Полный текст (6 753 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.
стр. 5881
قوله: عن الأعرج، في رواية النَّسائي "عن شُعيب مما حدثه عبد الرحمن الأعرج، مما ذكر أنه سمع أبا هُريرة يقول: قال عمر" فذكره، صرح بالتحديث في الإسناد، وزاد فيه عمر، والمحفوظ أنه من مسند أبي هُريرة، وإنما جرى لعمر فيه ذكر فقط. وقوله: أمر رسول الله ﷺ بصدقة، في رواية مسلم "بعث رسول الله ﷺ عمر ساعيًا على الصدقة"، وهو مشعر بأنها صدقة الفرض، لأن صدقة التطوع لا يبعث عليها السعاة.
وقال ابن القصّار المالكي: الأليق أنها صدقة التطوع؛ لأنه لا يظن بهؤلاء الصحابة أنهم منعوا الفرض، وتعقب بأنهم ما منعوه جحدًا ولا عنادًا. أما ابن جميل، فقد قيل إنه كان منافقًا، ثم تاب بعد ذلك. وجزم القاضي حُسين أن فيه نزلت ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ الآية. والمشهور أنها نزلت في ثعلبة. وأما خالد، فكان متأولًا بإجزاء ما حبسه عن الزكاة. وكذا العباس، لاعتقاده ما سيأتي التصريح به. ولهذا عذر النبي ﷺ العباس، وخالدًا، ولم يعذر ابن جَميل.
وقوله: فقيل منع ابن جميل، قائل ذلك عمر، كما سيأتي في حديث ابن عباس في الكلام على قصة العباس، ويأتي في السند الكلامُ على ابن جميل. وقوله: والعباس، زاد ابن أبي الزناد عن أبيه عند أبي عُبيد أن يعطلوا الصدقة، فخطب رسول الله ﷺ ، فَذَبَّ عن اثنين: العباسِ وخالدٍ، وقوله: ما يَنْقِم ابن جميل، بكسر القاف، أي ما ينكر أو يكره.
وقوله: فأغناه الله ورسوله، إنما ذكر رسول الله ﷺ نفسه، لأنه كان سببًا في دخوله في الإِسلام، فأصبح غنيًا بعد فقره بما أفاء الله على رسوله، وأباح لأمته من الغنائم. قلت: ذكره عليه الصلاة وإلسلام نفسه في الحديث اقتداءًا بما في القرآن من قوله تعالى ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وهذا السياق من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم، لأنه إذا لم يكن له عذرٌ، إلا ما ذكر من أن الله أغناه، فلا عذر له.
وفيه التعريض بكفران النعم، والتقريع بسوء الصنيع في مقابلة الإحسان. وقوله: احتبس، أي: حبس. وقوله: وأعتُده، بضم المثناة جمع عَتَد بفتحتين، وفي رواية مسلم أعتاده، وهو جمعه أيضًا. قيل: ما يعده الرجل من الدواب والسلاح، وقيل: الخيل خاصة، يقال فرسٍ عَتِيد، أي صُلب أو معدٌ للركوب أو سريع الوثوب، أقوال، وقيل: إن لبعض رواه البخاري "وأَعْبُده" بضم الموحدة جمع عَبْد، حكاه عياض، والأول هو المشهور.
وقوله: فهي عليه صدقة ومثلها معها، كذا في رواية شُعيب، ولم يقل ورقاء ولا موسى بن عقبة: صدقة، فعلى الرواية الأولى يكون ﵊ ألزمه بتضعيف صدقته ليكون أرفع لقدره، وأنْبه لذكره، وأنفى للذم عنه، فالمعنى: هي صدقة ثابتة عليه، سيصدق بها ويضيف إليها مثلها كرمًا. ودلت رواية مسلم على أنه ﷺ التزم بإخراج ذلك عنه، لقوله "فهي عليّ" وفيه تنبيه على سبب ذلك، وهو قوله "إنّ العم صِنو الأب" تفضيلًا له وتكريمًا وتشريفًا، ويحتمل أن يكون تحمل
стр. 5882
عنه بها، فيستفاد منه أن الزكاة تتعلق بالذمة، كما هو أحد قولي الشافعي، وجمع بعضهم بين رواية عليّ ورواية عليه، بأن الأصل "عليّ" ورواية "عليه" مثلها إن فيها زيادة هاء السكت. حكاه ابن الجَوزيّ. وقيل: عني قوله على أي: هي عندي قرضٌ، لأنني استلفت منه صدقة عامين.
وقد ورد ذلك صريحًا فيما أخرجه التِّرمذيّ وغيره، من حديث عليّ وفي إسناده مقال. وفي الدارقطني عن موسى بن طلحة أن النبي ﷺ قال: "إنا كنا احتجنا، فتعجلنا من العباس صدقة مالِه سنتين"، وهذا مرسل، ورواه الداقطنيّ أيضًا موصولًا بذكر طلحة فيه، وإسناد المرسل أصح، وفي الدارقطنيّ أيضًا عن ابن عباس أن النبي ﷺ ، بعث عمر ساعيًا فأتى العباس فأخبر النبي ﷺ فقال: إن العباس قد أسْلَفَنا زكاة ماله العامَ والعام المقبل، وفي إسناده ضعف، وأخرجه هو أيضًا والطبرانيّ عن أبي رافع نحو هذا، وإسناده ضعيف أيضًا. وعن ابن مسعود أن النبي ﷺ تعجل من العباس صدقته سنتين، وفي إسناده محمد بن ذكوان، وهو ضعيف، ولو ثبت لكانَ رافعًا للإشكال، ولرجح به سياق رواية مسلم على بقية الروايات.
وفيه: رد لقول من قال إن قصة التعجيل إنما وردت في وقت غير الوقت الذي بعث فيه عمر لأخذ الصدقة، وليس ثبوت هذه القصة في تعجيل صدقة العباس ببعيد في النظر بمجموع هذه الطرق. وقيل: المعنى استلف منه قدر صدقة عامين، فأمر أن يقاصَّ به من ذلك، واستبعد ذلك بأنه لو كان وقع، لكان ﷺ أعلم عمر بأنه لا يطالب العباس، وليس ببعيد.
ومعنى "عليه" على التأويل الأول: أي لازمة له، وليس معناها أنه يقبضها لأن الصدقة عليه حرام، لكونه من بني هاشم. ومنهم من حمل رواية الباب على ظاهرها فقال: كان ذلك قبل تحريم الصدقة على بني هاشم، ويؤيده رواية موسى بن عُقبة، فهي له بدل عليه، وقال البيهقي: اللام بمعنى على، لتتفق الروايات، وهذا أولى لأن المخرج واحد، وإليه مال ابن حِبّان. وقيل: معناها فهي له، أي القدر الذي كان يراد منه أن يخرجه، لأنني التزمت عنه بإخراجه. وقيل: إنه أخرها عنه ذلك العام إلى عام قابل، فيكون عليه صدقة عامين. قاله أبو عبيد.
وقيل: إنه كان استدان حتى نادى عقيلًا وغيره، فصار من جملة الغارمين، فساغ له أخذ الزكاة بهذا الاعتبار، أبعد الأقوال كلها قولُ من قال: كان هذا في الوقت الذي كان فيه التأديب بالمال، فألزم العباس بامتناعه من أداء الزكاة، بأن يؤدي ضعف ما وجب عليه، لعظم قدره وجلالته، كما في قوله تعالى في نساء النبي ﷺ ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ الآية.
وفي الحديث تعجيل الزكاة، وقد اختلف أهل العلم، فقال الشافعيّ وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق: إن عجلها قبل محلها أجزأت عنه، وعند مالك إن أخرجها قبل الحول بشهر أجزأت عنه مع الكراهة، وكره الليث بن سعد تعجيلها. وقال الحسن: من زكى قبل الوقت أعاد كالصلاة، واستدل بقصة خالد على جواز إخراج مال الزكاة في شراء السلاح، وغيره من آلات الحرب،
стр. 5883
والإعانة بها في سبيل الله، بناء على أنه ﵊ أجاز لخالد أن يحاسب نفسه بما حبسه فيما يجب عليه، كما سبق. وهي طريقة البخاري.
وأجاب الجمهور بأجوبة أحدها أن المعنى أنه ﵊ لم يقبل أخبار من أخبره بمنع خالد، حملًا على أنه لم يصرح بالمنع، وإنما نقلوه عنه بناء على ما فهموه، ويكون قوله "تظلمونه" بنسبتكم له إلى المنع، وهو لم يمنع. وكيف يمنع الفرض وقد تطوع بتحبيس سلاحه وخيله؟
ثانيها: أنهم ظنوا أنها للتجارة، فطالبوه بزكاة قيمتها، فأعلمهم ﵊ بأنه لا زكاة عليه فيما حبس، وهذا يحتاج لنقل خاص، فيكون فيه حجة لمن اسقط الزكاة عن الأموال المحبسة، ولمن أوجبها في عُروض التجارة.
ثالثها: أنه كان نوى بإخراجها من ملكه الزكاة عن ماله؛ لأن أحد الأصناف سبيل الله، وهم المجاهدون، وهذا يقوله من يجيز إخراج القيم في الزكاة، كالحنفية، ومن يجيز التعجيل كالشافعية.
وقد تقدم استدلال البخاري به على إخراج العروض في الزكاة، وقد سبق ما فيه، واستدل بقصة خالد على مشروعية تحبيس الحيوان والسلاح والثياب، وكل ما ينتفع به، مع بقاء عينه. وهذا قول الجمهور. وقال أبو حنيفة: لا يجوز الوقف في شيء إلا أن يحكم به حاكم، أو يكون الوقف مسجدًا أو سقاية أو وصية من الثلث. وقيل: يجوز عنده، إلا أنه لا يلزم، بمنزلة العارية حتى يرجع فيه، أي: وقت شاء، ويورث عنه إذا مات على الأصح. وعند أبي يوسف ومحمد يجوز، ويزول ملك الواقف عنه، غير أنه عند أبي يوسف يزول بمجرد القول، وعند محمد حتى يجعل للوقف وليًا، ويسلمه له.
وفيه صرف الزكاة إلى صنف واحد من الثمانية، وهو قول الجمهور خلافًا للشافعية في وجوب قسمها على الأصناف الثمانية، وتعقب ابن دقيق العبد جميع ذلك بأن القصة واقعة عين محتملة لما ذكر، وغيره، فلا ينهض الاستدلال بها على شيء مما ذكر، ويحتمل أن يكن تحبيس خالد إرصادًا وعدم تصرف، ولا يبعد أن يطلق على ذلك التحبيس، فلا يتعين الاستدلال بذلك لما ذكره.
وفي الحديث بعث الإِمام العمال لجباية الزكاة، وتنبيه الغافل على ما أنعم الله به من نعمة الغنى بعد الفقر ليقوم بحق الله عليه، والعيب على من منع الواجب، وجواز ذكره في غيبته بذلك، وتحمل الإِمام عن بعض رعيته ما يجب عليه، والاعتذار عن بعض الرعية بما يسوغ الاعتذار به.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، وفيه ذكر خالد والعباس وابن جميل. مرّ أبو اليمان وشعيب في السابع من بدء
стр. 5884
الوحي، ومرّ أبو أبو الزناد والأعرج في السابع من الإيمان، ومرّ أبو هريرة في الثاني منه، ومرَّ محل خالد قبل هذا بتعليق، ومرَّ العباس في الثالث والستين من الوضوء، وابن جميل اختلف في اسمه، قيل: اسمه حُميد، وقيل: عبد الله، وهذا هو الصحيح، وادعى القاضي حسين أنه كان منافقًا، وأنه نزل فيه ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ والمشهور أنها نزلت في ثعلبة، وحكى المهلب أنه كان منافقًا ثم تاب بعد ذلك.
والقائل المجهول في الحديث هو عمر بن الخطاب، وقد مرَّ في الأول من بدء الوحي.
ثم قال: تابعه ابن أبي الزناد عن أبيه، أي تابع شعيبًا، ثم قال: وقال ابن إسحاق عن أبي الزناد: هي عليه، ومثلها معها. وهاتان المتابعتان وصلهما الدارقطني. وابن أبي الزناد اسمه عبد الرحمن، وقد مرَّ في الثاني من الاستسقاء.
وابن إسحاق هو محمد بن إسحاق، وقد مرَّ في تعليق بعد السابع عشر من الأذان، ومرَّ محل أبي الزناد في الذي قبله، ثم قال: وقال ابن جريج: حدثت عن الأعرج مثله، ورواية ابن جريج هذه وصلها عبد الرزاق في مصنفه، لكنه خالف الناس في ابن جميل، فجعل مكانه أبا يهم بن حُذيفة وابن جُريج، مرَّ في الثالث من الحيض. ثم قال المصنف:
стр. 5885
باب الاستعفاف عن المسألة
أي: في شيء من غير المصالح الدينية.
الحديث الثالث والسبعون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ: سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ.
قوله: إن ناسًا، قال في الفتح: لم يتعين لي أسماؤهم، إلا أن النَّسائيّ روى ما يدل على أن أبا سعيد راوي الحديث خُوطب بشيء من ذلك. ولفظه "ففي حديثه سرحتني أمي إلى النبي ﷺ ، لأسأله عن حاجة شديدة، فأتيته وقعدت، فاستقبلني فقال: من استغنى أغناه الله .. " الحديث، وزاد فيه "ومن سأل وله أوقية فقد ألحف، فقلت: ناقتي خير من أوقية، فرجعت، ولم أسأله". وقوله: نفِد ما عنده، بكسر الفاء أي، فرغ. وقوله: فلن اؤخره عنكم، أي: أحبسه وأخبؤه، وأمنعكم إياه، منفردًا به عنكم، أو لن أجعله ذخيرة لغيركم.
وقوله: "ومن يستعفف"، بفاءين وللحموي والمستملي "ومن يستعفَّ" بفاء واحدة مشددة، أي: ومن طلب العفة عن السؤال بعفّة الله، بالنصب، أي: يرزقه الله العفة، أي: الكف عن الحرام. ولأبي ذَرٍّ "يعفُّه الله" بالرفع. وقوله: ومن يتصبر يصبره الله، أي: ومن يعالج الصبر ويتكلفه على ضيق العيش وغيره من مكاره الدنيا. وقوله: يعفّه الله، قال في شرح المِشكاة: يريد أن من طلب من فسه العفة عن السؤال، ولم يظهر الاستغناء، يعفه الله، أي: يصيره عفيفًا. ومن ارتقى عن هذه المرتبة إلى ما هو أعلى بإظهار الغنى عن الخلق، لكنْ إن أُعطي شيئًا لم يرده، يملأ الله قلبه غنى، ومن فاز بالقِدْح المُعَلَّى وتصبر، وإن أُعطي لم يقبل، فهو هو، إذ الصبر جامع لمكارم الأخلاق.
وفيه ما كان عليه ﷺ من السخاء وإنفاذ أمر الله. وفيه إعطاء السائل مرتين، والاعتذار إلى السائل، والحض على التعفف، وفيه جواز السؤال للحاجة، وإن كان الأولى تركه، والصبر حتى
стр. 5886
يأتيه رزقه بغير مسألة.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرَّ عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، وابن شهاب في الثالث منه، وعطاء بن يزيد في العاشر من الوضوء. وفيه لفظ ناس؛ قال في الفتح: لم أعرف أسماءهم، إلا أن حديث النَّسائيّ يدل على أن أبا سعيد صاحب الحديث كان منهم. أخرجه البخاريّ أيضًا في الرقاق، ومسلم وأبو داود في الزكاة، والنَّسائي فيه وفي الرِّقاق.
الحديث الرابع والسبعون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلاً، فَيَسْأَلَهُ، أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ.
قوله: "لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره" خبر له، وفي رواية الزبير بعد هذا "فيبيعها فيكفَّ الله بها وجهه" وهذا مراد في حديث أبي هريرة، وحذف لدلالة السياق عليه. قوله: خير له، ليست بمعنى أفعل التفضل، إذ لا خير في السؤال مع القدر على الاكتساب، والأصح عند الشافعية أن سؤال من هذا حاله حرامٌ ويحتمل أن يكون المراد بالخير فيه، بحسب اعتقاد السائل، وتسميته الذي يعطاه خيرًا، وهو في الحقيقة شر.
وقوله: "من أن يأتي رجلًا"، وفي حديث الزبير الذي بعده "من أن يسأل الناس" والمعنى واحد. وقوله: والذي نفسي بيده، فيه القسم على الشيء المقطوع بصدقه، لتأكيده في نفس السامع. وفيه الحض على التعفف عن المسألة، والتنزه عنها، ولو امتهن المرء نفسه في طلب الرزق، وارتكب المشقة في ذلك، ولولا قبح المسألة في نظر الشارع لم يفضل ذلك عليها، وذلك لما يدخل على السائل من ذل السؤال، ومن ذل الرد إذا لم يعط، ولما يدخل على المسؤول من الضيق في ماله إن أعطى كل سائل.
