← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.

стр. 5916

باب خرص التمر أي: مشروعيته، والخَرْص بفتح المعجمة، وحكي كسرُها، وبسكون الراء بعدها مهملة، هو حَزْر ما على النخل من الرُّطب تمرًا. حكى التِّرمذي عن بعض أهل العلم أن تفسيره أن الثمار إذا أدركت من الرطب والعنب، مما تجب فيه الزكاة، بعث السلطان خارصًا ينظر فيقول: يخرج من هذا كذا وكذا زبيبًا، وكذا وكذا تمرًا، فيحصيه وينظر مبلغ العُشر، فيثبته عليهم. ويخلّي بينهم وبين الثمار، فإذا جاء وقت الجذاذ أُخذ منهم العشر. وفائدة الخرص التوسعة على أرباب الثمار في التناول منها، والبيع من زهوها وإيثار الأهل والجيران والفقراء، لأن في منعهم منها تضييقًا لا يخفى، وقال الخطابيّ: أنكر أصحاب الرأي الخَرْص. وقال بعضهم: إنما كان يفعل تخويفًا للمزارعين، لئلا يخونوا، لا ليلزم به الحكم، لأنه تخمين وغرور، أو كان يجوز قبل تحريم الربا والقمار. وتعقبه الخطابيّ بأن تحريم الربا والميسر متقدم، والخرص عمل به في حياة النبي ﷺ حتى مات، ثم أبو بكر وعمر، فمن بعدهم، ولم ينقل عن أحد منهم، ولا من التابعين تركه إلا عن الشعبيّ قال: وأما قولهم إنه تخمين وغرور، فليس كذلك، بل هو اجتهاد في معرفة مقدار التمر، وإدراكه بالخرص الذي هو نوع من المقادير. حكى أبو عبيد عن قوم منهم أن الخرص كان خاصًا بالنبي ﷺ ، لأنه كان يوفق من الصواب ما لا يوفق غيره، تعقبه بأنه لا يلزم من كون غيره لا يسدد لما كان يسدد له، سواء إن تثبت بذلك الخصوصية وإن كان المرء لا يجب عليه الاتباع إلا فيما يعلم أنه يسدد فيه كتسديد الأنبياء، لسقط الاتباع وترد هذه الحجة أيضًا بإرسال النبي ﷺ الخُرَّاص في زمانه، واعتل الطحاويّ بأنه يجوز أن يحصل للتمرة آفة فتتلفها، فيكون ما يؤخذ من صاحبها مأخوذا بدلًا مما لم يسلم، وأجيب بأن القائلين به لا يضمنون أرباب الأموال ما تلف بعد الخرص. قال ابن المنذر: أجمع من يحفظ عنه العلم، أن المخروص إذا أصابته جائحة قبل الجذاذ، فلا ضمان. الحديث الرابع والثمانون حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ عَبَّاسٍ السَّاعِدِيِّ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ فَلَمَّا جَاءَ وَادِيَ الْقُرَى إِذَا امْرَأَةٌ فِي حَدِيقَةٍ لَهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَصْحَابِهِ اخْرُصُوا. وَخَرَصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ

стр. 5917

أَوْسُقٍ فَقَالَ لَهَا أَحْصِي مَا يَخْرُجُ مِنْهَا. فَلَمَّا أَتَيْنَا تَبُوكَ قَالَ أَمَا إِنَّهَا سَتَهُبُّ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَلاَ يَقُومَنَّ أَحَدٌ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ بَعِيرٌ فَلْيَعْقِلْهُ. فَعَقَلْنَاهَا وَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَقَامَ رَجُلٌ فَأَلْقَتْهُ بِجَبَلِ طَيِّءٍ وَأَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ لِلنَّبِىِّ ﷺ بَغْلَةً بَيْضَاءَ، وَكَسَاهُ بُرْدًا وَكَتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ فَلَمَّا أَتَى وَادِيَ الْقُرَى قَالَ لِلْمَرْأَةِ كَمْ جَاءَ حَدِيقَتُكِ. قَالَتْ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ خَرْصَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إِنِّي مُتَعَجِّلٌ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَعَجَّلَ مَعِي فَلْيَتَعَجَّلْ. فَلَمَّا قَالَ ابْنُ بَكَّارٍ كَلِمَةً مَعْنَاهَا أَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ هَذِهِ طَابَةُ. فَلَمَّا رَأَى أُحُدًا قَالَ هَذَا جُبَيْلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الأَنْصَارِ. قَالُوا بَلَى. قَالَ دُورُ بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ دُورُ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، ثُمَّ دُورُ بَنِي سَاعِدَةَ، أَوْ دُورُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَفِى كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ يَعْنِي خَيْرًا. قوله: عن عمرو بن يحيى، ولمسلم من وجه آخر "عن وهيب حدثنا عمرو بن يحيى". وقوله: عن عباس الساعديّ، هو ابن سهل بن سعد، وفي رواية أبي داود من هذا الوجه عن العباس الساعديّ، يعني ابن سهل بن سعد. وفي رواية الإسماعيليّ من وجه آخر "عن وهيب حدثنا عمرو بن يحيى حدثنا عباس بن سَهل الساعديّ". وقوله: غزوة تَبُوك، بفتح التاء المثناة من فوق وضم الموحدة الخفيفة وفي آخره كاف، منصرف بينها وبين المدينة أربع عشرة مرحلة من طرف الشام، وبينها وبين دمشق إحدى عشرة مرحلة. وفي المحكم: تبوك اسم أرض، وقد تكون تبوك تَفْعُل، فهي عنده صحيحة الآخر. وقال ابن قتيبة: إن النبي ﷺ جاء في غزوة تبوك، وهم يبوكون حِسْيها بقَدح، فقال: ما زلتم تبوكونها بعد؟ فسميت بتبوك. وهذا يدل على أنه معتل، ومعنى تبوكون: تدخلون فيه السهم، وتحركونه ليخرج ماؤه. وقوله: حِسيها، هو بكسر الحاء وسكون السين المهمتلين، وفي آخره ياء آخر الحروف، وهو ما تَنْشِفه الأرض من الرمل، فإذا صار إلى صلابة أمسكته، فيحفر عنه الرمل فيستخرجة، ويجمع الحِسْيُ على أحساء. وغزوة تبوك تسمى بالعُسْرة، والفاضحة، وكانت في رجب يوم الخميس سنة تسع، وقال ابن التين: خرج ﵊ إليها في أول يوم من رجب، ورجع. في سَلْخِ شوال. وقيل: في رمضان. وهي آخر غزواته، لم يقدر أحد أن يتخلف عنها، وكانت في شدة الحر وإقبال الثمار، ولم يكن فيها قتال، ولم تكن غزوة إلاّ ورّى النبي ﷺ فيها إلا غزوة تبوك. وقوله: فلما جاء وادي القُرى، هي مدينة قديمة بين المدينة والشام، وأغرب ابن قرقول فقال: إنها من أعمال المدينة. وقوله: إذا امرأة في حديقة لها، استدل به على جواز الابتداء بالنكرة، لكن بشرط الإفادة. قال ابن مالك: لا يمتنع الابتداء بالنكرة المحضة على الإطلاق، بل إذا لم تحصل فائدة، فلو اقترن بالنكرة المحضة قرينة تحصل بها الفائدة، جاز الابتداء بها. نحو انطلقت فإذا

стр. 5918

سَبُعٌ في الطريق، يعني المفاجأة. وفي رواية مسلم "فأتينا حديقة امرأة"، ولم يذكر اسم هذه المرأة في شيء من الطرق. وقوله: اخْرُصوا، بضم الراء، زاد سليمان "فخرصنا"، ولم تذكر أسماء من خرص منهم. وقوله: وخرص، زاد سليمان "وخرصها". وقوله: أُحصي، أي احفظي عدد كيلها. وفي رواية سليمان "احصيها حتى نرجع إليك إن شاء الله" وأصل الإحصاء العدد بالحصى، لأنهم كانوا لا يحسنون الكتابة، فكانوا يضبطون العدد بالحصى. وقوله: ستهب الليلة، زاد سليمان "عليكم". وقوله: فلا يقومنَّ أحد، في رواية سليمان "فلا يقم فيها أحد منكم". وقوله، فليعقله، أي بشده بالعقال، وهو الحبل، وفي رواية سليمان "فليشد عقاله" وفي رواية ابن إسحاق في المغازي "ولا يخرجنَّ أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له". وقوله: فقام رجل فألقته بجبل طيء، في رواية الكشميهنيّ "بجبلَي طيء"، وفي رواية الإسماعيليّ، "ولم يقم فيها أحد غير رجلين ألقتهما بجبل طيء" وفيه نظر بينته رواية ابن إسحاق، ولفظه "ففعل الناس ما أمرهم، إلا رجلين من بني ساعدة، خرج أحدهما لحاجته، وخرج الآخر لطلب بعير له، فأما الذي ذهب لحاجته، فإنه خُنق على مذهبه، وأما الذي ذهب في طلب بعير له، فاحتملته الريح حتى طرحته بجبل طيء، فأخبر رسول الله ﷺ فقال: ألم أنهكم أن يخرجَ رجلٌ إلا ومعه صاحب له؟ ثم دعا للذي أصيب على مذهبه، فشفي، وأما الآخر فإنه وصل إلى رسول الله ﷺ حين قدم من تبوك". والمراد بجبلي طيء المكان الذي كانت القبيلة المذكورة تنزله، واسم الجبلين المذكورين: أَجَأ، بهمزة وجيم مفتوحتين بعدهما همزة، بوزن قمر، وقد لا تهمز، فيكون بوزن عَصَى وسُلمى، وهما مشهوران، ويقال: إنهما سميا باسم رجل امرأة من العماليق. ولم يعرف اسم الرجلين المذكورين، وأظن أن ترك ذكرهما وقع عمدًا، ففي آخر ابن إسحاق أن عبد الله بن أبي بكر، حدثه أن العباس بن سهل سمى الرجلين، ولكنه استكتمني إياهما، وأبى عبد الله أن يسميهما لنا وقوله: وأهدى ملك أَيْلَة، بفتح الهمزة وسكون التحتانية بعدها لام مفتوحة، بلدة قديمة بساحل البحر، وقد مرَّ الكلام عليها في باب "الجمعة في القرى والمدن" من كتاب الجمعة، وعند مسلم وجاء رسول ابن العلماء صاحب أيلة إلى رسول الله ﷺ بكتاب، وأهدى له بغلة بيضاء، وفي مغازي ابن إسحاق ولما انهى رسول الله ﷺ إلى تبوك، أتاه يوحنا بن رُوبة، صاحب أيلة، فصالح رسول الله ﷺ ، وأعطاه الجزية، فاستفيد من ذلك اسمه واسم أبيه، فلعل العلماء اسم أمه، ويوحنا، بضم التحتانية وفتح المهملة وتشديد النون، وروبة، بضم الراء وسكون الواو بعدها موحدة. واسم البغلة المذكورة وُلْدُلَ، لما جزم به النوويّ، ونقل عن العلماء انه لا تعرف له بغلة

стр. 5919

سواها. وتعقب بأن الحاكم أخرج في المستدرك عن ابن عباس أن كسرى أهدى للنبي ﷺ بغلة، فركبها بحبل من شعر، ثم أردفني عليها، وهذه غير وَلْدُل. ويقال: إن النجاشيّ أهدى له بغلة، وأن صاحب دَوْمَة الجندل أهدى له بغلة، وأن وَلْدُلًا إنما أهداها له المُقَوْقِس. وذكر السهيليّ أن التي كانت تحته يوم حُنين، تسمى فِضة، وكانت شهباء، وعند مسلم في هذه البغلة أنَّ فَرْوَة أهداها له. وقوله: وكتب له ببحرهم، أي: ببلدهم، أو المراد بأهل بحرهم؛ لأنهم كانوا سكانًا بساحل البحر، أي: أنه أقره عليهم بما التزموه من الجزية. وفي بعض الروايات "ببحرتهم" أي: بلدتهم. وقيل: البحرة الأرض، وذكر ابن إسحاق الكتاب، وهو بعد البسملة: هذه أَمنَةٌ من الله ومحمد النبي رسول الله، ليوحنا بن روبة وأهل ايلة، سفنهم وسيارتهم في البر والبحر، لهم ذمة الله ومحمد النبي، .. وساق بقية الكتاب. وقوله: كما جاء حديقتك، أي: تمر حديقتك، وعند مسلم "فسأل المرأة عن حديقتها، أي تمر حديقتك، وعند مسلم "فسأل المرأة عن حديقتها، كم بلغ ثمرها". وقوله: عشرة، بالنصب على نزع الخافض، أي: جاءت بمقدار عشرة أوْسُقٍ، أو على الحال. وقوله خَرْصَ بالنصب مصدر، إما بدلاً وإما بيانًا، ويجوز الرفع فيهما، وتقديره الحاصل عشرة أوسق، وهو خرص رسول الله. وقوله: فلما قال ابن بكّار كلمة معناها أشرف على المدينة، ابن بكّار هو شيخ المؤلف، فكأن البخاري شك في هذه اللفظة، فقال هذا. وقوله: أشرف هو جواب فلما، وقد رواه أبو نعيم في المستحرج عن سَهل فذكرها بهذا اللفظ سواء، وفي رواية سليمان بن بلال الآتية قريبًا "أقبلنا مع رسول الله ﷺ ، حتى إذا دنا من المدينة أخذ طريق غُراب، لأنها أقرب إلى المدينة، وترك الأخرى .. " فساق الحديث. واستفيد منه بيان قوله "إني مُتَعَجِّل إلى المدينة، فمن أحب فيلتعجل معي" أي: إني سالكٌ الطريقَ القريبة، فمن أراد فلْيأتِ معي، يعني ممن له اقتدار على ذلك دون بقية الجيش. وقوله: هذه طابة، اسم من أسمائها، وفي بعض طرقه "طيبة"، وروى مسلم عن جابر بن سمرة، مرفوعًا "أن الله سمى المدينة طابة" ورواه أبو داود الطيالسي بلفظ "كانوا يسمون المدينة يثرب، فسماها النبي ﷺ طابة". وأخرجه أبو عُوانة. والطاب والطِّيب لغتان بمعنى. واشتقاقهما من الشيء الطّيب. وقيل: لطهارة تربتها، وقيل: لطيبها لساكنها، وقيل: من طِيْب العيش بها. وقال بعض أهل العلم: وفي طيب ترابها وهو انها دليل شاهدٌ على صحة هذه التسمية، لأن من أقام بها يجد من تربتها وحيطانها رائحة لا تكاد توجد في غيرها، ولأبي عليّ الصدفيّ، قال الحافظ: أمر المدينة في طيب ترابها وهوائها يجده من أقام بها، ويجد لطيبها أقوى رائحة، ويتضاعف طيبها فيها من غيرها من البلاد، وكذلك العود وسائر أنواع الطيب. وللمدينة أسماء غير ما ذكر، وتأتي إن شاء الله تعالى في فضل المدينة.

