاق والشافعيّ في الجديد، وصححوه، ثم رجع إلى ما ذكرناه آنفًا، وفي شرح المهذب للنوويَّ: إذا كانت الماشية صغارًا أو واحدة منها في سن

стр. 5848

الفرض، يجب سن الفرض المنصوص عليه عند الشافعي، وهو قول مالك وأحمد، فإنْ هلكت المسنة بعد الحول، لا يؤخذ منها شيء في قول أبي حنيفة ومحمد، وتجعل تبعًا لها في الوجوب والهلاك، فإذا هلكت بغير صنع أحد، تُجعل كأنها هلكت مع الصغار، وعند أبي يوسف: تجب بتسعة وثلاثون جزأ من أربعين جزأ من حمل هو أفضلها، ويسقط فضل المسنة كأنَّ الكل كان حِملانًا وهلك منها حمل، وعند زُفَر يجب مثلها من ثَنِيّة وَسَط، وإن هلكت الصغار وبقيت المسنة، يجب فيها جزء من شاة وسطٍ اتفاقًا. رجاله رجال الذي قبله. ثم قال المصنف:

стр. 5849

باب أخذ العناق بفتح المهملة وتخفيف النون، ولد المعز الأُنثى إذا أتى عليه أربعة أشهر، وفُصل عن أُمه، وقوي على الرعي، فإن كان ذكرًا فهو جَديٌ. واختلف في الجَذَع من المعز، فقيل ابن سنة، وقيل: ودخل في الثانية واختلف في الثَّنِيّ، فقيل: إذا سقط سن واحدة أو اثنتين أو ثناياه كلها، فهو ثَنِيّ، وقيل: لا يكون ثنيًا إلا بسقوط ثنتين، وأما الجذع من الضأن ففيه أربعة أقوال: عند المالكية ابن سنة، ابن ستة أشهر، ابن ثمانية، ابن عشرة، والأصح عند الشافعية ما استكمل سنة ودخل في الثانية. وكأنّ البخاريّ أشار بهذه الترجمة بعد الترجمة السابقة إلى جواز أخذ الصغيرة من الغنم في الصدقة، لأن الصغيرة لا عيب فيها سوى صغر السن، فهي أولى أن تُؤخذ من الهَرِمة، إذا رأى الساعي ذلك، وهذا هو السر في اختيار لفظ الأخذ في الترجمة دون الإعطاء، وخالف في ذلك المالكية كما مرّ، فقالوا: لا تجزىء الصغيرة، وقالوا: المعنى كانوا يؤدون عنها ما يلزم أداؤه. الحديث الحادي والستون حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ ح وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا. قَالَ عُمَرُ ﵁: فَمَا هُوَ إِلاَّ أَنْ رَأَيْتُ أَنَّ اللَّهَ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ بِالْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ. ذكر هنا طرفًا من قصة عمر مع أبي بكر في قتال مانعي الزكاة، المتقدمة في أول الزكاة بتمامها، المار استيفاء الكلام عليها هناك، والغرض منه هنا قوله: "لو منعوني عَنَاقًا" فإنه يدل على أنها مأخوذة في الصدقة، وهذا هو مذهب البخاريّ، وقد مرَّ الكلام على هذا في الذي قبله. رجاله ثمانية: وفيه ذى عمر، وقد مرّ الجميع، مرَّ أبو اليمان وشُعيب في السابع من بدء الوحي، وابن شهاب في الثالث منه، وعُبَيدَ الله المسعودي في السادس منه، والليث في الثالث منه، ومرّ عمر في الأول منه، ومرَّ أبو بكر في باب "مَنْ لم يتوضأ من لحم الشاة" بعد الحادي والسبعين من الوضوء، ومرَّ أبو هريرة في الثاني من الإيمان، ومرَّ عبد الرحمن بن خالد في السابع والخمسين من العلم. ثم قال المصنف:

стр. 5850

باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة هذه الترجمة مقيِّدة لمطلق الحديث؛ لأن فيه "وَتُوَقَّ كرائم أموال الناس بغير تقييد بالصدقة، وأموال الناس ليستوي التوقي لها بين الكرائم وغيرها، فقيدها في الترجمة بالصدقة، وهو بيِّن من سياق الحديث، لأنه ورد في شأن الصدقة. والكرام جمع كريمة، يقال: ناقةكريمة، أي غزيرة اللبن، والمراد نفائس الأموال من أي صنف كان. وقيل له نَفْس لأن نَفْس صاحبه تتعلق به، وأصل الكريمة كثيرة الخير، وقيل للمال النفيس كريمٌ لكثرة منفعته. الحديث الثاني والستون حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا ﵁ عَلَى الْيَمَنِ قَالَ: "إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهُمْ زَكَاةً مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ". هذا الحديث قد مرّ الكلام عليه مستوفى عند ذكره في أول كتاب الزكاة. رجاله سبعة: وفيه ذكر معاذ، مرّ منهم يزيد بن زريع في السادس والتسعين من الوضوء ومرّ رُوْح بن القاسم في الثاني والثمانين منه، ومرّ يحيى بن عبد الله في الأول من كتاب الزكاة هذا، ومرّ أبو معبد في الثامن والمئة من صفة الصلاة، وابن عباس في الخامس من بدء الوحي، ومعاذ بن جبل في أثر أول الإيمان قبل ذكر حديث منه. والباقي اثنان، الأول: أُمية بن بَسِطام، بكسر الباء وبفتحها، بن المنتشر العيشيّ، أبو بكر البصريّ، ابن عم يزيد بن زريع، ذكره ابن حِبّان في الثقات. وقال أبو حاتم: محله الصدق، ومحمد بن المنهال أحب إلى منه. روى عن يزيد بن زريع وابن عيينة ومعتمر بن سليمان وغيرهم. وروى عنه الشيخان، وروى النَّسائيّ عنه بواسطة عثمان بن خُرَّزاذ وغيرهم. مات سنة إحدى وثلاثين ومئتين.

стр. 5851

والثاني: إسماعيل بن أُمية بن عمرو بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أُمية بن عبد شمس الأمويّ، ابن عم أيوب بن موسى، قال ابن عُيينة: لم يكن عندنا قرشيان مثل إسماعيل بن أُمية وأيوب بن موسى. وقال أحمد: إسماعيل أكبر من موسى، وأحب إليّ. وفي رواية "أقوى وأثبتْ" وقال ابن معين والنَّسائيّ وأبو زرعة وأبو حاتم: ثقة، زاد أبو حاتم: رجل صالح، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال العجليّ: مكي ثقة. وقال ابن عُيينة: كان إسماعيل حافظًا للعلم مع ورع وصدق، وقال الزبير بن بَكّار: كان فقيهَ أهل مكة. روى عن ابن المُسَيّب، ونافع مولى ابن عمر، وعكرمة مولى ابن عباس وغيرهم. وروى عنه ابن جُريج والثَّورِيّ وروح بن القاسم وغيرهم. مات في حبس داود سنة تسع وثلاثين ومئة. ثم قال المصنف:

стр. 5852

باب ليس فيما دون خمس ذود صدقة قال الزين بن المنير: هذه الترجمة تتعلق بزكاة الإبل، وإنما اقتطعها من ثَمَّ لأن الترجمة المتقدمة مسوقة للإيجاب، وهذه للنفي، فلذلك فصل بينهما بزكاة الغنم وتوابعها، كذا قال. ولا يخفى تكلفه، والذي يظهر أن لها تعلقًا بالغنم التي تعطى في الزكاة، من جهة أن الواجب في الخمس شاة، وتعلقها بزكاة الإبل ظاهر، فلها تعلق بهما كالتي قبلها. الحديث الثالث والستون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ". قوله: "عن أبيه" كذا رواه مالك، ورواه إسحاق بن راهويه في مسنده عن محمد هذا عن عمرو بن يحيى وعباد بن تميم، كلاهما عن أبي سعيد، ونقل البيهقي عن محمد بن يحيى الذهليّ أن محمدًا سمعه من ثلاثة أنفس، وأن الطريقين محفوظان، وهذا الحديث قد مرَّ استيفاء الكلام عليه في باب "ما أدى زكاته فليس بكنز". رجاله خمسة: قد مرّوا إلا محمدًا، مرّ عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرّ عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة وأبو سعيد الخُدْريّ في الثاني عشر من الإيمان. والباقي محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أبو عبد الرحمن الأنصاريّ. قال ابن إسحاق: كان ثقة، وذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وقال مالك: كان لآل أبي صعصعة حَلَقةٌ في المسجد، وكانوا أهل علم ودراية، وكلهم كان يفتي. روى عن أبيه ويحيى بن عمارة وغيرهم. وروى عنه مالك وابن إسحاق. مات سنة تسع وثلاثين ومئة. ثم قال المصنف:

стр. 5853

باب زكاة البقر البقر اسم جنس للمذكر والمؤنث، اشتق من بقرتُ الشيء إذا شققته، لأنها تبقر الأرض بالحراثة. قال الزين بن المنير: أُخر زكاة البقر لأنها أقل النعم وجودًا ونُصُبًا، ولم يذكر في الباب شيئًا مما يتعلق بنصابها، لأن ذلك لم يقع على شرطه، فتقدير الترجمة إيجاب زكاة البقر، لأن جملة ما ذكره في الباب يدل على ذلك من جهة الوعيد على تركها، إذ لا يتوعد على ترك غير الواجب. قال ابن رشيد: هذا الدليل يحتاج إلى مقدمة، وهو أنه ليس في البقر حق واجب سوى الزكاة، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في أوائل الزكاة، حيث قال: باب "إثم مانع الزكاة"، وذكر فيه حديث أبي هريرة، لكن ليس فيه ذكر البقر، ومن ثَمَّ أورد في هذا الباب حديث أبي ذَرٍّ، وأشار إلى أن ذكر البقر وقع أيضًا في طريق أخرى عن أبي هريرة. وزعم ابن بطال أن حديث معاذ المرفوع "أن في كل ثلاثين بقرة تبيعًا، وفي كل أربعين مُسِنّة" متصل صحيح، وأن مثله في كتاب الصدقات لأبي بكر وعمر، وفي كلامه نظر، أما حديث معاذ فأخرجه أصحاب السنن. وقال التِّرمذيّ: حسن. وأخرجه الحاكم في المستدرك. وفي الحكم بصحته نظر، لأن مسروقًا لم يلق معاذًا، وإنما حَسَّنة التِّرمِذِيّ لشواهده، ففي الموطأ عن طاووس عن معاذ نحوه. وطاووس عن معاذ منقطع أيضًا، وفي الباب عن عليّ عند أبي داود. وأما قوله: "إن مثله في كتاب الصدقة لأبي بكر" فوهم منه، لأن ذكر البقر لم يقع في شيء من طريق حديث أبي بكر، نعم هو في كتاب عمر. ثم قال: وقال أبو حميد قال النبي ﷺ : "لأعْرِفَنَّ ما جَاءَ اللهَ رَجُلٌ ببَقَرَةٍ لَهَا خُوَارٌ. ويقال جُؤار، تجأرون: ترفعون أصواتكم، كما تجأر البقرة". قوله: "لأعرفنَّ" أي: لأعرفنكم غدًا هذه الحالة، وفي رواية الكشميهنيّ: لا أعرفن، بحرف النفي، أي: ما ينبغي أن تكونوا على هذه الحالة فأعرفكم بها. وقوله: ما جاء الله رجل، ما مصدرية، أي: مجيء رجل إلى الله. وقوله: "لها خُوار" بضم المعجمة وتخفيف الواو: صوت البقر. وقوله: "ويقال جُؤار" هذا كلام البخاري، يريد بذلك أن هذا الحرف جاء بالخاء المعجمة وتخفيف الواو، وبالجيم والواو المهموزة، ثم فسره فقال: تجأرون: ترفعون أصواتكم. وهذه عادة البخاري إذا مرّت به لفظ غريبة توافق كلمة في القرآن، نقل تفسير تلك الكلمة التي من القرآن، والتفسير المذكور رواه ابن أبي حاتم عن السّدّي، وروى من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن

стр. 5854

عباس في قوله يجأرون قال: يستغيثون، وقال القَزّاز: الخُوار بالمعجمة، والجؤار بالجيم، بمعنى واحد في البقر. وقال ابن سيده: خار الرجل رفع صوته بتضرع. وهذا التعليق قطعة من حديث ابن اللّتْبِيَّة أخرجه مسندًا موصولًا من طرق، وهذا القدر وقع عنده موصولًا في كتاب "ترك الحيل" وأبو حميد مرّ في تعليق أول أبواب استقبال القبلة. الحديث الرابع والستون حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ أَوْ وَالَّذِي لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ، أَوْ كَمَا حَلَفَ مَا مِنْ رَجُلٍ تَكُونُ لَهُ إِبِلٌ أَوْ بَقَرٌ أَوْ غَنَمٌ لاَ يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلاَّ أُتِيَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا تَكُونُ وَأَسْمَنَهُ، تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، كُلَّمَا جَازَتْ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولاَهَا، حَتَّى يُقْضَي بَيْنَ النَّاسِ". قوله: "انتهيت إليه" هو مقول المعرور، والضمير يعود على أبي ذَرٍّ، وهو الحالف، وقوله: "أو كما حلف" يشير بذلك إِلى أَنه لم يضبط اللفظ الذي حلف به. وقال العيني: إن قوله انتهيت إِليه مقولُ أبي ذَرٍّ لا مقول معرور، وإن الحالف هو النبي ﷺ ، واعتمد في ذلك ما في رواية مسلم والترمذيّ من تصريح أبي ذَرٍّ بقوله: جئت إلى النبي ﷺ وهو جالس في ظل الكعبة، فلما رآني مقبلًا قال: هم الأخسرون، وربّ الكعبة، يوم القيامة. وفيه ثم قال: والذي نفسي بيده لا يموت رجل فيدع إبلًا أو بقرًا لم يُؤدِ زكاَتها ... إلخ. وقوله: "أعظمَ" بالنصب على الحال، وأسمنه، عطف عليه. وقوله: "جازت" أي: مرت وردت، أي: أُعيدت. وقوله: "لا يؤدي حقها" في رواية مسلم "لا يؤدي زكاتها". وهو أصرح في مقصود الترجمة، واستدل بقوله: "تكون له إبل أو بقر على استواء زكاة الإبل والبقر في النصاب" ولا دلالة فيه، لأنه قَرَن معه الغنم، وليس نصابها مثل نصاب الإبل اتفاقًا. وقد مرّ الكلام مستوفى على بقية المتن في أوائل الزكاة في باب "إثم مانع الزكاة". وأخرج مسلم في أول هذا الحديث قصة فيها "هم الأكثرون أموالًا إلا من قال هكذا وهكذا"، وقد أفرد البخاريّ هذه القطعة، فأخرجها في كتاب الإيمان والنذور بهذا الإسناد، ولم يذكر هناك القدر الذي ذكره هنا. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ عمر بن حفص وأبوه حفص في الثاني عشر من الغُسل، ومرَّ الأعمش في الخامس والعشرين من الإيمان، ومرّ المعرور بن سويد، وأبو ذرٍّ في الثالث والعشرين منه.

стр. 5855

ثم قال: رواه بكير عن أبي صالح عن أبي هُريرة، رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ ، مراد البخاري بهذا موافقة هذه الرواية لحديث أبي ذَرٍّ في ذكر البقر؛ لأن الحديثين مستويان في جميع ما ورد فيه. والتعليق أخرجه مسلم مطولًا موصولًا، وبكير بن الأشجّ قد مرَّ في الخامس والسبعين من الوضوء ومرّ أبو صالح وأبو هريرة في الثاني من الإيمان. ثم قال المصنف:

стр. 5856

باب الزكاة على الأقارب قال الزين بن المنير: وجه استدلاله لذلك بأحاديث الباب أن صدقة التطور لمّا لم ينقص أجرها بوقوعها موقع الصدقة والصلة معًا، كانت صدقة الواجب كذلك، لكن لا يلزم من جواز صدقة التطوع على مَنْ تلزم المرء نفقته، أن تكون الصدقة الواجبةكذلك، واعترضه الإسماعيليّ بأن الذي في الأحاديث التي ذكرها مطلق الصدقة لا الصدقة الواجبة، فلا يتم استدلاله، إلا إن أراد الاستدلال على أن الأقارب في الزكاة أحق بها، إذ رأى النبي ﷺ صرفَ الصدقة المتطوع بها إلى الأقارب أفضل، فذلك حينئذ له وجه. وقال ابن رشيد: قد يؤخذ ما اختاره المصنف من حديث أبي طلحة فيما فهمه من الآية، وذلك أن النفقة في قوله: ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا﴾ أعم من أن يكون واجبًا أو مندوبًا، فعمل بها أبو طلحة في فرد من أفراده، فيجوز أن يعمل بها في بقية مفرداته، ولا يعارضها قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية، لأنها تدل على حصر الصدقة الواجبة في المذكورين، وأما صنيع أبي طلحة فيدل على تقديم ذوي القربى إذا اتصفوا من صفات أهل الصدقة على غيرهم، وسيأتي قريبًا تحرير من تدفع له الصدقة الواجبة من الأقارب. ثم قال: وقال النبي ﷺ : "له أجران، أجر القرابة وأجر الصدقة" هذا طرف من حديث فيه قصة لامرأة ابن مسعود يأتي موصولًا بعد ثلاثة أبواب. وقوله: "له أجر القرابة" أي: صلة الرحم، وأجر منفعة الصدقة، واستدل بهذا الحديث على جواز دفع المرأة زكاتها إلى زوجها، وهو قول الشافعي والثَّوريّ وصاحبي أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن مالك، وعن أحمد كذا أطلق بعضهم، ورواية المنع عنه مقيدة بالوارث. وعبارة الجوزقيّ: "ولا لمن تلزمه" مؤنثهُ، قال ابن قُدامة: والأظهر الجواز مطلقًا إلا للأبوين والولد. وحملوا الصدقة في الحديث على الواجبة، لقولها: "أتجزىء عني؟ " وبه جزم المازري، وتعقبه عياض بأنّ قوله في الحديث الآتي: "ولو من حُلِيّكن" وكون صدقتها كانت من صناعتها، يدلان على التطوع، وبه جزم النّوويّ. وتأولوا تجزىء عني أي في الوقاية من النار، كأنها خافت أن صدقتها على زوجها لا تحصل لها المقصود. وذهب الحسن البصريّ والثَّوريّ وأبو حنيفة ومالك وأحمد في رواية عنهما، وأبو بكر من الحنابلة إلى أنه لا يجوز للمرأة أن تعطي زوجها من زكاة مالها، والاحتجاج بالحلي إنما يكون حجة عند مَنْ لا يوجب فيه الزكاة، وأما مَنْ يوجب فلا، ويأتي الكلام عليه عند حديث أبي سعيد، واحتج

стр. 5857

الطحاويّ لقول أبي حنيفة ومن وافقه، بما أخرجه عن رائِطة امرأةِ ابن مسعود، أنها كانت امرأة صنعاء اليدين، فكانت تنفق عليه وعلى ولده. قال: فهذا يدل على أنها صدقة تطوع. وتمسك الطحاويّ أيضًا بقولها في حديث أبي سعيد الآتي: "وكان عندي حلي لي فأردت أن أتصدق به" لا العلي ولو قيل بوجوب الزكاة فيه إلا أنها لا تجب في جميعه، كذا قال. وهو متعقب لأنها، وإن لم تجب في عينه، فقد تجب فيه. بمعنى أنه قدر النصاب الذي وجب عليها إخراجه. واحتج المانعون أيضًا بأن قوله في حديث أبي سعيد الآتي: "زوجك وولدك أحق من تصدقتِ به عليهم" دال على أنها صدقة تطوع، لأن الولد لا يعطى من الزكاة بالإجماع، كما نقله ابن المنذر وغيره، وفي هذا الاحتجاج نظر، لأن الذي يمتنع إعطاؤه من الصدقة الواجبة من تلزم المعطي نفقتُه، والأم لا تلزمها نفقة ولدها مع وجود أبيه، لكن عند الحنفية تلزم الأم نفقة ولدها إذا كان أبوه فقيرًا عاجزًا عن التكسب جدًا. وقالوا: إن الأب إذا كان فقيرًا كسوبًا، وله ابن زَمِنٌ، وله أم موسرة، هل تؤمر بالإنفاق على الابن؟ اختلف الأشياخ فيه، وقال ابن التيميّ: قوله: "وولدك" محمول على الإضافة للتربية لا للولادة، فكأنه ولده من غيرها. وقال ابن المنير: اعتل من منع إعطاءها زكاتها لزوجها، بأنها تعود عليها في النفقة، فكأنها ما خرجت عنها، وجوابه أن احتمال رجوع الصدقة إليها واقع في التطوع أيضًا، ومحل الخلاف عند المالكية في جواز إعطائها لزوجها، ومنع عطائه هو لها زكاته، ما لم يكن إعطاء أحدهما الآخر ليدفعه في دَينه أو ينفعه على غيره، وإلا جاز قطعًا، ويؤيد المذهب الأول الذي هو الجواز أن ترك الاستفصال ينزل منزلة العموم، فلما ذكرت الصدقة، ولم يستفصلها عن تطوع ولا واجب، فكأنه قال: تجزىء عنك فرضًا أو تطوعًا. وأما ولدها فليس في الحديث تصريح بأنها تعطي ولدها من زكاتها، بل معناه أنها إذا أعطت زوجها، فأنفقه على ولدها، كانوا أحق من الأجانب، فالإِجزاء يقع بالإِعطاء للزوج، والوصول إلى الولد بعد بلوغ الزكاة محلها، والذي يظهر أنهما قضيتان: إحداهما في سؤالها عن تصدقها بحليها على زوجها وولده، والثانية في سؤالها عن النفقة. وفي الحديث الحث في الصدقة على الأقارب، وهو محمول في الواجبة على مَنْ لا تلزمه نفقته منهم، واختلف في علة المنع، فقيل: لأن أخذهم لها يصورهم أغنياء، فتسقط بذلك نفقتهم عن المعطي أو لأنهم أغنياء بإنفاقه عليهم، والصدقة، أي الزكاة، لا تصرف لغنيّ، وعن الحسن وطاووس لا يعطى قرابته من الزكاة، وهو قول أشهب، وروى ابن المنذر عن مالك أنه كره أن يخص قرابته بزكاته، وإن لم تلزمه نفقتهم. وعند الشافعيّ يجوز أن يأخذها الولد بشوط أن يكون غارمًا أو غازيًا، فيكون أخذه لها من سهم الفقراء، لأنه حينئذ كالأجنبي، وقال ابن التين: يجوز دفع الصدقة الواجبة إلى الولد بشوطين: أحدهما أن يتولى غيره من صرفها إليه. الثاني أن لا يكون في عياله، فإن كان في عياله، وقصد إعطاءه، فروى مطرق عن مالك: لا ينبغي أن يفعل ذلك، فإنْ فعله ففد

стр. 5858

أساء، ولا يضمن إنْ لم يقطع عن نفسه إنفاقه عليه، فإن قطع الإنفاق عن نفسه بذلك لم يُجْزِه. وقال ابن المنذر: أجمعوا على أن الرجل لا يعطي زوجته من الزكاة؛ لأن نففتها واجبة عليه، فتستغني بها عن الزكاة. الحديث الخامس والستون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالاً مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. إِنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَخْ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ". فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ. قوله: "أكثر الأنصار" في رواية الكشميهنيّ أكثر أنصاري، أي: أكثر كل واحد من الأنصار، والإضافة إلى المفرد النكرة عند إرادة التفضيل سائغٌ، وقوله: "مالًا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بَيْرَحاء" وهي بفتح الموحدة وسكون التحتانية وفتح الراء وبالمهملة والمد، وجاء في ضبطه أوجه كثيرة، جمعها ابن الأثير في النهاية فقال: يروى بفتح الباء وبكسرها، وبفتح الراء وضمها، وبالمد والقصر، فهذه ثمان لغات، وفي رواية حمّاد بن سَلَمة بَريحاء، بفتح أوله وكسر الراء وتقديمها على التحتانية، وفي سنن أبي داود بأريحاء مثله، لكن بزيادة ألف. وقال الباجيّ: أفصحها بفتح الموحدة وسكون الياء وفتح الراء مقصور، وكذا جزم به الصَّغَاني، ورجح صاحب الفائق رواية بَرِيحاء، وقال: هي وزن فَعيِلاء من البرَاح، وهي الأرض الظاهرة المنكشفة. وروي عن أبي ذَرٍّ الهَرويّ أنه جزم بأنها مركبة من كلمتين؛ بير كلمة، وحاء كلمة، ثم صارت كلمة واحدة. واختلف في حاء هل هو اسم رجل أو امرأة أو مكان أُضيفت إليه البعير، أو هي كلمة زَجْر للإبل؟ وكأنَّ الإبل كانت ترعى هناك وتزجر بهذه اللفظة، فأضيفت البعير إلى اللفظة المذكورة. قال الصَّغَانيَّ: ومن ذكره بكسر الموحدة، وظن أنها بير من آبار المدينة، فقد صحف، ووهم من ضبطه بكسر الموحدة وفتح الهمزة، فإن أَريحاء من الأرض المقدسة، وتحتمل إن كان محفوظًا أن تكون سميت باسمها. قال عياض: رواية المغاربة إعراب الراء والقصر في حاء. وخطَّأ هذا