وقوله: "أعطاه أو منعه"؛ لأن حال المسؤول إما العطاء، وفيه المنّة وذل السؤال، وإما المنع، ففيه الذل والخيبة والحرمان. وكان السلف إذا سقط من أحدهم سوطُه لا يسأل من يناوله إياه. وفيه التحريض على الأكل من عمل يده، والاكتساب من المباحات، واعلم أن مدار الأحاديث في هذا الباب على كراهية السؤال، وهو على ثلاثة أوجه: حرام، ومكروه، ومباح. فالحرام لمن سأل وهو غنيّ من الزكاة، أو أظهر من الفقر فوق ما هو به. والمكروه لمن سأل وعنده ما يمنعه عن ذلك، ولم يظهر من الفقر ما هو به، والمباح لمن سأل بالمعروف قريبًا أو صديقًا. وأما السؤال عند الضرورة فواجبٌ لإحياء النفس، وأدخله الداوديّ في المباح. وأما الأخذ من غير مسألة ولا إشراف نفس فلا
стр. 5887
بأس به، كما يأتي قريبًا، والأحاديث الواردة في ذم السؤال كثيرة جداً ذكر العينيّ هنا جملة وافرة منها.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ عبد الله بن يوسف، ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ أبو الزناد والأعرج في السابع من الإيمان، وأبو هريرة في الثاني منه.
الحديث الخامس والسبعون
حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ.
الكلام على هذا الحديث مرَّ في الذي قبله.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ موسى بن إسماعيل في الخامس من بدء الوحي، وهشام وأبوه عروة في الثاني منه، ووهيب في تعليق بعد الخامس عشر من الإيمان، ومرَّ الزبير بن العوام في الثامن والأربعين من العلم. أخرجه البخاري في البيوع والشرب، وابن ماجه في الزكاة.
الحديث السادس والسبعون
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي ثُمَّ قَالَ يَا حَكِيمُ إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ، الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى. قَالَ حَكِيمٌ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لاَ أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يَدْعُو حَكِيمًا إِلَى الْعَطَاءِ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ ﵁ دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا. فَقَالَ عُمَرُ إِنِّي أُشْهِدُكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى حَكِيمٍ، أَنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ هَذَا الْفَيْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ. فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تُوُفِّيَ.
стр. 5888
قوله: "إن هذا المال خَضرة"، أنث الخبر لأن المراد بالمال الدنيا. وقوله: خضرة حُلوة، شبهه بالرغبة فيه والميل إليه، وحرص النفوس عليه بالفاكهة الخضراء المستلَذَّة، فإن الأخضر مرغوبٌ فيه على انفراده بالنسبة إلى اليابس. والحلو مرغوب فيه على انفراده بالنسبة للحامض، فالإعجاب بهما إذا اجتمعا أشد. وفيه إشارة إلى عدم بقائه لأن الخضراوات لا تبقى ولا تراد للبقاء. وقوله: فمن أخذه بسخاوة نفس، أي: بغير شَرَه ولا إلحاح، أي: من أخذه بغير سؤال، وهذا بالنسبة إلى الأخذ، ويحتمل أن يكون بالنسبة إلى المعطي أي: بسخاوة نفس المعطي، أي: انشراحه بما يعطيه.
وقوله: كالذي يأكل ولا يشبع، أي: الذي يسمى جوعه الكذاب، لأنه من علة به وسقم، فكلما أكل ازداد سقمًا، ولم يحدث شبعًا، وقد يسمى بالشهوة الكلبية، والظاهر أنه من غلبة السوداء وشدتها، كلما نزل الطعام في معدته احترق، وإلا فلا يتصور أن يسع في المعدة أكثر ما يسع فيه، وقد ذكر أهل الأخبار أن رجلًا من أهل البادية أكل جملًا، وأكلت امرأته فصيلًا، ثم أراد أن يجامعها، فقالت: بيني وبينك جمل وفصيل، كيف يكون ذلك؟
وقوله: اليد العليا خير من اليد السفلى، قد مرّ الكلام عليه مستقصى عند ذكر هذا الحديث في باب "لا صدقة إلا عن ظهر غِنى". وقوله: لا أرْزَأ، بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الزاي ثم همزة، أي لا أنقص ماله بالطلب منه. وفي رواية لإسحاق "قلت: فوالله لا تكون يدي بعدك تحت يد من أيدي العرب"، وإنما امتنع حكيم من أخذ العطاء مع أنه حقه؛ لأنه خشي أن يقبل من أحد شيئًا، فيعتاد الأخذ، فتتجاوز به نفسه، إلى ما لا يريده، فقطعها عن ذلك، وترك ما يريبه إلى ما لا يريبه، وإنما أشهد عليه عمر لأنه أراد أن لا ينسبه أحد لا يعرف باطن الأمر إلى منع حكيم من حقه.
وقوله: حتى توفي، زاد إسحاق بن راهويه في مسنده مرسلًا: أنه ما أخذ من أبي بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا معاوية، ديوانًا ولا غيره حتى مات لعشر سنين من أمارة معاوية. وفي مسنده عن الزهري "فمات حين مات، وإنه لمن أكثر قريش مالًا" وفيه أيضًا سبب ذلك، وهو أن النبي ﷺ أعطى حكيم بن حزام دون ما أعطى أصحابه، فقال: يا رسول الله، ما كنت أظن أن تقصر بي دون أحد من الناس، فزاده ثم استزاده حتى رضي. فذكر نحو الحديث.
قال ابن أبي جمرة في حديث حكيم فوائد منها أنه قد يقع الزهد مع الأخذ، فإن سخاوة النفس هو زهدها. تقول: سخت بكذا، أي: جادت، وسخت عن كذا أي: لم تلتفت إليه. ومنها أن الأخذ مع سخاوة النفس يحصل أجر الزهد والبركة في الرزق، فتبين أن الزهد يحصل خيري الدنيا والآخرة. وفيه ضرب المثل لما لا يعقله السامع من الأسئلة، لأن الغالب من الناس لا يعرف البركة إلا في الشيء الكثير، فبين بالمثال المذكور أن البركة هي خلق من خلق الله تعالى، وضرب لهم المثل بما يعهدون، فالآكل إنما يأكل ليشبع، فإذا أكل ولم يشبع كان عناء في حقه بغير فائدة،
стр. 5889
وكذلك المال، ليست الفائدة في عينه، إنما هي لما يتحصل به من المنافع، فإذا كثر عند المرء بغير تحصيل منفعة، كان وجوده كالعدم.
وفيه أنه ينبغي للإمام أن لا يبين للطالب ما في مسألته من المفسدة، إلا بعد قضاء حاجته لتقع موعظته له الموقع، لئلا يتخيل أن ذلك سبب لمنعه من حاجته. وفيه جواز تكرار السؤال ثلاثًا، وجواز المنع في الرأبعة، وفيه أن سؤال الأعلى ليس بعار، وأن رد السائل بعد ثلاث ليس بمكروه، وأن الإجمال الذي الطلب مقرون بالبركة.
رجاله سبعة:
وفيه ذكر أبي بكر وعمر ﵄، وقد مرّ الجميع، مرّ عبدان وعبد الله بن المبارك في السادس من بدء الوحي، ومرّ يونس بن يزيد في متابعة بعد الرابع منه، ومرَّ الزهري في الثالث منه، ومرَّ عروة في الثاني منه، ومرَّ عمر في الأول من بدء الوحي أيضًا، ومرّ حكيم بن حزام في الحادي والثلاثين من هذا الكتاب، ومرّ أبو بكر بعد الحادي والسبعين من الوضوء.
لطائف إسناده:
فيه التحديث والإخبار بالجمع والعنعنة، وفيه ثلاثة من التابعين. أخرجه البخاريّ أيضًا في الوصايا وفي الخمس وفي الرِّقاق، ومسلم والنَّسائيّ في الزكاة، والتِّرمذي في الزهد. ثم قال المصنف:
стр. 5890
باب من أعطاه الله شيئًا من غير مسألة ولا اشراف نفس ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾
في رواية المستملي تقديم الآية، وسقطت للأكثر، ومطابقتها لحديث الباب من جهة دلالتها على مدح من يعطي السائل وغير السائل، وإذا كان المعطي ممدوحًا فعطيته مقبولة، وآخذها غير ملوم. واختلف أهل العلم بالتفسير في المراد بالمحروم، فروى الطبريّ عن ابن شهاب أنه المتعفف الذي لا يسأل، وأخرجه ابن أبي حاتم عن ابن شهاب أيضًا، وأخرج الطبريّ عن قتادة مثله، وأخرج فيه أقوالًا أخر.
وعلى التفسير المذكور تنطبق الترجمة والإشراف بالمعجمة: التعرض للشيء والحرص عليه، من قولهم: أشرف على كذا، إذا تطاول له، وقيل للمكان المرتفع شَرَف لذلك. وتقدير جواب الشرط: فليقبل، أي: من أعطاه الله مع انتفاء القيدين المذكورين، فليقبل، وإنما حذفه للعلم به، وأوردها بلفظ العموم، فإن كان الخبر ورد في الإعطاء من بيت المال؛ لأن الصدقة للفقير في معنى العطاء للغني إذا انتفى الشرطان. قال أبو داود: سألت أحمد عن إشراف النفس، فقال: بالقلب، وقال يعقوب بن محمد: سألت أحمد عنه فقال: هو أن يقول مع نفسه: يبعث إلى فلان بكذا. وقال الأثرم: يضيق عليه أن يرده إذا كان كذلك.
الحديث السابع والسبعون
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْطِينِي الْعَطَاءَ فَأَقُولُ أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي فَقَالَ خُذْهُ، إِذَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ شَيْءٌ، وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلاَ سَائِلٍ، فَخُذْهُ، وَمَا لاَ فَلاَ تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ.
قوله: أعطه من هو أفقر إليه مني، زاد في رواية شُعيب عن الزُّهريّ الآتية في الأحكام "حتى أعطاني مرة مالًا فقلت: أعطه من هو أفقر إليه مني، فقال: خذه فتموله وتصدق به". وذكر شعيب فيه عن الزُّهريّ إسنادًا آخر قال: أخبرني السائب بن يزيد أن حُوَيطب بن عبد العزى أخبره أن عبد الله بن السعديّ أخبره أنه قدم على عمر في خلافته، فذكر قصة فيه هذا الحديث، والسائب فمن فوقه صحابة، ففيه أربعة من الصحابة في نسق، وقد أخرجه مسلم عن الزُّهريّ بالإِسنادين،
стр. 5891
لكن قال فيه: عن سالم عن أبيه أن رسول الله ﷺ "كان يعطي عمر" فذكره. جعله من مسند ابن عمر، وأخرجه مسلم أيضًا عن ابن السعديّ عن عمر.
وزاد فيه ابن السعديّ أن عطية النبي ﷺ لعمر بسبب العيالة، ولهذا قال الطحاويّ: ليس معنى هذا الحديث في الصدقات، وإنما هو في الأموال التي يقسمها الإمام، وليست هي من جهة الفقر، ولكن من الحقوق، فلما قال عمر: أعطه من هو أفقر إليه مني، لم يرض بذلك لأنه إنما أعطاه لمعنى غير الفقر. قال: ويؤيده قوله في رواية شعيب "خذه فتموله"، فدل ذلك على أنه ليس من الصدقات.
وقال الطبريّ: اختلفوا في قوله "فخذه" بعد إجماعهم على أنه أمر ندب، فقيل: هو ندب لكل من أعطي عطية أبى قبولها كائنًا من كان، وهذا هو الراجح، يعني بالشرطين المتقدمين. وقيل: هو مخصوص بالسلطان، ويؤيده حديث سمرة في السنن، إلا أن يسأل ذا سلطان، وكان بعضهم يقول: يحرم قبول الهدية من السلطان، وبعضهم يقول، يكره، وهو محمول على ما إذا كانت العطية من السلطان الجائر، والكراهة محمولة على الورع، وهو المشهور من تصرف السلف. والتحقيق في المسألة أن من علم كون ماله حلالًا، فلا ترد عطيته، ومن علم كون ماله حرامًا فتحرم عطيته، ومن شك فيه فالاحتياط رده، وهو الورع. ومن أباحه أخذ بالأصل.
قال ابن المنذر: واحتج من رخص فيه بأن الله تعالى قال في اليهود ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ وقد رهن الشارع درعه عند يهوديّ مع علمه بذلك، وكذلك أخذ الجزية منهم مع العلم بأن أكثر أموالهم من ثمن الخمر والخنزير والمعاملات الفاسدة. وفي حديث الباب أن للإمام أن يعطي بعض رعيته إذا رأى لذلك وجهًا، وإن وجهًا غيره أحوج إليه منه، وإنَّ رد عطية الإِمام ليس من الأدب، ولاسيما من الرسول ﷺ ، لقوله تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية.
رجاله سبعة:
قد مرّوا، مرّ يحيى بن بكير والليث والزُّهريّ في الثالث من بدء الوحي، ويونس في متابعة بعد الرابع منه، وعمر في الأول منه، وسالم بن عبد الله في السابع عشر من الإيمان، وابن عمر في أوله قبل ذكره حديث منه. أخرجه البخاريّ أيضًا في الأحكام، ومسلم والنَّسائي في الزكاة. ثم قال المصنف:
стр. 5892
باب من سأل الناس تكثرًا
أي: فهو مذموم، قال ابن رشيد: حديث المغيرة في النهي عن كثرة السؤال، الذي أورده في الباب الذي يليه، أصرح في مقصود الترجمة من حديث الباب. وإنما آثره عليه لأن من عادته أن يترجم بالأخفى، أو لاحتمال حديث المغيرة ما يأتي، قال: وأشار مع ذلك إلى حديث ليس على شرطه، وهو ما أخرجه التِّرمذيّ عن حَبَشيّ بن جُنادة في أثناء حديث مرفوع، وفيه "ومن سأل الناس ليثري ماله كان خموشًا في وجهه يوم القيامة، فمن شاء فَلْيُقِلّ، ومن شاء فليكثر" وفي صحيح مسلم عن أبي هُريرة ما هو مطابق للفظ الترجمة، فاحتمال كونه أشار إليه أوْلى، ولفظه "من سأل الناس تكثرًا، فإنما يسأل جمرًا" والمعنى أنه يسأل ليجمع الكثير من غير احتياج إليه.
الحديث الثامن والسبعون
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ سَمِعْتُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ. وَقَالَ إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَبْلُغَ الْعَرَقُ نِصْفَ الأُذُنِ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ، ثُمَّ بِمُوسَى، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ ﷺ . وَزَادَ عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ: فَيَشْفَعُ لِيُقْضَى بَيْنَ الْخَلْقِ، فَيَمْشِي حَتَّى يَأْخُذَ بِحَلْقَةِ الْبَابِ، فَيَوْمَئِذٍ يَبْعَثُهُ اللَّهُ مَقَامًا مَحْمُودًا، يَحْمَدُهُ أَهْلُ الْجَمْعِ كُلُّهُمْ.
وقوله: عن عبيد الله بن أبي جعفر، في رواية أبي صالح الآتية "حدثنا عبيد الله". مُزْعَة لحم، بضم الميم، وحكي كسرها وسكون الزاي بعدها مهملة، أي قطعة. وقال ابن التين: ضبطه بعضهم بفتح الميم والزاي، والذي هو المحفوظ الضم، قال الخطابيّ: يحتمل أن يكون المراد أنه يأتي ساقطًا لا قدر له. ولا جاء، أو يعذب في وجهه حتى يسقط لحمه، لمشاكلة العقوبة في مواضع الجناية من الأعضاء، لكونه أذل وجهه بالسؤال أو أنه يبعث ووجهه عَظْم كله، فيكون ذلك شعاره الذي يعرف به.
والأول صرف للحديث عن ظاهره وقد يؤيده ما أخرجه الطبرانيّ البزار، عن مسعود بن عمرو، مرفوعًا "لا يزال العبد يسأل وهو غنيّ حتى يُخْلِقَ وجهَه، فلا يكون له عند الله وجه". وقال ابن أبي
стр. 5893
جَمرة: معناه أنه ليس في وجهه شيء من الحُسْن، لأن حُسْن الوجه هو بما فيه من اللحم، ومال الملهب إلى حمله على ظاهره، وإلى أن السر فيه أن الشمس تدنو يوم القيامة، فإذا جاء لا لحم بوجهه كانت أَذِيَّةُ الشمس له أكثر من غيره. قال: والمراد به: مَنْ سأل تَكَثُّرًا وهو غني لا تحل له الصدقة، وأما من سأل وهو مضطر، فذلك مباح فلا يعاقب عليه، وبهذا تظهر مناسبة إيراد هذا الطرف من حديث الشفاعة عقب هذا الحديث.