стр. 5920

وقوله: هذا جبل يحبنا ونحبه، قال السهيليّ سمِّي أُحدًا لتوحُّده، وانقطاعه عن جبال أخوى هناك، أو لِمَا وقع من أهل التوحيد. وللعلماء في معنى ذلك أقوال، قيل: هو على الحقيقة، وظاهره: ولا مانع من وقوع مثل ذلك، بأن يخلق الله تعالى المحبة في بعض الجمادات، كما جاز التسبيح منها، ولكون أُحد من جبال الجنة، كما أخرجه أحمد عن أبي عبس بن جَبر مرفوعًا "جبل يحبنا ونحبه، وهو من جبال الجنة" وقد خاطبه ﷺ مخاطبة من يعقل، فقال، لما اضطرب: "اسكن أُحُدُ" وقيل: إن على حذف مضاف مجازًا، أي: أهل أحد، والمراد بهم الأنصار؛ لأنهم جيرانه على حد قوله تعالى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ وقال الشاعر: وما حُبُّ الديار شغفنَ قلبي ... ولكنْ حبُّ من سَكَنَ الدِّيارا وقيل: إنه قال ذلك للمسرة بلسان الحال، إذا قدم من سفر، لقربه من أهله ولقياهم، وذلك فعل من يحب نجمن يحب، وقال السهيليّ: كان ﵊ يحب الفأل الحسن، والاسم الحسن، ولا اسم أحسن من اسم مشتق من الأحَدية. قال: ومع كونه مشتقًا من الأحدية، فحركات حروفه الرفع، وذلك يشعر بارتفاع دين الأحَد وعلوه، فتعلق الحب من النبي ﷺ من به لفظًا ومعنى، فخُص من بين الجبال بذلك. وقوله: دور بني النجار، وهم من الخزرج، والنجار هو تَيْم الله، وسمى بذلك لأنه ضرب رجلًا فنجره، فقيل له النجار. وهو ابن ثعلبة بن عمرو من الخزرج، وهم أخوال جد رسول الله ﷺ ، لأن والدة عبد المطلب منهم، وعليهم نزل لما قدم المدينة، فلهم مزية على غيرهم. وقوله: ثم بنو عبد الأشهل، هم من الأوس، وهم رهط سعد بن معاذ، وقد اختلف على أبي سلمة، هل قدم عبد الأشهل علي بني النجار أو بالعكس؟ ولم يختلف على أنس في تقديم بني النجار، وهو منهم، فله مزيد عناية بحفظ فضائلهم. وقوله: ثم بنو الحارث بن الخزرج، أي: الأكبر، وقوله: ثم بنو ساعدة، هم من الخزرج، أيضًا، وساعدة هو ابن كعب بن الخزرج الأكبر، وقوله: وفي كل دور الأنصار، يعني خيرًا، أي: الفضل حاصل في جميع الأنصار، وإن تفاوتت مراتبه. وفي هذا الحديث مشروعية الخرص، وقد مرَّ في الترجمة أن أهل الرأي خالفوا فيه، والمراد بهم الشَّعبيّ والثَّوريّ وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن، ومرّ ما احتجوا به، والرد عليهم، واختلف القائلون به: هل هو واجب أو مستحب؟ فحكى الصَّيْمَريُّ من الشافعية وجهاً بوجوبه، وقال الجمهور: هو مستحب إلا إنْ تعلق به حق محجور مثلًا، أو كان شركاؤه غير مؤتمنين، فيجب لحفظ مال الغير. واختلف أيضًا هل يختص بالنخل، أو يلحق به العنب أو يعم كل ما ينتفع به، رطبًا أو جافًا؟ وبالأول قال شُريح القاضي وبعض أهل الظاهر. والثاني قول الجمهور، وإلى الثالث نحا البخاريّ.

стр. 5921

وهل يمضي قول الخارص أو يرجع إلى ما آل إليه الحال بعد الجفاف؟ الأول قول مالك وطائفة، فإن نقصت من الخرص أخذ المالك به، إلا إن قامت بينة على النقص، وإن زادت على خرصة عنده قولان: هل يجب إخراج الزائد، أو يندب؟ والثاني قول الشافعي، ومن تبعه، وهل يكفي خارص واحدٌ عارفٌ ثقةٌ، أو لابد من اثنين؟ وهما قولان للشافعيّ أظهرهما الثاني. وفائدته جواز التصرف في جميع الثمرة، ولو أتلف المالك الثمرة بعد الخرص أخذت منه الزكاة بحساب ما خرص. وفي السنن وصحيح ابن حبان عن سهل بن أبي خيثمة، مرفوعًا "إذا خرصتم فجدُّوا، ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع" وقال بظاهره الليث وأحمد وإسحاق وغيرهم. وفهم منه أبو عبيد أنه القدر الذي يأكلونه بحسب احتياجهم إليه. فقال: يترك قدر احتياجهم. وقال مالك وسفيان: لا يترك لهم شيء، وهو المشهور عن الشافعيّ. قال ابن العربيّ: والمتحصل من صحيح النظر أن يعمل بالحديث، وهو قدر المؤونة، ولقد جربناه، فوجدناه، كذلك، في الأغلب مما يؤكل رطبًا. وفي الحديث أشياء من أعلام النبوءة، كالإخبار عن الريح، وما ذكر في تلك القصة، وفيه تدريب الأتباع، وتعليمهم أخذ الحذر مما يتوقع منه الخوف، وفضل المدينة والأنصار ومشروعية المفاضلة بين الفضلاء بالإجمال والتعيين، ومشروعية الهدية والمكافأة عليها. رجاله خمسة: وفيه لفظ رجل مبهم، وامرأة مبهمة، مر منهم وهيب في تعليق بعد الخامس عشر من الإيمان، ومرَّ عمرو بن يحيى في الخامس عشر منه، ومرَّ أبو حميد الساعديّ في تعليق أول استقبال القبلة، والباقي اثنان: الأول سهل بن بكّار بن بشر الدارمي، ويقال البُرْجُميّ، ويقال القَيْسيّ، أبو بشر البصريّ المكفوف. ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال: ربما وهم وأخطأ، وقال أبو حاتم: ثقة صدوق. قال الدارقطني: ثقة، وقال ابن قانع: صالح، قال في المقدمة: روى عنه البخاريّ في الصحيح حديثين عن وهيب بن خالد، أحدهما في الحج، بمتابعة موسى بن إسماعيل، والآخر في الزكاة بتمامه، وفي الجزية مختصرًا، بمتابعة سليمان بن بلال لوهيب. وروى عنه أبو داود، وروى له النَّسائيّ، روى عن جرير بن حازم ووهيب بن خالد وشعبة وغيرهم. وروى عنه البخاريُّ وأبو زرعة وأبو حاتم وغيرهم. مات سنة ثمان وعشرين ومئتين. الثاني: عباس بن سَهل بن سعد الساعديّ، قال ابن مُعين والنَّسائي: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وذكره ابن حِبّان في الثقات، أدرك زمن عثمان بن عفان، روى عن أبيه وأبي أسِيد وأبي حميد الساعديين وأبي هريرة وغيرهم. وروى عنه أبناه أُبَيّ وعبد المهيمن، وعمرو بن يحيى وغيرهم. مات بالمدينة سنة تسعين في خلافة الوليد بن عبد الملك.

стр. 5922

والرجل والمرأة المبهمان في الحديث، قال ابن حجر: لم أقف على اسميهما. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة القول، وفيه شيخه وشيخ شيخه بصريان، وعمرو بن يحيى وعباس بن سهل مدنيان. أخرجه البخاريّ أيضًا في الحج والمغازي بتمامه، وفي فضل الأنصار ببعضه، ومسلم في فضل النبي ﷺ ، وفي الحج، وأبو داود في الخراج. ثم قال: وقال سليمان بن بلال: حدثني عمرو "ثم دار بني الحارث ثم بني ساعدة، يعني ابن يحيى بالإسناد المذكور. وهذا التعليق وصله في فضائل الأنصار، وسليمان بن بلال مرَّ في الثاني من الإيمان، وعمرو مرّ محله في الذي قبله. ثم قال: وقال سليمان عن سعد بن سعيد عن عِمارة بن غُزَيَّة عن عباس عن أبيه عن النبيّ ﷺ قال: "أحُدٌ جبلٌ يحبنا ونحبّه" وظهر بهذه الرواية عمارة بن غزية خالف عمرو بن يحيى في إسناده الحديث، فقال عمرو: عن عباس عن أبي حميد كما مرّ في السند، وقال عمارة: عن عباس عن إبيه، فيحتمل أن يسلك طريق الجمع بأن يكون عباس أخذ القدر المذكور، وهو "أحد جبل يحبنا ونحبه" عن أبيه، وعن أبي حميد معًا، أو حمل الحديث عنهما معًا، وكله عن أبي حميد، ومعظمه عن أبيه. وكان يحدث به تارةً عن هذا وتارة عن هذا، ولذا كان لا يجمعهما. وفي رواية ابن إسحاق: عباس بن سهل بن سعد أو عباس عن سهل بن سعد، فتردد فيه، هل هو مرسل، أو رواه عن أبيه، فيوافق قول عمارة، لكن سياق عمرو بن يحيى أتم من سياق غيره. وهذا التعليق وصله عليّ بن خزيمة في فوائده. و رجاله خمسة: مرّ عباس بن سهل في الذي قبله، ومرَّ محل سليمان بن بلال الذي التعليق الأول، ومرّ سهل بن سعد في الثامن والمئة من الوضوء. والباقي اثنان: الأول سعد بن سعيد بن قيس بن عمرو الأنصاريّ، أخو يحيى بن سعيد، قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وقال العجليّ وابن عمّار: ثقة، وذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال: كان يخطىء، ولم يفحش خطاه، فلذلك سلكناه مسلك العدول. وقال ابن عديّ: له أحاديث صالحة تقرب من الاستقامة، ولا أرى بحديثه بأسًا بمقدار ما يرويه. وقال أحمد: ضعيف، وكذا قال ابن مُعين في رواية، وفي رواية أخرى: صالح، وقال النَّسائيّ: ليس بالقويّ. وقال ابن مُعين أيضًا: سعد بن سعيد مُؤد. واختلف في ضبط هذا اللفظ، فقيل بالتخفيف، أي: هالك، وقيل: بالتشديد، أي: حَسَن الأداء. وقال الترمذي: تكلموا فيه من قبل حفظه، وقال أبو حاتم: سعد بن سعيد يودى، يعني أنه كان لا يحفظ، ويؤدي ما سمع. روى عن أنس والسائب بن يزيد، وعمرة بنت عبد الرحمن وغيرهم. وروى عنه أخوه يحيى بن سعيد وسليمان بن

стр. 5923

بلال وشعبة والثَّوري وغيرهم. مات سنة إحدى وأربعين ومئة. الثاني: عمارة بن غُزيَّة بن الحارث بن عمرو بن غزية بن عمرو بن ثعلبة بن خنساء بن مندول بن غنم بن مازن بن النجار، الأنصاريّ المازنيّ المدَنيّ. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال أحمد وأبو زرعة: ثقة، وقال ابن مُعين: صالح، وقال أبو حاتم: ما بحديثه بأس، كان صدوقًا. وقال النَّسائيّ: ليس به بأس. وقال الدارقطني: لم يلحق عمارةُ بن غزية أنسًا، وهو ثقة، وذكره ابن حِبّان في الثقات في أتباع التابعين. وقال العجليّ: أنصاريّ ثقة، وذكره العقيلي في الضعفاء، ولم يورد له شيئًا يدل على وهنه. وقال ابن حزم: ضعيف، قال الذهبي: قلما قرأت ما علمت أحدًا ضعفه غيره، ولم يقل العقيلي فيه شيئًا سوى قول ابن عُيينة: جالسته كم من مرة، فلم نحفظ منه شيئًا. فَعدُّ العقيليّ له في الضعفاء بهذا تَغَفل منه، إذ ظن أن هذه العبارة تليين، لا والله. روى عن أنس وأبيه غزية، وعباس بن سهل بن سعد وغيرهم وروى عنه سليمان بن بلال وعمرو بن الحارث ووهيب بن خالد وغيرهم. توفي سنة أربعين ومئة ثم قال: قال أبو عبد الله: كل بستان عليه حائط فهو حديقة، وما لم يكن عليه حائط لم يقل حديقة وفي نسخة: وقال أبو عبيد، وعليها شرح في الفتح، وقال إن كلامه هذا في غريب الحديث له، وقال صاحب المحكم: هو من الرياض كل أرض استدارت، وقيل: كل أرض ذات شجر مثمر ونخل، وقيل: كل حفرة تكون في الوادي يحتبس فيها الماء، فإذا لم يكن فيه ماء فهو حديقة، ويقال: الحديقة أعمق من الغدير، والحديقة القطعة من الزروع، يعني أنه من المشترك. ثم قال المصنف:

стр. 5924

باب العشر فيما يسقى من ماء السماء والماء البخاري قال الزين بن المنير: عدل عن لفظ العيون الواقع في الخبر إلى الماء البخاري، ليُجريه مجرى التفسير للمقصود من ماء العيون، وأنه الماء الذي يجري بنفسه من غير نضح، وليبين أن الذي يجري بنفسه من نهر أو غدير حكمه حكم ما يجري من العيون، وكأنّه أشاء إلى ما في بعض طرقه، فعند أبي داود "فيما سقت السماء والأنهار والعيون .. " الحديث. ثم قال: ولم ير عمر بن عبد العزيز في العسل شيئًا. قال ابن المنير: مناسبة أثر عمر في العسل للترجمة، من جهة أن الحديث يدل على أن لا عُشر فيه؛ لأنه خص العُشر أو نصفه بما يسقى، فأفهم أن ما لا يسقى لا يُعَشِّر. زاد ابن رشيد فإن قيل: المفهوم إنما ينفي العُشر أو نصفه، لا مطلق الزكاة، فالجواب أن الناس قائلان: مثبت للعشر، وناف للزكاة، فتم المراد. قال: ووجه إدخاله العَسل أيضًا للتنبيه على الخلاف فيه، وأنه لا يرى فيه زكاة، وإن كانت النحل تتغذى بما يسقى من السماء، لكن المتولد بالمباشرة كالزرع، ليس كالمتولد بواسطة حيوان كاللبن، فإنه متولد عن الرعى، ولا زكاة فيه قطعًا، وكان البخاريّ أشار إلى تضعيف ما رُوي أن في العسل العُشر، وهو ما أخرجه عبد الرزاق عن أبي هُريرة قال: "كتب رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن أنْ يؤخذ من العسل العُشر". وفي إسناده عبد الله بن مُحَرَّر، بمهملات وزن محمد، وهو متروك. ولا يصح في زكاة العسل شيء. قال التِّرمِذيّ: لا يصح في هذا الباب شيء، وقال الشافعيّ في "القديم" حديث "إنّ في العسل العشر" ضعيفٌ، وفي أن لا يؤخذ منه العُشر ضعيف، إلا عن عمر بن عبد العزيز. ورى عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن طاووس أن معاذًا لما أتى اليمن قال: لم أومر فيهما بشيء، يعني العسل وأوقاص البقر، وهذا منقطع، وأما ما أخرجه أبو داود والنَّسائيّ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "جاء هلال أحد بني مُتعان، بضم الميم وسكون المثناة بعدها مهملة، إلى رسول الله ﷺ ، بعشور نحله، وكان سأله أن يحمي له واديًا فحماه له"، فلما ولي عمر كتب إلى عامله: إنْ أدّى إليك عشور نحله فاحم له سَبْلة، وإلا فلا، وإسناده صحيح إلى عمرو، وترجمة عمرو قوية على المختار، لكن حيث لا تعارض. وقد ورد ما يدل على أن هلالًا أعطى ذلك تطوعًا، فعند عبد الرزاق أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عثمان بن محمد ينهاه أن يأخذ من العسل صدقة، إلا إن كان النبي ﷺ أخذها، فجمع عثمان أهل العسل، فشهدوا أن هلال بن سعد قدم على النبيّ

стр. 5925

- ﷺ بعسل فقال: ما هذا؟ فقال: صدقة، فأمر برفعها، ولم يذكر عشورًا، لكن الإسناد الأول أقوى، إلا أنه محمول على أنه في مقابلة الحَمْي، كما يدل عليه كتاب عمر بن الخطاب. وقال ابن المنذر ليس في العسل خبر يثبت، ولا إجماع، فلا زكاة فيه، وهو قول الجمهور، وعن أبي حنيفة وصاحبيه وأحمد وإسحاق: يجب العشر فيما أخذ من غير أرض الخراج، وما نقله عن الجمهور مقابله قول التِّرمذيّ بعد أن أخرج حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "في العسل في كل عَشرة أزُقّ زق" العمل على هذا عند أكثر أهل العلم. قال في الفتح: أشار شيخنا في شرحه إلى أن الذي نقله ابن المنذر أقوى، وتحقيق مذهب أبي حنيفة أنه يجب عنده في قليل العسل وكثيره، لأنه لا يشترط النصاب في العشر، وعن أبي يوسف: إذا بلغت قيمته خمسة أواق، وعنه أنه قدره بعشرة أرطال، وهي خمسة أَمْنَاء، وعنه أنه اعتبر فيه عَشْر قِرَب، وعن محمد ثلاث روإيات: إحداها خمس قرب، والقربة خمسون مَنًا، وقيل القربة مئة رطل، والثانية خمسة أَمْناء، والثالثة خمسُ أواق، وهي تسعون مَنًا، وتعليق عمر بن عبد العزيز هذا وصله مالك في الموطأ، وأخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق بإسناد صحيح، وعمر بن عبد العزيز مرَّ في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه. الحديث الخامس والثمانون حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ هَذَا تَفْسِيرُ الأَوَّلِ لأَنَّهُ لَمْ يُوَقِّتْ فِي الأَوَّلِ يَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ وَفِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ وَبَيَّنَ فِي هَذَا وَوَقَّتَ، وَالزِّيَادَةُ مَقْبُولَةٌ، وَالْمُفَسَّرُ يَقْضِي عَلَى الْمُبْهَمِ إِذَا رَوَاهُ أَهْلُ الثَّبَتِ. وقوله: عَثَريًا، بفتح المهملة والمثلثة وكسر الراء وتشديد التحتانية، وحكى عن ابن الأعرابي تشديد المثلثة، وردّه ثعلب، وحكى ابن عديس في المثلث في ضم أوله وإسكان ثانيه. قال الخطابيّ هو الذي يشرب بعروقه من غير سَقي، زاد ابن قُدامة عن القاضي أبي يعلى، وهو المستنقع في بركة ونحوها، يصب إليه من ماء المطر في سوق تشق له. قال: واشتقاقه من العاثور، وهي الساقية التي يجري فيها الماء؛ لأن الماشي يعثر فيها. قال: ومنه الذي يشرب بالأنهار بغير مؤنة، أو يشرب بعروقه، كان يغرس في أرض يكون الماء قريبًا، فيصل إليه عروق الشجر، فيستغني عن السقي، وهذا التفسير أوْلى من إطلاق أبي عبيد أنّ العَثَّريَّ ما سقته السماء، لأن سياق الحديث يدل على المغايرة، وكذا قول من فسر العثريّ بأنه

стр. 5926

الذي لا حمل له؛ لأنه لا زكاة فيه. قال ابن قدامة: لا نعلم في هذه التفرقة التي ذكرناها خلافًا. وقوله: وما سقى بالنَّضْح، بفتح النون وسكون المعجمة بعدها مهملة، أي بالسائية، وهي رواية مسلم، والمراد بها الإبل التي يستقى عليها، وذكر الإبل كالمثال، وإلا فالبقر وغيره كذلك في الحكم. وقوله: قال أبو عبد الله، هذا تفسير الأول، لأنه لم يؤقت في الأول أي حديث ابن عمر، أي لم يذكر فيه حدًا للنصاب. وقوله: وبين في هذا، يعني حديث أبي سعيد الآتي في الباب الذي يليه، وقوله: والزيادة مقبولة، أي من الحافظ. والثَّبَت، بالتحريك، الثبات والحجة. وقوله: والمفسر يقضي على المبهم، أي الخاص يقضي على العام، لأن فيما سقت عام، يشمل النصاب ودونه، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة خاصٌ بقدر النصاب. ويأتي إن شاء الله تعالى بعد قريبًا ما فيه من أقوال. وقوله: قال أبو عبد الله .. الخ، هذا الكلام وقع بعد حديث ابن عمر في العشري في رواية أبي ذرٍّ. وفي رواية غيره عقب حديث أبي سعيد المذكور في الباب الذي بعده، وهو الذي وقع عند الإِسماعيلي، ولذكره عقب كل من الحديثين وجهٌ، لكن تعبيره بالأول يرجح كونه بعد حديث أبي سعيد؛ لأنه هو المفسر للذي قبله، وهو حديث ابن عمر، فحديث ابن عمر بعمومه ظاهر في عدم اشتراط النصاب، وفي إيجاب الزكاة في كل ما يسقى بمؤنة وبغير مؤنة، ولكنه عند الجمهور مختص بالمعنى الذي سيق لأجله، وهو التمييز بين ما يجب فيه العشر أو نصف العشر، بخلاف حديث أبي سعيد، فإنه مساق لبيان جنس المخرج منه وقدره، فأخذ به الجمهور عملًا بالدليلين. ودل حديث الباب على التفرقة في القدر المخرج الذي يسقى بنضح وبغير نضح، وإن سقى بهما، فظاهره أنه يجب فيه لثلاثة أرباع العشر، إذا تساوى ذلك، وهو قول أهل العلم، وقال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافًا، وإن كان أحدهما أكثر كان حكم الأقل تبعًا للأكثر. نص عليه أحمد، وهو قول الثَّوريّ وأبي حنيفة، واحد قوليْ مالك والشافعي. والثاني يؤخذ بالقسط، ويحتمل أن يقال: إنْ أمكن فصل كل واحد منهما أخذ بحسابه. وعن ابن القاسم صاحب مالك: العبرة بما تم به الزرع، ولو كان أقل. قاله ابن التين، وما مرَّ قريبًا من أن الجمهور أخذ بحديث أبي سعيد خالفه أبو حنيفة، فأخذ بحديث ابن عمر، فأوجب الزكاة في كل ما يخرج من الأرض، قل أو كثر، عملًا بظاهر حديث ابن عمر إذ لم يقدر فيه مقدارًا، أو بعموم قوله تعالى ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ وعموم قوله تعالى ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ واستثنى من ذلك الحطب والقصب والحشيش والتين والسَّعف والشجر الذي ليس له ثمر. وأجاب بعض الحنفية عما مرَّ من أن حديث أبي سعيد خاص يفضي على العام، بأن محل ذلك ما إذا كان البيان وفق المبيَّن، لا زائدًا عليه، ولا ناقصًا عنه، أما إذا انتفى شيء من أفراد العام

стр. 5927

مثلًا، فيمكن التمسك به، كحديث أبي سعيد هذا، فإنه دل على النصاب فيما يقبل التوسيق، وسكت عما لا يقبل التوسيق، فيمكن التمسك بعموم قوله "فيما سقت السماء العشر" أي: مما لا يمكن التوسيق فيه، عملًا بالدليلين. وأجاب الجمهور بما روي، مرفوعًا "لا زكاة في الخضراوات" رواه الداقطنيّ عن عليّ وطلحة ومعاذ مرفوعًا. وقال التِّرمذيُّ: لا يصح فيه شيء إلا مرسلُ موسى بن طلحة عن النبي ﷺ ، وهو دال على أن الزكاة إنما هي فيما يُكال مما يدَّخر للاقتيات في حال الاختيار. وهذا قول مالك والشافعيّ، وعن أحمد يُخرج من جميع ذلك، ولو كان لا يقتات، وهو قول محمد وأبي يوسف. وحكى ابن المنذر الإجماع على أن الزكاة لا تجب فيما دون خمسة أوسق، مما أخرجت الأرض، إلا ما مرَّ عن أبي حنيفة، وحكى عياض عن داود: كل ما يدخل فيه الكيل يراعى فيه النصاب، وما لا يدخل فيه الكيل، ففي قليله وكثيره الزكاة، وهو نوع من الجمع بين الحديثين المذكورين. وقال ابن العربيّ: أقوى المذاهب وأحوطها للمساكين قولُ أبي حنيفة، وهو التمسك بالعموم، قال: وقد زعم الجُوينيّ أن الحديث إنما جاء لتفصيل ما نقل مما تكثر مؤنته، قال ابن العربيّ: لا مانع أن يكون الحديث يقتضي الوجهين. رجاله ستة: قد مرّوا، مرَّ سعيد بن أبي مريم في الرابع والأربعين من العلم، ومرَّ عبد الله بن وهب في الثالث عشر منه، ومرَّ يونس بن يزيد في متابعة بعد الرابع من بدء الوحي، ومرَّ ابن شهاب في الثالث منه، ومرَّ سالم بن عبد الله في السابع عشر من الإيمان، ومرَّ أبوه عبد الله في أوله قبل ذكر حديث منه، والحديث أخرجه أبو داود والتِّرمذيّ والنَّسائيّ وابن ماجه في الزكاة. ثم قال: كما روى الفضل بن العباس أن النبيّ ﷺ ، لم يصل في الكعبة. وقال بلال: قد صلى، فأخذ بقول بلال، وترك قول الفضل أي: كما أن المثبت مقدم على النافي في حديثي الفضل وبلال، وحديث الفضل أخرجه أحمد وغيره، وحديث بلال قد مرَّ موصولًا في باب "واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى" من كتاب الصلاة، ويأتي موصولًا في كتاب الحج إن شاء الله تعالى، وقد مرَّ الفضل في الثامن عشر من الجماعة، ومرَّ بلال في التاسع والثلاثين من العلم. ثم قال المصنف:

стр. 5928

باب ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة الحديث السادس والثمانون حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا مَالِكٌ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَيْسَ فِيمَا أَقَلُّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ، وَلاَ فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ مِنَ الإِبِلِ الذَّوْدِ صَدَقَةٌ، وَلاَ فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ هَذَا تَفْسِيرُ الأَوَّلِ إِذَا قَالَ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ. وَيُؤْخَذُ أَبَدًا فِي الْعِلْمِ بِمَا زَادَ أَهْلُ الثَّبَتِ أَوْ بَيَّنُوا. وقوله: ليس فيما أقل، ما زائدة، وأقل في موضع جر بقي، وقد ذكره بعده بلفظ "وليس في أقل"، واختلف في هذا النصاب، هل هو تحديد أو تقريب؟ وبالأول جزم أحمد، وهو أصح الوجهين للشافعية، إلا إن كان نقصًا يسيرًا جدًا مما لا ينضبط، فلا يضر. قال ابن دقيق العيد: وصحح النوويّ في شرح مسلم أنه تقريب، واتفقوا على وجوب الزكاة فيما زاد على الخمسة أوسق بحسابه، ولا وقص فيها، وقد مرت مباحث هذا الحديث في باب زكاة الوَرقِ. رجاله ستة: قد مرّوا، مرَّ مسدد ويحيى القَطان في السادس من الإيمان، ومرَّ محمد بن عبد الله بن أبي صعصعة في الثاني والستين من هذا الكتاب. ومرَّ أبوه عبد الله وأبو سعيد الخُدْرِيّ في الثاني عشر من الإيمان، ومرَّ مالك في الثاني من بدء الوحي. ثم قال المصنف: باب أخذ صدقة التمر عند صرام النخل وهل يترك الصبي فيمس تمر الصدقة الصِّرام، بكسر المهملة، الجداد والقِطاف وزنًا ومعنى، وقد اشتمل هذا الباب على ترجمتين، أما الأولى فلها تعلق بقوله تعالى ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ واختلفوا في المراد بالحق فيها، فقال ابن عباس: هي الواجبة، وأخرجه ابن جرير عن أنس، وقال ابن عمر: هو شيء سوى الزكاة. أخرجه ابن مردويه، وبه قال عطاء وغيره، وحديث الباب يشعر بأنه غير الزكاة، وكأنه المراد بما أخرجه أحمد وأبو داود، من حديث جابر أن النبي ﷺ "أمر من كان جدّ عشرة أوسق من التمر بقنوٍ يعلَّق في المسجد للمساكين" وقد مرَّ ذكره في باب القسمة. وتعليق القنو في المسجد، من كتاب الصلاة، وأما الترجمة الثانية، فربطها بالترك إشارة منه إلى أن الصِّبا وإن كان مانعًا من توجيه