стр. 5859

الصُّورِيُّ. وقال الباجيّ: أدركت أهل العلم، ومنهم أبو ذَرٍّ بفتحون الراء في كل حال. زاد الصُّوريّ: وكذلك الباء أوله. وقوله: "وكان النبي ﷺ يدخلها" زاد في رواية عبد العزيز "ويستظل بها". وقوله: "لما نزلت ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ " قام أبو طلحة. زاد ابن عبد البر: "ورسول الله ﷺ على المنبر". قال: وكانت دار أبي جعفر والدار التي تليها إلى قصر بني حُدَيلة حوائطَ لأبي طلحة، وكان قصر بني حُديلة حائطًا له يقال له بَيْرَحاء، فذكر الحديث. ومراده بدار أبي جعفر التي صارت إليه بعد ذلك، وعرفت به، وهو أبو جعفر المنصور، المشهور، الخليفة العباسيّ، وأما قصر بني حُديلة، وهو بالمهملة مصغر، ووهم من قاله بالجيم، فنسب إليهم القصر بسبب المجاورة، وإلا فالذي بناه هو معاوية بن أبي سفيان. وبنو حُدَيلة بطن من الأنصار، وهم بنو معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، وكانوا بتلك البقعة، فعرفت بهم، فلما اشترى معاوية حصة حسَّان، كما يأتي، بني فيها هذا القصر، فعرف بقصر بني حُديلة. وبَنَى معاوية القصر المذكور ليكون له حِصناً، لما كانوا يتحدثون به بينهم لما يقع لبني أمية من قيام أهل المدينة عليهم. قال أبو غسان المدنيّ: وكان لذلك القصر بابان، أحدهما شارع على خط بني حُديلة، والآخر في الزاوية الشرقية. وكان الذي ولي بناءَه لمعاوية الطُّفيلُ بن أُبيّ بن كعب، وأغرب الكرمانيّ فزعم أن الذي بنى القصر المذكور معاويةُ بن عمرو بن مالك بن النجار، أحد أجداد أبي طلحة، وما ذكرته عمن صنف في أخبار المدينة كعمرو بن شَبّة وغيره، يرد عليه، وهم أعلم بذلك من غيرهم. وقوله: "بَخْ" بفتح الموحدة وسكون المعجمة، وقد تنون، مع التثقيل والتخفيف، بالكسر والرفع، ولو كررت فالاختيار أن تنون الأُولى وتسكن الثانية، وقد يسكنان جميعًا كما قال الشاعر: بخٍ بخْ لوالده وللمولود ومعناها تفخيم الأمر والإعجاب به. وقوله: "ذلك مال رابح" وفي رواية يحيى الآتية: رايح، بالتحتانية. والرواية الأولى واضحة من الربح، أي ذو ربح، وقيل هو فاعل بمعنى مفعول، أي: مال مربوح به، وأما الثانية فمعناها رائح عليه أجره. وقال ابن بطال: المعنى أن مسافته قريبة، وذلك أنفس الأموال، وقيل: معناه يروح بالأجر ويغدو به، واكتفى بالرواح عن الغدو، وادعى الإسماعيليّ أن من رواها بالتحتانية فقد صحف، وقول أفعل بضم اللام، على أنه قول أبي طلحة، وقوله: "فقسمها أبو طلحة" فيه تعيين أحد الاحتمالين في غير هذه الرواية، حيث وقع فيه "أفعل فقسمها" فإنه احتمل الأول، واحتمل أن يكون أفعل صيغة أمر. وفاعلُ قَسَمَها النبيُ ﷺ . وانتفى هذا الاحتمال الثاني بهذه الرواية. وذكر ابن عبد البَرّ أن إسماعيل القاضي رواه عن القعنبي عن مالك فقال في روايته: فقسمها

стр. 5860

رسول الله ﷺ في أقاربه، وبني عمه. قال: وقوله: في أقاربه، أي أقارب أبي طلحة. قال ابن عبد البر: إضافة القَسْم إلى رسول الله ﷺ ، وإن كان سائعًا شائعًا في لسان العرب، على معنى أنه الأمر به، لكن أكثر الرواة لم يقولوا ذلك، والصواب رواية من قال: فقسمها أبو طلحة. وقوله: "في أقاربه وبني عمه" في رواية ثابت: فجعلها لحسّان وأُبَيَّ، وكذا في رواية همام عن إسحاق. وفي رواية الأنصاريّ عن أبيه عن ثُمامة، وقد تمسك به من قال: أقل مَنْ يعطى من الأقارب إذا لم يكونوا منحصرين اثنان. وفيه نظر. لأنه وقع في رواية ابن الماجشون عن إسحاق، فجعلها أبو طلحة في ذي رحمه، وكان منهم حسّان وأُبَيّ بن كَعْب، فدل على أنه أعطى غيرها معهما، وفي مرسل أبي بكر بن حزم: فرده على أقاربه: أُبَيِّ بن كعب وحسّان بن ثابت وأخيه أو ابن أخيه شداد بن أوس ونُبَيط بن جابر، فتقاوموه، فباع حسّان حصته من معاوية بمئة ألف درهم. وفي رواية عبد العزيز في الوقف "فباع حسّان حصته من معاوية، فقيل له: أتبيع صدقة أبي طلحة؟ فقال: ألا أبيع صاعًا من تمر بصاع من دراهم؟ " وهذا يدل على أن أبا طلحة ملكهم الحديقة المذكورة، ولم يقفها عليهم، إذ لو وقفها عليهم ما ساغ لحسّان أنْ يبيعها، فيعكر على مَنْ استدل بشيء من قصة أبي طلحة في مسائل الوقف، إلا فيما لا تخالف فيه الصدقة الوقف. ويحتمل أن يقال: شَرَط أبو طلحة عليهم لمّا وَقَفها عليهم أن من احتاج إلى بيع حصته منهم جاز له بيعها. وقد قال بجواز هذا الشرط على رضي الله تعالى عنه، ومالك وغيرهما. وقد اختلف العلماء في الأقارب، فقال أبو حنيفة: القرابة كل ذي رَحِم مُحَرَّم من قبل الأب أو الأم، ولكن يبدأ بقرابة الأب قبل الأم، وقال أبو يوسف ومحمد: من جمعهم أب منذ الهجرة من قبل أب أو أُم من غير تفصيل، زاد زفر: ويقدم من قرب منهم، وهي رواية عن أبي حنيفة أيضًا. وأقل من يدفع إليه ثلاثة، وعند محمد اثنان، وعند أبي يوسف واحد، ولا يصرف للأغنياء عندهم إلا أن يشترط ذلك. وقالت الشافعية والمالكية: القريب من اجتمع في النسب سواء قَرُب أو بعد، مسلمًا كان أو كافرًا، غنيًا كان أو فقيرًا، ذكرًا كان أو أُنثى، وارثًا أو غير وارث، محرمًا أو غير محرم. وقالوا: إن وجد جَمْعٌ محصورون أكثر من ثلاثة استوعبوا، وقيل: يقتصر على ثلاثة، وإن كانوا غير محصورين، ونقل الطحاويّ الاتفاق على البُطلان، وفيه نظر، لأن عند الشافعية وجهًا بالجواز، ويصرف لثلاثة منهم، ولا تشترط التسوية. وقال أحمد في القرابة مثلهما، إلا أنه أخرج الكافر. وفي رواية عنه: القرابة كل من جمعه مع الموصي الأب الرابع إلى ما هو أسفل منه. وعند المالكية يبدأ بفقرائهم حتى يغنوا، ثم يعطي الأغنياء. وفي قصة أبي طلحة أن الوقف لا يحتاج في انعقاده إلى قبول الموقوف عليه، وقيدت المالكية ذلك بأن لا يكون معينًا أهلًا للقبول

стр. 5861

والرد، وإلا فلابد من قبوله. واستدل به على صحة الصدقة المطلقة، ثم يعينها المتصدق لمن يريد. قال ابن بطال: ذهب مالك إلى صحة الوقف، وإن لم يعين مصرفه، ووافقه أبو يوسف ومحمد والشافعيّ في قول. قال ابن القصار: وجهه أنه إذا قال: وقف أو صدقة، فإنما أراد به البر والقرابة، وأولى الناس ببره أقاربه، ولاسيما إذا كانوا فقراء، وهو كمن أوصى بثلث ماله، ولم يعين مصرفه، فإنه يصح ويصرف في الفقراء. والقول الآخر للشافعيّ إن الوقف لا يصح حتى يعين جهة مصرفه، وإلا فهو باقٍ على ملكه. وقال بعض الشافعية: إن قال: وقفته، وأطلق، فهو محل الخلاف، وإن قال: وقفته لله، خرج عن ملكه جزمًا. ودليله قصة أبي طلحة هذه. واستدل به للجمهور في أن مَنْ أوصى أن يفرق ثلث ماله حيث أرى الله الوصي صحت وصيته، ويفرقه الوصي في سبل الخير، ولا يأكل منه شيئًا ولا يعطي منه وارثًا للميت، وخالف في ذلك أبو ثور وفاقًا للحنفية في الأول دون الثاني. وفيه جواز تصدق الحي في غير مرض بأكثر من ثلث ماله، لأنه ﵊ لم يستفصل أبا طلحة عن قدر ما تصدق به، وقال لسعد بن أبي وقاص: الثلث كثير، وفيه تقديم الأقرب من الأقارب على غيرهم. وفيه جواز إضافة حب المال إلى الرجل الفاضل العالم، ولا نقص عليه في ذلك. وقد أخبر الله تعالى عن الإنسان أنه لحب الخير لشديد، والخير هنا المال اتفاقًا، وفيه اتخاذ الحوائط والبساتين، ودخول أهل العلم والفضل فيها، والاستظلال بظلها، والأكل من ثمرها، والراحة والتنزه فيها. وقد يكون ذلك مستحبًا يترتب عليه الأجر، إذا قصد به إجمام النفس من تعب العبادة، وتنشيطها للطاعة. وفيه كسب العقار وإباحة الشرب من دار الصديق، ولو لم يكن حاضرًا، إذا علم طيب نفسه. وفيه إباحة استعذاب الماء، وتفضيل بعضه على بعض، وفيه التمسك بالعموم، لأن أبا طلحة فهم من قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ تتناول ذلك بجميع أفراده، فلم يقف حتى يرد عليه البيان عن شيء بعينه، بل بدر إلى إنفاق ما يحبه، وأقره النبي ﷺ على ذلك، واستدل به لما ذهب إليه مالك من أن الصدقة تصح بالقول من قبل القبض، فإن كانت لمعيَّن استحق المطالبة بقبضها، وإن كانت لجهة عامة خرجت عن مالك القائل، وكان للإمام صدقة في سبيل الصدقة، وكل هذا ما إذا لم يظهر مراد المتصدق، فإن ظهر اتبع. وفيه جواز تولي المتصدق قَسْم صدقته، وفيه جواز أخذ الغني من صدقة التطوع إذا حصل له بغير مسألة، واستدل به على مشروعية الحَبْس والوَقْف، خِلافًا لمن منع ذلك وأبطله، ولا حجة فيه، لاحتمال أن تكون صدقة أبي طلحة تمليكًا، وهو ظاهر سياق الماجشون عن إسحاق. وفيه زيادة الصدقة في التطوع على قدر نصاب الزكاة، لأن هذا الحائط مشهور أنّ رَبْعه يحصل للواحد