قال ابن المنير: لفظ الحديث قال على ذم تكثير السؤال، والترجمة لمن سأل تكثرًا، والفرق بينهما ظاهر، لكن لما كان المتوعد عليه، على ما تشهد به القواعد، هو السائل عن غنى، وأن سؤال ذي الحاجة مباحٌ، نزّل البخاري الحديث على من يسأل ليكثر ماله.
وقوله: حتى يبلغ العرق نصف الأذن، وفي حديث أبي هُريرة في الرقاق "يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعًا، ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم" قال عياض: يحتمل أن يريد عرق الإنسان نفسه بقدرخوفه مما يشاهد من الأهوال، ويحتمل أن يريد عرقه وعرق غيره، فيشدد على بعض ويخفف على بعض، وهذا كله بتزاحم الناس وانضمام بعضهم إلى بعض، حتى صار العرق يجري سائحًا في وجه الأرض، كالماء في الوادي، بعد أن شربت منه الأرض، وغاص فيها سبعين ذراعًا.
واستشكل بأن الجماعة إذا وقفوا في الماء الذي على أرض معتدلة، كانت تغطية الماء لهم على السواء، لكنهم إذا اختلفوا في الطول والقصر، تفاوتوا، فكيف يكون الكل إلى الأذن؟ الجواب أن ذلك من الخوارق الواقعة يوم القيامة. والأولى أن تكون الإشارة بمن يصل الماء إلى أذنيه، إلى غاية ما يصل الماء، ولا ينفي أن يصل الماء لبعضهم إلى دون ذلك.
قلت: الأولى في الجواب عندي أن الناس يوم القيامة على طول رجل واحد، كما ورد في الصحيح. وقد أخرج الحاكم عن عقبة بن عامر، رفعه، "تدنو الشمس من الأرض يوم القيامة، فيعرق الناس، فمنهم من يبلغ عرقه عقبه، ومنهم من يبلغ ساقه، ومنهم من يبلغ ركبته، ومنهم من يبلغ فخذه، ومنهم من يبلغ خاصرته، ومنهم من يبلغ منكبه، ومنهم من يبلغ فاه، وأشار بيده فألجمها فاه، ومنهم من يغطيه عرقه، وضرب بيده على رأسه". وله شاهد عند مسلم، من حديث المقداد بن الأسود، وليس بتمامه، وفيه "تُدَنّى الشمسُ يوم القيامة من الخلق، حتى تكون منهم كمقدار ميل، فتكون الناس على مقدار أعمالهم في العرق .. " الحديث. فإنه ظاهر في أنهم يستوون في وصول العرق إليهم، ويتفاوتون في حصوله فيهم.
وقوله، في الحديث: سبعين ذراعًا، في رواية الإسماعيلي عن سُليمان بن بلال "سبعين باعًا"، وعند الطبرانيّ والبيهقيّ عن ابن مسعود "أن الرجل ليفيض عرقًا حتى يسيح في الأرض قامة، ثم يرفع حتى يبلغ أنفه" وفي رواية عنه عند أبي يعلى، وصححها ابن حِبّان أن الرجل ليلجمه العرق
стр. 5894
يوم القيامة حتى يقول: يا ربِّ، أرِحني ولو إلى النار" وقد جاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن الذي يلجمه العرق الكافر. أخرجه البيهقيّ في البعث عنه، بسند جيد، قال: "يشتد كرب ذلك اليوم حتى يلجم الكافرَ العرقُ. قيل له: أين المؤمنون؟ قال: على الكراسي من ذهب، ويظلل عليهم الغمام".
وبسند قوي عن أبي موسى قال: الشمس فوق رؤوس الناس يوم القيامة، وأعمالهم تظلهم. وأخرج ابن المبارك في الزهد، وابن أبي شيبة في المصنف، واللفظ له بسند جيد، عن سلمان قال: "تعطى الشمس يوم القيامة حر عشر سنين، ثم تُدنى من جماجم الناس حتى تكون قاب قوسين، فيعرقون حتى يرشح العرق في الأرض قامة، ثم يرتفع حتى يفرغ الرجل" زاد ابن المبارك في روايته "ولا يضر حرها يومئذ مؤمنًا ولا مؤمنة". قال القرطبيّ: "المراد من يكون كامل الإيمان، لما يدل عليه حديث المقداد وغيره، أنهم يتفاوتون في ذلك بحسب أعمالهم". وأخرج أبو يعلى، وصححه ابن حبان، عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "يوم يقوم الناس لرب العالمين قال: مقدار نصف يوم من خمسين ألف سنة، فيهون ذلك على المؤمن كتدلي الشمس إلى أن تغرب" قلت: الظاهر تقييد هذا بما قيد به القرطبيّ الذي قبله.
وأخرج أحمد وابن حِبان عن أبي سعيد والبَيْهقيّ عن أبي هريرة "يحشر الناس قيامًا أربعين سنة، شاخصة أبصارهم إلى السماء، فيلجمهم العرق من شدة الكرب". وهذا كله كالصريح في أن وقوعه في الموقف، وقد ورد أن التفصيل الذي في حديث عقبة والمقداد، يقع مثله لمن يدخل النار، فقد أخرج مسلم عن سمرة، رفعه: "ان منهم من تأخذه النار إلى ركبته، ومنهم من تأخذه إلى حَجْزته"، وفي رواية "إلى حَقْويه"، "ومنهم من تأخذه إلى عنقه" وهذا يحتمل أن تكون النار فيه مجازًا عن شدة الكرب الناشىء عن العرق، فيتحد الموردان، ويحتمل أن يكون ورد في حق من يدخل النار من الموحدين، فإن أحوالهم في التعذيب تختلف بحسب أعمالهم، وأما الكفار فإنهم في الغمرات. قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة. ظاهر الحديث تعميم الناس بذلك، ولكن دلت الأحاديث الأخرى على أنه مخصوص بالبعض، وهم الأكثر، ويستثنى الأنبياء والشهداء، ومن شاء الله فأشهدهم في العرف الكفار، ثم أصحاب الكبائر، ثم من بعدهم، والمسلمون منهم قليل بالنسبة إلى الكفار.
قال: والظاهر أن المراد بالذرائع في الحديث المتعارف، وقيل: هو الذراع المكي، ومن تأمل الحالة المذكورة عرف شدة الهول فيها، وذلك أن النار تحفُّ بأرض الموقف، وتدنى الشمس من الرؤوس قدر ميل، فكيف تكون حرارة تلك الأرض؟ وماذا يرويها من العرق حتى يبلغ منها سبعين ذراعًا؟ مع أن كل واحد لا يجد إلا قدر موضع قدمه، فكيف تكون حالة هؤلاء في عرقهم مع تنوعهم فيه؟ إن هذا لمما يبهر العقول، ويدل على عظيم القدرة، ويقتضي الإيمان بأمور الآخرة، وأن ليس للعقل فيها مجال، ولا يعترض عليها بعقل ولا قياس ولا عادة، وإنما يؤخذ بالقبول، ويدخل تحت
стр. 5895
الإيمان بالغيب، ومن توقف في ذلك دل على خسرانه وحرمانه.
وفائدة الإخبار بذلك أن يتنبه السامع، فيأخذ في الأسباب التي تخلصه من تلك الأهوال، ويبادر إلى التوبة من التبعات، ويلجأ إلى الكريم الوهاب في عونه على أسباب السلامة، ويتضرع إليه في سلامته من دار الهوان، وإدخاله دار الكرامة بمنه وفضله. وقوله: استغاثوا بآدم ثم بموسى، الخ وقع هنا اختصار، ويأتي في الرقاق، في حديث الشفاعة الطويل أن الاستغاثة أولًا بآدم، ثم نوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، ثم بمحمد عليهم الصلاة والسلام، وهو لأنس، وأوله "يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقولون: لو استشفعنا على ربنا حتى يريحنا من مكاننا، فيأتون آدم، فيقولون: أنت الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة، فسجدوا لك، فاشفع لنا عند ربنا، فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته، ويقول: ائتوا نوحًا".
وقوله يجمع الله الناس يوم القيامة، إلخ وفي رواية المستملي "جمع"، بصيغة الماضي، والأول المعتمد، وفي رواية معبد بن هلال عند المصنف في التوحيد "إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضُهم في بعض" وأول حديث أبي هريرة في التفسير "أنا سيد الناس يوم القيامة، يجمع الله الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، فيبلغ الناس من الفم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون" وفي رواية عنه "وتدنو الشمس من رؤوسهم، فيشتد عليهم حرها، ويشق عليهم دنوها، فينطلقون من الضجر، والجزع مما هم فيه"، وأول حديث أبي بكر عند مسلم "عرُض عليَّ ما هو كائن من أمر الدنيا والآخرة، يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيفظع الناس لذلك، والعرق كاد يلجمهم". وقد مرَّ حديث المقداد في هذا، وحديث سلمان الفارسي.
وفي رواية النضر بن أنس عن أنس عند أحمد "نعم ما هم فيه، والخلق ملجمون بالعرق، وأما المؤمن فهو عليه كالزكمة، وأما الكافر فيغشاه الموت" وفي حديث عُبادة بن الصامت "إني لسيد الناس يوم القيامة بغير فخر، وما من الناس إلا من هو تحت لوائي ينتظر الفرج، وإن معي لواء الحمد". وفي رواية هشام الدستوائيّ عند المصنف في التفسير، ورواية سعيد بن أبي عَروبة كذلك، ورواية همام في التوحيد "يجتمع المؤمنون" وتبين من رواية النضر بن أنس أن التعبير بالناس أرجح، لكن الذين يطلبون الشفاعة هم المؤمنون.
وقوله: فيقولون لو استشفعنا، وفي رواية مسلم "فيُلْهَمون ذلك" وفي لفظ "فيهتمون بذلك" وفي رواية همام "حتى يهتموا بذلك". وقوله: على ربنا، في رواية هشام وسعيد "إلى ربنا". توجه بأنه ضمن معنى استشفعنا سعى، لأن الاستشفاع طلب الشفاعة، وهي انضمام الأدنى إلى الأعلى، ليستعين به على ما يرومه. وفي حديث حُذيفة وأبي هُريرة معًا، عند مسلم، "يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقوم المؤمنون حتى تُزْلَف لهم الجنة، فيأتون آدم" و"حتى" غاية لقيامهم المذكور، ويؤخذ
стр. 5896
منه أن طلبهم الشفاعة يقع حين تزلف لهم الجنة. وفي أول حديث أبي سعيد عند مسلم "أنا أول من تنشقُّ عنه الأرض" وفيه "فيفزع الناس ثلاث فزعات، فياتون آدم .. " الحديث.
قال القرطبيّ: كأنَّ ذلك يقع إذا جيء بجهنم، فإذا زَفَرَت فَزِع الناس حينئذ، وَجَثوا على رُكَبهم. وقوله: حتى يريحنا، في رواية مسلم: فيريحنا، وفي رواية ثابت عن أنس "يطول يوم القيامة على الناس، فيقول بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى آدم أبي البشر، فليستشفع بنا إلى ربنا، فليقض بيننا" وفي رواية سَلْمان "فإذا رأوا ما هم فيه، قال بعضهم لبعض: ائتوا أباكم آدم" وفي رواية حُذيفة وأبي هُريرة "فيقولون: يا أبانا، استفتح لنا الجنة". وقوله: "فيأتون آدم، في رواية شيبان "فينطلقون حتى يأتوا آدم، فيقولون: أنت الذي .. " وفي حديث مُسلم "يا آدم أنت أبو البشر .. " وفي حديث أبي بكر "أنت أبو البشر، وأنت اصطفاك الله".
وقوله: ونفخ فيك من روحه، زاد في رواية همام "وأسكنك جنته، وعلمك أسماء كل شيء". وقوله: فاشفع لنا عند ربنا، في رواية مسلم "عند ربك". زاد أبو هريرة "ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما بلغنا؟ " وقوله: لست هناكم، قال عياض: هو كناية عن أن منزلته دون المنزلة المطلوبة. قاله تواضعًا وإكبارًا لما يسألونه. قال: وقد يكون فيه إشارة إلى أن هذا المقام ليس لي بل لغيري، وفي رواية سعيد بن هلال "فيقول: لست لها" وكذا في بقية المواضع. وفي رواية حُذيفة "لست بصاحب ذاك" وهو يؤيد الإشارة المذكورة.
وقال بعض العلماء: إن فيه استعمال ظرف المكان في الزمان، لأن هنا ظرف مكان، فاستعملت في ظرف الزمان، لأن المعنى لست في ذلك المقام. وفي هذا نظر، إنما هو ظرف مكان على بابه، لكنه المعنويّ لا الحسيّ، مع أنه يمكن حمله على الحسيّ، لما جاء من أنه ﵊ يباشر السؤال بعد أن يستأذن في دخوله الجنة. وعلى قول من يفسر المقام المحمود بالقعود على العرش يتحقق ذلك أيضًا. وقوله: ويذكر خطيئته، زاد مسلم "التي أصاب" والراجع إلى الموصول محذوف، تقديره أصابها. زاد همام في روايته "أكْلَه من الشجرة وقد نُهِيَ عنها" وهو ينصب أكله بدل من خطيئته.
وفي رواية هشام "فيتذكر ذنبه، فيستحي" وفي رواية ابن عباس عند أحمد "إني قد أُخرجتُ بخطيئتي من الجنة" وفي رواية أبي سعيد "وإني أَذنبتُ ذنبًا فأُهبطْتُ به إلى الأرض" وفي رواية حُذيفة وأبي هُريرة معًا "هل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم؟ ". وفي رواية ثابت عن سعيد بن منصور "إني أخطأت وأنا في الفردوس، فإن يغفر لي اليوم حسبي" وفي حديث أبي هُريرة "إنَّ ربيّ غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيت، نفسي نفسي نفسي، إذهبوا إلى غيري". وقوله: ائتوا نوحًا أول رسول بعثه الله، فيأتونه، فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته. وقوله. ائتوا نوحًا، في رواية مسلم: ولكن ائتوا نوحًا أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، فيأتون نوحًا. وفي رواية هشام "فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل
стр. 5897
الأرض" وفي حديث أبي بكر انطلقوا إلى أبيكم بعد أبيكم إلى نوح، ائتوا عبدًا شاكرًا، وفي حديث أبي هُريرة "اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحًا، فيقولون: يا نوح، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبدًا شكورًا، وفي حديث أبي بكر "فينطلقون إلى نوح، فيقولون: يا نوح، اشفع لنا إلى ربك، فإن الله اصطفاك. واستجاب لك في دعائك، ولم يدع على الأرض من الكافرين دَيّارًا".
ويجمع بينهما بأن آدم سبق إلى وصفه بأنه أول رسول، فخاطبه أهل الموقف بذلك، وقد استشكلت هذه الأولية بأن آدم نبي مرسل، وكذا شيث وإدريس. وهو قل نوح، وقد مرَّ الجواب عن ذلك في شرح حديث جابر "أعطيت خمسًا" في كتاب التيمم. وفيه: وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة. ومحصل الأجوبة عن الإشكال المذكور، أن الأولية مقيدة بقوله "أهل الأرض" لأن آدم ومن معه، لم يرسلوا إلى أهل الأرض، واستشكل عليه حديث جابر، ويجاب بأنَّ بعثته إلى أهل الأرض باعتبار الواقع، لصدق أنهم قومه، بخلاف عموم بعثة نبينا محمد ﷺ ، لقومه ولغير قومه، أو الأولية مقيدة بكونه أهلك قومه، أو أن الثلاثة كانوا أنبياء، ولم يكونوا رسلًا، وإلى هذا جنح ابن بطال في حق آدم، وتعقبه عياض بما صححه ابن حِبّان عن أبي ذَرٍّ، فإنه كالصريح في أنه كان مرسلًا.
وفي التصريح بإنزال الصحف على شيث، وهو من علامات الإِرسال، وأما إدريس فذهبت طائفة إلى أنه كان في بني إسرائيل، وهو إلياس، ويأتي ذلك إن شاء الله تعالى في أحاديث الأنبياء. ومن الأجوبة أن رسالة آدم كانت إلى بنيه، وهم موحدون، ليعلمهم شريعته، ونوح كانت رسالته إلى قوم كُفّار، يدعوهم إلى التوحيد. وقوله: فيقول لست هناكم، ويذكر خطيئته، في رواية هشام "يذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم" وفي رواية سعيد بن هلال مثل جواب آدم، لكنه قال: "وإنه كان لي دعوة دعوتُ بها على قومي". وفي حديث ابن عباس "فيقول ليس ذاكم عندي" وفي حديث أبي هريرة "إني دعوت بدعوة أغرقتْ أهل الأرض".