стр. 5929

الخطاب إلى الصبي، فليس مانعًا من توجيه الخطاب إلى الوليّ بتأديبه وتعليمه، وأوردها بلفظ الاستفهام لاحتمال أن يكون النهي خاصًا بمن لا يحل له تناول الصدقة. الحديث السابع والثمانون حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الأَسَدِيُّ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤْتَى بِالتَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ فَيَجِيءُ هَذَا بِتَمْرِهِ وَهَذَا مِنْ تَمْرِهِ حَتَّى يَصِيرَ عِنْدَهُ كَوْمًا مِنْ تَمْرٍ، فَجَعَلَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ ﵄ يَلْعَبَانِ بِذَلِكَ التَّمْرِ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا تَمْرَةً، فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخْرَجَهَا مِنْ فِيهِ فَقَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ آلَ مُحَمَّدٍ ﷺ لاَ يَأْكُلُونَ الصَّدَقَةَ. قوله: كَوْم، بفتح الكاف وسكون الواو، معروف وأصله القطعة العظيمة من الشيء، والمراد به ما اجتمع من التمر كالهرمة ويروى كومة بالنصب أيّ حتى يصير التمر عتده كومة وقوله قد أخذ أحدهما تمرة سيأتي بعد بابين بلفظ "فأخذ الحسن بن عليّ" وقوله: فجعله، أي المأخوذ، وفي رواية الكشميهنيّ: فجعلها، أي التمرة، ويأتي قريبًا، إنْ شاء الله تعالى، بعد بابين، تحرير الكلام على هذا. قال الإسماعيليّ: قوله عند صِرام النخل، أي: بعد أن يصير تمرًا، لأن النخل قد يصرم وهو رطب، فيتمر في المِرْبَد، ولكن ذلك لا يتطاول، فحسن أن ينسب إلى الصرام، كما في قوله تعالى ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ فإن المراد بعد أن يداس وينقى. رجاله خمسة: مرَّ منهم إبراهيم بن طهمان في التاسع والعشرين من الغُسل، ومرَّ محمد بن زياد في الثلاثين من الوضوء، ومرّ أبو هريرة في الثاني من الإيمان، والباقي اثنان: الأول عمر بن محمد بن الحسن بن الزبير، الأسديّ الكوفيّ، المعروف بابن التَّل، بفتح المثناة بعدها لام مشددة. قال أبو حاتم: محله الصدق، وقال النَّسائيّ: صدوق. وذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال: يعتبر بحديثه ما حدث من كتاب أبيه، فإن في روايته التي كان يرويها من حفظه بعض المناكير، وقال الدارقطنيّ: لا بأس به، وقال مُرة: ثقة، وقال مسلمة في الصلة: صدوق ثقة، وما ذكر ما أخرج له البخاريّ في ترجمة أبيه. روى عن أبيه ووكيع ويحيى بن يمان، وروى عنه البخاريّ والنَّسائيّ وأبو حاتم وغيرهم. مات في شوال سنة خمسين ومئة. الثاني: أبوه محمد بن الحسن، أبو عبد الله أو أبو جعفر، قال عثمان بن أبي شيبة، هو ثقة صدوق، قيل: هو حجة، قال: أما حجة فلا، وقال البزار والدارقطنيّ: ثقة. وقال الساجي: ضعيف، وقد أدركت ابنه عمر، وكتبتُ عنه أحاديث. وقال ابن مُعين: شيخ، وقال مُرة: قد أدركته،

стр. 5930

وليس بشيء. وقال ابن عَديّ: له أحاديث أفراد، وحدث عنه الثقات، ولم أر بحديثه بأسًا. قال في المقدمة: له في البخاريّ عن ابنه عمر حديثان، أحدهما في الزكاة عن إبراهيم بن طهمان أن الحسن بن علي أخذ تمرة .. الحديث، وهو عنده بمتابعة شُعبة عن محمد بن زياد. والآخر في المناقب عن حفص بن غياث، حديث عائشة "ما غرة على امرأة .. الخ" وهو عنده بمتابعة حميد بن عبد الرحمن. روى عن أبيه وفطر بن خليفة، وإبراهيم بن طهمان وغيرهم. وروى عنه ابناه عمر وجعفر، وعليّ ابن المَدِينيّ وغيرهم. مات سنة مئتين أو نحوهما. وفي الحديث ذكر الحسن والحسين، رضي الله تعالى عنهما، وقد مرَّ في الثامن والثمانين من الوضوء. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، وفيه أن شيخه من أفراده، وفيه رواية الابن عن الأب. أخرجه البخاريّ في الزكاة أيضًا، وفي الجهاد، ومسلم في الزكاة، والنَّسائيّ في السِّير. ثم قال المصنف:

стр. 5931

باب من باع ثماره أو روضه أو نخله أو زرعه وقد وجب فيه العشر أو الصدقة، فأدى الزكاة من غيره، أو باع ثماره، ولم يجب فيه الصدقة ظاهر سياق هذه الترجمة أن المصنف يرى جواز بيع الثمرة بعد بَدْو الصلاح، ولو وجبت فيها الزكاة بالخرص مثلًا، لعموم قوله "حتى يبدو صلاحها"، وهو أحد قولي العلماء، والثاني لا يجوز بيعها بعد الخرص، لتعلق حق المساكين بها. وهوأحد قوليّ الشافعيّ. وقائل هذا حمل الحديث على الجواز بعد الصلاح وقبل الخرص، جمعًا بين الحديثين. وأما قوله: العشر أو الصدقة، فمن العام بعد الخاص، وفيه إشارة إلى الرد على من جعل في الثمار العُشر مطلقًا من غير اعتبار نصيب، ولم يرد أنّ الصدقة تسقط بالبيع، وأما قوله "فأدى الزكاة من غيره" فلأنه إذا باع بعد وجوب الزكاة، فقد فعل أمرًا جائزًا، كما تقدم، فتعلقت الزكاة بذمته، فله أن يعطيها من غيره، أو يخرج قيمتها على رأي من يجيزه، وهو اختيار البخاريّ كما سبق. وأما قوله "ولم يخص من وجبت عليه الزكاةَ ممن لم تجب" فيتوقف على مقدمة أخرى، وهي أن الحق يتعلق بالصلاح، وظاهر القرآن يقتضي أن وجوب الإيتاء إنما هو يوم الحصاد، على رأي من جعلها في الزكاة، إلا أن يقال: إنما تعرضت الآية لبيان زمن الإيتاء، لا لبيان زمن الوجوب. والظاهر أن المصنف اعتمد في تصحيح هذه المقدمة استعمال الخَرص عند الصلاح، لتعلق حق المساكين، فطواها بتقديمه حكم الخرص فيما سبق، أشار إلى ذلك ابن رشيد. وقال ابن بطال: أراد البخاري الرد على أحد قولي الشافعيّ بفساد البيع، كما تقدم. وقال أبو حنيفة: المشتري بالخيار، ويؤخذ العشر منه، ويرجع هو على البائع. وعن مالك العُشر على البائع، إلاَّ أن يشترطه على المشتري، وهو قول الليث. وعن أحمد الصدقة على البائع مطلقًا، وهو قول الثَّوريّ والأوزاعيّ. ثم قال: وقول النبي ﷺ "لا تبيعوا الثمرة حتى يبدو صلاحها"، فلم يحظر البيع بعد الصلاح على أحد، ولم يخص من وجبت عليه الزكاة ممن لم تجب. أسنده في الباب بمعناه، وأما هذا اللفظ، فمذكور عنده في كتاب البيع من حديث ابن عمر. الحديث الثامن والثمانون حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قال سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا. وَكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ

стр. 5932

صَلاَحِهَا قَالَ حَتَّى تَذْهَبَ عَاهَتُهُ. وزاد في كتاب البيع: نهي البائع والمبتاع، أما البائع فلئلا يأكل مال أخيه بالباطل، وأما المشتري فلئلا يضيع ماله، ويساعد البائع على الباطل. وفيه أيضًا قطع النزاع والتخاصم، ومقتضاه جواز بيعها بعد بُدُوّ صلاحها مطلقًا، سواء اشترط الإبقاء أو لم يشترط، لأن ما بعد الغاية مخالف لما قبلها، وقد جعل النهي ممتدًا إلى غاية بُدو الصلاح، والمعنى فيه أن تؤمن فيها العاهة، وتغلب السلامة، فيثق المشتري بحصولها، بخلاف ما قبل بُدُوّ الصلاح، فإنه بصدد الغَرر. وقد أخرجه مسلم عن نافع، فزاد في الحديث "حتى يأمن العاهة". وفي رواية عن نافع بلفظ "وتذهب عنه الآفة ببدو صلاحه: حمرته وصفرته". وإلى الفرق بين ما قبل ظهور الصلاح وبعده ذهب الجمهور. وعن أبي حنيفة إنما يصح بيعها في هذه الحالة حيث لا يشترط الإبقاء، فإنْ شَرَطه لم يصح البيع، وحكى النوويّ في شرح مسلم أنه أوجب شرط القطع في هذه الصورة، وتعقب بأن الذي صرح به أصحاب أبي حنيفة أنه صحح البيع حالة الإطلاق قبل بُدُوّ الصلاح وبعده، وأبطله بشرط الإِبقاء قبله وبعده، وأهل مذهبه أعرف به من غيرهم. واختلف السلف في قوله "حتى يبدو صلاحها" هل المراد به جنس الثمار، حتى لو بدا الصلاح في بستان من البلد مثلًا، جاز بيع ثمرة جميع البساتين، وإن لم يبد الصلاح؟ أو لابد من بدو الصلاح في كل بستان على حدة، أو لابد من بدو الصلاح في كل جنس على حدة، أو في كل شجرة على حِدة، أقوال: الأول: قول الليث، وهو عند المالكية بشرط أن يكون الصلاح متلاحقًا. والثاني: قول أحمد، وعنه رواية كالرابع. والثالث: قول الشافعية، ويمكن أن يؤخذ ذلك من التعبير ببدو الصلاح، لأنه دال على الاكتفاء بمسمى الإِزهاء من غير اشتراط تكامله، فيؤخذ منه الاكتفاء بزَهْو بعض الثمرة، وبزهو بعض الشجرة، مع حصول المعنى، وهو الأمن من العاهة. ولولا حصول المعنى لكان تسميتها مزهية بإزهاء بعضها قد لا يكتفى به، لكونه على خلاف الحقيقة. وأيضًا فلو قيل بإزهاء الجميع، لأدّى إلى فساد الحائط أو أكثره، وقد منّ الله تعالى يكون الثمار لا تطيب دفعة واحدة، ليطول زمن التفكه بها. وقوله: وكان إذا سئل عن صلاحها قال: حتى تذهب عاهته، أي الثمر، وفي رواية الكشميهنيّ "عاهتها" وهو مقول ابن عمر، بيّنه مسلم في روايته عن شُعبة ولفظه "فقيل لابن عمر: ما صلاحه؟ قال: تذهب عاهته". رجاله أربعة: قد مرّوا، مرّ حَجّاج بن مُنهال في الثامن والأربعين من الإيمان، ومرّ شعبة في الثالث منه،

стр. 5933

وعبد الله بن دينار في الثاني منه، ومرَّ ابن عمر في أوله قبل ذكر حديث منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإخبار بالأفراد والسماع، وهو من الرباعيات. أخرجه مسلم في البيوع، وكذلك أبو داود والتِّرمذِيّ والنّسائيّ وابن ماجه. الحديث التاسع والثمانون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄. نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا. وهذا الحديث الكلام عليه هو الكلام على الذي قبله. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرَّ عبد الله بن يوسف في الثاني من بدء الوحي، والليث في الثالث منه، وخالد بن يزيد في الثاني من الوضوء وعطاء بن أبي رباح في التاسع والثلاثين من العلم، ومرّ جابر في الرابع من بدء الوحي. وهذا الحديث أخرجه أبو داود وقد مرَّ. الحديث التسعون حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ، قَالَ حَتَّى تَحْمَارَّ. وقوله: حتى تحمار، قال الخطابيّ: لم يرد بذلك اللون الخالص من الحمرة والصفرة، وإنما أراد حمرة أو صفرة بكُمُودة، فلذلك قال: تحمار وتصفار، ولو أراد اللون الخالص لقال: تحمرّ وتصفر وقال ابن التين: أراد بقوله "تحمارّ وتصفارّ" ظهور أوائل الحُمرة والصُفرة قبل أن تَشْبع. قال: وإنما يقال تَفْعَال في اللون الغير المتمكن، إذا لمحان يتلون، وأنكر هذا بعض أهل اللغة. وقال: لا فرق بين تحمر وتصفر وتحمار وتصفار، ويحتمل أن يكون المراد المبالغة في احمرارها واصفرارها، كما تقرر أن الزيادة تدل على التكثير والمبالغة. ويأتي الكلام على الحديث. قد مرّ في الذي قبله بحديث. رجاله أربعة: قد مرّوا، مرّ قتيبة في الحاديث والعشرين من الإيمان، وحميد الطويل في الحادي والأربعين منه. وأنس في السادس منه، ومالك في الثاني من بدء الوحي. ثم قال المصنف:

стр. 5934

باب هل يشتري صدقته ولا بأس أن يشتري صدقَتَه غيرُة، لأن النبي ﷺ نهى المتصدق خاصة عن الشراء، ولم ينه غيره. قال الزين بن المنير: أورد الترجمة بالاستفهام، لأن تنزيل حديث الباب على سببه، يضعف معه تعميم المنع، لاحتمال تخصيصه بالشراء بدون القيمة، لقوله: وظننت أنه يبيعه بُرخص، وكذا إطلاق الشارع العود عليه، بمعنى أنه في معنى رجوع بعضها إليه بغير عوض. قال: وقصد بهذه الترجمة التنبيه على أنّ الذي تضمنته الترجمة التي قبلها من جواز بيع الثمرة قبل إخراج الزكاة، ليس من جنس شراء الرجل صدقته، والفرق بينهما دقيق. وقال ابن المنذر ليس لأحد أن يتصدق ثم يشتريها، للنهي الثابت. ويلزم من ذلك فساد البيع إلا إن ثبت الإجماع على جوازه. وقوله: ولا بأس أن يشتري صدقة غيره إلخ، قد استدل بما ذكر، ومراده قوله ﵊ "لا تعد" وقوله: "العائد في صدقته" ولو كان المراد تعميم المنع لقال: لا تشتروا الصدقة مثلًا. الحديث الحادي والتسعون حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ تَصَدَّقَ بِفَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَوَجَدَهُ يُبَاعُ، فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَاسْتَأْمَرَهُ فَقَالَ: لاَ تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ فَبِذَلِكَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ لاَ يَتْرُكُ أَنْ يَبْتَاعَ شَيْئًا تَصَدَّقَ بِهِ إِلاَّ جَعَلَهُ صَدَقَةً. أورد المصنف هذا الحديث من طريقين، فسياق الأولى يقتضي أنه من حديث ابن عمر، والثاني أنه من مسند عمر، ورجح الدارقطني الأولى لكن حيث جاء من طريق سالم وغيره من الرواة عن ابن عمر، فهو من مسنده، وأما رواية أسلم، مولى عمر، فهي من عمر نفسه، وقوله: تصدق بفرس، أي حمل عليه رجلًا في سبيل الله، كما في الطريق الثانية، والمعنى أنه ملكه له، ولذلك ساغ له بيعه. ومنهم من قال: كان عمر قد حبسه، وإنما ساغ للرجل بيعه؛ لأنه حصل فيه هزال عجز لأجله عن اللحاق، وضعف من ذلك، وانتهى إلى حالة عدم الانتفاع به. وأجاز ذلك ابن القاسم. قلت: وهو مشهور مذهب مالك، ويدل على أنه حمل تمليك قوله "ولا تعد في صدقتك"، ولو كان حبسًا لعلله به. وقوله: فبذلك، كان ابن عمر لا يترك أن يبتاع شيئًا تصدق به إلا جعله صدقة. وعند أبي ذَرٍّ

стр. 5935

تضبيبٌ على حرف "لا"، ولا أدري ما وجهه، وبإثبات النفي يتم المعنى، أي كان إذا اتفق له أن يشتري شيئًا، كان تصدق به، لا يتركه في ملكه حتى يتصدق به. وكأنه فهم أن النهي عن شراء الصدقة إنما هو لمن أراد أن يتملكها، لا لمن يردها صدقة، وتأتي بقية الكلام على الحديث إن شاء الله تعالى في الذي بعده. رجاله ستة: وفيه ذكر عمر، وقد مرّ الجميع، مرَّ يحيى بن بكير والليث وعقيل والزهريّ في الثالث من بدء الوحي، وعمر في الأول منه، ومرَّ سالم بن عبد الله في السابع عشر من الإيمان، وأبوه عبد الله في أوله قبل ذكر حديث منه. وهذا الحديث أخرجه النَّسَائيّ في الزكاة أيضًا. الحديث الثاني والتسعون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ ﵁ يَقُولُ حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: لاَ تَشْتَرِي وَلاَ تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ. قوله: حملت على فرس، زاد القعنبي في الموطأ "عتيق"، والعتيق الكريم الفائق من كل شيء، وهذا الفرس، أخرج ابن سعد في الطبقات عن الواقديّ، أن تميمًا الداريّ أهدى فرسًا، يقال له الورد، للنبي ﷺ ، فأعطاه عمر، فحمل عمر عليه في سبيل الله، فوجده عمر يباع .. الحديث، فعرف بهذا تسميته، وأصله، ولا يعارضه ما أخرجه مسلم وأبو عوانة. واللفظ للثاني عن ابن عمر، أن عمر حمل على فرس في سبيل الله، فأعطاه رسول الله ﷺ رجلًا، لأنه يحمل على أن عمر لما أراد أن يتصدق فوّض إلى رسول الله ﷺ ، اختيار من يتصدق به عليه، أو استشاره فيمن يحمله عليه، فأشار به عليه، فنسبت إليه العطية، لكونه أمره بها. وقوله: في سبيل الله، المراد به الجهاد لا الوقف، فلا حجة لمن أجاز بيع الموقوف، إذا بلغ غاية لا يتصور الانتفاع به فيما وقف له. وظاهر أنه حمله عليه حمل تمليك، ليجاهد عليه، إذ لو كان حمل تحبيس لم يَجُزْ بيعه. والرجل المحمول لم يسمَّ، وقوله: فأضاعه الذي كان عنده، أي بترك القيام عليه بالعلف والخدمة ونحوهما. وقيل: لم يعرف مقداره، فأراد بيعه بدون قيمته، وقيل: معناه استعمله في غير ما جعل له، والأول أظهر. ويؤيده رواية مسلم عن زيد بن أسلم "فوجده قد أضاعه، وكان قليل المال" فأشار إلى علة ذلك، وإلى العذر المذكور في إرادة بيعه. وقوله: لا تشتر ولا تعد، في رواية أحمد عن زيد بن

стр. 5936

أسلم "لا تعودون" وسمّى شراءه برخصٍ عَوْدًا في الصدقة، من حيث إن الفرض منها ثواب الآخرة، مع أنَّ العادة تقتضي بيع مثل ذلك برخص، لغير المتصدق، فكيف بالمتصدق؟ فيصير راجعًا في ذلك المقدار الذي سومح فيه. وقوله: وإن أعطاكه بدرهم، مبالغة في رخصه، وهو الحامل له على شرائه، ويستفاد منه أن البائع كان قد ملكه ولو كان محبسًا، كما ادعاه البعض. وقال: إنما جاز بيعه لكونه صار لا ينفع به فيما حبس له، لَما كان له أن يبيعه إلا بالقيمة الوافرة، ولا كان له أن يسامح منها بشيء، ولو كان المشتري هو المحبس، وقد استشكله الإسماعيليّ وقال: إذا كان شرط الواقف ما ذكر في وقف عمر، لا يباع أصله، ولا يوهب، فكيف يجوز أن يباع الفرس الموهوب؟ وكيف لا ينهى بائعه أو يمنع من بيعه؟ قال: فلعل معناه أن عمر جعله صدقة يعطيها رسول الله ﷺ من يرى إعطاءَها له، فأعطاها ﵊ الرجل المذكور، فجرى منه ما ذكر، ويستفاد من التعليل المذكور أيضًا، أنه لو وجده، مثلًا، يباع بأغلى من ثمنه، لم يتناوله النهي. وقوله: فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه. وفي حديث ابن عباس في الهبة "ليس لنا مثل السّوء، الذي يعود في هبته، كالكلب يعود في قيئه" أي: لا ينبغي لنا معشر المؤمنين أن نتصف بصفة ذميمة، يشابهنا فيها أخس الحيوانات في أخس أحوالها. قال الله تعالى ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ ولعل هذا أبلغ في الزجر عن ذلك، وأدل على التحريم مما لو قال مثلًا: لا تعودوا في الهبة. وإلى القول بتحريم الرجوع في الهبة بعد أن تقبض ذهب جمهور العلماء، إلا هبة الولد لوالده جمعا بين هذا الحديث وبين حديث النعمان الآتي في الهبة. وقال الطحاويّ: قوله "لا يحل" لا يستلزم التحريم، وهو كقوله "لا تحل الصدقة لغني" وإنما معناه لا تحل له من حيث تحل لغيره من ذوي الحاجات، وأراد بذلك التغليظ في الكراهة. قال: وقوله: كالعائد في قيئه، وإن اقتضى التحريم لكون القيء حرامًا، لكن الزيادة في الرواية الأخرى، وهي قوله "كالكلب" تدل على عدم التحريم؛ لأن الكلب غير متعبد، فالقيء ليس حرامًا عليه، والمراد التنزيه عن فعل يشبه فعل الكلب. وتعقب باستبعاد ما تأوله. ومنافرة سياق الحديث له، وبأن عرف الشرع في مثل هذه الأشياء يراد به المبالغة في الزجر، كقوله "من لعب بالنَّرْد شير، فكأنما غمس يده في لحم خنزير". قال القرطبي: الظاهر الاستدلال بالحديث على التحريم، لأن القيء حرام، ويحتمل أن يكون التشبيه للتنفير خاصة، لكون القيء مما يستقذر، وهو قول الأكثر، ويلتحق بالصدقة الكفارة والنذر وغيرهما من القُرُبات، وأما إذا ورثه فلا كراهة، وأبعد من قال: يتصدق به، قال الطبريّ: يخص من عموم هذا الحديث من وهب بشرط الثواب، ومن كان والدًا واهبًا لولده، والهبة التي لم تقبض، والتي ردها الميراث إلى الواهب لثبوت الأخبار باستثناء كل ذلك. وأما ما عدا ذلك، كالغني يُثيب الفقير، ونحو من يصل رحمه، فلا رجوع لهؤلاء.

стр. 5937

قال: ومما لا رجوع فيه مطلقًا الصدقةُ يراد بها ثواب الآخرة، وقد إستشكل ذكر عمر مع ما فيه من إذاعة عمل البر، وكتمانه أرجح، وأجيب بأنه تعارض عنده المصلحتان: الكتمان وتبليغ الحكم الشرعي، فرجح الثاني فعمل به، وتعقب بأنه كان يمكنه أن يقول: رجل على فرس مثلًا، ولا يقول: حملت، فيجمع بين المصلحتين. والظاهر أن محل رجحان الكتمان إنما هو قبل الفعل وعنده، وأما بعد وقوعه، فلعل الذي أُعطيه أَذاع ذلك، فانتفى الكتمان. ويضاف إليه أن في إضافته ذلك إلى نفسه تأكيدًا لصحة الحكم المذكور، لأن الذي تقع له القصة أجدر بضبطها ممن ليس عنده إلا وقوعها بحضوره، فلما أمِن ما يخشى من الإعلان بالقصد، صرّح بإضافة الحكم إلى نفسه. ويحتمل أن يكون محل ترجيح الكتمان لمن يخشى على نفسه من الإعلان العجب والرياء، أما مَنْ أمِنَ مِنْ ذلك، كعمر، فلا. وفي الحديث كراهة الرجوع في الصدقة، وفضل الحمل في سبيل الله، والإِعانة على الغزو بكل شيء، وأن الحمل في سبيل الله تمليك، وأن للمحمول بيعه، والانتفاع بثمنه. رجاله خمسة: مرَّ منهم عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرّ عمر في الأول منه، ومرّ زيد بن أسلم في الثاني والعشرين من الإيمان. والباقي أسلم العَدوي، مولاهم، أبو خالد. ويقال: أبو زيد. قيل: إنه حَبَشيّ، وقيل: إنه من سَبي عَين التمر. قال ابن إسحاق: بعث أبو بكر عمر سنة إحدى عشرة على إقامة الحج، فاشترى فيها أسلم مولاه. قال يعقوب بن شَيبة: كان ثقة، وهو من جلَّة موالي عمر، وكان يقدمه. وقال العجليّ: مدنيّ ثقة من كبار التابعين، وقال أبو زرعة: ثقة، أدرك زمن النبي ﷺ ، وروى عن أبي بكر ومولاه عمر، وعثمان وابن عمر وغيرهم. وروى عنه ابنه زيد والقاسم بن محمد، ونافع مولى ابن عمر وغيرهم. مات سنة ثمانين، وهو ابن مئة سنة وأربع عشرة. والظاهر أنه مات قبل الثمانين، لأنه صلى عليه مروان، ومروان مات سنة أربع وستين. أخرجه البخاريّ أيضًا في الهبة والجهاد، ومسلم في الفرائض والنَّسائي في الزكاة، وابن ماجه في الأحكام. ثم قال المصنف:

стр. 5938

باب ما يذكر في الصدقة للنبي ﷺ وآله لم يعين الحكم لشهرة الاختلاف فيه، والنظر فيه في ثلاثة مواضع: أولها المراد بالآل هنا بنو هاشم وبنو المطلب، على الراجح عند الشافعية. قال الشافعيّ: أشركهم النبي ﷺ في سَهم ذوي القربى، ولم يعطِ أحدًا من قبائل قريش سواهم، وتلك العطية عِوَض عُوِّضوه بدلًا عما حُرِموه من الصدقة. وعن أبي حنيفة ومالك: بنو هاشم فقط، وعن أحمد في بني المطلب روايتان، وعن المالكية فيما بين هاشم وغالب بن فِهْر قولان، فعن أَصْبَغ: منهم بنو قُصَيّ، وعن غيره بنو غالب بن فهر. ثانيها كان يحرم على النبي ﷺ صدقةُ الفَرْض والتطوع، كما نقل فيه غير واحد، منهم الخطابيّ، الاجماعَ، لكن حتى غير واحد عن الشافعيّ في التطوع قولًا، وكذا في رواية عن أحمد. ولفظه في رواية الميمونيّ "لا يحل للنبي ﷺ ، وأهلِ بيته صدقة الفطر، وزكاة الأموال، والصدقة يصرفها الرجل على محتاج يريد بها وجه الله. أما غير ذلك فلا، أليس يقال: كل معروف صدقة؟ " قال ابن قدامة: ليس ما نقل عنه من ذلك بواضح الدلالة، وإنما أراد أن ما ليس من صدقة الأموال، كالقَرضِ والهدية وفعل المعروف، كان غير محرم. قال الماورديّ: يحرم عليه كل ما كان من الأموال متقومًا، وقال غيره: لا تحرم عليه الصدقة العامة، كمياه الآبار وكالمساجد. واختلف هل كان تحريم الصدقة من خصائصه دون الأنبياء؟ أو كلهم سواء في ذلك؟ ثالثها: هل يلتحق به آله في ذلك أم لا؟ قال ابن قدامة: لا نعلم خلافًا في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة، كذا قال. وقد نقل الطبريّ الجوازَ أيضًا عن أبي حنيفة. وقيل عنه: يجوز لهم إذا حرموا سهم ذوي القربى حكاه الطحاويّ، ونقله بعض المالكية عن الأبْهريّ منهم، وهو وجه لبعض الشافعية، وعن أبي يوسف: يحل من بعضهم لبعض، لا من غيرهم. وعند المالكية في ذلك أربعة أقوال مشهورة: الجواز، المنع، جواز التطوع دون الفرض، عكسه. وأدلة المنع ظاهرة من حديث الباب وغيره، ولقوله تعالى ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ ولو أحلها لأنه لأوشك أن يطعنوا فيه، ولقوله تعالى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ وثبت عن النبي ﷺ "الصدقة أوساخ الناس" كما رواه مسلم. ويؤخذ من هذا جواز التطوع دون الفرض، وهو قول أكثر الحنفية، والمصحح عند الشافعية والحنابلة، وأما عكسه فقالوا: إن الواجب حق لازم، لا يلحق بأخذه ذلة، بخلاف التطوع، ووجه التفرقة بين بني هاشم وغيرهم أن موجب المنع رفع