стр. 5862

منه أكثر من ذلك، خلافًا لمن قيدها بذلك. وفيه فضيلة لأبي طلحة، لأن الآية تضمنت الحث على الإنفاق من المحبوب، فترقى هو إلى إنفاق أحب المحبوب، فصوّب ﷺ رأيه، وشكر عن ربه فعله، ثم أمره أن يخص بها أهله، وكنى عن رضاه بذلك بقوله: "بخ". وفيه أن الوقف يتم بقول الواقف: جعلت هذا وقفًا. وقد مرّ قريبًا تحريره. وفيه أنه لا يعتبر في القرابة من يجمعه والواقف أب معيّن لا رابع ولا غيره؛ لأن أُبَيَّاً إنما يجتمع مع أبي طلحة في الأب السادس، وأنه لا يجب تقديم القريب على القريب الأَبعد، لأن حسّانًا وأخاه أقرب إلى أبي طلحة من أُبَيَّ وَنُبَيط، ومع ذلك فقد أشرك معهما أبَيَّاً ونُبيطًا بن جابر. وفيه أنه لا يجب الاستيعاب، لأن بني حرام الذي اجتمع فيه أبو طلحة، وحسّان، كانوا بالمدينة كثيرًا، فضلًا عن عمرو بن مالك الذي يجمع أبا طلحة وأُبيًا. وفيه دلالة للمذهب الصحيح، أنه يجوز أن يقال: إن الله تعالى يقول، كما يجوز أن يقال: إن الله تعالى قال، خلافًا لما قاله مطرف بن عبد الله الشخير، إذ قال: لا يقال الله تعالى يقول، إنما يقال: قال الله، أو الله قال، وكأنَّه ينجر إلى استئناف القول، وقول الله قديم. وكأنه ذَهَل عن قوله : ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾. وفيه: مشاورة أهل العلم، والفضل في كيفية وجوه الطاعات وغيرها، وفيه أن كسب العقار مباحٌ إذا كان حلالًا، ولم يكن بسبب ذل ولا صَغار، فإنَّ ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، كره كسب أرض الخراج، ولم ير شراءها. وقال: ولا تجعل في عنقك صغارًا. رجاله أربعة: وفيه ذكر أبي طلحة، وقد مرَّ الجميع، مرّ عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرّ إسحاق بن عبد الله في الثامن من العلم، ومرّ أنس في السادس من الإِيمان، ومرّ أبو طلحة في السادس والثلاثين من الوضوء. أخرجه البخاريّ في الوصايا وفي الوكالة والأشربة والتفسير، ومسلم في الزكاة، والنَّسَائيّ في التفسير. ثم قال: تابعه رُوح، يعني عن مالك في قوله: "رابح"، وهذه المتابعة وصلها في كتاب البيوع، وروح قد مرَّ في الثاني والثمانين من الوضوء. ثم قال: وقال يحيى بن يحيى وإسماعيل عن مالك "رائح" يعني بالتحتانية، وقد وهم صاحب المطالع فقال: رواية يحيى بن يحيى بالموحدة، وكأنَّه اشتبه عليه الأندلسيّ بالنَّيسَابوريّ، فالذي عناه هو الأندلسي، والذي عناه البخاري النيسابوريّ. قال الداني في أطرافه. رواه يحيى بن يحيى الأندلسي بالموحدة، وتابعه جماعة، ورواه يحيى بن يحيى النيسابوريّ بالمثناة، وتابعه إسماعيل وابن وهب، ورواه القعنبيّ

стр. 5863

بالشك، ورواية القعنبي وصلها البخاري في الأشربة بالشك، كما قال. أما رواية يحيى بن يحيى وصلها في الوكالة، ورواية إسماعيل وصلها أيضًا في التفسير، ويحيى قد مرّ في الرابع والأربعين من هذا الكتاب. وإسماعيل هو ابن أبي أويس، وقد مرّ في الخامس عشر من الإيمان. الحديث السادس والستون حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدٌ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ إِلَى الْمُصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَعَظَ النَّاسَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ تَصَدَّقُوا". فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ، فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ". فَقُلْنَ: وَبِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: "تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ. ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمَّا صَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ جَاءَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ تَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَذِهِ زَيْنَبُ فَقَالَ: "أَيُّ الزَّيَانِبِ؟ ". فَقِيلَ: امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ. قَالَ: "نَعَمِ ائْذَنُوا لَهَا". فَأُذِنَ لَهَا قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّكَ أَمَرْتَ الْيَوْمَ بِالصَّدَقَةِ، وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لِي، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ". مرّ الكلام على صدر هذا الحديث في باب "ترك الحائض الصوم" من كتاب الحيض، ومرّ هناك ذكر المحال التي ذكر فيها شيء من مباحثه. وقوله: جاءت زينب امرأة ابن مسعود تستأذن عليه، في الرواية الآتية بعدما بيّن زيادة "فوجدت امرأة من الأنصار على الباب، حاجتها مثل حاجتي، فمرّ علينا بلال ... إلخ" وقوله: "فقيل: يا رسول الله، هذه زينب" القائل هو بلال، كما هو في الحديث الآتي قريبًا. وقوله: "ائذنوا لها، فأَذِن لها، فقالت: ... إلخ" لم يبين أبو سعيد ممن سمع ذلك، فإن يكن حاضرًا عند النبي ﷺ حال المراجعة المذكورة، فهو من مسنده، وإلا فيحتمل أنْ يكون حمله عن زينب صاحبة القصة، وفي هذا الحديث قالت: يا نبي الله، إنك أمرت، وفيه قوله: "صدق زوجك" وظاهر هذا أنها شافهته وشافهها بالجواب. وفي الحديث الآتي فقلنا: سل النبي ﷺ ، وهذا ظاهره أنها لم تشافهه بالسؤال، ولا شافهها بالجواب، فيحتمل أن تكونا قضيتين، ويحتمل في الجمع بينهما أن يقال: تحمل هذه المراجعة على المجاز، وإنما كانت على لسان بلال.

стр. 5864

وفي الرواية الآتية: "تصدقنَ ولو من حليكن" وقد اختلف العلماء هل تجب في الحلي زكاة أم لا؟ فقال مالك وأحمد وإسحاق والشافعيّ، في أشهر قوليه: لا تجب فيه الزكاة. وكان يفتى بهذا في العراق، وتوقف بمصر. وقال: هذا مما استخير الله فيه. وقال أبو حنيفة وأصحابه والثَّوريّ: تجب فيه الزكاة، وقال الليث: ما كان من حَلي يُلْبَس ويُعار، فلا زكاة فيه، وما كان للتحرز عن الزكاة ففيه الزكاة. وقال أنس: يزكى عامًا واحدًا لا غير، واستدل مَنْ أسقط الزكاة بما رواه مالك في الموطأ عن عائشة أنها كانت تكنى بيأت أختها يأتي في حجرها فلا تخرج من نعيتهن الزكاة ورواه جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس في الحلي زكاة" ذكره في الإِمام، وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر قال: لا زكاة في الحلي، وأخرج الدارقطني عن علي بن سُليمان قال: قلت لأنس: في الحلي زكاة؟ قال: لا زكاة في الحلي. وأخرج الشافعيّ والبيهقيّ عن عمرو بن دينار قال: سمعتُ ابن خالد يسأل جابر بن عبد الله عن الحلي، أفيه زكاة؟ فقال جابر: لا، وإن بلغ ألف دينار. وأخرج الدارقطني عن أسماء بنت أبي بكر أنها تحلي بناتِها الذهبَ ولا تزكيه، نحوًا من خمسين ألف. واحتج من رأى فيه الزكاة بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن امرأة أتت رسول الله ﷺ ، ومعها بنت لها، وفي يد البنت مَسْكَنان غليظتان من ذهب، فقال لها: أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أَيَسُرُّك أن يُسَوِّرك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟ قالت: فخلعتهما، فألقيتهما إليه ﵊، وقلت: هما لله ورسوله. رواه أبو داود والنَّسائي، وقال: ولا يصح في هذا الباب شيء. واحتجوا أيضًا بما رواه عبد الله بن شداد بن الهاد أنه قال: دخلنا على عائشة قالت: دخل عليّ النبي ﷺ فرأى في يدي فَتَخَاتٍ من وَرِق فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقلت: صنعتهنَّ أتزينُ لك يا رسول الله. قال: أتؤدين زكاتهن؟ قلت: لا أو ما شاء الله. قال: هو حَسبك من النار. أخرجه الحاكم، وقال: هو علي شرط الشيخين، ولم يخرجاه إلى غير هذا مما احتجوا به. وقد قال التِّرمِذِيّ والنسائيّ: إن هذا الباب لا يصح فيه شيء، وفي الحديث الحث على صلة الرحم، وجواز تبرع المرأة بمالها بغير اذن زوجها، وفيه عظة النساء، وترغيب ولي الأمر في أفعال الخير للرجال والنساء، والتحديث مع النساء الأجانب عند أمْنِ الفتنة، والتخويف من المؤاخذة بالذنوب، وما يتوقع بسببها من العذاب. وفيه فُتيا العالم مع وجود من هو أعلم منه، وطلب الترقي في تحمل العلم. قال القرطبيّ: ليس إخبار بلالٍ باسم المرأتين في الرواية الآتية بعد أن استكتمناه، بإذاعة سر، ولا كشف أمانة، لوجهين: أحدهما: أنهما لم تلزماه بذلك، وإنما علم أنهما رأتا أنْ لا ضرورة تُحْوج إلى ذكرهما. ثانيهما: أنه أخبر بذلك جوابًا لسؤال النبي ﷺ ، لكون إجابته أوجب من التمسك بما أمرتاه بعرض

стр. 5865

الكتمان. وهذا كلّه بناء على أنه التزم لهما بذلك، ويحتمل أن تكونا سألتاه، ولا يجب اسعاف كل سائل. رجاله خمسة: قد مرّوا، وفيه ذكر زينب امرأة ابن مسعود، وذكر ابن مسعود وولده. مرَّ وسعيد بن أبي مريم في الرابع والأربعين من العلم، ومرَّ محمد بن جعفر وعياض بن عبد الله في التاسع من الحيض، ومرَّ زيد بن أسلم في الثاني والعشرين من الإيمان، ومرَّ أبو سعيد الخُدريّ في الثاني عشر منه، ومرَّ ابن مسعود في أوله قبل ذكر حديث منه. وأما زينب امرأة ابن مسعود، فقيل: اسمها رَيْطة أيضًا، وهي بنت عبد الله، وقيل: بنت معاوية، وقيل: بنت أبي معاوية، ومعاوية بن عَتاب بن الأسعد بن عامرة بن حُطَيط بن جُشَم بن ثقيف، الثقفية. قال بُسْر بن سعيد: أخبرتني زينب الثقفية، امرأة عبد الله بن مسعود، أن رسول الله ﷺ قال لها: "إذا خرجت إلى العشاء الآخرة، فلا تمسي طيبًا" أخرجه ابن سعد. لها أحاديث اتفقا على حديث، وانفرد البخاريّ بحديث، ومسلم بآخر. روت عن النبي ﷺ ، وعن زوجها عبد الله بن مسعود، وعن عمر، وروى عنها ابنها أبو عُبيدة بن عبد الله بن مسعود وبُسر بن سعيد. والقائل، في لفظ قيل: هو بلال، كما يأتي مصرحًا به، وهو قد مرَّ في التاسع والثلاثين من العلم، وولد ابن مسعود والمذكور في الحديث لم يُسَمَّ. ثم قال المصنف:

стр. 5866

باب ليس على المسلم في فرسه صدقة وقال في الذي يليه: ليس على المسلم في عبده صدقة. الحديث السابع والستون حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ وَغُلاَمِهِ صَدَقَةٌ. أورد حديث أبي هُريرة بلفظ الترجمتين مجموعًا من طريقين، لكن الأُولى بلفظ "غلامه" بدل "عبده". قال ابن رشيد: أراد بذلك الجنس في الفرس والعبد، لا الفرد الواحد، إذ لا خلاف في العبد المتصرف، والفرس المعد للركوب، ولا خلاف أيضًا أنها لا تؤخذ من الرقاب، وإنما قال بعض الكوفيين: يؤخذ منها بالقيمة، والخلاف في ذلك عن أبي حنيفة إذا كانت الخيل ذكرانًا وإناثًا تراد للنسل، فإذا انفردت الإناث أو الذكران، فعنه روايتان، وفي المحيط المشهور عدم الوجوب فيهما، وعنده أن المالك يتخير بين أن يخرج عن كل فرس دينارًا أو يقوَّم. ويخرج رُبع العُشر إذا بلغت قيمتها مئتي درهم. واستدل عليه بهذا الحديث. وأجيب يحمل النفي فيه على الرقبة لا على القيمة. واستدل عليه أيضًا بما أخرجه أبو داود وغيره بإسناد حسن عن عليّ رضي الله تعالى عنه مرفوعًا "عفوت عن الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة" والأحاديث الدالة على عدم الوجوب كثيرة جدًا، وتعلق أبو حنيفة بما في حديث أبي هريرة عند مسلم. وأما التي هي له ستر، فالرجل يتخذها تكرمًا وتجملًا، ولا ينسى حق ظهورها وبطونها في عُسرها ويسرها الحديث، فتعلق في إيجاب زكاة الخيل بهذا قائلًا: إن في هذا دليلًا على أن لله فيها حقًا، وهو كحقه في سائر الأموال التي تجب فيها الزكاة. وأجيب بأن المراد بالحق إعارتها وحمل المنفطعين عليها. فيكون ذلك على وجه الندب، أو يجاب بأن ذلك كان واجباً ثم نسخ، بدليل قوله: ﴿قد عفوت عنكم صدقة الخيل﴾ إذ العفو لا يكرن إلا عن شيء لازم. واستدَلَ بهذا الحديث مَنْ قال من أهل الظاهر بعدم وجوب الزكاة فيهما مطلقًا، ولو كانا للتجارة، وأجيب بأن زكاة التجارة واجبة بالإجماع، كما قال ابن المنذر وغيره، فيخص به عموم الحديث.