ويجمع بينه وبين الأول بأنه اعتذر بأمرين: أحدهما نهي الله تعالى له أن يسأل ما ليس له به علم، فخشي أن تكون شفاعته لأهل الموقف من ذلك. ثانيهما: أن له دعوة واحدة محققة الإجابة، وقد استوفاها بدعائه على أهل الأرض، فخشي أن يطلب فلا يجاب. وقال بعض الشراح: كان الله وعد نوحًا أن ينجيه وأهله، فلما غرق ابنه ذكر لربه ما وعده، فقيل له: المراد من أهلك من آمن وعمل صالحًا، فخرج ابنك منهم، فلا تسأل ما ليس لك به علم، وقد سقط من حديث حُذيفة المقرون بحديث أبي هُريرة ذكرُ نوح، فقال في قصة آدم "اذهبوا إلى ابني إبراهيم" وكذا سقط في حديث ابن عمر، والعمدة على من حفظ، وذكر الغزاليّ في كشف علوم الآخرة أن بين إتيان أهل الموقف آدم، وإتيانهم نوحًا ألف سنة، وكذا بين كل نبي ونبي إلى نبينا محمد ﷺ .
قال في الفتح: ولم أقف لذلك على أصل، ولقد أكثر في هذا الكتاب من إيراد أحاديث لا أصول لها، فلا يغتر بشيء منها. وقوله: ائتوا إبراهيم الذي اتخذه الله خليلًا، فيأتونه، فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته. في رواية مسلم "ولكن ائتوا إبراهيم الذي اتخذه الله خليلًا. وفي
стр. 5898
رواية معبد بن هلال "ولكن عليكم بإبراهيم، فهو خليل الله. وقوله: فيأتونه، في رواية مسلم: فيأتون إبراهيم، زاد أبو هريرة "فيقولون: يا إبراهيبم، أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، قم اشفع لنا إلى ربك .. " وذكر مثل ما لآدم قولًا وجوابًا، إلا أنه قال: قد كنت كذبت ثلاث كذبات، وذكرهن.
وقوله: فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته، زاد مسلم "التي أصاب، فيستحي ربه منها" وفي حديث أبي بكر "ليس ذاكم عندي" وفي حديث همام "إني كنت كذبت ثلاث كذبات" زاد شيبان قوله "إني سقيم". وقوله: فعله كبيرهم هذا، وقوله لامرأته: أخبريه أني أخوك .. وفي رواية أبي سعيد: فيقول إني كذبت ثلاث كذبات. قال رسول الله ﷺ "ما منها كذبة إلا ما حل بها عن دين الله" وما حل بمعنى جادل وزنًا ومعنى. وفي رواية حُذيفة المقرونة: لست بصاحب ذاك، إنما كنت خليلًا من وراءَ وراءَ، ضبط بفتح الهمزة وضمها. واختلف الترجيح فيهما. قال النووي: أشهرهما الفتح بلا تنوين، ويجوز بناؤهما على الضم، وصوبه أبو البقاء والكنديّ، وصوب ابن دَحْية الفتح على أن الكلمة مركبة مثل شَذَرَمَذَر، وإن ورد منصوبًا منونًا جاز، ومعناه: لم أكن في التقريب.
والإدلال بمنزلة الحبيب قيل: هذه كلمة تقال على سبيل التواضع، أي: لست في تلك الدرجة. قال صاحب التجريد: وقد وقع لي فيه معنى مليح، وهو أن الفضل الذي أعطيته كان بسفارة جبريل، ولكن ائتوا موسى الذي كلمه الله بلا واسطة، وكرر وراء، إشارة إلى نبينا ﷺ ؛ لأنه حصلت له الرؤية والسماع بلا واسطة، فكأنه قال: أنا وراء موسى الذي هو وراء محمد. قال البيضاويّ: والحق أن الكلمات الثلاث إنما كانت من معاريض الكلام، لكن لما كانت صورتها صورة الكذب، أشفق منها استصغارًا لنفسه عن الشفاعة، مع وقوعها، لأن من كان أعرف بالله تعالى وأقرب إليه منزلة، كان أعظم خوفًا.
وقوله: ائتوا موسى الذي كلمه الله، فيأتونه، فيقول: لست هناكم، فيذكر خطيئته. قوله: كلمه الله، في رواية مسلم "ولكن ائتوا موسى" وزاد: وأعطاه التوراة، وفي رواية معبد بن هلال "ولكن عليكم بموسى فهو كليم الله" وفي رواية الإسماعيليّ "عبدًا أعطاه الله التوراة، وكلمه تكليمًا" زاد همام "وقربه نجيًا" وقوله: فيأتونه، في رواية مسلم "فيأتون موسى، فيقول" وفي رواية أبي هريرة "فيقولون: يا موسى، أنت رسول الله، فضلك الله برسالته، وكلامه، على الناس، اشفع لنا. فذكر مثل آدم قولًا وجوابًا، لكنه قال: إني قتلت نفسًا لم أُومر بقتلها".
وقوله: فيذكر خطيئته، زاد مسلم التي أصاب قَتْل النفس، وللإسماعيليّ: فيستحي ربه منها، وفي رواية سعيد بن منصور: اني قتلت نفسًا بغير نفس، وأن يغفر لي اليوم حسبي. وقوله: ائتوا عيسى، فيأتونه فيقول: لست هناكم، وقوله: ائتوا عيسى، زاد مسلم "رُوح الله وكلمته" وفي رواية هشام عبد الله ورسوله وكلمته "وروحه" وفي حديث أبي بكر "فإنه كان يبرىء الأكمه والأبرص،
стр. 5899
ويحي الموتى. وقوله: فيأتونه، في رواية مسلم "فيأتون عيسى، فيقول: لست هناكم". وفي رواية أبي هريرة "فيقولون: يا عيسى، أنت رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وكلمت الناس في المهد صبيًا، إشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فذكر مثل آدم قولًا وجوابًا، لكن قال: ولم يذكر سببًا، لكن في التِّرمذيّ عن أبي سعيد أني عُبدت من دون الله، وفي رواية أحمد والنَّسائيّ عن ابن عباس "إني اتُّخِذْت إلهًا من دون الله".
وعند سعيد بن منصور نحوه، وزاد "وإن يغفر لي اليوم حسبي". وقوله "ائتوا محمدًا ﷺ ، فقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فاستأذن على ربي .. الخ". في رواية مسلم "عبد غفر له .. " الخ. وفي رواية معتمر "انطلقوا إلى ما جاء مغفورًا له، ليس عليه ذنب" وفي رواية ثابت "خاتم النبيين قد حضر اليوم، أرأيتم لو كان متاع في وعاء قد ختم عليه، أكان يقدر على ما في الوعاء حتى يُفَضَّ الخاتَم؟ " وعند سعيد بن منصور "فيرجعون إلى آدم فيقول: أرأيتم .. الخ" وفي حديث أبي بكر "ولكن انطلقوا إلى سَيِّد وَلَد آدم، فإنه أول من تنشق عنه الأرض".
وقد اختلفوا في تأويل قوله تعالى ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ وقد مرَّ ما فيه من الخلاف في حديث باب "أنا أعلمكم بالله" من كتاب الإيمان. ويستفاد من قول عيسى في حق نبينا هذا، ومن قول موسى: إني قتلت نفسًا بغير نفس، وإن يغفر لي اليوم حسبي، مع أن الله غفر له بنص القرآن العظيم -التفرقةُ بين من وقع منه شيء، ومن لم يقع منه شيء أصلًا، فإن موسى ﵇ مع وقوع المغفرة له، لم يرتفع اشفاقه من المؤاخذة بذلك، ورأى في نفسه تقصيرًا عن مقام الشفاعة مع وجود ما صدر منه، بخلاف نبينا ﷺ في ذلك كله، ومن ثمَّ احتج عيسى بأنه صاحب الشفاعة، لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، بمعنى أن الله أخبر أنه لا يؤاخذه بذنب لو وقع منه.
وقوله: فيأتوني، في رواية النضر بن أنس عن أبيه؛ حدثني نبي الله ﷺ قال: إني لقائم ثمَّ انتظر أمتي تعبر الصراط، إذ جاء عيسى فقال: يا محمد، هذه الأنبياء قد جاءتك يسألون لتدعو الله أن يفرق جمع الأمم إلى حيث يشاء، نعم ما هم فيه". فأفادت هذه الرواية تعيين موقف النبي ﷺ حينئذ، وأن هذا الذي وصف من كلام أهل الموقف، كله يقع عند نصب الصراط، بعد تساقط الكفار في النار، كما يأتي قريبًا، وأن عيسى ﵇، هو الذي يخاطب النبي ﷺ ، وأن الأنبياء جميعًا يسألونه في ذلك.
وأخرج التِّرمذيّ وغيره عن أبيّ بن كعب في نزول القرآن على سبعة أحرف، وفيه وأخرت الثالثة ليوم ترغب إلى فيه الخلق حتى إبراهيم ﵇، وفي رواية معبد بن هلال "فيأتؤني فأقول: أنا لها" زاد عقبة بن عامر في الزهد لابن المبارك "فيأذن الله لي فأقوم، فيثور من مجلسي أطيب ريح شمها أحد" وفي حديث سلمان بن أبي بكر بن أبي شيبة "يأتون محمدًا فيقولون: يا نبي الله، أنت
стр. 5900
الذي فتح الله بك، وختم، وغفر لك ما تقدم وما تأخر، وجئت في هذا اليوم آمنًا، وترى ما نحن فيه، فقم فاشفع لنا إلى ربنا، فيقول: أنا صاحبكم، فيجوش الناس حتى ينتهي إلى باب الجنة". وفي رواية معتمر، فيقول: أنا صاحبها.
وقوله: فأستأذن، في رواية هشام "فأنطلق حتى أستأذن" وقوله: على ربي، زاد همام "في داره، فيؤذن لي" قال عياض: أي: في الشفاعة، وتعقب بأن ظاهر ما تقدم أن استئذانه الأول والإذن له إنما هو في دخول الدار، وهي الجنة. وأضيفت إلى الله تعالى إضافة تشريف ومِنَّة، والله يدعو إلى دار السلام على القول بأن المراد بالسلام هنا الاسم الأعظم، وهو من أسمائه تعالى. قيل: الحكمة في انتقال النبي ﷺ ، من مكانه إلى دار السلام أن أرض الموقف لما كانت مقام عرض وحساب، كانت مكان مخافة واشفاق، ومقام الشافع يناسب أن يكون مكان إكرام، ومن ثم يستحب أن يتحرى للدعاء المكان الشريف، لأن الدعاء فيه أقرب للإجابة. وقد جاء في بعض طرقه من جملة سؤال أهل الموقف استفتاح باب الجنة.
وفي صحيح مسلم أنه أول من يستفتح باب الجنة، وفي رواية علي بن زيد عند التِّرمذيّ "فآخذ حلقة باب الجنة، فأقعقعها، فيقال: من هذا؟ فأقول: محمد، فيفتحون ويرحبون، فأَخِرُّ ساجدًا" وعند مسلم عن أنس "فيقول الخازن: من؟ فأقول: محمد، فيقول بك أُمرت أن لا أفتح لأحد قبلك". وله أيضًا عن أنس، رفعه "أنا أول من يقرع باب الجنة" وفي رواية عن أنس "آتي باب الجنة فاستفتح فيقال: من هذا؟ فأقول: محمد، فيقال: مرحبًا بمحمد" وفي حديث سلمان "فيأخذ بحلقة الباب، وهي من ذهب، فيقرع الباب فيقال: من هذا؟ فيقول: محمد، فيفتح له، حتى يقوم بين يدي الله، فيستأذن في السجود فيؤذن له" وفي حديث أبي بكر "فيأتي جبريل ربَّه، فيقول: ائذن له" وقوله: فإذا رأيته وقعت له ساجدًا، في رواية أبي بكر "فآتي تحت العرش، فأقع ساجدًا لربي" وعند ابن وحِبّان عن أنس "فيتجلى له الرب، ولا يتجلى لشيء قبله" وعند أبي يعلى عن أُبيّ بن كعب، رفعه "يعرفني الله نفسه، فأسجد له سجدة يرضى بها عني، ثم أمتدحه بِمدحةٍ يرضى به عني".
وقوله: فيدعني ما شاء الله، زاد مسلم "أن يدعني" وفي حديث عبادة بن الصامت "فإذا رأيت ربي خررت له ساجدًا له" وفي رواية معبد بن هلال "فأقوم بين يده، فيلهمني محامد لا أقدر عليها الآن، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدًا، وفي حديث أبي بكر الصديق "فينطلق إليه جبريل فيخر ساجدًا قدر جُمعة" وقوله: ثم يقال لي ارفع رأسك، في رواية مسلم "فيقال: يا محمد". وكذا في أكثر الروايات، وفي رواية النضر بن أنس "فأوحى الله إلى جبريل أن اذهب إلى محمد فقل له ارفع رأسك" فعلى هذا المعنى يقول لي على لسان جبريل. وقوله: وسَلْ تُعْطَه، وقيل يسمع، واشفع تُشَفَّع، وفي رواية مسلم بغير "واو" وفي أكثر الروايات سقوط "وقلْ يسمع" وفي
стр. 5901
حديث أبي بكر "فيرفع رأسه فإذا نظر إلى ربه خر ساجدًا قدر جُمعة"، وفي حديث سلمان "فينادي: يا محمد، ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع، وادع تجب".
وقوله: فأرفع رأسي، فأحمد ربي بتحميد يعلمني، وفي رواية هشام "يعلمنيه" وفي رواية ثابت "بمحامد لم يحمده بها أحد قبلي، ولا يحمده بها أحد بعدي" وفي حديث سلمان "فيفتح الله له من الثناء والتحميد والتمجيد ما لم يفتح لأحد من الخلائق" وكأنه ﷺ يلهم التحميد قبل سجوده وبعده" وفيه، يكون في كل مكان ما يليق به، وقد ورد ما لعله يفسر به بعض ذلك، لا جميعه، ففي النَّسائي ومصنف عبد الرزاق ومعجم الطبرانيّ، عن حذيفة، رفعه، قال: "يجمع الناس في صعيد واحد فيقال: يا محمد، فأقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك، والمهدي من هَديت، وعبدك بين يديك، وبك وإليك، تباركت وتعاليت، سبحانك لا ملجأ ولا منجي منك إلا إليك" زاد عبد الرزاق "سبحانك رب البيت" فذلك قوله ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ قال ابن مَنْده: هذا حديث مُجْمع على صحة إسناده، وثقة رجاله.
وقوله: ثم أشفع فيحد لي حدًا، في رواية معبد "فأقول: ربِّ أمتي أمتي أمتي، فيحد لي حدًا" أي: يبين لي في كل طور من أطوار الشفاعة حدًا أقف عنده، فلا أتعداه، مثل أن يقول: شفَّعتك فيمن أخل بالجماعة، ثم فيمن أخل بالصلاة، ثم فيمن شرب الخمر، ثم فيمن زنى، وعلى هذا الأسلوب حكاه الطيبيّ، والذي يدل عليه سياق الأخبار أن المراد به تفضيل مراتب المخرجين في الأعمال الصالحة، كما عند أحمد. وفي رواية ثابت عند أحمد "فأقول: أيْ ربّ أمتي أمتي، فيقول: أخرج من كان في قلبه مثقال شعيرة" وفي طريق النضر بن أنس قال: "فشفعت في أمتي أن أخرج من كل تسعة وتسعين إنسانًا واحدًا، فما زلت أتردد على ربي لا أقوم منه مقامًا إلا شفعت". وقد مرَّ الكلام على هذا في كتاب الإيمان، وفي أبواب صفة الصلاة في باب فضل السجود.