стр. 5939

يد الأدنى على الأعلى، فأما الأعلى على مثله فلا، ولم يذكر لمن أجاز مطلقًا دليل. الحديث الثالث والتسعون حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَخَذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵄ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ كِخٍ كِخٍ لِيَطْرَحَهَا ثُمَّ قَالَ أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لاَ نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ. قوله: قال: أخذ الحسن، في رواية معمر عن محمد بن زياد أنه سمع أبا هريرة قال: كنا عند رسول الله ﷺ ، وهو يقسم تمرًا من تمر الصدقة، والحسن في حجره. أخرجه أحمد. وقوله: فجعلها في فيه، زاد أبو مسلم الكجيّ عن محمد بن زياد "فلم يفطن له النبي ﷺ حتى قام، ولعابه يسيل، فضرب النبي ﷺ شدْقه" وفي رواية معمر "فلما فرغ حمله على عاتقه، فسال لعابه، فرفع رأسه، فإذا تمرة في فيه" وقوله: كِخْ. كِخْ، بفتح الكاف وكسرها وسكون المعجمة، وبكسر الخاء منونة وغير منونة، والثانية توْكيد للأولى، وهي كلمة تقال لردع الصبي عند تناوله ما يستقذر. قيل: عربية، وقيل: أعجمية. وزعم الداوديّ أنها معربة. وقد أوردها البخاريّ في باب "من تكلم بالفارسية". وقوله: ليطرحها، زاد مسلم "ارم بها" وفي رواية حماد بن سلمة عند أحمد "فنظر إليه، فإذا هو يلوك تمرة، فحرك خده، وقال: أبقها يا بني، أبقها يا بُني" ويجمع بين هذا وبين قوله "كخ كخ" بأنه كلّمه أولًا بهذا، فلما تمادى قال له "كخ كخ" إشارة إلى استقذار ذلك له، ويحتمل العكس بأن يكون كلمه أولًا بذلك، فلما تمادى نزعها من فيه. وقوله: أما شعرت، وفي رواية البخاريّ في الجهاد "أما تعرف؟ " ولمسلم "أما علمت" هو شيء يقال عند الأمر الواضح، وإن لم يكن المخاطب بذلك عالمًا، أي: كيف خفي عليك هذا مع ظهوره؟ وهو أبلغ في الزجر من قوله "لا تفعل" وفي بعض النسخ "ما علمت" بحذف همزة الاستفهام. قال ابن مالك: وقد كثر حذف الهمزة إذا كان معنى ما حذفت منه لا يستقيم إلا بتقديرها. قال في المصابيح: ووقع في كلام سيبويه ما يقتضي أن حذفها من الضرائر، وذلك أنه قال، وزعم الخليل أن قول الأخطل: كذبتكَ عينُك أم رأيت بواسِطٍ ... غَلَسَ الظلامِ من الرَّباب خَيَالًا كقوله إنها لإبل أم شآء؟ ويجوز في الشعر أن يريد بكذبتك الاستفهام، وحذفت الألف. وقال ابن أم قاسم في الجنى الداني: المختار اطراد حذفها إذا كان بعدها أم المصلة، لكثرتها نظمًا ونثرًا. وقوله إنّا لا نأكل الصدقة، في رواية مسلم "إنا لا تحل لنا الصدقة" وفي رواية معمر "إن الصدقة لا تحل لآل محمد" وكذا عند أحمد والطحاويّ من حديث علي بن الحسن نفسه. قال: كنت مع

стр. 5940

النبي ﷺ ، فمر بجَرين من تمر الصدقة، فأخذتُ منه تمرةً فألقيتها في فيَّ فأخذها بلعابها، فقال: "إنَّا آل محمد لا تحل لنا الصدقة". وإسناده قويّ، وللطبرانيّ والطحاويّ عن أبي ليلى الأنصاريّ نحوه. وروى مسلم عن أبي هُريرة "والله اني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراش أو في بيتي، فارفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون صدقة، فألقيها". وروى أحمد عن عبد الله بن عمر "وأن النبيّ ﷺ " وجد تمرة تحت جنبه من الليل، فأكلها، فلم ينم تلك الليلة، فقال بعض نسائه: يا رسول الله، أرقتَ البارحةَ، قال: إني وجدت تمرة فأكلتها، وكان عندنا تمر من تمر الصدقة، فخشيت أن تكون منه". ورى التِّرمذيُّ عن معاوية بن حَيْدة جدبَهْز بن حكيم قال: كان رسول الله ﷺ إذا أُتي بشيء سأل: أصدقة هي أم هدية؟ فإن قالوا: صدقة، لم يأكل، وإن قالوا: هدية أكل". وروى أحمد والترمذيّ في الشمائل عن بُريدة بن حُصيب قال: "جاء سلمان إلى رسول الله ﷺ ، حين قدم المدينة بمائدة عليها رُطَب، فوضعها بن يدي النبيّ ﷺ ، فقالَ رسول الله ﷺ : ما هذا يا سلمان؟ قال: صدقة عليك، وعلى أصحابك. قال: ارفعها، فإنّا لا نأكل الصدقة". وأخرجه أحمد والحاكم في المستدرك عن سلمان "أن النبي ﷺ لما قدم المدينة" وفيه "فسأله أصدقة أم هدية؟ فقال: هدية، فأكل" وفي رواية أحمد عن سلمان قال: كان النبي ﷺ ، يقبل الهدية، ولا يقبل الصدقة، إلى غيرها هذا من الأحاديث. وفي الحديث دفع الصدقات إلى الإمام، والانتفاع بالمساجد في الأمور العامة، وجواز إدخال الأطفال المساجد، وتأديبهم بما ينفعهم، ومنعهم مما يضرهم، ومن تناول المحرمات، وإن كانوا غير مكلفين ليتدربوا بذلك، واستنبط بعضهم منه منع وَليّ الصغيرة لها إذا اعتدت من الزينة، وفيه الإعلام بسبب النهي، ومخاطبة من لا يميز لقصد إسماع من يميز، لأن الحسن، إذ ذاك، كان طفلًا. رجاله أربعة: وفيه ذكر الحسن، وقد مرَّ الجميع، مرّ آدم وشعبة في الثالث من الإيمان، ومرَّ أبو هريرة في الثاني منه، ومرّ محمد بن زياد في الثلاثين من الوضوء، ومرّ الحسن رضي الله تعالى عنه في الثامن والثمانين منه. ثم قال المصنف:

стр. 5941

باب الصدقة على موالي ازواج النبي ﷺ - لم يترجم لأزواج النبي ﷺ ، ولا لمواليه، لأنه لم يثبت عنده فيه شيء، وقد نقل ابن بطال أنهنَّ، أي: الأزواج، لا يدخلن في ذلك باتفاق الفقهاء. وفيه نظر، فقد نقل ابن قُدامة أن الخلال أخرج عن أبي مليكة عن عائشة قالت: إنّا آل محمد لا تحل لنا الصدقة. قال: وهذا يدل على تحريمها، وإسناده إلى عائشة حسن. وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا، وهذا لا يقدح فيما نقله ابن بطال. وروى أصحاب السنن، وصححه ابن حِبّان والتِّرمذيّ عن أبي رافع مرفوعًا "إنا لا تحل لنا الصدقة، إن موالي القوم من أنفسهم". وبحرمتها على مواليه ﵊ قال أحمد وأبو حنيفة ويعض المالكية، كابن الماجشون: وهو الصحيح، عند الشافعية. وقال الجمهور: تجوز لهم، لأنهم ليسوا منهم حقيقة، ولذا لم يعوضوا بخُمس الخمس، ومنشأ الخلاف قوله "منهم أو من أنفسهم" هل يتناول المساواة في حكم تحريم الصدقة أو لا؟ وحجة الجمهور أنه لا يتناول جميع الأحكام، فلا دليل فيه على تحريم الصدقة، لكنه ورد على سبب الصدقة، وقد اتفقوا على أنه لا يخرج السبب، وإن اختلفوا هل يخص به أو لا، ويمكن أن يستدل لهم بحديث الباب؛ لأنه يدل على جوازها لموالي الأزواج، وقد تقدم أن الأزواج ليسوا في ذلك من جملة الآل، فمواليهم أحرى بذلك، قال ابن المنير: إنما أورد البخاريّ هذه الترجمة، ليحقق أن الأزواج لا يدخل مواليهنّ في الخلاف، ولا تحرم عليهنّ الصدقة قولًا واحدًا، لئلا يظن ظانٌّ أنه لما قال بعض الناس بدخول الأزواج في الآل أنه يطرد في مواليهن، فبين أنه لا يطرد. الحديث الرابع والتسعون حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبِّاسٍ ﵄ قَالَ: وَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ شَاةً مَيِّتَةً أُعْطِيَتْهَا مَوْلاَةٌ لِمَيْمُونَةَ مِنَ الصَّدَقَةِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ هَلاَّ انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا. قَالُوا إِنَّهَا مَيْتَةٌ. قَالَ إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا. قوله: أُعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة، هذا هو موضع الترجمة من الحديث، فإن مولاة ميمونة أُعطيت من الصدقة، فلم ينكر عليها، فدل على أن موالي أزواج النبي ﷺ ، تحل لهم

стр. 5942

الصدقة. والمولاة المذكورة لم تسم. وقوله: هلا انتفعتهم بجلدها؟ وفي نسخة "بإهابها" بكسر الهمزة وتخفيف الهاء، هو الجلد قبل أن يدبغ. وقيل: هو الجلد دُبغ أو لم يدبغ. وجمعه أُهُب، بفتحتين ويجوز بضمتين، زاد مسلم: هلا أخذتم إهابها، فدبغتموه، فانتفعتم به؟، وأخرج مسلم نحوه عن ابن عباس، قال: ألا أخذوا إهابها فدبغوه، فانتفعوا به. وقوله: قالوا: إنها مَيْتَة، لم يعين القائل. وقوله: إنما حرم أكلها. قال ابن أبي جمرة: فيه مراجعة الإِمام فيما لا يفهم السامع معنى ما أمره، كأنهم قالوا: كيف تأمرنا بالانتفاع بها وقد حرمت علينا؟ فبين له وجه التحريم. ويؤخذ منه جواز تخصيص الكتاب بالسنة، لأن لفظ القرآن ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ وهو شامل لجميع أجزائها في كل حال، فخصت السنة ذلك بالأكل، وفيه حسن مراجعتهم، وبلاغتهم في الخطاب، لأنهم جمعوا معاني كثيرة في كلمة واحدة، وهي قولهم: إنها ميتة. واستدل به الزُّهريّ على جواز الانتفاع بجلد الميتة مطلقًا سواء دبغ أو لم يدبغ، لكن صح التقييد من طرق أخرى بالدباغ، وهي حجة الجمهور، واستثنى الشافعي من المَيْتات الكلبَ والخنزير، وما تولد منهما، لنجاسة عينهما عنده، وأبو حنيفة الخنزير، ولم يستثن أبو يوسف وداود شيئًا، أخذًا بعموم الخبر. وهي رواية عن مالك، ومشهور مذهبه أن الجلد عنده لا يطهر بالدباغ، ولكن يرخص في الانتفاع به في اليابس والماء المطلق بالدباغ، إلا من الخنزير خاصة. وقد أخرج مسلم عن ابن عباس، رَفَعه، "إذا دبغ الإهاب فقد طَهُر" ولفظ الشافعيّ والتِّرْمِذِيّ وغيرهما "أيما إهاب دُبغ فقد طَهُر" وفي لفظ مسلم، أيضًا، عن ابن عباس "سألنا رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: دِباغه طَهوره" وفي رواية للبزَّار: دباغ الأديم طُهوره، وجزم الرافعيّ وبعض أهل الأصول أن هذا اللفظ ورد في شاة ميمونة، وهو محتمل احتمالًا قويًا، لكون الجميع من رواية ابن عبّاس، وتمسك بعضهم بخصوص هذا السبب، فقصر الجواز على المأكول، لورود الخبر في الشاة، ويتقوى ذلك من حيث النظر بأن الدباغ لا يزيد في التطهير على الذكاة، وغير المأكول لو ذُكّي لا يطهر بالذكاة عند الأكثر، فكذلك الدباغ. وأجاب من عمم بالتمسك بعموم اللفظ، فهو أولى من خصوص السبب، وبعموم الإذن في المنفعة، ولأن الحيوان طاهر ينتفع به قبل الموت، فكان الدباغ بعد الموت قائمًا مقام الحياة. وذهب قوم إلى أنه لا ينتفع من الميتة بشيء، سواءًا دبغ أو لم يدبغ، وتمسكوا بحديث عبد الله بن عكيم، قال: "أتانا كتابُ رسول الله ﷺ قبل موته، أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عَصَب". أخرجه الشافعيّ وأحمد والأربعة، وصححه ابن حبّان، وحسنه التِّرمِذيُّ. وفي رواية للشافعي وأحمد وأبي داود "قبل موته بشهر" قال التِّرْمذيّ: كان أحمد يذهب إليه ويقول هذا آخر الأمرين، ثم تركه لما اضطربوا في إسناده. وكذا قال الخلال، ورد ابن حبّان على من أدعى فيه