стр. 5867

رجاله ستة: قد مرّوا، مرَّ شعبة وآدم في الثالث من الإيمان، ومرّ عبد الله بن دينار وأبو هريرة في الثاني منه، ومرّ سليمان بن يَسَار في الخامس والتسعين من الوضوء. ومرّ عِراك بن مالك في السادس والثلاثين من كتاب الصلاة. أخرجه البخاري أيضًا في الزكاة، وأخرجه مسلم، وباقي الستة فيها أيضًا. ثم قال المصنف:

стр. 5868

باب ليس على المسلم في عبده صدقة الحديث الثامن والستون حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ خُثَيْمِ بْنِ عِرَاكٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا خُثَيْمُ بْنُ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ صَدَقَةٌ فِي عَبْدِهِ وَلاَ فَرَسِهِ". هذا الحديث قد مرَّ قريبًا أنه هو الذي قبله، فالكلام على الأول كلام عليه. رجاله سبعة: مرَّ محل سليمان وعِراك وأبي هُريرة في الذي قبله، ومرَّ مسدد ويحيى بن سعيد القطان في السادس من الإيمان، ومرَّ وهيب بن خالد في تعليق بعد الخامس عشر منه، والباقي خُثَيم، بالخاء المعجمة مصغر، ابن عِراك بن مالك الغِفاريّ المدنيّ، وثقه النَّسَائيّ وابن حِبّان والعقيليّ. وقال الأزديّ: منكر الحديث. وقال ابن حزم: لا تجوز الرواية عنه، قال في المقدمة: تبع ابن حزم الأزديّ وما درى أنَّ الأزدي ضعيف، فكيف يقبل منه تضعيف الثقات؟ قال في "تهذيب التهذيب": ولعل مستند مَنْ وهّاه ما ذكره أبو عليّ الكرابيسيّ عن سعيد بن زَنْبر، ومُصْعَب الزبيريّ: استفتى أميرُ المدينة مالكًا عن شيء فلم يفته، فأرسل إليه: ما منعك من ذلك؟ فقال مالك: لأنك ولّيت خُثَيم بن عِراك على المسلمين، فلما بلغه ذلك عزله. روى عن أبيه وسليمان بن يسار، وروى عنه إبراهيم ويحيى بن سعيد الأنصاري ويحيى بن سعيد القطان وغيرهم. ولم يرو عنه البخاري إلا هذا الحديث لا غير. ثم قال المصنف:

стр. 5869

باب الصدقة على اليتامى قال الزين بن المنير: عبّر بالصدقة دون الزكاة، لتردد الخبر بين صدقة الفرض والتطوع، لكون ذكر اليتيم جاء متوسطاً بين المسكين وابن السبيل، وهما من مصارف الزكاة. وقال ابن رشيد: لما قال: باب ليس على المسلم في فرسه صدقة، عُلِم أنه يريد الواجبة، إذ لا خلاف في التطوع، فلما قال: الصدقة على اليتامى، أحال على معهود. الحديث التاسع والستون حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ هِلاَلِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ يُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى الْمِنْبَرِ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ فَقَالَ: إِنِّي مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا. فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ فَقِيلَ لَهُ: مَا شَأْنُكَ تُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ وَلاَ يُكَلِّمُكَ فَرَأَيْنَا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ. قَالَ فَمَسَحَ عَنْهُ الرُّحَضَاءَ فَقَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ؟ وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ. فَقَالَ: إِنَّهُ لاَ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ، وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ أَوْ يُلِمُّ إِلاَّ آكِلَةَ الْخَضْرَاءِ، أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ، فَثَلَطَتْ وَبَالَتْ وَرَتَعَتْ، وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ مَا أَعْطَى مِنْهُ الْمِسْكِينَ وَالْيَتِيمَ وَابْنَ السَّبِيلِ أَوْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَإِنَّهُ مَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ، وَيَكُونُ شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قوله: "إن مما أخاف عليكم من بعد ما يُفتح عليكم" وفي رواية السرخسي: إني مما أخاف، وفي رواية مالك في الرقاق: أن أكثر ما أخاف عليكم. وما في قوله: "ما يفتح" في موضع نصب، لأنها اسم إن، ومما في قوله: "إن مما" في موضع رفع لأنها الخبر، وقوله: "من زهرة الدنيا وزينتها"، وقوله: "وزينتها" عطف تفسير، وزَهْرة الدنيا، بفتح الزاي وسكون الهاء، وقد قرىء في الشاذ عن الحسن وغيره بفتح الهاء، فقيل: هما بمعنى، مثل جَهْرة وجَهَرة. وقيل: بالتحريك جمع زاهر، كفاجرِ وفَجَرة. والمراد بالزَهرة الزينة والبهجة، كما في الحديث. والزهرة مأخوذة من زَهرة الشجرَ، وهو نوْرها، بفتح النون. والمراد ما فيها من أنواع المتاع والعين والثياب والزروع وغيرها، مما يفتخر الناس بحسنه، مع عدم البقاء.

стр. 5870

وقوله: "فقال رجل" لم يعرف اسمه. وقوله: "أو يأتي الخير بالشر" بفتح الواو، والهمزة للإستفهام، والواو عاطفة على شيء مقدر، أي تصير النعمة عقوبة، لأن زهرة الدنيا نعمة من الله تعالى، فهل تعود هذه النعمة نقمة؟ وهو استفهام استرشاد لا إنكار. والباء في قوله: "بالشر" صلة ليأتي، أي: هل يستجلب الخيرُ الشرَ؟ وقوله: "فَرُئينا" أي: بضم الراء وكسر الهمزة. وفي رواية الكشميهنيّ: فأُرينا، بضم الهمزة. وفي رواية مالك "حتى ظننت أو ظننا" وقوله: "فمسح عنه الرُّحَضَاء"، وفي رواية مالك "ثم جعل يمسح عن جبينه" في رواية الدارقطني "العرق" والرُّحَضاء، بضم الراء وفتح المهملة ثم المعجمة والمد، هو العرق. وقيل: الكثير، وقيل: عرق الحمّى، وأصل الرَّحْض، بفتح ثم سكون، الغسل. ولهذا فسره الخطابيّ بأنه عَرَقٌ يَرْحَضُ الجلد لكثرته. وقوله: "وكأنه حمده" وفي رواية الرقاق: لقد حمدناه حين طلع لذلك. وفي رواية المستملي: حين طلع ذلك. والحاصل أنهم لاموه أولًا حيث رأوا سكوت النبي ﷺ ، فظنوا أنه أغضبه، ثم حمدوه آخرًا لمّا رأوا مسألته سببًا لاستفادة ما قاله النبي ﷺ . وأما قوله: "وكأنه حمده" فأخذوه من قرينة الحال. وقوله: "إنه لا يأتي الخير بالشر" وفي رواية مالك: لا يأتي الخير إلا بالخير. وفي رواية الدارقطني تكرار ذلك ثلاث مرات، ويؤخذ منه أن الرزق، ولو كثر، فهو من جملة الخير، وإنما يعرض له الشر بعارض البخل به عمن يستحق، والإسراف في إنفاقه فيما لم يشرع، وأن كل شيء قضى الله تعالى أن يكون خيرًا، فلا يكون شرًا وبالعكس. ولكن يخشى على من رزق الخير أن يعرض له في تصرفه فيه ما يجلب له الشر. وفي مرسل سعيد المَقْبَرِيّ عند سعيد بن منصور "أو خير هو ثلاث مرات"، وهو استفهام إنكار، أي أن المال ليس خيرًا حقيقيًا وإن سُمّيَ خيرًا، لأن الخير الحقيقيّ هو ما يعرض له من الإنفاق في الحق، كما أن الشر الحقيقي فيه ما يعرض له من الإمساك عن الحق، والإخراج في الباطل. وما ذكر في الحديث بعد ذلك، من قوله: إن هذا المال خضرة حلوة، كضرب المثل بهذه الجملة. وقوله: "إن هذا المال، في رواية الدارقطني "ولكن هذا المال" إلخ، ومعناه أن صورة الدنيا حسنة مونقة، والعرب تسمي كل شيء مشرقٍ ناضرٍ أخضر. وقال ابن الأنباريّ: قوله المال خضرة حلوة، ليس هو صفة المال، وإنما هو للتشبيه، كأنه قال: المال كالبقلة الخضراء الحلوة، أو التاء في قوله: "خضرة وحلوة" باعتبارما يشتمل عليه المال من زهرة الدنيا، أو على فائدة المال، أي: أن الحياة به أو العيشة. أوأن المراد بالمال هنا الدنيا؛ لأنه من زينتها. قال الله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وفي حديث أبي سعيد أيضًا المخرَّج في السنن "الدنيا خضرة حلوة"، فيتوافق الحديثان، ويحتمل أن تكون التاء فيهما للمبالغة.

стр. 5871

وقوله: "وإنَّ مما ينبت الربيع" وفي رواية مالك: "وإنَّ كُلَّ ما أنبت الربيعُ" أي: الجدول، وإسناد الإنبات إليه مجازيّ، والمنبت في الحقيقة هو الله تعالى. ومن في قوله "مما ينبت" للتكثير، وليست من للتبعيض، لتوافق رواية "كلما أنبت" وهذا الكلام كله وقع كالمثل للدنيا، وقد وقع التصريح بذلك في مرسل سعيد المَقْبَرِيّ. وقوله: "يقتل حَبَطًا أو يُلِم" أما حَبَطا، فبفتح المهملة والموحدة والطاء مهملة أيضًا والحَبَط انتفاخ البطن من كثرة الأكل. يقال: حَبطت الدابة تَحْبَط حَبَطا إذا أصابت مرعى طيبًا فأمعنتْ في الأكل حتى تنتفخ فتموت. وروي بالخاء المعجمة، من التخبط، وهو الاضطراب. والأول المعتمد. وقوله: "يُلم" بضم أوله، أي: يَقْرُب من الهلاك. وقوله: "إلاَّ آكلة الخضرة" بالتشديد على الاستثناء، وروى بفتح الهمزة وتخفيف اللام للاستفتاح، وآكِلة بالمد وكسر الكاف، والخضر بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين، للأكثر، وهو ضرب من الكلأ يعجب الماشية، وواحده خَضِرَة. وفي رواية الكشميهنيّ، بضم الخاء وسكون الضاد وزيادة الهاء في آخره، وفي رواية السَّرخسيّ الخضراء، بفتح أوله وسكون ثانيه والمد، ولغيرهم بضم أوله وفتح ثانيه، جمع خضرة. وقوله: "إذا امتدت خاصرتاها" تثية خاصرة، بخاء معجمة وصاد مهلمة، وهما جانبا البطن من الحيوان. وفي رواية الكشميهنيّ: خاصرتها بالإفراد، وقوله: "استقبلت الشمس اجْتَرّتْ " أي: استرفعت ما أدخلته في كرشها من العلف، فاعادت مضغه. وقوله: "وثَلَطَتْ" بمثلثة ولام مفتوحتين ثم طاء مهملة، وضبطها ابن التين بكسر اللام، أي ألقت ما في بطنها رقيقًا. وقوله: "ثم عادت فأكلت" المعنى أنها إذا شبعت فثَقُل عليها ما أكلت تحيلت في دفعه بأن تجتر، فيزداد نعومة، ثم تستقبل الشمس فتحمى بها، فيسهل خروجه، فإذا خرج زال الانتفاخ، فسلمت. وهذا بخلاف من لم تتمكن من ذلك، فإن الانتفاخ يقتلها سريعًا. قال الأزهري: هذا الحديث إذا فُرِّق لم يكد يظهر معناه، وفيه مثلان: أحدهما للمفرط في جمع الدنيا، المانع من إخراجها في وجهها، وهو ما تقدم، أي الذي يقتل حَبَطًا. والثاني: المقتصد في جمعها وفي الانتفاع بها، وهو آكلة الخَضَر، فإن الخضر ليس من أحرار البقول التي ينبتها الربيع، ولكنها الحبة، والحبة ما فوق البقل، ودون الشجر، التي ترعاها المواشي بعد هَيْج البُقول، فضرب آكلة الخضر من المواشي مَثلًا لمن يقتصد في أخذ الدنيا وجمعها، ولا يحمله الحرص على أخذها بجر حقها، ولا منعها من مستحقها، فهو ينجو من وبالها كما نجت آكلة الخضر، وأكثر ما تحبط الماشية إذا انحبس رَجِيعها في بطنها. وقال الزين بن المنير: آكلة الخضر هي بهيمة الأنعام التي ألفت المخاطبون أحوالها في سوَمها ورعيها، وما يعرض لها من البَشَم وغيره. والخضر النبات الأخضر. وقيل: حرار العشب التي تستلذ الماشية أكله، فتستكثر منه. وقيل: هو ما ينبت بعد إدراك العشب وهياجه. فإن الماشية تقتطف منه