وقوله: ثم أخرجهم من النار، وأدخلهم الجنة، قال الداوديّ: كأنَّ راوي هذا الحديث ركّب شيئاً على غير أصله، وذلك أن في أول الحديث ذكر الشفاعة في الإراحة من كرب الموقف، وفي آخره ذكر الشفاعة في الإِخراج من النار، يعني: وذلك إنما يكون بعد التحول من الموقف، والمرور على الصراط، وسقوط من يسقط في تلك الحالة في النار، ثم تقع بعد ذلك الشفاعة في الإخراج. وهو إشكال قويّ، وقد أجاب عنه عياض وتبعه النوويّ وغيره، بأنه قد وقع في حديث حُذيفة المقرون بحديث أبي هُريرة، بعد قوله "فيأتون محمدًا فيقوم، ويؤذن له" أي: في الشفاعة "وترسل الأمانة والرحم، فيقومان جنبي الصراط يمينًا وشمالًا، فيمر أولكم كالبرق .. " الحديث. قال عياض: فبهذا يتصل الكلام، لأن الشفاعة التي لجأ الناس إليه فيها، هي الإراحة من كرب الموقف، ثم تجيء الشفاعة في الإخراج.
وقد جاء في حديث أبي هريرة بعد ذكر الجمع في الموقف الأمرُ باتباع كل أمة ما كانت تعبد،
стр. 5902
ثم تمييز المنافقين من المؤمنين، ثم حلول الشفاعة بعد وضع الصراط والمرور عليه، فكأن الأمر باتباع كل أمة ما كانت تعبد هو أول فصل القضاء، والإراحة من كرب الموقف. قال: وبهذا تجتمع متون الأحاديث، وتترتب معانيها، فكأنّ بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر، فظهر أنه ﵊ أول ما يشفع ليقضي بين الخلق، وأن الشفاعة فيمن يخرج من النار ممن سقط، تقع بعد ذلك. وفي حديث ابن عمر الذي في الباب "فيشفع ليقضي بين الخلق، فيمشي حتى يأخذ بحلَقَة الباب، فيومئذ يبعثه الله مقامًا محمودًا يحمده أهل الجمع كلهم". وفي حديث أُبيّ بن كعب عند أبي يعلى "ثم أمتدحه بمدحة يرضى بها مني، ثم يؤذن لي في الكلام، ثم تمر أمتي على الصراط، وهو منصوب بين ظهراني جهنم، فيمرون، وفي رواية ابن عباس عند أحمد فيقول : "يا محمد، ما تريد أن أصنع في أمتك؟ فأقول: يا ربِّ عجل حسابهم وفي رواية عنه أيضًا عند أحمد وأبي يعلى: فأقول: أنا لها حتى يؤذن الله لمن يشاء ويرضى، فإذا أراد الله أن يفرغ من خلقه نادى منادٍ أين محمد وأمته؟ ... الحديث وتعرض الطيبي للجواب عن الإشكال بطريق آخر فقال: يجوز أن يراد بالنار الحبس والكرب والشدة التي كان أهل الموقف فيها من دنو الشمس إلى رؤوسهم وكربهم، بحرِّها وسفعها، حتى الجمهم العرق. وإن يراد بالخروج منها خلاصهم من تلك الحالة التي كانوا فيها، وهو احتمال، إلا أن يقال إنه يقع اخراجان ذكر أحدهما في حديث الباب على اختلاف طرقه، والمراد به الخلاص من كرب الموقف والثاني في الحديث المتقدم في باب فضل السجود. ويكون قوله فيه: من كاتن يعبد شيئًا فليتبعه بعد تمام الخلاص من الموقف، ونصب الصراط، والإذن في المرور عليه، ويقع الإخراج الثاني لمن يسقط في النار حال المرور، فيتحدا. وقد مرّت الإشارة إلى هذا عند الكلام على "حتى يبلغ العرق نصف الأذن" وأجاب القرطبيّ عن أصل الإشكال بأن في قوله في حديث أبي هريرة، بعد قوله ﵊ "فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال: ادخل من أمنك من الباب الأيمن من أبواب الجنة مَنْ لا حساب عليهم. ولا عذاب"، قال: في هذا ما يدل على أن النبي ﷺ ، يشفع فيما طلب من تعجيل الحساب، فإنه لما أُذن له في إدخال مَنْ لا حساب عليه، دل على تأخير مَنْ عليه حساب ليحاسب.
وفي حديث الصُّور الطويل عند أبي يعلى "فأقول: يا ربِّ، وعدتني الشفاعة فشفعني في أهل الجنة يدخلون الجنة. فيقول الله: قد شفعتك فيهم، وأذنت لهم في دخول الجنة". وهذا فيه إشعار بأن العرض والميزان وتطاير الصحف يقع في هذا الموطن، ثم ينادي المنادي ليتبع كل أمة من كانت تعبد، فيسقط الكفار في النار، ثم يميز بين المؤمنين والمنافقين بالامتحان بالسجود عند كشف الساق، ثم يؤذن في نصب الصراط والمرور عليه، فيطفأ نور المنافقين فيسقطون في النار أيضًا، ويمر المؤمنون عليه إلى الجنة، فمن العصاة من يسقط، ويوقف بعض من نُجِّيَ عند القنطرة للمقاصَّة بينهم، ثم يدخلون الجنة.
стр. 5903
ونقل يحيى بن سلام البصريّ في تفسيره عن الكلبيّ قال: إذا دخل أهل الجنةِ الجنةَ، وأهل النارِ النارَ، بقيت زمرة من آخر زُمر الجنة، إذا خرج المؤمنون من الصراط بأعمالهم، فيقول آخر زمرة من زمر النار لهم، وقد بلغت النار منهم كل مبلغ: أما نحن فقد أُخذنا بما في قلوبنا من الشك والتكذيب، فما نفعكم أنتم توحيدكم. قال: فيصرخون عند ذلك يدعون ربهم، فيسمعهم أهل الجنة، فيأتون آدم، فذكر الحديث في إتيانهم الأنبياء المذكورين قبلُ، واحدًا واحدًا إلى محمد ﷺ ، فينطلق فيأتي رب العزة، فيسجد له حتى يأمره أن يرفع رأسه، ثم يسأله ما تريد، وهو أعلم به، فيقول: يا رب أُناس من عبادك أصحاب ذنوب لم يشركوا بك، وأنت أعلم بهم، فعيرهم أهل الشرك بعبادتهم إياك فيقول: "وعزتي لأخرجنهم"، فيخرجهم قد احترقوا، فينضح عليهم من الماء حتى ينبتوا، ثم يدخلون الجنة، فيسمون الجهنميين، فيغبطه عند ذلك الأولون والآخرون. فذلك قوله تعالى ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾.
وهذا لو ثبت لرفع الإشكال، لكن الكلبيّ ضعيفٌ، ومع هذا لم يسنده. ثم هو مخالف لصريح الأحاديث الصحيحة أن سؤال المؤمنين الأنبياء، واحدًا بعد واحد، إنما يقع في الموقف قبل دخول المؤمنين الجنة. وقد تمسك بعض المبتدعة من المرجئة بالاحتمال السابق في دعواه أن أحدًا من الموحدين لا يدخل النار أصلًا، وإنما المراد بما جاء أن النار تسفعهم وتلفحهم، وما جاء من الإخراج من النار جميعه محمول على ما يقع لهم من الكرب في الموقف، وهو تمسك باطل. وأقوى ما يرد عليه ما مرَّ في أول كتاب الزكاة، من حديث أبي هريرة في قصة مانعي الزكاة، واللفظ لمسلم "ما من صاحب ابل لا يؤدي حقها منها، إلا إذا كان يوم القيامة .. الخ" فهو قال على تعذيب من شاء الله من العُصاة بالنار حقيقةً، زيادة على كرب الموقف، وما ورد في سبب إخراج بقية الموحدين من النار، يرد على المبتدعة المذكورين.
وقوله: ثم أعود فأقع ساجدًا مثله، في الثالثة أو الرابعة، وعند أحمد عن قتادة "ثم أعود الرابعة، فأقول: يا رب ما بقي إلا من حبسه القرآن" ولم يشك بل جزم بأن هذا القول يقع في الرابعة، وفي رواية معبد بن هلال عن أنس أن الحسن حدث معبدًا بعد ذلك بقوله "فأقوم الرابعة" وفيه قول الله "ليس ذلك لك" وأن الله يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وإن لم يعمل خيرًا قط، فعلى هذا فقوله "حبسه القرآن" يتناول الكفار، وبعض العصاة ممن ورد في القرآن في حقه التخليد، ثم يخرج العصاة في القبضة، ويبقى الكفار، ويكون المراد بالتخليد في حق العصاة المذكورين البقاء في النار بعد إخراج من تقدمهم.
وقوله: إلا من حبسه القرآن، وكان قتادة يقول عند هذا أي: وجب عليه الخلود، وفي رواية هشام وسعيد "فأقول ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن، ووجب عليه الخلود، تعين أن قوله "وجب عليه الخلود" مدرج في المرفوع لما ذكر في رواية أبي عُوانة أنه تفسير من قتادة، فسر به من حبسه القرآن، أي: من أخبر القرآن بأنه يخلد في النار. وفي رواية شيبانُ "إلا من حبسه القرآن"
стр. 5904
يقول وجب عليه الخلود، وقال ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ وفي رواية سعيد عند أحمد بعد قوله "إلا من حبسه القرآن" عن أنس بن مالك "أن النبي ﷺ قال: "فيخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة .. " الحديث.
وقد سبق سياقه في كتاب الإيمان مفردًا، وفي رواية معبد بن هلال عن الحسن عن أنس قال: "ثم أقوم الرابعة، فأقول: أي ربّ، إئذن لي فيمن قال لا إله إلا الله، فيقول لي: ليس ذلك لك". فذكر بقية الحديث في إخراجهم. وقد تمسك به بعض المبتدعة في دعواهم أن من دخل النار من العُصاة لا يخرج منها، لقوله تعالى ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ وأجاب أهل السنة بأنها نزلت في الكفار، وعلى تسليم أنها نزلت في أعم من ذلك، فقد ثبت تخصيص الموحدين بالإخراج، ولعل التأبيد في حق من يتأخر بعد شفاعة الشافعين، حتى يخرجوا بقبضة أرحم الراحمين، فيكون التأبيد مؤقتًا.
وقال عياض: استدل بهذا الحديث من جوز الخطايا على الأنبياء، كقول كل من ذكر فيه ما ذكر، وأجاب عن أصل المسألة بأنه لا خلاف في عصمتهم من الكفر بعد النبوة، وكذا قبلها على الصحيح، وكذا القول في الكبيرة على التفصيل المذكور، ويلتحق بها ما يزري بفاعله من الصغائر، وكذا القول في كل ما يقدح في الإبلاغ عن جهة القول، واختلفوا في الفعل، فمنعه بعضهم في النسيان، وأجاز الجمهور السهو، لكن لا يحصل التمادي، واختلفوا فيما عدا ذلك كله من الصغائر، فذهب جماعة من أهل النظر إلى عصمتهم منها مطلقًا، وأوَّلوا الأحاديث والآيات الواردة في ذلك بضروب من التأويل، ومن جملة ذلك أن الصادر منهم إما أن يكون بتأويل من بعضهم، أو بسهوٍ أو بإذن، لكن خشوا أن لا يكون ذلك موافقًا لمقامهم، فأشفقوا من المؤاخذة أو المعاتبة، قال: وهذا أرجح المقالات، وليس هو مذهب المعتزلة، وإن قالوا بعصمتهم مطلقًا، لأن منزعهم في ذلك التكفير بالذنوب مطلقًا، ولا يجوز على النبي الكفر، ومنزعنا أن أمة النبي مأمورة بالإقتداء به في أفعاله، فلو جاز منه وقوع المعصيه للزم الأمر بالشيء الواحد، والنهي عنه في حالة واحدة. وهو باطل.
ثم قال عياض: وجميع ما ذكر في حديث الباب لا يخرج عما قلناه؛ لأن أكل آدم من الشجرة كان سهو، وطلبُ نوح نجاة ابنه كان عن تأويل، ومقالات إبراهيم كان معاريض، وأراد بها الخير، وقتيل موسى كان كافرًا، وفيه جوز إطلاق الغضب على الله تعالى، والمراد به ما يظهر من انتقامه ممن عصاه، وما يشاهده أهل الموقف من الأهوال التي لم يكن مثالها، ولا يكون. كذا قال النوويّ. وقال غيره: المراد بالغضب لازمه، وهو إرادة ايصال السوء للبعض. وقول آدم ومن بعده "نفسي نفسي نفسي" أي: التي تستحق أن يشفع لها؛ لأن المبتدأ والخبر كانا متحدين، فالمراد به بعض اللوازم، ويحتمل أن يكون أحدهما محذوفًا، وفيه تفضيل محمد ﷺ على جميع الخلق، لأن الرسل والأنبياء والملائكة أفضل ممن سواهم. وقد ظهر فضله في هذا المقام عليهم.
стр. 5905
قال القرطبيّ: ولو لم يكن في ذلك إلا الفرق بين من يقول نفسي نفسي، وبين من يقول أمتي أمتي، لكان كافيًا. وفيه تفضيل الأنبياء المذكورين فيه، على من لم يذكر فيه، لتأهلهم لذلك المقام العظيم دون من سواهم، وقد قيل: إنما اختُص المذكورون بذلك لمزايا أخرى لا تتعلق بالتفضيل، فآدم لكونه والد الجميع، ونوح لكونه الأب الثاني، وإبراهيم للأمر باتباع ملته، وموسى لأنه أكثر الأنبياء تبعًا، وعيسى لأنه أولى الناس بنبينا محمد ﷺ ، كما ثبت في الحديث الصحيح. ويحتمل أن يكونوا اختُصوا بذلك لأنهم أصحاب شرائع عمل بها من بين من ذكر أولًا، ومن بعده.
وفيه من الفوائد غير، ما ذكر، أن من طلب من كبير أمرًا مهمًا أن يقدِّم بين يدي سؤاله وصف المسؤول بأحسن صفاته، وأشرف مزاياه، ليكون ذلك أدعى لاجابته لسؤاله. وفيه أن المسؤول إذا لم يقدر على تحصيل ما سئل يعتذر بما يقبل منه، ويدل على من يظن أنه يكمل في القيام بذلك، فالدال على الخير كفاعله، وأنه يثني على المدلول عليه بأوصافه المقتضية لأهليته، ويكون أدعى لقبول عذره في الامتناع. وفيه العمل بالعام قبل البحث عن المخصص، أخذًا من قصة نوح في طلبه نجاة ابنه، وقد يتمسك به من يرى بعكسه. فيه أن الناس يوم القيامة يستصحبون حالهم في الدنيا من التوسل إلى الله تعالى في حوائجهم بأنبيائهم، والباعث على ذلك الإلهام كما مرَّ في صدر الحديث.
وفيه أنهم يستشير بعضهم بعضًا، ويجمعون على الشيء المطلوب، وأنهم يغطى عنهم بعض ما علموه في الدنيا، لأن في السائلين من سمع هذا الحديث، ومع ذلك فلا يستحضر أحد منهم أن ذلك المقام يختص به نبينا ﵊، إذ لو استحضروا ذلك، لسألوه أول مرة، ولما احتاجوا إلى التردد من نبي إلى نبي، ولعل الله تعالى أنساهم ذلك للحكمة التي تترتب عليه من إظهار فضل نبينا ﷺ .
وقوله: زاد عبد الله بن صالح، حدثني الليث .. الخ، كذا عند أبي ذَرٍّ، وسقط قوله "ابن صالح" من رواية الأكثر، ولهذا جزم خَلَف وأبو نعيم أنه ابن صالح، وفي الإيمان لابن منده عن يحيى بن بكير، وعبد الله بن صالح، جميعًا عن الليث، وساقه بلفظ عبد الله بن صالح، ورواه البزار موصولًا عن عبد الله بن صالح وحده، والطبرانيّ في الأوسط، وابن منده في الإيمان عن عبد الله بن صالح، وزاد بعد قوله "استغاثوا بآدم" "فيقول: لست بصاحب ذلك" وتابع عبد الله بن صالح على هذه الزيادة عبد الله بن عبد الحكم عن الليث، أخرجه ابن مَنْدَه. وقوله: يأخذ بحلقة الباب، أي باب الجنة، أو هو مجاز عن القرب إلى الله تعالى، وقد مرَّ ما قيل في هذا عند قوله في الحديث "فاستأذن على ربي" ومرَّ الكلام على المقام المحمود مستوفى في باب الدعاء عند النداء.
رجاله ستة:
مرَّ محل ابن بكير والليث وابن عمر في الذي قبله، ومرَّ عبد الله بن صالح في متابعة بعد الرابع
стр. 5906
من بدء الوحي، ومرَّ حمزة بن عبد الله في الرابع والعشرين من العلم، ومرَّ عُبيد الله بن أبي جعفر في الثامن والثلاثين من الغُسل.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والسماع والقول، ورواته مصريون ما عدا حمزة مدني. أخرجه مسلم والنّسائيّ في الزكاة.