стр. 5943

الاضطراب، وقال: سمع ابن عكيم الكتاب يقرأ، وسمعه من مشائخ من جُهينة عن النبي ﷺ ، فلا اضطراب. وأعَلَّه بعضهم بالانقطاع، وهو مردود، وبعضهم بكونه كتابًا، وليس بعلة قادحة، وبعضهم بأنَّ ابن أبي ليلى راويه عن ابن عكيم، لم يسمعه منه، لما وقع عند أبي داود عنه أنه انطلق هو وناسٌ معه إلى عبد الله بن عكيم. قال: فدخلوا وقعدت على الباب، فخرجوا إليّ، وأخبروني، فهذا يقتضي أن في السند من لم يُسَمّ، ولكن صح تصريح عبد الرحمن بن أبي ليلى سماعه من ابن عكيم، فلا أثر لهذه العلة، وأقوى ما تمسك به ممن لم يأخذ بظاهره معارضةُ الأحاديث الصحيحة له، وأنها عن سماع، وهذا عن كتابة، وأنها أصح مخارج، وأقوى من ذلك الجمعُ بين الحديثين، بحمل الإهاب على الجلد قبل دبغه، وأنه بعد الدبغ لا يسمى إهابًا، وإنما يسمى فِرْيَةً وغير ذلك. وقد نُقل ذلك عن أئمة اللغة كالنَّضْر بن شُمَيل. وهذه طريقة ابن شاهين وابن عبد البَرّ والبيْهقيّ. وأبعدَ من جَمَعَ بينهما يحمل النهي على جلد الكلب والخنزير، لكونهما لا يدبغان، وكذا من حمل النهي على باطن الجلد، والإذن على ظاهره. وحكى الماورديُّ عن بعضهم أن النبيَّ ﷺ لما مات، كان لعبد الله بن عكيم سنة، وهذا كلام باطل، فإنه كان رجلًا. رجاله ستة: قد مرّوا، وفيه ذكر مولاة لميمونة، قال ابن حجر: لم أقف على اسمها، مرّ سعيد بن عُفير وابن وهب في الثالث عشر من العلم، ومرّ يونس بن يزيد في متابعة بعد الرابع من بدء الوحي، وابن شهاب في الثالث منه، وعُبيد الله المسعوديّ في السادس منه، وابن عباس في الخامس منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، وسنده مصريان وأَيْليّ ومدنيان. أخرجه البخاريّ في البيوع والذبائح، ومسلم في الطهارة، وأبو داود في اللباس، والنَّسَائيّ في الذبائح. الحديث الخامس والتسعون حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ لِلْعِتْقِ، وَأَرَادَ مَوَالِيهَا أَنْ يَشْتَرِطُوا وَلاَءَهَا، فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ لِلنَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ اشْتَرِيهَا، فَإِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ. قَالَتْ وَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِلَحْمٍ فَقُلْتُ هَذَا مَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ فَقَالَ: هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ. وموضع الترجمة منه قوله فيه: هو لها صدقة ولنا هدية، وهذا الحديث قد مرَّ استيفاء الكلام عليه في أوائل كتاب الصلاة في "باب ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد".

стр. 5944

رجاله ستة: وفيه ذكر بُريرة، وقد مرّ الجميع، مرّ آدم وشعبة في الثالث من الإيمان، ومرّ إبراهيم بن يزيد في الخامس والعشرين منه، ومرّ الحكم بن عُتَيبة في الثامن والخمسين من العلم، ومرّ الأسود في السابع الستين منه، ومرّت عائشة في الثاني من بدء الوحي، ومرّت بُريرة في التاسع والخمسين من استقبال القبلة. أخرجه البخاريّ في كفّارة الأيمان والطلاق والفرائض، والنَّسائي في الزكاة وفي الطلاق وفي الفرائض. ثم قال المصنف:

стр. 5945

باب إذا تحولت الصدقة في رواية أبي ذَرٍّ "إذا حُولت الصدقة" بضم أوله، أي: فقد جاز للهاشمي تناولها. الحديث السادس والتسعون حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ فَقَالَ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ. فَقَالَتْ لاَ. إِلاَّ شَيْءٌ بَعَثَتْ بِهِ إِلَيْنَا نُسَيْبَةُ مِنَ الشَّاةِ الَّتِي بَعَثْتَ بِهَا مِنَ الصَّدَقَةِ. فَقَالَ إِنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا. هذا الحديث قد مرّ الكلام عليه في باب "قدر كم يعطى من الزكاة". رجاله خمسة: وفيه ذكر عائشة، وقد مرّ الجميع، مرّ علي بن المَدِينيّ في الرابع عشر من العلم، ومرّ خالد الحذاء في السابع عشر منه، ومرَّ يزيد بن زريع في السادس والتسعين من الوضوء، ومرّ حفصة بنت سيرين وأم عطية في الثاني والثلاثين منه، ومرّ محل عائشة في الذي قبله. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة، ورواته كلهم بصريون، وفيه رواية التابعية عن الصحابية. أخرجه البخاريّ في الزكاة، ومسلم فيها أيضًا. الحديث السابع والتسعون حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ رضي الله تعالى عنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِىَ بِلَحْمٍ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ فَقَالَ: هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ. هذا رواية من حديث بُريرة السابق، قبل هذا بحديث، وقد مرَّ ذكر محل الكلام عليه في السابق. رجاله خمسة: وفيه ذكر بُريرة، وقد مرّ الجميع، مرّ يحيى بن موسى في التاسع عشر من الحيض، ومرَّ وكيع

стр. 5946

في الثاني والخمسين من العلم، ومرَّ شعبة في الثالث من الإيمان، وقتادة وأنس في السادس منه، ومرَّ محل بُرَيرة في الذي قبله بحديث. أخرجه البخاريُّ أيضًا في الزهد، ومسلم وأبو داود في الزكاة. ثم قال: وقال أبو داود؛ أنبأنا شُعبة عن قتادة؛ سمع أنسًا عن النبي ﷺ . ذكر في هذا التعليق الإِسناد دون المتن، لتصريح قتادة فيه بالسماع، وأبو داود الطيالسيّ، وقد أخرجه هو في مسنده كذلك، وقد أخرجه الإسماعيليّ عن معاذ عن شعبة، فصرح بسماع قتادة عن أنس أيضًا، وأسنده أبو نعيم في المستخرج، ورجاله أربعة، مرّ محل شُعبة وقتادة وأنس في الذي قبله، ومرّ أبو داود الطيالسيّ في تعليق بعد الحادي والعشرين من الأذان. ثم قال المصنف:

стр. 5947

باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا قول المصنف: حيث كانوا، يشعر بأن اختياره أنها لا تنقل من بلد وفيه من هو متصف بصفة الاستحقاق، وقد أجاز النقلَ الليثُ وأبو حنيفة وأصحابهما، ونقله ابن المنذر عن الشافعيّ، واختاره. والأصح عند المالكية والشافعية والجمهور تركُ النقل، فلو خالف ونقل أجزأ عند المالكية على الأصح، ولم تجز عند الشافعية، على الأصح، إلا إذا فُقِد المستحقون لها. وقد مرّ مذهب مالك عند أول حديث من كتاب الزكاة هذا. الحديث الثامن والتسعون حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ. وقوله: فترد على فقرائهم، ظاهر في أن الصدقة ترد على فقراء من أُخذت من أغنيائهم. وقال ابن المنير: اختار البخاريّ جواز نقل الزكاة من بلد المال لعموم قوله "فترد في فقرائهم" لأن الضمير يعود على المسلمين، فأي فقير منهم ردت فيه الصدقة في أي جهة كان، فقد وافق عموم الحديث. ومرّ قريبًا أن ترجمته يفهم منها عكس هذا، والذي يتبادر إلى الذهن من هذا الحديث، عدمُ النقل، وأن الضمير يعود على المخاطَبين، فيختَصَّ بذلك فقراؤهم، لكن رجّح ابن دقيق العيد الأول، وقال: إنه وإن لم يكن الأظهر، إلا أنه يقوّيه أن أعيان الأشخاص المخاطَبين في قواعد الشرع الكُلية لا تعتبر في الزكاة، كما لا تعتبر في الصلاة، فلا يختص بهم الحكم، وإن اختص بهم خطاب المواجهة. وهذا الحديث قد مرّت مباحثه مستوفاة عند ذكره أول حديث من كتاب الزكاة هذا، إلا ما في

стр. 5948

آخره من زيادة "فإياك وكرائم أموالهم .. " الخ. وقوله: كرائم أموالهم، منصوب بفعل مضمر لا يجوز إظهاره. قال ابن قُتيبة: ولا يجوز حذف الواو. والكرائم جمع كَريمة، أي نفيسة، ففيه ترك أخذ خيار المال، والنكتة فيه أن الزكاة لمواساة الفقراء، فلا يناسب ذلك الإجحاف بمال الأغنياء، إلا إن رَضُوا بذلك. وقوله: واتقِ دعوةَ المظلوم، أي تجنب الظلم، لئلا يدعو عليك المظلوم، وفيه تنبيه على المنع من جميع أنواع الظلم، والنكتة في ذكره عقب المنع من أخذ الكرائم الإشارةُ إلى أن أخذها ظلمٌ. وقال بعضهم: عطف "واتقِ" على عامل إياك المحذوف وجوبًا، والتقدير اتق نفسك إن تتعرض للكرائم، وأشار بالعطف إلى أن أخذ الكرائم ظلم، ولكنه عمم، إشارة إلى التحرز عن الظلم مطلقًا. وقوله: حجاب، أي: ليس لها صارت يصرفها، ولا مانع. والمراد أنها مقبولة وإن كان عاصيًا، كما جاء عن أبي هريرة عند أحمد مرفوعًا "دعوة المظلوم مستجابة، وإن كان فاجرًا" ففجوره على نفسه، وليس المراد أن لله تعالى حجابًا يحجبه عن الناس. وقال الطيبيُّ: قوله واتقِ دعوةَ المظلوم، تذييلٌ، لاشتماله عل الظلم الخامس من أخذ الكرائم، وعلى غيره. وقوله: فإنه ليس بينها وبين الله حجاب، تعليلٌ للاتقاء، وتمثيلٌ للدعاء، كمن يقصد دار السلطان متظلمًا فلا يحجب. قال ابن العَرَبيّ: إلا أنه، وإن كان مطلقًا، فهو مقيَّد بالحديث الآخر "إن الداعي على ثلاث مراتب؛ إمّا أن يعجَّل له ما طلب، وإما أن يُدّخر له أفضل منه، وإما أن يدفع عنه من السوء مثله". وهذا كما قيد مطلق قوله تعالى ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾. وقال ابن بطال في الكلام على رفع الحجاب عن المؤمنين في كلامهم مع ربهم تعالى يوم القيامة: معنى رفع الحجاب إزالة الآفة من أبصار المؤمنين، المانعةُ لهم من الرؤية، فيرونه لارتفاعها عنهم بخلق ضدها فيهم. ويشير إليه قوله تعالى في حق الكفار ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾، ويأتي، إنْ شاء الله تعالى، استيفاءُ الكلام على هذا الحجاب عند محله في كتاب التوحيد، لأنّ الحجابَ المذكور في معرض رؤية الباري ﷻ ، ليس هو المراد بالحجاب المذكور هنا، وقد استوفينا الكلام عليه في كتاب "استحالة المعية بالذات". وفي الحديث الدعاء إلى التوحيد قبل القتال، وتوصية الإمام عامله فيما يحتاج إليه من الأحكام وغيرها. وفيه بعث السعاة لأخذ الزكاة، وقبول خير الواحد، ووجوب العمل به، وأن الزكاة لا تدفع إلى الكافر، لعود الضمير في "فقرائهم" إلى المسلمين، سواء قلنا بخصوص البلد أو العموم. وأن الفقير لا زكاة عليه، وقد مرت بقية مباحثه في المحل المذكور آنفًا. رجاله ستة: وفيه ذكر معاذ، وقد مرّ الجميع، مرّ محمد بن مقاتِل في السابع من العلم، ومرّ عبد الله بن المبارك في السادس من بدء الوحي، ومرّ ابن عباس في الخامس منه، ومرّ زكرياء بن إسحاق في

стр. 5949

السادس عشر من كتاب الصلاة، ومرَّ يحيى بن صيفيّ في الأول من هذا الكتاب، ومرّ أبو معبد في الثامن من كتاب صفة الصلاة، ومرَّ معاذ بن جبل في أثر أولَ كتاب الإيمان، قبل ذكر حديث منه. ثم قال المصنف:

стр. 5950

باب صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة وقوله تعالى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾. قال الزين بن المنير: عطف الدعاء على الصلاة في الترجمة، ليبين أن لفظ الصلاة ليس محتمًا، بل غيره من الدعاء ينزل منزلته، ويؤيد عدم الانحصار في لفظ الصلاة ما أخرجه النَّسائيُّ عن وائل بن حَجَر أنه ﵊، قال في رجل بعث بناقة حسنة في الزكاة "اللهم بارك فيه، وفي إبله" وأما استدلاله بالآية لذلك، فكأنه فهم من سياق الحديث مداومة النبي ﷺ على ذلك، فحمله على امتثال الأمر في قوله تعالى ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ وروى ابن أبي حاتم وغيره بإسناد صحيح عن السديّ في قوله تعالى ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ قال: ادع لهم. وقال ابن المنير: عبر المصنف في الترجمة بالإمام، ليبطل شبهة أهل الردة في قولهم للصديق: إنما قال الله تعالى لرسوله ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ وهذا خاص بالرسول، فأراد أن يبين أن كل إمام داخل في الخطاب. وقوله ﴿سَكَنٌ لَهُمْ﴾ أي رحمة وطمأنينة أو وقار. الحديث التاسع والتسعون حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلاَنٍ. فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ، فَقَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى. قوله: قال: اللهم صلِّ على فلان، في رواية غير أبي ذَرٍّ "على آل فلان" وقوله: على آل أوْفى، يريد أبا أوفى نفسه، لأن الآل يطلق على ذات الشيء، كقوله في قصة أبي موسى "لقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود"، وقيل: لا يقال ذلك إلا في حق الرجل الجليل القدر، واستدل به على جواز الصلاة على غير الأنبياء، وكرهه مالك والجمهور. قال ابن التين: وهذا الحديث يعكر عليه، وقد قال جماعة من العلماء: يدعو آخذُ الصدقة للمتصدق بهذا الدعاء لهذا الحديث. وأجاب الخطابيّ عنه قديمًا بأن أصل الصلاة الدعاءُ، إلا أنه يختلف بحسب المدعو له، فصلاة النبي ﷺ على أمته، دعاء لهم بالمغفرة، وصلاة أمته عليه، دعاءٌ له بزيادة القربى والزلفى، ولذلك كان لا يليق بغيره. واستدل به على استحباب دعاء آخذ الزكاة لمعطيها، وأوجبه بعض أهل