стр. 5872

مثلًا شيئًا فشيئًا، ولا يصيبها منه ألم، وهذا الأخير فيه نظر، فإنَّ سياق الحديث يقتضي وجود الخبَطَ للجميع، إلا لمن وقعت منه المداومة، حتى اندفع عنه ما يضره، وليس المراد أنَّ آكلة الخضر لا يحصل لها من أكله ضرر البتة، والمستنثى آكلة الخضر بالوصف المذكور لا كل من اتصف بأنه آكلة الخضرة. ولعل قائله وقعت له رواية فيها "يقتل أو يلم إلا آكلة الخضر" ولم يذكر ما بعده، فشرحه على ظاهر هذا الاختصار. وقوله: "فنعم صاحب المسلم هو" وفي رواية: فنعم المعونة. وقوله: "وإنه من يأخذه بغير حقه" وفي رواية: وإنْ أخذه بغير حقه. وقوله: "كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون شهيدًا عليه يوم القيامة" يحتمل أن يشهد عليه حقيقة بأن ينطقه الله تعالى، ويجوز أن يكون مجازًا. والمراد شهادة المَلَك الموكَّل به. ويؤخذ من الحديث التمثيل لثلاثة أصناف؛ لأن الماشية إذا رعت الخضر للتغذية، إما أن تقتصر منه على الكفاية، وإما أن تستكثر الأول الزهاد، والثاني إما أن يحتال على إخراج ما لو بقي لضر، فإذا أخرجه زال المُّضر، واستمر النفع. وإما أن يهمل ذلك الأولَ العاملون في جمع الدنيا مما يجب من إمساك ويدل. والثاني العاملون في ذلك، بخلاف ذلك. وقال الطيبي: يؤخذ منه أربعة أصناف: فمن آكل منه أكْل مستلذٍ مفرط منهمك حتى تنتفخ أضلاعه، ولا يقلع، فيسرع إليه الهلاك. ومن آكل كذلك، لكنه أخذ في الاحتيال لدفع الداء بعد أن استحكم فغلبه، فأهلكه. ومن آكل كذلك، لكنه بادر إلى إزالة ما يضره، وتحيل في دفعه حتى انهضم، فيسلم. ومن كل غير مفرط ولا منهمك، وإنما اقتصر على ما يسد جوعته، ويمسك رَمَقه. فالأول مثال الكافر، والثاني مثال العاصي الغافل عن الإقلاع والتوبة، إلا عند فوتها والثالث: مثال للمخلِّط المبادر للتوبة، حيث تكون مقبولة. والرابع: مثل الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة. وبعضها لم يصرح به في الحديث، وأخذه منه محتمل. وقوله: "فنعم المعونة" كالتذييل للكلام المتقدم. وفيه حذفٌ تقديره: إن عمل فيه بالحق. وفيه إشارة إلى عسكه، وهو بئيس الرفيق. هو لمن عمل فيه بغير الحق، وقوله: "كالذي يأكل ولا يشبع" ذكر في مقابلة "فتعم المعونة هو" وقوله: "ويكون شهيدًا عليه" أي حجة يشهد عليه بحرصه وإسرافه وإنفاقه فيما لا يرضي الله. وقال الزين بن المنير: في هذا الحديث وجوه من التشبيهات بديعة. أولها: تشبيه المال ونموه بالنبات وظهوره. ثانيها: تشبيه المنهمك في الاكتساب والأسباب بالبهائم المنهمكة في الأعشاب. ثالثها: تشبيه الاستكثار منه والادخار له بالشَّرَه في الأكل، والامتلاء منه. رابعها: تشبيه من المال مع عظمته في النفوس حتى أدى إلى المبالغة في البخل به، بما تطرحه البهيمة من السِّلْح، ففيه إشارة بديعة إلى استقذاره شرعًا.

стр. 5873

خامسها: تشبيه المتقاد عن جمعه وضمه، بالشاة إذا استراحت، وحطت جانبها مستقبلة عين الشمس، فإنها من أحسن حالاتها سكونًا وسَكِينة، وفيه إشارة إلى إدراكها لمصالحها. سادسها: تشبيه موت الجامع المانع بموت البهيمة الغافلة عن دفع ما يضرها. سابعها: تشبيه المال بالصاحب الذي لا يؤْمَن أن ينقلب عدوًا، فإن المال من شأنه أن يحرز وبشد وثقاقه بحباله، وذلك يقتضي منعه من مستحقه، فيكون سببًا لعقاب مقتنيه. ثامنها: تشبيه آخذه بغير حق بالذي يأكل ولا يشبع. وقال الغزالي: مثل المال مَثَل الحية التي فيها تِرياق نافعٌ وسُم ناقِع، فإنْ أصابها العارف الذي يحترز من شرها، ويعرف استخراج ترياقها، كان نعمة وإن أصابها الغبيُّ فقد لقي البلاء المُهلك. وفي الحديث جلوس الإِمام على المنبر عند الموعظة في غير خطبة الجمعة ونحوها، وفيه جلوس الناس حوله، والتحذير من المنافسة في الدنيا، وفيه استفهام العالم بما يشكل، وطلب الدليل لدفع المعارضة. وفيه تسمية المال خيرًا، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْر﴾. وفيه ضرب المثل بالحكمة، وإن وقع في اللفظ ذكر ما يستهجن، كالبول، فإن ذلك يُغتفَر لما يترتب على ذكره من المعاني اللائقة بالمقام، وفيه أنه ﷺ كان ينتظر الوحيَ عند إرادة الجواب عمّا يسأل عنه. وهذا على ما ظنه الصحابة، ويجوز أن يكون سكوته ليأتي بالعبارة الوجيزة الجامعة المفهمة. وقد عد ابن دُريد هذا الحديث، وهو قوله: "إن مما ينبتُ الربيع يقتلُ حَبَطًا أو يُلِم" من الكلام المفرد الوجيز الذي لم يسبق ﷺ إلى معناه، وكل من وقع شيء منه في كلامه، فإنما أخذه منه. ويستفاد منه ترك العجلة في الجواب إذا كان يحتاج إلى التأمل، وفيه لوم مَنْ ظن به تعنت في السؤال، وحمد من أجاد فيه. ويؤيد أنه من الوحي قوله: "يمسح العرق" فإنها كانت عادته عند نزول الوحي كما تقدم في بدء الوحي، وأن جبينه لَيَتَفَصَّدُ عرقًا. وفيه تفضيل الغني على الفقير، ولا حجة فيه؛ لأنه يمكن التمسك به لمن لم يرجح أحدهما على الآخر، والعجب أن النوويّ قال: فيه حجة لمن رجح الغني على الفقير، وكان قبل ذلك شرح قوله: "لا يأتي الخير إلاَّ بالخير" على أن المراد أن الخير الحقيقيّ لا يأتي إلا بالخير، لكن هذه الزَّهرة ليست خيرًا حقيقيًا، لما فيها من الفتنة والمنافسة، والاشتغال من كمال الإِقبال على الآخرة، فعلى هذا يكون حجة لمن يفضل الفقر على الغنى، والتحقيق أن لا حجة فيه لأحد القولين. وقد مرّ الكلام مستوفى على هذه المسألة في كتاب العلم في باب الاغتباط في العلم. وفيه الحضُّ على إعطاء اليتيم والمسكين وابن السبيل، وفيه أن المكتسب للمال من غير حِلّه لا يبارك له فيه، لتشبيهه بالذي يأكل ولا يشبع. وفيه ذم الإسراف وكثرة الأكل والنَّهَم فيه، وأن اكتساب المال من غير حِلِّه، وكذا إمساكه من إخراج الحق منه، سببٌ لمحقه، فيصير غير مبارك،

стр. 5874

لقوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾. رجاله ستة: قد مرّوا، مرَّ معاذ بن فَضالة في التاسع عشر من الوضوء، ومرّ هشام الدَّستوائيّ في السابع والثلانين من الإيمان، ومرّ عطاء بن يسار في الثاني والعشرين منه، وأبو سعيد الخُدريّ في الثاني عشر منه، ومرّ يحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من العلم، وهلال بن عليّ في الأول منه. وفيه لفظ رجل لم يسم. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والسماع، ورواته شيخه بصريٌّ ثم أهوازِيٌّ ثم يماميّ ثم مدنيان. أخرجه البخاري أيضًا في الجهاد، وفي الرقاق، ومسلم في الزكاة، وكذلك النَّسَائِيّ. ثم قال المصنف:

стр. 5875

باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر قال ابن رشيد: أعاد الأيتام في هذه الترجمة، لعموم الأُولى وخصوص الثانية، ومحمل الحديثين في وجه الاستدلال بهما على العموم لأن الإعطاء أعم من كونه واجبًا أو مندوبًا. ثم قال: قاله أبو سعيد عن النبيّ ﷺ . وهذا التعليق تقدم موصولًا في باب الزكاة على الأقارب. وأبو سعيد مرّ في الثاني عشر من الإيمان. الحديث السبعون حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ حَدَّثَنِي شَقِيقٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ فَذَكَرْتُهُ لإِبْرَاهِيمَ فَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بِمِثْلِهِ سَوَاءً، قَالَتْ: كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ. وَكَانَتْ زَيْنَبُ تُنْفِقُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَأَيْتَامٍ فِي حَجْرِهَا، قَالَ فَقَالَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ سَلْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْكَ وَعَلَى أَيْتَامِى فِي حَجْرِي مِنَ الصَّدَقَةِ فَقَالَ سَلِي أَنْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . فَانْطَلَقْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ . فَوَجَدْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ عَلَى الْبَابِ، حَاجَتُهَا مِثْلُ حَاجَتِي، فَمَرَّ عَلَيْنَا بِلاَلٌ فَقُلْنَا سَلِ النَّبِيَّ ﷺ أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَى زَوْجِي وَأَيْتَامٍ لِي فِي حَجْرِي وَقُلْنَا لاَ تُخْبِرْ بِنَا. فَدَخَلَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ مَنْ هُمَا. قَالَ زَيْنَبُ قَالَ أَيُّ الزَّيَانِبِ. قَالَ امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ نَعَمْ لَهَا أَجْرَانِ أَجْرُ الْقَرَابَةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ. هذا الحديث مرَّ استيفاء الكلام عليه في باب الزكاة على الأقارب، وقوله: وأيتام لي في حجري، في رواية النسائي "على أزواجنا وأيتام في حجورنا" وفي رواية الطيالسيّ "أنهم بنو أخيها وبنو أختها" وللنّسائي عن علقمة الأحداهما فضل مالٍ، وفي حجرها بنو أخٍ لها أيتام، وللأخرى فضل مال، وزوج خفيفٌ ذات اليد" وهذا القول كناية عن الفقر. رجاله ثمانية: وفيه ذكر بلال وعبد الله وامرأة من الأنصار، وفيه لفظ أيتام بالإبهام، وقد قال ابن حَجَر: إنه لم يقف على أسمائهم. مرّ من رجاله عمر بن حفص وأبوه حفص في الثاني عشر من الغُسل، ومرّ

стр. 5876

الأعمش في الخامس والعشرين من الإيمان، ومرّ شفيق في الحادي والأربعين منه، ومرّ إبراهيم النخعيّ في تعليق بعد الأربعين منه، ومرَّ ابن مسعود في أوله قبل ذكر حديث منه، ومرت امرأته زينب في الخامس والستين من هذا الكتاب، ومرَّ بلال في التاسع والثلاثين من كتاب العلم. ومرَّ أبو عبيدة، واسمه عامر بن عبد الله بن مسعود، وقيل: اسمه كنيته، في الثاني والعشرين من الوضوء. والباقي اثنان: الأول: عمرو بن الحارث بن أبي ضرار بن عائذ بن مالك بن جُذيمة. وهو المُصْطَلِق بن سعد بن كعب بن عمرو الخُزاعيّ المُصْطَلِقي، أخو جُويرية بنت الحارث، زوج النبي ﷺ . روى أبو إسحاق السَّبيعيّ عن عمرو بن الحارث، أخي جويرية قال: والله ما ترك رسول الله ﷺ عند موته دينارًا ولا درهمًا .. الحديث أخرجه البخاريّ وغيره. له عندهم حديث واحد. روى عن أُخته وعن ابن مسعود وعن زينب امرأة ابن مسعود، ورجح ابن القطّان أن عمرو بن الحارث، الراوي عن زينب امرأة ابن مسعود، غير عمرو بن الحارث بن أبي ضِرار صاحب الترجمة، لأن زينب ثقفية، وجاء في كثير من الطّرق عن عمرو بن الحارث بن أخي زينب اللهم إلا أن يكون ابن أخيها لأمها، أو من الرضاعة. وروى عنه مولاه دينار، وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وأبو إسحاق السَّبيعيّ وغيرهم. الثاني: امرأة من الأنصار المذكورة في الحديث بالإبهام، وهي امرأة أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري، واسمها زينب، كما قال الطيالسي والنَّسائي. قال في الفتح: ولم يذكر ابن سعد لأبي مسعود امرأة أنصارية سوى هَزيلة بنت ثابت بن ثَعلبة الخَزرجية، فلعل لها اسمين، أو وهم من سمّاها زينب انتقالًا من اسم امرأة عبد الله إلى اسمها. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والقول، ورواته كلهم كوفيون ما خلا عمرو بن الحارث ورواته صحابيّ عن صحابية، ورواته ثلاثة من التابعين، ورواية الابن عن الأب. أخرجه مسلم وابن ماجه والتِّرمذيّ في الزكاة، وأخرجه النَّسائيّ في عِشرة النساء. الحديث الحادي والسبعون حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِيَ أَجْرٌ أَنْ أُنْفِقَ عَلَى بَنِي أَبِي سَلَمَةَ إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ. فَقَالَ أَنْفِقِي عَلَيْهِمْ، فَلَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ. قوله: علي بني أبي سلمة، أي: ابن عبد الأسود، وكان زوج أم سلمة قبل النبي ﵊، فتزوجها النبي ﷺ بعده، ولها من أبي سلمة أربعة أولاد، يأتي الكلام عليهم في السند،