ثم قال: وقال مُعلّى: حدثنا وهيب عن النعمان بن راشد عن عبد الله بن مسلم أخي الزُّهريّ، عن حمزة سمع ابن عمر، ﵄، عن النبي ﷺ ، في المسألة. قوله: في المسألة، أي في الشق الأول من الحديث، دون الزيادة، وفي هذا الحديث أن هذا الوعيد يختص بمن أكثر السؤال لا من ندر ذلك منه، ويؤخذ منه جواز سؤال غير المسلم، لأن لفظ الناس يعم، وحكى عن بعض الصالحين أنه كان إذا احتاج سأل ذميًا، لئلا يعاقب المسلم بسببه لوْ ردّه. وهذا التعليق وصله البيهقيّ.
ورجاله ستة:
مرّ منهم مُعلّى بن أسَد في الرابع والثلاثين من الحيض، ومرّ وهيب في تعليق بعد الخامس عشر من الإيمان، ومرّ محل حمزة وعبد الله في الذي قبله.
والباقي اثنان: الأول: النعمان بن راشد الجزري، أبو إسحاق الرَّقيّ، مولى بني أمية، يقال: إنه أخو إسحاق بن راشد، وقال أبو حاتم: لم يصح عندي ذلك، ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال النَّسائي: صدوق فيه ضعف. وقال ابن مُعين مرة: ضعيف مضطرب الحديث، وقال مرة: ثقة. وقال العقيليّ: ليس بالقويّ، يعرف فيه الضعف. وقال ابن عديّ: احتمله الناس، وذكره يحيى القطان فضعفه جدًا. وقال أحمد: مضطرب الحديث، روى أحاديث مناكير. وقال البخاري وأبو حاتم: في حديثه وهم كثير، وهو في الأصل صدوق. روى عن الزُّهريّ وأخيه عبد الله وميمون بن مِهران وغيرهم. وروى عنه ابن جُريج، وهو من أقرانه، ووهيب بن خالد وحماد بن زيد وغيرهم.
الثاني: عبد الله بن مسلم بن عُبيد الله بن شهاب الزُّهريّ المدنيّ، أبو محمد، أخو الزّهريّ الإمام، وكان الأكبر. قال ابن مُعين: ثقة، وقال النَّسائي: ثقة ثبت، وذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال الواقديّ: كان ثقة كثير الحديث. وقال ابن سَعد: كان ثقة قليل الحديث، وهو أشبه يروى عن الزهري يروى عنه. روى عن ابن عمر وأنس وحمزة بن عبد الله وغيرهم. وروى عنه ابنه محمد بن عبد الله والنعمان بن راشد وبكير بن الأشجّ وغيرهم. مات قبل أخيه. ثم قال المصنف:
стр. 5907
باب قول الله عز جل لا يسألون الناس الحافًا. وكم الغنى
وقول النبي ﷺ ولا يجد غنى يغنيه لقول الله للفقراء الذين احصروا في سبيل الله إلى قوله فإن الله به عليم.
قوله: إلحافًا، أي: سؤالًا إلحاحًا وإبرامًا. قال الطبري: ألحف السائل في مسألته إذا ألح، فهو مُلْحِف فيها. وقوله: لقول الله ، اللام فيه لام التعليل، لأنه أورد الآية تفسيرًا لقوله في الترجمة: وكم الغنى، وكأنه يقول: وقول النبي ﷺ "ولا يجد غنى يغنيه" مبين لقدر الغنى، لأن الله تعالى جعل الصدقة للفقراء الموصوفين بهذه الصفة، أي: من كان كذلك، فليس بغنيّ، ومن كان بخلافها فهو بغنيّ، فحاصله أن شرط السؤال عدم وجدان الغنى، لوصف الله الفقراء بقوله ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: تجارة؛ لأن من وجد ضربًا في الأرض فهو واجد لنوع من الغنى، والمراد بالذين أَحْصِروا الذين حصرهم الجهاد، أي: منعهم الاشتغال به من الضرب، في الأرض، أي: التجارة، لاشتغالهم به عن التكسب.
قال ابن علية: كل مَحِيط يَحْصُر، بفتح أوله وضم الصاد، والأعذار المانعة تُحصِر، بضم المثناة وكسر الصاد، أي تجعل المرء كالمحاط به، و"للفقراء" يتعلق بمحذوف تقديره الإنفاق المقدم ذكره لهؤلاء. وأما قول المصنف في الترجمة: وكم الغنى، فلم يذكر فيه حديثًا صريحًا، فيحتمل أنه أشار إلى أنه لم يرد فيه شيء على شرطه، ويحتمل أن يستفاد المراد من قوله في حديث أبي هريرة "الذي لا يجد غنى يغنيه" فإن معناه لا يجد شيئًا يقع موقعًا من حاجته، فمن وجد ذلك كان غنيًا، وقد ورد فيه ما أخرجه التِّرمذيّ وغيره عن ابن مسعود، مرفوعًا "من سأل الناس وله ما يغنيه، جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش. قيل: يا رسول الله، وما يغنيه؟ قال: خمسون درهمًا، أو قيمتها من الذهب".
وفي إسناده حكيم بن جُبير، وهو ضعيف، وقد مرَّ حديث أبي سعيد عند النَّسائي في باب الاستعفاف، وفيه "من سأل وله أوقية فقد ألحف" وأخرجه ابن حِبّان في صحيحه بلفظ "فهو مُلْحِف" وعند النَّسائي بلفظ "فهو المُلْحِف" وأخرج أبو داود عن عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد له صحبة، في أثناء حديث مرفوع ق فيه: "من سأل منكم وله أوقية أو عَدْلها، فقد سأل إلحافًا". وأخرج أبو داود أيضًا، وصححه ابن حِبّان عن سهل بن الحنظلية، قال: قال رسول الله ﷺ "من سأل وعنده ما يغنيه، فإنما يستكثر من النار، فقالوا: يا رسول الله، وما يغنيه؟ قال: قدر ما يغذيه
стр. 5908
ويعشيه". قال التِّرمذيُّ في حديث ابن مسعود: العمل على هذا عند بعض أصحابنا كالثَّوريّ وابن المبارك وأحمد وإسحاق. قال: ووسع قوم في ذلك، فقالوا: إذا كان عنده خمسون درهمًا أو أكثر، وهو محتاج، فله أن يأخذ من الزكاة، وهو قول الشافعيّ وغيره من أهل العلم.
وقال الشافعي: قد يكون الرجل غنيًا بالدرهم مع الكسب، ولا يغنيه الألف مع ضعفه في نفسه وكثرة عياله، وفي المسألة مذاهب أخرى أحدها قول مالك أن الذي عنده ما يكفيه لعامه غنيٌّ، فلا يعطى من الزكاة، وتعطى عنده لمالِك نصابٍ لا يكفيه لعامه، ويعطى كفاية سنة. الثاني قول أبي حنيفة: إن الغني من ملك نصابًا، فيحرم عليه أخذ الزكاة، واحتج بحديث ابن عباس في بعث معاذ إلى اليمن، وقول النبي ﷺ له "تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم"، فوصف من تؤخذ الزكاة منه بالغنيّ، وقد قال "لا تحل الصدقة لغني". ثالثها: أن حَدَّه من وجد ما يغذيه ويعيشه على ظاهر حديث سهل بن الحنظلية، حكاه الخطابيّ عن بعضهم، ومنهم من قال: وَجْهه من لا يجد غداء ولا عشاء على دائم الأوقات. رابعها: "أن حده أربعون درهمًا، وهو قول أبي عبيد بن سلام على ظاهر حديث أبي سعيد، وهو الظاهر من تصرف البخاريّ، لأنه اتبع ذلك قوله "لا يسألون الناس الحافًا" وقد تضمن الحديث المذكور أن من سأل وعنده هذا القدر، فقد سأل إلحافًا.
الحديث التاسع والسبعون
حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ الأُكْلَةُ وَالأُكْلَتَانِ، وَلَكِنِ الْمِسْكِينُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ غِنًى وَيَسْتَحْيِ أَوْ لاَ يَسْأَلُ النَّاسَ إِلْحَافًا.
قوله: ليس المسكين، مِفعيل من السكون، فكأنه من قلة المال سكنت حركاته، ولذا قال تعالى ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ أي: لاصق بالتراب. وقوله: الأُكلة والأُكلتان، بالضم فيهما، ويؤيده ما في رواية الأعرج الآتية آخر الباب "اللُّقمة واللُّقمتان، والتمرة والتمرتان" وزاد فيه "الذي يطوف على الناس". قال أهل اللغة: الأُكلة بالضم، للقمة، وبالفتح المرة من الغداء والعشاء. وقوله: ليس له غنى، في رواية الأعرج "غنى يغنيه" وهذه صفة زائدة على اليسار المنفي، إذ لا يلزم من حصول اليسار للمرء أن يغنى به، بحيث لا يحتاج إلى شيء آخر، وكأن المعنى نفي اليسار المقيد بأنه يغنيه مع وجود أصل اليسار. وهذا كقوله تعالى ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾.
وقوله: ويستحي، زاد في رواية الأعرج، "ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس" وهو بنصب يسأل ويصدق، وموضع الترجمة منه قوله "ليس له غِنى". وقد أورده المصنف في التفسير عن أبي هُريرة بطريق يظهر تعلقها بهذه الترجمة أكثر من هذه الطريق، ولفظه هناك "إنما المسكين الذي يتعفف، اقرأوا إن شئتم، يعني قوله ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ وكذا في تفسير ابن أبي حاتم، بزيادة "يعني".
стр. 5909
وأخرجه مسلم وأحمد من هذا الوجه بدونها، وفي الحديث أن المسكنة إنما تحمد مع العفة عن السؤال والصبر على الحاجة، وفيه استحباب الحياء في كل الأحوال، وحسن الإرشاد لوضع الصدقة، وأن يتحرى وضعها فيمن صفته التعفف دون الإلحاح. وفيه دلالة لمن يقول إن الفقير أسوأ حالًا من المسكين، وأن المسكين الذي له شيء، لكنه لا يكفيه، والفقير الذي لا شيء له، كما تقدم توجيهه. ويؤيده قوله تعالى ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ فسماهم مساكين مع أن لهم سفينة يعملون فيها، وهذا قول الشافعيّ وجمهور أهل الحديث والفقه. وعكس آخرون فقالوا: المسكين أسوأ حالًا من الفقير، وقال آخرون: هما سواء، وهذا قول ابن القاسم وأصحاب مالك، وقيل: الفقير الذي يسأل، المسكين الذي لا يسأل حكاه ابن بطال، وظاهره أيضًا أن المسكين من اتصف بالتعفف وعدم الإلحاف في السؤال، لكن قال ابن بطال: معناه المسكين الكامل، وليس المراد نفي أصل المسكنة عن الطواف، بل هي مثل قوله "أتدرون ما المفلس؟ " الحديث، وقوله تعالى ﴿لَيْسَ الْبِرَّ ...﴾ الآية. وكذا قرره القرطبيّ وغير واحد.
رجاله أربعة:
قد مرّوا، مرّ حجّاج بنُ منهال في الثامن والأربعين من الإيمان ومرّ شعبة في الثالث منه، وأبو هريرة في الثاني منه، ومرّ محمد بن زياد في الثلاثين من الوضوء.
وهذا الحديث من الرباعيات.
الحديث الثمانون
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنِ ابْنِ أَشْوَعَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي كَاتِبُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنِ اكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ . فَكَتَبَ إِلَيْهِ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلاَثًا قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ.
ذكره هنا مختصرًا، وذكره في كتاب الأدب والرِّقاق تامًا، فزاد فيه "عقوق الأمهات، ومنعًا وهات ووأد البنات" قوله: كره لكم ثلاثًا، قيل: وقال في رواية الشعبي: كان ينهى عن قيل وقال، وكذا للأكثر في جميع المواضع بغير تنوين، وفي رواية الكشميهنيّ: قيلًا وقال، والأول أشهر، وفيه تعقب على من زعم أنه جائز، ولم تقع به الرواية. قال الجوهريّ: قيل وقال اسمان، يقال: كثيرُ القيلِ والقالِ، فاستدل على أنهم اسمان بدخول الألف واللام. وفي حرف ابن مسعود ﴿ذلك عيسى بن مريم قالُ الحق﴾ بضم اللام، وقال ابن دقيق العبد: الأشهر فتح اللام فيهما، على سبيل الحكاية، وهو الذي يقتضيه المعنى لأن القيل والقال لو كانا اسمين بمعنى واحد، كالقول، لم يكن لعطف أحدهما على الآخر فائدة، بخلاف ما إذا كانا فعلين. وقال المحب الطبري: إذا كانا
стр. 5910
اسمين، يكون الثاني تأكيدًا، والحكمة في النهي عن ذلك أن الكثرة من ذلك لا يؤمن معها وقوع الخطأ.
وقال المحب الطبريّ: في قيلَ وقال ثلاثة أوجه:
أحدها أنهما مصدران للقول، تقول: قلت قولًا وقيلًا وقالًا، والمراد في الأحاديث الإشارة إلى كراهة كثرة الكلام، لأنها تؤول إلى الخطأ. قال: وإنما كرره للمبالغة في الزجر عنه.
ثانيها: إرادة حكاية أقاويل الناس، والبحث عنها ليخبر عنها، فيقول: قال فلان كذا، وقيل كذا، والنهي عنه إما للزجر عن الاستكثار منه، وإما لشيء مخصوص منه. وهو ما يكرهه المحكيُّ عنه.
ثالثها: أن ذلك في حكاية الاختلاف في أمور الدين، كقوله: قال فلان كذا، وقال فلان كذا، ومحل كراهة ذلك أن يكثر من ذلك بحيث لا يؤمن مع الإكثار من الزلل، وهو مخصوص بمن ينقل ذلك من غير تثبت، ولكن يقلد من سمعه، ولا يحتاط لبيان الراجح. ويؤيد ذلك الحديث الصحيح "كفى بالمرء إثمًا أن يحدث بكل ما سمع" أخرجه مسلم. وفي شرح المِشكاة، قوله: قيل وقال، من قولهم: قيل كذا، وقال كذا، وبناؤهما على كونهما فعلين محكيين متضمنين للضمير، والإعراب على إجرائهما مجرى الأسماء خلوين من الضمير، ومنه قوله "إنما الدنيا قيل وقال" وإدخال حرف التعريف عليهما في قوله "ما يعرف القال القيل" لذلك.
وقوله: وإضاعة الأموال، وفي رواية الكشميهنيّ "وإضاعة المال" وقد مرّ استيفاء الكلام غاية على هذه الكلمة، عند ذكرها تعليقًا في باب "لا صدقة إلا عن ظهر غِنى". وقوله: وكثرة السؤال، هو موضع الترجمة من الحديث، قال ابن التين: فهم منه البخاري سؤال الناس، ويحتمل أن يكون المراد السؤال عن المشكلات، أو ما لا حاجة للسائل به، ولذا قال ﵊: "ذروني ما تركتكم" وحمله على المعنى الأعم أولَى، ويستقيم مراد البخاري مع ذلك، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن المراد به كثرة السؤال عن أخبار الناس، وأحداث الزمان، أو كثرة سؤال إنسان بعينه عن تفاصيل حاله، فإن ذلك مما يكرهه المسؤول غالبًا: وقد ثبت النهي عن الأُغلوطات. أخرجه أبو داود عن معاوية.
وثبت عن جمع من السلف كراهةُ تكلفِ المسائل التي يستحيل وقوعها عادةً، أو يندر جدًا، وإنما كرهوا ذلك لما فيه من التَّنطُّع والقول بالظن، إذ لا يخلو صاحبه من الخطأ. وقد قال مالك: والله لأخشى أن يكون هذا الذي أنتم فيه من تفريع المسائل مما نهى عنه، وأما ذكر في اللعان فكره النبي ﷺ المسائل وعابها، وكذا في التفسير في قوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ فذلك خاص بزمان نزول الوحي، ويشير إليه حديث "أعظم الناس جرمًا عند الله من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته". وقد ثبت أيضًا ذم السؤال للمال، ومدح من لا يلحف
стр. 5911
فيه، كقوله تعالى ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾.