стр. 5951

الظاهر، وحكاه المناطيّ وجهًا لبعض الشافعية، وتعقب بأنه لو كان واجبًا لعلَّمه النبي ﷺ السعاة، ولأن سائر ما يأخذه الإِمام من الكفارات والديون وغيرهما، لا يجب عليه فيها الدعاء، فكذلك الزكاة. وأما الآية فيحتمل أن يكون الوجوب خاصًا به، لكون صلاته سكنًا لهم بخلاف غيره. رجاله أربعة: وفيه ذكر أبي أوفى، مرّ منهم حفص بن عمر في الثالث والثلاثين من الوضوء، ومرّ شعبة في الثالث من الإيمان، ومرّ عمرو بن مرة في السبعين من الجماعة والرابع عبد الله بن أبي أوفى. واسم أبي أوفى علقمة بن خالد بن الحارث بن أبي أسَيد بن رفاعة بن ثعلبة بن هَوازن بن أسْلَم الأسْلَمِيّ، أبو معاوية، وقيل أبو إبراهيم، وقيل أبو محمد. له ولأبيه صحبة، وكان من أصحاب الشجرة. وفي الصحيح عنه: "غزوت مع النبي ﷺ ست غَزَوات، نأكل الجراد" وفي رواية "سبْع غزوات". وروى أحمد عن يزيد عن إسماعيل قال: رأيت على ساعد عبد الله بن أبي أوْفى ضربةً فقال: ضُربتها يومَ حنين، فقلت أشهدت حنينًا؟ قال: نعم. وقال عطاء بن السائب: رأيت عبد الله بن أبي أوْفى بعدما ذهب بصره، لم يزل بالمدينة إلى أن قُبض رسولُ الله ﷺ ، ثم تحول إلى الكوفة، ولم يزل بها إلى أن مات بها. له خمسة وتسعون حديثًا، اتفقا على عشرة وانفرد البخاريُّ بخمسة، ومسلم بواحد. روى عنه عمرو بن مُرة وطلحة بن مصرف وعديّ بن ثابت، وهو من الصحابة السبعة الذين أدركهم أبو حنيفة سنة ثمانين، وكان عمره سبع سنين. مات عبد الله بالكوفة سنة سبع وثمانين. وأبو أوفى هو علقمة بن خالد، كما تقدم في نسب ابنه. قال ابن مَنْده: كان أبو أوفى من أصحاب الشجرة، له ذكر في البخاريّ في هذا الحديث. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، وشيخه من أفراده، وهو كوفي ثم واسطيّ، ثم كوفيان. أخرجه البخاريّ أيضًا في المغازي، وفي الدعوات، ومسلم وأبو داود والنَّسائيّ وابن ماجه في الزكاة. ثم قال المصنف:

стр. 5952

باب ما يستخرج من البحر أي: هل تجب فيه الزكاة أو لا؟ إطلاق الاستخراج أعم من أن يكون بسهولة، كما يوجد في الساحل أو بصعوبة كما يوجد بعد الغوص ونحوه. ثم قال: وقال ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما: ليس العنبر بركاز، إنما هو شيء دَسَرَه البحر. اختلف في العنبر، فقال الشافعيُّ في الأم: أخبرني عدد ممن أوثق بخبره أنه نبات يخلقه الله في جنبات البحر. قال: وقيل إنه يأكله حوت فيموت، فيلقيه البحر، فيؤخذ فيشق بطنه، فيخرج منه. وقال محمد بن الحسن: إنه ينبت في البحر بمنزلة الحشيش في البر. وقيل: هو شجر ينبت في البحر فينكسر، فيلقيه الموج إلى الساحل. وقيل: يخرج من عَين. قال ابن سينا: وقال وما يحكى من أنه روث دابة أو قيؤها، أو من زَبَد البحر بعيدٌ. وقال ابن البيطار: هو روث دابة بحرية، وقيل: هو شيء بنبت في قعر البحر. ثم حكى نحو ما تقدم عن الشافعيّ، ويأتي في الباب الذي بعده تحقيق الركاز. وقوله: دسره، أي دفعه ورماه إلى الساحل، وهذا التعليق وصله الشافعيّ، وأخرجه البيهقيّ من طريقه، وأخرجه ابن أبي شَيبة في مصنفه عن وكيع، وقد جاء عن ابن عباس التوقف فيه، ويجمع بين القولين بأنه كان يشك فيه، ثم تبين له أنه لا زكاة فيه، فجزم بذلك. وابن عباس مرَّ في الخامس من بدء الوحي. ثم قال: وقال الحسن: في العنبر واللؤلؤ الخمس. وهذا التعليق وصله أبو عبيد في كتاب الأموال، والحسن البصريّ مرَّ في الرابع والعشرين من الإيمان. ثم قال: فإنما جعل النبي ﷺ في الركاز الخمس، ليس في الذي يصاب في الماء. سيأتي موصولًا في الذي بعده، وأراد بذلك الرد على ما قال الحسن، لأن الذي يستخرج من البحر لا يسمى في لغة العرب ركازًا، كما سيأتي شرحُه قريبًا. قال ابن القَصّار: ومفهومُ الحديث أن غير الرَّكاز لا خُمس فيه، ولاسيما اللؤلؤ والعنبر، لأنهما يتوالدان من حيوان البحر، فأشبها السمك. الحديث المئة وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَجُلاً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ

стр. 5953

دِينَارٍ، فَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ فَأَخَذَهَا لأَهْلِهِ حَطَبًا فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ. هكذا أورده هنا مختصرًا، وقد أورده مطولًا في الكفالة، وسأشرحه هنا إن شاء الله تعالى، على ما في الكفالة، ووقع هنا في رواية أبي ذَرٍّ معلقًا، ووصله أبو ذَرٍّ عن علي بن وَصيف عن محمد بن غسان عن عبد الله بن صالح عن الليث به، وفي خط أبي عليّ الصدفيّ في هذا الحديث "رواه عاصم بن علي عن الليث"، فلعل البخاريّ إنما لم يسنده عنه لكونه ما سمعه منه، أو لكونه تفرّد به، فلم يوافقه عليه أحد، والأول بعيد سلمنا لكن لم ينفرد به عاصم، فقد اعترف أبو عليّ بذلك، فقال في آخر كلامه: رواه محمد بن رمح عن الليث، وكأنه لم يقف على الموضع الذي وصله فيه البخاريّ عن عبد الله بن صالح. قال الإسماعيليّ ليس في هذا الحديث شيء يناسب الترجمة، رجل اقترض قرضًا فارتجع قرضه، وكذا قال الداودي: حديث الخشبة ليس من هذا الباب في شيء. وأجاب أبو عبد الملك بأنه أشار به إلى أن كل ما ألقاه البحر جاز أخذه، ولا خُمس فيه. وقال ابن المنير: موضع الاستشهاد منه أخذ الرجل الخشبة على أنها حطب، فإذا قلنا: إنَّ شرع من قبلنا شرع لنا، فيستفاد منه إباحة ما يلفظه البحر من مثل ذلك، مما نشأ في البحر أو عطب فانقطع ملك صاحبه. ولذلك ما لم يتقدم عليه ملك لأحد من باب أوْلى، وكذلك ما يحتاج إلى معاناة وتعب في استخراجه أيضًا. وقد فرق الأوزاعيّ بين ما يوجد في الساحل، فيخمس، أو في البحر بالغوص ونحوه، فلا شيء فيه. وذهب الجمهور إلى أنه لا يجب فيه شيء إلا ما روى عن عمر بن عبد العزيز، كما أخرجه ابن أبي شيبة، وكذا الزّهريّ والحسن كما تقدم، وهو قول أبي يوسف، ورواية عن أحمد. وقوله: إن رجلًا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، في رواية أبي سلمة "أن رجلًا من بني إسرائيل كان يسلف الناس، إذ أتاه الرجل بكفيل" لم يعرف اسم هذا الرجل، إلا أنه في مسند الصحابة الذين نزلوا مصر، لمحمد بن الربيع الجيزيّ، بإسناد له فيه مجهول، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، يرفعه "أن رجلًا جاء إلى النجاشيّ فقال له: أسلفني ألف دينار إلى أجل، فقال: من الحَميلُ بك؟ فقال: الله، فأعطاه الألف، فضرب الرجل، أي: سافر، بها في تجارة، فلما بلغ الأجل أراد الخروج إليه فحبسه الريح، فعمل تابوتًا". فذكر الحديث مثل حديث أبي هريرة. واستفيد منه أن الذي أقرض هو النجاشيّ، فيجوز أنَّ نسبته إلى بني إسرائيل بطريق الاتباع، لا أنه من نسلهم. وقوله: كفى بالله كفيلا، قال: صدقت، في رواية أبي سلمة: سبحان الله، نعم. وقوله: فدفعها إليه، أي الألف دينار، وفي رواية أبي سلمة: "فعدله ستمائة دينار". والأول أرجح، لموافقته حديث عبد الله بن عمرو، ويمكن الجمع بينهما باختلاف العدد والوزن، مثلًا ألفًا والعدد

стр. 5954

ست مئة أو بالعكس، وقوله: فخرج في البحر فقضى حاجته، في رواية أبي سلمة "فركب الرجل البحرَ بالمال يتَّجر فيه، فقدر الله أنْ حل الأجل وارتَجّ البحر بينهما" وقوله: فلم يجد مركبًا، زاد في رواية أبي سَلَمة "وغدا رب المال إلى الساحل يسأل عنه، ويقول: اللهم اخلفني، وإنما أعطيت لك". وقوله: فأخذ خشبة، فنقرها، أي حفرها. وفي رواية أبي سلمة: فنجر خشبة، وفي حديث عبد الله بن عمرو: فعمل تابوتًا، وجعل فيه الألف. وقوله: وصحيفة منه إلى صاحبه، في رواية أبي سلمة: وكتب إليه صحيفة من فلان إلى فلان، إني دفعت مالك إلى وكيلي الذي توكّل به. وقوله: ثم زَجَّجَ موضعها، كذا للجميع، بزاي وجيمين، قال الخطابيّ: أي: سوى موضع النقر وأصلحه، وهو من تزجيج الحواجب، وهو حذف زوائد الشعر، ويحتمل أن يكون مأخوذًا من الزُّج، وهو النصل، كأن يكون النقر في طرف الخشبة، فشد عليه زُجًّا ليمسكه، ويحفظ ما فيه. وقال عياض: معناه سَمَّرها بمسامير كالزُّج أو حشي شُقوقها لصاقها بشيء ورقعه بالزُّج. وقال ابن التين: معناه أصلح موضع النقر. وقوله: تسلَّفت فلانًا، كذا وقع فيه، والمعروف تعديته بحرف الجر كما في رواية الإسماعيلي "استسلفت من فلان". وقوله: فرضي بذلك، كذا للكشميهنيّ ولغيره "فرضي به" وفي رواية الإسماعيليّ "فرضي بك" وقوله: إني جَهَدت، بفتح الجيم والهاء، وزاد في حديث عبد الله بن عمرو: فقال: اللهم أدّ جمالتك. وقوله. حتى وَلَجت فيه، بتخفيف اللام، أي دخلت في البحر. وقوله: فلما نشرها أي: قطعها بالمنشار. وقوله: وجد المال، في رواية النَّسائيّ: فلما كسرها، وفي رواية أبي سَلَمة: وغدا رَبُّ المالِ يسأل عن صاحبه، كما كان يسأل، فيجد الخشبة فيحملها إلى أهله، فقال: أوقدوا هذه فكسروها، فانتثرت الدنانير منها، والصحيفة فقرأها، وعرف. وقوله: ثم قدم الذي كان أسلفه فأتى بالألف دينار، وفي رواية أبي سلمة: ثم قدم بعد ذلك، فأتاه رب المال، فقال: يا فلان، الي، قد طالت النّطِرَة. فقال: أما مالُك فقد دفعتُه إلى وكيلي، وأما أنت فهذا مالُك. وفي حديث عبد الله بن عُمر: وإنه قاله له: هذه ألفك، فقال النجاشيّ: لا أقبلها منك حتى تخبرني ما صنعت، فأخبره فقال: لقد أدّى الله عنك. وقوله: وانصرف بالألف راشدًا، في حديث عبد الله بن عمرو: قد أدّى اله عنك، وقد بلغنا الألف في التابوت، فأمسك عليك ألفك. زاد أبو سلمة في آخره: قال أبو هريرة: ولقد رأيتنا عند رسول الله ﷺ يكثر مراؤنا ولَغَطُنا أيهما آمن. وفي الحديث جواز الأجل في القرض، ووجوب الوفاء، وقيل: لا يجب، وهو من باب المعروف، وفيه التحديث عما كان في بني إسرائيل وغيرهم من العجائب، للاتعاظ والإِتساء، وفيه التجارة في البحر. وجواز ركوبه. وفيه بداءة الكاتب بنفسه، وفيه طلب الشهود في الدَّيْن، وطلب الكفيل به، وفيه فضل التوكُّل على الله، وإنَّ من صح تركه تكفل الله بنصره وعونه.

стр. 5955

رجاله أربعة: قد مرّوا، مرّ الليث في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ جعفر بن ربيعة في الرايع من التيمم، ومرّ ابن هُرْمز في السابع من الإيمان، ومرّ أبو هريرة في الثاني منه. وهذا الحديث ذكره البخاريّ هنا معلقًا عن الليث، وقد وصله في البيوع عنه، وذكره أيضًا في عدة مواضع. أخرجه في الكفالة أيضًا وفي اللُّقَطة، وفي الاستقراض وفي الشروط وفي الاستئذان، وأطول مواضعه في باب الكفالة في القرض. وأخرجه النَّسائيّ في اللُّقَطة. ثم قال المصنف:
следующие страницы →