стр. 5877

وليس في حديث أم سلمة تصريح بأن الذي كان تنفقه عليهم من الزكاة، فكان القدر المشترك من الحديث حصول الانفاق على الأيتام، قلت: الظاهر بل المحقَّق، أن أُم سلمة لم يكن لها في زمنه ﵊ مالٌ مدَّخر تجب فيه الزكاة، فالذي كانت تنفقه عليهم، إنما هو صدقة التطوع. وقوله: فلك أجر ما أنفقت عليهم، رواه الأكثر بالإضافة، على أن تكون ما موصولة، وجوز أبو جعفر الغرناطيّ تنوين أجر على أن ما ظرفية. رجاله ستة: قد مرّوا: وفيه بني أبي سلمة بالإبهام، مرَّ عثمان بن أبي شيبة في الثاني عشر من العلم، ومرّ عبدة بن سليمان في الثالث عشر من الإيمان، ومرّ هشام بن عُروة وأبو عروة في الثاني من بدء الوحي، ومرت زينب بنت أم سلمة في السبعين من العلم، وأمها أم سلمة في السادس والخمسين منه. وبنو أبي سلمة المبهمون في الحديث أربعة: عمر ومحمد ودُرّة وزينب، أما زينب فقد ذكر محلها الآن، وها أنا أذكر تعريف الباقين. الأول: عمرو بن أبي سلمة بن عبد الأسَد بن هلال بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم المخزوميّ. ربيب النبي ﷺ ، أمه أم سلمة أم المؤمنين، ولد في الحبشة في السنة الثانية، وقيل قبل ذلك، وقيل قبل الهجرة إلى المدينة، ويدل عليه قول عبد الله بن الزبير: كان أكبر مني بسنتين. وكان يوم الخندق هو وابن الزبير في أُطُم حسان بن ثابت. من حديثه ما رواه عبد الله بن كعب عنه قال: سألت النبي ﷺ عن قُبلة الصائم، فقال سَل هذه لأم سلمة، فقلت: غفر الله لك، قال: إني أخشاكم لله وأتقاكم. أخرجه مسلم، وفي الصحيحين من رواية وهب بن كيسان عنه أن النبي ﷺ قال له: "أدْنِ يا بني، فسم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك". قال الزبير: ولي البحرين زمن عليّ، وكان قد شهد معه الجمل، ووهم من قال إنه قتل فيها. له اثنا عشر حديثًا اتفقا على حديثين، روى عن أبيه، وروى عنه ابنه محمد وسعيد بن المسيب وعروة وغيرهم. مات بالمدينة سنة ثلاث وثمانين في خلافة عبد الملك بن مروان. الثاني: أخوه محمد بن أبي سلمة. قال ابن حِبّان: له صحبة. وقال البَغَوي: ذكره بعض من ألف في الصحابة، وأنكر عليه. حكاه ابن شاهين عن البغويّ. الثالثة: أختهما دُرّة بنت أبي سلمة، وهي قالت فيها أم حبيبة: يا رسول الله، إنّا قد تحدثنا أنك ناكح درة بنت أبي سلمة، فقال: "إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلّت لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة" وردت تسميتها في بعض طرق الحديث عند البخاريّ. وذكرها الزبير بن بكّار في

стр. 5878

كتاب الأنساب، في أولاد أبي سَلَمة بن عبد الأسَد. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواته كوفيان ومدنيان. وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وصحابية عن صحابية، ورواية الابن عن الأب. وقد مضى ما فيه. ثم قال المصنف:

стр. 5879

باب قول الله تعالى ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال الزين بن المنير: اقتطع البخاري هذه الآية من التفسير، للاحتياج إليها في بيان مصارف الزكاة. واختلف في المراد بقوله تعالى ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ فقيل: المراد شراء الرقبة لتعتق، وهو رواية ابن القاسم عن مالك، واختيار أبي عبيد وأبي ثَوْر وقول إسحاق، ومال إليه البخاريّ. وقال أبو عبيد: أعلى ما جاء فيه قول ابن عباس، وهو أولى بالاتباع، وأعلم بالتأويل. وروى ابن وهب عن مالك أنها في المُكاتب، وهو قول الشافعيّ والليث وأبي حنيفة وأكثر أهل العلم، ورجحه الطبريّ، وفيه قول ثالث أن سهم الرقاب يُجعل نصفين: نصف لكل مُكاتِب يدَّعي الإسْلام، ونصف يشتري به رقاب من صلى وصام. أخرجه ابن أبي حاتم وأبو عبيد بإسناد صحيح، عن الزهريّ، أنه كتب ذلك لعمر بن عبد العزيز. واحتج للأول بأنها لو اختصت بالمكاتب لدخل في حكم الغارمين، لأنه غارم، وبأن شراء الرقيق ليعتق أولى من إعانة المكاتب، لأنه قد يعان ولا يعتق، ولأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، والزكاة لا تصرف للعبد، ولأن الشراء يتيسر في كل وقت بخلاف الكتابة، ولأن ولاءه يرجع إلى السيد، فيأخذ المال، والولاء بخلاف ذلك، فإن عتقه يتنجز ويصير ولاؤه للمسلمين، وهذا الأخير على طريق مالك في ذلك. وقال أحمد وإسحاق يرد ولاؤه في شراء الرقاب للمعتِق أيضًا. وقال عُبيد الله العنبريّ: يجعل في بيت المال. وأما سبيل الله فالأكثر على أنه يختص بالغازي غنيًا كان أو فقيرًا، إلا أن أبا حنيفة قال: يختص بالغازي المحتاج. وقال أحمد وإسحاق: الحج من سبيل الله. وقال ابن عمر: أمَا إنّ الحج من سبيل الله. أخرجه أبو عبيد بإسناد صحيح وقال ابن المنذر: إن ثبت حديث أبي لاس، يعني الآتي في هذا الباب، قلت، بذلك. وتُعُقب بأنه يحتمل أنهم كانوا فقراء وحملوا عليها خاصة، ولم يتملكوها. ثم قال: ويذكر عن ابن عباس "يعتق من زكاة ماله ويعطي في الحج"، وصله أبو عُبيد عن مجاهد عنه، أنه كان لا يرى بأسًا أن يعطي الرجل من زكاة ماله في الحج، وأن يعتق منه الرقبة. وقال الميمونيّ: قلت لأبي عبد الله: يشتري الرجل من زكاة ماله الرقاب فيعتق ويجعل في ابن السبيل؟ قال: نعم، ابن عباس يقول ذلك، ولا أعلم شيئًا يدفعه. وقال الخلال: قال أحمد كنت أرى أن يعتق من الزكاة، ثم كففت عن ذلك، لأني لم أره يصح، قال حرب: فاحتج عليه بحديث

стр. 5880

ابن عباس، فقال: هو مضطرب. وإنما وصفه بالاضطراب للاختلاف في إسناده على الأعمش، ولهذا لم يجزم به البخاريّ. وهذا التعليق أيضًا رواه أبو بكر بن أبي شيبة موصولًا في مصنفه عن أبي جعفر، وقد مرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي. ثم قال: وقال الحسن إن اشترى أباه من الزكاة جاز، ويعطي في المجاهدين، والذي لم يحج، ثم تلا ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية في أيها أعطيت جزت. هذا صحيح عنه، أخرج أوله ابن أبي شيبة، وهو مصير منه إلى القول بالمسألتين معًا: الاعتاق من الزكاة، والصرف منها في الحج، إلاَّ أن تنصيصه على شراء الأب لم يوافقه عليه الباقون، لأنه يعتق عليه، ولا يصير ولاؤه للمسلمين، فيستعيد المنفعة، ويوفر ما كان يخرجه من خالص ماله، لدفع عار استرقاق أبيه. وقوله: في أيها أعطيت جزت، كذا في الأصل بغير همز، أي قضت. وفيه مصير منه إلى أن اللام في قوله "للفقراء" لبيان المصرف لا للتمليك، فلو صرف الزكاة في صنف واحد كفى، وهذا التعليق روى بعضه أبو بكر بن أبي شيبة، عن حفص عن أشعث. والحسن قد مرّ في الرابع والعشرين من الإيمان. ثم قال: وقال النبي ﷺ : "إن خالدًا احتبس أدرعه في سبيل الله". سيأتي موصولًا في هذا الباب، ويأتي الكلام عليه هناك. وخالد مرّ في التاسع من الجنائز. ثم قال: ويذكر عن أبي لاس: حملنا النبي ﷺ على إبل الصدقة للحج، وهذا التعليق وصفه الطبراني، وأخرجه أحمد وابن خُزيمة والحاكم وغيرهم. ولفظ أحمد "على إبل من إبل الصدقة ضِعاف للحج، فقلنا: يا رسول الله، ما نرى أن تحمل هذه؟ فقال: إنما يحمل الله .. " الحديث. ورجاله ثقات إلا أن فيه عنعنة ابن إسحاق، ولهذا توقف ابن المنذر في ثبوته. وأبو لاس خزاعيّ، وقيل حارثيّ. واختلف في اسمه. قيل اسمه زياد، وقيل عبد الله بن غَنَمة، بفتح العين والنون، وقيل محمد بن الأسود. سكن المدينة. له حديثان هذا أحدهما. روى عنه عمر بن الحكم بن ثوبان. الحديث الثاني والسبعون حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالصَّدَقَةِ فَقِيلَ مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَعَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهْيَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ وَمِثْلُهَا مَعَهَا.

стр. 5881

قوله: عن الأعرج، في رواية النَّسائي "عن شُعيب مما حدثه عبد الرحمن الأعرج، مما ذكر أنه سمع أبا هُريرة يقول: قال عمر" فذكره، صرح بالتحديث في الإسناد، وزاد فيه عمر، والمحفوظ أنه من مسند أبي هُريرة، وإنما جرى لعمر فيه ذكر فقط. وقوله: أمر رسول الله ﷺ بصدقة، في رواية مسلم "بعث رسول الله ﷺ عمر ساعيًا على الصدقة"، وهو مشعر بأنها صدقة الفرض، لأن صدقة التطوع لا يبعث عليها السعاة. وقال ابن القصّار المالكي: الأليق أنها صدقة التطوع؛ لأنه لا يظن بهؤلاء الصحابة أنهم منعوا الفرض، وتعقب بأنهم ما منعوه جحدًا ولا عنادًا. أما ابن جميل، فقد قيل إنه كان منافقًا، ثم تاب بعد ذلك. وجزم القاضي حُسين أن فيه نزلت ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ الآية. والمشهور أنها نزلت في ثعلبة. وأما خالد، فكان متأولًا بإجزاء ما حبسه عن الزكاة. وكذا العباس، لاعتقاده ما سيأتي التصريح به. ولهذا عذر النبي ﷺ العباس، وخالدًا، ولم يعذر ابن جَميل. وقوله: فقيل منع ابن جميل، قائل ذلك عمر، كما سيأتي في حديث ابن عباس في الكلام على قصة العباس، ويأتي في السند الكلامُ على ابن جميل. وقوله: والعباس، زاد ابن أبي الزناد عن أبيه عند أبي عُبيد أن يعطلوا الصدقة، فخطب رسول الله ﷺ ، فَذَبَّ عن اثنين: العباسِ وخالدٍ، وقوله: ما يَنْقِم ابن جميل، بكسر القاف، أي ما ينكر أو يكره. وقوله: فأغناه الله ورسوله، إنما ذكر رسول الله ﷺ نفسه، لأنه كان سببًا في دخوله في الإِسلام، فأصبح غنيًا بعد فقره بما أفاء الله على رسوله، وأباح لأمته من الغنائم. قلت: ذكره عليه الصلاة وإلسلام نفسه في الحديث اقتداءًا بما في القرآن من قوله تعالى ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وهذا السياق من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم، لأنه إذا لم يكن له عذرٌ، إلا ما ذكر من أن الله أغناه، فلا عذر له. وفيه التعريض بكفران النعم، والتقريع بسوء الصنيع في مقابلة الإحسان. وقوله: احتبس، أي: حبس. وقوله: وأعتُده، بضم المثناة جمع عَتَد بفتحتين، وفي رواية مسلم أعتاده، وهو جمعه أيضًا. قيل: ما يعده الرجل من الدواب والسلاح، وقيل: الخيل خاصة، يقال فرسٍ عَتِيد، أي صُلب أو معدٌ للركوب أو سريع الوثوب، أقوال، وقيل: إن لبعض رواه البخاري "وأَعْبُده" بضم الموحدة جمع عَبْد، حكاه عياض، والأول هو المشهور. وقوله: فهي عليه صدقة ومثلها معها، كذا في رواية شُعيب، ولم يقل ورقاء ولا موسى بن عقبة: صدقة، فعلى الرواية الأولى يكون ﵊ ألزمه بتضعيف صدقته ليكون أرفع لقدره، وأنْبه لذكره، وأنفى للذم عنه، فالمعنى: هي صدقة ثابتة عليه، سيصدق بها ويضيف إليها مثلها كرمًا. ودلت رواية مسلم على أنه ﷺ التزم بإخراج ذلك عنه، لقوله "فهي عليّ" وفيه تنبيه على سبب ذلك، وهو قوله "إنّ العم صِنو الأب" تفضيلًا له وتكريمًا وتشريفًا، ويحتمل أن يكون تحمل