وفي صحيح مسلم أن المسألة لا تحل إلا لثلاثة، لذي فقر مُدقع، أو غُرم مفظع، أو جائحة، وفي السنن قوله ﷺ لابن عباس؛ "إذا سألت فاسأل الله" وفي سنن أبي الـ "إن كنت لابد سائلًا فاسأل الصالحين"، وقد اختلف العلماء في ذلك، والمعروف عند الشافعية أنه جائز؛ لأنه طلب مباح، فأشبه العارِيّة، وحملوا الأحاديث الواردة على من سأل من الزكاة الواجبة ممن ليس من أهلها، لكن قال النووي: اتفاق العلماء على النهي عن السؤال من غير ضرورة، قال: واختلف أصحابنا في سؤال القادر على الكسب على وجهين: أصحهما التحريم، لظاهر الأحاديث، والثاني يجوز مع الكراهة، بشروط ثلاثة: أنْ لا يلح، ولا يذل نفسه، زيادة على ذل نفس السؤال، ولا يؤذي المسؤول، فإنْ فُقِد شرطٌ من ذلك حَرُم. وقال الفاكهانيّ: يتعجب ممن قال بكراهة السؤال في عصره ﷺ ، ثم السلف الصالح من غير تكبر، فالشارع لا يقر على مكروه، فلعل من كره مطلقًا، أراد أنه خلاف الأوْلى، ولا يلزم من وقوعه أن تتغير صفته، ولا من تقريره أيضًا. وينبغي حمل حال أولئك على السداد، وأن السائل منهم غالبًا ما كان يسأل إلا عند الحاجة الشديدة.
وفي قوله: من غير نكير، نظرٌ، ففي الأحاديث الكثيرة الواردة في ذم السؤال كفاية في إنكار ذلك، وجميع ما تقدم فيمن سأل لنفسه، وأما السائل لغيره فالذي يظهر أيضًا أنه يختلف باختلاف الأحوال. وقوله: وعقوق الأمهات، قيل: خص الأمهات بالذكر لأن العقوق إليهن أسرع من الآباء، لضعف النساء، ولينبه على أن برّ الأم مقدم على برّ الأب، في التلطف والحنو ونحو ذلك. وهذا من تخصيص الشيء بالذكر، إظهارًا لعظم موقعه. والأمهات جمع أُمَّهةٍ، وهي لمن يعقل، بخلاف الأُم فإنه أعم.
وقوله: ومنعًا وهات، بالتنوين، وفي رواية "ومنع وهات" بغير تنوين، وهي في الموضعين بسكون النون، مصدر منع يمنع، وأما هات، فبكسر المثناة، فعل أمر من الإيتاء. قال الخليل: أصل هات آت، فقلبت الهمزة هاء، والحاصل من النهي منع ما أمر بإعطائه، وطلب ما لا يستحق أخذه، ويحتمل أن يكون النهي عن السؤال مطلقًا، كما مرَّ بسطه قريبًا. ويكون ذكره هنا مع ضده، ثم هو محتمل أن يدخل في النهي ما يكون خطابًا بالاثنين، كما ينهى الطالب عن طلب ما لا يستحقه، وينهى المطلوب عن إعطاء ما لا يستحقه الطالب، لئلا يعينه على الإثم.
وقوله: ووأد البنات، بسكون الهمزة، وهو دفن البنات في الحياة، وكان أهل الجاهلية يفعلون ذلك كراهةً فيهن. ويقال: إن أول من فعل ذلك قيسُ بن عاصم التميميّ، وكان بعض أعدائه أغار عليه، فأخذ بنته فأتخذها لنفسه، ثم وقع بينهم صلح بعد ذلك، فخَيَّر ابنته فاختارت زوجها، فآلى قيس على نفسه أن لا تولد له بنت إلا دفنها حية، فتبعه العرب في ذلك. وكان من العرب فريق ثانٍ يقتلون أولادهم مطلقًا، إما نفاسة منه على ما ينقصه من ماله، وإما من عدم ما ينفقه عليه. وقد ذكر الله أمرهم في القرآن في عدة آيات، وكان صعصعة بن ناجية التميمي أيضًا جَدّ الفرزدق همام
стр. 5912
غالب بن صعصعة، أول من فدى الموؤودة، وذلك أنه يعمد إلى من يريد أن يفعل ذلك، فيفدي الولد منه بمال ينفقان عليه، ولذلك أشار الفرزدق بقوله:
وجدي الذي منعَ الوائداتِ ... وأحيا الوَئيد فلم يُوأدِ
وهذا محمول على الفريق الثاني، وقد بقي كل من قيسُ وصعصعة إلى أن أدركا الإِسلام، ولهما صحبة، وإنما خص البنات بالذكر لأنه كان الغالب من فعلهم؛ لأن المذكور مظنة القدرة على الاكتساب، وكانوا في صفة الوأد على طريقين: إحدهما أن يأمر امرأته إذا قرب وضعها أن تطلق بجانب حفيرة، فإذا وضعت ذكرًا أبقته، وإذا وضعت أنثى طرحتها في الحُفيرة. وهذا أليق بالفريق الأول، ومنهم من كان إذا صارت البنت سُداسية، قال: لأمها طيبيها وزينيها لأزور بها أقاربها، ثم يبعد بها في الصحراء حتى يأتي البئر، فيقول لها: انظري فيها، ويدفعها من خلفها، ويطمها، وهذا اللائق بالفريق الثاني.
رجاله سبعة:
قد مرّوا. إلا ابن الأشوع. بالمعجمة، وزن أحمد، مرَّ يعقوب بن إبراهيم وإسماعيل بن علية في الثامن من الإيمان، والشعبي في الثالث منه، والمُغيرة بن شعبة في الأخير منه، ومرَّ خالد الحذاء في السابع عشر من العلم، ومعاوية في الثالث عشر منه، ومرَّ وراد كاتب المغيرة في الحادي عشر والمئة من صفة الصلاة. وأما ابن أشْوع، فهو سعيد بن عمرو بن الأشوع الهمدانيّ الكوفيّ القاضي. ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال العجليّ: ثقة. وقال ابن مُعين: مشهور، وقال النَّسائيّ: ليس به بأس. وقال البخاريّ في الأوسط: رأيت إسحاق بن راهويه يحتج بحديثه، وقال الحاكم: هو شيخ من ثقات الكوفيين، يجمع حديثه. وقال الجوزجانيّ: غالٍ في التشيع زائغ. قال في المقدمة: الجوزجاني غالٍ في النصب، فتعارضا. وقد احتج به الشيخان، وليس له عند البخاريّ إلا حديثان، أحدهما متابعة.
روى عن شُريح بن النعمان وشريح بن هانىء والشعبيّ. وغيرهم. وروى عنه سعيد بن مَسروق الثَّوريّ وابنه سفيان وخالد الحذاء وغيرهم. مات في ولاية خالد بن عبد الله على العراق، سنة عشرين ومئة. فيه تابعيان وصحابيان، وقد ذكرنا في باب الذكر بعد الصلاة من أخرجه.
الحديث الحادي والثمانون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَهْطًا وَأَنَا جَالِسٌ فِيهِمْ قَالَ فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ رَجُلاً لَمْ يُعْطِهِ، وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَارَرْتُهُ فَقُلْتُ مَا لَكَ عَنْ فُلاَنٍ وَاللَّهِ إِنِّى لأُرَاهُ مُؤْمِنًا. قَالَ أَوْ قَالَ: مُسْلِمًا
стр. 5913
قَالَ: فَسَكَتُّ قَلِيلاً ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ فِيهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ. مَا لَكَ عَنْ فُلاَنٍ وَاللَّهِ إِنِّي لأُرَاهُ مُؤْمِنًا. أو قَالَ: مُسْلِمًا. يَعْنِى فَقَالَ: إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ.
هذا الحديث قد مرَّ استيفاء الكلام عليه في كتاب الإيمان في باب "إذا لم يكن الإِسلام على الحقيقة".
رجاله سبعة:
قد مرّوا، وفيه لفظ رجل مبهم، مرَّ محمد بن غُرير ويعقوب بن إبراهيم في السادس عشر من العلم، ومرّ إبراهيم بن سعد في السادس عشر من الإيمان، ومرَّ عامر بن سعد وأبوه سعد في العشرين منه، ومرَّ صالح بن كيسان في الأخير من بدء الوحي، ومرَّ ابن شهاب في الثالث منه، والرجل المبهم هو جُعَيل بن سُراقة، وقد مرّ في العشرين من الإيمان. والحديث مرَّ الكلام عليه عند ذكره في العشرين من الإيمان.
ثم قال: وعن أبيه عن صالح عن إسماعيل بن محمد أنه قال: سمعت أبي يحدث بهذا، فقال في حديثه: فضرب رسول الله ﷺ بيده، فجمع بين عنقي وكتفي ثم قال: أقبل، أيْ سعدُ إني لأُعطي الرجل ... وهذا طريقة من الحديث الأول، ذكره بإسنادين، وموضع الترجمة منه قوله في الرواية الثانية "فجمع بين عنقي وكتفي ثم قال أقبل" قوله: فجمع، بفاء العطف وفعل الماضي، في رواية أبي ذَرٍّ، وفي رواية غيره "جمع" بدون فاء، ويروى "فضرب رسول الله ﷺ بيده، فجمع بين عنقي وكتفي" أي: حيث يجتمعان، وتوجيه هذه الرواية أن يكون لفظ "بين" اسمًا لا ظرفًا، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ على قراءة الرفع، فيكون لفظ "مجمع" مضافًا إليه. ويروى "فضرب ﵊ بيدهِ يجمع بين عنقي وكتفي" بالباء الجارة، وضم الجيم وسكون الميم، ومحله نصب على الحال، تقديره: فضرب بيده خال كونها مجموعة.
وقوله: أقبل بفتح الهمزة، أمر من الإقبال، أو بكسر الهمزة وفتح الباء من القبول، وتوجيه الأولى كأنه لما قال له ما قال، تولى ليذهب، فقال له: أقبل لأبين لك وجه الإعطاء والمنع. ومعنى الثانية إقْبَل ما أنا قائل لك، ولا تعترض عليه، ويدل عليه رواية مسلم "أقِتالًا أي سعد" أي: أتقاتل قتالًا، أي تعارضني فيما أقول مرة بعد مرة؟ كأنك تقاتل. وهذا يُشعر بأنه ﵊ كره منه إلحاحه عليه في المسألة.
ورجال هذه الطريقة خمسة:
مرّ محل إبراهيم بن سعد وصالح بن كيسان وسعد بن أبي وقاص، ﵁، في الذي قبله. والباقي اثنان: الأول إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص الزُّهريّ المدنيّ، ذكره
стр. 5914
يحيى بن مُعين في تابعي أهل المدينة ومحدثيهم، وقال: إنه ثقة حجة. وقال العجليّ وأبو حاتم والنَّسائيّ وابن خِراش: ثقة، وذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال ابن سعد: ثقة، وله أحاديث. وقال ابن عُيينة: كان إسماعيل بن محمد من أرفع هؤلاء. وقال ابن المديني: من كبار رجال ابن عُيينة، وهو قديم لما يلقه شُعبة ولا الثَّوريّ.
روى عن أنس وأبيه وعَمّيه عامر ومصعب وغيرهم. وروى عنه الزُّهريّ، وهو من أقرانه، وابنه أبو بكر وابن عُيينة وغيرهم. مات سنة أربع وثلاثين ومئة.
الثاني: أبو الأول، محمد بن سعد بن أبي وقاص المدني، أبو القاسم، قيل: إنه كان يلقب ظلّ الشيطان، لقصره. ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال العجليّ: تابعيّ ثقة. وقال ابن سَعد: كان ثقة، وله أحاديث ليست بالكثيرة، وكان قد خرج مع ابن الأشعث، وشهد دعي الجماجم، فأتي به الحجاج فقتله. أرسل عن النبي ﷺ ، وروى عن أبيه وعثمان وأبي الدرداء وغيرهم. وروى عنه ابناه إسماعيل وإبراهيم وأبو إسحاق السَّبيعيّ ويونس بن جُبير وغيرهم.
ثم قال: قال أبو عبد الله: فكبْكبوا قلبوا مكبًا، أكب الرجل، إذا كان فعله غير واقع على أحد، فإذا وقع الفعل قلت: كبّه الله لوجهه، وكببته أنا.
تقدمت الأَشارة إليه في الإيمان، وجرى المصنف على عادته في إيراد تفسير اللفظة الغريبة إذا وافق ما في الحديث ما في القرآن. وقوله: غير واقع، أي لازمًا، وإذا وقع، أي إذا كان متعديًا، والغرض أن هذه الكلمة من النوادر، حيث كان الثلاثيّ متعديًا، والمزيد فيه لازمًا عكس القاعدة التصريفية، قيل: ويجوز أن يكون ألف أكبّ للصيرورة.
الحديث الثاني والثمانون
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنِ الْمِسْكِينُ الَّذِي لاَ يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلاَ يُفْطَنُ بِهِ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَلاَ يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ.
هذا الحديث مرّ الكلام عليه قريبًا عند ذكره في أول أحاديث هذا الباب.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ إسماعيل بن عبد الله في الخامس عشر من الإيمان، ومرّ مالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ أبو الزناد والأعرج في السابع من الإيمان، ومرّ أبو هريرة في الثاني منه، وقد مرّ الكلام على هذا الحديث، وقد أخرجه النَّسائيّ أيضًا في الزكاة.
стр. 5915
الحديث الثالث والثمانون
حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، ثُمَّ يَغْدُوَ أَحْسِبُهُ قَالَ إِلَى الْجَبَلِ فَيَحْتَطِبَ، فَيَبِيعَ فَيَأْكُلَ وَيَتَصَدَّقَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ.
وهذا الحديث مرَّ الكلام عليه في باب الاستعفاف عن المسألة.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرّ عمر بن حفص وأبوه حفص في الثاني عشر من الغسل، ومرّ الأعمش في الخامس والعشرين من الإيمان، ومرَّ أبو صالح وأبو هريرة في الثاني منه.
ثم قال: قال أبو عبد الله: ابن كيسان أكبر من الزُّهريّ، وهو قد أدرك ابن عمر. قوله: أكبر من الزُّهريّ، يعني في السن، ومثل هذا جاء عن أحمد وابن مُعين. وقال ابن المدِينيّ: كان أسَنَّ من الزُّهريّ، فإن مولده سنة خمسين، وقيل بعدها، ومات سنة ثلاث وعشرين ومئة، وقيل سنة أربع. وأما صالح بن كيسان فمات سنة أربعين ومئة، وقيل قبلها. وذكر الحاكم في مقدار عمره سنًا تعقبوه عليه. وقد مرّ ذلك في تعريفه آخر بدء الوحي.
وقوله: أدرك ابن عمر، أي: أدرك السماع منه، وأما الزُّهريّ فمختلف في لقيه له، والصحيح أنه لم يلقه، وإنما يروى عن ابنه سالم عنه، والحديثان اللذان وقع في رواية معمر منه أنه سمعهما من ابن عمر، ثبتَ ذكر سالم بينهما في رواية غيره، ومرّ محل صالح والزهريّ، في الحديث الثمانين، ومّر ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه ثم قال المصنف:
стр. 5916
باب خرص التمر
أي: مشروعيته، والخَرْص بفتح المعجمة، وحكي كسرُها، وبسكون الراء بعدها مهملة، هو حَزْر ما على النخل من الرُّطب تمرًا. حكى التِّرمذي عن بعض أهل العلم أن تفسيره أن الثمار إذا أدركت من الرطب والعنب، مما تجب فيه الزكاة، بعث السلطان خارصًا ينظر فيقول: يخرج من هذا كذا وكذا زبيبًا، وكذا وكذا تمرًا، فيحصيه وينظر مبلغ العُشر، فيثبته عليهم. ويخلّي بينهم وبين الثمار، فإذا جاء وقت الجذاذ أُخذ منهم العشر.
وفائدة الخرص التوسعة على أرباب الثمار في التناول منها، والبيع من زهوها وإيثار الأهل والجيران والفقراء، لأن في منعهم منها تضييقًا لا يخفى، وقال الخطابيّ: أنكر أصحاب الرأي الخَرْص. وقال بعضهم: إنما كان يفعل تخويفًا للمزارعين، لئلا يخونوا، لا ليلزم به الحكم، لأنه تخمين وغرور، أو كان يجوز قبل تحريم الربا والقمار. وتعقبه الخطابيّ بأن تحريم الربا والميسر متقدم، والخرص عمل به في حياة النبي ﷺ حتى مات، ثم أبو بكر وعمر، فمن بعدهم، ولم ينقل عن أحد منهم، ولا من التابعين تركه إلا عن الشعبيّ قال: وأما قولهم إنه تخمين وغرور، فليس كذلك، بل هو اجتهاد في معرفة مقدار التمر، وإدراكه بالخرص الذي هو نوع من المقادير.
حكى أبو عبيد عن قوم منهم أن الخرص كان خاصًا بالنبي ﷺ ، لأنه كان يوفق من الصواب ما لا يوفق غيره، تعقبه بأنه لا يلزم من كون غيره لا يسدد لما كان يسدد له، سواء إن تثبت بذلك الخصوصية وإن كان المرء لا يجب عليه الاتباع إلا فيما يعلم أنه يسدد فيه كتسديد الأنبياء، لسقط الاتباع وترد هذه الحجة أيضًا بإرسال النبي ﷺ الخُرَّاص في زمانه، واعتل الطحاويّ بأنه يجوز أن يحصل للتمرة آفة فتتلفها، فيكون ما يؤخذ من صاحبها مأخوذا بدلًا مما لم يسلم، وأجيب بأن القائلين به لا يضمنون أرباب الأموال ما تلف بعد الخرص. قال ابن المنذر: أجمع من يحفظ عنه العلم، أن المخروص إذا أصابته جائحة قبل الجذاذ، فلا ضمان.
الحديث الرابع والثمانون
حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ عَبَّاسٍ السَّاعِدِيِّ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ فَلَمَّا جَاءَ وَادِيَ الْقُرَى إِذَا امْرَأَةٌ فِي حَدِيقَةٍ لَهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَصْحَابِهِ اخْرُصُوا. وَخَرَصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ
стр. 5917
أَوْسُقٍ فَقَالَ لَهَا أَحْصِي مَا يَخْرُجُ مِنْهَا. فَلَمَّا أَتَيْنَا تَبُوكَ قَالَ أَمَا إِنَّهَا سَتَهُبُّ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَلاَ يَقُومَنَّ أَحَدٌ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ بَعِيرٌ فَلْيَعْقِلْهُ. فَعَقَلْنَاهَا وَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَقَامَ رَجُلٌ فَأَلْقَتْهُ بِجَبَلِ طَيِّءٍ وَأَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ لِلنَّبِىِّ ﷺ بَغْلَةً بَيْضَاءَ، وَكَسَاهُ بُرْدًا وَكَتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ فَلَمَّا أَتَى وَادِيَ الْقُرَى قَالَ لِلْمَرْأَةِ كَمْ جَاءَ حَدِيقَتُكِ. قَالَتْ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ خَرْصَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إِنِّي مُتَعَجِّلٌ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَعَجَّلَ مَعِي فَلْيَتَعَجَّلْ. فَلَمَّا قَالَ ابْنُ بَكَّارٍ كَلِمَةً مَعْنَاهَا أَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ هَذِهِ طَابَةُ. فَلَمَّا رَأَى أُحُدًا قَالَ هَذَا جُبَيْلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الأَنْصَارِ. قَالُوا بَلَى. قَالَ دُورُ بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ دُورُ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، ثُمَّ دُورُ بَنِي سَاعِدَةَ، أَوْ دُورُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَفِى كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ يَعْنِي خَيْرًا.
قوله: عن عمرو بن يحيى، ولمسلم من وجه آخر "عن وهيب حدثنا عمرو بن يحيى". وقوله: عن عباس الساعديّ، هو ابن سهل بن سعد، وفي رواية أبي داود من هذا الوجه عن العباس الساعديّ، يعني ابن سهل بن سعد. وفي رواية الإسماعيليّ من وجه آخر "عن وهيب حدثنا عمرو بن يحيى حدثنا عباس بن سَهل الساعديّ".
وقوله: غزوة تَبُوك، بفتح التاء المثناة من فوق وضم الموحدة الخفيفة وفي آخره كاف، منصرف بينها وبين المدينة أربع عشرة مرحلة من طرف الشام، وبينها وبين دمشق إحدى عشرة مرحلة. وفي المحكم: تبوك اسم أرض، وقد تكون تبوك تَفْعُل، فهي عنده صحيحة الآخر. وقال ابن قتيبة: إن النبي ﷺ جاء في غزوة تبوك، وهم يبوكون حِسْيها بقَدح، فقال: ما زلتم تبوكونها بعد؟ فسميت بتبوك. وهذا يدل على أنه معتل، ومعنى تبوكون: تدخلون فيه السهم، وتحركونه ليخرج ماؤه.
وقوله: حِسيها، هو بكسر الحاء وسكون السين المهمتلين، وفي آخره ياء آخر الحروف، وهو ما تَنْشِفه الأرض من الرمل، فإذا صار إلى صلابة أمسكته، فيحفر عنه الرمل فيستخرجة، ويجمع الحِسْيُ على أحساء. وغزوة تبوك تسمى بالعُسْرة، والفاضحة، وكانت في رجب يوم الخميس سنة تسع، وقال ابن التين: خرج ﵊ إليها في أول يوم من رجب، ورجع. في سَلْخِ شوال. وقيل: في رمضان. وهي آخر غزواته، لم يقدر أحد أن يتخلف عنها، وكانت في شدة الحر وإقبال الثمار، ولم يكن فيها قتال، ولم تكن غزوة إلاّ ورّى النبي ﷺ فيها إلا غزوة تبوك.
وقوله: فلما جاء وادي القُرى، هي مدينة قديمة بين المدينة والشام، وأغرب ابن قرقول فقال: إنها من أعمال المدينة. وقوله: إذا امرأة في حديقة لها، استدل به على جواز الابتداء بالنكرة، لكن بشرط الإفادة. قال ابن مالك: لا يمتنع الابتداء بالنكرة المحضة على الإطلاق، بل إذا لم تحصل فائدة، فلو اقترن بالنكرة المحضة قرينة تحصل بها الفائدة، جاز الابتداء بها. نحو انطلقت فإذا
стр. 5918
سَبُعٌ في الطريق، يعني المفاجأة. وفي رواية مسلم "فأتينا حديقة امرأة"، ولم يذكر اسم هذه المرأة في شيء من الطرق.
وقوله: اخْرُصوا، بضم الراء، زاد سليمان "فخرصنا"، ولم تذكر أسماء من خرص منهم. وقوله: وخرص، زاد سليمان "وخرصها". وقوله: أُحصي، أي احفظي عدد كيلها. وفي رواية سليمان "احصيها حتى نرجع إليك إن شاء الله" وأصل الإحصاء العدد بالحصى، لأنهم كانوا لا يحسنون الكتابة، فكانوا يضبطون العدد بالحصى. وقوله: ستهب الليلة، زاد سليمان "عليكم". وقوله: فلا يقومنَّ أحد، في رواية سليمان "فلا يقم فيها أحد منكم". وقوله، فليعقله، أي بشده بالعقال، وهو الحبل، وفي رواية سليمان "فليشد عقاله" وفي رواية ابن إسحاق في المغازي "ولا يخرجنَّ أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له".
وقوله: فقام رجل فألقته بجبل طيء، في رواية الكشميهنيّ "بجبلَي طيء"، وفي رواية الإسماعيليّ، "ولم يقم فيها أحد غير رجلين ألقتهما بجبل طيء" وفيه نظر بينته رواية ابن إسحاق، ولفظه "ففعل الناس ما أمرهم، إلا رجلين من بني ساعدة، خرج أحدهما لحاجته، وخرج الآخر لطلب بعير له، فأما الذي ذهب لحاجته، فإنه خُنق على مذهبه، وأما الذي ذهب في طلب بعير له، فاحتملته الريح حتى طرحته بجبل طيء، فأخبر رسول الله ﷺ فقال: ألم أنهكم أن يخرجَ رجلٌ إلا ومعه صاحب له؟ ثم دعا للذي أصيب على مذهبه، فشفي، وأما الآخر فإنه وصل إلى رسول الله ﷺ حين قدم من تبوك".
والمراد بجبلي طيء المكان الذي كانت القبيلة المذكورة تنزله، واسم الجبلين المذكورين: أَجَأ، بهمزة وجيم مفتوحتين بعدهما همزة، بوزن قمر، وقد لا تهمز، فيكون بوزن عَصَى وسُلمى، وهما مشهوران، ويقال: إنهما سميا باسم رجل امرأة من العماليق.
ولم يعرف اسم الرجلين المذكورين، وأظن أن ترك ذكرهما وقع عمدًا، ففي آخر ابن إسحاق أن عبد الله بن أبي بكر، حدثه أن العباس بن سهل سمى الرجلين، ولكنه استكتمني إياهما، وأبى عبد الله أن يسميهما لنا وقوله: وأهدى ملك أَيْلَة، بفتح الهمزة وسكون التحتانية بعدها لام مفتوحة، بلدة قديمة بساحل البحر، وقد مرَّ الكلام عليها في باب "الجمعة في القرى والمدن" من كتاب الجمعة، وعند مسلم وجاء رسول ابن العلماء صاحب أيلة إلى رسول الله ﷺ بكتاب، وأهدى له بغلة بيضاء، وفي مغازي ابن إسحاق ولما انهى رسول الله ﷺ إلى تبوك، أتاه يوحنا بن رُوبة، صاحب أيلة، فصالح رسول الله ﷺ ، وأعطاه الجزية، فاستفيد من ذلك اسمه واسم أبيه، فلعل العلماء اسم أمه، ويوحنا، بضم التحتانية وفتح المهملة وتشديد النون، وروبة، بضم الراء وسكون الواو بعدها موحدة.
واسم البغلة المذكورة وُلْدُلَ، لما جزم به النوويّ، ونقل عن العلماء انه لا تعرف له بغلة
стр. 5919
سواها. وتعقب بأن الحاكم أخرج في المستدرك عن ابن عباس أن كسرى أهدى للنبي ﷺ بغلة، فركبها بحبل من شعر، ثم أردفني عليها، وهذه غير وَلْدُل. ويقال: إن النجاشيّ أهدى له بغلة، وأن صاحب دَوْمَة الجندل أهدى له بغلة، وأن وَلْدُلًا إنما أهداها له المُقَوْقِس. وذكر السهيليّ أن التي كانت تحته يوم حُنين، تسمى فِضة، وكانت شهباء، وعند مسلم في هذه البغلة أنَّ فَرْوَة أهداها له.
وقوله: وكتب له ببحرهم، أي: ببلدهم، أو المراد بأهل بحرهم؛ لأنهم كانوا سكانًا بساحل البحر، أي: أنه أقره عليهم بما التزموه من الجزية. وفي بعض الروايات "ببحرتهم" أي: بلدتهم. وقيل: البحرة الأرض، وذكر ابن إسحاق الكتاب، وهو بعد البسملة: هذه أَمنَةٌ من الله ومحمد النبي رسول الله، ليوحنا بن روبة وأهل ايلة، سفنهم وسيارتهم في البر والبحر، لهم ذمة الله ومحمد النبي، .. وساق بقية الكتاب.
وقوله: كما جاء حديقتك، أي: تمر حديقتك، وعند مسلم "فسأل المرأة عن حديقتها، أي تمر حديقتك، وعند مسلم "فسأل المرأة عن حديقتها، كم بلغ ثمرها". وقوله: عشرة، بالنصب على نزع الخافض، أي: جاءت بمقدار عشرة أوْسُقٍ، أو على الحال. وقوله خَرْصَ بالنصب مصدر، إما بدلاً وإما بيانًا، ويجوز الرفع فيهما، وتقديره الحاصل عشرة أوسق، وهو خرص رسول الله. وقوله: فلما قال ابن بكّار كلمة معناها أشرف على المدينة، ابن بكّار هو شيخ المؤلف، فكأن البخاري شك في هذه اللفظة، فقال هذا.
وقوله: أشرف هو جواب فلما، وقد رواه أبو نعيم في المستحرج عن سَهل فذكرها بهذا اللفظ سواء، وفي رواية سليمان بن بلال الآتية قريبًا "أقبلنا مع رسول الله ﷺ ، حتى إذا دنا من المدينة أخذ طريق غُراب، لأنها أقرب إلى المدينة، وترك الأخرى .. " فساق الحديث. واستفيد منه بيان قوله "إني مُتَعَجِّل إلى المدينة، فمن أحب فيلتعجل معي" أي: إني سالكٌ الطريقَ القريبة، فمن أراد فلْيأتِ معي، يعني ممن له اقتدار على ذلك دون بقية الجيش.
وقوله: هذه طابة، اسم من أسمائها، وفي بعض طرقه "طيبة"، وروى مسلم عن جابر بن سمرة، مرفوعًا "أن الله سمى المدينة طابة" ورواه أبو داود الطيالسي بلفظ "كانوا يسمون المدينة يثرب، فسماها النبي ﷺ طابة". وأخرجه أبو عُوانة. والطاب والطِّيب لغتان بمعنى. واشتقاقهما من الشيء الطّيب. وقيل: لطهارة تربتها، وقيل: لطيبها لساكنها، وقيل: من طِيْب العيش بها. وقال بعض أهل العلم: وفي طيب ترابها وهو انها دليل شاهدٌ على صحة هذه التسمية، لأن من أقام بها يجد من تربتها وحيطانها رائحة لا تكاد توجد في غيرها، ولأبي عليّ الصدفيّ، قال الحافظ: أمر المدينة في طيب ترابها وهوائها يجده من أقام بها، ويجد لطيبها أقوى رائحة، ويتضاعف طيبها فيها من غيرها من البلاد، وكذلك العود وسائر أنواع الطيب. وللمدينة أسماء غير ما ذكر، وتأتي إن شاء الله تعالى في فضل المدينة.
стр. 5920
وقوله: هذا جبل يحبنا ونحبه، قال السهيليّ سمِّي أُحدًا لتوحُّده، وانقطاعه عن جبال أخوى هناك، أو لِمَا وقع من أهل التوحيد. وللعلماء في معنى ذلك أقوال، قيل: هو على الحقيقة، وظاهره: ولا مانع من وقوع مثل ذلك، بأن يخلق الله تعالى المحبة في بعض الجمادات، كما جاز التسبيح منها، ولكون أُحد من جبال الجنة، كما أخرجه أحمد عن أبي عبس بن جَبر مرفوعًا "جبل يحبنا ونحبه، وهو من جبال الجنة" وقد خاطبه ﷺ مخاطبة من يعقل، فقال، لما اضطرب: "اسكن أُحُدُ" وقيل: إن على حذف مضاف مجازًا، أي: أهل أحد، والمراد بهم الأنصار؛ لأنهم جيرانه على حد قوله تعالى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ وقال الشاعر:
وما حُبُّ الديار شغفنَ قلبي ... ولكنْ حبُّ من سَكَنَ الدِّيارا
وقيل: إنه قال ذلك للمسرة بلسان الحال، إذا قدم من سفر، لقربه من أهله ولقياهم، وذلك فعل من يحب نجمن يحب، وقال السهيليّ: كان ﵊ يحب الفأل الحسن، والاسم الحسن، ولا اسم أحسن من اسم مشتق من الأحَدية. قال: ومع كونه مشتقًا من الأحدية، فحركات حروفه الرفع، وذلك يشعر بارتفاع دين الأحَد وعلوه، فتعلق الحب من النبي ﷺ من به لفظًا ومعنى، فخُص من بين الجبال بذلك.
وقوله: دور بني النجار، وهم من الخزرج، والنجار هو تَيْم الله، وسمى بذلك لأنه ضرب رجلًا فنجره، فقيل له النجار. وهو ابن ثعلبة بن عمرو من الخزرج، وهم أخوال جد رسول الله ﷺ ، لأن والدة عبد المطلب منهم، وعليهم نزل لما قدم المدينة، فلهم مزية على غيرهم. وقوله: ثم بنو عبد الأشهل، هم من الأوس، وهم رهط سعد بن معاذ، وقد اختلف على أبي سلمة، هل قدم عبد الأشهل علي بني النجار أو بالعكس؟ ولم يختلف على أنس في تقديم بني النجار، وهو منهم، فله مزيد عناية بحفظ فضائلهم.
وقوله: ثم بنو الحارث بن الخزرج، أي: الأكبر، وقوله: ثم بنو ساعدة، هم من الخزرج، أيضًا، وساعدة هو ابن كعب بن الخزرج الأكبر، وقوله: وفي كل دور الأنصار، يعني خيرًا، أي: الفضل حاصل في جميع الأنصار، وإن تفاوتت مراتبه.
وفي هذا الحديث مشروعية الخرص، وقد مرَّ في الترجمة أن أهل الرأي خالفوا فيه، والمراد بهم الشَّعبيّ والثَّوريّ وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن، ومرّ ما احتجوا به، والرد عليهم، واختلف القائلون به: هل هو واجب أو مستحب؟ فحكى الصَّيْمَريُّ من الشافعية وجهاً بوجوبه، وقال الجمهور: هو مستحب إلا إنْ تعلق به حق محجور مثلًا، أو كان شركاؤه غير مؤتمنين، فيجب لحفظ مال الغير. واختلف أيضًا هل يختص بالنخل، أو يلحق به العنب أو يعم كل ما ينتفع به، رطبًا أو جافًا؟ وبالأول قال شُريح القاضي وبعض أهل الظاهر. والثاني قول الجمهور، وإلى الثالث نحا البخاريّ.
следующие страницы →