стр. 5882

عنه بها، فيستفاد منه أن الزكاة تتعلق بالذمة، كما هو أحد قولي الشافعي، وجمع بعضهم بين رواية عليّ ورواية عليه، بأن الأصل "عليّ" ورواية "عليه" مثلها إن فيها زيادة هاء السكت. حكاه ابن الجَوزيّ. وقيل: عني قوله على أي: هي عندي قرضٌ، لأنني استلفت منه صدقة عامين. وقد ورد ذلك صريحًا فيما أخرجه التِّرمذيّ وغيره، من حديث عليّ وفي إسناده مقال. وفي الدارقطني عن موسى بن طلحة أن النبي ﷺ قال: "إنا كنا احتجنا، فتعجلنا من العباس صدقة مالِه سنتين"، وهذا مرسل، ورواه الداقطنيّ أيضًا موصولًا بذكر طلحة فيه، وإسناد المرسل أصح، وفي الدارقطنيّ أيضًا عن ابن عباس أن النبي ﷺ ، بعث عمر ساعيًا فأتى العباس فأخبر النبي ﷺ فقال: إن العباس قد أسْلَفَنا زكاة ماله العامَ والعام المقبل، وفي إسناده ضعف، وأخرجه هو أيضًا والطبرانيّ عن أبي رافع نحو هذا، وإسناده ضعيف أيضًا. وعن ابن مسعود أن النبي ﷺ تعجل من العباس صدقته سنتين، وفي إسناده محمد بن ذكوان، وهو ضعيف، ولو ثبت لكانَ رافعًا للإشكال، ولرجح به سياق رواية مسلم على بقية الروايات. وفيه: رد لقول من قال إن قصة التعجيل إنما وردت في وقت غير الوقت الذي بعث فيه عمر لأخذ الصدقة، وليس ثبوت هذه القصة في تعجيل صدقة العباس ببعيد في النظر بمجموع هذه الطرق. وقيل: المعنى استلف منه قدر صدقة عامين، فأمر أن يقاصَّ به من ذلك، واستبعد ذلك بأنه لو كان وقع، لكان ﷺ أعلم عمر بأنه لا يطالب العباس، وليس ببعيد. ومعنى "عليه" على التأويل الأول: أي لازمة له، وليس معناها أنه يقبضها لأن الصدقة عليه حرام، لكونه من بني هاشم. ومنهم من حمل رواية الباب على ظاهرها فقال: كان ذلك قبل تحريم الصدقة على بني هاشم، ويؤيده رواية موسى بن عُقبة، فهي له بدل عليه، وقال البيهقي: اللام بمعنى على، لتتفق الروايات، وهذا أولى لأن المخرج واحد، وإليه مال ابن حِبّان. وقيل: معناها فهي له، أي القدر الذي كان يراد منه أن يخرجه، لأنني التزمت عنه بإخراجه. وقيل: إنه أخرها عنه ذلك العام إلى عام قابل، فيكون عليه صدقة عامين. قاله أبو عبيد. وقيل: إنه كان استدان حتى نادى عقيلًا وغيره، فصار من جملة الغارمين، فساغ له أخذ الزكاة بهذا الاعتبار، أبعد الأقوال كلها قولُ من قال: كان هذا في الوقت الذي كان فيه التأديب بالمال، فألزم العباس بامتناعه من أداء الزكاة، بأن يؤدي ضعف ما وجب عليه، لعظم قدره وجلالته، كما في قوله تعالى في نساء النبي ﷺ ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ الآية. وفي الحديث تعجيل الزكاة، وقد اختلف أهل العلم، فقال الشافعيّ وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق: إن عجلها قبل محلها أجزأت عنه، وعند مالك إن أخرجها قبل الحول بشهر أجزأت عنه مع الكراهة، وكره الليث بن سعد تعجيلها. وقال الحسن: من زكى قبل الوقت أعاد كالصلاة، واستدل بقصة خالد على جواز إخراج مال الزكاة في شراء السلاح، وغيره من آلات الحرب،

стр. 5883

والإعانة بها في سبيل الله، بناء على أنه ﵊ أجاز لخالد أن يحاسب نفسه بما حبسه فيما يجب عليه، كما سبق. وهي طريقة البخاري. وأجاب الجمهور بأجوبة أحدها أن المعنى أنه ﵊ لم يقبل أخبار من أخبره بمنع خالد، حملًا على أنه لم يصرح بالمنع، وإنما نقلوه عنه بناء على ما فهموه، ويكون قوله "تظلمونه" بنسبتكم له إلى المنع، وهو لم يمنع. وكيف يمنع الفرض وقد تطوع بتحبيس سلاحه وخيله؟ ثانيها: أنهم ظنوا أنها للتجارة، فطالبوه بزكاة قيمتها، فأعلمهم ﵊ بأنه لا زكاة عليه فيما حبس، وهذا يحتاج لنقل خاص، فيكون فيه حجة لمن اسقط الزكاة عن الأموال المحبسة، ولمن أوجبها في عُروض التجارة. ثالثها: أنه كان نوى بإخراجها من ملكه الزكاة عن ماله؛ لأن أحد الأصناف سبيل الله، وهم المجاهدون، وهذا يقوله من يجيز إخراج القيم في الزكاة، كالحنفية، ومن يجيز التعجيل كالشافعية. وقد تقدم استدلال البخاري به على إخراج العروض في الزكاة، وقد سبق ما فيه، واستدل بقصة خالد على مشروعية تحبيس الحيوان والسلاح والثياب، وكل ما ينتفع به، مع بقاء عينه. وهذا قول الجمهور. وقال أبو حنيفة: لا يجوز الوقف في شيء إلا أن يحكم به حاكم، أو يكون الوقف مسجدًا أو سقاية أو وصية من الثلث. وقيل: يجوز عنده، إلا أنه لا يلزم، بمنزلة العارية حتى يرجع فيه، أي: وقت شاء، ويورث عنه إذا مات على الأصح. وعند أبي يوسف ومحمد يجوز، ويزول ملك الواقف عنه، غير أنه عند أبي يوسف يزول بمجرد القول، وعند محمد حتى يجعل للوقف وليًا، ويسلمه له. وفيه صرف الزكاة إلى صنف واحد من الثمانية، وهو قول الجمهور خلافًا للشافعية في وجوب قسمها على الأصناف الثمانية، وتعقب ابن دقيق العبد جميع ذلك بأن القصة واقعة عين محتملة لما ذكر، وغيره، فلا ينهض الاستدلال بها على شيء مما ذكر، ويحتمل أن يكن تحبيس خالد إرصادًا وعدم تصرف، ولا يبعد أن يطلق على ذلك التحبيس، فلا يتعين الاستدلال بذلك لما ذكره. وفي الحديث بعث الإِمام العمال لجباية الزكاة، وتنبيه الغافل على ما أنعم الله به من نعمة الغنى بعد الفقر ليقوم بحق الله عليه، والعيب على من منع الواجب، وجواز ذكره في غيبته بذلك، وتحمل الإِمام عن بعض رعيته ما يجب عليه، والاعتذار عن بعض الرعية بما يسوغ الاعتذار به. رجاله خمسة: قد مرّوا، وفيه ذكر خالد والعباس وابن جميل. مرّ أبو اليمان وشعيب في السابع من بدء

стр. 5884

الوحي، ومرّ أبو أبو الزناد والأعرج في السابع من الإيمان، ومرّ أبو هريرة في الثاني منه، ومرَّ محل خالد قبل هذا بتعليق، ومرَّ العباس في الثالث والستين من الوضوء، وابن جميل اختلف في اسمه، قيل: اسمه حُميد، وقيل: عبد الله، وهذا هو الصحيح، وادعى القاضي حسين أنه كان منافقًا، وأنه نزل فيه ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ والمشهور أنها نزلت في ثعلبة، وحكى المهلب أنه كان منافقًا ثم تاب بعد ذلك. والقائل المجهول في الحديث هو عمر بن الخطاب، وقد مرَّ في الأول من بدء الوحي. ثم قال: تابعه ابن أبي الزناد عن أبيه، أي تابع شعيبًا، ثم قال: وقال ابن إسحاق عن أبي الزناد: هي عليه، ومثلها معها. وهاتان المتابعتان وصلهما الدارقطني. وابن أبي الزناد اسمه عبد الرحمن، وقد مرَّ في الثاني من الاستسقاء. وابن إسحاق هو محمد بن إسحاق، وقد مرَّ في تعليق بعد السابع عشر من الأذان، ومرَّ محل أبي الزناد في الذي قبله، ثم قال: وقال ابن جريج: حدثت عن الأعرج مثله، ورواية ابن جريج هذه وصلها عبد الرزاق في مصنفه، لكنه خالف الناس في ابن جميل، فجعل مكانه أبا يهم بن حُذيفة وابن جُريج، مرَّ في الثالث من الحيض. ثم قال المصنف:

стр. 5885

باب الاستعفاف عن المسألة أي: في شيء من غير المصالح الدينية. الحديث الثالث والسبعون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ: سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ. قوله: إن ناسًا، قال في الفتح: لم يتعين لي أسماؤهم، إلا أن النَّسائيّ روى ما يدل على أن أبا سعيد راوي الحديث خُوطب بشيء من ذلك. ولفظه "ففي حديثه سرحتني أمي إلى النبي ﷺ ، لأسأله عن حاجة شديدة، فأتيته وقعدت، فاستقبلني فقال: من استغنى أغناه الله .. " الحديث، وزاد فيه "ومن سأل وله أوقية فقد ألحف، فقلت: ناقتي خير من أوقية، فرجعت، ولم أسأله". وقوله: نفِد ما عنده، بكسر الفاء أي، فرغ. وقوله: فلن اؤخره عنكم، أي: أحبسه وأخبؤه، وأمنعكم إياه، منفردًا به عنكم، أو لن أجعله ذخيرة لغيركم. وقوله: "ومن يستعفف"، بفاءين وللحموي والمستملي "ومن يستعفَّ" بفاء واحدة مشددة، أي: ومن طلب العفة عن السؤال بعفّة الله، بالنصب، أي: يرزقه الله العفة، أي: الكف عن الحرام. ولأبي ذَرٍّ "يعفُّه الله" بالرفع. وقوله: ومن يتصبر يصبره الله، أي: ومن يعالج الصبر ويتكلفه على ضيق العيش وغيره من مكاره الدنيا. وقوله: يعفّه الله، قال في شرح المِشكاة: يريد أن من طلب من فسه العفة عن السؤال، ولم يظهر الاستغناء، يعفه الله، أي: يصيره عفيفًا. ومن ارتقى عن هذه المرتبة إلى ما هو أعلى بإظهار الغنى عن الخلق، لكنْ إن أُعطي شيئًا لم يرده، يملأ الله قلبه غنى، ومن فاز بالقِدْح المُعَلَّى وتصبر، وإن أُعطي لم يقبل، فهو هو، إذ الصبر جامع لمكارم الأخلاق. وفيه ما كان عليه ﷺ من السخاء وإنفاذ أمر الله. وفيه إعطاء السائل مرتين، والاعتذار إلى السائل، والحض على التعفف، وفيه جواز السؤال للحاجة، وإن كان الأولى تركه، والصبر حتى
следующие страницы →